← Тафсир

Тафсир · id 1234

درر من تفسير القرطبي

أحمد مرشد

Полный текст (667 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

يقل أحدكم عبدي أمتي وليقل فتاي فتاتي غلامي» وفي القرآن: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: ٢٣] ويقال لكل من قام بإصلاح شيء وإتمامه قد ربه يربه فهو رب له. قال العلماء: قوله ﵇: (لا يقل أحدكم). (ليقل): من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأَوْلَى لا أن إطلاق ذلك الاسم محرم ولأنه قد جاء عنه ﵇: «أن تلد الأمة ربها» أي مالكها وسيدها وهذا موافق للقرآن في إطلاق ذلك اللفظ فكان محل النهي في هذا الباب ألا نتخذ هذه الأسماء عادة فنترك الأولى والأحسن. [٩/ ١٦٥ - ١٦٦] بتصرف (٧١٢) من قوله تعالى: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧)﴾ [يوسف: ٤٧]. هذه الآية أصل في القول بالمصالح الشرعية التي هي حفظ الأديان والنفوس والعقول والأنساب والأموال فكل ما تضمن تحصيل شيء من هذه الأمور فهو مصلحة وكل ما يُفوت شيئًا منها فهو مفسدة ودفعه مصلحة ولا خلاف أن مقصود الشرائع إرشاد الناس إلى مصالحهم الدنيوية ليحصل لهم التمكن من معرفة الله تعالى وعبادته الموصلتين إلى السعادة الأخروية ومراعاة ذلك فضل من الله ورحمة رحم بها عباده من غير وجوب عليه ولا استحقاق هذا مذهب كافة المحققين من أهل السنة أجمعين وبسطه في أصول الفقه. [٩/ ١٧٣]

стр. 352

(٧١٣) من قوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥] قال سعيد بن منصور سمعت مالك بن أنس يقول: مصر خزانة الأرض أما سمعت إلى قوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ أي على حفظها. [٩/ ١٨١] (٧١٤) من قوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥]. يوسف ﵇ إنما طلب الولاية لأنه علم أنه لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم فرأى أن ذلك فرض متعين عليه فإنه لم يكن هناك غيره وهذا الحكم اليوم لو علم إنسان من نفسه أنه يقوم بالحق في القضاء أو الحسبة ولم يكن هناك من يصلح ولا يقوم مقامه لتعين ذلك عليه ووجب أن يتولاها ويسأل ذلك ويخبر بصفاته التي يستحقها به من العلم والكفاية وغير ذلك كما قال يوسف ﵇ فأما لو كان هناك من يقوم بها ويصلح لها وعلم بذلك فالأولى ألا يطلب لقوله ﵇ لعبدالرحمن: «لا تسأل الإمارة» وأيضًا فإن سؤالها والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلص منها دليلًا على أنه يطلبها لنفسه ولأغراضه ومن كان هكذا يوشك أن تغلب عليه نفسه فيهلك. [٩/ ١٨٤] (٧١٥) من قوله تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾ [يوسف: ٥٧]. أي ما نعطيه في الآخرة خير وأكثر مما أعطيناه في الدنيا لأن أجر الآخرة دائم وأجر الدنيا ينقطع وظاهر الآية العموم في كل مؤمن متق وأنشدوا:

стр. 353

أما في رسول الله يوسف أسوة … لمثلك محبوسًا على الظلم والإفك والإفك أقام جميل الصبر في الحبس برهة … فآل به الصبر الجميل إلى الملك وكتب بعضهم إلى صديق له: وراء مضيق الخوف متسع الأمن … وأول مفروح به آخر الحزن فلا تيأسن فالله ملّك يوسفًا … خزائنه بعد الخلاص من السجن وأنشد بعضهم: إذا الحادثات بلغن النهى … وكادت تذوب لهن المهج وحل البلاء وقل العزاء … فعند التناهي يكون الفرج [٩/ ١٨٧] (٧١٦) إن قيل: كيف استجاز يوسف إدخال الحزن على أبيه بطلب أخيه؟ قيل له: عن هذا أربعة أجوبة: أحدها: يجوز أن يكون الله أمره بذلك ابتلاء ليعقوب ليعظم له الثواب فاتبع أمره فيه. الثاني: يجوز أن يكون أراد بذلك أن ينبه يعقوب على حال يوسف ﵉. الثالث: لتتضاعف المسرة ليعقوب برجوع ولديه عليه. الرابع: ليقدم سرور أخيه بالاجتماع معه قبل إخوته لميل كان منه إليه. والأول أظهر والله أعلم. [٩/ ١٨٩]

стр. 354

(٧١٧) من قوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ [يوسف: ٦٧]. لما عزموا على الخروج خشي عليهم العين فأمرهم ألا يدخلوا مصر من باب واحد وكانت مصر لها أربعة أبواب وإنما خاف عليهم العين لكونهم أحد عشر رجلًا لرجل واحد وكانوا أهل جمال وبسطة. إذا كان هذا معنى الآية فيكون فيها دليل على التحرز من العين والعين حق. [٩/ ١٩٢] (٧١٨) .. روى مالك عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف أنه سمع أباه يقول: «اغتسل أبي سهل به حنيف بالخرار فنزع جبةً كانت عليه، وعامر بن ربيعة ينظر، قال: وكان سهلٌ رجلًا أبيض حسن الجلد قال فقال له عامر بن ربيعة: ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء! فوعك سهلٌ مكانه واشتد وعكه، فأتى رسول اللَّه ﷺ فأخبر أن سهلًا وعك، وأنه غير رائحٍ معك يا رسول اللَّه، فأتاه رسول اللَّه ﷺ ، فأخبره سهلٌ بالذي كان من شأن عامرٍ، فقال رسول الله ﷺ علام يقتل أحدكم أخاه ألا بركت إن العين حق توضأ له، فتوضأ عامر فراح سهل مع رسول الله ﷺ ليس به بأس». وفي رواية «اغتسل» فغسل له عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخل إزاره في قدح ثم صب عليه … وركب سعد بن أبي وقاص يومًا فنظرت إليه امرأة فقالت: إن أميركم

стр. 355

هذا ليعلم أنه أهضم الكشحين فرجع إلى منزله فسقط فبلغه ما قالت المرأة فأرسل إليها فغسلت له ففي هذين الحديثين أن العين حق وأنها تقتل كما قال النبي ﷺ وهذا قول علماء الأمة ومذهب أهل السنة وقد أنكرته طوائف من المبتدعة وهم محجوجون بالسنة وإجماع علماء هذه الأمة وبما يشاهد من ذلك في الوجود فكم من رجل أدخلته العين القبر وكم من جمل ظهير أدخلته القدر لكن ذلك بمشيئة الله تعالى، كما قال: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] قال الأصمعي رأيت رجلًا عيونًا سمع بقرة تحلب فأعجبه شخبها فقال: أيتهن هذه! فقالوا الفلانية لبقرة أخرى يورون عنها فهلكتا جميعًا المورى بها والمورى عنها، قال الأصمعي وسمعته يقول: إذا رأيت الشيء يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني. [٩/ ١٩٣] (٧١٩) واجب على كل مسلم أعجبه شيء أن يبرك فإنه إذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة ألا ترى قوله ﵇ لعامر: «ألا بركت» فدل على أن العين لا تضر ولا تعدو إذا برّك العائن وأنها إنما تعدو إذا لم يبرك والتبريك أن يقول: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه. (٧٢٠) العائن إذا أصاب بعينه ولم يبرك فإنه يؤمر بالاغتسال ويجبر على ذلك إن أباه لأن الأمر على الوجوب لاسيما هذا فإنه قد يخاف على المعين الهلاك ولا ينبغي لأحد أن يمنع أخاه ما ينتفع به أخوه ولا يضره هو ولاسيما إذا كان بسببه وكان الجاني عليه.

стр. 356

(٧٢١) من عُرِفَ بالإصابة بالعين مُنِعَ من مداخلة الناس دفعًا لضرره وقد قال بعض العلماء: يأمره الإمام بلزوم بيته وإن كان فقيرًا رَزَقَه ما يقوم به ويكف أذاه عن الناس وقد قيل يُنفى وحديث مالك الذي ذكرناه يرد هذه الأقوال فإنه ﵇ لم يأمر في عامر بحبس ولا بنفي بل قد يكون الرجل الصالح عائنًا وأنه لا يقدح فيه ولا يفسّق به، ومن قال: يحبس ويؤمر بلزوم بيته فذلك احتياط ودفع ضرر والله أعلم. [٩/ ١٩٣] (٧٢٢) الرقى مما يستدفع به البلاء. والعين تؤثر في الإنسان وتضرعه أي تضعفه وتنحله وذلك بقضاء الله تعالى وقدره ويقال إن العين أسرع إلى الصغار منها إلى الكبار. [٩/ ١٩٤] (٧٢٣) قال علماؤنا: إنما يُسترقى من العين إذا لم يُعرف العائن وأما إذا عَرف الذي أصابه بعينه فإنه يؤمر بالوضوء. [٩/ ١٩٤] (٧٢٤) من قوله تعالى: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤)﴾ [يوسف: ٧٤]. المعنى: فما جزاء الفاعل إن بان كذبكم؟ فأجاب إخوة يوسف: ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾، أي: يستعبد ويسترق ﴿جَزَاؤُهُ﴾ مبتدأ و ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ خبره والتقدير جزاؤه استعباد من وجد في رحله فهو كناية عن الاستعباد وفي الجملة معنى التوكيد كما تقول جزاء من سرق القطع فهذا جزاؤه ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥)﴾ [يوسف: ٧٥]، أي: كذلك نفعل مع

стр. 357

الظالمين إذا سرقوا أن يُستَرقُّوا وكان هذا من دين يعقوب ﵇ وحكمه. وقولهم هذا قول من لم يسترب نفسه لأنهم التزموا استرقاق من وجد في رحله وكان حكم السارق عند أهل مصر أن يغرم ضعفي ما أخذ قاله الحسن والسدي وغيرهما. [٩/ ١٩٩] (٧٢٥) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ [يوسف: ٧٨]. وقولهم: ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ أي كبير القدر ولم يريدوا كبر السن لأن ذلك معروف من حال الشيخ. [٩/ ٢٠٤] (٧٢٦) من قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢]. في هذه الآية من الفقه: أن كل من كان على حق وعلم أنه قد يُظن به أنه على خلاف ما هو عليه أو يُتوهم أن يرفع التهمة وكل ريبة عن نفسه ويصرح بالحق الذي هو عليه حتى لا يبقى لأحد مُتكلَّم وقد فعل هذا نبينا محمد ﷺ بقوله للرجلين اللذين مرا وهو قد خرج مع صفية يقلبها من المسجد «على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي» فقالا: سبحان الله! وكبر عليهما فقال النبي ﷺ : «إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا» رواه البخاري ومسلم. [٩/ ٢٠٩] (٧٢٧) قال عطاء الخراساني: طلب الحوائج من الشباب أسهل منه من الشيوخ ألم تر قول يوسف ﵇: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾

стр. 358

[يوسف: ٩٢]، وقال يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]. [٩/ ٢١٩] (٧٢٨) من قوله تعالى: ﴿وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ [الرعد: ٤]. هما جمع صنو وهي النخلات والنخلتان يجمعهن أصل واحد وتتشعب منه رؤوس فتصير نخيلًا نظيرها قنوان واحدها قنو … والصنو المثل ومنه قول النبي ﷺ : «عم الرجل صنو أبيه» ولا فرق فيهما بين التثنية والجمع ولا بالإعراب فتعرب نون الجمع وتكسر نون التثنية. قال الشاعر: العلم والحلم خُلتا كرم … للمرء زين إذا هما اجتمعا صنوان لا يستتم حسنهما … إلا بجمع ذا وذاك معا [٩/ ٢٤٠] (٧٢٩) من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد: ٨]. روى الدارقطني عن الوليد بن مسلم قال: قلت لمالك بن أنس إني حدثت عن عائشة أنها قالت: لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قدر ظل المغزل فقال: سبحان الله! من يقول هذا؟! هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان تحمل وتضع في أربع سنين امرأة صدق وزوجها رجل صدق حملت ثلاث أبطن في اثنتي عشرة سنة تحمل كل بطن أربع سنين. وذكره

стр. 359

عن المبارك بن مجاهد قال: مشهور عندنا كانت امرأة محمد بن عجلان تحمل وتضع في أربع سنين وكانت تسمى حاملة الفيل. وروي أيضًا قال: بينما مالك بن دينار يومًا جالس إذ جاءه رجل فقال: يا أبا يحيي! ادع لامرأة حبلى منذ أربع سنين قد أصبحت في كرب شديد فغضب مالك وأطبق المصحف ثم قال ما يرى هؤلاء القوم إلا أنا أنبياء! ثم قرأ ثم دعا ثم قال: اللهم هذه المرأة إن كان في بطنها ريح فأخرجه عنها الساعة وإن كان في بطنها جارية فأبدلها بها غلامًا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب ورفع مالك يده ورفع الناس أيديهم، وجاء الرسول إلى الرجل فقال أدرك امرأتك فذهب الرجل فما حطّ مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد على رقبته غلام جعد قطط ابن أربع سنين قد استوت أسنانه ما قطعت سراره. وروي أيضًا أن رجلًا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين! إني غبت عن امرأتي سنتين فجئت وهي حبلى فشاور عمر الناس في رجمها فقال معاذ بن جبل: يا أمير المؤمنين إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل فاتركها حتى تضع فتركها فوضعت غلامًا قد خرجت ثنيتاه، فعرف الرجل الشبه فقال: ابني ورب الكعبة! فقال عمر: عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ لولا معاذ لهلك عمر. وقال الضحاك: وضعتني أمي وقد حَمَلَت بي في بطنها سنتين فولدتني وقد

стр. 360

خرجت سني. ويذكر عن مالك أنه حمل به في بطن أمه سنتين وقيل ثلاث سنين ويقال: أن محمد بن عجلان مكث في بطن أمه ثلاث سنين فماتت به وهو يضطرب اضطرابًا شديدًا فشق بطنها وأخرج وقد نبتت أسنانه. وقال حماد بن سلمة: إنما سمي هرم بن حيان هرمًا لأنه بقي في بطن أمه أربع سنين وذكر الغزنوي أن الضحاك ولد لسنتين وقد طلعت سنه فسمي ضحاكًا. [٩/ ٢٤٥] (٧٣٠) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]. أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لا يغير ما بقوم حتى يقع منهم تغيير إما منهم أو من الناظر لهم أو ممن هو منهم بسبب كما غير الله بالمنهزمين يوم أحد بسبب تغيير الرماة بأنفسهم إلى غير هذا من أمثلة الشريعة فليس معنى الآية أنه ليس ينزل بأحد عقوبة إلا بأن يتقدم منه ذنب بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير كما قال ﷺ : «وقد سئل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث» والله أعلم. [٩/ ٢٥٠] (٧٣١) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾ [إبراهيم: ٥]. وتوارى الحسن البصري عن الحجاج سبع سنين فلما بلغه موته قال: اللهم قد أمته فأمت سنته وسجد شكرًا وقرأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ

стр. 361

صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾، وإنما خص بالآيات كل صبار شكور لأنه يعتبر بها ولا يغفل عنها كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾ [النازعات: ٤٥]، وإن كان منذرًا للجميع. [٩/ ٢٩١] (٧٣٢) من قوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. سئل بعض الصلحاء عن الشكر لله فقال: ألا تتقوى بنعمه على معاصيه وحكي عن داود ﵇ أنه قال: أي رب كيف أشكرك وشكري لك نعمة مجددة منك عليّ قال: يا داود الآن شكرتني. قلت: فحقيقة الشكر على هذا الاعتراف بالنعمة للمنعم، وألا يصرفها في غير طاعته وأنشد الهادي وهو يأكل: أنا لك، رزقه لتقوم فيه … بطاعته وتشكر بعض حقه فلم تشكر لنعمته ولكن … قويت على معاصيه برزقه فغص باللقمة وخنقته العبرة، وقال جعفر الصادق: إذا سمعت النعمة نعمة الشكر فتأهب للمزيد. [٩/ ٢٩٢] (٧٣٣) من قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١]. أي: يتفضل عليه بالنبوة وقيل بالتوفيق والحكمة والمعرفة والهداية. وقال سهل بن عبدالله بتلاوة القرآن وفهم ما فيه، قلت: وهذا قول حسن. [٩/ ٢٩٥]

стр. 362

(٧٣٤) حكي الماوردي في كتاب أدب الدنيا والدين أن الوليد بن يزيد ابن عبدالملك تفاءل يومًا في المصحف فخرج له قوله : ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥)﴾ [إبراهيم: ١٥] فمزق المصحف وأنشأ يقول: أتوعد كل جبار عنيد … فها أنا ذاك جبار عنيد إذا ما جئت ربك يوم حشر … فقل يا رب مزقني الوليد فلم يلبث إلا أيامًا حتى قتل شر قتله وصلب رأسه على قصره ثم على سور بلده. [٩/ ٢٩٨] (٧٣٥) من قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. لما أراد الله تأسيس الحال وتمهيد المقام وخط الموضع للبيت المكرم والبلد المحرم أرسل الملك فبحث عن الماء وأقامه مقام الغذاء. وفي الصحيح أن أبا ذر ﵁ اجتزأ به ثلاثين بين يوم وليلة، قال أبو ذر: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكني وما أجد على كبدي سخفة جوع وذكر الحديث … فقال له النبي ﷺ : «إنها مباركة إنها طعام طعم .... » وروى الدارقطني عن ابن عباس قال، قال رسول الله ﷺ : «ماء زمزم لما شرب له إن شربته تستشفي به شفاك الله وإن شربته لشبعك أشبعك الله به وإن شربته لقطع ظمئك قطعه وهي هزمة جبريل وسقيا الله إسماعيل».

стр. 363

وروي أيضًا عن عكرمة قال: كان ابن عباس إذا شرب من زمزم قال: «اللهم إني أسألك علمًا نافعًا ورزقًا واسعًا وشفاء من كل داء». قال ابن العربي: وهذا موجود فيه إلى يوم القيامة لمن صحت نيته وسلمت طويته ولم يكن به مكذبًا ولا يشربه مجربًا فإن الله مع المتوكلين وهو يفضح المجربين. وقال أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي وحدثني أبي ﵀ قال: دخلت الطواف في ليلة ظلماء فأخذني من البول ما شغلني فجعلت أعتصر (العصر: الحبس والمنع) حتى آذاني وخفت إن خرجت من المسجد أن أطأ بعض تلك الأقدام وذلك أيام الحج فذكرت هذا الحديث فدخلت زمزم فتضلعت منه (التضلع: أكثر من الشرب حتى تمدد جنبه وأضلاعه) فذهب عني إلى الصباح وروى عن عبد الله بن عمرو إن في زمزم عينًا في الجنة من قبل الركن. [٩/ ٣١٦] (٧٣٦) من قوله تعالى: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. قال ابن عباس ومجاهد: لو قال: أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند واليهود والنصارى والمجوس ولكن قال من الناس فهم المسلمون فقوله: ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ أي تحن إليهم وتحن إلى زيارة البيت. [٩/ ٣١٩]

стр. 364

(٧٣٧) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾ [إبراهيم: ٤٦]. (إن) بمعنى (ما) أي ما كان مكرهم لتزول منه الجبال لضعفه ووهنه (وإن) بمعنى (ما) في القرآن في مواضع خمسة أحدها هذا، والثاني: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤]. الثالث: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧)﴾ [الأنبياء: ١٧] أي ما كنا. الرابع: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ [الزخرف: ٨١]. الخامس: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦]. [٩/ ٣٢٤] (٧٣٨) من قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ [الحجر: ٣]. قال الحسن: ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل وصدق ﵁! فالأمل يكسل عن العمل ويورث التراخي والتواني ويعقب التشاغل والتقاعس ويخلد إلى الأرض ويميل إلى الهوى وهذا أمر قد شوهد بالعيان فلا يحتاج إلى بيان ولا يطلب صاحبه ببرهان كما أن قصر الأمل يبعث على العمل ويُحيل على المبادرة ويحث على المسابقة. [١٠/ ٧]

стр. 365

(٧٣٩) من قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. أنبأنا الشيخ … عبد الله عن أبيه علي التلمساني قال قرئ على الشيخة العالمة فخر النساء شُهدة بنت أبي نصر الدينوري وذلك بمنزلها بدار السلام في آخر جمادى الآخرة سنة ٥٦٤ هـ قيل لها: أخبركم الشيخ طراد الزينبي قراءة عليه وأنت تسمعين سنة ٤٩٠ هـ أخبرنا علي قال حدثنا عيسى المعروف بالطوماري حدثنا الحسين قال: سمعت يحيى بن أكثم يقول: كان للمأمون- وهو أمير إذ ذاك- مجلس نظر فدخل في جملة الناس رجل يهودي حسن الثوب حسن الوجه طيب الرائحة قال: فتكلم فأحسن الكلام والعبارة قال: فلما تقوض المجلس دعاه المأمون، فقال له: إسرائيلي؟ قال: نعم، قال له: أسلم حتى أفعل بك وأصنع ووعده فقال: ديني ودين آبائي! وانصرف. قال: فلما كان بعد سنة جاءنا مسلمًا قال: فتكلم على الفقه فأحسن الكلام فلما تقوض المجلس دعاه المأمون وقال: ألست صاحبنا بالأمس؟ قال له: بلى، قال: فما كان سبب إسلامك قال: انصرفت من حضرتك فأحببت أن أمتحن هذه الأديان وأنت تراني حسن الخط فعمدت إلى التوراة فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها

стр. 366

البيعة فاشتريت مني وعمدت إلى الإنجيل فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها الكنيسة فاشتريت مني وعمدت إلى القرآن فعملت ثلاث نسخ وزدت فيها ونقصت وأدخلتها الوراقين فتصفحوها فلما أنه وجدوا فيها الزيادة والنقصان رموا بها فلم يشتروها فعلمت أن هذا كتاب محفوظ فكان هذا سبب إسلامي. قال يحيى بن أكثم: فحججت تلك السنة فلقيت سفيان بن عيينة فذكرت له الخبر، فقال لي: مصداق هذا في كتاب الله ، قال: قلت: في أي موضع؟ قال: في قول الله ﵎ في التوراة والإنجيل: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤] فجعل حفظه إليهم فضاع، وقال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] فحفظه الله علينا فلم يضع. [١٠/ ٩] بتصرف (٧٤٠) من قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ [الحجر: ٤٠]. قرأ أهل المدينة وأهل الكوفة بفتح اللام ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين استخلصتهم وأخلصتهم، وقرأ الباقون بكسر اللام: ﴿الْمُخْلِصِينَ﴾، أي: الذين أخلصوا لك العبادة من فساد أو رياء حكى أبو ثمامة أن الحواريين سألوا عيسى ﵇ عن المخلصين لله فقال: الذي يعمل ولا يحب أن يحمده الناس. [١٠/ ٢٧] (٧٤١) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ [الحجر: ٧٥]. عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم» أخرجه الطبراني في الأوسط والبزار والقضاعي والحكيم الترمذي وقال الهيثمي وإسناده حسن وكذا حسنه السخاوي.

стр. 367

قال العلماء: التوسم: تفعل من الوسم وهي العلامة التي يستدل بها على مطلوب غيرها يقال توسمت فيه الخير إذا رأيت ميسم ذلك فيه ومنه قول عبد الله بن رواحه للنبي ﷺ : إني توسمت فيك الخير أعرفه … والله يعلم أني ثابت البصر وقال آخر: توسمته لما رأيت مهابة … عليه وقلت المرء من آل هاشم وقال ثعلب: الواسم الناظر إليك من فَرْقك إلى قدمك، وأصل التوسم التثبت والتفكر مأخوذ من الوسم وهو التأثير بحديدة في جلد البعير وغيره وذلك يكون بجودة القريحة وحدة الخاطر وصفاء الفكر زاد غيره: وتفريغ القلب من حشو الدنيا وتطهيره من أدناس المعاصي وكدورة الأخلاق وفضول الدنيا. روى نهشل عن ابن عباس: «للمتوسمين» قال لأهل الصلاح والخير وزعمت الصوفية أنها كرامة وقيل بل هي استدلال بالعلامات ومن العلامات ما يبدو ظاهرًا لكل أحد وبأول نظرة ومنها ما يخفى فلا يبدو لكل أحد ولا يدرك ببادئ النظر … ومثله قول ابن عباس: ما سألني أحد عن شيء إلا عرفت أفقيهٌ هو أو غير فقيه. وروى عن الشافعي ومحمد بن الحسن أنهما كانا بفناء الكعبة ورجل على باب المسجد فقال أحدهما: أراه نجارًا وقال الآخر: بل حدادًا، فتبادر من حضر إلى الرجل فسأله فقال كنت نجارًا وأنا اليوم حداد … قال أبو بكر بن العربي: إذا ثبت أن التوسم

стр. 368

والتفرس من مدارك المعاني فإن ذلك لا يترتب عليه حكم ولا يؤخذ به موسوم ولا متفرس. [١٠/ ٤٠، ٤١] (٧٤٢) من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ﴾ [النحل: ١٤]. تسخير البحر هو تمكين البشر من التصرف فيه وتذليله بالركوب والإرفاء وغيره وهذه نعمة من نعم الله علينا فلو شاء سلطه علينا وأغرقنا. [١٠/ ٧٩] (٧٤٣) من قوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤]. روى البخاري عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتمًا من فضة ونقش فيه محمد رسول الله: وقال: «إني اتخذت خاتمًا من ورق ونقشت فيه محمد رسول الله فلا ينقشن أحد على نقشه». قال علماؤنا: فهذا دليل على جواز نقش اسم صاحب الخاتم على خاتمه. قال مالك: ومن شأن الخلفاء والقضاة نقش أسمائهم على خواتيمهم ونهيه ﵇ لا ينقشن أحد على نقش خاتمه، من أجل أن ذلك اسمه وصفته برسالة الله له إلى خلقه .... ويدل على جواز اتخاذ الخاتم لجميع الناس إذا لم ينقش على نقش خاتمه. وكان نقش خاتم الزهري: (محمد يسأل الله العافية) وكان نقش خاتم مالك: (حسبي الله ونعم الوكيل) وبلغ عمر بن عبدالعزيز أن ابنه اشترى خاتمًا بألف درهم فكتب إليه: إنه بلغني أنك اشتريت خاتمًا بألف درهم فبعه وأطعم منه ألف جائع واشتر خاتمًا من حديد بدرهم واكتب عليه (رحم الله امرأ عرف قدر نفسه) [١٠/ ٨٢، ٨٣] بتصرف.

стр. 369

(٧٤٤) من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾ [النحل: ٢٣]. عن الحسين بن علي أنه مر بمساكين قد قدموا كِسَرًا بينهم وهم يأكلون فقالوا: الغذاء يا أبا عبد الله، فنزل وجلس معهم وقال: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾ فلما فرغ قال: قد أجبتكم فأجيبوني فقاموا معه إلى منزله فأطعمهم وسقاهم وأعطاهم وانصرفوا. قال العلماء: وكل ذنب يمكن التستر منه وإخفاؤه إلا الكبر فإنه فسق يلزمه الإعلان وهو أصل العصيان كله. [١٠/ ٨٨] (٧٤٥) من قوله تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦]. قال ابن الأعرابي: وَكَّدَ ليعلمك أنهم كانوا حالين تحته. والعرب تقول: خر علينا سقف ووقع علينا حائط إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع عليه. فجاء بقوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ليخرج هذا الشك الذي في كلام العرب فقال: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أي: عليهم وقع وكانوا تحته فهلكوا وما أفلتوا. [١٠/ ٩٠] (٧٤٦) من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)﴾ [النحل: ٤٢]. قال بعض أهل التحقيق: خيار الخلق من إذا نابه أمر صبر وإذا عجز عن أمر توكل. [١٠/ ٩٧]

стр. 370

(٧٤٧) من قوله تعالى: ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل: ٥٩]. قال قتادة: كان مضر وخزاعة يدفنون البنات أحياء وأشدهم في هذا تميم زعموا خوف القهر عليهم وطمع غير الأكفاء فيهن وكان صعصعة بن ناجية عم الفرزدق إذا أحس بشيء من ذلك وجه إلى والد البنت إبلًا يستحييها فقال الفرزدق يفتخر: وعمي الذي منع الوائدات … وأحيا الوئيد فلم يوأد وخُطب إلى عقيل بن علفة ابنته الجرباء فقال: إني وإن سيق إلي المهر … ألف وعبدان وخور عشر (١) أحب أصهاري إلي القبر وقال عبد الله بن طاهر: لكل أبي بنت يراعي شؤونها … ثلاثة أصهار إذا حُمِدَ الصهر فبعلٌ يراعيها وخدر يكنها … وقبر يواريها وخيرهم القبر [١٠/ ١٠٤ - ١٠٦] (٧٤٨) من قوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾ [النحل: ٦٦]. نبه سبحانه على عظمة قدرته بخروج اللبن خالصًا بين الفرث والدم.

стр. 371

والفرث: الزبل الذي ينزل إلى الكرش فإذا خرج لم يُسم فرثاً، يقال: أفرثت الكرش إذا أخرجت ما فيها والمعنى أن الطعام يكون منه ما في الكرش ويكون منه الدم ثم يخلص اللبن من الدم فأعلم الله سبحانه أن هذا اللبن يخرج من بين ذلك وبين الدم في العروق. وقال ابن عباس: إن الدابة تأكل العلف فإذا استقر في كرشها طبخته فكان أسفله فرثاً وأوسطه لبنًا وأعلاه دمًا. والكبد مسلط على هذه الأصناف فتقسم الدم وتميزه وتجريه في العروق وتجري اللبن في الضرع ويبقى الفرث كما هو في الكرش … ﴿خَالِصًا﴾ يريد من حمرة الدم وقذارة الفرث وقد جمعها وعاء واحد. [١٠/ ١١٠] (٧٤٩) من قوله تعالى: ﴿سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ [النحل: ٦٦]. أي لذيذًا هَيّناً لا يغص به من شربه وروي أن اللبن لم يشرق به أحد قط وفي هذه الآية دليل على استعمال الحلاوة والأطعمة اللذيذة وتناولها ولا يقال إن ذلك يناقض الزهد أو يباعده لكن إذا كان من وجهه ومن غير سرف ولا إكثار وفي الصحيح عن أنس قال: لقد سقيت رسول الله ﷺ بقدحي هذا الشراب كله العسل والنبيذ واللبن والماء. وقد كره بعض القراء أكل الفالوذج واللبن من الطعام وأباحه عامة العلماء وروي عن الحسن أنه كان على مائدة ومعه مالك بن دينار فأتى بفالوذج فامتنع عن أكله فقال له الحسن: كل! فإن عليك في الماء البارد أكثر من هذا. [١٠/ ١١٢، ١١٣]

стр. 372

(٧٥٠) قال ابن العربي: ومن عجيب ما خلق الله في النحل أن ألهمها لاتخاذ بيوتها مسدسة فبذلك اتصلت حتى صارت كالقطعة الواحدة وذلك أن الأشكال من المثلث إلى المعشر إذا جمع كل واحد منها إلى أمثاله لم يتصل وجاءت بينهما فرج إلا الشكل المسدس فإنه إذا جمع إلى أمثاله اتصل كأنه كالقطعة الواحدة. [١٠/ ١٢٠] (٧٥١) من قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ﴾ [النحل: ٦٩]. ﴿شَرَابٌ﴾ يعني العسل وجمهور الناس على أن العسل يخرج من أفواه النحل .... وقال: ﴿مِنْ بُطُونِهَا﴾ لأن استحالة الأطعمة لا تكون إلا في البطن. قال ابن عطية: وذهب قوم من أهل الجهالة إلى أن هذه الآية يراد بها أهل البيت وبنو هاشم وأنهم النحل وأن الشراب القرآن والحكمة وقد ذكر هذا بعضهم في مجلس المنصور أبي جعفر العباسي فقال له رجل ممن حضر: جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم فأضحك الحاضرين وظهرت سخافة قوله. [١٠/ ١٢١] (٧٥٢) ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ [النحل: ٦٩]، يريد أنواعه من الأحمر والأبيض والأصفر والجامد والسائل والأم واحدة والأولاد مختلفون دليل على أن القدرة نَوّعته بحسب تنويع الغذاء كما يختلف طعمه بحسب اختلاف المراعي. [١٠/ ١٢٠]

стр. 373

(٧٥٣) من قوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]. اختلف العلماء هل هو على عمومه أم لا؟ ١ - فقالت طائفة هو على العموم في كل حال ولكل أحد فروي عن ابن عمر أنه كان لا يشكو قرحة ولا شيئًا إلا جعل عليه عسلًا حتى الدمل إذا خرج عليه طَلى عليه عسلًا، وحَكى النقاش عن أبي وَجْرة أنه كان يكتحل بالعسل ويستمشي بالعسل ويتداوى بالعسل، وروي أن عوف بن مالك الأشجعي مرض فقيل له: ألا نعالجك؟ فقال: ائتوني بالماء فإن الله تعالى يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩]، ثم قال: ائتوني بعسل فإن الله تعالى يقول: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ وائتوني بزيت فإن الله تعالى يقول: ﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [النور: ٣٥] فجاءوه وبذلك كله فخلطه جميعًا ثم شربه فبريء. ٢ - ومنهم من قال: إنه على العموم إذا خلط بالخل ويطبخ فيأتي شرابًا ينتفع به في كل حالة من كل داء. ٣ - وقالت طائفة: إن ذلك على الخصوص ولا يقتضي العموم في كل علة وفي كل إنسان بل إنه خبر عن أنه يشفي كما يشفي غيره من الأدوية في بعض وعلى حال دون حال … ومما يدل على أنه ليس على العموم أن ﴿شِفَاءٌ﴾ نكرة في سياق الإثبات، ولا عموم فيها باتفاق أهل اللسان ومحققي أهل العلم ومختلفي أهل الأصول. لكن قد حملته طائفة من أهل الصدق والعزم على العموم فكانوا

стр. 374

يستشفون بالعسل من كل الأوجاع والأمراض وكانوا يشفون من عللهم ببركة القرآن وبصحة التصديق والإيقان. وقال ابن العربي: ومن ضعفت نيته وغلبته على الدين عادته أخذه مفهومًا على قول الأطباء والكل من حِكَم الفعال لما يشاء. [١٠/ ١٢١ - ١٢٢] (٧٥٤) من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ [النحل: ٨٠]. معناه: صير وكل ما علاك فأظلك فهو سقف وسماء، وكل ما أقلك فهو أرض، وكل ما سترك من جهاتك الأربع فهو جدار فإذا انتظمت واتصلت فهو بيت. وقوله: ﴿سَكَنًا﴾ أي: تسكنون فيها وتهدأ جوارحكم من الحركة وقد تتحرك فيه وتسكن في غيره إلا أن القول خرج على الغالب. [١٠/ ١٣٦] (٧٥٥) من قوله تعالى: ﴿مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٨٠]. وقد كان للنبي ﷺ قبة من أَدَم وناهيك من أدم الطائف غلاء في القيمة واعتلاء في الصفة وحسنًا للبشرة ولم يعد ذلك ﷺ ترفًا ولا رآه سرفًا لأنه مما امتن الله سبحانه من نعمته وأذن فيه من متاعه وظهرت منفعته في الاكتنان والاستظلال الذي لا يقدر على الخروج عنه جنس الإنسان ومن غريب ما جرى أني زرت بعض المتزهدين من الغافلين مع بعض المحدثين فدخلنا عليه في خباء كتان فعرض عليه صاحبي المحدث أن يحمله إلى منزله ضيفًا، وقال: إن هذا موضع يكثر فيه الحر والبيت أرفق بك وأطيب

стр. 375

لنفسي فيك؛ فقال: هذا الخباء لنا كثير وكان في صنعنا من الحقير؟ فقلت: ليس كما زعمت! فقد كان لرسول الله ﷺ وهو رئيس الزهاد قبة من أدم طائفي يسافر معها ويستظل بها فبهت ورأيته على منزلة من العي فتركته مع صاحبي وخرجت عنه. [١٠/ ١٣٧] (٧٥٦) من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ [النحل: ٨٠]. ولم يذكر القطن والكتان لأنه لم يكن في بلاد العرب المخاطبين به وإنما عدد عليهم ما أنعم به عليهم وخوطبوا فيما عرفوا بما فهموا. وما قام مقام هذه وناب منابها فيدخل في الاستعمال والنعمة مدخلها وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣] فخاطبهم بالبرد لأنهم كانوا يعرفون نزوله كثيرًا عندهم وسكت عن الثلج لأنه لم يكن في بلادهم وهو مثله في الصفة والمنفعة وقد ذكرهما النبي ﷺ في التطهير فقال: «اللهم اغسلني بماء وثلج وبرد» قال ابن عباس: الثلج شيء أبيض ينزل من السماء وما رأيته قط. [١٠/ ١٣٧] بتصرف (٧٥٧) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: ٩٠]. وقال ابن العربي: العدل بين العبد وبين ربه إيثار حقه تعالى على حظ نفسه وتقديم رضاه على هواه والاجتناب للزواجر والامتثال للأوامر. وأما العدل بينه وبين نفسه فمنعها مما فيه هلاكها قال الله تعالى: ﴿وَنَهَى

стр. 376

النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠)﴾ [النازعات: ٤٠] وعزوب الأطماع عن الاتباع ولزوم القناعة في كل حال ومعنى. وأما العدل بينه وبين الخلق فبذل النصيحة وترك الخيانة فيما قل وكثر، والإنصاف من نفسك لهم بكل وجه ولا يكون منك إساءة إلى أحد بقول ولا فعل لا في سر ولا في علن، والصبر على ما يصيبك منهم من البلوى وأقل ذلك الإنصاف وترك الأذى. قلت: هذا التفصيل في العدل حسن وعدل. [١٠/ ١٤٨] (٧٥٨) من قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [النحل: ٩١]. لفظ عام لجميع ما يُعقد باللسان ويلتزمه الإنسان من بيع أو صلة أو مواثقة في أمر موافق للديانة. عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : «لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة» يعني في نصرة الحق والقيام به والمواساة. وهذا كنحو حلف الفضول الذي ذكره ابن إسحاق قال: اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جدعان لشرفه ونسبه فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته. فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول أي حلف الفضائل، والفضول هنا جمع فضل لكثرة كفلس وفلوس. روى ابن إسحاق عن ابن شهاب قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد

стр. 377

شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم لو أدعى به في الإسلام لأجبت». [١٠/ ١٥١] بتصرف (٧٥٩) من قوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]. فبين الفرق بين حال الدنيا وحال الآخرة بأن هذه تنفد وتحول. وما عند الله من مواهب فضله ونعيم جنته ثابت لا يزول لمن وفى بالعهد وثبت على العقد ولقد أحسن من قال: المال ينفد حله وحرامه … يومًا وتبقى في غد آثامه ليس التقي بمتق لإلهه … حتى يطيب شرابه وطعامه وقال آخر: هب الدنيا تساق إليك عفوًا … أليس مصير ذاك إلى انتقال وما دنياك إلا مثل فيء … أظلك ثم آذن بالزوال [١٠/ ١٥٥] (٧٦٠) أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره ويصبر على البلاء الذي نزل به ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة. [١٠/ ١٦٣] (٧٦١) عن أبي شيبة قال: سألت أنس بن مالك عن الرجل يؤخذ بالرجل، هل ترى أن يحلف ليقيه بيمينه؟ فقال: نعم ولأن أحلف سبعين يمينًا وأحنث أحب إلي أن أدل على مسلم وقال إدريس بن يحيى كان الوليد

стр. 378

بن عبدالملك يأمر جواسيس يتجسسون الخلق يأتونه بالأخبار قال: فجلس رجل منهم في حلقة رجاء بن حيوة فسمع بعضهم يقع في الوليد فرفع ذلك إليه فقال: يا رجاء! أُذكر بالسوء في مجلسك ولم تغير! فقال: ما كان ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال له الوليد: قل آلله الذي لا إله إلا هو قال: الله الذي لا إله إلا هو فأمر الوليد بالجاسوس فضربه سبعين سوطًا فكان يلقى رجاء فيقول يا رجاء بك يستقى المطر وسبعون سوطًا في ظهري؟ فيقول رجاء: سبعون سوطًا في ظهرك خير لك من أن يقتل رجل مسلم. [١٠/ ١٦٩] (٧٦٢) من قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾ [النحل: ١١٢]. سماه لباسًا لأنه يظهر عليهم من الهزال وشحوبة اللون وسوء الحال ما هو كاللباس ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾ أي: من الكفر والمعاصي. [١٠/ ١٧٢] (٧٦٣) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦]. خطاب للكفار الذين حرموا البحائر والسوائب وأحلوا ما في بطون الأنعام وإن كانت ميتة … أسند الدارمي … عن الأعمش قال: ما سمعت إبراهيم قط يقول حلال ولا حرام ولكن كان يقول: كانوا يكرهون وكانوا يستحبون وقال ابن وهب قال مالك: لم يكن من فتيا الناس أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام ولكن يقولوا إياكم كذا وكذا ولم أكن لأصنع هذا. ومعنى هذا: أن التحليل

стр. 379

والتحريم إنما هو لله وليس لأحد أن يقول أو يصرح بهذا في عين من الأعيان إلا أن يكون البارئ تعالى يخبر بذلك عنه وما يؤدي إليه الاجتهاد في أنه حرام يقول: إني أكره كذا وكذلك كان مالك يفعل اقتداءً بمن تقدم من أهل الفتوى. [١٠/ ١٧٤] (٧٦٤) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]. .. والصحيح الاتباع في عقائد الشرع دون الفروع لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] .. في هذه الآية ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٣] دليل على جواز اتباع الأفضل للمفضول لما تقدم في الأصول والعمل به ولا درك على الفاضل في ذلك لأن النبي ﷺ أفضل الأنبياء ﵈ وقد أمر بالاقتداء بهم فقال: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] وقال هنا: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣]. [١٠/ ١٧٥] (٧٦٥) الإسراء سير الليل وقيل: أسرى سار من أول الليل، وسرى سار من آخره والأول أعرف. [١٠/ ١٨١] (٧٦٦) من قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]. قال العلماء: لو كان للنبي ﷺ اسم أشرف منه لسماه به في تلك الحالة العلية. قال القشيري: لما رفعه الله تعالى إلى حضرته السنية وأرقاه

стр. 380

فوق الكواكب العلوية ألزمه اسم العبودية تواضعًا للأمة. [١٠/ ١٨١] (٧٦٧) ثبت الإسراء في جميع مصنفات الحديث وروي عن الصحابة في كل أقطار الإسلام فهو من المتواتر بهذا الوجه وذكر النقاش ممن رواه عشرين صحابيًا. [١٠/ ١٨١] (٧٦٨) من قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]. سمي الأقصى لبعد ما بينه وبين المسجد الحرام، وكان أبعد مسجد عن أهل مكة في الأرض يُعظم بالزيارة ثم قال: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]، قيل: بالثمار وبمجاري الأنهار وقيل بمن دفن حوله من الأنبياء والصالحين وبهذا جعله مقدسًا. [١٠/ ١٨٧] (٧٦٩) من قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ﴾ [الإسراء: ٤]. المراد بالفساد مخالفة أحكام التوراة ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ [الإسراء: ٤]، يريد أرض الشام وبيت المقدس وما والاها. [١٠/ ١٨٩] (٧٧٠) من قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١]. قال ابن عباس وغيره: هو دعاء الرجل على نفسه وولده عند الضجر بما لا يحب أن يستجاب له! اللهم أهلكه ونحوه ﴿دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ أي كدعائه ربه أن يهب له العافية؛ فلو استجاب الله دعاءه على نفسه بالشر هلك لكن بفضله لا يستجيب له في ذلك. [١٠/ ١٩٨]

стр. 381

(٧٧١) من قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٤]. قال بعض الصلحاء: هذا كتابٌ لسانك قلمه وريقك مداده وأعضاؤك قرطاسه أنت كنت المملي على حفظتك ما زيد فيه ولا نقص منه ومتى أنكرت منه شيئًا يكون فيه الشاهد منك عليك. [١٠/ ٢٠٢] (٧٧٢) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]. نزعت عائشة ﵂ بهذه الآية في الرد على ابن عمر حيث قال: إن الميت ليعذب ببكاء أهله. قال علماؤنا: وإنما حملها على ذلك أنه لم تسمعه، وأنه معارض للآية. ولا وجه لإنكارها فإن الرواة لهذا المعنى كثير كعمر وابنه والمغيرة بن شعبة وقيلة بنت مخرمة وهم جازمون بالرواية فلا وجه لتخطئتهم ولا معارضة بين الآية والحديث فإن الحديث محمله على ما إذا كان النوح من وصية الميت وسنته كما كانت الجاهلية تفعله حتى قال طرفة: إذا مت فانعيني بما أنا أهله … وشقي عليّ الجيب يا بنت معبد وقال: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما … ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر وإلى هذا نحا البخاري، وقد ذهب جماعة من أهل العلم منهم داود إلى اعتقاد ظاهر الحديث وأنه إنما يعذب بنوحهم لأنه أهمل نهيهم عنه قبل موته وتأديبهم بذلك فيعذب بتفريطه في ذلك وبترك ما أمره الله به من قوله: ﴿قُوا

стр. 382

أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] لا بذنب غيره والله أعلم. [١٠/ ٢٠٢] (٧٧٣) أخرج أحمد والطبراني في الكبير والديلمي من حديث سويد بن هبيرة وقال الهيثمي في المجمع رجال أحمد ثقات حديث: «خير المال مُهرة مأمورة أو سكة مأبورة» السكة: النخل المصطف، والمأبورة: الملقحة. [١٠/ ٢٠٤] مأمورة: أي كثيرة النتاج والنسل. (٧٧٤) روي عن مالك أن رجلًا قال له: إن أبي في بلد السودان وقد كتب إلي أن أقدم عليه وأمي تمنعني من ذلك فقال له: أطع أباك ولا تعص أمك. فدل قول مالك هذا أن برهما متساو عنده. وقد سئل الليث عن هذه المسألة فأمره بطاعة الأم وزعم أن لها ثلثي البر. وحديث أبي هريرة: «أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك» يدل على أن لها ثلاثة أرباع البر وهو الحجة على من خالف وقد زعم المحاسبي في كتاب الرعاية له أنه لا خلاف بين العلماء أن للأم ثلاثة أرباع البر وللأب الربع على مقتضى حديث أبي هريرة ﵁ والله أعلم. [١٠/ ٢٠٩] (٧٧٥) عن عبدالله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ يبايعه على الهجرة وترك أبويه يبكيان، فقال: «ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما» أخرجه البخاري في الأدب المفرد وهو حديث حسن وله شواهد. قال ابن المنذر: في هذا الحديث النهي عن الخروج بغير إذن الأبوين ما لم يقع النفير فإذا وقع وجب الخروج على الجميع. [١٠/ ٢١٠]

стр. 383

(٧٧٦) قال ابن المنذر: والأجداد آباء والجدات أمهات فلا يغزو المرء إلا بإذنهم ولا أعلم دلالة توجب ذلك لغيرهم من الأخوة وسائر القرابات وكان طاووس يرى السعي على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله . [١٠/ ٢١١] (٧٧٧) من قوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]. خص حالة الكبر لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى بره لتغير الحال عليهما بالضعف والكبر فألزم في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مما ألزمه من قبل لأنهما في هذه الحالة قد صارا كلًّا عليه فيحتاجان أن يلي منهما في الكبر ما كان يحتاج في صغره أن يليا منه فلذلك خص هذه الحالة بالذكر وأيضًا فطول المكث للمرء يوجب الاستثقال للمرء عادة ويحصل الملل ويكثر الضجر فيظهر غضبه على أبويه وتنتفخ لهما أوداجه ويستطيل عليهما بدالة البنوة وقلة الديانة، وأقل المكروه ما يظهره بتنفسه المتردد من الضجر وقد أمر أن يقابلهما بالقول الموصوف بالكرامة وهو السالم عن كل عيب فقال: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء: ٢٣]. [١٠/ ٢١٢] (٧٧٨) قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] النهر: الزجر والغلظة ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء: ٢٣]: أي لينًا لطيفًا مثل: يا أبتاه ويا أماه من غير أن يسميهما ويكنيهما قاله عطاء وقال أبو الهداج التجيبي: قلت

стр. 384

لسعيد بن المسيب كل ما في القرآن من بر الوالدين قد عرفته إلا قول: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ ما هذا القول الكريم؟ قال ابن المسيب: قول العبد المذنب للسيد الفظ الغليظ. [١٠/ ٢١٤] (٧٧٩) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦)﴾ [الإسراء: ٢٦]. أي لا تسرف في الإنفاق في غير حق، قال الشافعي: والتبذير إنفاق المال في غير حقه ولا تبذير في عمل الخير وهذا قول الجمهور. وقال أشهب عن مالك: التبذير هو أخذ المال من حقه ووضعه في غير حقه وهو الإسراف وهو حرام، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧]، وقوله: ﴿إِخْوَانَ﴾: يعني أنهم في حكمهم إذ المبذر ساع في إفساد كالشياطين أو أنهم يفعلون ما تسول لهم أنفسهم أو أنهم يُقرنون بهم غدًا في النار ثلاثة أقوال. [١٠/ ٢١٧] (٧٨٠) من قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ﴾ [الإسراء: ٢٨]. أي إن أعرضت يا محمد عن إعطائهم لضيق يد فقل لهم قولًا ميسورًا: أي أحسن القول وابسط العذر وادع لهم بسعة الرزق، وقل: إذا وجدتُ فعلتُ وأكرمتْ فإن ذلك يعمل في مَسّرة نفسه عمل المواساة وكان ﵊ إذا سئل وليس عنده ما يعطي سكت انتظارًا لرزق يأتي من الله كراهة الرد والضمير في ﴿عَنْهُمُ﴾ عائد على من تقدم ذكرهم من الآباء والقرابة والمساكين وأبناء السبيل.

стр. 385

وقولًا ميسورًا: أي لينًا لطيفًا طيبًا مفعول بمعنى الفاعل من لفظ اليسر كالميمون أي وعدًا جميلًا ولقد أحسن من قال: إلا تكن وَرِقٌ يومًا أجودُ بها … للسائلين فإني لين العود لا يعدم السائلون الخير من خُلُقي … إما نوالي وإما حسن مردودي [١٠/ ٢١٨] (٧٨١) من قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ [الإسراء: ٣٣]. أي معانًا يعني الولي فإن قيل: وكم من ولي مخذول لا يصل إلى حقه. قلنا: المعونة تكون بظهور الحجة تارة وباستيفائها أخرى وبمجموعها ثالثة فأيها كان فهو نصر من الله . [١٠/ ٢٢٣] (٧٨٢) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] قال ابن خويز منداد: تضمنت هذه الآية الحكم بالقافة لأنه لما قال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] دل على جواز ما لنا به علم فكل ما علمه الإنسان أو غلب على ظنه جاز أن يحكم به وبهذا احتججنا على إثبات القرعة والخرص لأنه ضرب من غلبة الظن وقد يسمى علمًا اتساعًا فالقائف يلحق الولد بأبيه من طريق الشبه بينهما كما يلحق الفقيه الفرع بالأصل من طريق الشبه. [١٠/ ٢٢٦]

стр. 386

(٧٨٣) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]. أي يُسأل كل واحد منهم عما اكتسب فالفؤاد يُسأل عما افتكر فيه واعتقده والسمع والبصر عما رأى من ذلك وسمع، وقيل المعنى: إن الله يَسأل الإنسان عما حواه سمعه وبصره وفؤاده. [١٠/ ٢٢٧] (٧٨٤) ومن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ هذا نهي عن الخيلاء وأمر بالتواضع وأنشدوا: ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعًا … فكم تحتها قوم همو منك أرفع وإن كنت في عز وحرز ومنعة … فكم مات من قوم همو منك أمنع [١٠/ ٢٢٨] (٧٨٥) ومن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ [الإسراء: ٤٥]. عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: لما نزلت سورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة وفي يدها فهر وهي تقول: مذممًا أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا والنبي ﷺ قاعد في المسجد ومعه أبو بكر ﵁ فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله: لقد أقبلت وأنا أخاف أن تراك: قال رسول الله ﷺ : إنها لن تراني وقرأ قرآنًا فاعتصم به كما قال. وقرأ ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ .... ﴾ فوقفت على أبي

стр. 387

بكر ﵁ ولم تر رسول الله ﷺ . فقالت: يا أبا بكر: إني أخبرت أن صاحبك هجاني فقال: لا ورب البيت ما هجاك. فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها. قلت: ولقد اتفق لي ببلادنا الأندلس بحصن منثور من أعمال قرطبة مثل هذا وذلك أني هربت أمام العدو وانحزت إلى ناحية عنه فلم ألبث أن خرج في طلبي فارسان وأنا في فضاء من الأرض قاعد ليس يسترني عنهما شيء وأنا أقرأ أول سورة يس وغير ذلك من القرآن فعبرا عليَّ ثم رجعا من حيث جاءا وأحدهما يقول للآخر هذا دِيبلُه يعنون شيطانًا وأعمى الله أبصارهم فلم يروني والحمد لله حمدًا كثيرًا على ذلك. [١٠/ ٢٣٦] (٧٨٦) قال أبو الجوزاء أوس بن عبد الله: ليس شيء أطرد للشيطان من القلب من قول لا إله إلا الله ثم تلا: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾ [الإسراء: ٤٦]. [١٠/ ٢٣٧] (٧٨٧) من قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾ [الإسراء: ٥٥] الزبور: كتاب ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود وإنما هو دعاء وتحميد وتمجيد. [١٠/ ٢٤٢] (٧٨٨) من قوله تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠]. ولم يجر في القرآن لعن هذه الشجرة ولكن الله لعن الكفار وهم آكلوها والمعنى والشجرة الملعونة في القرآن آكلوها ويمكن أن يكون هذا

стр. 388

على قول العرب لكل طعام مكروه ضار: ملعون، وقال ابن عباس: الشجرة الملعونة هي هذه الشجرة التي تلتوي على الشجر فتقتله، يعني الكَشُوت. [١٠/ ٢٤٩] (٧٨٩) من قوله تعالى: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾ [الإسراء: ٦٢]. أي لأستأصلن ذريته بالإغواء والإضلال ولأجتاحنهم. وروي عن العرب: احتنك الجراد الزرع إذا ذهب به كله .... وإنما قال إبليس ذلك ظنًا كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠] أو عَلِمَ من طبع البشر تَرَكُّبَ الشهوة فيهم أو بنى على قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]، وقال الحسن: ظن ذلك لأنه وسوس إلى آدم ﵇ فلم يجد له عزما. [١٠/ ٢٥٠] (٧٩٠) من قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]. استفزز: استزله بقطعك إياه عن الحق .. وصوته: كل داع يدعو إلى معصية الله تعالى، .. ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]، فالمعنى: أجمع عليهم كلما تقدر عليه من مكايدك وقال أكثر المفسرين: يريد كل راكب وماشٍ في معصية الله تعالى. [١٠/ ٢٥١] (٧٩١) من قوله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الإسراء: ٦٤]. أي اجعل لنفسك شركة في ذلك فشركته في الأموال إنفاقها في معصية الله

стр. 389

قاله الحسن وقيل هي التي أصابوها من غير حلها قاله مجاهد … والأولاد: قيل هم أولاد الزنا، وقيل: ما قتلوا من أولادهم وأتوا فيهم من الجرائم، وقيل: تسميتهم عبد الحارث وعبد العزى وعبد اللات وعبد الشمس ونحوه … بتصرف [١٠/ ٢٥١] (٧٩٢) من قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. لما ذكر مكايد المشركين أمر نبيه ﵇ بالصبر والمحافظة على الصلاة وفيها طلب النصر على الأعداء ومثله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾ [الحجر: ٩٧، ٩٨] … وهذه الآية (آية الإسراء) بإجماع من المفسرين إشارة إلى الصلوات المفروضة. [١٠/ ٢٦٣] (٧٩٣) اختلف العلماء في الدلوك فقيل: زوال الشمس عن كبد السماء، وقيل: الغروب، قال الماوردي: من جعل الدلوك اسمًا لغروبها فلأن الإنسان يدلك عينيه براحته لتبينها حالة المغيب ومن جعله اسمًا لزوالها فلأنه يدلك عينيه لشدة شعاعها. [١٠/ ٢٦٣] (٧٩٤) اختلف العلماء في آخر وقت المغرب فقيل: وقتها وقت واحد لا وقت لها إلا حين تحجب الشمس. وقال مالك في الموطأ: فإذا غاب الشفق فقد خرجت من وقت المغرب ودخل وقت العشاء … لأن وقت الغروب إلى الشفق غسق كله وزعم ابن العربي أن هذا القول هو

стр. 390

المشهور من مذهب مالك وقوله في موطئه الذي أقرأه طول عمره وأملاه في حياته. والنكتة في هذا أن الأحكام المتعلقة بالأسماء هل تتعلق بأوائلها أو بآخرها أو يرتبط الحكم بجميعها؟ والأقوى في النظر أن يرتبط الحكم بأوائلها لئلا يكون ذكرها لغوًا فإذا ارتبط بأوائلها جرى بعد ذلك النظر في تعلقه بالكل إلى الآخر. قلت: والقول بالتوسعة أرجح. [١٠/ ٢٦٤] بتصرف (٧٩٥) من قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. انتصب ﴿قُرْآنَ﴾ من وجهين أحدهما: أن يكون معطوفًا على الصلاة؛ المعنى: وأقم قرآن الفجر أي صلاة الصبح قاله الفراء وقال أهل البصرة: انتصب على الإغراء: أي فعليك بقرآن الفجر قاله الزجاج. وعبر عنها بالقرآن خاصة دون غيرها من الصلوات؛ لأن القرآن هو أعظمها إذ قراءتها طويلة مجهور بها حسبما هو مشهور مسطور. [١٠/ ٢٦٥] (٧٩٦) من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]. فالتهجد القيام إلى الصلاة من النوم … وروى إسماعيل بن إسحاق القاضي من حديث الحجاج بن عمر صاحب النبي ﷺ أنه قال: «أيحسب أحدكم إذا قام من الليل كله أنه قد تهجد! إنما التهجد الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد
следующие страницы →