Полный текст (667 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
(٧٨٣) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
أي يُسأل كل واحد منهم عما اكتسب فالفؤاد يُسأل عما افتكر فيه واعتقده والسمع والبصر عما رأى من ذلك وسمع، وقيل المعنى: إن الله يَسأل الإنسان عما حواه سمعه وبصره وفؤاده. [١٠/ ٢٢٧]
(٧٨٤) ومن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ هذا نهي عن الخيلاء وأمر بالتواضع وأنشدوا:
ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعًا … فكم تحتها قوم همو منك أرفع
وإن كنت في عز وحرز ومنعة … فكم مات من قوم همو منك أمنع
[١٠/ ٢٢٨]
(٧٨٥) ومن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ [الإسراء: ٤٥].
عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: لما نزلت سورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة وفي يدها فهر وهي تقول: مذممًا أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا والنبي ﷺ قاعد في المسجد ومعه أبو بكر ﵁ فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله: لقد أقبلت وأنا أخاف أن تراك: قال رسول الله ﷺ : إنها لن تراني وقرأ قرآنًا فاعتصم به كما قال. وقرأ ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ .... ﴾ فوقفت على أبي
стр. 387
بكر ﵁ ولم تر رسول الله ﷺ . فقالت: يا أبا بكر: إني أخبرت أن صاحبك هجاني فقال: لا ورب البيت ما هجاك. فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها.
قلت: ولقد اتفق لي ببلادنا الأندلس بحصن منثور من أعمال قرطبة مثل هذا وذلك أني هربت أمام العدو وانحزت إلى ناحية عنه فلم ألبث أن خرج في طلبي فارسان وأنا في فضاء من الأرض قاعد ليس يسترني عنهما شيء وأنا أقرأ أول سورة يس وغير ذلك من القرآن فعبرا عليَّ ثم رجعا من حيث جاءا وأحدهما يقول للآخر هذا دِيبلُه يعنون شيطانًا وأعمى الله أبصارهم فلم يروني والحمد لله حمدًا كثيرًا على ذلك. [١٠/ ٢٣٦]
(٧٨٦) قال أبو الجوزاء أوس بن عبد الله: ليس شيء أطرد للشيطان من القلب من قول لا إله إلا الله ثم تلا: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾ [الإسراء: ٤٦]. [١٠/ ٢٣٧]
(٧٨٧) من قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾ [الإسراء: ٥٥] الزبور: كتاب ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود وإنما هو دعاء وتحميد وتمجيد. [١٠/ ٢٤٢]
(٧٨٨) من قوله تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠].
ولم يجر في القرآن لعن هذه الشجرة ولكن الله لعن الكفار وهم آكلوها والمعنى والشجرة الملعونة في القرآن آكلوها ويمكن أن يكون هذا
стр. 388
على قول العرب لكل طعام مكروه ضار: ملعون، وقال ابن عباس: الشجرة الملعونة هي هذه الشجرة التي تلتوي على الشجر فتقتله، يعني الكَشُوت. [١٠/ ٢٤٩]
(٧٨٩) من قوله تعالى: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾ [الإسراء: ٦٢].
أي لأستأصلن ذريته بالإغواء والإضلال ولأجتاحنهم. وروي عن العرب: احتنك الجراد الزرع إذا ذهب به كله .... وإنما قال إبليس ذلك ظنًا كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠] أو عَلِمَ من طبع البشر تَرَكُّبَ الشهوة فيهم أو بنى على قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]، وقال الحسن: ظن ذلك لأنه وسوس إلى آدم ﵇ فلم يجد له عزما. [١٠/ ٢٥٠]
(٧٩٠) من قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤].
استفزز: استزله بقطعك إياه عن الحق .. وصوته: كل داع يدعو إلى معصية الله تعالى، .. ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]، فالمعنى: أجمع عليهم كلما تقدر عليه من مكايدك وقال أكثر المفسرين: يريد كل راكب وماشٍ في معصية الله تعالى. [١٠/ ٢٥١]
(٧٩١) من قوله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الإسراء: ٦٤].
أي اجعل لنفسك شركة في ذلك فشركته في الأموال إنفاقها في معصية الله
стр. 389
قاله الحسن وقيل هي التي أصابوها من غير حلها قاله مجاهد … والأولاد: قيل هم أولاد الزنا، وقيل: ما قتلوا من أولادهم وأتوا فيهم من الجرائم، وقيل: تسميتهم عبد الحارث وعبد العزى وعبد اللات وعبد الشمس ونحوه … بتصرف [١٠/ ٢٥١]
(٧٩٢) من قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨].
لما ذكر مكايد المشركين أمر نبيه ﵇ بالصبر والمحافظة على الصلاة وفيها طلب النصر على الأعداء ومثله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾ [الحجر: ٩٧، ٩٨] … وهذه الآية (آية الإسراء) بإجماع من المفسرين إشارة إلى الصلوات المفروضة. [١٠/ ٢٦٣]
(٧٩٣) اختلف العلماء في الدلوك فقيل: زوال الشمس عن كبد السماء، وقيل: الغروب، قال الماوردي: من جعل الدلوك اسمًا لغروبها فلأن الإنسان يدلك عينيه براحته لتبينها حالة المغيب ومن جعله اسمًا لزوالها فلأنه يدلك عينيه لشدة شعاعها. [١٠/ ٢٦٣]
(٧٩٤) اختلف العلماء في آخر وقت المغرب فقيل: وقتها وقت واحد لا وقت لها إلا حين تحجب الشمس. وقال مالك في الموطأ: فإذا غاب الشفق فقد خرجت من وقت المغرب ودخل وقت العشاء … لأن وقت الغروب إلى الشفق غسق كله وزعم ابن العربي أن هذا القول هو
стр. 390
المشهور من مذهب مالك وقوله في موطئه الذي أقرأه طول عمره وأملاه في حياته.
والنكتة في هذا أن الأحكام المتعلقة بالأسماء هل تتعلق بأوائلها أو بآخرها أو يرتبط الحكم بجميعها؟ والأقوى في النظر أن يرتبط الحكم بأوائلها لئلا يكون ذكرها لغوًا فإذا ارتبط بأوائلها جرى بعد ذلك النظر في تعلقه بالكل إلى الآخر.
قلت: والقول بالتوسعة أرجح. [١٠/ ٢٦٤] بتصرف
(٧٩٥) من قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨].
انتصب ﴿قُرْآنَ﴾ من وجهين أحدهما: أن يكون معطوفًا على الصلاة؛ المعنى: وأقم قرآن الفجر أي صلاة الصبح قاله الفراء وقال أهل البصرة: انتصب على الإغراء: أي فعليك بقرآن الفجر قاله الزجاج.
وعبر عنها بالقرآن خاصة دون غيرها من الصلوات؛ لأن القرآن هو أعظمها إذ قراءتها طويلة مجهور بها حسبما هو مشهور مسطور. [١٠/ ٢٦٥]
(٧٩٦) من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩].
فالتهجد القيام إلى الصلاة من النوم … وروى إسماعيل بن إسحاق القاضي من حديث الحجاج بن عمر صاحب النبي ﷺ أنه قال: «أيحسب أحدكم إذا قام من الليل كله أنه قد تهجد! إنما التهجد الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد
стр. 391
رقدة كذلك كانت صلاة رسول الله ﷺ ». [١٠/ ٢٦٧]
(٧٩٧) من قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩].
اختلف في المقام المحمود على أربعة أقوال:
الأول: وهو أصحها- الشفاعة للناس يوم القيامة قاله حذيفة بن اليمان. [١٠/ ٢٦٨]
(٧٩٨) من قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ .... ﴾ روى البخاري عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات .... الحديث.
وفي رواية: أن رسول الله ﷺ «كان إذا اشتكى قرأ على نفسه المعوذتين وتفل أو نفث» قال أبو بكر بن الأنباري: قال اللغويون تفسير (نفث) نفخ نفخًا ليس معه ريق، ومعنى (تفل): نفخ نفخًا معه ريق.
قال الشاعر:
فإن يبرأ فلم أنفث عليه … وإن يُفْقَد فَحُقَّ له الفُقُود
وقال ذو الرمة:
ومن جوف ما ء عَرْمَضَ الحول فوقه فوقه … متى يَحسُ منه مائح القوم يتفل
[١٠/ ٢٧٧]
стр. 392
(٧٩٩) من قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢].
﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ تفريج الكروب وتطهير العيوب وتكفير الذنوب مع ما تفضل به تعالى من الثواب في تلاوته.
قال قتادة: ما جالس أحد القرآن إلا قام عنه بزيادة أو نقصان ثم قرأ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ … الآية. [١٠/ ٢٨٠]
(٨٠٠) من قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤].
والمعنى: أن كل أحد يعمل على ما يشاكل أصله وأخلاقه التي ألفها وهذا ذمٌ للكافر ومدح للمؤمن.
(٨٠١) قال القرطبي: قرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر آية أحسن وأرجى من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. [١٠/ ٢٨٢]
(٨٠٢) من قوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥].
والصحيح الإبهام لقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي هو أمر عظيم وشأن كبير من أمر الله تعالى مبهمًا له وتاركًا تفصيله ليعرف الإنسان على القطع عجزه عن علم حقيقة نفسه مع العلم بوجودها وإذا كان الإنسان في معرفة نفسه هكذا كان بعجزه عن إدراك حقيقة الحق أولى وحكمة ذلك
стр. 393
تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له دلالة على أنه عن إدراك خالقه أعجز. [١٠/ ٢٨٣]
(٨٠٣) من قوله تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ [الإسراء: ٩٣].
قرأ أهل مكة والشام ﴿قَالَ سُبْحَانَ رَبِّي﴾ يعني النبي ﷺ أي قال ذلك تنزيهًا لله عن أن يعجز عن شيء وعن أن يعترض عليه في فعل، وقيل: هذا كله تعجب عن فرط كفرهم واقتراحاتهم. والباقون ﴿قُلْ﴾ على الأمر أي قل لهم يا محمد ﴿هَلْ كُنْتُ﴾ أي ما أنا ﴿إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ أتبع ما يوحى إليّ من ربي ويفعل الله ما يشاء من هذه الأشياء التي ليست في قدرة البشر فهل سمعتم أحدًا من البشر أتى بهذه الآيات. [١٠/ ٢٨٩]
(٨٠٤) من قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩].
هذه مبالغة في صفتهم ومدح لهم. وَحَقٌّ بكل من توسم بالعلم وحصّل منه شيئًا أن يجري إلى هذه المرتبة فيخشع عند استماع القرآن ويتواضع ويذل وفي مسند الدارمي أبي محمد عن التيمي، قال: من أوتي من العلم ما لم يُبكّه لخليق ألا يكون أوتي علمًا لأن الله تعالى نعت العلماء ثم تلا هذه الآية ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩]. [١٠/ ٢٩٦]
стр. 394
(٨٠٥) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠].
عبر تعالى بالصلاة هنا عن القراءة كما عبر بالقراءة عن الصلاة في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء: ٧٨] لأن كل واحد منهما مرتبط بالآخر لأن الصلاة تشتمل على قراءة وركوع وسجود فهي من جملة أجزائها فعبر بالجزء عن الجملة وبالجملة عن الجزء على عادة العرب في المجاز وهو كثير ومنه الحديث الصحيح: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي» أي قراءة الفاتحة. [١٠/ ٢٩٩]
(٨٠٦) من قوله تعالى: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١١].
أي عظمه عظمة تامة، ويقال: أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال الله أكبر، أي صِفه بأنه أكبر من كل شيء.
قال الشاعر:
رأيت الله أكبر كل شيء … محاولة وأكثرهم جنودًا
[١٠/ ٣٠٠]
(٨٠٧) من قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩)﴾ [الكهف: ٩].
(أحسبت يا محمد أن أصحاب … ) أي ليسوا بعجب من آياتنا بل في آياتنا ما هو أعجب من خبرهم. وقال الكلبي: خلق السموات والأرض أعجب من خبرهم.
стр. 395
والكهف: النقب المتسع في الجبل وما لم يتسع فهو غار.
واختلف الناس في الرقيم فقال ابن عباس: كل شيء في القرآن أعلمه إلا أربعة:
غسلين وَحَنان والأواه والرقيم، وسئل مرة عن الرقيم فقال: زعم كعب أنها قرية خرجوا منها وقيل واد وقيل صخرة وقيل كتاب في لوح من نحاس … قال ابن عطية: ويظهر من هذه الروايات أنهم كانوا قومًا مؤرخين للحوادث وذلك من نبل المملكة وهو أمر مفيد وهذه الأقوال مأخوذة من الرقم ومنه كتاب مرقوم ومنه الأرقم لتخطيطه … [١٠/ ٣١٠]
(٨٠٨) من قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٠].
هذه الآية صريحة في الفرار بالدين وهجرة الأهل والبنين والقرابات والأصدقاء والأوطان والأموال خوف الفتنة وما يلقاه الإنسان من المحنة وقد خرج النبي ﷺ فارًا بدينه وكذلك أصحابه وجلس في الغار .... وقد جعلت طائفة من العلماء العزلة: اعتزال الشر وأهله بقلبك وعملك إن كنت بين أظهرهم، وقال ابن المبارك في تفسير العزلة: أن تكون مع القوم فإذا خاضوا في ذكر الله فخض معهم وإن خاضوا في غير ذلك فاسكت .... قلت: أحوال الناس في هذا الباب تختلف. [١٠/ ٣١٥]
(٨٠٩) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)﴾ [الكهف: ١٢].
والظاهر من الآية أن الحزب الواحد هم الفتية إذ ظنوا لبثهم قليلًا
стр. 396
والحزب الثاني أهل المدينة الذين بعث الفتية على عهدهم حين كان عندهم التاريخ لأمر الفتية وهذا قول الجمهور من المفسرين. [١٠/ ٣١٧]
(٨١٠) من قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤)﴾ [الكهف: ١٣ - ١٤].
﴿فِتْيَةٌ﴾: أي شباب وأحداث حكم لهم بالفتوة حين آمنوا بلا واسطة كذلك قال أهل اللسان رأس الفتوة الإيمان، وقيل: الفتوة اجتناب المحارم واستعجال المكارم وهذا القول حسن جدًا لأنه يعم بالمعنى جميع ما قيل في الفتوة.
﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣)﴾ أي يسرناهم للعمل الصالح من الانقطاع إلى الله تعالى ومباعدة الناس والزهد في الدنيا وهذه زيادة على الإيمان، ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ عبارة عن شدة عزم وقوة وصبر أعطاها الله لهم حتى قالوا بين يدي الكفار: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الكهف: ١٤] [١١/ ٣١٧، ٣١٨]
(٨١١) من قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٦].
ومُضمَّن الآية أن بعضهم قال لبعض: إذا فارقنا الكفار وانفردنا بالله تعالى فلنجعل الكهف مأوى ونتكل على الله فإنه سيبسط لنا رحمته وينشرها
стр. 397
علينا ويهيئ لنا من أمرنا مرفقا وهذا كله دعاء بحسب الدنيا وعلى ثقة كانوا من الله في أمر آخرتهم [١٠/ ٣٢٠]
(٨١٢) من قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨].
قال ابن عطية: وحدثني أبي ﵁ قال سمعت أبا الفضل الجوهري في جامع مصر يقول على منبر وعظه سنة ٤٦٩: إن من أحب أهل الخير نال من بركتهم؛ كلب أحب أهل فضل وصحبهم فذكره الله في محكم تنزيله، قلت: إذا كان بعض الكلاب قد نال هذه الدرجة العليا بصحبته ومخالطته الصلحاء والأولياء حتى أخبر الله تعالى بذلك في كتابه -جل وعلا- فما ظنك بالمؤمنين الموحدين المخالطين المحبين للأولياء والصالحين! بل في هذا تسلية وأنس للمؤمنين المقصرين عن درجات الكمال المحبين للنبي ﷺ وآله خير آل روى الصحيح عن أنس بن مالك قال: بينا أنا ورسول الله ﷺ خارجان من المسجد فلقينا رجل عند سدة المسجد، فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال رسول الله ﷺ : «ما أعددت لها، قال: فكأن الرجل استكان ثم قال يا رسول الله ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله، قال: فأنت مع من أحببت» وفي رواية قال أنس بن مالك: فما فرحنا بعد الإسلام فرحًا أشد من قول النبي ﷺ : فأنت مع من أحببت قال أنس: فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم، قلت:
стр. 398
وهذا الذي تمسك به أنس يشمل من المسلمين كل ذي نفس فكذلك تعلقت أطماعنا بذلك وإن كنا مقصرين ورجونا رحمة الرحمن وإن كنا غير مستأهلين، كلب أحب قومًا فذكره الله معهم! فكيف بنا وعندنا عقد الإيمان وكلمة الإسلام وحب النبي ﷺ ، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]. [١٠/ ٢٢٣]
(٨١٣) من قوله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا﴾ [الكهف: ٣١].
وخص الأخضر بالذكر لأنه الموافق للبصر لأن البياض يبدد النظر ويؤلم، والسواد يذم والخضرة بين البياض والسواد وذلك يجمع الشعاع والله أعلم. [١٠/ ٣٤٤]
(٨١٤) قال الحاكم أبو عبد الله في علوم الحديث: سئل محمد بن إسحاق بن خزيمة عن قول النبي ﷺ تحاجت الجنة والنار فقالت هذه- يعني الجنة- يدخلني الضعفاء، من الضعيف؟ قال: الذي يبرئ نفسه من الحول والقوة يعني في اليوم عشرين مرة أو خمسين مرة. [١٠/ ٣٥٣]
(٨١٥) روي أن من قال أربعًا أَمِنَ من أربع: من قال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله أَمِنَ من العين، ومن قال: حسبنا الله ونعم الوكيل أمن من كيد الشيطان، ومن قال: وأفوض أمري إلى الله أمن مكر الناس، ومن قال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين أمن من الغم. [١٠/ ٣٥٣]
стр. 399
(٨١٦) من قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾ [الكهف: ٤٤].
قرأ الأعمش وحمزة والكسائي: (الوِلاية) بكسر الواو وقرأ الباقون بفتحها وهما بمعنى واحد كالرَّضاعة والرِّضاعة … وقال أبو عبيدة إنها بفتح الواو للخالق وبكسرها للمخلوق.
وقرأ أبو عمرو والكسائي (الحقُّ) بالرفع نعتًا للولاية وقرأ أهل المدينة وحمزة (الحقِّ) بالخفض نعتًا لله والتقدير لله ذي الحق.
قرأ عاصم والأعمش وحمزة ويحيى ﴿عُقْبًا (٤٤)﴾ ساكنة القاف والباقون بضمها وهما بمعنى واحد أي هو خير عاقبة لمن رجاه وآمن به. [١٠/ ٣٥٦]
(٨١٧) من قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ﴾ [الكهف: ٤٥].
قالت الحكماء: إنما شبه تعالى الدنيا بالماء:
لأن الماء لا يستقر في موضع كذلك الدنيا لا تبقى على واحد.
ولأن الماء لا يستقيم على حالة واحدة كذلك الدنيا.
ولأن الماء لا يبقى ويذهب كذلك الدنيا تفنى.
ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتلّ كذلك الدنيا لا يسلم أحد دخلها من فتنتها وآفتها.
ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعًا منبتًا وإذا جاوز المقدار كان ضارًا مهلكًا وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع وفضولها يضر وفي صحيح مسلم
стр. 400
عن النبي ﷺ : «قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا وقنعه الله بما آتاه». [١٠/ ٣٥٧]
(٨١٨) من قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦].
وإنما كان المال والبنون زينة الحياة الدنيا لأن في المال جمالًا ونفعًا وفي البنين قوة ودفعًا فصارا زينة الحياة الدنيا لكن معه قرينة الصفة للمال والبنين لأن المعنى المال والبنون زينة هذه الحياة المحتقرة فلا تتبعوها نفوسكم .. وكان يقال: لا تعقد قلبك مع المال لأنه فيء ذاهب، ولا مع النساء لأنها اليوم معك وغدًا مع غيرك، ولا مع السلطان لأنه اليوم لك وغدًا لغيرك ويكفي في هذا قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]. [١٠/ ٣٥٨]
(٨١٩) من قوله تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [الكهف: ٤٦].
اختلف العلماء في الباقيات الصالحات … وعن ابن عباس: «أنها كل عمل صالح من قول أو فعل يبقى للآخرة»، وقاله ابن زيد، ورجحه الطبري، وهو الصحيح إن شاء الله. [١٠/ ٣٥٨]
(٨٢٠) من قوله تعالى: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢)﴾ [الكهف: ٦٢].
النصب التعب والمشقة وقيل عنى به هنا الجوع وفي هذا دليل على جواز الإخبار بما يجده الإنسان من الألم والأمراض وأن ذلك لا يقدح في الرضا
стр. 401
ولا في التسليم للقضاء لكن إذا لم يصدر ذلك عن ضجر ولا سخط. [١١/ ١٦]
(٨٢١) والخضر نبي عند الجمهور وقيل هو عبد صالح غير نبي والآية تشهد بنبوته لأن بواطن أفعاله لا تكون إلا بوحي وأيضًا فإن الإنسان لا يتعلم ولا يتبع إلا من فوقه وليس يجوز أن يكون فوق النبي من ليس بنبي وقيل كان مَلَكًا أمر الله موسى أن يأخذ عنه مما حمله من علم الباطن والأول الصحيح والله أعلم. [١١/ ١٨]
(٨٢٢) من قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٠].
ويستفاد من هذه الآية تهوين المصائب بفقد الأولاد وإن كانوا قطعاً من الأكباد ومن سَلَّمَ للقضاء أسفرت عاقبته عن اليد البيضاء، قال قتادة: لقد فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل ولو بقي كان فيه هلاكهما فالواجب على كل امرئ الرضا بقضاء الله تعالى فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه له فيما يحب. [١١/ ٣٧]
(٨٢٣) من قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢].
ظاهر اللفظ والسابق منه أنه والدهما دِنْيةً (الأدنى) وقيل هو الأب السابع قاله جعفر بن محمد وقيل العاشر فحفظا فيه وإن لم يُذكر بصلاح … ففيه ما يدل على أن الله تعالى يحفظ الصالح في نفسه وفي ولده وإن بعدوا عنه وقد روي أن الله تعالى يحفظ الصالح في سبعة من ذريته وعلى هذا يدل
стр. 402
قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)﴾ [الأعراف: ١٩٦]. [١١/ ٣٨]
(٨٢٤) من قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٣].
واختلف في اسم ذي القرنين وفي السبب الذي سمي به اختلافًا كثيرًا فقيل هو الإسكندر الملك اليوناني المقدوني (وقيل غير ذلك) وأما الاختلاف في السبب الذي سمي به فقيل: إنه كان ذا ضفيرتين من شعر فسمي بهما وقيل إنه رأى في أول ملكه كأنه قابض على قرني الشمس فقص ذلك ففسر أنه سيغلب ما ذرت عليه الشمس، وقالت طائفة: إنه لما بلغ مطلع الشمس كشف بالرؤية قرونها فسمي بذلك … وبالجملة فإن الله تعالى مكنه وملّكه ودانت له الملوك فروي أن جميع ملوك الدنيا كلها أربعة مؤمنان وكافران فالمؤمنان سليمان بن داود وإسكندر، والكافران نمرود وبختنصر … [١١/ ٤٦، ٤٧] بتصرف
(٨٢٥) من قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦].
وقال القفال قال بعض العلماء: ليس المراد أنه انتهى إلى الشمس مغربًا ومشرقًا حتى وصل إلى جرمها ومسّها لأنها تدور مع السماء حول الأرض من غير أن تلتصق بالأرض وهي أعظم من أن تدخل في عين من عيون الأرض بل هي أكبر من الأرض أضعافًا مضاعفة بل المراد أنه انتهى
стр. 403
إلى آخر العمارة من جهة المغرب ومن جهة المشرق فوجدها في رأي العين تغرب في عين حمئة كما أَنَّا نشاهدها في الأرض الملساء كأنها تدخل في الأرض ولهذا قال: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠)﴾ [الكهف: ٩٠] ولم يُرد أنها تطلع عليهم بأن تماسهم وتلاصقهم بل أراد أنهم أول من تطلع عليهم. [١١/ ٤٩]
(٨٢٦) من قوله تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾ [الكهف: ٩٤].
في هذه الآية دليل على اتخاذ السجون وحبس أهل الفساد فيها ومنعهم من التصرف لما يريدونه ولا يتركون وما هم عليه بل يوجعون ضربًا ويحبسون أو يكفلون ويطلقون كما فعل عمر ﵁. [١١/ ٥٨]
(٨٢٧) من قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ [الكهف: ٩٥].
في هذه الآية دليل على أن الملك فرضٌ عليه أن يقوم بحماية الخلق في حفظ بيضتهم وسد فرجتهم وإصلاح ثغورهم من أموالهم التي تفيء عليهم وحقوقهم التي تجمعها خزانتهم تحت يده ونظره حتى لو أكلتها الحقوق وأنفذتها المؤن لكان عليهم جبر ذلك من أموالهم وعليه حسن النظر لهم وذلك بثلاثة شروط:
الأول: ألا يستأثر عليهم بشيء، الثاني: أن يبدأ بأهل الحاجة فيعينهم، الثالث: أن يسوي في العطاء بينهم على قدر منازلهم، فإذا فنيت بعد هذا
стр. 404
وبقيت صفرًا فأطلعت الحوادث أمرًا بذلوا أنفسهم قبل أموالهم فإن لم يغن ذلك فأموالهم تؤخذ منهم على تقدير وتصرف بتدبير فهذا ذو القرنين لما عرضوا عليه المال في أن يكف عنهم ما يحذرونه من عادية يأجوج ومأجوج قال: لست أحتاج إليه وإنما أحتاج إليكم ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أي: اخدموا بأنفسكم معي فإن الأموال عندي والرجال عندكم ورأى أن الأموال لا تغني عنهم فإنه إن أخذها أجرة نقص ذلك مما يحتاج إليه فيعود بالأجر عليهم فكان التطوع بخدمة الأبدان أولى وضابط الأمر: أنه لا يحل مال أحد إلا لضرورة تعرض فيؤخذ ذلك المال جهرًا لا سرًا وينفق بالعدل لا بالاستئثار وبرأي الجماعة لا بالاستبداد بالأمر. والله تعالى الموفق للصواب. [١١/ ٥٨، ٥٩]
(٨٢٨) من قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ [الكهف: ٩٦].
﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى﴾ يعني البناء فحذف لقوة الكلام عليه ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ قال أبو عبيدة هما جانبا الجبل وسميا بذلك لتصادفهما أي لتلاقيهما.
(٨٢٩) من قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧]
أي ما استطاع يأجوج ومأجوج أن يعلوه ويصعدوا فيه لأنه أملس مستو مع الجبل، والجبل عال لا يرام وارتفاع السد مائتا ذراع … ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)﴾ [الكهف: ٩٧] لبعد عرضه وقوته وفي الصحيح عن أبي هريرة
стр. 405
عن النبي ﷺ قال: «فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه» وعقد وهب بن منبه بيده تسعين. وفي رواية- وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها. [١١/ ٦٠]
(٨٣٠) من قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩].
وقيل: تركنا يأجوج ومأجوج ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: وقت كمال السد يموج بعضهم في بعض. واستعارة الموج لهم عبارة عن الحيرة وتردد بعضهم في بعض كالمولهين من هم وخوف، فشبههم بموج البحر الذي يضطرب بعضه في بعض. [١١/ ٦٢]
(٨٣١) من قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾ [الكهف: ١٠٣].
فيه دلالة على أن من الناس من يعمل العمل وهو يظن أنه محسن وقد حبط سعيه والذي يوجب إحباط السعي إما فساد الاعتقاد أو المراءاة والمراد هنا الكفر. [١١/ ٦٣]
(٨٣٢) من قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ [مريم: ٣].
اختلف في إخفائه هذا النداء فقيل: أخفاه من قومه لئلا يلام على مسألة الولد عند كبر السن ولأنه أمر دنيوي فإن أُجيب فيه نال بغيته وإن لم يُجَب لم يعرف بذلك أحد.
قال يونس بن عبيد: كان الحسن يرى أن يدعو الإمام في القنوت ويُؤَمِّن مَنْ خلفه من غير رفع صوت وتلا يونس: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾
стр. 406
[مريم: ٣]. قال ابن العربي: وقد أسر مالك القنوت وجهر به الشافعي والجهر به أفضل لأن النبي ﷺ كان يدعو به جهرًا. [١١/ ٧٤]
(٨٣٣) من قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤].
قال العلماء: يستحب للمرء أن يذكر في دعائه نعم الله تعالى عليه وما يليق بالخضوع لأن قوله تعالى: ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ إظهار للخضوع، وقوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾ [مريم: ٤] إظهار لعادات تفضله في إجابته أدعيته أي لم أكن بدعائي إياك شقيًا أي لم تكن تخيب دعائي إذا دعوتك أي إنك عودتني الإجابة فيما مضى يقال: شقي بكذا أي تعب فيه ولم يحصل مقصوده وعن بعضهم: أن محتاجًا سأله وقال: أنا الذي أحسنتَ إليه في وقت كذا فقال: مرحبًا بمن توسل بنا إلينا، وقضى حاجته. [١١/ ٧٤]
(٨٣٤) من قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم: ٥].
وقالت طائفة: إنما كان مواليه مهملين للدين فخاف بموته أن يضيع الدين فطلب وليًا يقوم بالدين بعده، حكى هذا القول الزجاج وعليه فلم يسل من يرث ماله لأن الأنبياء لا تورث وهذا هو الصحيح من القولين في تأويل الآية وأنه ﵊ أراد وراثة العلم والنبوة لا وراثة المال. [١١/ ٧٥]
(٨٣٥) الدعاء بالولد معلوم من الكتاب والسنة ثم إن زكريا ﵇ تحرز فقال: ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨]، وقال: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾ [مريم: ٦] والولد إذا كان بهذه الصفة نفع أبويه في الدنيا والآخرة وخرج من
стр. 407
حد العداوة والفتنة إلى حد المسرة والنعمة وقد دعا النبي ﷺ لأنس خادمه فقال: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته» فدعا له بالبركة تحرزًا مما يؤدي إليه الإكثار من الهلكة وهكذا فليتضرع العبد إلى مولاه في هداية ولده ونجاته في أولاه وأخراه اقتداء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام والفضلاء. [١١/ ٧٨]
(٨٣٦) من قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ [مريم: ١١].
أي أشرف عليهم من المصلى، والمحراب أرفع المواضع وأشرف المجالس وكانوا يتخذون المحاريب فيما ارتفع من الأرض … واختلف الناس في اشتقاقه فقالت فرقه: هو مأخوذ من الحَرْب كأن ملازمه يحارب الشيطان والشهوات، وقالت فرقة: هو مأخوذ من الحَرَب كأن ملازمه يلقى منه حربًا وتعبًا ونصبا. [١١/ ٨١]
(٨٣٧) من قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾ [مريم: ١٢].
روى معمر أن الصبيان قالوا ليحيى اذهب بنا نلعب، فقال: ما للعب خُلقت فأنزل الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾ وقال ابن عباس: من قرأ القرآن قبل أن يحتلم فهو ممن أوتي الحكم صبيا. [١١/ ٨٣]
(٨٣٨) من قوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [مريم: ١٣].
قال طرفة:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا … حنانيك بعض الشر أهون من بعض
стр. 408
وأنشد سيبويه:
فقالت حنان ما أتى بك هاهنا … أذو نسب أم أنت بالحي عارف
وقال الحطيئة:
تحنن عليَّ هداك المليك … فإن لكل مقام مقالا
[١١/ ٨٤]
(٨٣٩) من قوله تعالى: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: ١٦].
أي مكانًا من جانب الشرق .. وإنما خص المكان بالشرق لأنهم كانوا يعظمون جهة المشرق ومن حيث تطلع الأنوار وكانت الجهات الشرقية من كل شيء أفضل من سواها حكاه الطبري … وحكي عن ابن عباس أنه قال: إني لأعلم الناس لم اتخذ النصارى المشرق قِبلةً لقول الله : ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦)﴾ فاتخذوا ميلاد عيسى ﵇ قبلة، وقالوا: لو كان شيء من الأرض خيرًا من المشرق لوضعت مريم عيسى ﵇ فيه. [١١/ ٨٦]
(٨٤٠) من قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم: ٢٣].
تمنت مريم ﵍ الموت من جهة الدين لوجهين:
أحدهما: أنها خافت أن يُظَنَّ بها الشر في دينها وتعير فيفتنها ذلك.
والثاني: لئلا يقع قوم بسببها في البهتان والنسبة إلى الزنى وذلك مهلك وعلى هذا الحد يكون تمني الموت جائزًا. [١١/ ٨٧]
стр. 409
(٨٤١) من قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥].
استدل بعض الناس من هذه الآية على أن الرزق وإن كان محتومًا فإن الله تعالى قد وَكَلَ ابن آدم إلى سَعيٍ مّا فيه لأنه أمر مريم بهز النخلة لترى آية وكانت الآية تكون بألا تهز.
وقال الربيع بن خثيم: ما للنفساء عندي خير من الرطب لهذه الآية ولو علم الله شيئًا أفضل من الرطب للنفساء لأطعمه مريم ولذلك قالوا التمر عادة للنفساء من ذلك الوقت وكذلك التحنيك وقيل إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب ولا للمريض خير من العسل. [١١/ ٩٠ - ٩١]
(٨٤٢) من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١].
أي: ذا بركات ومنافع في الدين والدعاء إليه ومعلمًا له، وقال القشيري: وجعلني آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأرشد الضال وأنصر المظلوم وأغيث الملهوف. [١١/ ٩٦]
(٨٤٣) من قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: ٣٨].
قال أبو العباس: العرب تقول هذا في موضع التعجب فتقول: أسمع بزيد وأبصر بزيد أي ما أسمعه وأبصره، قال: فمعناه أنه عَجَّب نبيه منهم. قال الكلبي: لا أحد أسمع منهم يوم القيامة ولا أبصر حين يقول الله ﵎ لعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] وقيل أسمع بمعنى الطاعة أي ما أطوعهم لله في ذلك اليوم. [١١/ ١٠١]
стр. 410
(٨٤٤) من قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ﴾ [مريم: ٧٩].
﴿كَلَّا﴾ يكون بمعنيين: أحدهما: بمعنى (حقًا)، والثاني: بمعنى (لا) فإذا كانت بمعنى حقًا جاز الوقف على ما قبله ثم تبتديء ﴿كَلَّا﴾ أي: حقًا. وإذا كانت بمعنى لا كان الوقف على ﴿كَلَّا﴾ جائزًا، كما في هذه الآية لأن المعنى: لا ليس الأمر كذا ويجوز أن تقف على قوله ﴿عَهْدًا (٧٨)﴾، وتبتدئ ﴿كَلَّا﴾ أي: حقًا ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم: ٧٩]، وكذا قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا﴾ [المؤمنون: ١٠٠] يجوز الوقف على ﴿كَلَّا﴾ وعلى (تركت)، وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾ [الشعراء: ١٤، ١٥] الوقف على ﴿كَلَّا﴾ لأن المعنى لا - وليس الأمر كما تظن ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾ [الشعراء: ١٥]، فليس للحق في هذا المعنى موضع. [١١/ ١٣٥]
(٨٤٥) روي أن المأمون قرأ هذه السورة -مريم- فمرّ بهذه الآية: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾ [مريم: ٨٤]، وعنده جماعة من الفقهاء فأشار برأسه إلى ابن السماك أن يعظه فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد وقيل في هذا المعنى:
стр. 411
حياتك أنفاس تعد فكلما … مضى نفس منك انتقصت به جزءًا
يميتك ما يحييك في كل ليلة … ويحدوك حاد ما يريد به الهُزءا
[١١/ ١٣٨]
(٨٤٦) قال محمد بن كعب: لقد كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة لقوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٠، ٩١].
قال ابن العربي: وصدق فإنه قول عظيم سبق به القضاء والقدر ولولا أن الباري ﵎ لا يضعه كفر الكافر ولا يرفعه إيمان المؤمن ولا يزيد هذا في ملكه كما لا ينقص ذلك من ملكه لما جرى شيء من هذا على الألسنة ولكنه القدوس الحكيم الحليم فلم يبال بعد ذلك بما يقول المبطلون. [١١/ ١٤٤]
(٨٤٧) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦].
أي حبًا في قلوب عباده وكان هرم بن حيان يقول: ما أقبل أحد بقلبه على الله تعالى إلا أقبل الله تعالى بقلوب أهل الإيمان إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم وقيل يجعل الله تعالى لهم مودة في قلوب المؤمنين والملائكة يوم القيامة.
قلت: إذا كان محبوبًا في الدنيا فهو كذلك في الآخرة فإن الله تعالى لا
стр. 412
يحب إلا مؤمنًا تقيًا ولا يرضى إلا خالصًا نقيًا جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى إذا أحب عبدًا دعا جبريل ﵇، فقال: إني أحب فلانًا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه فيحبه أهل السماء قال: ثم يوضع له القبول في الأرض وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل ﵇ وقال: إني أبغض فلانًا فأبغضه فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه قال: فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض». [١١/ ١٤٦ - ١٤٧]
(٨٤٨) من قوله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢].
واختلف العلماء في السبب الذي من أجله أمر بخلع النعلين … وقيل أمر بخلع النعلين للخشوع والتواضع عند مناجاة الله تعالى وكذلك فعل السلف حين طافوا بالبيت وقيل إعظامًا لذلك الموضع كما أن الحرم لا يُدخل بنعلين إعظامًا له.
قال سعيد بن جبير: قيل له طإ الأرض حافيًا كما تدخل الكعبة حافيًا. والعرف عند الملوك أن تخلع النعال ويبلغ الإنسان إلى غاية التواضع فكأن موسى ﵇ أمر بذلك على هذا الوجه … وقد كان مالك لا يرى لنفسه ركوب دابة بالمدينة برًا بتربتها المحتوية على الأعظم الشريفة والجثة الكريمة … [١١/ ١٥٧] بتصرف
стр. 413
(٨٤٩) قال أبو الأحوص: زار عبد الله أبا موسى في داره فأقيمت الصلاة فأقام أبو موسى فقال أبو موسى لعبد الله تقدم فقال عبد الله: تقدم أنت في دارك فتقدم وخلع نعليه فقال عبد الله: أبالوادي المقدس أنت. [١١/ ١٥٨]
«قال المحقق: حيثما أطلق عبد الله عند أهل العراق فالمراد ابن مسعود».
(٨٥٠) من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣)﴾ [طه: ١٣].
حُسْنُ الاستماع كما يجب قد مدح الله عليه، فقال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] وذم على خلاف هذا الوصف، فقال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ [الإسراء: ٤٧] الآية فمدح المنصت لاستماع كلامه مع حضور العقل وأمر عباده بذلك أدبًا لهم ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقال: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣)﴾ [طه: ١٣]، لأن بذلك ينال الفهم عن الله تعالى.
وروي عن وهب بن منبه أنه قال: من أدب الاستماع سكون الجوارح وغض البصر والإصغاء بالسمع وحضور العقل والعزم على العمل وذلك هو الاستماع كما يحب الله تعالى وهو أن يكف العبد جوارحه ولا يشغلها فيشتغل قلبه عما يسمع ويغض طرفه فلا يلهو قلبه بما يرى ويحصر عقله فلا يُحدث نفسه بشيء سوى ما يستمع إليه ويعزم على أن يفهم فيعمل بما يفهم.
стр. 414
وقال سفيان بن عيينه: أول العلم الاستماع ثم الفهم ثم الحفظ ثم العمل ثم النشر فإذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﵊ بنية صادقة على ما يحب الله أفهمه كما يحب وجعل له في قلبه نورًا. [١١/ ١٦٠]
(٨٥١) من قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤].
اختلف في تأويل قوله: ﴿لِذِكْرِي (١٤)﴾ فقيل: يحتمل أن يريد لتذكرني فيها أو يريد لأذكرك بالمدح في عليين بها، وقيل المعنى: أي حافظ بعد التوحيد على الصلاة وهذا تنبيه على عظم قدر الصلاة … وقيل المراد إذا نسيت فتذكرت فصل كما في الخبر «فليصلها إذا ذكرها». [١١/ ١٦١]
(٨٥٢) من قوله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾ [طه: ١٨].
تعرض قوم لتعديد منافع العصا منهم ابن عباس قال: إذا انتهيت إلى رأس بئر فقصر الرِّشا وصلته بالعصا وإذا أصابني حر الشمس غرزتها في الأرض وألقيت عليها ما يظلني وإن خفت شيئًا من هوام الأرض قتلته بها وإذا مشيت ألقيتها على عاتقي وعلقت عليها القوس والكنانة والمخلاة وأقاتل بها السباع عن الغنم .. والإجماع منعقد على أن الخطيب يخطب متوكئًا على سيف أو عصا فالعصا مأخوذة من أصل كريم ومعدن شريف ولا ينكرها إلا جاهل وقد جمع الله لموسى في عصاه من البراهين العظام والآيات الجسام ما آمن به السحرة المعاندون.
стр. 415
قال مالك: كان عطاء بن السائب يمسك المخصرة يستعين بها، وقال مالك: والرجل إذا كبر لم يكن مثل الشباب يقوى بها عند قيامه قلت وفي مشيته كما قال بعضهم:
قد كنت أمشي على رجلين معتمدًا … فصرت أمشي على أخرى من الخشب
[١١/ ١٧١، ١٧٢]
(٨٥٣) من قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤].
دليل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن ذلك يكون باللين من القول لمن معه القوة وضمنت له العصمة ألا تراه قال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ وقال: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦] فكيف بنا فنحن أولى بذلك وحينئذٍ يحصل الآمر والناهي على مرغوبه ويظفر بمطلوبه وهذا واضح.
القول اللين: هو القول الذي لا خشونة فيه … فإذا كان موسى أمر بأن يقول لفرعون قولًا لينًا فمن دونه أحرى بأن يقتدي بذلك في خطابه وأمره بالمعروف في كلامه وقد قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]. [١١/ ١٨١ - ١٨٢]
(٨٥٤) من قوله تعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧)﴾ [طه: ٤٧].
قال الزجاج: أي من اتبع الهدى سلم من سخط الله وعذابه. قال وليس بتحية، والدليل على ذلك أنه ليس بابتداء لقاءٍ ولا خطاب. [١١/ ١٨٤]
стр. 416
(٨٥٥) من قوله تعالى: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)﴾ [طه: ٤٨].
قال ابن عباس: هذه أرجى آية للموحدين لأنهم لم يكذبوا ولم يتولوا. [١١/ ١٨٥]
(٨٥٦) من قوله تعالى: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥٢]
هذه الآية ونظائرها تدل على تدوين العلوم وكَتْبِها لئلا تنسى فإن الحفظ قد تعتريه الآفات من الغلط والنسيان وقد لا يحفظ الإنسان ما يسمع فيقيده لئلا يذهب عنه، وقيل لقتادة: أنكتب ما نسمع منك؟ قال: وما يمنعك أن تكتب وقد أخبرك اللطيف الخبير أنه يكتب فقال: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥٢]. [١١/ ٨٦]
(٨٥٧) وعلى جواز كتب العلم وتدوينه جمهور الصحابة والتابعين وقد أمر ﷺ بكتب الخطبة التي خطب بها في الحج لأبي شاه- رجل من اليمن- لما سأله كتبها رواه مسلم.
وقال معاوية بن قرة: من لم يكتب العلم لم يُعد عِلمه علمًا وقد ذهب قوم إلى المنع من الكَتْبِ والكَتْبُ أولى على الجملة وبه وردت الآي والأحاديث … وأيضًا: فإن العلم لا يضبط إلا بالكتاب ثم بالمقابلة والمدارسة والتعهد والتحفظ والمذاكرة والسؤال والفحص عن الناقلين والثقة بما نقلوا، وإنما كره الكَتْب من كره من الصدر الأول لقرب العهد وتقارب الإسناد لئلا
стр. 417
يعتمده الكاتب فيهمله أو يرغب عن حفظه والعمل به فأما والوقت متباعد والإسناد غير متقارب والطرق مختلفة والنقلة متشابهون وآفة النسيان معترضة والوهم غير مأمون فإن تقييد العلم بالكتاب أولى وأشفى والدليل على وجوبه أقوى. [١١/ ١٨٨]
(٨٥٨) قال أبو بكر الخطيب: ينبغي أن يكتب الحديث بالسواد ثم الحبر خاصة دون المداد لأن السواد أصبغ الألوان والحبر أبقاها على مر الدهور وهو آلة ذوي العلم وعدة أهل المعرفة.
ذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال: رآني الشافعي وأنا في مجلسه وعلى قميصي حبر وأنا أخفيه فقال: لم تخفيه وتستره؟ إن الحبر على الثوب من المروءة لأن صورته في الأبصار سواد وفي البصائر بياض وقال خالد بن يزيد: الحبر في ثوب صاحب الحديث مثل الخَلوق في ثوب العروس وأخذ هذا المعنى أبو عبد الله البلوي فقال:
مداد المحابر طيب الرجال … وطيب النساء من الزعفران
فهذا يليق بأثواب ذا … وهذا يليق بثوب الحَصَان
[١١/ ١٨٨]
(٨٥٩) من قوله تعالى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ [طه: ٦٩].
ولم يقل وألق عصاك فجائز أن يكون تصغيرًا لها أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم وألق العُويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك فإنه
стр. 418
بقدرة الله يتلقفها على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها. وجائز أن يكون تعظيمًا لها أي لا تحفل بهذه الأجرام الكثيرة فإن في يمينك شيئًا أعظم منها كلها وهذه على كثرتها أقل شيء وأنزره عندها. [١١/ ٢٠٩]
(٨٦٠) من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾ [طه: ٧٥].
أي يمت عليه ويوافيه مصدقًا به وقد عمل الطاعات وما أمر به ونهي عنه ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾ الرفيعة التي قصرت دونها الصفات. [١١/ ٢٠٤]
(٨٦١) من قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٢، ٩٣].
﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ يريد أن مقامك بينهم وقد عبدوا غير الله تعالى عصيان منك لي. قاله ابن عباس وقيل إن أمره ما حكاه الله تعالى عنه: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ [الأعراف: ١٤٢] فلما أقام معهم ولم يبالغ في منعهم والإنكار عليهم نسبه إلى عصيانه ومخالفة أمره وهذا كله أصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتغييره ومفارقة أهله، وأن المقيم بينهم لاسيما إذا كان راضيًا حكمه كحكمهم.
وسئل الإمام أبو بكر الطرطوشي ﵀: ما يقول سيدنا الفقيه في
стр. 419
مذهب الصوفية؟ وأعلم- حرس الله مدته- أنه اجتمع جماعة من رجال فيكثرون من ذكر الله تعالى وذكر محمد ﷺ ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيًا عليه ويُحضرون شيئًا يأكلونه. هل الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا مأجورين وهذا القول الذي يذكرونه:
يا شيخ كف عن الذنوب … قبل التفرق والزلل
واعمل لنفسك صالحًا … ما دام ينفعك العمل
أما الشباب فقد مضى … ومشيب رأسك قد نزل
وفي مثل هذا ونحوه.
الجواب: يرحمك الله- مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلًا جسدًا له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون فهو دين الكفار وعباد العجل، وأما القضيب فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى وإنما كان يجلس النبي ﷺ مع أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم من الحضور في المساجد وغيرها ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ولا يعينهم على باطلهم هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المسلمين وبالله التوفيق. [١١/ ٢١٢ - ٢١٣]
стр. 420
(٨٦٢) قال سعيد بن جبير: قيل لابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢)﴾ [طه: ١٠٢] وقال في موضع آخر: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧]، فقال: إن ليوم القيامة حالات فحالة يكونون فيه زرقًا وحالة عميا. [١١/ ٢١٨]
(٨٦٣) من قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥)﴾ [طه: ١٠٥].
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾: أي عن حال الجبال يوم القيامة، ﴿فَقُلْ﴾: جاء هذا بفاء وكل سؤال في القرآن (قل) بغير فاء إلا هذا لأن المعنى إن سألوك عن الجبال فقل فتضمن الكلام معنى الشرط. وقد علم الله أنهم يسألونه عنها فأجابهم قبل السؤال وتلك أسئلة تقدمت سألوا عنها النبي ﷺ فجاء الجواب عقب السؤال فلذلك كان بغير فاء وهذا سؤال لم يسألوه عنه بعد؛ فتفهمه. [١١/ ٢١٩]
(٨٦٤) من قوله تعالى: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [طه: ١٠٧].
قلت: وهذه الآية تدخل في باب الرقى، ترقى بها الثآليل وهي التي تسمى عندنا (بالبراريق) واحدها (بروقة) تطلع في الجسد وخاصة في اليد: تأخذ ثلاثة أعواد من تبن الشعير يكون في طرف كل عود عقدة تُمرّ كل عقدة على الثآليل وتقرآ الآية مرة ثم تدفن الأعواد في مكان ندي؛ تعفّن وتعفن الثآليل؛ فلا يبقى لها أثر، جربت ذلك في نفسي وفي غيري فوجدته نافعًا إن شاء الله. [١١/ ٢١٩]
стр. 421
(٨٦٥) من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨)﴾ [طه: ١٠٨].
الهمس: الصوت الخفي؛ قاله مجاهد. وهمس الطعام: أي مضغه وفُوه منضمٌّ.
قال الراجز:
لقد رأيت عجبًا مُذ أمسا … عجائزًا مثل السعالي خمسًا
يأكلن ما أصنع همسًا همسًا. [١١/ ٢٢٠]
(٨٦٦) من قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٧ - ١١٩].
وإنما خصه بذكر الشقاء ولم يقل فتشقيان: يعلمنا أن نفقة الزوجة على الزوج فمن يومئذٍ جرت نفقة النساء على الأزواج فلما كانت نفقة حواء على آدم كذلك نفقات بناتها على بني آدم بحق الزوجية وأعلمنا في هذه الآية أن النفقة التي تجب للمرأة على زوجها هذه الأربعة الطعام والشراب والكسوة والمسكن فإذا أعطاها هذه الأربعة فقد خرج إليها من نفقتها فإن تفضل بعد ذلك فهو مأجور فأما هذه الأربعة فلا بد منها لأن بها إقامة المهجة. [١١/ ٢٢٥]
(٨٦٧) روى الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فقال آدم يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده يا موسى
стр. 422
أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة فحج آدم موسى ثلاثًا» قال المهلب قوله: فحج آدم موسى أي غلبه بالحجة.
قال الليث بن سعد: إنما صحت هذه الحجة في هذه القصة لآدم على موسى ﵉ من أجل أن الله تعالى قد غفر لآدم خطيئته وتاب عليه فلم يكن لموسى أن يعيره بخطيئة قد غفرها الله تعالى له .... وبمثل هذا احتج ابن عمر على الذي قال له: إن عثمان فَرَّ يوم أُحد فقال ابن عمر ما على عثمان ذنب لأن الله تعالى قد عفا عنه بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]. [١١/ ٢٢٧]
(٨٦٨) من قوله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣].
خاطب آدم وإبليس ﴿مِنْهَا﴾ أي: من الجنة وقد قال لإبليس ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨] فلعله أخرج من الجنة إلى موضع من السماء ثم أهبط إلى الأرض ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الأعراف: ٢٤]، أي: أنت عدو للحية وإبليس وهما عدوان لك وهذا يدل على أن قوله: ﴿اهْبِطَا﴾ ليس خطابًا لآدم وحواء لأنهما ما كانا متعاديين وتضمن هبوط آدم هبوط حواء. [١١/ ٢٢٩]
(٨٦٩) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: ١٣١].
ومعنى الآية: لا تجعل يا محمد لزهرة الدنيا وزنًا فإنه لا بقاء لها ﴿وَلَا
стр. 423
تَمُدَّنَّ﴾ أبلغ من ولا تنظرن لأن الذي يمد بصره إنما يحمله على ذلك حرص مقترن والذي ينظر قد لا يكون ذلك معه. [١١/ ٢٣٢].
(٨٧٠) من قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ [طه: ١٣٢].
يروى أن عروة بن الزبير ﵄ كان إذا رأى شيئًا من أخبار السلاطين وأحوالهم بادر إلى منزله فدخله وهو يقرأ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَأَبْقَى (١٣١)﴾ [طه: ١٣١]، ثم ينادي بالصلاة! الصلاة يرحمكم الله ويصلي وكان عمر بن الخطاب ﵁ يوقظ أهل داره لصلاة الليل ويصلي وهو يتمثل بالآية، وقوله تعالى: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ أي لا نسألك أن ترزق نفسك وإياهم وتشتغل عن الصلاة بسبب الرزق بل نحن نتكفل برزقك وإياهم. [١١/ ٢٣٣]
(٨٧١) من قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١].
قال عبد الله بن مسعود ﵁: [الكهف ومريم وطه والأنبياء من العتاق الأول وهنّ من تلادي]، يريد من قديم ما كسب وحفظ من القرآن كالمال التلاد، وروي أن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ كان يبني جدارًا فمرّ به آخر في يوم نزول هذه السورة فقال الذي كان يبني الجدار ماذا نزل اليوم من القرآن؟ فقال الآخر: نزل ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ الآية فنفض يده من البنيان وقال: والله لا بنيت أبدًا وقد اقترب الحساب. [١١/ ٢٣٦]
стр. 424
(٨٧٢) ومن علم اقتراب الساعة قصر أمله وطابت نفسه بالتوبة ولم يركن إلى الدنيا فكأن ما كان لم يكن إذا ذهب وكل آتٍ قريب والموت لا محالة آت وموت كل إنسان قيام ساعته والقيامة أيضًا قريبة بالإضافة إلى ما مضى من الزمان فما بقي من الدنيا أقل مما مضى. [١٢/ ٢٣٦]
(٨٧٣) من قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧)﴾ [الأنبياء: ٧].
لم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها وأنهم المراد بقول الله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ وأجمعوا على أن الأعمى لابد له من تقليد غيره ممن يثق بميزه القبلة إذا أشكلت عليه فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به لابد له من تقليد عالمه وكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحليل والتحريم. [١١/ ٢٤١]
(٨٧٤) من قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ٢٠].
قال عبدالله بن الحارث سألت كعبًا فقلت: أما لهم شغل عن التسبيح؟ أما يشغلهم عنه شيء، فقال: من هذا؟ فقلت: من بني عبد المطلب؛ فضمني إليه وقال: يا ابن أخي: هل يشغلك شيء عن النفس؟! إن التسبيح لهم بمنزلة النفس. [١١/ ٢٤٥]
стр. 425
(٨٧٥) من قوله تعالى: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠].
قال عكرمة وعطية وابن زيد وابن عباس فيما ذكر المهدوي: إن السموات كانت رتقًا لا تمطر والأرض كانت رتقًا لا تنبت ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات نظيره قوله : ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢)﴾ [الطارق: ١١، ١٢] واختار هذا القول الطبري لأن بعده ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠] قلت وبه يقع الاعتبار مشاهدة ومعاينة ولذلك أخبر بذلك في غير ما آية ليدل على كمال قدرته وعلى البعث والجزاء. [١١/ ٢٥٠]
(٨٧٦) قال ابن عباس: ما أرسل الله نبيًا إلا شابًا ثم قرأ: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠]. [١١/ ٢٦٢]
(٨٧٧) قال إبراهيم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] ليقولوا إنهم لا ينطقون ولا ينفعون ولا يضرون فيقول لهم فلم تعبدونهم! فتقوم عليهم الحجة منهم ولهذا يجوز عند الأمة فرض الباطل مع الخصم حتى يرجع إلى الحق من ذات نفسه فإنه أقرب في الحجة وأقطع للشبهة. [١١/ ٢٦٣]
(٨٧٨) من قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ﴾ [الأنبياء: ٧٨].
أي: واذكرهما إذ يحكمان ولم يرد بقوله: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ﴾ الاجتماع في الحكم وإن جمعهما في القول فإن حَكَمين على حكم واحد لا يجوز وإنما
следующие страницы →