وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري» خرجه الترمذي وصححه فجعل الله رزق نبيه ﷺ في كسبه لفضله وخصه بأفضل أنواع الكسب وهو أخذ الغلبة والقهر لشرفه.
الثاني: أكل الرجل من عمل يده قال ﷺ : «إن أطيب ما أكل الرجل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده» خرجه البخاري وفي التنزيل: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]، وروي أن عيسى ﵇ كان يأكل من غزل أمه.
الثالث: التجارة وهي كانت عمل جل الصحابة رضوان الله عليهم وخاصةً المهاجرين وقد دل عليها التنزيل في غير موضع.
الرابع: الحرث والغرس وقد بيناه في سورة البقرة.
الخامس: إقراء القرآن وتعليمه والرقية وقد مضى في الفاتحة.
السادس: يأخذ بنية الأداء إذا احتاج قال ﷺ : «من أخذ أموال الناس يريد أدائها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» خرجه البخاري. [٨/ ١٠٠]
(٦٣٤) من قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩].
قال ابن العربي: سمعت أبا الوفاء علي بن عقيل في مجلس النظر يتلوها ويحتج بها فقال: ﴿قَاتِلُوا﴾؛ وذلك أمر بالعقوبة.
ثم قال: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وذلك بيان للذنب الذي أوجب العقوبة.
стр. 317
وقوله: ﴿وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ تأكيد للذنب في جانب الاعتقاد.
ثم قال: ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ زيادة للذنب في مخالفة الأعمال.
ثم قال: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ إشارة إلى تأكيد المعصية والانحراف والمعاندة والأنفة عن الاستسلام.
ثم قال: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ تأكيد للحجة لأنهم كانوا يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.
ثم قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ فبين الغاية التي تمتد إليها العقوبة وعين البدل الذي ترتفع به. [٨/ ١٠١]
(٦٣٥) من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٠].
قيل: معناه التأكيد كما قال تعالى: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]، وقوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾ [الحاقة: ١٣].
وقيل: المعنى أنه لما كان قولٌ ساذج ليس فيه بيان ولا برهان وإنما هو قول بالفم مجرد نفس دعوى لا معنى تحته صحيح لأنهم معترفون بأن الله سبحانه لم يتخذ صاحبة فكيف يزعمون أن له ولدًا فهو كذب وقول لساني فقط بخلاف الأقوال الصحيحة التي تعضدها الأدلة ويقوم عليها البرهان.
قال أهل المعاني: إن الله سبحانه لم يذكر قولًا مقرونًا بذكر الأفواه والألسن
стр. 318
إلا وكان قولًا زورًا كقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ [الكهف: ٥]، و ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١]. [٨/ ١٠٨]
(٦٣٦) من قوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾ [التوبة: ٣٠].
أي: لعنهم الله يعني اليهود والنصارى لأن الملعون كالمقتول. قال ابن جريج: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ هو بمعنى التعجب وقال ابن عباس: كل شيء في القرآن قتل فهو لعن.
ومنه قول أبان بن تغلب:
قاتلها الله تلحاني وقد علمت … أَنّى لنفسي إفسادي وإصلاحي
وحكى النقاش أن أصل (قاتل الله) الدعاء ثم كثر في استعمالهم حتى قالوه على التعجب في الخير والشر وهم لا يريدون الدعاء وأنشد الأصمعي:
يا قاتل الله ليلى كيف تعجبني … وأخبر الناس أني لا أباليها
[٨/ ١٠٩]
(٦٣٧) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦].
هذه الآية تدل على أن الواجب تعليق الأحكام من العبادات وغيرها إنما يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب دون الشهور التي تعتبرها
стр. 319
العجم والروم والقبط وإن لم تزد على اثني عشر شهرًا لأنها مختلفة الأعداد منها ما يزيد على ثلاثين ومنها ما ينقص وشهور العرب لا تزيد على ثلاثين وإن كان منها ما ينقص والذي ينقص ليس يتعين له شهر وإنما تفاوتها في النقصان والتمام على حسب اختلاف سير القمر في البروج. [٨/ ١٢٣]
(٦٣٨) من قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦].
الأشهر الحرم المذكورة في هذه الآية ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الذي بين جمادى الآخرة وشعبان وهو رجب مضر وقيل له رجب مضر لأن ربيعة بن نزار كانوا يحرمون شهر رمضان ويسمونه رجبًا وكانت مضر تحرم رجبًا نفسه فلذلك قال النبي ﷺ فيه: «الذي بين جمادى وشعبان» ورفع ما وقع في اسمه من الاختلال بالبيان وكانت العرب أيضًا تسميه (مُنْصِلُ الأسنة) روى البخاري عن أبي رجاء العُطاردي. قال كنا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجرًا هو خير منه ألقيناه وأخذنا الآخر فإذا لم نجد حجرًا جمعنا حثوة من تراب ثم جئنا بالشاء فحلبنا عليه ثم طفنا به فإذا دخل شهر رجب قلنا منصل الأسنة فلم ندع رمحًا فيه حديدة ولا سهمًا فيه حديدة إلا نزعناها فألقيناه. [٨/ ١٢٣]
(٦٣٩) من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦].
في الظلم قولان أحدهما: لا تظلموا فيهن أنفسكم بالقتال، ثم نسخ بإباحة القتال في جميع الشهور. وقال ابن جريج: حلف بالله عطاء بن أبي
стр. 320
رباح أنه ما يحل للناس: أن يغزو في الحرم ولا في الأشهر الحرم إلا أن يُقَاتَلوا فيها وما نسخت والصحيح الأول: لأن النبي ﷺ غزا هوازن بحنين وثقيفًا بالطائف وحاصرهم في شوال وبعض ذي القعدة.
الثاني: لا تظلموا فيهن أنفسكم بارتكاب الذنوب لأن الله سبحانه إذا عظم شيئًا من جهة واحدة صارت له حرمة واحدة وإذا عظمه من جهتين أو جهات صارت حرمته متعددة فيضاعف فيه العقاب بالعمل السيئ كما يضاعف الثواب بالعمل الصالح فإن من أطاع الله في الشهر الحرام في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام، ومن أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في شهر حلال في بلد حلال وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]. [٨/ ١٢٣]
(٦٤٠) من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠].
خَصَّ الله سبحانه بعض الناس بالأموال دون بعض نعمة منه عليهم وجعل شكر ذلك منهم إخراج سهم يؤدونه إلى من لا مال له نيابة عنه سبحانه فيما ضمنه بقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]. [٨/ ١٥١]
(٦٤١) فإن جاء وادعى وصفًا من الأوصاف [أي الخاصة بأهل الزكاة] هل يقبل قوله أم لا ويقال له أثبت ما تقول.
فأما الدَّيْنُ فلا بد أن يثبته وأما سائر الصفات فظاهر الحال يشهد له
стр. 321
ويُكتفى به فيها والدليل على ذلك حديثان صحيحان أخرجهما أهل الصحيح وهو ظاهر القرآن روى مسلم عن جرير قال كنا عند النبي ﷺ في صدر النهار قال فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف عامتهم من مضر بل كلهم من مضر فتمعر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالاً فأذن وأقام فصلى ثم خطب.
الحديث وفيه قال: «فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب … » الحديث. فاكتفى ﷺ بظاهر حالهم وحث على الصدقة ولم يطلب منهم بينة ولا استقصى هل عندهم مال أم لا. ومثله حديث أبرص وأقرع وأعمى أخرجه مسلم وغيره ..... وفي هذا أدل دليل على أن من ادعى زيادة على فقره من عيال أو غيره لايكشف عنه خلافًا لمن قال يكشف عنه إن قدر فإن في الحديث: «فقال رجل مسكين وابن سبيل أسألك شاة» ولم يكلفه إثبات السفر. فأما المكاتب فإنه يكلف إثبات الكتابة لأن الرق هو الأصل حتى تثبت الحرية. [٨/ ١٧٢]
(٦٤٢) من قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١].
﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أي: قلوبهم متحدة في التواد والتحاب والتعاطف
стр. 322
وقال في المنافقين ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] لأن قلوبهم مختلفة ولكن يُضَّمُ بعضهم إلى بعض في الحكم. [٨/ ١٨٦]
(٦٤٣) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣].
الخطاب للنبي ﷺ وتدخل فيه أمته من بعده قيل: المراد جاهد بالمؤمنين الكفار وقال ابن عباس: أُمر بالجهاد مع الكفار بالسيف ومع المنافقين باللسان وشدة الزجر والتغليظ.
وروي عن ابن مسعود أنه قال: جاهد المنافقين بيدك فإن لم تستطع فبلسانك فإن لم تستطع فاكفهر في وجوههم. [٨/ ١٨٧]
(٦٤٤) من قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥].
أخرج البخاري في الأدب المفرد والقضاعي وأحمد من حديث أبي هريرة قوله ﵊: «إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى فإنه لا يدري ما كتب له في غيب الله من أمنيته» أي من عاقبتها فرب أمنية يفتتن بها أو يطغى فتكون سببًا للهلاك دنيا وأخرى لأن أمور الدنيا مبهمة عواقبها، خطرة غائلتها، وأما تمني أمور الدين والأخرى فتمنيها محمود العاقبة محضوض عليها مندوب إليها. [٨/ ١٩٣]
(٦٤٥) من قوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢].
قال الحسن: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ في الدنيا، ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ في جهنم وقيل
стр. 323
هو أمر بمعنى الخبر أي إنهم سيضحكون قليلًا ويبكون كثيرًا ﴿جَزَاءً﴾ مفعول من أجله أي للجزاء.
من الناس من كان لا يضحك اهتمامًا بنفسه وفساد حاله في اعتقاده من شدة الخوف وإن كان عبدًا صالحًا قال ﷺ : «والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا … » الحديث.
وكان الحسن البصري ممن غلب عليه الحزن فكان لا يضحك وكان ابن سيرين يضحك ويحتج على الحسن ويقول الله أضحك وأبكى وكان الصحابة يضحكون إلا أن الإكثار منه وملازمته حتى يغلب على صاحبه مذموم وهو من فعل السفهاء والبطالة وفي الخبر «أن كثرته تميت القلب» وأما البكاء من خوف الله وعذابه وشدة عقابه فمحمود. [٨/ ١٩٨].
(٦٤٦) من قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ [التوبة: ٩٠].
المعذرون بالتشديد فيه قولان: أحدهما: أنه يكون المحقّ فهو في المعنى المعتذر لأن له عذرًا والقول الآخر أن المعذّر قد يكون غير محق وهو الذي يعتذر ولا عذر له وكان ابن عباس يقول: «لعن الله المعذِّرين» كأن الأمر عنده أن المعذر بالتشديد هو المظهر للعذر اعتلالًا من غير حقيقة له في العذر … سياق الكلام يدل على أنهم مذمومون لا عذر لهم، قال: لأنهم جاءوا ليؤذن لهم ولو كانوا من الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون لم يحتاجوا أن يستأذنوا. [٨/ ٢٠٥] بتصرف.
стр. 324
(٦٤٧) من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [التوبة: ٩١].
الآية أصل في سقوط التكليف عن العاجز فكل من عجز عن شيء سقط عنه فتارة إلى بدل هو فعل وتارة إلى بدل هو غرم ولا فرق بين العجز من جهة القوة أو العجز من جهة المال. [٨/ ٢٠٧].
(٦٤٨) من قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١].
﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾: في موضع رفع اسم ما أي من طريق إلى العقوبة وهذه الآية أصل في رفع العقاب عن كل محسن. [٨/ ٢٠٨]
(٦٤٩) من قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ [التوبة: ٩٢].
وقيل نزلت في بني مقرّن وعلى هذا جمهور المفسرين- وكانوا سبعة إخوة كلهم صحبوا النبي ﷺ وليس في الصحابة سبعة إخوة غيرهم وهم النعمان ومعقل وعقيل وسويد وسنان (وعبد الله وعبدالرحمن) (١) بنو مقرن المزنيون سبعة إخوة هاجروا وصحبوا رسول الله ﷺ ولم يشاركهم فيما ذكره ابن عبدالبر وجماعة- في هذه المكرمة غيرهم. وقد قيل إنهم شهدوا الخندق كلهم. [٨/ ٢٠٩]
стр. 325
(٦٥٠) من قوله تعالى: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [التوبة: ٩٢].
في قوله تعالى: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ ما يستدل به على قرائن الأحوال ثم منها ما يفيد العلم الضروري ومنها ما يحتمل الترديد:
فالأول: كمن يمر على دار قد علا فيها النعي وخمشت الخدود وحلقت الشعور وسُلِقت الأصوات وخرقت الجيوب ونادوا على صاحب الدار بالثبور فيعلم أنه قد مات.
وأما الثاني: فكدموع الأيتام على أبواب الحكام قال الله تعالى مخبرًا عن إخوة يوسف ﵇:: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦)﴾ [يوسف: ١٦] وهم الكاذبون، قال الله تعالى مخبرًا عنهم: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨] ومع هذا فإنها قرائن يستدل بها في الغالب فتبنى عليها الشهادات بناء على ظواهر الأحوال وغالبها وقال الشاعر:
إذا اشتبكت دموع في خدود … تبين من بكى ممن تباكى
[٨/ ٢١٠]
(٦٥١) من قوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ [التوبة: ٩٧].
لما ذكر تعالى أحوال المنافقين بالمدينة ذكر من كان خارجًا منها ونائياً عنها من الأعراب فقال كفرهم أشد. قال قتادة: لأنهم أبعد عن معرفة السنن وقيل لأنهم أقسى قلبًا وأجفى قولًا وأغلظ طبعًا وأبعد عن سماع التنزيل. [٨/ ٢١٢ - ٢١٤] بتصرف
стр. 326
(٦٥٢) من قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠].
والأنصار اسم إسلامي قيل لأنس بن مالك أرأيت قول الناس لكم: الأنصار اسم سماكم الله به أم كنتم تُدعون به في الجاهلية؟ قال: بل اسم سمانا الله به في القرآن، ذكره أبو عمر في الاستذكار. [٨/ ٢١٥]
(٦٥٣) روى مجالد عن الشعبي قال سألت ابن عباس من أول الناس إسلامًا؟ قال: أبو بكر أو ما سمعت قول حسان:
إذا تذكرت شجوًا من أخي ثقة … فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها … بعد النبي وأوفاها بما حملا
الثاني التالي المحمود مشهدُه … وأول الناس منهم صدق الرسلا
[٨/ ٢١٦]
(٦٥٤) من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠].
وأكبر التابعين الفقهاء السبعة من أهل المدينة وهم سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وخارجة بن زيد وأبو سلمة بن عبدالرحمن وعبد الله بن عتبة بن مسعود وسليمان بن يسار وقد نظمهم بعض الأجلة في بيت واحد فقال:
فخذهم عبيد الله عروة قاسم … سعيد أبو بكر سليمان خارجة
وقال أحمد بن حنبل: أفضل التابعين سعيد بن المسيب فقيل له: فعلقمة
стр. 327
والأسود فقال سعيد بن المسيب وعلقمة والأسود، وعنه أيضًا قال: أفضل التابعين قيس وأبو عثمان ومسروق هؤلاء كانوا فاضلين ومن عِلْية التابعين، وقال أيضًا: كان عطاء مفتي مكة والحسن مفتي البصرة فهذان أكثر الناس عنهم. وروي عن أبي بكر بن أبي داود قال: سيدتا التابعين من النساء حفصة بنت سيرين وعمرة بنت عبدالرحمن وثالثتهما وليست كهما أم الدرداء. [٨/ ٢١٨]
(٦٥٥) من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١].
معنى ﴿مَرَدُوا﴾ أقاموا ولم يتوبوا عن ابن زيد. وقال غيره: لجوا فيه وأبوا غيره. والمعنى متقارب.
وأصل الكلمة من اللين والملامسة والتجرد فكأنهم تجردوا للنفاق، ومنه رملة مرداء لا نبت فيها وغصن أمرد لا ورق عليه وفرس أمرد لا شعر على ثنته وغلام أمرد بين المرد ولا يقال جارية مرداء وتمريد البناء تمليسه ومنه قوله: ﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ [النمل: ٤٤] وتمريد الغصن تجريده من الورق. [٨/ ٢٢٠]
(٦٥٦) من قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢].
وهذه الآية وإن كانت نزلت في أعراب فهي عامة إلى يوم القيامة فيمن له أعمال صالحة وسيئة فهي ترجي، ذكر الطبري عن حجاج بن أبي زينب قال سمعت أبا عثمان يقول: ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله
стр. 328
تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ … الآية. وفي البخاري عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ لنا: «أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راءٍ وشطره كأقبح ما أنت راءٍ قالا لهم اذهبوا فقعوا في ذلك النهر فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة قالا لي: هذه جنة عدن وهذاك منزلك قالا: أما القوم الذي كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا تجاوز الله عنهم». [٨/ ٢٢٢]
(٦٥٧) الخطاب من القرآن لم يرد بابًا واحدًا ولكن اختلفت موارده على وجوه فمنها خطاب توجه إلى جميع الأمة كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦].
ومنها خطاب خص به النبي ﷺ ولم يشركه فيه غيره لفظًا ولا معنى كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] ومنها خطاب خص به لفظًا وشركه جميع الأمة معنى وفعلا كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. بتصرف [٨/ ٢٢٣]
(٦٥٨) من قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣].
قوله تعالى: ﴿صَدَقَةً﴾ مأخوذ من الصدق إذ هي دليل على صحة إيمانه
стр. 329
وصدق باطنه مع ظاهره وأنه ليس من المنافقين الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات.
﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ حالين للمخاطب التقدير خذها مطهرًا لهم ومزكيًا لهم بها ويجوز أن يجعلها صفتين للصدقة أي صدقة مطهرة لهم مزكية.
﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أصل في فعل كل إمام يأخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق بالبركة. [٨/ ٢٢٧] بتصرف
(٦٥٩) من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ [التوبة: ١٠٧].
روى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار من ضار ضار الله به ومن شاق شاق الله عليه» قال بعض العلماء: الضرر: الذي لك به منفعة وعلى جارك فيه مضرة، والضرار الذي ليس لك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة وقيل هما بمعنى واحد تكلم بهما جميعًا على جهة التأكيد. [٨/ ٢٣٢]
(٦٦٠) من قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ [التوبة: ١٠٨].
أثنى الله في هذه الآية على من أحب الطهارة وآثر النظافة وهي مروءة آدمية ووظيفة شرعية وفي الترمذي عن عائشة رضوان الله عليها أنها قالت: «مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم» قال حديث
стр. 330
صحيح وثبت أن النبي ﷺ كان يحمل الماء معه في الاستنجاء فكان يستعمل الحجارة تخفيفًا والماء تطهيرًا.
وقال ابن العربي: وقد كان علماء القيروان يتخذون في متوضآتهم أحجارًا في تراب ينقون بها ثم يستنجون بالماء. [٨/ ٢٣٨]
(٦٦١) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١].
قال العلماء: كما اشترى من المؤمنين البالغين المكلفين كذلك اشترى من الأطفال فآلمهم وأسقمهم لما في ذلك من المصلحة وما فيه من الاعتبار للبالغين فإنهم لا يكونون عند شيء أكثر صلاحًا وأقل فسادًا منهم عند ألم الأطفال وما يحصل للوالدين الكافلين من الثواب فيما ينالهم من الهم ويتعلق بهم من التربية والكفالة ثم هو يعوض هؤلاء الأطفال عوضًا إذا صاروا إليه ونظير هذا في الشاهد أنك تكتري الأجير ليبني وينقل التراب وفي كل ذلك له ألم وأذى ولكن ذلك جائز لما في عمله من المصلحة ولما يصل إليه من الأجر. [٨/ ٢٤٤]
(٦٦٢) حكي أن بعض العباد أخذ القدح ليتوضأ لصلاة الليل فأدخل أصبعه في أذن القدح وقعد يتفكر حتى طلع الفجر فقيل له في ذلك فقال: أدخلت أصبعي في أذن القدح فتذكرت قول الله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ﴾ [غافر: ٧١] وذكرت كيف أتلقى الغل وبقيت ليلي في ذلك أجمع. [٨/ ٢٤٦]
стр. 331
(٦٦٣) من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ [التوبة: ١١٥].
أي ما كان الله ليوقع الضلالة في قلوبهم بعد الهدى حتى يبين لهم ما يتقون فلا يتقوه فعند ذلك يستحقون الإضلال. قلت ففي هذا أدل دليل على أن المعاصي إذا ارتكبت وانتهك حجابها كانت سببًا إلى الضلالة والردى وسلمًا إلى ترك الرشاد والهدى نسأل الله السداد والتوفيق والرشاد بمنه. [٨/ ٢٥٢]
(٦٦٤) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ [التوبة: ١١٧].
قيل: توبته عليهم أن تدارك قلوبهم حتى لم تزغ وكذلك سنة الحق مع أوليائه إذا أشرفوا على العطب ووطنوا أنفسهم على الهلاك أمطر عليهم سحائب الجود فأحيا قلوبهم وينشد:
منك أرجو ولست أعرف ربا … يُرتجى منه بعض ما منك أرجو
وإذا اشتدت الشدائد في الأرض … على الخلق فاستغاثوا وعجوا
وابتليت العباد بالخوف والجوع … وصروا على الذنوب ولجوا
لم يكن لي سواك ربي ملاذ … فتيقنت أنني بك أنجو
[٨/ ٢٥٦]
(٦٦٥) من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨].
قيل: عن التوبة وقيل: عن غزوة تبوك. وقيل: أُرجوا وأُخروا عن
стр. 332
المنافقين فلم يقض فيهم بشيء وذلك أن المنافقين لم تقبل توبتهم واعتذر أقوام فقبل عذرهم وأخر النبي ﷺ هؤلاء الثلاثة حتى نزل فيهم القرآن وهذا هو الصحيح لما رواه مسلم والبخاري وغيرهما واللفظ لمسلم قال كعب: «كنا خُلِّفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قَبِلَ منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله ﷺ أمرنا حتى قضى الله فيه فبذلك قال الله : ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] وليس الذي ذكر الله مما خُلِّفنا تَخَلُّفنا عن الغزو وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه». [٨/ ٢٥٦]
(٦٦٦) أخرج أبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة: «من توضأ وخرج إلى الصلاة فوجد الناس قد صلّوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها» حسنه الأرناؤوط في جامع الأصول وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] وبدليل أن النية الصادقة هي أصل الأعمال فإذا صحت في فعل طاعة فعجز عنها صاحبها لمانع منع منها فلا بُعد في مساواة أجر ذلك العاجز لأجر القادر الفاعل ويزيد عليه. [٨/ ٢٦٥]
(٦٦٧) قال الحسين بن الفضل: لم يجمع الله لأحد من الأنبياء اسمين من أسمائه إلا للنبي ﷺ فإنه قال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]
стр. 333
، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥]. [٨/ ٢٧٤]
(٦٦٨) من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [يونس: ١].
﴿الْحَكِيمِ (١)﴾: المحكم بالحلال والحرام والحدود والأحكام، وقيل الحكيم بمعنى الحاكم أي إنه حاكم بالحلال والحرام وحاكم بين الناس بالحق دليله: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، وقيل الحكيم بمعنى المحكوم فيه أي حكم الله فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وحكم فيه بالنهي عن الفحشاء والمنكر وبالجنة لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه.
وقال مقاتل: الحكيم بمعنى المحكم من الباطل لا كذب فيه ولا اختلاف. [٨/ ٢٧٨]
(٦٦٩) من قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢].
قال مقاتل: أعمالًا قدموها واختاره الطبري:
قال الوضاح:
صَلِّ لِذي العرش واتخذ قدمًا … تُنْجَيك يوم العِثار والزلل
[٨/ ٢٧٩]
(٦٧٠) من قوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠].
التسبيح والحمد والتهليل قد يسمى دعاء، روى مسلم والبخاري عن
стр. 334
ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم» قال الطبري: كان السلف يدعون بهذا الدعاء ويسمونه دعاء الكرب وقال ابن عيينه وقد سئل عن هذا فقال: أما علمت أن الله تعالى يقول: «إذا شغل عبدي ثناؤه عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» والذي يقطع النزاع وأن هذا يسمى دعاء وإن لم يكن فيه من معنى الدعاء شيء وإنما هو تعظيم لله تعالى وثناء عليه ما رواه النسائي عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : «دعوة ذي النون إذ دعا بها في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فإنه لن يدعو بها مسلم في شيء إلا استجيب له». [٨/ ٢٨٤]
(٦٧١) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ [يونس: ١٢].
﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾: أي على جنبه مضطجعًا، ﴿أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [يونس: ١٢] وإنما أراد جميع حالاته لأن الإنسان لا يعدو إحدى هذه الحالات الثلاثة. قال بعضهم: إنما بدأ بالمضطجع لأنه بالضر أشد في غالب الأمر فهو يدعو أكثر واجتهاده أشد ثم القاعد ثم القائم ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ﴾ [يونس: ١٢] أي استمر على كفره ولم يشكر ولم يتعظ.
قلت: وهذه صفة كثير من المخلطين الموحدين إذا أصابته العافية مر على ما كان عليه من المعاصي فالآية تعم الكافر وغيره. [٨/ ٢٨٨]
стр. 335
(٦٧٢) من قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ﴾ [يونس: ١٥].
والفرق بين تبديله والإتيان بغيره أن تبديله لا يجوز أن يكون معه والإتيان بغيره قد يجوز أن يكون معه وفي قولهم ذلك ثلاثة أوجه:
أحدها: أنهم سألوه أن يحول الوعد وعيدًا والوعيد وعدًا والحلال حرامًا والحرام حلالًا قاله ابن جرير الطبري.
الثاني: سألوه أن يسقط ما في القرآن من عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم قاله ابن عيسى.
الثالث: أنهم سألوه إسقاط ما فيه من ذكر البعث والنشور قاله الزجاج. [٨/ ٢٨٦]
(٦٧٣) من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٨].
أي أتخبرون الله أن له شريكًا في ملكه أو شفيعًا بغير إذنه والله لا يعلم لنفسه شريكًا في السموات ولا في الأرض لأنه لا شريك له فلذلك لا يعلمه. نظيره قوله: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ٣٣]، ثم نزه نفسه وقدسها عن الشرك فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)﴾ [النحل: ١]، أي: هو أعظم من أن يكون له شريك وقيل المعنى أي يعبدون ما لا يسمع ولا يبصر ولا يميز ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]
стр. 336
فيكذبون وهل يتهيأ لكم أن تنبؤه بما لا يعلم عما يشركون. [٨/ ٢٩١]
(٦٧٤) من قوله تعالى: ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ﴾ [يونس: ٢٢].
وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد وأن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرًا لانقطاع الأسباب ورجوعه إلى الواحد رب الأرباب. [٨/ ٢٩٣]
(٦٧٥) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٢٣].
روي عن سفيان بن عيينه أنه قال: أراد أن البغي متاع الحياة الدنيا أي عقوبته تعجل لصاحبه في الدنيا كما يقال البغي مَصْرَعةٌ. [٨/ ٢٩٤]
(٦٧٦) من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٢٤].
روي عن نافع أنه وقف على ﴿فَاخْتَلَطَ﴾ أي: فاختلط الماء بالأرض، ثم ابتدأ ﴿بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ أي: بالماء نبات الأرض فأخرجت ألوانًا من النبات، فنبات على هذا ابتداء وعلى مذهب من لم يقف على ﴿فَاخْتَلَطَ﴾ مرفوع باختلط، أي اختلط النبات بالمطر أي شرب منه فتندى وحسن واخضر. والاختلاط تداخل الشيء بعضه في بعض. [٨/ ٢٩٥]
стр. 337
(٦٧٧) من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥].
لما ذكر وصف هذه الدار وهي دار الدنيا وصف الآخرة فقال: إن الله لا يدعوكم إلى جمع الدنيا بل يدعوكم إلى الطاعة لتصيروا إلى دار السلام أي إلى الجنة. قال قتادة والحسن: السلام هو الله وداره الجنة وسميت الجنة دار السلام لأن من دخلها سلم من الآفات ومن أسمائه سبحانه السلام. [٨/ ٢٩٦]
(٦٧٨) من قوله تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢].
قال علماؤنا: حكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والباطل منزلة ثالثة في هذه المسألة التي هي توحيد الله تعالى وكذلك هو الأمر في نظائرها وهي مسائل الأصول التي الحق فيها طرف واحد لأن الكلام فيها إنما هو في تعديد وجود ذاتٍ كَيفَ هِيَ وذلك بخلاف مسائل الفروع التي قال الله تعالى فيها: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] وقوله ﵇: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات» والكلام في الفروع إنما هو في أحكام طارئة على وجود ذات متقررة لا يُختلف فيها وإنما يُختلف في الأحكام المتعلقة بها. [٨/ ٣٠٣]
(٦٧٩) روى عبد الله بن عبد الحكم وأشهب عن مالك في قوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢] قال: اللعب بالشطرنج والنرد من الضلال، وروى يونس عن ابن وهب: أنه سئل عن الرجل يلعب في بيته مع
стр. 338
امرأته بأربع عشرة فقال مالك: ما يعجبني وليس من شأن المؤمنين يقول الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾. وروى يونس عن أشهب قال سئل- يعني مالكًا- عن اللعب بالشطرنج فقال: لا خير فيه وليس بشيء وهو من الباطل، واللعب كله من الباطل، وإنه لينبغي لذي العقل أن تنهاه اللحية والشيب عن الباطل وقال الزهري لما سئل عن الشطرنج هي من الباطل ولا أحبها. [٨/ ٣٠٤]
(٦٨٠) وعن علي ﵁ أنه مر على مجلس من مجالس بني تميم وهم يلعبون بالشطرنج فوقف عليهم فقال: أما والله لغير هذا خلقتم أما والله لولا أن تكون سنة لضربت به وجوهكم وعنه ﵁: أنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢)﴾ [الأنبياء: ٥٢] لأن يمس أحدكم جمرًا حتى يطفأ خير من أن يمسها، وسئل ابن عمر عن الشطرنج فقال: هي شر من النرد، وقال أبو موسى الأشعري: لا يلعب بالشطرنج إلا خاطئ وسئل أبو جعفر عن الشطرنج فقال: دعونا من هذه المجوسية .... وهذه الآثار كلها تدل على تحريم اللعب بها بلا قمار والله أعلم. [٨/ ٣٠٥] بتصرف
(٦٨١) قيل للحسين بن الفضل: هل تجد في القرآن: من جهل شيئًا عاداه. قال: نعم في موضعين: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩]، وقوله: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١)﴾ [الأحقاف: ١١]. [٨/ ٣١٠]
стр. 339
(٦٨٢) من قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨].
الفرح لذة في القلب بإدراك المحبوب وقد ذم الفرح في مواضع كقوله: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦)﴾ [القصص: ٧٦]، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠)﴾ [هود: ١٠] ولكنه مطلق. فإذا قيد الفرح لم يكن ذمًا لقوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] وههنا قال ﵎: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] أي بالقرآن والإسلام فليفرحوا فقيّد. [٨/ ٣١٧]
(٦٨٣) قال ابن عباس: من أخذ مضجعه من الليل ثم تلا هذه الآية: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١)﴾ [يونس: ٨١] لم يضره كيد ساحر. ولا تكتب على مسحور إلا دفع الله عنه السحر. [٨/ ٣٢٨]
(٦٨٤) من قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥)﴾ [يونس: ٨٥].
أي لا تنصرهم علينا فيكون ذلك فتنة لنا عن الدين أو لا تمتحنا بأن تعذبنا على أيديهم وقال مجاهد المعنى لا تهلكنا بأيدي أعدائنا، ولا تعذبنا بعذاب من عندك فيقول: أعداؤنا لو كانوا على حق لم نسلط عليهم فيفتنوا، وقال أبو مجلز وأبو الضحى: يعني لا تظهرهم علينا فيروا أنهم خير منا فيزدادوا طغيانًا. [٨/ ٣٣٠]
стр. 340
(٦٨٥) من قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨)﴾ [يونس: ٨٨].
وقد استشكل بعض الناس هذه الآية فقال: كيف دعا عليهم وحُكُم الرُّسل استدعاء إيمان قومهم؟ فالجواب أنه لا يجوز أن يدعو نبي على قومه إلا بإذن الله وإعلام أنه ليس فيهم من يؤمن ولا يخرج من أصلابهم من يؤمن دليله قوله لنوح ﵇: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] وعند ذلك قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ [نوح: ٢٦] والله أعلم. [٨/ ٣٣٤]
(٦٨٦) من قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩].
قال أبو العالية: دعا موسى وَأَمَّنَ هارون فسمى هارون وقد أمن على الدعاء داعيًا والتأمين على الدعاء أن يقول آمين فقولك آمين دعاء أي يا رب استجب لي وقيل: دعا هارون مع موسى أيضًا. [٨/ ٣٣٤]
(٦٨٧) من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: ٨٩].
وقيل: ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾ أي على الدعاء. والاستقامة في الدعاء ترك الاستعجال في حصول المقصود ولا يسقط الاستعجال من القلب إلا باستقامة السكينة فيه ولا تكون تلك السكينة إلا بالرضا الحسن لجميع ما يبدو من الغيب. [٨/ ٣٣٥]
стр. 341
(٦٨٨) من قوله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ [يونس: ٩١].
قيل هو من قول الله تعالى وقيل هو من قول جبريل وقيل ميكائيل صلوات الله عليهما أو غيرهما من الملائكة له صلوات الله عليهم. وقيل: هو من قول فرعون في نفسه ولم يكن ثَمَّ قول باللسان بل وقع ذلك في قلبه فقال في نفسه ما قال: حيث لم تنفعه الندامة ونظيره ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] أثنى عليهم الرب بما في ضميرهم لا أنهم قالوا ذلك بلفظهم. [٨/ ٣٣٧]
(٦٨٩) من قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢].
أي نلقيك على نجوة من الأرض وذلك أن بني إسرائيل لم يصدقوا أن فرعون غرق وقالوا: هو أعظم شأنًا من ذلك فألقاه الله على نجوة من الأرض أي مكان مرتفع حتى شاهدوه. [٨/ ٣٣٧]
(٦٩٠) روى الترمذي عن ابن عباس قال: قال أبو بكر ﵁: «يا رسول الله قد شبت! قال: شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت»، قال هذا حديث حسن غريب … قال أبو عبد الله: فالفزع يورث الشيب وذلك أن الفزع يذهل النفس فينشف رطوبة الجسد وتحت كل شعرة منبع ومنه يعرق فإذا انتشف الفزع رطوبته يبست المنابع فيبس الشعر وابيض كما ترى الزرع الأخضر بسقائه فإذا ذهب سقاؤه يبس فابيض وإنما يبيض شعر الشيخ لذهاب رطوبته ويبس جلده فالنفس تذهل
стр. 342
بوعيد الله وأهوال ما جاء به الخبر عن الله تعالى فتذبل وينشف ماءها ذلك الوعيد والهول الذي جاء به فمنه تشيب وقال الله تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧)﴾ [المزمل: ١٧] فإنما شابوا من الفزع. [٩/ ٦]
(٦٩١) من قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦].
قيل لحاتم الأصم: من أين تأكل؟ فقال: من عند الله فقيل له: الله ينزل لك دنانير ودراهم من السماء؟ فقال: كأن ماله إلا السماء! يا هذا الأرض له والسماء له فإن لم يؤتني رزقي من السماء ساقه لي من الأرض وأنشد:
وكيف أخاف الفقر والله رازقي … ورازق هذا الخلق في العسر واليسر
تكفل بالأرزاق للخلق كلهم … وللضب في البيداء والحوت في البحر
[٩/ ١٠]
(٦٩٢) من قوله تعالى: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧].
قال علماؤنا: إنما كان ذلك لاستيلاء الرياسة على الأشراف وصعوبة الانفكاك عنها والأنفة من الانقياد للغير، والفقير خلي عن تلك الموانع فهو سريع إلى الإجابة والانقياد وهذا غالب أحوال الدنيا. [٩/ ٢٤]
(٦٩٣) من قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: ٣٢].
والجدل في الدين محمود ولهذا جادل نوح والأنبياء قومهم حتى يظهر
стр. 343
الحق فمن قبله أنجح وأفلح ومن رده خاب وخسر وأما الجدال لغير الحق حتى يظهر الباطل في صورة الحق فمذموم وصاحبه في الدارين ملوم. [٩/ ٢٧]
(٦٩٤) من قوله تعالى: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦].
في هذه الآية تسلية للخلق في فساد أبنائهم وإن كانوا صالحين. وروي أن ابن مالك بن أنس نزل من فوق ومعه حَمَامٌ قد غطاه. قال: فعلم مالك أنه قد فهمه الناس فقال مالك: الأدب أدب الله لا أدب الآباء والأمهات والخير خير الله لا خير الآباء والأمهات.
وفيها أيضًا دليل على أن الابن من الأهل لغة وشرعًا ومن أهل البيت. [٩/ ٤٣]
(٦٩٥) من قوله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦].
الناصية: قصاص الشعر في مقدم الرأس ونصوت الرجل أنصوه نصوًا أي مددت ناصيته.
قال ابن جريج: إنما خص الناصية لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنسانًا بالذلة والخضوع فيقولون: ما ناصية فلان إلا بيد فلان أي أنه مطيع له يصرفه كيف يشاء وكانوا إذا أسروا أسيرًا وأردوا إطلاقه والمنّ عليه جزوا ناصيته ليعرفوا بذلك فخرًا عليه فخاطبهم بما يعرفونه في كلامهم. [٩/ ٤٧]
стр. 344
(٦٩٦) من قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧].
قال أهل التفسير كان مما ينهاهم عنه وعذبوا لأجله قطع الدنانير والدراهم كانوا يقرضون من أطراف الصحاح لتفضل لهم القراضة وكانوا يتعاملون على الصحاح عدًا وعلى المقروضة وزنًا وكانوا يبخسون في الوزن … قال عبدالرحمن بن القاسم … : من كسرها لم تقبل شهادته وإن اعتذر بالجهالة لم يعذر وليس هذا بموضع عذر … إذا كان هذا معصية وفسادًا ترد به الشهادة فإنه يعاقب من فعل ذلك.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: أما أدبه بالسوط فلا كلام فيه وأما حلقه فقد فعله عمر وقد كنت أيام الحكم بين الناس أضرب وأحلق وإنما كنت أفعل ذلك بمن يرى شعره عونًا له على المعصية وطريقًا إلى التجمل به في الفساد وهذا هو الواجب في كل طريق للمعصية أن يقطع إذا كان غير مؤثر في البدن … وأرى أن يقطع في قرضها دون كسرها وقد كنت أفعل ذلك أيام توليتي الحكم إلا أني كنت محفوفًا بالجهال فلم أجبن بسبب المقال للحسدة الضلال فمن قدر عليه يومًا من أهل الحق فليفعله احتسابًا لله تعالى. [٩/ ٧٧] بتصرف
(٦٩٧) من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ [هود: ١١٨، ١١٩].
стр. 345
قيل الإشارة بذلك ﴿وَلِذَلِكَ﴾ للاختلاف والرحمة وقد يشار ب ﴿وَلِذَلِكَ﴾ إلى شيئين متضادين، كقوله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] ولم يقل بين ذينك ولا تينك.
وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧]، وقال: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾ [الإسراء: ١١٠]، وكذلك قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] وهذا أحسن الأقوال إن شاء الله تعالى لأنه يعم أي ولما ذكر خلقهم وإلى هذا أشار مالك ﵀ فيما روى عنه أشهب. قال أشهب: سألت مالكًا عن هذه الآية قال: خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير أي خلق أهل الاختلاف للاختلاف وأهل الرحمة للرحمة. [٩/ ٩٩]
(٦٩٨) من قوله تعالى: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾ [هود: ١٢٠].
﴿فِي هَذِهِ﴾ أي: في هذه السورة … وخص هذه السورة لأن فيها أخبار الأنبياء والجنة والنار وقيل خصها بالذكر تأكيدًا وإن كان الحق في كل القرآن.
﴿وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾ الموعظة ما يتعظ به من إهلاك الأمم الماضية والقرون الخالية المكذبة وهذا تشريف لهذه السورة لأن غيرها من السور قد جاء فيها الحق والموعظة والذكرى ولم يقل فيها كما قال في هذه على التخصيص ﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾ أي: يتذكرون ما نزل بمن هلك
стр. 346
فيتوبون وخص المؤمنين؛ لأنهم هم المتعظون إذا سمعوا قصص الأنبياء. [٩/ ١٠٠]
(٦٩٩) إنما كانت الرؤيا جزءًا من النبوة لأن فيها ما يُعْجِزْ ويمتنع كالطيران وقلب الأعيان والاطلاع على شيء من علم الغيب كما قال ﵇: «إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصادقة في النوم … » الحديث. وعلى الجملة فإن الرؤيا الصادقة من الله وإنها من النبوة قال ﷺ : «الرؤيا من الله والحلم من الشيطان» وأن التصديق بها حق ولها التأويل الحسن وربما أغنى بعضها عن التأويل وفيها من بديع الله ولطفه ما يزيد المؤمن في إيمانه ولا خلاف في هذا بين أهل الدين والحق من أهل الرأي والأثر ولا ينكر الرؤيا إلا أهل الإلحاد وشرذمة من المعتزلة. [٩/ ١٠٧]
(٧٠٠) وقد قسم رسول الله ﷺ الرؤيا أقسامًا تغني عن قول كل قائل روى عوف بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: الرؤيا ثلاثة منها أهاويل الشيطان ليحزن ابن آدم ومنها ما يهتم به في يقظته فيراه في منامه ومنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، قال قلت: سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم! سمعته من رسول الله ﷺ . [٩/ ١٠٨]
(٧٠١) وقيل لمالك: أَيُعَبِّر الرؤيا كل أحد؟ فقال: أبالنبوة يُلعب؟ وقال مالك لا يعبر الرؤيا إلا من يحسنها فإن رأى خيرًا أخبر به وإن رأى مكروهًا فليقل خيرًا أو ليصمت؛ قيل: فهل يعبرها على الخير وهي عنده على
стр. 347
المكروه لقول من قال: إنها على ما تأولت عليه! فقال: لا ثم قال: الرؤيا جزء من النبوة فلا يتلاعب بالنبوة. [٩/ ١١٠]
(٧٠٢) روى البخاري عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة» وهذا الحديث بظاهره يدل على أن الرؤيا بشرى على الإطلاق وليس كذلك فإن الرؤيا الصادقة قد تكون منذرة من قبل الله تعالى لا تسر رائيها وإنما يريها الله تعالى المؤمن رفقًا به ورحمة ليستعد لنزول البلاء قبل وقوعه فإن أدرك تأولها بنفسه وإلا سأل عنها من له أهلية ذلك وقد رأى الشافعي ﵁ وهو بمصر رؤيا لأحمد بن حنبل تدل على محنته فكتب إليه بذلك ليستعد لذلك. [٩/ ١١١]
(٧٠٣) من قوله تعالى: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ [يوسف: ١٠].
أجمع العلماء على أن اللقطة ما لم تكن تافهًا يسيرًا أو شيئًا لا بقاء لها فإنها تعرف حولًا كاملًا وأجمعوا أن صاحبها إن جاء فهو أحق بها من ملتقطها إذا ثبت له أنه صاحبها وأجمعوا أن ملتقطها إن أكلها بعد الحول وأراد صاحبها أن يضمّنه فإن ذلك له وإن تصدق بها فصاحبها مخير بين التضمين وبين أن ينزل على أجرها فأي ذلك تخير كان ذلك له بإجماع ولا تنطلق يد ملتقطها عليها بصدقة ولا تصرف قبل الحول. وأجمعوا أن ضالة الغنم المخوف عليها له أكلها. [٩/ ١١٧]
стр. 348
(٧٠٤) من قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١].
قيل للحسن: أيحسد المؤمن؟ قال: ما أنساك بني يعقوب، ولهذا قيل: الأب جلاب والأخ سلاب. [٩/ ١٢٠]
(٧٠٥) من قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦)﴾ [يوسف: ١٦].
قال علماؤنا: هذه الآية دليل على أن بكاء المرء لا يدل على صدق مقاله لاحتمال أن يكون تصنعًا؛ فمن الخلق من يقدر على ذلك ومنهم من لا يقدر وقد قيل: إن الدمع المصنوع لا يخفى كما قال حكيم:
إذا اشتبكت دموع في خدود … تبين من بكى ممن تباكى
[٩/ ١٢٥]
(٧٠٦) من قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ [يوسف: ١٧].
قال القشيري أبو نصر ﴿نَسْتَبِقُ﴾ أي في الرمي أو على الفرس أو على الأقدام والغرض من المسابقة على الأقدام تدريب النفس على العَدْو لأنه الآلة في قتال العدو ودفع الذئب عن الأغنام.
وقال السدي وابن حيان ﴿نَسْتَبِقُ﴾ نشتد جريًا لنرى أينا أسبق.
قال ابن العربي: المسابقة شرعة في الشريعة وخصلة بديعة وعون على الحرب وقد فعلها ﷺ بنفسه وبخيله وسابق عائشة ﵂ على قدميه فسبقها فلما كبر رسول الله ﷺ سابقها فسبقته فقال لها: هذه بتلك.
стр. 349
قلت: وسابق سلمة بن الأكوع رجلًا لما رجعوا من ذي قَرَدْ إلى المدينة فسبقه سلمة خرجه مسلم. [٩/ ١٢٥]
(٧٠٧) قال عبدالله بن مسعود: أحسن الناس فراسة ثلاثة؛ العزيز حين تفرس في يوسف، فقال: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [يوسف: ٢١] وبنت شعيب حين قالت لأبيها في موسى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ [القصص: ٢٦] وأبو بكر حين استخلف عمر.
قال ابن العربي: عجبًا للمفسرين في اتفاقهم على جلب هذا الخبر! والفراسة هي علم غريب على ما يأتي بيانه في سورة الحجر وليس كذلك فيما نقلوه لأن الصديق إنما ولى عمر بالتجربة في الأعمال والمواظبة على الصحبة وطولها والاطلاع على ما شاهد منه من العلم والمنّة وليس ذلك من طريق الفراسة وأما بنت شعيب فكانت معها العلامة البينة على ما يأتي بيانه في (القصص) وأما أمر العزيز فيمكن أن يجعل فراسة لأنه لم يكن معه علامة ظاهرة والله أعلم. [٩/ ١٣٨]
(٧٠٨) وقد تضيف العرب الكلام إلى الجمادات وتخبر عنها بما هي عليه من الصفات وذلك كثير في أشعارها وكلامها ومن أحلاه قول بعضهم قال الحائط للوتد لم تشقني؟ قال له: سل من يدقني. [٩/ ١٤٨]
(٧٠٩) من قوله تعالى: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ [يوسف: ٣٠].
قال الحسن: ويقال: إن الشغاف الجلدة اللاصقة بالقلب التي لا ترى
стр. 350
وهي الجلدة البيضاء فلصق حبه بقلبها كلصوق الجلدة بالقلب. [٩/ ١٥٢]
(٧١٠) قال علماؤنا: إن قيل من كذب في رؤياه ففسرها العابر له أيلزمه حكمها؟ قلنا: لا يلزمه وإنما كان ذلك في يوسف لأنه نبي وتعبير النبي حكم. وقد قال: إنه يكون كذا وكذا فأوجد الله تعالى ما أخبر كما قال تحقيقًا لنبوته، فإن قيل فقد روى عبدالرزاق عن معمر عن قتادة قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: «إني رأيت كأني أعشبت ثم أجدبت ثم أعشبت ثم أجدبت فقال له عمر: أنت رجل تؤمن ثم تكفر ثم تؤمن ثم تكفر ثم تموت كافرًا فقال الرجل: ما رأيت شيئًا فقال له عمر: قد قضي لك ما قضي لصاحب يوسف».
قلنا: ليست لأحد بعد عمر لأن عمر كان محدثًا وكان إذا ظن ظنًا كان وإذا تكلم به وقع على ما ورد في أخباره وهي كثيرة منها أنه دخل عليه رجل فقال له: «أظنك كاهنًا فكان كما ظن». خرجه البخاري. ومنها أنه سأل رجلًا عن اسمه فقال له فيه أسماء النار كلها، فقال له: «أدرك أهلك فقد احترقوا فكان كما قال» خرجه في الموطأ. [٩/ ١٦٥]
(٧١١) من قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢].
أي سيدك وذلك معروف في اللغة أن يقال للسيد رب وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يقل أحدكم اسق ربك أطعم ربك وضيء ربك ولا يقل أحدكم ربي وليقل سيدي مولاي ولا
стр. 351
يقل أحدكم عبدي أمتي وليقل فتاي فتاتي غلامي» وفي القرآن: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: ٢٣] ويقال لكل من قام بإصلاح شيء وإتمامه قد ربه يربه فهو رب له.
قال العلماء: قوله ﵇: (لا يقل أحدكم). (ليقل): من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأَوْلَى لا أن إطلاق ذلك الاسم محرم ولأنه قد جاء عنه ﵇: «أن تلد الأمة ربها» أي مالكها وسيدها وهذا موافق للقرآن في إطلاق ذلك اللفظ فكان محل النهي في هذا الباب ألا نتخذ هذه الأسماء عادة فنترك الأولى والأحسن. [٩/ ١٦٥ - ١٦٦] بتصرف
(٧١٢) من قوله تعالى: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧)﴾ [يوسف: ٤٧].
هذه الآية أصل في القول بالمصالح الشرعية التي هي حفظ الأديان والنفوس والعقول والأنساب والأموال فكل ما تضمن تحصيل شيء من هذه الأمور فهو مصلحة وكل ما يُفوت شيئًا منها فهو مفسدة ودفعه مصلحة ولا خلاف أن مقصود الشرائع إرشاد الناس إلى مصالحهم الدنيوية ليحصل لهم التمكن من معرفة الله تعالى وعبادته الموصلتين إلى السعادة الأخروية ومراعاة ذلك فضل من الله ورحمة رحم بها عباده من غير وجوب عليه ولا استحقاق هذا مذهب كافة المحققين من أهل السنة أجمعين وبسطه في أصول الفقه. [٩/ ١٧٣]
стр. 352
(٧١٣) من قوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥]
قال سعيد بن منصور سمعت مالك بن أنس يقول: مصر خزانة الأرض أما سمعت إلى قوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ أي على حفظها. [٩/ ١٨١]
(٧١٤) من قوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥].
يوسف ﵇ إنما طلب الولاية لأنه علم أنه لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم فرأى أن ذلك فرض متعين عليه فإنه لم يكن هناك غيره وهذا الحكم اليوم لو علم إنسان من نفسه أنه يقوم بالحق في القضاء أو الحسبة ولم يكن هناك من يصلح ولا يقوم مقامه لتعين ذلك عليه ووجب أن يتولاها ويسأل ذلك ويخبر بصفاته التي يستحقها به من العلم والكفاية وغير ذلك كما قال يوسف ﵇ فأما لو كان هناك من يقوم بها ويصلح لها وعلم بذلك فالأولى ألا يطلب لقوله ﵇ لعبدالرحمن: «لا تسأل الإمارة» وأيضًا فإن سؤالها والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلص منها دليلًا على أنه يطلبها لنفسه ولأغراضه ومن كان هكذا يوشك أن تغلب عليه نفسه فيهلك. [٩/ ١٨٤]
(٧١٥) من قوله تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾ [يوسف: ٥٧].
أي ما نعطيه في الآخرة خير وأكثر مما أعطيناه في الدنيا لأن أجر الآخرة دائم وأجر الدنيا ينقطع وظاهر الآية العموم في كل مؤمن متق وأنشدوا:
стр. 353
أما في رسول الله يوسف أسوة … لمثلك محبوسًا على الظلم والإفك والإفك
أقام جميل الصبر في الحبس برهة … فآل به الصبر الجميل إلى الملك
وكتب بعضهم إلى صديق له:
وراء مضيق الخوف متسع الأمن … وأول مفروح به آخر الحزن
فلا تيأسن فالله ملّك يوسفًا … خزائنه بعد الخلاص من السجن
وأنشد بعضهم:
إذا الحادثات بلغن النهى … وكادت تذوب لهن المهج
وحل البلاء وقل العزاء … فعند التناهي يكون الفرج
[٩/ ١٨٧]
(٧١٦) إن قيل: كيف استجاز يوسف إدخال الحزن على أبيه بطلب أخيه؟
قيل له: عن هذا أربعة أجوبة:
أحدها: يجوز أن يكون الله أمره بذلك ابتلاء ليعقوب ليعظم له الثواب فاتبع أمره فيه.
الثاني: يجوز أن يكون أراد بذلك أن ينبه يعقوب على حال يوسف ﵉.
الثالث: لتتضاعف المسرة ليعقوب برجوع ولديه عليه.
الرابع: ليقدم سرور أخيه بالاجتماع معه قبل إخوته لميل كان منه إليه.
والأول أظهر والله أعلم. [٩/ ١٨٩]
стр. 354
(٧١٧) من قوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ [يوسف: ٦٧].
لما عزموا على الخروج خشي عليهم العين فأمرهم ألا يدخلوا مصر من باب واحد وكانت مصر لها أربعة أبواب وإنما خاف عليهم العين لكونهم أحد عشر رجلًا لرجل واحد وكانوا أهل جمال وبسطة.
إذا كان هذا معنى الآية فيكون فيها دليل على التحرز من العين والعين حق. [٩/ ١٩٢]
(٧١٨) .. روى مالك عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف أنه سمع أباه يقول: «اغتسل أبي سهل به حنيف بالخرار فنزع جبةً كانت عليه، وعامر بن ربيعة ينظر، قال: وكان سهلٌ رجلًا أبيض حسن الجلد قال فقال له عامر بن ربيعة: ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء! فوعك سهلٌ مكانه واشتد وعكه، فأتى رسول اللَّه ﷺ فأخبر أن سهلًا وعك، وأنه غير رائحٍ معك يا رسول اللَّه، فأتاه رسول اللَّه ﷺ ، فأخبره سهلٌ بالذي كان من شأن عامرٍ، فقال رسول الله ﷺ علام يقتل أحدكم أخاه ألا بركت إن العين حق توضأ له، فتوضأ عامر فراح سهل مع رسول الله ﷺ ليس به بأس».
وفي رواية «اغتسل» فغسل له عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخل إزاره في قدح ثم صب عليه …
وركب سعد بن أبي وقاص يومًا فنظرت إليه امرأة فقالت: إن أميركم
стр. 355
هذا ليعلم أنه أهضم الكشحين فرجع إلى منزله فسقط فبلغه ما قالت المرأة فأرسل إليها فغسلت له ففي هذين الحديثين أن العين حق وأنها تقتل كما قال النبي ﷺ وهذا قول علماء الأمة ومذهب أهل السنة وقد أنكرته طوائف من المبتدعة وهم محجوجون بالسنة وإجماع علماء هذه الأمة وبما يشاهد من ذلك في الوجود فكم من رجل أدخلته العين القبر وكم من جمل ظهير أدخلته القدر لكن ذلك بمشيئة الله تعالى، كما قال: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] قال الأصمعي رأيت رجلًا عيونًا سمع بقرة تحلب فأعجبه شخبها فقال: أيتهن هذه! فقالوا الفلانية لبقرة أخرى يورون عنها فهلكتا جميعًا المورى بها والمورى عنها، قال الأصمعي وسمعته يقول: إذا رأيت الشيء يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني. [٩/ ١٩٣]
(٧١٩) واجب على كل مسلم أعجبه شيء أن يبرك فإنه إذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة ألا ترى قوله ﵇ لعامر: «ألا بركت» فدل على أن العين لا تضر ولا تعدو إذا برّك العائن وأنها إنما تعدو إذا لم يبرك والتبريك أن يقول: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه.
(٧٢٠) العائن إذا أصاب بعينه ولم يبرك فإنه يؤمر بالاغتسال ويجبر على ذلك إن أباه لأن الأمر على الوجوب لاسيما هذا فإنه قد يخاف على المعين الهلاك ولا ينبغي لأحد أن يمنع أخاه ما ينتفع به أخوه ولا يضره هو ولاسيما إذا كان بسببه وكان الجاني عليه.