← Тафсир

Тафсир · id 1234

درر من تفسير القرطبي

أحمد مرشد

Полный текст (667 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

(١٣٩) اختلف العلماء في المراد بالكلمات في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤] على أقوال وأصح من هذا ما ذكره عبدالرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال ابتلاه الله بالطهارة، خمس في الرأس وخمس في الجسد قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الشعر، وفي الجسد: تقليم الأظفار وحلق العانة والاختتان ونتف الإبط وغسل (مكان الغائط والبول) بالماء- وعلى هذا القول: فالذي أتم هو إبراهيم وهو ظاهر القرآن وروى مطر عن أبي الجلد أنها عشر أيضا إلا أنه جعل موضع الفرق غسل البراجم وموضع الاستنجاء الاستحداد. [٢/ ٩٥] (١٤٠) قال الميموني قال لي أحمد: إن هاهنا رجلًا وُلد له ولد مختون فاغتم لذلك غمًا شديدا فقلت له: إذا كان الله قد كفاك المؤنة فما غمك بهذا. [٢/ ٩٨] (١٤١) قص الشارب: الأخذ منه حتى يبدو طرف الشفة وهو الإطار ولا يجزه فيمثل نفسه قاله مالك. وذكر ابن عبد الحكم عنه قال: وأرى أن يؤدب من حلق شاربه. وذكر أشهب عنه أنه قال في حلق الشارب: هذه بدع وأرى أن يوجع ضربًا من فعله. وقال ابن خويز منداد قال مالك: أرى أن يوجع من حلقه ضربًا كأنه يراه ممثلًا بنفسه وكذلك بنتفه الشعر، وتقصيره عنده أولى من حلقه. [٢/ ١٠٣]

стр. 72

(١٤٢) الثريد أزكى الطعام وأكثره بركة وهو طعام العرب وقد شهد له النبي ﷺ بالفضل على سائر الطعام فقال: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام». [٢/ ١٠٦] (١٤٣) خرج مسلم عن أنس قال: «وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة ألا نترك أكثر من أربعين ليلة». قال علماؤنا: هذا تحديد في أكثر المدة والمستحب تفقد ذلك من الجمعة إلى الجمعة. [٢/ ١٠٧] (١٤٤) من قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] المعنى: جعلناك للناس إمامًا يأتمون بك في هذه الخصال ويقتدي بك الصالحون. فجعله الله تعالى إمامًا لأهل طاعته. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ دعاء على جهة الرغباء إلى الله تعالى أي من ذريتي يا رب فاجعل وقيل: هذا منه على جهة الاستفهام عنهم أي ومن ذريتي يا رب ماذا يكون؟ فأخبره الله تعالى أن فيهم عاصيًا وظالمًا لا يستحق الإمامة قال ابن عباس. سأل إبراهيم ﵇ أن يُجعل من ذريته إمام فأعلمه الله أن في ذريته من يعصي؛ فقال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤]. [٢/ ١٠٧] (١٤٥) والذي عليه الأكثر من العلماء أن الصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن

стр. 73

بالخوف وإراقة الدماء وانطلاق أيدي السفهاء وشن الغارات على المسلمين والفساد في الأرض. [٢/ ١٠٩] (١٤٦) من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٥]. مثابة: أي مرجعًا … قال ورقة بن نوفل في الكعبة: مثابًا لأفناء القبائل كلها … تخب إليها اليعملات الذوامل وقال مجاهد: لا يقضي أحد منه وطرًا قال الشاعر: جُعِلَ البيت مثابًا لهم … ليس منه الدهر يقضون الوطر [٢/ ١١٠] (١٤٧) لما قال الله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥] دخل فيه بالمعنى جميع بيوته تعالى فيكون حكمها حكمه في التطهير والنظافة وإنما خص الكعبة بالذكر لأنه لم يكن هناك غيرها أو لكونها أعظم حرمة والأول أظهر والله أعلم، وفي التنزيل: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾. [النور: ٣٦] [٢/ ١١٤] (١٤٨) واختلفوا أيما أفضل الصلاة عند البيت أو الطواف به؟ فقال مالك: الطواف لأهل الأمصار أفضل والصلاة لأهل مكة أفضل وذكر عن ابن عباس وعطاء ومجاهد والجمهور على أن الصلاة أفضل … والأخبار في فضل الصلاة والسجود كثيرة تشهد لقول الجمهور والله أعلم. [٢/ ١١٦] بتصرف

стр. 74

(١٤٩) روي أن الرشيد ذكر لمالك بن أنس أنه يريد هدم ما بنى الحجاج من الكعبة وأن يرده على بناء ابن الزبير لِما جاء عن النبي ﷺ وامتثله ابن الزبير فقال له مالك: ناشدتك الله يا أمير المؤمنين ألا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك لا يشاء أحد منهم إلا نقض البيت وبناه فتذهب هيبته من صدور الناس. [٢/ ١٢٤] (١٥٠) من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]. أي من ذريتنا فاجعل فيقال: إنه لم يدع نبي إلا لنفسه ولأمته إلا إبراهيم فإنه دعا مع دعائه لنفسه ولأمته ولهذه الأمة و ﴿وَمِنْ﴾ في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾ للتبعيض لأن الله تعالى قد كان أعلمه أن منهم ظالمين. [٢/ ١٢٦] (١٥١) من قوله تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: ١٢٨]. ﴿وَأَرِنَا﴾ من رؤية البصر وقيل من رؤية القلب. قال حطائط بن يعفر: أريني جوادًا مات هزلًا لأنني … أرى ما ترين أو بخيلًا مخلدًا وقرأ بعض القراء: (أرْنا) بسكون الراء واستدل بقول الشاعر: أَرْنا إداواة عبد الله نملؤها … من ماء زمزم إن القوم قد ظمئوا [٢/ ١٢٦، ١٢٧] بتصرف (١٥٢) من قوله تعالى: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٢٨]. اختلف في معنى قول إبراهيم وإسماعيل ﵉ ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ وهم

стр. 75

أنبياء معصومون فقالت طائفة طلبا التثبيت والدوام لا أنهما كان لهما ذنب قلت: وهذا حسن، وأحسن منه أنهما لما عرفا المناسك وبنيا البيت أرادا أن يبيّنا للناس ويعرفاهم أن ذلك الموقف وتلك المواضع مكان التنصل من الذنوب وطلب التوبة وقيل: المعنى وتب على الظلمة منا. [٢/ ١٢٩] (١٥٣) من قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]. يعني محمدًا ﷺ وفي قراءة أُبي «وابعث في آخرهم رسولًا منهم». وقد روى خالد بن معدان: «أن نفرًا من أصحاب النبي ﷺ قالوا له: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك قال: نعم أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى». [٢/ ١٢٩] (١٥٤) من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٠] تقريع وتوبيخ وقع فيه معنى النفي أي وما يرغب قاله النحاس والمعنى: يزهد فيها وينأى نفسه عنها أي عن الملة وهي الدين والشرع. [٢/ ١٣٠] بتصرف (١٥٥) من قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]. قال ابن بحر: معناه: جهل نفسه وما فيها من الدلالات والآيات الدالة على أن لها صانعًا ليس كمثله شيء فيعلم به توحيد الله وقدرته. قلت: وهذا هو معنى قول الزجاج فيفكر في نفسه مِنْ يدين يبطش بهما ورجلين يمشي عليهما وعين يبصر بها وأُذن يسمع بها ولسان ينطق به وأضراس تنبت له عند غناه عن الرضاع وحاجته إلى الغذاء ليطحن بها الطعام ومعدة

стр. 76

أعدت لطبخ الغذاء وكبد يصعد إليها صفوه وعروق ومعابر ينفذ فيها إلى الأطراف وأمعاء يرسب إليها ثفل الغذاء ويتبرز من أسفل البدن فيستدل بهذا على أن له خالقًا قادرًا حكيمًا وهذا معنى قوله فقال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١]. أشار إلى هذا الخطابي ﵀. [٢/ ١٣١] (١٥٦) روى حجاج: قال سمعت معاوية بن قرة يقول: اللهم إن الصالحين أنت أصلحتهم ورزقتهم أن عملوا بطاعتك فرضيت عنهم اللهم كما أصلحتهم فأصلحنا وكما رزقتهم أن عملوا بطاعتك فرضيت عنهم فارزقنا أن نعمل بطاعتك وارض عنا. [٢/ ١٣٢] (١٥٧) من قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٢]. أي بالملة وقيل بالكلمة التي هي قوله له: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ [البقرة: ١٣١] وهو أصوب لأنه أقرب أي قولوا أسلمنا … وبنو إبراهيم: إسماعيل، وأمه هاجر القبطية وهو أكبر ولده نقله إبراهيم إلى مكة وهو رضيع وقيل كان له سنتان وقيل كان له أربع عشرة سنة والأول أصح … وولد له قبل أخيه إسحاق بأربع عشرة سنة ومات وله ١٣٧ سنة وقيل ١٣٠ سنة وكان سنه لما مات أبوه إبراهيم ﵉ ٨٩ سنة. وإسحاق أمه سارة ومن ولده الروم واليونان والأرمن ومن يجري مجراهم وبنو إسرائيل. وعاش إسحاق ١٨٠ سنة ومات بالأرض المقدسة ودفن عند أبيه إبراهيم الخليل ﵉. [٢/ ١٣٣] بتصرف

стр. 77

(١٥٨) من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة: ١٣٢]. إيجاز بليغ والمعنى: الزموا الإسلام وداوموا عليه ولا تفارقوه حتى تموتوا فأتى بلفظ موجز يتضمن المقصود ويتضمن وعظًا وتذكيرا بالموت وذلك أن المرء يتحقق أنه يموت ولا يدري متى فإذا أُمر بأمر لا يأتيه الموت إلا وهو عليه فقد توجه الخطاب من وقت الأمر دائبًا لازمًا. [٢/ ١٣٤] (١٥٩) وحكي أن يعقوب حين خُيِّر كما تُخير الأنبياء اختار الموت وقال: أمهلوني حتى أُوصي بَنيّ وأهلي فجمعهم وقال لهم هذا فاهتدوا وقالوا: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ [البقرة: ١٣٣] الآية فأروه ثبوتهم على الدين ومعرفتهم بالله تعالى. [٢/ ١٣١] (١٦٠) من قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣]. سمى الله كل واحد من العم والجد أبًا. وبدأ بذكر الجد ثم إسماعيل العم لأنه أكبر من إسحاق و (إلهًا) بدل (إلهك) بدل النكرة من المعرفة وكرره لفائدة الصفة بالوحدانية وقيل (إلهًا) حال. قال ابن عطية: وهو قول حسن لأن الغرض إثبات حال الوحدانية. [٢/ ١٣٥] (١٦١) من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٤]. وفي هذا دليل على أن العبد يضاف إليه أعمال وأكساب وإن كان الله

стр. 78

تعالى أقدره على ذلك إن كان خيرًا فبفضله وإن كان شرًا فبعدله وهذا مذهب أهل السنة والآي في القرآن بهذا المعنى كثيرة فالعبد مكتسب لأفعاله على معنى أنه خلقت له قدرة مقارنة للفعل يدرك بها الفرق بين حركة الاختيار وحركة الرعشة مثلًا وذلك التمكن مناط التكليف. [٢/ ١٣٦] (١٦٢) من قوله تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] سمي إبراهيم حنيفًا لأنه حنف إلى دين الله وهو الإسلام والحنف: الميل وقال قوم. الحنف الاستقامة فسمي دين إبراهيم حنيفًا لاستقامته وسمي المعوج الرجلين أحنف تفاؤلًا بالسلامة كما قيل للديغ سليم وللمهلكة مفازة في قول أكثرهم. [٢/ ١٣٧] بتصرف (١٦٣) الأسباط: ولد يعقوب ﵇ وهم اثنا عشر ولدًا ولد لكل واحد منهم أمة من الناس واحدهم سبط والسبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في ولد إسماعيل وسموا الأسباط من السَّبط وهو التتابع فهم جماعة متتابعون. وقيل: أصله من السَّبَط بالتحريك وهو الشجر أي هم في الكثرة بمنزلة الشجر، الواحدة سَبَطة. قال أبو إسحاق الزجاج: ويبين لك هذا ما حدثنا به محمد بن جعفر الأنباري … عن ابن عباس قال: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة نوحًا وشعيبًا وهودًا وصالحًا ولوطًا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمدًا ﷺ ولم يكن أحد له اسمان إلا عيسى ويعقوب والسبط: الجماعة والقبيلة والراجعون إلى أصل واحد. [٢/ ١٣٨]

стр. 79

(١٦٤) من قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] قال الأخفش وغيره: دين الله وهو بدل من (ملة) وقال الكسائي. وهي منصوبة على تقدير اتبعوا. أو على الإغراء أي الزموا. أي صبغة الله أحسن صبغة وهو الإسلام فسمي الدين صبغة استعارة ومجازًا من حيث تظهر أعماله وسمته على المتدين كما يظهر أثر الصبغ في الثوب. وقال بعض شعراء ملوك همدان: وكل أناس لهم صبغة … وصبغة همدان خير الصبغ صبغنا على ذاك أبناءنا … فأكرم بصبغتنا في الصبغ [٢/ ١٤٠] بتصرف (١٦٥) من قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩] أي مخلصون العبادة وفيه معنى التوبيخ أي ولم تخلصوا أنتم فكيف تَدَّعُون ما نحن أولى به منكم! والإخلاص حقيقته تصفيه الفعل عن ملاحظة المخلوقين قال ﷺ : «إن الله تعالى يقول أنا خير شريك فمن أشرك معي شريكًا فهو لشريكي يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله تعالى فإن الله تعالى لا يقبل إلا ما خلص له ولا تقولوا هذا لله وللرحم فإنها للرحم وليس لله منها شيء ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم فإنها لوجوهكم وليس لله تعالى منها شيء» رواه الضحاك بن قيس الفهري قال: قال رسول الله ﷺ فذكره، خرجه الدارقطني.

стр. 80

وقال رويم: الإخلاص من العمل هو ألا يريد صاحبه عليه عوضًا في الدارين ولاحَظًّا من الملكين. وقال الجنيد: الإخلاص سر بين العبد وبين الله لا يعلمه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيميله. [٢/ ١٤٢] (١٦٦) من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]. تقرير وتوبيخ في ادعائهم بأنهم كانوا هودًا أو نصارى فرد الله عليهم بأنه أعلم بهم منكم أي لم يكونوا هودًا ولا نصارى. [٢/ ١٤٣] (١٦٧) من قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. المعنى: وكما أن الكعبة وسط الأرض ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم. والوسط: العدل وأصل هذا أن أحمد الأشياء: أوسطها وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] «عدلا» قال: هذا حديث حسن صحيح وفي التنزيل: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨] أعدلهم وخيرهم. [٢/ ١٤٩] (١٦٨) من قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ١٤٣] والآية جواب لقريش في قولهم: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]

стр. 81

وكانت قريش تألف الكعبة فأراد الله أن يمتحنهم بغير ما ألفوه ليظهر من يتبع الرسول ممن لا يتبعه. [٢/ ١٥٣] (١٦٩) قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] اتفق العلماء على أنها نزلت فيمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس. [٢/ ١٥٣] (١٧٠) من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] أي إلى الخيرات فحذف الحرف أي بادروا ما أمركم الله من استقبال البيت الحرام وإن كان يتضمن الحث على المبادرة والاستعجال إلى جميع الطاعات بالعموم فالمراد ما ذكر من الاستقبال لسياق الآية. والمعنى المراد المبادرة بالصلاة أول وقتها، والله تعالى أعلم. [٢/ ١٦٠] (١٧١) قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٩]. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠]. قيل: هذا تأكيد للأمر باستقبال الكعبة واهتمام بها لأن موقع التحويل كان صعبًا في نفوسهم جدًا فأكد الأمر ليرى الناس الاهتمام به فيخف عليهم وتسكن نفوسهم إليه وقيل أراد بالأول: ول وجهك شطر الكعبة أي عاينها إذا صليت تلقاءها ثم قال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ معاشر المسلمين في سائر

стр. 82

المساجد بالمدينة وغيرها ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ثم قال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ يعني: وجوب الاستقبال في الأسفار فكان هذا أمرًا بالتوجه إلى الكعبة في جميع المواضع من نواحي الأرض. قلت: هذا القول أحسن من الأول لأن فيه حمل كل آية على فائدة … ويروى أن جعفر بن محمد سئل ما معنى تكرير القصص في القرآن؟ فقال: علم الله أن كل الناس لا يحفظ القرآن فلو لم تكن القصة مكررة لجاز أن تكون عند بعض الناس ولا تكون عند بعض فكررت لتكون عند من حفظ البعض. [٢/ ١٦٣ - ١٦٤] بتصرف (١٧٢) من قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]. وقالت فرقة: ﴿إِلَّا الَّذِينَ﴾ استثناء متصل روي معناه عن ابن عباس وغيره واختاره الطبري، وقال: نفى الله أن يكون لأحد حجة على النبي ﷺ وأصحابه في استقبالهم الكعبة والمعنى لا حجة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة حيث قالوا: ما ولاّهم، وتحير محمد في دينه، وما توجه إلى قبلتنا إلا أنا كنا أهدى منه وغير ذلك من الأقوال التي لم تنبعث إلا من عابد وثن أو يهودي أو منافق. والحجة بمعنى المحاجة التي هي المخاصمة والمجادلة وسماها الله حجة وحكم بفسادها حيث كانت من ظلمة. [٢/ ١٦٥]

стр. 83

(١٧٣) قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ يريد الناس ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ الخشية أصلها طمأنينة في القلب تبعث على التوقي. والخوف: فزع القلب تخف له الأعضاء، ولخفة الأعضاء به سمي خوفًا ومعنى الآية التحقير لكل من سوى الله تعالى والأمر بإطراح أمرهم ومراعاة أمر الله تعالى. [٢/ ١٦٥] (١٧٤) من قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]. أمر وجوابه، وفيه معنى المجازاة فلذلك جزم، وأصل الذكر التنبه بالقلب للمذكور والتيقظ له، وسمي الذكر باللسان ذكرًا لأنه دلالة على الذكر القلبي غير أنه لما كثر إطلاق الذكر على القول اللساني صار هو السابق للفهم ومعنى الآية: اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة قاله سعيد بن جبير وقال أيضًا: الذكر طاعة الله فمن لم يطعه لم يذكره وإن أكثر التسبيح والتهليل وقراءة القرآن … وسئل أبو عثمان فقيل له: نذكر الله ولا نجد في قلوبنا حلاوة! فقال: أحمدوا الله تعالى على أن زين جارحة من جوارحكم بطاعته. [٢/ ١٦٦ - ١٦٧] بتصرف (١٧٥) من قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾ [البقرة: ١٥٥]. أي بالثواب على الصبر. والصبر أصله الحبس وثوابه غير مقدر لكن لا يكون ذلك إلا بالصبر عند الصدمة الأولى كما روى البخاري عن أنس عن النبي ﷺ : «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» أي إنما الصبر الشاق على النفس الذي يعظم الثواب عليه إنما هو عند هجوم المصيبة وحرارتها

стр. 84

فإنه يدل على قوة القلب وتثبته في مقام الصبر وأما إذا بردت حرارة المصيبة فكل أحد يصبر إذ ذاك ولذلك قيل: يجب على كل عاقل أن يلتزم عند المصيبة ما لا بد للأحمق منه بعد ثلاث … وقال الأستاذ أبو علي: الصبر حده ألا تعترض على التقدير فأما إظهار البلوى على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر قال الله تعالى في قصة أيوب ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [سورة ص: ٤٤] مع ما أخبر عنه أنه قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣]. [٢/ ١٦٩ - ١٧٠] بتصرف (١٧٦) من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٦] والمصيبة: النكبة ينكبها الإنسان وإن صغرت وتستعمل في الشر. [٢/ ١٧٠] (١٧٧) من قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٦]. جعل الله تعالى هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب وعصمة للممتحنين لما جمعت من المعاني المباركة فإن قوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ توحيد وإقرار بالعبودية والملك وقوله: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ إقرار بالهلك على أنفسنا والبعث من قبورنا واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له قال سعيد بن جبير -رحمه الله تعالى-: لم تعط هذه الكلمات نبيًا قبل نبينا ولو عرفها يعقوب لما قال يا أسفى على يوسف … قال أبو سنان: دفنت ابني سنانًا وأبو طلحة الخولاني على شفير القبر فلما أردت الخروج أخذ بيدي

стр. 85

فأنشطني وقال: ألا أبشرك يا أبا سنان حدثني الضحاك عن أبي موسى أن النبي ﷺ قال: «إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم فيقول: أقبضتم ثمرة فؤاده فيقولون نعم فيقول فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع فيقول الله تعالى ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد». وروى مسلم عن أم سلمة قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها إلا أخلف الله له خيرًا منها» فهذا تنبيه على قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾ إما بالخلف كما أخلف الله لأم سلمة رسول الله ﷺ فإنه تزوجها لما مات أبو سلمة زوجها وإما بالثواب الجزيل كما في حديث أبي موسى وقد يكون بهما. [٢/ ١٧٢، ١٧٣] (١٧٨) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ [البقرة: ١٥٨] وَذُكِّر الصفا لأن آدم المصطفى ﷺ وقف عليه فسمي به ووقفت حواء على المروة فسميت باسم المرأة فأنث لذلك والله أعلم وقال الشعبي: كان على الصفا صنم يسمى إسافًا وعلى المروة صنم يدعى نائلة فاطرد ذلك في التذكير والتأنيث وقدم المذكر وهذا حسن لأن الأحاديث المذكورة تدل على هذا المعنى وما كان كراهة من كره الطواف بينهما إلا من أجل هذا حتى رفع الله الحرج في ذلك. [٢/ ١٧٥]

стр. 86

(١٧٩) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩]. .. وتحقيق الآية هو: أن العالم إذا قصد كتمان العلم عصى وإذا لم يقصده لم يلزمه التبليغ إذا عرف أنه مع غيره وأما من سئل فقد وجب عليه التبليغ لهذه الآية وللحديث أما أنه لا يجوز تعليم الكافر القرآن والعلم حتى يسلم وكذلك لا يجوز تعليم المبتدع الجدال والحجاج ليجادل به أهل الحق ولا يعلم الخصم على خصمه حجة يقطع بها ماله ولا السلطان تأويلًا يتطرق به إلى مكاره الرعية ولا ينشر الرخص في السفهاء فيجعلوا ذلك طريقًا إلى ارتكاب المحظورات وترك الواجبات ونحو ذلك. [٢/ ١٨٢]. (١٨٠) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩]. لما قال: ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ دل على أن ما كان من غير ذلك جائز كتمه لا سيما إن كان مع ذلك خوف فإن ذلك آكد في الكتمان وقد ترك أبو هريرة ذلك حين خاف فقال: «حفظت عن رسول الله ﷺ وعاءين فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم» أخرجه البخاري قال أبو عبد الله: البلعوم مجرى الطعام. قال علماؤنا: وهذا الذي لم يبثه أبو هريرة وخاف على نفسه فيه الفتنة أو القتل إنما هو مما يتعلق بأمر الفتن

стр. 87

والنص على أعيان المرتدين والمنافقين ونحو هذا مما لا يتعلق بالبينات والهدى والله تعالى أعلم. [٢/ ١٨٣] (١٨١) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦١]. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ الواو واو الحال قال ابن العربي: قال لي كثير من أشياخي إن الكافر المعين لا يجوز لعنه لأن حاله عند الموافاة لا تُعلم وقد شرط الله تعالى في هذه الآية في إطلاق اللعنة: الموافاة على الكفر وأما ما روي عن النبي ﷺ أنه لعن أقوامًا بأعيانهم من الكفار فإنما كان ذلك لعلمه بمآلهم قال ابن العربي: والصحيح عندي جواز لعنه لظاهر حاله ولجواز قتله وقتاله. قلت: أما لعن الكفار جملة من غير تعيين فلا خلاف في ذلك لما رواه مالك عن داود بن الحصين أنه سمع الأعرج يقول: ما أدركت الناس إلا وهو يلعنون الكفرة في رمضان قال علماؤنا: وسواء كانت لهم ذمة أم لم تكن وليس ذلك بواجب ولكنه مباح لمن فعله لجحدهم الحق وعداوتهم الدين وأهله وكذلك كل من جاهر بالمعاصي كشرّاب الخمر وأكلة الربا ومن تشبه من النساء بالرجال ومن الرجال بالنساء إلى غير ذلك مما ورد في الأحاديث لعنه. .. وذكر ابن العربي أن لعن العاصي المعين لا يجوز اتفاقًا لما روى

стр. 88

عن النبي ﷺ : «أنه أتي بشارب خمر مرارًا فقال بعض من حضره: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبي ﷺ : لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم» فجعل له حرمة الأخوة وهذا يوجب الشفقة وهذا حديث صحيح قلت خرجه البخاري ومسلم. وقد ذكر بعض العلماء خلافًا في لعن العاصي المعين قال: وإنما قال ﵇: «لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم» في حق نعيمان بعد إقامة الحد عليه ومن أقيم عليه حد من الله تعالى فلا ينبغي لعنه ومن لم يُقم عليه الحد فلعنته جائزة سواء سُمي أو عُين أم لا لأن النبي ﷺ لا يلعن إلا من تجب عليه اللعنة ما دام على تلك الحالة الموجبة للعن فإذا تاب منها وأقلع وطهره الحد فلا لعنة تتوجه عليه وَبَيَّن هذا قوله ﷺ : «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب» فدل هذا الحديث مع صحته على أن التثريب واللعن إنما يكون قبل أخذ الحد وقبل التوبة والله تعالى أعلم. قال ابن العربي: وأما لعن العاصي مطلقًا فيجوز إجماعًا لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده». [٢/ ١٨٥، ١٨٦] (١٨٢) من قوله تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤] ووجه الآية في الفلك: تسخير الله إياها حتى تجري على وجه الماء ووقوفها فوقه مع ثقلها وأول من عملها نوح ﵇ كما أخبر تعالى وقال

стр. 89

له جبريل: اصنعها على جؤجؤ الطائر فعملها نوح ﵇ وراثة في العالمين بما أراه جبريل فالسفينة طائر مقلوب والماء في أسفلها نظير الهواء في أعلاها قاله ابن العربي. [٢/ ١٩١] (١٨٣) وقد قال بعض من طعن في الدين: إن الله تعالى يقول في كتابكم: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] فأين ذكر التوابل المصلحة للطعام من الملح والفلفل وغير ذلك! فقيل له في قوله: ﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤]. [٢/ ١٩٢] (١٨٤) من قوله فقال: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ [البقرة: ١٦٤]. قال العلماء: الريح تحرك الهواء وقد يشتد ويضعف فإذا بدت حركة الهواء من تجاه القبلة ذاهبة إلى سمت القبلة قيل لتلك الريح (الصَّبا) وإذا بدت حركة الهواء من وراء القبلة وكانت ذاهبة إلى اتجاه القبلة قيل لتلك الريح (الدَّبور) وإذا بدت حركة الهواء عن يمين القبلة ذاهبة إلى يسارها قيل لها (ريح الجنوب)، وإذا بدت حركة الهواء عن يسار القبلة ذاهبة إلى يمينها قيل لها (ريح الشمال) ولكل واحدة من هذه الرياح طبع فتكون منفعتها بحسب طبعها فالصبا حارة يابسة والدبور باردة رطبة والجنوب حارة رطبة والشمال باردة يابسة واختلاف طباعها كاختلاف طبائع فصول السنة. [٢/ ١٩٥] (١٨٥) قال بعض الحكماء: إن كل شيء في العالم الكبير له نظير في العالم الصغير، الذي هو بدن الإنسان ولذلك قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي

стр. 90

أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين: ٤]، وقال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١]؛ فحواس الإنسان أشرف من الكواكب المضيئة والسمع والبصر منها بمنزلة الشمس والقمر في إدراك المدركات بها وأعضاؤه تصير عند البلى ترابًا من جنس الأرض وفيه من جنس الماء العرق وسائر رطوبات البدن، ومن جنس الهواء فيه الروح والنَّفَسْ ومن جنس النار فيه المرة الصفراء وعروقه بمنزلة الأنهار في الأرض وكبده بمنزلة العيون التي تستمد منها الأنهار؛ لأن العروق تستمد من الأرض ومثانته بمنزلة البحر لانصباب ما في أوعية البدن إليها كما تنصب الأنهار إلى البحر وعظامه بمنزلة الجبال التي هي أوتاد الأرض. وأعضاؤه كالأشجار فكما أن لكل شجرة ورقًا أو ثمرًا فكذلك لكل عضو فعل أو أثر والشعر على البدن بمنزلة النبات والحشيش على الأرض ثم إن الإنسان يحكي بلسانه كل صوت حيوان ويحاكي بأعضائه صنيع كل حيوان فهو العالم الصغير مع العالم الكبير مخلوق محدث لصانع واحد لا إله إلا هو. [٢/ ١٩٩] (١٨٦) من قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٦٧]. قال السدي: ترفع لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو أطاعوا الله ثم تقسم بين المؤمنين فذلك حين يندمون وأضيفت هذه الأعمال إليهم من حيث هم مأمورون بها وأما إضافة الأعمال الفاسدة إليهم فمن حيث عملوها.

стр. 91

والحسرة أعلى درجات الندامة على شيء فائت … [٢/ ٢٠٢] بتصرف (١٨٧) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] سمي الحلال حلالًا لانحلال عقدة الحظر عنه قال سهل بن عبد الله: النجاة في ثلاثة أكل الحلال وأداء الفرائض والاقتداء بالنبي ﷺ وقال أبو عبد الله الساجي: خمس خصال بها تمام العلم وهي: معرفة الله ومعرفة الحق وإخلاص العمل لله والعمل على السنة وأكل الحلال فإن فقدت واحدة لم يرفع العمل. قال سهل: ولا يصح أكل الحلال إلا بالعلم ولا يكون المال حلالًا حتى يصفو من ست خصال: الربا والحرام والسحت- وهو اسم مجمل- والغلول والمكروه والشبهة. [٢/ ٢٠٣] (١٨٨) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ [البقرة: ١٦٨]. أخبر تعالى بأن الشيطان عدو وخبره حق وصدق فالواجب على العاقل أن يأخذ حذره من هذا العدو الذي قد أبان عداوته من زمن آدم وبذل نفسه وعمره في إفساد أحوال بني آدم وقد أمر الله تعالى بالحذر منه … وخرج الترمذي من حديث أبي مالك الأشعري وفيه: «وآمركم أن تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعًا حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر

стр. 92

الله» … الحديث، وقال فيه: «حديث حسن صحيح غريب». [٢/ ٢٠٤] بتصرف (١٨٩) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠]. التقليد ليس طريقًا للعلم ولا موصلًا له لا في الأصول ولا في الفروع وهو قول جمهور العقلاء والعلماء. فرض العامي الذي لا يشتغل باستنباط الأحكام من أصولها لعدم أهليته فيما لا يعلمه من أمر دينه ويحتاج إليه [أن يقصد أعلم من في زمانه وبلده فيسأله عن نازلته فيمتثل فيها فتواه لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]، وعليه الاجتهاد في أعلم أهل وقته بالبحث عنه حتى يقع عليه الاتفاق من الأكثر من الناس] وعلى العالم أيضًا فرض أن يقلد عالمًا مثله في نازلة خفي عليه فيها وجه الدليل والنظر وأراد أن يجدد الفكر فيها والنظر حتى يقف على المطلوب فضاق الوقت عن ذلك وخاف على العبادة أن تفوت أو على الحكم أن يذهب سواء كان ذلك المجتهد الآخر صحابيًا أو غيره وإليه ذهب القاضي أبو بكر وجماعة من المحققين. [٢/ ٢٠٧] بتصرف (١٩٠) من قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ [البقرة: ١٧١]. شبه تعالى واعظ الكفار وداعيهم وهو محمد ﷺ بالراعي

стр. 93

الذي ينعق بالغنم والإبل فلا تسمع إلا دعاءه ونداءه ولا تفهم ما يقول … والنعيق: زجر الغنم والصياح بها يقال: نعق الراعي بغنمه ينعق نَعيقًا ونُعاقًا ونَعاقًا أي صاح بها وزجرها. قال الأخطل: انعق بضأنك يا جرير فإنما … منتك نفسك في الخلاء ضلالًا قال القتبي: لم يكن جرير راعي ضأن وإنما أراد أن بني كليب يعيرون برعي الضأن وجرير منهم فهو في جهلهم والعرب تضرب المثل براعي الغنم في الجهل ويقولون أجهل من راعي ضأن … والنداء للبعيد والدعاء للقريب ولذلك قيل للأذان بالصلاة نداء لأنه للأباعد. [٢/ ٢٠٩] بتصرف (١٩١) أكثر أهل العلم على جواز أكل جميع دواب البحر حيها وميتها وهو مذهب مالك وتوقف أن يجيب في خنزير الماء وقال: أنتم تقولون خنزيرًا! قال ابن القاسم: وأنا أتقيه ولا أقول حرامًا. [٢/ ٢١٢] (١٩٢) وقد روى أبو داود عن الحسن عن سمرة أن النبي ﷺ قال: «إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له فليحتلب وليشرب وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثًا فإن أجاب فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحتلب وليشرب ولا يحمل». وذكر الترمذي عن يحيى بن سليم عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر عن

стр. 94

النبي ﷺ قال: «من دخل حائطًا فليأكل ولا يتخذ خُبْنَة» [٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣] بتصرف (١٩٣) من قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣]. ﴿غَيْرَ﴾: نصب على الحال وقيل على الاستثناء وإذا رأيت غير يصلح في موضعها (في) فهي حال- وإذا صلح موضعها (إلا) فهي استثناء فقس عليه. و ﴿بَاغٍ﴾ أصله باغي … والمعنى .. ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ في أكله فوق حاجته ﴿وَلَا عَادٍ﴾ بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة ويأكلها. [٢/ ٢٢٨] بتصرف. (١٩٤) وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر»، وإنما خص هؤلاء بأليم العذاب وشدة العقوبة لمحض المعاندة والاستخفاف الحامل لهم على تلك المعاصي إذ لم يحملهم على ذلك حاجة ولا دعتهم إليه ضرورة كما تدعو من لم يكن مثلهم. [٢/ ٢٣١] (١٩٥) من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧] قرأ حمزة وحفص ﴿الْبِرَّ﴾ بالنصب لأن [ليس] من أخوات [كان] يقع بعدها المعرفتان فَتَجْعَلُ أيهما شئت الاسم أو الخبر [فلما وقع بعد ﴿لَيْسَ﴾ ﴿الْبِرَّ﴾ نصبه وجعل ﴿أَنْ تُوَلُّوا﴾ الاسم وكان المصدر أولى بأن يكون اسما لأنه لا يتنكر، والبر قد يتنكر والفعل أقوى في التعريف.

стр. 95

وقرأ الباقون ﴿الْبِرُّ﴾ بالرفع على أنه اسم ليس وخبره ﴿أَنْ تُوَلُّوا﴾ تقديره: ليس البر توليتكم وجوهكم وعلى الأول ليس توليتكم وجوهكم البرَّ. [٢/ ٢٣٣] (١٩٦) اتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها قال مالك ﵀: يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم وهذا إجماع أيضًا وهو يقوي ما اخترناه والموفق الإله. [٢/ ٢٣٧] (١٩٧) قال الشعبي وقتادة وغيرهما: إن أهل الجاهلية كان فيهم بغي وطغيان وطاعة للشيطان فكان الحي إذا كان فيه عز ومنعة فَقُتِلَ لهم عبد قتله عبد قوم آخرين قالوا: لا نقتل به إلا حرًا وإذا قُتلت منهم امرأة قالوا: لا نقتل بها إلا رجلًا وإذا قُتل منهم وضيع قالوا: لا نقتل به إلا شريفًا ويقولون (القتل أوفى للقتل) ويروى (أبقى) ويقال (أنفى) فنهاهم الله عن البغي فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] الآية. وقال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] وبين الكلامين في الفصاحة والجزل بون عظيم. [٢/ ٢٤٠] بتصرف (١٩٨) اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد أن يقتص من أحد حقه دون السلطان وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض وإنما ذلك للسلطان أو من نصبه السلطان لذلك ولهذا جعل الله السلطان ليقبض أيدي الناس بعضهم

стр. 96

عن بعض وأجمع العلماء على أن على السلطان أن يقتص من نفسه إن تعدى على أحد من رعيته إذ هو واحد منهم وإنما له مزية النظر لهم كالوصي والوكيل وذلك لا يمنع القصاص وليس بينهم وبين العامة فرق في أحكام الله لقوله جل ذكره ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] وثبت عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال لرجل شكا إليه أن عاملًا قطع يده: «لئن كنت صادقًا لأقيدنك منه». وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري قال: بينا رسول الله ﷺ يقسم شيئا إذ أكب عليه رجل فطعنه رسول الله ﷺ بعرجون كان معه فصاح الرجل فقال له رسول الله ﷺ تعال فاستقد قال بل عفوت يا رسول الله وروى أبو داود الطيالسي عن أبي فراس قال: خطب عمر بن الخطاب ﵁ فقال: ألا من ظلمه أميره فليرفع ذلك إليّ أقيده منه فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين لئن أدب رجل منا رجلًا من أهل رعيته لتقصنه منه؟ قال: كيف لا أقصه منه وقد رأيت رسول الله ﷺ يقص من نفسه! ولفظ أبي داود السجستاني عنه قال: خطبنا عمر بن الخطاب فقال: إني لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم فمن فُعل ذلك به فليرفعه إلي أقصه منه - وذكر الحديث بمعناه. [٢/ ٢٥٣]. (١٩٩) من قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ هذه آية الوصية وليس في القرآن ذكر للوصية إلا في هذه الآية وفي النساء ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ [الآية: ١١]، وفي

стр. 97

المائدة ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ [الآية: ١٠٦]، والتي في البقرة أتمها وأكملها ونزلت قبل نزول الفرائض والمواريث. (٢٠٠) قال العلماء: المبادرة بكتب الوصية ليست مأخوذة من هذه الآية وإنما هي من حديث ابن عمر وفائدتها: المبالغة في زيادة الاستيثاق وكونها مكتوبة مشهودًا بها وهي الوصية المتفق على العمل بها فلو أشهد العدول وقاموا بتلك الشهادة لفظًا لعمل بها وإن لم تكتب خًطًا فلو كتبها بيده ولم يُشهد فلم يختلف قول مالك أنه لا يُعمل بها إلا فيما يكون فيها من إقرار بحق لمن لا يتهم عليه فيلزمه تنفيذه. روى الدارقطني عن أنس بن مالك قال: كانوا يكتبون في صدور وصاياهم. هذا ما أوصى به فلان بن فلان أنه يشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأوصى من ترك بعده من أهله بتقوى الله حق تقاته وأن يصلحوا ذات بينهم ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين وأوصاهم بما وصى به إبراهيم بنيه ويعقوب ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة: ١٣٢]. [٢/ ٢٦٣ - ٢٦٤] (٢٠١) من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ [البقرة: ١٨٢]. قال ابن عباس وقتادة والربيع وغيرهم. معنى الآية من خاف أي علم ورأى وأتى علمه عليه بعد موت الموصي أن الموصي جنف وتعمد أذية

стр. 98

بعض ورثته فأصلح ما وقع بين الورثة من الاضطراب والشقاق. ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، أي: لا يلحقه إثم المبدل المذكور قبل وإن كان في فعله تبديل ما ولابد ولكنه تبديل لمصلحة والتبديل الذي فيه الإثم إنما هو تبديل الهوى. [٢/ ٢٦٦] (٢٠٢) لا خلاف أن الصدقة في حال الحياة والصحة أفضل منها عند الموت لقوله ﵊ وقد سئل: «أي الصدقة أفضل؟ قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح» الحديث أخرجه أهل الصحيح. وروى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «لأن يتصدق المرء في حياته بدرهم خير له من أن يتصدق عند موته بمائة» وروى النسائي عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: «مثل الذي ينفق أو يتصدق عند موته مثل الذي يهدي بعد ما يشبع». [٢/ ٢٦٧] (٢٠٣) روى الدارقطني عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: «الإضرار في الوصية من الكبائر» وروى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار». وترجم النسائي «الصلاة على من جنف في وصيته» عن عمران بن حصين ﵁ أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته ولم يكن له مال غيرهم فبلغ ذلك النبي ﷺ فغضب من ذلك وقال: «لقد هممت ألا أصلي عليه»

стр. 99

ثم دعا مملوكيه فجزأهم ثلاثة أجزاء ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة. وأخرج مسلم بمعناه إلا أنه قال في آخره: وقال له قولًا شديدًا بدل قوله: «لقد هممت ألا أصلي عليه». [٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨] بتصرف. (٢٠٤) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ لعل: ترج في حقهم … و ﴿تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ قيل: معناه هنا تضعفون، فإنه كلما قلّ الأكل ضعفت الشهوة وكلما ضعفت الشهوة قلّت المعاصي، وهذا وجه مجازي حسن. وقيل: لتتقوا المعاصي. وقيل: هو على العموم لأن الصيام كما قال ﵊: «الصيام جنة ووجاء» وسبب تقوى لأنه يميت الشهوات. [٢/ ٢٧١] (٢٠٥) من قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. رمضان مأخوذ من رمض الصائم يرمض إذا حر جوفه من شدة العطش والرمضاء: شدة الحر ومنه الحديث «صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال» خرجه مسلم ورمض الفصال أن تحرق الرمضاء أخفافها فتبرك من شدة حرها. فرمضان فيما ذكروا - وافق شدة الحر فهو مأخوذ من الرمضاء. يقال إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمي بذلك وقيل: إنما

стр. 100

سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها بالأعمال الصالحة من الإرماض وهو الإحراق … وقيل: لأن القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والفكرة في أمر الآخرة كما يأخذ الرمال والحجارة من حر الشمس … وسمي الشهر به لأنهم كانوا يرمضون أسلحتهم في رمضان ليحاربو بها في شوال قبل دخول الأشهر الحرم. [٢/ ٢٨٦] بتصرف (٢٠٦) قال الشاعر: أخوان من نجد على ثقة … والشهر مثل قلامة الظفر حتى تكامل في استدارته … في أربع زادت على عشر [٢/ ٢٨٩] (٢٠٧) من قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. والوجه عموم اللفظ في جميع أمور الدين كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وروي عن النبي ﷺ : «دين الله يسر» وقال ﷺ : «يسروا ولا تعسروا». واليسر من السهولة ومنه اليسار للغنى وسميت اليد اليسرى تفاؤلًا أو لأنه يسهل له الأمر بمعاونتها لليمنى». [٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧] (٢٠٨) قوله ﷺ : «فليعزم المسألة» دليل على أنه ينبغي للمؤمن أن يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء من الإجابة ولا يقنط من رحمة الله لأنه يدعو كريمًا، قال سفيان بن عيينة: «لا يمنعن أحدًا من الدعاء ما يعلمه

стр. 101

من نفسه فإن الله قد أجاب دعاء شر الخلق إبليس ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧)﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٧]». [٢/ ٣٠٨] (٢٠٩) من قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ [البقرة: ١٨٧]. الرفث: كناية عن الجماع؛ لأن الله كريم يكني؛ قاله ابن عباس والسدي. وقال الزجاج: «الرفث: كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته». وقال ابن عرفة: «الرفث هاهنا الجماع. والرفث: التصريح بذكر الجماع والإعراب به». [٢/ ٣١١] (٢١٠) من قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]. أصل اللباس في الثياب ثم سمي امتزاج كل واحد من الزوجين بصاحبه لباسًا لانضمام الجسد وامتزاجهما وتلازمهما تشبيهًا بالثوب وقال النابغة الجعدي: إذا ما الضجيع ثنى جيدها … تداعت فكانت عليه لباسا وقال أيضًا: لبست أناسًا فأفنيتهم … وأفنيت بعد أناس أناسا وقال بعضهم: يقال لما ستر الشيء وداراه لباس: فجائز أن يكون كل واحد منهما سترًا لصاحبه فيما يكون بينهما من الجماع من أبصار الناس وقال أبو عبيد وغيره يقال للمرأة هي لباسك وفراشك وإزارك قال رجل لعمر بن الخطاب ألا أبلغ أبا حفص رسولا ذذ … فدى لك من أخي ثقة إزاري

стр. 102

قال أبو عبيد: أي نسائي وقيل: نفسي وقال الربيع: هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن وقال مجاهد: أي سكن لكم أي يسكن بعضكم إلى بعض. [٢/ ٣١٢] (٢١١) من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. أي: هذه الأحكام حدود الله فلا تخالفوها ف ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى هذه الأوامر والنواهي والحدود: الحواجز. والحد المنع ومنه سمي الحديد حديدًا؛ لأنه يمنع من وصول السلاح إلى البدن. وسمي البواب والسجان حدادًا لأنه يمنع من في الدار من الخروج منها ويمنع الخارج من الدخول فيها وسميت حدود الله؛ لأنها تمنع أن يدخل فيها ما ليس منها وأن يخرج منها ما هو منها ومنها سميت الحدود في المعاصي لأنها تمنع أصحابها من العود إلى أمثالها ومنه سميت الحاد في العدة لأنها تمتنع من الزينة. [٢/ ٣٣٥] (٢١٢) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. الخطاب بهذه الآية يتضمن جميع أمة محمد ﷺ والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق فيدخل في هذا القمار والخداع والغصوب وجحد الحقوق وما لا تطيب به نفس مالكه أو حرمته الشريعة وإن طابت به نفس مالكه كمهر البغي وحلوان الكاهن وأثمان الخمور والخنازير وغير ذلك ولا يدخل فيه الغبن في البيع مع معرفة البائع بحقيقة ما باع لأن الغبن كأنه هبة على ما يأتي بيانه في سورة النساء. [٢/ ٣٣٦]

стр. 103

(٢١٣) من أخذ مال غيره لا على وجه إذن الشرع فقد أكله بالباطل ومن الأكل بالباطل أن يقضي القاضي لك وأنت تعلم أنك مبطل فالحرام لا يصير حلالًا بقضاء القاضي لأنه إنما يقضي بالظاهر وهذا إجماع في الأموال وإن كان عند أبي حنيفة قضاؤه ينفذ في الفروج باطنًا وإذا كان قضاء القاضي لا يغير حكم الباطن في الأموال فهو في الفروج أولى وروى الأئمة عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : «إنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من نار» وفي رواية: «فليحملها أو يذرها» وعلى القول بهذا الحديث جمهور العلماء وأئمة الفقهاء وهو نص في أن حكم الحاكم على الظاهر لا يغير حكم الباطن وسواء كان ذلك في الأموال والدماء والفروج. [٢/ ٣٣٦] (٢١٤) من قوله تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. والمعنى في الآية: لا تجمعوا بين أكل المال بالباطل وبين الإدلاء إلى الحكام بالحجج الباطلة وهو كقوله: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢] وهو من قبيل قولك. لا تأكل السمك وتشرب اللبن وقيل المعنى: لا تصانعوا بأموالكم الحكام وترشوهم ليقضوا لكم على أكثر منها. قال ابن عطية: وهذا القول يترجح لأن الحكام مظنة الرشاء إلا من عُصم وهو الأقل وأيضًا فإن اللفظين متناسبان تُدلوا من إرسال الدلو

стр. 104

والرشوة من الرشاء كأنه يمد بها ليقضي الحاجة. [٢/ ٣٣٧ - ٣٣٨] بتصرف (٢١٥) من قوله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩]. الأهلة: جمع هلال … وقد يعبر بالهلال عن الشهر لحلوله فيه كما قال: أخوان من نجد على ثقة … والشهر مثل قلامة الظفر قيل سمي شهرًا لأن الأيدي تشهر بالإشارة إلى موضع الرؤية ويدلون عليه ويطلق لفظ الهلال لليلتين من آخر الشهر وليلتين من أوله وقيل لثلاث من أوله وقال الأصمعي: هو هلال حتى يحجر ويستدير كالخيط الرقيق وقيل بل هو هلال حتى يبهر بضوئه السماء وذلك ليلة سبع قال أبو العباس: وإنما قيل له هلال لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه ومنه استهل الصبي إذا ظهرت حياته بصراخه واستهل وجهه فرحًا وتهلل إذا ظهر فيه السرور. قال أبو كبير: وإذا نظرت إلى أسرة وجهه … برقت كبرق العارض المتهلل ٢/ ٣٣٩] (٢١٦) من قوله تعالى: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]. تبيين لوجه الحكمة في زيادة القمر ونقصانه وهو زوال الإشكال في الآجال والمعاملات والأَيمان والحج والعِدد والصوم والفطر ومدة الحمل والإجارات والأكرية إلى غير ذلك من مصالح العباد.

стр. 105

أفرد سبحانه الحج بالذكر لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت وأنه لا يجوز النسيء فيه عن وقته بخلاف ما رأته العرب فإنها كانت تحج بالعدد وتبدل الشهور فأبطل الله قولهم وفعلهم ٢/ ٣٤٠، ٣٤١ بتصرف (٢١٧) إذا رؤي الهلال كبيرًا فقال علماؤنا: لا يُعول على كبره ولا على صغره وإنما هو ابن ليلة روى مسلم عن أبي البختري قال: «خرجنا للعمرة فلما نزلنا ببطن نخلة قال: تراءينا الهلال فقال بعض القوم هو ابن ثلاث وقال بعض القوم هو ابن ليلتين قال: فلقينا ابن عباس فقلنا: إنا رأينا الهلال فقال بعض القوم هو ابن ثلاث وقال بعض القوم هو ابن ليلتين فقال: أي ليلة رأيتموه قال فقلت ليلة كذا وكذا فقال إن رسول الله ﷺ قال إن الله مدّه للرؤية» فهو لليلة رأيتموه. [٢/ ٣٤٢] (٢١٨) من قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] في هذه الآية بيان أن ما لم يشرعه الله قُربة ولا نَدَبَ إليه لا يصير قربة بأن يتقرب به متقرب قال ابن خويز منداد: إذا أشكل ما هو بر وقربة بما ليس هو بر وقربة أن ينظر في ذلك العمل فإن كان له نظير في الفرائض والسنن فيجوز أن يكون وإن لم يكن فليس ببر ولا قربة قال: وبذلك جاءت الآثار عن النبي ﷺ وذكر حديث ابن عباس قال: بينما رسول الله ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس فسأل عنه فقالوا: هو أبو إسرائيل نذر

стр. 106

أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي ﷺ : مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه فأبطل النبي ﷺ ما كان غير قربة مما لا أصل له في شريعته وصحح ما كان قربة مما له نظير في الفرائض والسنن. [٢/ ٣٤٤] (٢١٩) من قوله تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤]. الحرمات جمع حرمة كالظلمات جمع ظلمة والحجرات جمع حجرة وإنما جمعت لأنه أراد حُرمة الشهر الحرام وحرمة البلد الحرام وحرمة الإحرام والحرمة: ما مُنِعْتَ من انتهاكه … والقصاص المساواة أي اقتصصت لكم منهم إذ صدوكم سنة ست فقضيتم العمرة سنة سبع ف ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ على هذا متصل بما قبله ومتعلق به. [٢/ ٣٥٢] (٢٢٠) من قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤]. لا خلاف بين العلماء أن هذه الآية أصل في المماثلة في القصاص فمن قَتَل بشيء قُتِلَ بمثل ما قَتَل به وهو قول الجمهور. [٢/ ٣٥٥] (٢٢١) من قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. الاعتداء هو التجاوز قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، أي: يتجاوزها فمن ظلمك فخذ حقك منه بقدر مظلمتك ومن شتمك فرد

стр. 107

عليه مثل قوله ومن أخذ عرضك فخذ عرضه لا تتعدى إلى أبويه ولا إلى ابنه أو قريبه وليس لك أن تكذب عليه وإن كذب عليك فإن المعصية لا تقابل بالمعصية … وإن قال: يا زان فقصاصك أن تقول له: يا كذاب يا شاهد زور ولو قلت له يا زان كنت كاذبًا وأثمت في الكذب وإن مطلك وهو غني دون عذر فقل يا ظالم يا آكل أموال الناس قال النبي ﷺ : «لَيّ الواجد يُحل عرضه وعقوبته» أما عرضه فبما فسرناه وأما عقوبته فالسجن يحبس فيه. [٢/ ٣٥٨ - ٣٥٩] بتصرف (٢٢٢) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. المعنى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ بأن تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة فيقول الرجل ليس عندي ما أنفقه وإلى هذا المعنى ذهب البخاري إذ لم يذكر غيره والله أعلم. قال ابن عباس أنفق في سبيل الله وإن لم يكن لك إلا سهم أو مشقص ولا يقولن أحدكم لا أجد شيئًا ونحوه عن السدي: أنفق ولو عقالًا ولا تلقي بيدك إلى التهلكة فتقول ليس عندي شيء. [٢/ ٣٦٠] بتصرف - اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده فقال القاسم بن مخيمرة والقاسم بن محمد وعبدالملك من علمائنا لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة وكان لله بنية خالصة فإن لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة وقيل: إذا طلب الشهادة

стр. 108

وخلصت النية فليحمل لأن مقصوده واحد منهم وذلك بين في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]. وقال ابن خويز منداد: فأما أن يحمل الرجل على مائة أو على جملة العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج فلذلك حالتان: إن علم وغلب على ظنه أن سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن وكذلك لو علم وغلب على ظنه أن يُقتل ولكن سينكي نكاية أو سيبلي أو يؤثر أثرًا ينتفع به المسلمون فجائز أيضًا. وقد بلغني أن عسكر المسلمين لما لقي الفرس نفرت خيل المسلمين من الفيلة فعمد رجل منهم فصنع فيلاً من طين وأنس به فرسه حتى ألفه فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل فحمل على الفيل الذي كان يقدمها فقيل له: إنه قاتلك فقال: لا ضير أن أقتل ويفتح للمسلمين. وكذلك يوم اليمامة لما تحصنت بنو حنيفة بالحديقة قال رجل من المسلمين ضعوني في الجحفة وألقوني إليهم ففعلوا وقاتلهم وحده وفتح الباب. قلت: ومن هذا ما روي أن رجلًا قال للنبي ﷺ أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا قال: فلك الجنة فانغمس في العدو حتى قتل .. ٢/ ٣٦١، ٣٦٢ بتصرف. (٢٢٣) من قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. اختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام الحج والعمرة لله فقيل: أداؤهما والإتيان بهما وقيل: المراد تمامهما بعد الشروع فيهما … [٢/ ٢٦٣]

стр. 109

(٢٢٤) لا خلاف أن حلق الرأس في الحج نسك مندوب إليه وفي غير الحج جائز خلافًا لمن قال إنه مُثلة، ولو كان مُثلة ما جاز في الحج ولا غيره لأن رسول الله ﷺ نهى عن المثلة وقد حلق رؤوس بني جعفر بعد أن أتاه قتله بثلاثة أيام ولو لم يجز الحلق ما حلقهم وكان علي بن أبي طالب ﵁ يحلق رأسه قال ابن عبدالبر: وقد أجمع العلماء على حبس الشعر وعلى إباحة الحلق وكفى بهذا حجة وبالله التوفيق. [٢/ ٣٨٠] (٢٢٥) اختلف العلماء لم سمي المتمتع متمتعًا فقال ابن القاسم: لأنه تمتع بكل ما لا يجوز للمحرم فعله من وقت حله في العمرة إلى وقت إنشائه الحج وقال غيره سمي متمتعًا لأنه تمتع بإسقاط أحد السفرين وذلك أن حق العمرة أن تقصد بسفر وحق الحج كذلك فلما تمتع بإسقاط أحدهما ألزمه الله هديا كالقارن الذي يجمع بين الحج والعمرة في سفر واحد والوجه الأول أعم فإنه يتمتع بكل ما يجوز للحلال أن يفعله وسقط عنه السفر لحجه من بلده وسقط عنه الإحرام من ميقاته في الحج وهذا هو الوجه الذي كرهه عمر وابن مسعود وقالا أو قال أحدهما: يأتي أحدكم منى وذكره يقطر منيًا. وقد أجمع المسلمون على جواز هذا وقد قال جماعة من العلماء: إنما كرهه عمر لأنه أحب أن يزار البيت في العام مرتين مرة في الحج ومرة في العمرة ورأى الإفراد أفضل فكان يأمر به ويميل إليه وينهى عن غيره استحبابًا ولذلك قال: افصلوا بين حجكم وعمرتكم فإنه أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج. [٢/ ٣٩٣]

стр. 110

(٢٢٦) من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]. واختلفوا في معنى قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ وقد علم أنها عشرة فقال الزجاج: لما جاز أن يتوهم متوهم التخيير بين ثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجع بدلًا منها لأنه لم يقل وسبعة أخرى- أزيل ذلك بالجملة من قوله ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ ثم قال ﴿كَامِلَةٌ﴾. وقال الحسن: كاملة في الثواب كمن أهدى وقيل: كاملة في البدل عن الهدي يعني العشرة كلها بدل عن الهدي وقيل: كاملة في الثواب كمن لم يتمتع وقيل: لفظها لفظ الإخبار ومعناها الأمر أي أكملوها فذلك فرضها وقال المبرد: عشرة دلالة على انقضاء العدد لئلا يتوهم متوهم أنه قد بقي منه شيء بعد ذكر السبعة وقيل هو توكيد كما تقول: كتبت بيدي. ومنه قول الشاعر: ثلاث واثنتان فهن خمس … وسادسة تميل إلى شمامي فقوله خمس تأكيد ومثله قول الآخر: ثلاث بالغداة فذاك حسبي … وست حين يدركني العشاء فذلك تسعة في اليوم ريي … وشرب المرء فوق الري داء وقوله: كاملة: تأكيد آخر فيه زيادة توصية بصيامها وألا ينقص من عددها كما تقول لمن تأمره بأمر ذي بال: الله الله لا تقصر. [٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠]
следующие страницы →