← Тафсир

Тафсир · id 1234

درر من تفسير القرطبي

أحمد مرشد

Полный текст (667 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

(٨٦٥) من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨)﴾ [طه: ١٠٨]. الهمس: الصوت الخفي؛ قاله مجاهد. وهمس الطعام: أي مضغه وفُوه منضمٌّ. قال الراجز: لقد رأيت عجبًا مُذ أمسا … عجائزًا مثل السعالي خمسًا يأكلن ما أصنع همسًا همسًا. [١١/ ٢٢٠] (٨٦٦) من قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٧ - ١١٩]. وإنما خصه بذكر الشقاء ولم يقل فتشقيان: يعلمنا أن نفقة الزوجة على الزوج فمن يومئذٍ جرت نفقة النساء على الأزواج فلما كانت نفقة حواء على آدم كذلك نفقات بناتها على بني آدم بحق الزوجية وأعلمنا في هذه الآية أن النفقة التي تجب للمرأة على زوجها هذه الأربعة الطعام والشراب والكسوة والمسكن فإذا أعطاها هذه الأربعة فقد خرج إليها من نفقتها فإن تفضل بعد ذلك فهو مأجور فأما هذه الأربعة فلا بد منها لأن بها إقامة المهجة. [١١/ ٢٢٥] (٨٦٧) روى الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فقال آدم يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده يا موسى

стр. 422

أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة فحج آدم موسى ثلاثًا» قال المهلب قوله: فحج آدم موسى أي غلبه بالحجة. قال الليث بن سعد: إنما صحت هذه الحجة في هذه القصة لآدم على موسى ﵉ من أجل أن الله تعالى قد غفر لآدم خطيئته وتاب عليه فلم يكن لموسى أن يعيره بخطيئة قد غفرها الله تعالى له .... وبمثل هذا احتج ابن عمر على الذي قال له: إن عثمان فَرَّ يوم أُحد فقال ابن عمر ما على عثمان ذنب لأن الله تعالى قد عفا عنه بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]. [١١/ ٢٢٧] (٨٦٨) من قوله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣]. خاطب آدم وإبليس ﴿مِنْهَا﴾ أي: من الجنة وقد قال لإبليس ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨] فلعله أخرج من الجنة إلى موضع من السماء ثم أهبط إلى الأرض ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الأعراف: ٢٤]، أي: أنت عدو للحية وإبليس وهما عدوان لك وهذا يدل على أن قوله: ﴿اهْبِطَا﴾ ليس خطابًا لآدم وحواء لأنهما ما كانا متعاديين وتضمن هبوط آدم هبوط حواء. [١١/ ٢٢٩] (٨٦٩) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: ١٣١]. ومعنى الآية: لا تجعل يا محمد لزهرة الدنيا وزنًا فإنه لا بقاء لها ﴿وَلَا

стр. 423

تَمُدَّنَّ﴾ أبلغ من ولا تنظرن لأن الذي يمد بصره إنما يحمله على ذلك حرص مقترن والذي ينظر قد لا يكون ذلك معه. [١١/ ٢٣٢]. (٨٧٠) من قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ [طه: ١٣٢]. يروى أن عروة بن الزبير ﵄ كان إذا رأى شيئًا من أخبار السلاطين وأحوالهم بادر إلى منزله فدخله وهو يقرأ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَأَبْقَى (١٣١)﴾ [طه: ١٣١]، ثم ينادي بالصلاة! الصلاة يرحمكم الله ويصلي وكان عمر بن الخطاب ﵁ يوقظ أهل داره لصلاة الليل ويصلي وهو يتمثل بالآية، وقوله تعالى: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ أي لا نسألك أن ترزق نفسك وإياهم وتشتغل عن الصلاة بسبب الرزق بل نحن نتكفل برزقك وإياهم. [١١/ ٢٣٣] (٨٧١) من قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١]. قال عبد الله بن مسعود ﵁: [الكهف ومريم وطه والأنبياء من العتاق الأول وهنّ من تلادي]، يريد من قديم ما كسب وحفظ من القرآن كالمال التلاد، وروي أن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ كان يبني جدارًا فمرّ به آخر في يوم نزول هذه السورة فقال الذي كان يبني الجدار ماذا نزل اليوم من القرآن؟ فقال الآخر: نزل ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ الآية فنفض يده من البنيان وقال: والله لا بنيت أبدًا وقد اقترب الحساب. [١١/ ٢٣٦]

стр. 424

(٨٧٢) ومن علم اقتراب الساعة قصر أمله وطابت نفسه بالتوبة ولم يركن إلى الدنيا فكأن ما كان لم يكن إذا ذهب وكل آتٍ قريب والموت لا محالة آت وموت كل إنسان قيام ساعته والقيامة أيضًا قريبة بالإضافة إلى ما مضى من الزمان فما بقي من الدنيا أقل مما مضى. [١٢/ ٢٣٦] (٨٧٣) من قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧)﴾ [الأنبياء: ٧]. لم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها وأنهم المراد بقول الله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ وأجمعوا على أن الأعمى لابد له من تقليد غيره ممن يثق بميزه القبلة إذا أشكلت عليه فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به لابد له من تقليد عالمه وكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحليل والتحريم. [١١/ ٢٤١] (٨٧٤) من قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ٢٠]. قال عبدالله بن الحارث سألت كعبًا فقلت: أما لهم شغل عن التسبيح؟ أما يشغلهم عنه شيء، فقال: من هذا؟ فقلت: من بني عبد المطلب؛ فضمني إليه وقال: يا ابن أخي: هل يشغلك شيء عن النفس؟! إن التسبيح لهم بمنزلة النفس. [١١/ ٢٤٥]

стр. 425

(٨٧٥) من قوله تعالى: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠]. قال عكرمة وعطية وابن زيد وابن عباس فيما ذكر المهدوي: إن السموات كانت رتقًا لا تمطر والأرض كانت رتقًا لا تنبت ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات نظيره قوله : ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢)﴾ [الطارق: ١١، ١٢] واختار هذا القول الطبري لأن بعده ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠] قلت وبه يقع الاعتبار مشاهدة ومعاينة ولذلك أخبر بذلك في غير ما آية ليدل على كمال قدرته وعلى البعث والجزاء. [١١/ ٢٥٠] (٨٧٦) قال ابن عباس: ما أرسل الله نبيًا إلا شابًا ثم قرأ: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠]. [١١/ ٢٦٢] (٨٧٧) قال إبراهيم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] ليقولوا إنهم لا ينطقون ولا ينفعون ولا يضرون فيقول لهم فلم تعبدونهم! فتقوم عليهم الحجة منهم ولهذا يجوز عند الأمة فرض الباطل مع الخصم حتى يرجع إلى الحق من ذات نفسه فإنه أقرب في الحجة وأقطع للشبهة. [١١/ ٢٦٣] (٨٧٨) من قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ﴾ [الأنبياء: ٧٨]. أي: واذكرهما إذ يحكمان ولم يرد بقوله: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ﴾ الاجتماع في الحكم وإن جمعهما في القول فإن حَكَمين على حكم واحد لا يجوز وإنما

стр. 426

حَكَمَ كل واحد منهما على انفراده وكان سليمان الفاهم لها بتفهيم الله تعالى إياه. [١١/ ٢٦٨] (٨٧٩) من قوله تعالى: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨]. أي: رعت فيه ليلًا والنفش الرعي بالليل، يقال: نفشت بالليل وهَمَلت بالنهار إذا رعت بلا راع. [١١/ ٢٦٨] (٨٨٠) لما خرج الخصمان على سليمان وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم وكانوا يدخلون إلى داود من باب آخر، فقال: بم قضى بينكما نبي الله داود؟ فقالا: قضى بالغنم لصاحب الحرث. فقال: لعل الحكم غير هذا انصرفا معي. فأتى أباه فقال: يا نبي الله إنك حكمت بكذا وكذا وإني رأيت ما هو أرفق بالجميع قال: وما هو: قال: ينبغي أن تدفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بألبانها وسمونها وأصوافها وتدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه فإذا عاد الزرع إلى حاله التي أصابته الغنم في السنة المقبلة رد كل واحد منهما ماله إلى صاحبه، فقال داود: وفقت يا بني لا يقطع الله فهمك. وقضى بما قضى به سليمان قال معناه ابن مسعود ومجاهد وغيرهما. [١١/ ٢٦٩] (٨٨١) لما هدم الوليد كنيسة دمشق كتب إليه ملك الروم: إنك هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها فإن كنت مصيبًا فقد أخطأ أبوك وإن كان أبوك مصيبًا فقد أخطأت أنت فأجابه الوليد: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ

стр. 427

إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩]. [١١/ ٢٧٠] (٨٨٢) قال الحسن: لولا هذه الآية: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] لرأيت القضاة هلكوا ولكنه تعالى أثنى على سليمان بصوابه وعذر داود باجتهاده. [١١/ ٢٧١] (٨٨٣) قال جمهور أهل السنة وهو المحفوظ عن مالك وأصحابه ﵃: إن الحق في مسائل الفروع في الطرفين وكل مجتهد مصيب والمطلوب إنما هو الأفضل في ظنه وكل مجتهد قد أداه نظره إلى الأفضل في ظنه والدليل على هذه المقالة أن الصحابة فمن بعدهم قرر بعضهم خلاف بعض ولم ير أحد منهم أن يقع الانحمال على قوله دون قول مخالفه ومنه رد مالك ﵀ للمنصور أبي جعفر عن حمل الناس على الموطأ فإذا قال عالم في أمرٍ (حلال) فذلك هو الحق فيما يختص بذلك العالم عند الله تعالى وبكل من أخذ بقوله وكذا في العكس. [١١/ ٢٧١] (٨٨٤) روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى فخرجتا

стр. 428

على سليمان بن داود ﵉ فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما فقالت الصغرى لا- يرحمك الله- هو ابنها فقضى به للصغرى … » الحديث … والذي ينبغي أن يقال: إن داود ﵇ إنما قضى به للكبرى لسبب اقتضى عنده ترجيح قولها ولم يذكر في الحديث تعيينه إذ لم تدع حاجة إليه فيمكن أن الولد كان بيدها وعلم عجز الأخرى عن إقامة البينة فقضى به لها إبقاء لما كان على ما كان وهذا التأويل أحسن ما قيل في هذا الحديث وهو الذي تشهد له قاعدة الدعاوى الشرعية التي يبعد اختلاف الشرائع فيها. [١١/ ٢٧٤] (٨٨٥) من قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠)﴾ [الأنبياء: ٨٠]. هذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب، وهو قول أهل العقول والألباب، لا قول الجهلة الأغبياء القائلين بأن ذلك إنما شرع للضعفاء فالسبب سنة الله في خلقه فمن طعن في ذلك فقد طعن في الكتاب والسنة ونسب من ذكرنا إلى الضعف وعدم المُنة (القوة) وقد أخبر الله تعالى عن نبيه داود ﵇ أنه كان يصنع الدروع وكان أيضًا يصنع الخوص وكان يأكل من عمل يده وكان آدم حراثًا ونوح نجارًا ولقمان خياطًا وطالوت دباغًا وقيل سقاء فالصنعة يكف بها الإنسان نفسه عن الناس ويدفع بها عن نفسه الضرر والبأس. [١١/ ٢٨٠]

стр. 429

(٨٨٦) من قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣]. قال العلماء: ولم يكن قوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ جزعًا لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤] بل كان دعاء منه، والجزع في الشكوى إلى الخلق لا إلى الله تعالى، والدعاء لا ينافي الرضا. قال الثعلبي سمعت أستاذنا أبا القاسم بن حبيب يقول: حضرت مجلسًا غاصًا بالفقهاء والأدباء في دار السلطان فسئلت عن هذه الآية بعد إجماعهم على أن قول أيوب كان شكاية وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤] فقلت: ليس هذا شكاية وإنما كان دعاء؛ بيانه: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء: ٧٦] والإجابة تتعقب الدعاء لا الاشتكاء فاستحسنوه وارتضوه، وسئل الجنيد عن هذه الآية فقال: عَرَّفَه فَاقَة السؤال ليمنّ عليه بكرم النّوال. [١١/ ٢٨٤] (٨٨٧) من قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. ١ - قيل: معناه استزله إبليس ووقع في ظنه إمكان ألا يقدر الله عليه بمعاقبته وهذا قول مردود مرغوب عنه لأنه كفر. ٢ - وقال كثير من العلماء معناه: فظن أن لن نضيق عليه. ٣ - وقيل: هو من القَدَرَ الذي هو القضاء والحكم أي فظن أن لن نقضي عليه بالعقوبة.

стр. 430

٤ - وقيل: من التقدير وليس من القدرة يقال منه: قدر الله لك الخير يقدره قدرًا بمعنى قدر الله لك الخير. وعلى هذين التأويلين (٢، ٣) العلماء قلت وهذان التأويلان تأولهما العلماء في قول الرجل الذي لم يعمل خيرًا قط لأهله إذا مات فحرقوه: «فوالله لئن قدر الله علي .... » الحديث رواه البخاري وغيره فعلى التقدير الأول يكون تقديره: والله لئن ضيق الله علي وبالغ في محاسبتي وجزائي على ذنوبي ليكونن ذلك ثم أمر أن يحرق بإفراط خوفه. وعلى التأويل الثاني: أي لئن كان سبق في قدر الله وقضائه أن يعذب كل ذي جرم على جرمه ليعذبني الله على إجرامي وذنوبي عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين غيري. [١١/ ٢٩٠] بتصرف (٨٨٨) من قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٨]. أي نخلصهم من همهم بما سبق من عملهم وذلك قوله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ [الصافات: ١٤٣، ١٤٤] وهذا حفظ من الله لعبده يونس رعى له حق تعبده وحفظ زمام ما سلف له من الطاعة وقال الأستاذ أبو إسحاق: صحب ذو النون الحوت أيامًا قلائل فإلى يوم القيامة يقال له ذو النون، فما ظنك بعبد عبده سبعين سنة يبطل هذا عنده! لا يظن به ذلك. [١١/ ٢٩٢]

стр. 431

(٨٨٩) خَمَّرَ الشيب لُمَّتي تخميرا … وحدا بي إلى القبور البعيرا ليت شعري إذا القيامة قامت … ودعي بالحساب أين المصيرا [١١/ ٢٩٣] (٨٩٠) من قوله تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [الأنبياء: ٩١]. أي: واذكر مريم التي أحصنت فرجها وإنما ذكرها وليست من الأنبياء ليتم ذكر عيسى ﵇، ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] ولم يقل آيتين لأن معنى الكلام: وجعلنا شأنهما وأمرهما وقصتهما آية للعالمين. [١١/ ٢٩٥] (٨٩١) من قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. قال ابن عباس آية لا يسألني الناس عنها لا أدري أعرفوها فلم يسألوا عنها أو جهلوا فلا يسألون عنها فقيل: وما هي، قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ لما أنزلت شق على كفار قريش وقالوا: شتم آلهتنا وأتوا ابن الزبعرى وأخبروه، فقال: لو حضرته لرددت عليه، قالوا: وما كنت تقول؟ قال: كنت أقول له: هذا المسيح تعبده النصارى واليهود تعبد عزيرًا أفهما من حصب جهنم؟ فعجبت قريش من مقالته ورأوا أن محمدًا قد خُصم فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١]،

стр. 432

وفيه نزل: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ [الزخرف: ٥٧] يعني ابن الزبعرى ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾ [الزخرف: ٥٧]. [١١/ ٣٠٠] (٨٩٢) سورة الحج قال الغزنوي: وهي من أعاجيب السور نزلت ليلًا ونهارًا سفرًا وحضرًا مكيًا ومدنيًا سلميًا وحربيًا ناسخًا ومنسوخًا محكمًا ومتشابهًا مختلف العدد. [١٢/ ٥] (٨٩٣) من قوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠]. ﴿أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أي: أخسه وأدونه وهو الهرم والخرف حتى لا يعقل ولهذا قال: ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥]، كما قال في سورة يس: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨]، وكان النبي ﷺ يدعو فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر» أخرجه النسائي عن سعد وقال: «وكان يعلمهن بنيه كما يعلم المُكْتِبُ -المعلم- الغلمان». والحديث صحيح أخرجه البخاري وغيره. [١٢/ ١٥] (٨٩٤) من قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ [الحج: ٥]. ذكر دلالة أقوى على البعث فقال في الأول ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥] فخاطب جميعًا وقال في الثاني: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ﴾؛ فخاطب واحدًا فانفصل اللفظ عن اللفظ ولكن المعنى متصل من حيث الاحتجاج على منكري البعث. [١٢/ ١٦]

стр. 433

(٨٩٥) ومن قوله تعالى: ﴿ … وَالْمَجُوسَ﴾ المجوس: هم عبدة النيران القائلين أن للعالم أصلين نور وظلمة … وقيل: المجوس في الأصل: النجوس لتدينهم باستعمال النجاسات والميم والنون يتعاقبان كالغيم والغين والأيم والأين. [١٢/ ٢٤] (٨٩٦) من قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ﴾ [الحج: ٢٧]. وإنما قال يأتوك وإن كانوا يأتون الكعبة لأن المنادي إبراهيم فمن أتى الكعبة حاجًا فكأنما أتى إبراهيم لأنه أجاب نداءه وفيه تشريف إبراهيم. [١٢/ ٣٨] (٨٩٧) قدم الرجال على الركبان في الذكر ﴿رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] لزيادة تعبهم في المشي والضامر: البعير المهزول الذي أتعبه السفر فوصفها الله تعالى بالمآل الذي انتهت عليه إلى مكة ولما قال تعالى: ﴿رِجَالًا﴾، وبدأ بهم دل على ذلك على أن حج الراجل أفضل من حج الراكب. قال ابن عباس: ما آسى على شيء فاتني إلا أن لا أكون حججت ماشيًا فإني سمعت الله يقول: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾. [١٢/ ٣٨ (٨٩٨) من قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨]. وإنما أذن الله سبحانه من الأكل من الهدايا لأجل أن العرب كانت لا ترى أن تأكل من نسكها فأمر الله نبيه ﷺ بمخالفتهم

стр. 434

فلا جرم كذلك شَرَعَ وبَلَّغ وكذلك فعل حين أهدى وأحرم ﷺ . [١٢/ ٤٥] وقال الزهري: من السنة أن تأكل أولًا من الكبد. (٨٩٩) ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾ [الحج: ٣١] معناه: مستقيمين أو مسلمين مائلين إلى الحق ولفظة حنفاء من الأضداد تقع على الاستقامة وتقع على الميل. [١٢/ ٥٤] (٩٠٠) من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]. الشعائر: جمع شعيرة وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم ومنه شعار القوم في الحرب أي علامتهم التي يتعارفون بها ومنه إشعار البدنة وهو الطعن في جانبها الأيمن حتى يسيل الدم فيكون علامة فهي تسمى شعيرة بمعنى المشعورة. فشعائر الله: أعلام دينه لاسيما ما يتعلق بالمناسك … وأضاف التقوى إلى القلوب لأن حقيقة التقوى في القلب. [١٢/ ٥٥] (٩٠١) من قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦]. أضاف العقل إلى القلب لأنه محله كما أن السمع محله الأذن وقد قيل: إن العقل محله الدماغ وروي عن أبي حنيفة وما أراها عنه صحيحة. [١٢/ ٧٣]

стр. 435

(٩٠٢) قال مجاهد: لكل عين أربع أعين يعني لكل إنسان أربع أعين: عينان في رأسه لدنياه وعينان في قلبه لآخرته فإن عميت عينا رأسه وأبصرت عينا قلبه فلم يضره عماه شيئا. وإن أبصرت عينا رأسه وعميت عينا قلبه فلم ينفعه نظره شيئا. [١٢/ ٧٣] (٩٠٣) روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ [الحج: ٥٢]، قال: إلا إذا حدث: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]، قال: في حديثه: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج: ٥٢]، قال: فيبطل الله ما يلقي الشيطان. قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في الآية وأعلاه وأجله، وقد قال أحمد بن محمد بن حنبل: بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدًا ما كان كثيرًا، والمعنى عليه: أن النبي ﷺ كان إذا حدث نفسه ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيطة فيقول: لو سألت الله أن يغنمك ليتسع المسلمون ويعلم الله أن الصلاح في غير ذلك فيبطل ما يلقي الشيطان كما قال ابن عباس ﵄. [١٢/ ٨٨] (٩٠٤) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩)﴾ [الحج: ٦٨، ٦٩]. في هذه الآية أدب حسن علمه الله عباده في الرد على من جادل تعنتًا ومراء ألا يجاب ولا يناظر ويُدفع بهذا القول الذي علمه الله لنبيه ﷺ . [١٢/ ٨٨]

стр. 436

(٩٠٥) من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج: ٧٢]. أي: أكره من هذا القرآن الذي تسمعونه هو النار فكأنهم قالوا: ما الذي هو شر؟ فقيل هو النار. وقيل: أي هل أنبئكم بشر مما يلحق تالي القرآن منكم هو النار فيكون هذا وعيدًا لهم على سطواتهم بالذين يتلون القرآن ويجوز في ﴿النَّارُ﴾ الرفع والنصب والخفض فالرفع على هو النار أو هي النار والنصب بمعنى: أعني أو على إضمار فعل مثل الثاني أو يكون محمولًا على المعنى: أي أعرفكم بشر من ذلكم النار، والخفض على البدل. [١٢/ ٨٩] (٩٠٦) ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ [الحج: ٧٣]. وإنما قال: ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ لأن حجج الله تعالى عليهم بضرب الأمثال أقرب إلى أفهامهم. [١٢/ ٨٩] (٩٠٧) ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)﴾ [الحج: ٧٣]. قيل: الطالب: الآلهة، والمطلوب: الذباب وقيل: بالعكس وقيل: الطالب: عابد الصنم، والمطلوب: الصنم وخص الذباب لأربعة أمور تخصه: لمهانته وضعفه ولاستقذاره وكثرته فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره لا يقدر من عبدوه من دون الله على خلق مثله ودفع أذيته فكيف يجوز أن يكونوا آلهة معبودين

стр. 437

وأربابًا مطاعين وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان. [١٢/ ٩٠] (٩٠٨) ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: من ضيق، وهذه الآية تدخل في كثير من الأحكام وهي مما خص الله بها هذه الأمة. قال العلماء: رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع وأما السلابة والسراق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين وليس في الشرع أعظم حرجًا من إلزام ثبوت رجل لاثنين في سبيل الله تعالى ومع صحة اليقين وجودة العزم ليس بحرج. [١٢/ ٩٢، ٩٣] بتصرف (٩٠٩) اختلف الناس في الخشوع هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها ومكملاتها على قولين والصحيح الأول، ومحله القلب، وهو أول علم يرفع من الناس قاله عبادة بن الصامت. [١٢/ ٩٧] (٩١٠) من الآيات العشر الأولى من سورة المؤمنون: من قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ [المؤمنون: ١] إلى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)﴾ [المؤمنون: ١٠]. قال ابن العربي: من غريب القرآن أن هذه الآيات العشر عامة في الرجال والنساء كسائر ألفاظ القرآن التي هي محتملة لهم فإنها عامة فيهم إلا قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ [المؤمنون: ٥]، فإنما خاطب بها الرجال خاصةً دون الزوجات بدليل قوله: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾

стр. 438

[المؤمنون: ٦] وإنما عرف حفظ المرأة فرجها من أدلة أخر كآيات الإحصان عمومًا وخصوصًا وغير ذلك من الأدلة. قلت: وعلى هذا التأويل في الآية فلا يحل لامرأة أن يطأها من تملكه إجماعًا من العلماء لأنها غير داخلة في الآية ولكنها لو أعتقته بعد ملكها له جاز له أن يتزوجها كما يجوز لغيره عند الجمهور. [١٢/ ٩٧] (٩١١) قال محمد بن عبد الحكم: سمعت حرملة بن عبدالعزيز قال: سألت مالكًا عن الرجل يجلد عُميرة فتلا هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ إلى قوله: ﴿الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]، وهذا لأنهم يكنون عن الذَّكَر بُعميرة وفيه يقول الشاعر: إذا حللت بواد لا أنيس به … فاجلد عميرة لا داءٌ ولا حرج ويسميه أهل العراق: الاستمناء … وأحمد بن حنبل على ورعه يجوزه ويحتج بأنه إخراج فضلة من البدن فجاز عند الحاجة أصله الفصد والحجامة وعامة العلماء على تحريمه. [١٢/ ٩٨] (٩١٢) من قوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. يريد بها شجرة الزيتون وأفردها بالذكر لعظيم منافعها في أرض الشام والحجاز وغيرهما من البلاد وقلة تعاهدها بالسقي والحفر وغير ذلك من المراعاة في سائر الأشجار.

стр. 439

﴿مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾: أي أنبتها الله في الأصل من هذا الجبل الذي بارك الله فيه وطور سيناء من أرض الشام وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى ﵇ قاله ابن عباس وغيره. والمراد من الآية: تعديد نعمة الزيت على الإنسان وهي من أركان النعم التي لا غنى بالصحة عنها ويدخل في معنى الزيتون شجر الزيت كله على اختلافه بحسب الأقطار ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾: يراد به الزيت الذي يصطبغ به الأكل، وكل إدام يؤتدم به فهو صبغ وأصل الصبغ ما يلون به الثوب وشبه الإدام به لأن الخبز يلون بالصبغ إذا غمس فيه، وقال مقاتل: الأُدم: الزيتون، والدهن: الزيت. وقد جعل الله تعالى في هذه الشجرة أُدمًا ودهنًا؛ فالصبغ على هذا الزيتون. [١٢/ ١٠٦] (٩١٣) لا خلاف أن كل ما يصطبغ فيه من المائعات كالزيت والسمن والعسل والرُّب والخل وغير ذلك من الأمراق أنه إدام، وقد نص رسول الله ﷺ على الخل فقال: «نعم الإدام الخل» متفق عليه … والحاصل: أن كل ما يحتاج في الأكل إلى موافقة الخبز كان إدامًا وكل ما لا يحتاج ويؤكل على حدة لا يكون إدامًا والله أعلم. [١٢/ ١٠٨] (٩١٤) روى الترمذي من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة». قال المحقق عبد الرزاق المهدي عنه: «حديث جيد». انظر: «الصحيحة» (٣٧٩)،

стр. 440

و «صحيح ابن ماجه» (٢٦٨٢). [١٢/ ١٠٨] (٩١٥) من قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧)﴾ [المؤمنون: ٣٧]. يقال: كيف قالوا نموت ونحيا وهم لا يقرون بالبعث؟ ففي هذا أجوبة: منها: أن يكون المعنى: نكون مواتًا أي نطفا ثم نحيا في الدنيا، وقيل: فيه تقديم وتأخير. أي: إن هي إلا حياتنا الدنيا نحيا فيها ونموت كما قال تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران: ٤٣]. وقيل: نموت: يعني الآباء، ونحيا: يعني الأولاد. [١٢/ ١١٤] (٩١٦) من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ [المؤمنون: ٤٤]. جمع أحدوثة وهي ما يتحدث به، كأعاجيب جمع أعجوبة وهي ما يتعجب منه. قال الأخفش: إنما يقال هذا في الشر ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ ولا يقال في الخير، كما يقال: صار فلان حديثًا أي عبرة ومثلًا كما قال في آية أخرى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ١٩]. قلت: وقد يقال فلان حديث حسن، إذا كان مقيدًا بذكر ذلك، ومنه قول ابن دريد: وإنما المرء حديث بعده … فكن حديثًا حسنًا لمن وعى [١٢/ ١١٥]

стр. 441

(٩١٧) سَوَّى الله تعالى بين النبيين والمؤمنين في الخطاب بوجوب أكل الحلال وتجنب الحرام ثم شمل الكل في الوعيد الذي تضمنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، صلى الله على رسله وأنبيائه. وإذا كان هذا معهم فما ظن كل الناس بأنفسهم. [١٢/ ١١٧] (٩١٨) قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦]. ما: بمعنى الذي أي أيحسبون يا محمد أن الذي نعطيهم في الدنيا من المال والأولاد هو ثواب لهم، إنما هو استدراج وإملاء ليس إسراعًا في الخيرات. [١٢/ ١١٩] (٩١٩) قال الحسن: «لقد أدركنا أقوامًا كانوا من حسناتهم أن ترد عليهم أشفق منكم على سيئاتكم أن تعذبوا عليها». [١٢/ ١٢٠] (٩٢٠) من قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٦٢]. أظهر ما قيل فيه: أنه أراد كتاب إحصاء الأعمال الذي ترفعه الملائكة وأضافه إلى نفسه لأن الملائكة كتبت فيه أعمال العباد بأمره فهو ينطق بالحق وفي هذا تهديد وتأييس من الحيف والظلم ولفظ النطق يجوز في الكتاب والمراد أن النبيين تنطق بما فيه والله أعلم. [١٢/ ١٢٢] (٩٢١) من قوله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧]. ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾: حال والضمير في به، قال الجمهور هو عائد على الحرم

стр. 442

أو المسجد أو البلد الذي هو مكة وإن لم يتقدم له ذكر لشهرته في الأمر أي يقولون نحن أهل الحرم فلا نخاف. ﴿سَامِرًا﴾: معناه سُمّارًا وهو الجماعة يتحدثون بالليل مأخوذ من السَّمر وهو ظل القمر ومنه سُمرة اللون وكانوا يتحدثون حول الكعبة في سَمَر القمر فسمي التحدث به. وكانت العرب تجلس للسمر تتحدث وهذا أوجب معرفتها بالنجوم لأنها تجلس في الصحراء فترى الطوالع من الغوارب وكانت تسمر حول الكعبة مجالس في أباطيلها وكفرها فعابهم الله بذلك، ومعنى: ﴿تَهْجُرُونَ﴾: يتكلمون بهوس وسيء من القول في النبي ﷺ وفي القرآن عن ابن عباس وغيره. [١٢/ ١٢٤] (٩٢٢) كان الأعمش يقول: إذا رأيت الشيخ ولم يكتب الحديث فاصفعه فإنه من شيوخ القمر يعني يجتمعون في ليالي القمر فيتحدثون بأيام الخلفاء والأمراء ولا يحسن أحدهم يتوضأ للصلاة. [١٢/ ١٢٥] (٩٢٣) من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨]. أي يَمنع ولا يُمنع منه، وقيل: ﴿يُجِيرُ﴾: يؤمِّن من شاء، و ﴿وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾: أي لا يؤمّن من أخافه ثم قيل هذا في الدنيا: أي من أراد الله إهلاكه وخوفه لم يمنعه منه مانع ومن أراد نصره وأمنه لم يدفعه من نصره وأمنه

стр. 443

دافع، وقيل: هذا في الآخرة أي لا يمنعه من مستحق الثواب مانع ولا يدفعه عن مستوجب العذاب دافع. [١٢/ ١٣١] (٩٢٤) من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٤]. أي إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني منهم وكان ﵇ يعلم أن الله تعالى لا يجعله في القوم الظالمين إذا نزل بهم العذاب ومع هذا أمره الرب بهذا الدعاء والسؤال ليعظم أجره وليكون في كل الأوقات ذاكرًا لربه تعالى. [١٢/ ١٣٢] (٩٢٥) من قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]. دلت الآية على أن أحدًا لا يموت حتى يعرف اضطرارًا أهو من أولياء الله أم من أعداء الله ولولا ذلك لما سأل الرجعة فيعلموا ذلك قبل نزول الموت وذواقه. [١٢/ ١٣٥] (٩٢٦) من قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]. وأحسن ما قيل في معناه: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا فسمى اللذات والأهواء شقوة لأنهما يؤديان إليها كما قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]، لأن ذلك يؤديهم إلى النار، وقيل: ما سبق في علمك وكتب علينا في أم الكتاب من الشقاوة، وقيل: حسن الظن بالنفس وسوء الظن بالخلق. [١٢/ ١٣٧]

стр. 444

(٩٢٧) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] الذي يفتقر إلى أربعة شهداء دون سائر الحقوق هو الزنى رحمة بعباده وسترًا لهم. [١٢/ ١٥٨] (٩٢٨) اختلف العلماء في حد القذف هل هو من حقوق الله أو من حقوق الآدميين أو فيه شائبة منهما وفائدة الخلاف أنه إن كان حقًا لله تعالى وبلغ الإمام أقامه وإن لم يطلب ذلك المقذوف ونفعت القاذف التوبة فيما بينه وبين الله تعالى ويتشطر فيه الحد بالرق كالزنى وإن كان حقًا للآدمي فلا يقيمه الإمام إلا بمطالبة المقذوف ويسقط بعفوه ولم تنفع القاذف التوبة حتى يحلله المقذوف. [١٢/ ١٥٩] (٩٢٩) من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤، ٥]. تضمنت الآية ثلاثة أحكام في القاذف جلده، ورد شهادته، وفسقه فالاستثناء غير عامل في جلده بإجماع، وعامل في فسقه بإجماع، واختلف الناس في عمله في رد الشهادة فقيل: لا يعمل الاستثناء في رد شهادته وإنما يزول فسقه عند الله تعالى وأما شهادة القاذف فلا تقبل ألبته ولو تاب وأكذب نفسه ولا بحال من الأحوال، وقال الجمهور: الاستثناء عامل في رد الشهادة فإذا تاب القاذف قبلت شهادته وإنما كان ردها لعلة الفسق فإذا زال بالتوبة قبلت شهادته مطلقًا قبل الحد وبعده. [١٢/ ١٦٠] بتصرف

стр. 445

(٩٣٠) من قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور: ١١]. والخير حقيقته ما زاد نفعه على ضره. والشر ما زاد ضره على نفعه، وإنَّ خيرًا لا شر فيه هو الجنة، وشرًا لا خير فيه هو جهنم. فأما البلاء النازل على الأولياء فهو خير لأن ضرره من الألم قليل في الدنيا، وخيره هو الثواب الكثير في الأخرى فنبه الله تعالى عائشة وأهلها وصفوان إذ الخطاب لهم في قوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لرجحان النفع والخير على جانب الشر. [١٢/ ١٧٧] (٩٣١) قال علماؤنا: وإنما لم يُحد عبد الله بن أبي لأن الله تعالى قد أَعَّد له في الآخرة عذابًا عظيمًا فلو حُدَّ في الدنيا لكان ذلك نقصًا من عذابه في الآخرة وتخفيفًا عنه مع أن الله تعالى قد شهد ببراءة عائشة ﵂ وبكذب كل من رماها، فقد حصلت فائدة الحد إذ مقصوده إظهار كذب القاذف وبراءة المقذوف، كما قال تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾ [النور: ١٣] وإنما حُدَّ هؤلاء المسلمون ليكفر عنهم إثم ما صدر عنهم من القذف حتى لا يبقى عليهم تبعة من ذلك في الآخرة، وقد قال ﷺ في الحدود: «إنها كفارة لمن أقيمت عليه» رواه مسلم ويحتمل أن يقال إنما ترك حد ابن أبي استئلافًا لقومه واحترمًا لابنه وإطفاءً لثائرة الفتنة المتوقعة من ذلك وقد كان ظهر مبادئها من سعد بن عبادة ومن قومه كما في صحيح مسلم والله أعلم. [١٢/ ١٨٠]

стр. 446

(٩٣٢) من قوله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢]. قال العلماء: إن الآية أصل في أن درجة الإيمان التي حازها الإنسان ومنزلة الصلاح التي حلّها المؤمن ولُبسة العفاف التي يستتر بها المسلم لا يزيلها عنه خبر محتمل وإن شاع إذا كان أصله فاسدًا أو مجهولًا. [١٢/ ١٨١] (٩٣٣) خرج البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «أيها الناس إن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه وليس لنا من سريرته شيء الله يحاسبه في سريرته ومن أظهر لنا سوءًا لم نؤمن ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة» وأجمع العلماء أن أحكام الدنيا على الظاهر وأن السرائر إلى الله . [١٢/ ١٨٢] (٩٣٤) من قوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]. تمثيل وحجة أي كما تحبون عفو الله عن ذنوبكم فكذلك اغفروا لمن دونكم وينظر إلى هذا المعنى قوله ﵇: «من لا يرحم لا يرحم» أخرجه البخاري ومسلم. قال بعض العلماء: هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى من حيث لطف الله بالقذفة العصاة بهذا اللفظ وقيل أرجى آية قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾ [الأحزاب: ٤٧]، وقد قال في آية أخرى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ

стр. 447

هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)﴾ [الشورى: ٢٢] فشرح الفضل الكبير في هذه الآية ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في تلك. وقال بعضهم: أرجى آية في كتاب الله : ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ٥] وذلك أن رسول الله ﷺ لا يرضى ببقاء أحد من أمته في النار. [١٢/ ١٨٧] (٩٣٥) قال بعض أهل التحقيق: إن يوسف ﵇ لما رمي بالفاحشة برأه الله على لسان صبي في المهد وإن مريم لما رميت بالفاحشة برأها الله على لسان ابنها عيسى صلوات الله عليه وإن عائشة لما رميت بالفاحشة برأها الله تعالى بالقرآن فما رضي ببراءة صبي ولا نبي حتى برأها الله بكلامه من القذف والبهتان. [١٢/ ١٨٩] (٩٣٦) روى علي بن زيد بن جدعان عن جدته عن عائشة ﵂ قالت: «لقد أعطيت تسعًا ما أُعطيتهن امرأة: لقد نزل جبريل ﵇ بصورتي في راحته حين أمر رسول الله ﷺ أن يتزوجني ولقد تزوجني بكرًا وما تزوج بكرًا غيري ولقد توفي رسول الله ﷺ وإن رأسه لفي حجري ولقد قبر في بيتي ولقد حفت الملائكة بيتي وإن كان الوحي لينزل عليه وهو في أهله فينصرفون عنه وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه فما يُبينني عن جسده وإني لابنة خليفته وصديقه ولقد نزل عذري من السماء ولقد خلقت طيبة وعند طيب ولقد وعدت مغفرة ورزقًا كريمًا تعني قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠)﴾ [الحج: ٥٠] وهو الجنة». [١٢/ ١٨٩]

стр. 448

(٩٣٧) ومن قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ … ﴾ البصر هو الباب الأكبر إلى القلب وأعمر طرق الحواس إليه وبحسب ذلك كَثُرَ السقوط من جهته ووجب التحذير منه، وغضه واجب عن جميع المحرمات وكل ما يخشى الفتنة من أجله. [١٢/ ٢٠١] (٩٣٨) من قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]. أي: لا تمتنعوا عن التزويج بسبب فقر الرجل والمرأة ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، وهذا وعد بالغنى للمتزوجين طلب رضا الله واعتصامًا من معاصيه، وقال ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح وتلا هذه الآية، وقال عمر ﵁: عجبي ممن لا يطلب الغنى في النكاح وقد قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. ومن حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة كلهم حق على الله عونه: المجاهد في سبيل الله والناكح يريد العفاف والمكاتب يريد الأداء» أخرجه ابن ماجه في سننه. فإن قيل: فقد نجد الناكح لا يستغني قلنا: لا يلزم أن يكون هذا على الدوام بل لو كان في لحظة واحدة لصدق الوعد وقد قيل يغنيه أي يغني النفس وهو الصحيح وقيل المعنى يغنهم الله من فضله إن شاء وقيل المعنى: إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله بالحلال ليتعففوا عن الزنى. [١٢/ ٢٢٠] بتصرف

стр. 449

(٩٣٩) من قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣]. أمر الله تعالى بهذه الآية كل من تعذر عليه النكاح ولا يجده بأي وجه تعذر أن يستعفف ثم لما كان أغلب الموانع على النكاح عدم المال وعد بالإغناء من فضله فيرزقه ما يتزوج به أو يجد امرأة ترضى باليسير من الصداق أو تزول عنه شهوة النساء. [١٢/ ٢٢١] (٩٤٠) من قوله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [النور: ٣٥]. أي من زيت شجرة والزيتون من أعظم الثمار نماء وكذلك الرمان، وقيل: من بركتهما أن أغصانهما تورق من أسفلها إلى أعلاها، وقال ابن عباس: في الزيتون منافع، يسرج بالزيت وهو إدام ودهان ودباغ ووقود يوقد بحطبه وتُفله وليس فيه شيء إلا وفيه منفعة حتى الرماد يغسل به الإبريسيم، وهي أول شجرة نبتت في الدنيا وأول شجرة نبتت بعد الطوفان وتنبت في منازل الأنبياء والأرض المقدسة ودعا لها سبعون نبيًا بالبركة منهم إبراهيم ومنهم محمد عليهم الصلاة والسلام. [١٢/ ٢٣٥] (٩٤١) قال أبو عمر بن عبدالبر: وقد شاهدت شيخنا أبا عمر أحمد بن عبدالملك بن هشام ﵀ أفتى في رجل شكاه جيرانه واتفقوا عليه أنه يؤذيهم في المسجد بلسانه ويده فشوور فيه فأفتى بإخراجه من المسجد وإبعاده عنه وألا يشاهد معهم الصلاة إذ لا سبيل مع جنونه واستطالته إلى

стр. 450

السلامة منه فذاكرته يومًا وطالبته بالدليل فيما أفتى به من ذلك وراجعته فيه القول فاستدل بحديث الثوم وقال: «هو عندي أكثر أذى من أكل الثوم وصاحبه يمنع من شهود الجماعة في المسجد». [١٢/ ٢٤٤] (٩٤٢) سمع عمر بن الخطاب ﵁ صوت رجل في المسجد فقال ما هذا الصوت! أتدري أين أنت! وكان خَلَفُ بن أيوب جالسًا في مسجده فأتاه غلامه يسأله عن شيء فقام وخرج من المسجد وأجابه فقيل له في ذلك فقال: ما تكلمت في المسجد بكلام الدنيا منذ كذا وكذا فكرهت أن أتكلم اليوم. [٢/ ٢٤٦] (٩٤٣) قيل لسعيد بن المسيب أحضور الجنازة أحب إليك أم الجلوس في المسجد؟ فقال: من صلى على جنازة فله قيراط ومن شهد دفنها فله قيراطان والجلوس في المسجد أحب إلي لأن الملائكة تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه اللهم تب عليه. [١٢/ ٢٥٤] (٩٤٤) من قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] بهذه الآية احتج الفقهاء على أن الأمر على الوجوب ووجهها أن الله ﵎ قد حذّر من مخالفة أمره وتوعد بالعقاب عليها بقوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣] فتحرم مخالفته فيجب امتثال أمره والفتنة هنا القتل قاله ابن عباس … وقيل الطبع على القلوب بشؤم مخالفة الرسول ﷺ . [١٢/ ٢٩٥]

стр. 451

(٩٤٥) من قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠)﴾ [الفرقان: ١٠]. قال مجاهد: كانت قريش ترى البيت من حجارة قصرًا كائنًا ما كان. والقصر في اللغة الحبس وسمي القصر قصرًا لأن من فيه مقصورًا عن أن يوصل إليه وقيل: العرب تسمي بيوت الطين القصر وما يتخذ من الصوف والشعر البيت. [١٣/ ٩] (٩٤٦) من قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الفرقان: ١٧]. فإن قيل: فإن كانت الأصنام التي تعبد تحشر فكيف تنطق وهي جماد؟ قيل له: ينطقها الله تعالى يوم القيامة كما ينطق الأيدي والأرجل. [١٣/ ١٣] (٩٤٧) من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠]. أي أن الدنيا دار بلاء وامتحان فأراد سبحانه أن يجعل بعض العبيد فتنة لبعض على العموم في جميع الناس مؤمن وكافر فالصحيح فتنة للمريض والغني فتنة للفقير والفقير الصابر فتنة للغني ومعنى هذا أن كل واحد مختبر بصاحبه فالغني ممتحن بالفقير عليه أن يواسيه ولا يسخر منه والفقير ممتحن بالغني عليه ألا يحسده ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه وأن يصبر كل واحد منهما على الحق … فالفتنة أن يحسد المبتلى المعافى ويحقر المعافى المبتلى والصبر أن يحبس كلاهما نفسه هذا عن البطر وذاك عن الضجر.

стр. 452

قال المزني وقد أخرجته الفاقة فرأى خصيًا في مراكب ومناكب فخطر بباله شيء فسمع من يقرأ الآية: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ فقال: بلى ربنا! نصبر ونحتسب وقد تلا ابن القاسم صاحب مالك هذه الآية حين رأى أشهب بن عبدالعزيز في مملكته عابرًا عليه ثم أجاب نفسه بقوله: سنصبر. [١٣/ ٢٠] (٩٤٨) من قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)﴾ [الفرقان: ٢٢]. يريد تقول الملائكة حرامًا محرمًا أن يدخل الجنة إلا من قال لا إله إلا الله وأقام شرائعها. وقيل هو قول الكفار للملائكة وهي كلمة استعاذة وكانت معروفة في الجاهلية فكان إذا لقي الرجل من يخافه قال: حجرًا محجورًا أي حرامًا عليك التعرض لي … أي أن المجرمين إذا رأوا الملائكة يلقونهم في النار قالوا نعوذ بالله منكم (بتصرف). [١٣/ ٢٢] (٩٤٩) لا يجوز أن يقال النصراني خير من اليهودي لأنه لا خير فيهما فيكون أحدهما أزيد في الخير لكن يقال اليهودي شر من النصراني. [١٣/ ٢٥] (٩٥٠) روي: «قيلوا فإن الشياطين لا تقيل». قال المحقق د/ عبدالرزاق المهدي في حاشية الكتاب عن هذا الحديث: ضعيف أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ١١٢) المجمع من حديث أنس وفيه كثير به مروان قال الهيثمي عنه كذاب وورد من حديث ابن عباس أخرجه ابن ماجه (١٦٩٣) والحاكم

стр. 453

(١/ ٤٣٥) والطبراني (١١/ ١٩٥) وفيه زمعة بن صالح وسلمة بن وهرام وكلاهما واه وانظر ضعيف الجامع (٩١٦). [١٣/ ٢٥] (٩٥١) من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان: ٣٣]. يقول: لو أنزلنا عليك القرآن جملة واحدة ثم سألوك لم يكن عندك ما تجيب به ولكن نمسك عليك فإذا سألوك أجبت. [١٣/ ٣٠] (٩٥٢) من قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ [الفرقان: ٣٨]. الرس في كلام العرب: البئر التي تكون غير مطوية والجمع رساس. [١٣/ ٣٣] (٩٥٣) من قوله تعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨)﴾ [الفرقان: ٣٨]. عن الربيع بن خثيم اشتكى فقيل له: ألا تتداوى فإن رسول الله ﷺ قد أمر به؟ قال: لقد هممت بذلك ثم فكرت فيما بيني وبين نفسي فإذا عاد وثمود وأصحاب الرس وقرونًا بين ذلك كثيرًا كانوا أكثر وأشد حرصًا على جمع المال فكان فيهم أطباء فلا الناعت منهم بقي ولا المنعوت فأبى أن يتداوى فما مكث إلا خمسة أيام حتى مات ﵀. [١٣/ ٣٤] (٩٥٤) من قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣]. قيل المعنى: أرأيت من اتخذ إلهه بهواه وقيل أطاع هواه وعن الحسن لا يهوى شيئًا إلا اتبعه والمعنى واحد ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)﴾

стр. 454

[الفرقان: ٤٣] أي حفيظًا وكفيلًا حتى ترده إلى الإيمان وتخرجه من هذا الفساد أي ليست الهداية والضلالة موكولتين إلى مشيئتك وإنما عليك التبليغ. [١٣/ ٣٦] (٩٥٥) من قوله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤]. أي: في الأكل والشرب لا يفكرون في الآخرة ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ إذ لا حساب ولا عقاب على الأنعام وقال مقاتل: البهائم تعرف ربها وتهتدي إلى مراعيها وتنقاد لأربابها التي تعقلها وهؤلاء لا ينقادون ولا يعرفون ربهم الذي خلقهم ورزقهم وقيل: لأن البهائم إن لم تعقل صحة التوحيد والنبوة لم تعتقد بطلان ذلك أيضًا. [١٣/ ٣٦] (٩٥٦) من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥]. قال الحسن وقتادة وغيرهما: مد الظل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وقيل هو من غيوبة الشمس إلى طلوعها والأول أصح والدليل على ذلك أنه ليس من ساعة أطيب من تلك الساعة فإن فيها يجد المريض راحة والمسافر وكل ذي علة وفيها ترد نفوس الأموات والأرواح منهم إلى الأجساد وتطيب نفوس الأحياء فيها وهذه الصفة مفقودة بعد المغرب. [١٣/ ٣٧] (٩٥٧) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥)﴾ [الفرقان: ٤٥]. أي: جعلنا الشمس بنسخها الظل عند مجيئها دالة على أن الظل شيء

стр. 455

ومعنى لأن الأشياء تعرف بأضدادها ولولا الشمس ما عرف الظل ولولا النور ما عرفت الظلمة. [١٣/ ٣٧] (٩٥٨) من قوله تعالى: ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ [الفرقان: ٤٧]. أي: راحة لأبدانكم بانقطاعكم عن الأشغال وأصل السبات من التمدد يقال سبتت المرأة شعرها أي نقضته وأرسلته ورجل مسبوت أي ممدود الخلقة وقيل للنوم سبات لأنه بالتمدد يكون وفي التمدد معنى الراحة. [١٣/ ٣٨] (٩٥٩) من قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان: ٤٨]. المخالط للماء على ثلاثة أضرب: ضرب يوافقه في صفتيه جميعًا فإذا خالطه فغيره لم يسلبه وصفًا منهما لموافقته لهما وهو التراب، والضرب الثاني: يوافقه في إحدى صفتيه وهي الطهارة فإذا خالطه فغيره سلبه ما خالفه فيه وهو التطهير كماء الورد وسائر الطاهرات، والضرب الثالث: يخالفه في الصفتين جميعًا فإذا خالطه فغيره سلبه الصفتين جميعًا لمخالفته له فيهما وهو النجس. [١٣/ ٢٠١] (٩٦٠) قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان: ٤٨]. والماء لا يخلو تغيره بنجاسة أو بغير نجاسة فإن كان بنجاسة وتغير فقد أجمع العلماء على أنه غير طاهر ولا مطهر وكذلك أجمعوا أنه إذا تغير بغير نجاسة أنه طاهر على أصله وقال الجمهور إنه غير مطهر إلا أن يكون تغيره

стр. 456

من تربة وحمأة وما أجمعوا عليه فهو الحق الذي لا إشكال فيه ولا التباس معه. [١٣/ ٤٤] (٩٦١) روى الدارقطني عن محمد بن سيرين أن زنجيًا وقع في زمزم يعني فمات فأمر به ابن عباس ﵄ فأخرج فأمر بها أن تنزح قال فغلبتهم عين جاءتهم من الركن فأمر بها فدسمت- سدت- بالقُباطي- ثياب مصرية- والمطارف حتى نزحوها فلما نزحوها انفجرت عليهم. [١٣/ ٤٦] (٩٦٢) الماء المستعمل طاهر إذا كانت أعضاء المتوضئ به طاهرة .. وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما: لا يجوز استعماله في رفع الحدث ومن توضأ به أعاد … ومما احتجوا به: الماء إذ تُوضئ به خرجت الخطايا معه فوجب التنزه عنه لأنه ماء الذنوب، قال أبو عمر: وهذا عندي لا وجه له لأن الذنوب لا تنجس الماء لأنها لا أشخاص لها ولا أجسام تمازج الماء فتفسده وإنما معنى قوله: (خرجت الخطايا مع الماء) إعلام منه بأن الوضوء للصلاة عمل يكفر الله به السيئات عن عباده المؤمنين رحمة منه بهم وتفضلًا عليهم. [١٣/ ٤٨] بتصرف (٩٦٣) قال أبو عمر: … والذي نذهب إليه أن الماء لا ينجسه شيء إلا ما ظهر فيه من النجاسات أو غلب عليه منها فلا وجه للاشتغال بما لا يصح من الآثار والأقوال والله المستعان. [١٣/ ٥٥]

стр. 457

(٩٦٤) من قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ [الفرقان: ٥٩]. قال الزجاج: المعنى فاسأل عنه … قلت قول الزجاج يُخَرَّجُ على وجه حسن وهو أن يكون الخبير غير الله أي فاسأل عنه خبيرًا أي عالمًا به أي بصفاته وأسمائه وقيل المعنى: فاسأل له خبيرًا. [١٣/ ٦٣] (٩٦٥) من قوله تعالى: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠]. أي زادهم قول القائل لهم: اسجدوا للرحمن نفورًا عن الدين وكان سفيان الثوري يقول في هذه الآية إلهي زادني لك خضوعًا ما زاد أعداءك نفورًا. [١٣/ ٦٤] (٩٦٦) من قوله تعالى: ﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ [الفرقان: ٦١]. ينير الأرض إذا طلع وروى عصمة عن الأعمش (وقُمْرا) بضم القاف وإسكان الميم وهذه قراءة شاذة ولو لم يكن فيها إلا أن أحمد بن حنبل وهو إمام المسلمين في وقته قال: لا تكتبوا ما يحكيه عصمة الذي يروي القراءات وقد أولع أبو حاتم السجستاني بذكر ما يرويه عصمة هذا. [١٣/ ٦٥] (٩٦٧) من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ [الفرقان: ٦٢]. قال أبو عبيدة: الخلفة كل شيء بعد شيء وكل واحد من الليل والنهار يخلف صاحبه. وقال مجاهد: من الخلاف هذا أبيض وهذا أسود والأول أقوى ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ أي يتذكر فيعلم أن الله لم يجعله كذلك عبثًا فيعتبر في مصنوعات الله، ويشكر الله تعالى على نعمه عليه في العقل والفكر

стр. 458

والفهم، وقال عمر بن الخطاب وابن عباس والحسن معناه: من فاته شيء من الخير بالليل أدركه بالنهار ومن فاته بالنهار أدركه بالليل. [١٣/ ٦٥] (٩٦٨) من قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٣]. فمن أطاع الله وعبده وشغل سمعه وبصره ولسانه وقلبه بما أمره فهو الذي يستحق اسم العبودية ومن كان بعكس هذا شمله قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] يعني في عدم الاعتبار. [١٣/ ٦٧] (٩٦٩) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ [الفرقان: ٦٣]. قال النحاس: ليس سلامًا من التسليم إنما هو من التسلم تقول العرب سلامًا أي تسلمًا منك أي براءة منك، وقال مجاهد: ﴿سَلَامًا﴾: سدادًا، أي يقول للجاهل كلامًا يدفعه به برفق ولين، وقالت فرقة: ينبغي للمخاطب أن يقول للجاهل سلامًا بهذا اللفظ. [١٣/ ٦١] (٩٧٠) من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٤]. قال الزجاج: «بات الرجل يبيت إذا أدركه الليل نام أو لم ينم». وقال ابن عباس: من صلى ركعتين أو أكثر بعد العشاء فقد بات لله ساجدًا وقائمًا وأنشدوا في صفة الأولياء: امنع جفونك أن تذوق منامًا … واذر الدموع على الخدود سجاما

стр. 459

واعلم بأنك ميت ومحاسب … يا من على سخط الجليل أقاما لله قوم أخلصوا في حبه … فرضي بهم واختصهم خداما قوم إذا جن الظلام عليهم … باتوا هنالك سجدًا وقيامًا خمص البطون من التعفف ضمرًا … لا يعرفون سوى الحلال طعاما [١٣/ ٧٠] (٩٧١) من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ [الفرقان: ٦٧]. ومن أحسن ما قيل في معناه أن من أنفق في غير طاعة الله فهو الإسراف ومن أمسك عن طاعة الله فهو الإقتار ومن أنفق في طاعة الله تعالى فهو القوام. [١٣/ ٧١] (٩٧٢) قال الشاعر: ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد … كلا طرفي قصد الأمور ذميم وقال آخر: إذا المرء أعطى نفسه كل ما اشتهت … ولم ينهها تاقت إلى كل باطل وساقت إليه الإثم والعار بالذي … دعته إليه من حلاوة عاجل وقال عمر لابنه عاصم: يا بني كل في نصف بطنك ولا تطرح ثوبًا حتى تستخلقه ولا تكن من قوم يجعلون ما رزقهم الله في بطونهم وعلى ظهورهم. ولحاتم طي: إذا أنت قد أعطيت بطنك سؤله … وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا [١٣/ ٧٢]

стр. 460

(٩٧٣) من قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]. قلت: فلا يبعد في كرم الله تعالى إذا صحت توبة العبد أن يضع مكان كل سيئة حسنة وقد قال ﷺ لمعاذ: «أتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» الترمذي وهو حديث حسن. [١٣/ ٧٦] (٩٧٤) من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]. أي: لا يحضرون الكذب والباطل ولا يشاهدونه والزور كل باطل زُوّر وَزُخِرف وأعظمه الشرك وتعظيم الأنداد. [١٣/ ٧٨] (٩٧٥) من قوله تعالى: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤]. قوله ﵊ لأنس: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه». وذلك أن الإنسان إذا بورك له في ماله وولده قرت عينه بأهله وعياله حتى إذا كانت عنده زوجة اجتمعت له فيها أمانيه من جمال وعفة ونظر وحوطة أو كانت عنده ذرية محافظون على الطاعة معاونون له على وظائف الدين والدنيا لم يلتفت إلى زوج أحد ولا إلى ولده فتسكن عينه من الملاحظة ولا تمتد عينه إلى ما ترى فذلك حين قرة العين وسكون النفس. [١٣/ ٨٠] (٩٧٦) من قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]. أي قدوة يُقتدى بنا في الخير وهذا لا يكون إلا أن يكون الداعي متقيًا
следующие страницы →