← Тафсир

Тафсир · id 1234

درر من تفسير القرطبي

أحمد مرشد

Полный текст (667 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

(٥٥٢) ليس من اللهو واللعب ما كان من أمور الآخرة فإن حقيقة اللعب مالا ينتفع به واللهو ما يلتهى به وما كان مرادًا للآخرة خارج عنهما، وذم رجل الدنيا عند علي بن أبي طالب ﵁ فقال علي: الدنيا دار صِدق لمن صَدَقها ودار نجاة لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزود منها وقال محمود الوراق: لا تُتْبِعِ الدنيا وأيامها … ذمًا وإن دارت بك الدائرة مِنْ شرف الدنيا ومِنْ فضلها … أنَّ بها تستدرك الآخرة [٦/ ٣٨٠] (٥٥٣) من قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]. قال سفيان بن عيينة: أي ما من صنف من الدواب والطير إلا في الناس شبه منه فمنهم من يعدو كالأسد ومنهم يشره كالخنزير ومنهم من يعوي كالكلب ومنهم من يزهو كالطاووس فهذا معنى المماثلة واستحسن الخطابي هذا وقال: فإنك تعاشر البهائم والسباع فخذ حذرك. [٦/ ٣٨٤] (٥٥٤) من قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. أي: في اللوح المحفوظ فإنه أثبت فيه ما يقع من الحوادث وقيل: أي: في القرآن أي ما تركنا شيئًا من أمر الدين إلا وقد دللنا عليه في القرآن إما دلالة مبينة شروحه وإما مجملة يتلقى بيانها من الرسول ﵊ أو من الإجماع أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ

стр. 282

الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] فأجمل في هذه الآية وآية النحل ما لم ينص عليه مما لم يذكره فصدق خبر الله بأنه ما فرط في الكتاب من شيء إلا ذكره إما تفصيلًا وإما تأصيلًا وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. [٦/ ٣٨٥] (٥٥٥) من قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [الأنعام: ٤٢] ومعنى ﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾ بالمصائب في الأموال ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ في الأبدان وهذا قول الأكثر وقد يوضع كل واحد منهما موضع الآخر ويؤدب الله عباده بالبأساء والضراء وبما شاء ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. [٦/ ٣٨٨] (٥٥٦) من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤]. وقال الحسن: والله ما أحد من الناس بسط الله له في الدنيا فلم يخف أن يكون قد مكر له فيها إلا كان قد نقص عمله وعجز رأيه. وما أمسكها الله عن عبد فلم يظن أنه خيرٌ له فيها إلا كان قد نقص عمله وعجز رأيه. [٦/ ٣٩٠] (٥٥٧) من قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢]. وخص الغداة والعشي بالذكر لأن الشغل غالب فيهما على الناس، ومن كان في وقت الشغل مقبلًا على العبادة كان في وقت الفراغ من الشغل أعمل. [٦/ ٣٩٥]

стр. 283

(٥٥٨) من قوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢]. ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي من جزائهم ولا كفاية أرزاقهم أي جزاؤهم ورزقهم على الله وجزاؤك ورزقك على الله لا على غيره. ﴿مِنْ﴾ الأولى للتبعيض والثانية زائدة للتوكيد وكذا ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ المعنى وإذا كان الأمر كذلك فأقبل عليهم وجالسهم ولا تطردهم مراعاة لحق من ليس على مثل حالهم في الدين والفضل فإن فعلت كنت ظالمًا. وحاشاه من وقوع ذلك منه وإنما هذا بيان للأحكام ولئلا يقع مثل ذلك من غيره من أهل الإسلام وهذا مثل قوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وقد علم الله منه أنه لا يشرك ولا يحبط عمله. [٦/ ٣٩٦] (٥٥٩) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨]. ودل بهذا على أن الرجل إذا علم من الآخر منكرًا وعلم أنه لا يقبل منه فعليه أن يُعرض عنه إعراض منكر ولا يقبل عليه. [٧/ ١٥] (٥٦٠) من قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ [الأنعام: ٦٨]. واختلفوا بعد جواز النسيان عليه -أي النبي ﷺ هل يكون فيما طريقه البلاغ من الأفعال وأحكام الشرع أم لا؟ فذهب إلى الأول فيما

стр. 284

ذكره القاضي عياض- عامة العلماء والأئمة النظار كما هو ظاهر القرآن والأحاديث لكن شرط الأئمة أن الله تعالى ينبهه على ذلك ولا يقره عليه ثم اختلفوا هل من شرط التنبيه اتصاله بالحادثة على الفور وهو مذهب القاضي أبي بكر والأكثر من العلماء. [٧/ ١٧] (٥٦١) من قوله تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ [الأنعام: ٧٠]. وجاء اللعب مقدمًا في أربعة مواضع وقد نظمت: إذا أتى لعب ولهو … وكم من موضع هو في القرآن فحرف في الحديد وفي القتال … وفي الأنعام منها موضعان [٧/ ١٨] (٥٦٢) يقال إنه لم يدرك النبي ﷺ أربعة ولاءً أب وبنوه إلا أبا قحافة وابنه أبا بكر وابنه عبدالرحمن بن أبي بكر وابنه أبا عتيق محمد بن عبدالرحمن، والله أعلم. [٧/ ٢١]. (٥٦٣) من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤]. ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: منفردين كما خلقتم. وقيل: عراة كما خرجتم من بطون أمهاتكم حفاة غرلًا بهما ليس معهم شيء. وقال العلماء: يحشر العبد غدًا وله من الأعضاء ما كان له يوم وُلد؛ فمن قطع منه عضو يرد في القيامة عليه وهذا معنى قوله: غرلا أي غير مختونين أي يرد عليهم ما قطع منه عند الختان. [٧/ ٤٠].

стр. 285

(٥٦٤) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: ٩٥]. عَدَّ من عجائب صنعه ما يعجز عن أدنى شيء منه آلهتهم. والفلق: الشق؛ أي يشق النواة الميتة فيخرج منها ورقًا أخضر وكذلك الحبة ويخرج من الورق الأخضر نواة ميتة وحبة وهذا معنى يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي عن الحسن وقتادة. وقال ابن عباس والضحاك معنى فالق: خالق وقال مجاهد: عنى بالفلق الشق الذي في الحب وفي النوى والنوى جمع نواة ويجري في كل ما له عجم كالمشمش والخوخ. [٧/ ٤١]. (٥٦٥) من قوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦]. وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن رسول الله ﷺ كان يدعو فيقول: «اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانًا اقض عني الدين واغنني من الفقر وأمتعني بسمعي وبصري وقوتي في سبيلك». [٧/ ٤٢] (٥٦٦) من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: ٩٨]. وأكثر أهل التفسير يقولون: المستقر ما كان في الرحم والمستودع ما كان في الصلب … قال سعيد بن جبير قال لي ابن عباس: هل تزوجت؟ قلت: لا. فقال: إن الله يستخرج من ظهرك ما استودعه فيه. [٧/ ٤٤].

стр. 286

(٥٦٧) من قوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩]. ﴿وَيَنْعِهِ﴾ … والمعنى ونضجه ينع وأينع إذا نضج وأدرك .. قلت: وهذا الينع الذي يقف عليه جواز بيع التمر وبه يطيب أكلها ويأمن من العاهة هو عند طلوع الثريا بما أجرى الله سبحانه من العادة وأحكمه من العلم والقدرة. ذكر المعلى بن أسد عن وهيب عن عسل بن سفيان عن عطاء عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا طلعت الثريا صباحًا رفعت العاهة عن أهل البلد» والثريا النجم لا خلاف في ذلك وطلوعها لاثنتي عشرة ليلة تمضي من شهر أيار وهو شهر مايه. وفي البخاري: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا فيتبين الأصفر من الأحمر. [٧/ ٤٧] (٥٦٨) من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٠]. ﴿وَخَرَقُوا﴾ قراءة نافع بالتشديد على التكثير لأن المشركين ادعوا أن لله بنات وهم الملائكة وسموهم جِنّا لاجتنناهم والنصارى ادعت المسيح ابن الله واليهود قالت عزير ابن الله فكثر ذلك من كفرهم فشدد الفعل لمطابقة المعنى تعالى الله عما يقولون. وقرأ الباقون بالتخفيف على التقليل وسئل الحسن البصري عن معنى: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ﴾ بالتشديد فقال: إنما هو ﴿وَخَرَقُوا﴾ بالتخفيف كلمة عربية كان

стр. 287

الرجل إذا كذب في النادي قيل خرقها ورب الكعبة. وقال أهل اللغة: معنى: خرقوا اختلقوا وافتعلوا ﴿وَخَرَقُوا﴾ بالتشديد على التكثير. قال مجاهد وقتادة وابن زيد وابن جريج: خرقوا: كذبوا. ويقال إن معنى خرق واخترق واختلق سواء أي أحدث. [٧/ ٤٩] (٥٦٩) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٨]. قال العلماء: حكمها باق في هذه الأمة على كل حال فمتى كان الكافر في مَنعة وخِيف أن يسب الإسلام أو النبي ﵇ أو الله فلا يحل لمسلم أن يسب صلبانهم ولا دينهم ولا كنائسهم ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك لأنه بمنزلة البعث على المعصية وعبر عن الأصنام وهي لا تعقل ب ﴿الَّذِينَ﴾ على معتقد الكفرة فيها. [٧/ ٥٦] (٥٧٠) من قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]. .. وروى عوف بن مالك عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا ذر هل تعوذت من شر شياطين الإنس والجن؟ قال: قلت: يا رسول الله وهل للإنس من شياطين؟ قال: نعم هم شر من شياطين الجن» وقال مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشد علي من شيطان الجن وذلك أني إذا تعوذت بالله ذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عيانًا. [٧/ ٦١]

стр. 288

(٥٧١) من قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤]. الحَكَم أبلغ من الحاكم إذ لا يستحق التسمية بِحَكَم إلا من يحكم بالحق لأنها صفة تعظيم في مدح والحاكم صفة جارية على الفعل فقد يسمى بها من يحكم بغير الحق. [٧/ ٦٣] (٥٧٢) من قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠]. للعلماء فيه أقول كثيرة … وحاصلها راجع إلى أن الظاهر ما كان عملًا بالبدن مما نهى الله عنه وباطنه ما عُقد بالقلب من مخالفة أمر الله فيما أمر ونهى وهي المرتبة لا يبلغها إلا من اتقى وأحسن كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]. [٧/ ٦٦] (٥٧٣) لبعض شعراء البصرة: وفي الجهل قبل الموت موت لأهله لأهله … فأجسامهم قبل القبور قبور وإنَّ امرأً لم يحي بالعلم ميت … فليس له حتى النشور نشور [٧/ ٧٠] (٥٧٤) من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. أي: يوسعه له ويوفقه ويزين عنده ثوابه ويقال: شرح شق وأصله التوسعة وشرح الله صدره وسعه بالبيان لذلك وشرحت الأمر بينته وأوضحته. [٧/ ٧٢]

стр. 289

(٥٧٥) من قوله تعالى: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١٢٨]. فاستمتاع الجن من الإنس أنهم تلذذوا بطاعة الإنس إياهم وتلذذ الإنس بقبولهم من الجن حتى زنوا وشربوا الخمر بإغواء الجن إياهم وقيل: كان الرجل إذا مر بواد في سفره وخاف على نفسه قال: أعوذ برب هذا الوادي من جميع ما أحذر وفي التنزيل: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] فهذا استمتاع الإنس بالجن وأما استمتاع الجن فما كانوا يُلقون إليهم من الأراجيف والكهانة والسحر وقيل: استمتاع الجن بالإنس أنهم يعترفون أن الجن يقدرون أن يدفعوا عنهم ما يحذرون، ومعنى الآية تقريع الضالين والمضلين وتوبيخهم في الآخرة على أعين العالمين. [٧/ ٧٥] (٥٧٦) من قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩]. المعنى: وكما فعلنا بهؤلاء مما وصفته لكم من استمتاع بعضهم ببعض أجعل بعض الظالمين أولياء بعض ثم يتبرأ بعضهم من بعض غدًا ومعنى ﴿نُوَلِّي﴾ على هذا نجعل وليًا. قال ابن زيد: نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس، وعنه أيضًا: نسلط بعض الظلمة على بعض فيهلكه ويذله، وهذا تهديد للظالم إن لم يمتنع من ظُلمه سلط الله عليه ظالمًا آخر ويدخل في الآية جميع من يظلم نفسه أو

стр. 290

يظلم الرعية أو التاجر يظلم الناس في تجارته أو السارق وغيرهم. وقال فضيل بن عياض: إذا رأيت ظالمًا ينتقم من ظالم فقف وانظر فيه متعجبًا. وقال ابن عباس: إذا رضي الله عن قوم ولى أمرهم خيارهم وإذا سخط الله على قوم ولى أمرهم شرارهم. [٧/ ٧٦] (٥٧٧) من قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٦]. الزعم الكذب. قال شريح القاضي: إن لكل شيء كنية وكنية الكذب زعموا. وكانوا يكذبون في هذه الأشياء لأنه لم ينزل بذلك شرع وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: من أراد أن يعلم جهل العرب فليقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام إلى قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٤٠]. وقد روي أن رجلًا قال لعمرو بن العاص: إنكم على كمال عقولكم ووفور أحلامكم عبدتم الحجر! فقال عمرو: تلك عقول كادها باريها. [٧/ ٨٠] (٥٧٨) من قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٩] ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ أي كذبهم وافتراءهم أي يعذبهم على ذلك وانتصب وصفهم بنزع الخافض أي بوصفهم وفي الآية دليل على أن العالم ينبغي له أن يتعلم قول من خالفه وإن لم يأخذ به حتى يعرف فساد قوله

стр. 291

ويعلم كيف يرد عليه لأن الله تعالى أعلم النبي ﷺ وأصحابه قول من خالفهم من أهل زمانهم ليعرفوا فساد عقولهم. [٧/ ٨٥] (٥٧٩) من قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. بناءان جاءا بصفة افعل، أحدهما: مباح كقوله: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، والثاني: واجب وليس يمتنع في الشريعة اقتران المباح والواجب وبدأ بذكر نعمة الأكل قبل الأمر بإيتاء الحق ليبين أن الابتداء بالنعمة كان من فضله قبل التكليف. [٧/ ٨٧] (٥٨٠) من قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣]. والمعنى: قل لهم إن كان حرم الذكور فكل ذَكَرٍ حرام وإن كان حَرَّمَ الإناث فكل أنثى حرام وإن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين يعني من الضأن والمعز فكل مولود حرام ذكرًا كان أو أنثى وكلها مولود فكلها إذًا حرام لوجود العلة فيها فبين انتقاض علتهم وفساد قولهم فأعلم الله سبحانه أن ما فعلوه من ذلك افتراء عليه. [٧/ ١٠٢] (٥٨١) من قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. أعلم الله في هذه الآية بما حرم والمعنى قل يا محمد لا أجد فيما أوحي إليّ محرمًا إلا هذه الأشياء لا ما تحرمونه بشهوتكم والآية مكية ولم

стр. 292

يكن في الشريعة في ذلك الوقت محرم غير هذه الأشياء ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة وزيد في المحرمات كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة والخمر وغير ذلك وحرم رسول الله ﷺ بالمدينة أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير. [٧/ ١٠٢] (٥٨٢) روى مطر الوراق عن نافع عن ابن عمر أن عثمان بن عفان ﵁ أشرف على أصحابه فقال: علام تقتلوني! فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد حصانة فعليه الرجم أو قتل عمدًا فعليه القود أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل»، فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام ولا قتلت أحدًا فأقيد نفسي به ولا ارتددت منذ أسلمت إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله ذلكم الذي ذكرت لكم وصاكم به لعلكم تعقلون. [٧/ ١٢٠] (٥٨٣) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد قاله ابن عطية قلت: وهو الصحيح ذكر الطبري في كتاب آداب النفوس. أن رجلًا قال لابن مسعود: «ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا

стр. 293

محمد ﷺ في أدناه وطرفه في الجنة وعن يمينه جوادّ وعن يساره جوادّ وثمَّ رجال يدعون من مرّ بهم فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة ثم قرأ ابن مسعود أن ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣] الآية» وقال عبد الله بن مسعود: «تعلموا العلم قبل أن يقبض وقبضه أن يذهب أهله ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع وعليكم بالعتيق» أخرجه الدارمي. [٧/ ١٢٤] (٥٨٤) من قوله تعالى: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤)﴾ [الأعراف: ٤]. ﴿بَيَاتًا﴾ أي: ليلًا ومنه البيت لأنه يبات فيه يقال بات يبيت بيتًا وبياتًا ﴿قَائِلُونَ (٤)﴾ من القائلة وهي القيلولة وهي نوم نصف النهار وقيل: الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر وإن لم يكن معها نوم والمعنى: جاءهم عذابنا وهم غافلون إما ليلًا أو نهارًا. [٧/ ٤٦] (٥٨٥) من قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]. قوله تعالى: ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ يدل على ما يقوله الفقهاء من أن الأمر يقتضي الوجوب بمطلقه من غير قرينة لأن الذم علق على ترك الأمر المطلق الذي هو قوله للملائكة: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الإسراء: ٦١]، وهذا بيّن. [٧/ ١٥٢] (٥٨٦) من قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف: ١٢]. قالت الحكماء: أخطأ عدو الله من حيث فضل النار على الطين وإن كانا

стр. 294

في درجة واحدة من حيث هي جماد مخلوق فإن الطين أفضل من النار من وجوه أربعة: أحدها: أن من جوهر الطين الرزانة والسكون والوقار والأناة والحلم والحياء وذلك هو الداعي لآدم ﵇ بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرع فأورثه المغفرة والاجتباء والهداية ومن جوهر النار الخفة والطيش والحدة والارتفاع والاضطراب وذلك هو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار فأورثه الهلاك والعذاب واللعنة والشقاء قاله القفال. الثاني: أن الخبر ناطق بأن تراب الجنة مسك أذفر ولم ينطق الخبر بأن في الجنة نارًا وأن في النار ترابًا. الثالث: أن النار سبب العذاب وهي عذاب الله لأعدائه وليس التراب سببًا للعذاب. الرابع: أن الطين مستغن عن النار والنار محتاجة إلى المكان ومكانها التراب. [٧/ ١٥٣] (٥٨٧) من قوله تعالى: ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾ [الأعراف: ١٣]. أي من الأذلين ودل هذا أن من عصى مولاه فهو ذليل. [٧/ ١٥٥] (٥٨٨) من قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ [الأعراف: ٥٠]. في هذه الآية دليل على أن سقي الماء من أفضل الأعمال وقد سئل ابن

стр. 295

عباس: «أي الصدقة أفضل؟ فقال: «الماء ألم تروا إلى أهل النار حين استغاثوا بأهل الجنة ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠]» وروى أبو داود أن سعدًا أتى النبي ﷺ فقال: أي الصدقة أعجب إليك؟ قال: «الماء»، وفي رواية: «فحفر بئرًا فقال هذه لأم سعد». وعن أنس قال: «قال سعد يا رسول الله إن أم سعد كانت تحب الصدقة أينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: «نعم، وعليك بالماء». وفي رواية أن النبي ﷺ أمر سعد بن عبادة أن يسقي عنها الماء. فدل على أن سقي الماء من أعظم القربات عند الله وقد قال بعض التابعين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء وقد غفر الله ذنوب الذي سقى الكلب فكيف بمن سقى رجلًا مؤمنًا موحدًا وأحياه. [٧/ ١٩٢] (٥٨٩) من قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٥٣] أي فلم ينتفعوا بها وكل من لم ينتفع بنفسه فقد خسرها وقيل خسروا النعم وحظ أنفسهم منها. [٧/ ١٩٥] (٥٩٠) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤]. ذكر هذه المدة ولو أراد خلقها في لحظة لفعل إذ هو القادر على أن يقول لها كوني فتكون ولكنه أراد أن يعلم العباد الرفق والتثبت في الأمور ولتظهر قدرته للملائكة شيئًا بعد شيء وهذا عند من يقول خلق الملائكة قبل خلق

стр. 296

السموات والأرض وحكمة أخرى خلقها في ستة أيام لأن لكل شيء عنده أجلًا وبين بهذا ترك معاجلة العصاة بالعقاب لأن لكل شي عنده أجلًا. [٧/ ١٩٥] (٥٩١) من قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥]. الاعتداء في الدعاء على وجوه منها الجهر الكثير والصياح، ومنها أن يدعو الإنسان في أن تكون له منزلة نبي أو يدعو في محال ونحو هذا من الشطط ومنها أن يدعو طالبًا معصية وغير ذلك ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة فيتخير ألفاظًا مفقرة وكلمات مسجعة قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معول عليها فيجعلها شعاره ويترك ما دعا به رسوله ﵇ وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء. [٧/ ٢٠٢] (٥٩٢) من قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]. قيل: معناه التشبيه: شبه تعالى السريع الفهم بالبلد الطيب والبليد بالذي خبث وقيل: هذا مثل للقلوب فقلب يقبل الوعظ والذكرى وقلب فاسق ينبو عن ذلك وقال قتادة: مثل للمؤمن يعمل محتسبًا متطوعًا والمنافق غير محتسب. قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء». قال مجاهد: يعني أن في بني آدم الطيب والخبيث. [٧/ ٢٠٦] بتصرف

стр. 297

(٥٩٣) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ﴾ [الأعراف: ٩٥]. ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أي كثروا عن ابن عباس وقال ابن زيد: كثرت أموالهم وأولادهم. وعفا: من الأضداد. عفا: كثر، وعفا: درس. أعلم الله تعالى أنه أخذهم بالشدة والرخاء فلم يزدجروا ولم يشكروا. [٧/ ٢٢٥] (٥٩٤) من قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ١٤٢]. قال علماؤنا: دلت هذه الآية على أن ضرب الأجل للمواعدة سنة ماضية ومعنى قديم أسسه الله تعالى في القضايا وحكم به للأمم وعرفهم به مقادير التأني في الأعمال وأول أجل ضربه الله تعالى الأيام الستة التي خلق فيها جميع المخلوقات … وجعل الستين غاية الإعذار لأن الستين قريب من معترك العبّاد وهو سن الإنابة والخشوع والاستسلام لله وترقب المنية ولقاء الله ففيه إعذار بعد إعذار، الأول بالنبي ﵇ والثاني بالشيب وذلك عند كمال الأربعين قال الله تعالى: ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ [الأحقاف: ١٥] فذكر أن من بلغ أربعين فقد آن له أن يعلم مقدار نعم الله عليه وعلى والديه ويشكرها قال مالك: أدركت أهل العلم

стр. 298

ببلدنا وهم يطلبون الدنيا ويخالطون الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس. ودلت الآية أيضًا على أن التاريخ يكون بالليالي دون الأيام لقوله تعالى: ﴿ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]؛ لأن الليالي أوائل الشهور وبها كانت الصحابة ﵃ تخبر عن الأيام حتى روي عنها أنها كانت تقول: صمنا خمسًا مع رسول الله ﷺ والعجم تخالف في ذلك فتحسب بالأيام لأن معولها على الشمس قال ابن العربي: وحساب الشمس للمنافع وحساب القمر للمناسك ولهذا قال: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]. [٧/ ٢٤٤ - ٢٤٥] بتصرف (٥٩٥) من قوله تعالى: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [الأعراف: ١٤٤]. ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾ إشارة إلى القناعة أي اقنع بما أعطيتك ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ أي: من المظهرين لإحساني إليك وفضلي عليك يقال دابة شكور إذا ظهر عليها من السِّمن فوق ما تُعطى من العلف والشاكر معرض للمزيد كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. [٧/ ٢٤٨] (٥٩٦) من قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥]. ومعنى ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مما يحتاج إليه في دينه من الأحكام وتبيين

стр. 299

الحلال والحرام وقيل هو لفظ يذكر تفخيمًا ولا يراد به التعميم تقول دخلت السوق فاشتريت كل شيء وعند فلان كل شيء ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] وقد تقدم. ﴿مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] أي لكل شيء أمروا به من الأحكام فإنه لم يكن عندهم اجتهاد وإنما خص بذلك أمة محمد ﷺ . [٧/ ٢٤٩] (٥٩٧) من قوله تعالى: ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾ [الأعراف: ١٥٠]. أي: لا تُسرهم. والشماتة: السرور بما يصيب أخاك من المصائب في الدين والدنيا وهي محرمة نُهي عنها، وكان رسول الله ﷺ يتعوذ منها ويقول: «اللهم إني أعوذ بك من سوء القضاء ودرك الشقاء وشماتة الأعداء» أخرجه البخاري وغيره. وقال الشاعر: إذا ما الدهر جر على أناس … كلا كله أناخ بآخرينا فقل للشامتين بنا أفيقوا … سيلقى الشامتون كما لقينا [٧/ ٢٥٧] (٥٩٨) من قوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠]. أي: بلحيته وذؤابته … وللعلماء في أخذ موسى برأس أخيه أربعة تأويلات: -ونذكر الأول منها فقط- الأول: أن ذلك كان متعارفًا عندهم كما

стр. 300

كانت العرب تفعله من قبض الرجل على لحية أخيه وصاحبه إكرامًا وتعظيمًا فلم يكن ذلك على طريق الإذلال. [٧/ ٢٥٥]. (٥٩٩) من قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. عموم أي لا نهاية لها أي من دخل فيها لم تعجز عنه وقيل: وسعت كل شيء من الخلق حتى إن البهيمة لها رحمة وعطف على ولدها. قال بعض المفسرين: طمع في هذه الآية كل شيء حتى إبليس فقال: أنا شيء؛ فقال الله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] فقالت اليهود والنصارى: نحن متقون. فقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآية فخرجت الآية عن العموم والحمد لله روى حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كتبها الله لهذه الأمة. [٧/ ٢٦١] (٦٠٠) من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأعراف: ١٦٥]. قال جمهور المفسرين: إن بني إسرائيل افترقت ثلاث فرق وهو الظاهر من الضمائر في الآية. فرقة عصت وصادت وكانوا نحوًا من سبعين ألفًا. وفرقة نهت واعتزلت وكانوا اثني عشر ألفًا.

стр. 301

وفرقة اعتزلت ولم تنه ولم تعص وأن هذه الطائفة قالت للناهية: لم تعظون قومًا -تريد العاصية- الله مهلكهم أو معذبهم -على غلبة الظن- وما عُهد من فعل الله حينئذٍ بالأمم العاصية فقالت الناهية. موعظتنا معذرة إلى الله لعلهم يتقون ولو كانوا فرقتين لقالت الناهية للعاصية: ولعلكم تتقون بالكاف. ثم اختلف بعد هذا؛ فقالت فرقة: إن الطائفة التي لم تنه ولم تعص هلكت مع العاصية عقوبة على ترك النهي قاله ابن عباس وقال أيضًا: ما أدري ما فعل بهم وهو الظاهر من الآية. وقال عكرمة: قلت لابن عباس لما قال: ما أدري ما فعل بهم. ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم فقالوا: لم تعظون قومًا الله مهلكهم فلم أزل به حتى عرفته أنهم قد نجوا فكساني حلة. وهذا مذهب الحسن ومما يدل على أنه إنما هلكت الفرقة العادية لا غير قوله: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأعراف: ١٦٥]. وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ … ﴾ الآية [البقرة: ٦٥]. [٧/ ٢٧٠] (٦٠١) من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ [الأعراف: ١٧٠]. قرأ أبو العالية وعاصم في رواية أبي بكر ﴿يُمَسِّكُونَ﴾ بالتخفيف من أمسك يمسك والقراءة الأولى (بالتشديد) أولى لأن فيها معنى التكرير والتكثير للتمسك بكتاب الله تعالى وبدينه فبذلك يُمدحون فالتمسك بكتاب الله والدين يحتاج إلى الملازمة والتكرير لفعل ذلك. [٧/ ٢٧٥]

стр. 302

(٦٠٢) من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. قال الطرطوشي: إن هذا العهد يلزم البشر وإن كانوا لا يذكرونه في هذه الحياة كما يلزم الطلاق من شهد عليه به وقد نسيه. وقد استدل بهذه الآية من قال: إن من مات صغيرًا دخل الجنة لإقراره في الميثاق الأول ومن بلغ العقل لم يغنه الميثاق الأول وهذا القائل يقول: أطفال المشركين في الجنة وهو الصحيح في الباب وهذه المسألة اختلف فيها لاختلاف الآثار والصحيح ما ذكرناه. [٧/ ٢٧٨] (٦٠٣) من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. أي: اطلبوا منه بأسمائه فَيُطْلَبُ بكل اسم ما يليق به تقول: يا رحيم ارحمني يا حكيم احكم لي يا رازق ارزقني يا هادي اهدني يا فتاح افتح لي يا تواب تب علي وهكذا فإن دعوت باسم عام قلت: يا مالك ارحمني يا عزيز احكم لي يا لطيف ارزقني وإن دعوت بالأعم الأعظم فقلت يا الله فهو متضمن لكل اسم ولا تقول: يا رزاق اهدني إلا أن تريد يا رزاق ارزقني الخير قال ابن العربي وهكذا رتب دعاءك تكن من المخلصين. [٧/ ٢٨٧] (٦٠٤) من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾ [الأعراف: ١٨٢]. الاستدراج: الأخذ بالتدريج منزلة بعد منزلة والدَرْجُ لف الشيء. قال

стр. 303

الضحاك كلما جددوا لنا معصية جددنا لهم نعمة وقيل لذي النون: ما أقصى ما يُخْدَعُ به العبد؟ قال: بالألطاف والكرامات لذلك قال سبحانه: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾ [الأعراف: ١٨٢] نسبغ عليهم النعم وننسيهم الشكر وأنشدوا: أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت … ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها … وعند صفو الليالي يحدث الكدر [٧/ ٢٨٩] (٦٠٥) من قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]. وقال الإمام أبو الوفاء بن عقيل: لم يحل الله النظر إلا على صورة لا ميل للنفس إليها ولاحظ للهوى فيها بل عبرة لا يمازجها شهوة ولا يقارنها لذة ولذلك ما بعث الله سبحانه امرأة بالرسالة ولا جعلها قاضيًا ولا إمامًا ولا مؤذنًا كل ذلك لأنها محل شهوة وفتنة فمن قال: أنا أجد من الصور المستحسنة عبرًا كذبناه وإنما هذه خدع الشيطان للمدعين. [٧/ ٢٩٢] (٦٠٦) وقال بعض الحكماء: كل شيء في العالم الكبير له نظير في العالم الصغير ولذلك قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وقال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]. فعلى العاقل أن ينظر إلى نفسه ويتفكر في خلقه من حين كونه ماء دافقًا إلى كونه خلقًا سويًا يعان

стр. 304

بالأغذية ويربى بالرفق ويحفظ باللين حتى يكتسب القوى ويبلغ الأشد وإذا هو قد قال: أنا وأنا ونسي حين أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا وسيعود مقبورًا فيا ويحه إنه كان محسورًا. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢، ١٣] إلى قوله: ﴿تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦] فينظر أنه عبد مربوب مكلف مُخَوفٌ بالعذاب إن قَصَّر مرتجيًا بالثواب إن ائتمر فيقبل على عبادة مولاه فإنه وإن كان لا يراه يراه ولا يخشى الناس والله أحق أن يخشاه ولا يتكبر على أحد من عباد الله فإنه مؤلف من أقذار، مشحون من أوضار صائر إلى جنة إن أطاع أو إلى نار. وقال ابن العربي: وكان شيوخنا يستحبون أن ينظر المرء في الأبيات الحكيمة التي جمعت هذه الأوصاف العلميه: كيف يزهو من رجيعُه … أبد الدهر ضجيعُه فهو منه وإليه … وأخوه ورضيعه وهو يدعوه إلى الحُشِّ … بِصُغْرٍ فَيُطِيعُه [٧/ ٢٩٢] (٦٠٧) من قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٥]. معطوف على ما قبله ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف:

стр. 305

١٨٥]- أي وفيما خلق الله من الأشياء ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٥] أي وفي آجالهم التي عسى أن تكون قد قربت. [٧/ ٢٩٣] (٦٠٨) من قوله تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. خفي علمها على أهل السموات والأرض وكل ما خفي علمه فهو ثقيل على الفؤاد وقيل: كبر مجيئها على أهل السموات والأرض. وقيل: عظم وصفها على أهل السموات والأرض وقيل: لا تطيقها السموات والأرض لعظمها لأن السماء تنشق والنجوم تتناثر والبحار تنضب وقيل: ثقلت المسألة عنها. [٧/ ٢٩٤] بتصرف (٦٠٩) من قوله تعالى: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ [الأعراف: ١٨٩]. كل ما كان في بطن أو على رأس شجرة فهو حَملٌ بالفتح وإذا كان على ظهر أو على رأس فهو حِمل بالكسر. [٧/ ٢٩٥]. (٦١٠) من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ [الأعراف: ١٨٩]. وقال قوم إن هذا راجع إلى جنس الآدميين والتبيين عن حال المشركين من ذرية آدم ﵇ وهو الذي يعول عليه فقوله: ﴿جَعَلَا لَهُ﴾ [الأعراف: ١٩٠] يعني الذكر والأنثى الكافرين ويعني به الجنسان ودل على هذا ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ [الأعراف: ١٩٠] ولم يقل يشركان وهذا قول حسن … ودلت الآية على أن الحمل مرض من الأمراض روى ابن القاسم

стр. 306

ويحيى عن مالك قال: أول الحمل يُسر وسرور وآخره مرض من الأمراض وهذا الذي قاله مالك: «إنه مرض من الأمراض» يعطيه ظاهر قوله: ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] وهذه الحالة مشاهدة في الحُمّال ولأجل عِظم الأمر وشِدة الخطب جُعل موتها شهادة كما ورد في الحديث. [٧/ ٢٩٧] (٦١١) وقد اختلف علماؤنا في راكب البحر وقت الهول هل حكمه حكم الصحيح أو الحامل فقال ابن القاسم: حكمه حكم الصحيح وقال ابن وهب وأشهب حكمه حكم الحامل إذا بلغت ستة أشهر قال القاضي أبو محمد: وقولهما أقيس لأنها حالة خوف على النفس كإثقال الحمل قال ابن العربي: وابن القاسم لم يركب البحر ولا رأى دودًا على عود ومن أراد أن يوقن بالله أنه الفاعل وحده لا فاعل معه، وأن الأسباب ضعيفة لا تعلق لموقن بها، ويتحقق التوكل، والتفويض، فليركب البحر. [٧/ ٢٩٩] (٦١٢) من قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. هذه الآية من ثلاث كلمات تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات فقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ دخل فيه صلة القاطعين والعفو عن المذنبين والرفق بالمؤمنين وغير ذلك من أخلاق المطيعين ودخل في قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ صلة الأرحام وتقوى الله في الحلال والحرام وغض الأبصار والاستعداد لدار القرار وفي قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ الحض على التعلق بالعلم

стр. 307

والإعراض عن أهل الظلم والتنزه عن منازعة السفهاء ومساواة الأغبياء وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة. [٧/ ٣٠١] (٦١٣) من قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. قلت: هذه الخصال تحتاج إلى بسط وقد جمعها رسول الله ﷺ لجابر بن سليم، قال جابر بن سليم أبو جري: ركبت قعودي ثم أتيت إلى مكة، فطلبت رسول الله ﷺ فأنخت قعودي بباب المسجد، فدلوني على رسول الله ﷺ فإذا هو جالس عليه برد من صوف فيه طرائق حمر، فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فقال: «وعليك السلام»، فقلت: إنا معشر أهل البادية قوم فينا الجفاء فعلمني كلمات ينفعني الله بها قال: «ادن -ثلاثًا-»، فدنوت فقال: «أعد علي فأعدت عليه»، فقال: «اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئًا، وأن تلقى أخاك بوجه منبسط، وأن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، وإن امرؤ سبك بما لا يعلم منك فلا تسبه بما تعلم فيه، فإن الله جاعل لك أجرًا وعليه وزرًا ولا تسبن شيئًا مما خولك الله تعالى»، قال أبو جري: «فوالذي نفسي بيده ما سببت بعده شاة ولا بعيرًا». [٧/ ٣٠١] (٦١٤) مكارم الأخلاق في ثلاثة … من كملت فيه فذلك الفتى إعطاء من تحرمه ووصل من … تقطعه والعفو عمن اعتدى

стр. 308

وقال الشاعر: كل الأمور تزول عنك وتنقضي … إلا الثناء فإنه لك باقي ولو أنني خيرت كل فضيلة … ما اخترت غير مكارم الأخلاق [٧/ ٣٠٢] (٦١٥) من قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]. النَّغْزُ والنزغ والهمز والوسوسة سواء وأصل النزغ الفساد يقال نزغ أي: أفسد. ومنه قوله تعالى: ﴿نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف: ١٠٠] أي أفسد وقيل النزغ الإغواء والإغراء والمعنى متقارب. [٧/ ٣٠٥]. (٦١٦) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١]. المعنى: إن الذين اتقوا المعاصي إذا لحقهم شيء تفكروا في قدرة الله وفي إنعامه عليهم فتركوا المعصية. [٧/ ٣٠٦]. (٦١٧) قال عصام بن المصطلق: دخلت المدينة فرأيت الحسن بن علي فأعجبني سمته وحسن روائه فأثار مني الحسد ما يجنه صدري لأبيه من البغض فقلت: أنت ابن أبي طالب! قال: نعم فبالغت في شتمه وشتم أبيه فنظر إليّ نظرة عاطف رؤوف ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩] فقرأ إلى قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١] ثم قال:

стр. 309

خفض عليك أستغفر الله لي ولك إنك لو استعنتنا أعناك ولو استرفدتنا أرفدناك ولو استرشدتنا أرشدناك فتوسم في الندم على ما فرط مني فقال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾ [يوسف: ٩٢] أمن أهل الشام أنت؟ قلت: نعم فقال: شنشنة أعرفها من أخزم. حياك الله وبياك وعافاك وآداك انبسط إلينا في حوائجك وما يعرض لك تجدنا عند أفضل ظنك إن شاء الله. قال عصام: فضاقت عليَّ الأرض بما رحبت وودت أنها ساخت بي ثم تسللت منه لواذًا وما على وجه الأرض أحب إليَّ منه ومن أبيه. [٧/ ٣٠٧] (٦١٨) من قوله تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]. قال أبو عبيدة: أي غير ذات الحد والشوكة السلاح والشوك النبت الذي له حد ومنه رجل شائك السلاح أي حديد السلاح ثم يقلب فيقال شاكي السلاح أي تودون أن تظفروا بالطائفة التي ليس معها سلاح ولا فيها حرب. [٧/ ٣٢٤] (٦١٩) من قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. ﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾ يريد عن الكفر قال ابن عطية ولا بد والحامل على ذلك جواب الشرط ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ومغفرة ما قد سلف لا تكون إلا

стр. 310

لمنته عن الكفر ولقد أحسن القائل أبو سعيد أحمد بن محمد الزبيري: يستوجب العفو الفتى إذا اعترف … ثم انتهى عما أتاه واقترف لقوله سبحانه في المعترف … إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف روى مسلم عن أبي شماسة المهري قال حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت يبكي طويلًا وفيه فقال النبي ﷺ : «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله … » الحديث. قال ابن العربي: هذه لطيفة من الله سبحانه منّ بها على الخلق وذلك أن الكفار يقتحمون الكفر والجرائم ويرتكبون المعاصي والمآثم فلو كان ذلك يوجب مؤاخذة لهم لما استدركوا أبدًا توبة ولا نالتهم مغفرة فيسر الله تعالى عليهم قبول التوبة عند الإنابة وبذل المغفرة بالإسلام وهدم جميع ما تقدم ليكون ذلك أقرب لدخولهم في الدين وأدعى إلى قبولهم لكلمة المسلمين ولو علموا أنهم يؤاخذون لما تابوا ولا أسلموا. [٧/ ٣٥٢] (٦٢٠) من قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ [الأنفال: ٤٢]؟ العدوة: جانب الوادي فالدنيا كانت مما يلي المدينة والقصوى مما يلي مكة أي إذ أنتم بشفير الوادي بالجانب الأدنى إلى المدينة وعدوكم بالجانب الأقصى. [٨/ ٢٤]

стр. 311

(٦٢١) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾ [الأنفال: ٤٥]. ذكر اللسان الموافق للجنان قال محمد بن كعب القرظي: لو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا يقول الله : ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ٤١] ولرخص للرجل يكون في الحرب يقول الله : ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٥]. [٨/ ٢٦] (٦٢٢) من قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]. أمر الله سبحانه المؤمنين بإعداد القوة للأعداء بعد أن أكد تقدمة التقوى فإن الله سبحانه لو شاء لهزمهم بالكلام والتفل في وجوههم وبحفنة من تراب كما فعل رسول الله ﷺ ولكنه أراد أن يبتلي بعض الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافذ. [٨/ ٣٦] (٦٢٣) من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]. عن ابن زيد: الرباط من الخيل. الخمس فما فوقها، ومربط الخيل ومرابطها وهي ارتباطها بإزاء العدو قال الشاعر: أمر الإله بربطها لعدوّه … في الحرب إن الله خير موفق وقال مكحول بن عبد الله: تلوم على ربط الجياد وحبسها … وأوصى بها الله النبي محمدًا

стр. 312

ورباط الخيل فضل عظيم ومنزلة شريفة وكان لعروة البارقي سبعون فرسًا معدة للجهاد. [٨/ ٣٧] (٦٢٤) قال سعيد بن جبير: سألت ابن عباس ﵁ عن سورة براءة فقال: تلك الفاضحة ما زال ينزل: ومنهم ومنهم حتى خفنا ألا تدع أحدًا. قال القشيري: هذه السورة نزلت في غزوة تبوك ونزلت بعدها، وفي أولها نبذ عهود الكفار إليهم، وفي السورة كشف أسرار المنافقين وتسمى الفاضحة والبحوث لأنها تبحث عن أسرار المنافقين وتسمى المبعثرة والبعثرة: البحث. [٨/ ٦٠] (٦٢٥) اختلف العلماء في سبب سقوط البسملة من أول هذه السورة على أقوال … والصحيح أن التسمية لم تكتب لأن جبريل ﵇ ما نزل بها في هذه السورة. قاله القشيري. [٨/ ٩٤] (٦٢٦) من قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢)﴾ الآية [التوبة: ٢]. خرج عمرو بن سالم الخزاعي وبُديل بن ورقاء الخزاعي وقوم من خزاعة فقدموا على رسول الله ﷺ مستغيثين به فيما أصابهم به بنو بكر وقريش وأنشده عمرو بن سالم فقال: يا رب إني ناشد محمداً … حلف أبينا وأبيه الأتلدا كنت لنا أبا وكنا ولدا … ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا فانصر هداك الله نصراً عتدا … وادع عباد الله يأتوا مددا

стр. 313

فيهم رسول الله قد تجردا … أبيض مثل الشمس ينموا صعدا إن سيم خسفاً وجهه تربدا … في فيلق كالبحر يجري مزبدا إن قريشاً أخلفوك الموعدا … ونقضوا ميثاقك المؤكدا وزعموا أن لست تدعوا أحدا … وهم أذل وأقل عددا هم بيتونا بالوتير هجدا … وقتلونا ركعاً وسجداً فقال رسول الله ﷺ : «لا نصرت إن لم أنصر بني كعب». [٨/ ٦٣] (٦٢٧) من قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] اعلم أن مطلق قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ يقتضي جواز قتلهم بأي وجه كان إلا أن الأخبار وردت بالنهي عن المثلة ومع هذا فيجوز أن يكون الصديق ﵁ حين قتل أهل الردة بالإحراق بالنار وبالحجارة وبالرمي من رؤوس الجبال والتنكيس في الآبار تعلق بعموم الآية وكذلك إحراق علي ﵁ قومًا من أهل الردة يجوز أن يكون ميلًا إلى هذا المذهب واعتمادًا على عموم اللفظ والله أعلم. [٨/ ٦٩] (٦٢٨) من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]. قال ابن زيد: افترض الله الصلاة والزكاة وأبى الله يفرق بينهما وأبى أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة وقال ابن مسعود: «أمرتم بالصلاة والزكاة فمن لم يزك فلا صلاة له». [٨/ ٧٦]

стр. 314

(٦٢٩) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]. استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب قتل كل من طعن في الدين إذ هو كافر. والطعن أن ينسب إليه ما لا يليق أو يعترض بالاستخفاف على ما هو من الدين لما ثبت من الدليل القطعي على صحة أصوله واستقامة فروعه. وقال ابن المنذر: أجمع عامة أهل العلم على أن من سب النبي ﷺ عليه القتل وممن قال ذلك مالك والليث وأحمد وإسحاق وهو مذهب الشافعي. وروي أن رجلًا قال في مجلس علي: ما قُتل كعب بن الأشرف إلا غدرًا فأمر علي بضرب عنقه … [٨/ ٧٧] (٦٣٠) فإن قيل: فعلى هذا يجوز الاستدلال على المسلمين بما أنزل الله في الكافرين ومعلوم أن أحكامهم مختلفة. قيل له: لا يستبعد أن ينتزع مما أنزل الله في المشركين أحكام تليق بالمسلمين وقد قال عمر: إنا لو شئنا لاتخذنا سلائق -الحملان المشوية- وشواء وتوضع صحفة وترفع أخرى ولكنا سمعنا قول الله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]. وهذه الآية نص في الكفار ومع ذلك ففهم منها عمر الزجر عما يناسب أحوالهم بعض المناسبة ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فيمكن أن تكون هذه الآية من هذا النوع وهذا نفيس وبه يزول الإشكال ويرتفع الإبهام والله أعلم. [٨/ ٨٥]

стр. 315

(٦٣١) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٢٨]. في هذه الآية دليل على أن تعلق القلب بالأسباب في الرزق جائز وليس ذلك بمناف للتوكل وإن كان الرزق مقدرًا وأمر الله وقسمه مفعولًا ولكنه علقه بالأسباب حكمة ليعلم القلوب التي تتعلق بالأسباب من القلوب التي تتوكل على رب الأرباب وقد تقدم أن السبب لا ينافي التوكل قال ﷺ : «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا» أخرجه الترمذي وغيره فأخبر أن التوكل الحقيقي لا يضاده الغدو والرواح في طلب الرزق. [٨/ ١٨] (٦٣٢) أهل الصفة كانوا فقراء يقعدون في المسجد ما يحرثون ولا يتجرون ليس لهم كسب ولا مال إنما هم أضياف الإسلام عند ضيق البلدان ومع ذلك فإنهم كانوا يحتطبون بالنهار ويسوقون الماء إلى بيت رسول الله ﷺ ويقرأون القرآن بالليل ويصلون هكذا وصفهم البخاري وغيره فكانوا يتسببون وكان ﷺ إذا جاءته هدية أكلها معهم وإن كانت صدقة خصهم بها فلما كثر الفتح وانتشر الإسلام خرجوا وتأمروا -كأبي هريرة وغيره- وما قعدوا … بتصرف. [٨/ ٩٩] (٦٣٣) الأسباب التي يطلب بها الرزق ستة أنواع: - أعلاها: كسب نبينا ﷺ قال: «جعل رزقي تحت ظل رمحي

стр. 316

وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري» خرجه الترمذي وصححه فجعل الله رزق نبيه ﷺ في كسبه لفضله وخصه بأفضل أنواع الكسب وهو أخذ الغلبة والقهر لشرفه. الثاني: أكل الرجل من عمل يده قال ﷺ : «إن أطيب ما أكل الرجل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده» خرجه البخاري وفي التنزيل: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]، وروي أن عيسى ﵇ كان يأكل من غزل أمه. الثالث: التجارة وهي كانت عمل جل الصحابة رضوان الله عليهم وخاصةً المهاجرين وقد دل عليها التنزيل في غير موضع. الرابع: الحرث والغرس وقد بيناه في سورة البقرة. الخامس: إقراء القرآن وتعليمه والرقية وقد مضى في الفاتحة. السادس: يأخذ بنية الأداء إذا احتاج قال ﷺ : «من أخذ أموال الناس يريد أدائها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» خرجه البخاري. [٨/ ١٠٠] (٦٣٤) من قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩]. قال ابن العربي: سمعت أبا الوفاء علي بن عقيل في مجلس النظر يتلوها ويحتج بها فقال: ﴿قَاتِلُوا﴾؛ وذلك أمر بالعقوبة. ثم قال: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وذلك بيان للذنب الذي أوجب العقوبة.

стр. 317

وقوله: ﴿وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ تأكيد للذنب في جانب الاعتقاد. ثم قال: ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ زيادة للذنب في مخالفة الأعمال. ثم قال: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ إشارة إلى تأكيد المعصية والانحراف والمعاندة والأنفة عن الاستسلام. ثم قال: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ تأكيد للحجة لأنهم كانوا يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل. ثم قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ فبين الغاية التي تمتد إليها العقوبة وعين البدل الذي ترتفع به. [٨/ ١٠١] (٦٣٥) من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٠]. قيل: معناه التأكيد كما قال تعالى: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]، وقوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾ [الحاقة: ١٣]. وقيل: المعنى أنه لما كان قولٌ ساذج ليس فيه بيان ولا برهان وإنما هو قول بالفم مجرد نفس دعوى لا معنى تحته صحيح لأنهم معترفون بأن الله سبحانه لم يتخذ صاحبة فكيف يزعمون أن له ولدًا فهو كذب وقول لساني فقط بخلاف الأقوال الصحيحة التي تعضدها الأدلة ويقوم عليها البرهان. قال أهل المعاني: إن الله سبحانه لم يذكر قولًا مقرونًا بذكر الأفواه والألسن

стр. 318

إلا وكان قولًا زورًا كقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ [الكهف: ٥]، و ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١]. [٨/ ١٠٨] (٦٣٦) من قوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾ [التوبة: ٣٠]. أي: لعنهم الله يعني اليهود والنصارى لأن الملعون كالمقتول. قال ابن جريج: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ هو بمعنى التعجب وقال ابن عباس: كل شيء في القرآن قتل فهو لعن. ومنه قول أبان بن تغلب: قاتلها الله تلحاني وقد علمت … أَنّى لنفسي إفسادي وإصلاحي وحكى النقاش أن أصل (قاتل الله) الدعاء ثم كثر في استعمالهم حتى قالوه على التعجب في الخير والشر وهم لا يريدون الدعاء وأنشد الأصمعي: يا قاتل الله ليلى كيف تعجبني … وأخبر الناس أني لا أباليها [٨/ ١٠٩] (٦٣٧) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦]. هذه الآية تدل على أن الواجب تعليق الأحكام من العبادات وغيرها إنما يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب دون الشهور التي تعتبرها

стр. 319

العجم والروم والقبط وإن لم تزد على اثني عشر شهرًا لأنها مختلفة الأعداد منها ما يزيد على ثلاثين ومنها ما ينقص وشهور العرب لا تزيد على ثلاثين وإن كان منها ما ينقص والذي ينقص ليس يتعين له شهر وإنما تفاوتها في النقصان والتمام على حسب اختلاف سير القمر في البروج. [٨/ ١٢٣] (٦٣٨) من قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]. الأشهر الحرم المذكورة في هذه الآية ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الذي بين جمادى الآخرة وشعبان وهو رجب مضر وقيل له رجب مضر لأن ربيعة بن نزار كانوا يحرمون شهر رمضان ويسمونه رجبًا وكانت مضر تحرم رجبًا نفسه فلذلك قال النبي ﷺ فيه: «الذي بين جمادى وشعبان» ورفع ما وقع في اسمه من الاختلال بالبيان وكانت العرب أيضًا تسميه (مُنْصِلُ الأسنة) روى البخاري عن أبي رجاء العُطاردي. قال كنا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجرًا هو خير منه ألقيناه وأخذنا الآخر فإذا لم نجد حجرًا جمعنا حثوة من تراب ثم جئنا بالشاء فحلبنا عليه ثم طفنا به فإذا دخل شهر رجب قلنا منصل الأسنة فلم ندع رمحًا فيه حديدة ولا سهمًا فيه حديدة إلا نزعناها فألقيناه. [٨/ ١٢٣] (٦٣٩) من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]. في الظلم قولان أحدهما: لا تظلموا فيهن أنفسكم بالقتال، ثم نسخ بإباحة القتال في جميع الشهور. وقال ابن جريج: حلف بالله عطاء بن أبي

стр. 320

رباح أنه ما يحل للناس: أن يغزو في الحرم ولا في الأشهر الحرم إلا أن يُقَاتَلوا فيها وما نسخت والصحيح الأول: لأن النبي ﷺ غزا هوازن بحنين وثقيفًا بالطائف وحاصرهم في شوال وبعض ذي القعدة. الثاني: لا تظلموا فيهن أنفسكم بارتكاب الذنوب لأن الله سبحانه إذا عظم شيئًا من جهة واحدة صارت له حرمة واحدة وإذا عظمه من جهتين أو جهات صارت حرمته متعددة فيضاعف فيه العقاب بالعمل السيئ كما يضاعف الثواب بالعمل الصالح فإن من أطاع الله في الشهر الحرام في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام، ومن أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في شهر حلال في بلد حلال وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]. [٨/ ١٢٣] (٦٤٠) من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]. خَصَّ الله سبحانه بعض الناس بالأموال دون بعض نعمة منه عليهم وجعل شكر ذلك منهم إخراج سهم يؤدونه إلى من لا مال له نيابة عنه سبحانه فيما ضمنه بقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]. [٨/ ١٥١] (٦٤١) فإن جاء وادعى وصفًا من الأوصاف [أي الخاصة بأهل الزكاة] هل يقبل قوله أم لا ويقال له أثبت ما تقول. فأما الدَّيْنُ فلا بد أن يثبته وأما سائر الصفات فظاهر الحال يشهد له
следующие страницы →