← Тафсир

Тафсир · id 1234

درر من تفسير القرطبي

أحمد مرشد

Полный текст (667 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

من تربة وحمأة وما أجمعوا عليه فهو الحق الذي لا إشكال فيه ولا التباس معه. [١٣/ ٤٤] (٩٦١) روى الدارقطني عن محمد بن سيرين أن زنجيًا وقع في زمزم يعني فمات فأمر به ابن عباس ﵄ فأخرج فأمر بها أن تنزح قال فغلبتهم عين جاءتهم من الركن فأمر بها فدسمت- سدت- بالقُباطي- ثياب مصرية- والمطارف حتى نزحوها فلما نزحوها انفجرت عليهم. [١٣/ ٤٦] (٩٦٢) الماء المستعمل طاهر إذا كانت أعضاء المتوضئ به طاهرة .. وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما: لا يجوز استعماله في رفع الحدث ومن توضأ به أعاد … ومما احتجوا به: الماء إذ تُوضئ به خرجت الخطايا معه فوجب التنزه عنه لأنه ماء الذنوب، قال أبو عمر: وهذا عندي لا وجه له لأن الذنوب لا تنجس الماء لأنها لا أشخاص لها ولا أجسام تمازج الماء فتفسده وإنما معنى قوله: (خرجت الخطايا مع الماء) إعلام منه بأن الوضوء للصلاة عمل يكفر الله به السيئات عن عباده المؤمنين رحمة منه بهم وتفضلًا عليهم. [١٣/ ٤٨] بتصرف (٩٦٣) قال أبو عمر: … والذي نذهب إليه أن الماء لا ينجسه شيء إلا ما ظهر فيه من النجاسات أو غلب عليه منها فلا وجه للاشتغال بما لا يصح من الآثار والأقوال والله المستعان. [١٣/ ٥٥]

стр. 457

(٩٦٤) من قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ [الفرقان: ٥٩]. قال الزجاج: المعنى فاسأل عنه … قلت قول الزجاج يُخَرَّجُ على وجه حسن وهو أن يكون الخبير غير الله أي فاسأل عنه خبيرًا أي عالمًا به أي بصفاته وأسمائه وقيل المعنى: فاسأل له خبيرًا. [١٣/ ٦٣] (٩٦٥) من قوله تعالى: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠]. أي زادهم قول القائل لهم: اسجدوا للرحمن نفورًا عن الدين وكان سفيان الثوري يقول في هذه الآية إلهي زادني لك خضوعًا ما زاد أعداءك نفورًا. [١٣/ ٦٤] (٩٦٦) من قوله تعالى: ﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ [الفرقان: ٦١]. ينير الأرض إذا طلع وروى عصمة عن الأعمش (وقُمْرا) بضم القاف وإسكان الميم وهذه قراءة شاذة ولو لم يكن فيها إلا أن أحمد بن حنبل وهو إمام المسلمين في وقته قال: لا تكتبوا ما يحكيه عصمة الذي يروي القراءات وقد أولع أبو حاتم السجستاني بذكر ما يرويه عصمة هذا. [١٣/ ٦٥] (٩٦٧) من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ [الفرقان: ٦٢]. قال أبو عبيدة: الخلفة كل شيء بعد شيء وكل واحد من الليل والنهار يخلف صاحبه. وقال مجاهد: من الخلاف هذا أبيض وهذا أسود والأول أقوى ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ أي يتذكر فيعلم أن الله لم يجعله كذلك عبثًا فيعتبر في مصنوعات الله، ويشكر الله تعالى على نعمه عليه في العقل والفكر

стр. 458

والفهم، وقال عمر بن الخطاب وابن عباس والحسن معناه: من فاته شيء من الخير بالليل أدركه بالنهار ومن فاته بالنهار أدركه بالليل. [١٣/ ٦٥] (٩٦٨) من قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٣]. فمن أطاع الله وعبده وشغل سمعه وبصره ولسانه وقلبه بما أمره فهو الذي يستحق اسم العبودية ومن كان بعكس هذا شمله قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] يعني في عدم الاعتبار. [١٣/ ٦٧] (٩٦٩) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ [الفرقان: ٦٣]. قال النحاس: ليس سلامًا من التسليم إنما هو من التسلم تقول العرب سلامًا أي تسلمًا منك أي براءة منك، وقال مجاهد: ﴿سَلَامًا﴾: سدادًا، أي يقول للجاهل كلامًا يدفعه به برفق ولين، وقالت فرقة: ينبغي للمخاطب أن يقول للجاهل سلامًا بهذا اللفظ. [١٣/ ٦١] (٩٧٠) من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٤]. قال الزجاج: «بات الرجل يبيت إذا أدركه الليل نام أو لم ينم». وقال ابن عباس: من صلى ركعتين أو أكثر بعد العشاء فقد بات لله ساجدًا وقائمًا وأنشدوا في صفة الأولياء: امنع جفونك أن تذوق منامًا … واذر الدموع على الخدود سجاما

стр. 459

واعلم بأنك ميت ومحاسب … يا من على سخط الجليل أقاما لله قوم أخلصوا في حبه … فرضي بهم واختصهم خداما قوم إذا جن الظلام عليهم … باتوا هنالك سجدًا وقيامًا خمص البطون من التعفف ضمرًا … لا يعرفون سوى الحلال طعاما [١٣/ ٧٠] (٩٧١) من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ [الفرقان: ٦٧]. ومن أحسن ما قيل في معناه أن من أنفق في غير طاعة الله فهو الإسراف ومن أمسك عن طاعة الله فهو الإقتار ومن أنفق في طاعة الله تعالى فهو القوام. [١٣/ ٧١] (٩٧٢) قال الشاعر: ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد … كلا طرفي قصد الأمور ذميم وقال آخر: إذا المرء أعطى نفسه كل ما اشتهت … ولم ينهها تاقت إلى كل باطل وساقت إليه الإثم والعار بالذي … دعته إليه من حلاوة عاجل وقال عمر لابنه عاصم: يا بني كل في نصف بطنك ولا تطرح ثوبًا حتى تستخلقه ولا تكن من قوم يجعلون ما رزقهم الله في بطونهم وعلى ظهورهم. ولحاتم طي: إذا أنت قد أعطيت بطنك سؤله … وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا [١٣/ ٧٢]

стр. 460

(٩٧٣) من قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]. قلت: فلا يبعد في كرم الله تعالى إذا صحت توبة العبد أن يضع مكان كل سيئة حسنة وقد قال ﷺ لمعاذ: «أتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» الترمذي وهو حديث حسن. [١٣/ ٧٦] (٩٧٤) من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]. أي: لا يحضرون الكذب والباطل ولا يشاهدونه والزور كل باطل زُوّر وَزُخِرف وأعظمه الشرك وتعظيم الأنداد. [١٣/ ٧٨] (٩٧٥) من قوله تعالى: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤]. قوله ﵊ لأنس: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه». وذلك أن الإنسان إذا بورك له في ماله وولده قرت عينه بأهله وعياله حتى إذا كانت عنده زوجة اجتمعت له فيها أمانيه من جمال وعفة ونظر وحوطة أو كانت عنده ذرية محافظون على الطاعة معاونون له على وظائف الدين والدنيا لم يلتفت إلى زوج أحد ولا إلى ولده فتسكن عينه من الملاحظة ولا تمتد عينه إلى ما ترى فذلك حين قرة العين وسكون النفس. [١٣/ ٨٠] (٩٧٦) من قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]. أي قدوة يُقتدى بنا في الخير وهذا لا يكون إلا أن يكون الداعي متقيًا

стр. 461

قدوة وهذا هو قصد الداعي … ويكون فيه دليل على أن طلب الرياسة في الدين ندب. [١٣/ ٨١] (٩٧٧) من قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥]. ﴿أُولَئِكَ﴾: خبر ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٣] وما تخلل بين المبتدأ وخبره أوصافهم من التحلي والتخلي وهي إحدى عشرة التواضع والحلم والتهجد والخوف وترك الإسراف والإقتار والنزاهة عن الشرك والزنى والقتل والتوبة وتجنب الكذب والعفو عن المسيء وقبول المواعظ والابتهال إلى الله. والغرفة: الدرجة الرفيعة وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها كما أن الغرفة أعلى مساكن الدنيا. [١٣/ ٨١] (٩٧٨) من قوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿طسم (١)﴾ [الشعراء: ١]. والطواسيم والطواسين سور في القرآن جمعت على غير قياس وأنشد أبو عبيدة: وبالطواسيم التي قد ثلثت … وبالحواميم التي قد سبعت قال الجوهري والصواب أن تجمع بذوات وتضاف إلى واحد فيقال ذوات طسم وذوات حم. [١٣/ ٨٦]

стр. 462

(٩٧٩) روى الشعبي أنه قال: الناس من نبات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم ومن صار إلى النار فهم لئيم. [١٣/ ٨٨] (٩٨٠) روى أشهب عن مالك قال: قال الله : ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] لا بأس أن يحب الرجل أن يثنى عليه صالحًا ويرى في عمل الصالحين إذا قصد به وجه الله تعالى، وقد قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ [مريم: ٩٦] أي حبًا في قلوب عباده وثناء حسنًا فنبه تعالى بقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ [الشعراء: ٨٤] على استحباب اكتساب ما يورث الذكر الجميل. [١٣/ ١٠٦] (٩٨١) من قوله تعالى: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٩]. قال الضحاك: السليم الخالص، قلت: وهذا القول يجمع شتات الأقوال بعمومه وهو حسن أي الخالص من الأوصاف الذميمة والمتصف بالأوصاف الجميلة والله أعلم. وقد روي عن عروة أنه قال: يا بَنيَّ لا تكونوا لعانين فإن إبراهيم لم يلعن شيئًا قط، قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)﴾ [الصافات: ٨٤]. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير» يريد والله أعلم أنها مثلها في أنها خالية من كل ذنب سليمة من كل عيب لا خبرة لهم بأمور الدنيا. [١٣/ ١٠٧]

стр. 463

(٩٨٢) كان علي ﵁ يقول: عليكم بالإخوان فإنهم عُدة الدنيا وعُدة الآخرة ألا تسمع إلى قول أهل النار: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾ [الشعراء: ١٠٠، ١٠١]. [١٣/ ١٠٩] (٩٨٣) روي أن رجلًا سأل سفيان عن امرأة زنت وقتلت ولدها وهي مسلمة هل يقطع لها بالنار؟ فقال: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣)﴾ [الشعراء: ١١٣]. [١٣/ ١١٢] (٩٨٤) عن الزهري: أن عمر بن عبدالعزيز كان إذا أصبح أمسك بلحيته ثم قرأ: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧] ثم يبكي ويقول: نهارك يا مغرور سهو وغفلة … وليلك نوم والردى لك لازم فلا أنت في الأيقاظ يقظان حازم … ولا أنت في النوام ناج فسالم تسر بما يفنى وتفرح بالمنى … كما سر باللذات في النوم حالم وتسعى إلى ما سوف تكره غبه … كذلك في الدنيا تعيش البهائم [١٣/ ١٢٧] (٩٨٥) لقد أحسن محمد بن سابق حيث قال: إني رضيت عليًا للهدى علمًا … كما رضيت عتيقًا صاحب الغار وقد رضيت أبا حفص وشيعته … وما رضيت بقتل الشيخ في الدار كل الصحابة عندي قدوة عَلَمُ … فهل عليَّ بهذا القول من عار

стр. 464

إن كنت تعلم أني لا أحبهم … إلا من أجلك فأعتقني من النار [١٣/ ١٣٢] (٩٨٦) وقال آخر فأحسن: حب النبي رسول الله مفترض … وحب أصحابه نور ببرهان من كان يعلم أن الله خالقه … لا يرمين أبا بكر ببهتان ولا أبا حفص الفاروق صاحبه … ولا الخليفة عثمان بن عفان أما علي فمشهور فضائله … والبيت لا يستوي إلا بأركان [١٣/ ١٣٣] (٩٨٧) قال ابن العربي: أما الاستعارات في التشبيهات فمأذون فيها وإن استغرقت الحد وتجاوزت المعتاد فبذلك يضرب المَلَكُ الموكل بالرؤيا المثل وقد أنشد كعب بن زهير النبي ﷺ : بانت سعاد فقلبي اليوم متبول … متيم إثرها لم يفد مكبول وما سعاد غداة البين إذ رحلوا … إلا أغض غضيض الطرف مكحول تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ابتسمت … كأنه مُنهل بالراح معلول فجاء في هذه القصيدة من الاستعارات والتشبيهات بكل بديع والنبي ﷺ يسمع ولا ينكر في تشبيهه ريقها بالراح. [١٣/ ١٣٣] (٩٨٨) قال أبو عمر: ولا ينُكِرُ الحَسَن من الشعر أحدٌ من أهل العلم ولا من أولي النهى وليس أحد من كبار الصحابة وأهل العلم وموضع القدوة إلا وقد قال الشعر أو تمثل به أو سمعه فرضيه ما كان حكمةً أو مباحًا

стр. 465

ولم يكن فيه فحش ولا خنا ولا لمسلم أذى فإذا كان كذلك فهو والمنثور من القول سواء لا يحل سماعه ولا قوله. [١٣/ ١٣٣] (٩٨٩) للزبير بن بكار القاضي في أشعاره كتاب وكانت له زوجة حسنة تسمى عَثمة فعتب عليها في بعض الأمر فطلقها وله فيها أشعار كثيرة منها قوله: تغلغل حب عثمة في فؤادي … فباديه مع الخافي يسير تغلغل حيث لم يبلغ شراب … ولا حزن ولم يبلغ سرور أكاد إذا ذكرت العهد منها … أطير لو ان إنسانًا يطير وقال ابن شهاب: قلت له: تقول الشعر في نسكك وفضلك! فقال: إن المصدور إذا نفث برأ. [١٣/ ١٣٤] (٩٩٠) روي أن النعمان بن عدي بن فضلة كان عاملًا لعمر بن الخطاب ﵁ فقال: من مبلغ الحسناء أن حليلها … بميسان يُسقى في زجاج وحنتم إذا شئت غنتني دهاقين قرية … ورقاصة تجذو على كل منسم فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني … ولا تسقني بالأصغر المتثلم لعل أمير المؤمنين يسوءه … تنادمنا بالجوسق (١) المتهدم فبلغ ذلك عمر فأرسل إليه بالقدوم عليه، وقال إي الله إنه ليسوءني ذلك فقال يا أمير المؤمنين ما فعلت شيئًا مما قلت وإنما كانت فضلة من القول

стр. 466

وقد قال الله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٦] فقال له عمر: أما عذرك فقد درأ عنك الحد ولكن لا تعمل لي عملًا أبدًا وقد قلت ما قلت. [١٣/ ١٣٢] (٩٩١) من قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧)﴾ [النمل: ٧]. معناه يستدفئون من البرد يقال: اصطلى يصطلي إذا استدفأ قال الشاعر: النار فاكهة الشتاء فمن يرد … أكل الفواكه شاتيًا فليصطل [١٣/ ١٤٣] (٩٩٢) من قوله تعالى: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١)﴾ [النمل: ١٠ - ١١]. فإن قال قائل: فما معنى الخوف بعد التوبة والمغفرة؟ قيل له: هذه سبيل العلماء بالله أن يكونوا خائفين من معاصيهم وجلين وهم أيضًا لا يأمنون أن يكون قد بقي من أشراط التوبة شيء لم يأتوا به فهم يخافون من المطالبة به. [١٣/ ١٤٧] (٩٩٣) قال الحسن: وكانت الأنبياء تذنب فتعاقب، وقد قيل: إنهم بعد النبوة معصومون من الصغائر والكبائر، قلت: والأول أصح لتنصلهم من ذلك في القيامة كما في حديث الشفاعة وإذا أحدث المقرب حدثًا فهو وإن

стр. 467

غفر له ذلك الحدث فأثر ذلك الحدث باقٍ وما دام الأثر والتهمة قائمة فالخوف كائن لا خوف العقوبة ولكن خوف العظمة، والمتهم عند السلطان يجد للتهمة حزازة تؤديه إلى أن يكدر عليه صفاء الثقة. وموسى ﵇ قد كان منه الحدث في ذلك الفرعوني ثم استغفر وأقر بالظلم على نفسه ثم غفر له، ثم قال بعد المغفرة: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾ [القصص: ١٧]. [١٣/ ١٤٧] (٩٩٤) من قوله تعالى: ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾ [النمل: ١٥]. في الآية دليل على شرف العلم وإنافة محله وتقدم حملته وأهله، وأن نعمة العلم من أجلَّ النعم وأجزل القسم وأن من أوتيه فقد أوتي فضلًا على كثير من عباد الله المؤمنين. [١٣/ ١٤٩] (٩٩٥) من قوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦]. أي قال سليمان لبني إسرائيل على جهة الشكر لنعم الله ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ أي تفضل الله علينا على ما ورثنا من داود من العلم والنبوة والخلافة في الأرض في أن فهمنا من أصوات الطير المعاني التي في نفوسها. [١٣/ ١٥٠] (٩٩٦) من قوله تعالى: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦]. قال قتادة والشعبي: إنما هذا الأمر في الطير خاصة لقوله: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ والنملة طائر إذ قد يوجد له أجنحة، قال الشعبي: وكذلك كانت هذه النملة ذات جناحين.

стр. 468

وقالت فرقة: بل كانت في جميع الحيوان وإنما ذكر الطير لأنه كان جندًا من جند سليمان يحتاجه في التظليل عن الشمس وفي البعث في الأمور فخص بالذكر لكثرة مداخلته ولأن أمر سائر الحيوان نادر وغير متردد ترداد أمر الطير. وقال أبو جعفر النحاس: والمنطق قد يقع لما يفهم بغير كلام والله جل وعز أعلم بما أراد، وقال ابن العربي: من قال إنه لا يعلم إلا منطق الطير فنقصان عظيم وقد اتفق الناس على أنه كان يفهم كلام من لا يتكلم ويخلق له فيه القول من النبات فكان كل نبت يقول: أنا شجر كذا أنفع من كذا وأضر من كذا فما ظنك بالحيوان. [١٣/ ١٥١] (٩٩٧) من قوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)﴾ [النمل: ١٧]. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)﴾ معناه: يرد أولهم إلى آخرهم وَيُكَفّون. وقيل: هو من التوزيع بمعنى التفريق. [١٣/ ١٥٢] (٩٩٨) ذكر ابن القاسم قال حدثنا مالك أن عثمان بن عفان ﵁ كان يقول: ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن؟ أي من الناس قال ابن القاسم: قلت لمالك: ما يزع؟ قال يكف قال القاضي أبو بكر بن العربي: وقد جهل قوم المراد بهذا الكلام، فظنوا أن المعنى فيه أن قدرة السلطان تردع الناس أكثر مما تردعهم حدود القرآن وهذا جهل بالله وحكمته. قال: فإن الله ما وضع الحدود إلا مصلحة عامة كافة قائمة لقوام الخلق لا زيادة عليها

стр. 469

ولا نقصان معها ولا يصلح سواها، ولكن الظلمة خاسوا بها وقصروا عنها وأتوا ما أتوا بغير نية ولم يقصدوا وجه الله في القضاء بها فلم يرتدع الخلق بها ولو حكموا بالعدل وأخلصوا النية لاستقامت الأمور وصلح الجمهور. [١٣/ ١٥٣] (٩٩٩) من قوله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [النمل: ١٨]. سميت النملة نملة لتنملها وهو كثرة حركتها وقلة قرارها [١٣/ ١٥٣] (١٠٠٠) من قوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٩]. وقد قيل: إن تبسم سليمان سرور بهذه الكلمة منها ولذلك أكد التبسم بقوله ضاحكًا إذ قد يكون التبسم من غير ضحك ولا رضا، ألا تراهم يقولون تبسم تبسم الغضبان وتبسم تبسم المستهزئين. وتَبَسُّمُ الضَّحِك إنما هو عن سرور ولا يُسر نبي بأمر دنيا وإنما سُر بما كان من أمر الآخرة والدين. [١٣/ ١٥٤] (١٠٠١) روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : «أن نملة قرصت نبيًا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله تعالى إليه أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح» وفي طريق آخر: «فهلا نملة واحدة» قال علماؤنا: يقال إن هذا النبي هو موسى ﵇ وإنه قال: يا رب تعذب أهل قرية بمعاصيهم وفيهم الطائع. فكأنه أحب أن يريه ذلك من عنده فسلط عليه الحر حتى التجأ إلى شجرة

стр. 470

مستروحًا إلى ظلها وعندها قرية النمل فغلبه النوم فلما وجد لذة النوم لدغته النملة فأضجرته فدلكهن بقدمه فأهلكهم وأحرق تلك الشجرة التي عندها مساكنهم فأراه الله العبرة في ذلك آية: لما لدغتك نملة فكيف أصبت الباقين بعقوبتها يريد أن ينبهه أن العقوبة من الله تعالى تعم فتصير رحمة على المطيع وطهارة وبركة، وشرًا ونقمة على العاصي. [١٣/ ١٥٧] (١٠٠٢) لا اختلاف عند العلماء أن الحيوانات كلها لها أفهام وعقول وقد قال الشافعي: الحمام أعقل الطير. قال ابن عطية: والنمل حيوان فطن قوي شمام جدًا يدخر ويتخذ القرى ويشق الحب لقطعتين لئلا ينبت ويشق الكزبرة بأربع قطع لأنها تنبت إذا قسمت شقتين ويأكل في عامه نصف ما جمع ويستبقي سائره عُدَّة. قال ابن العربي: وهذه خواص العلوم عندنا وقد أدركتها النمل بخلق الله ذلك لها. [١٣/ ١٥٩] إذا أراد الله أمرًا بامرئ … وكان ذا عقل ورأي ونظر وحيلة يعملها في دفع ما … يأتي به مكروه أسباب القدر غطى عليه سمعه وعقله … وسله من ذهنه سل الشعر حتى إذا أنفذ فيه حكمه … رد عليه عقله ليعتبر [١٣/ ١٦١] (١٠٠٣) من قوله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ [النمل: ٢٠]. في هذه الآية دليل على تفقد الإمام أحوال رعيته والمحافظة عليهم

стр. 471

فانظر إلى الهدهد مع صغره كيف لم يخف على سليمان حاله فكيف بعظام الملك ويرحم الله عمر فإنه كان على سيرته. قال: لو أن سخلة على شاطئ الفرات أخذها الذئب ليسأل عنها عمر. فما ظنك بوال تذهب على يديه البلدان وتضيع الرعية ويضيع الرعيان. (١٠٠٤) من قوله تعالى: ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠]. قيل: إنما قال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ لأنه اعتبر حال نفسه إذ علم أنه أوتي الملك العظيم وسخر له الخلق فقد لزمه الشكر بإقامة الطاعة وإدامة العدل فلما فقد نعمة الهدهد توقع أن يكون قَصّر في حق الشكر فلأجله سُلبها فجعل يتفقد نفسه فقال: ما لي. قال ابن العربي: وهذا يفعله شيوخ الصوفية إذا فقدوا مالهم تفقدوا أعمالهم هذا في الآداب، فكيف بنا اليوم ونحن نقصر في الفرائض! [١٣/ ١٦١] (١٠٠٥) من قوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ﴾ [النمل: ٢٢]. سبأ قيل: اسم رجل وقيل: اسم مدينة وقيل: اسم امرأة والصحيح أنه اسم رجل. [١٣/ ١٦٣] (١٠٠٦) من قوله تعالى: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: ٢٢]. في الآية دليل على أن الصغير يقول للكبير والمتعلم للعالم عندي ما ليس عندك إذا تحقق ذلك وتيقنه. هذا عمر بن الخطاب مع جلالته ﵁ وعلمه لم يكن عنده علم بالاستئذان. وكان علم التيمم عند عمار وغيره،

стр. 472

وغاب عن عمر وابن مسعود حتى قالا لا يتيمم الجنب. وكان حكم الإذن في أن تنفر الحائض عند ابن عباس ولم يعلمه عمر ولا زيد بن ثابت وكان غسل رأس المحرم معلومًا عند ابن عباس وخفي عن المسور بن مخرمة ومثله كثير فلا يطول به. [١٣/ ١٦٤] (١٠٠٧) من قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ [النمل: ٢٣]. وقد تناظر في هذه المسألة القاضي أبو بكر بن الطيب المالكي الأشعري مع أبي الفرج بن طرار شيخ الشافعية، فقال أبو الفرج: الدليل على أن المرأة يجوز أن تحكم أن الغرض من الأحكام تنفيذ القاضي لها وسماع البينة عليها والفصل بين الخصوم فيها وذلك ممكن من المرأة كإمكانه من الرجل فاعترض عليه القاضي أبو بكر ونقض كلامه بالإمامة الكبرى، فإن الغرض منه حفظ الثغور وتدبير الأمور وحماية البيضة وقبض الخراج ورده على مستحقه وذلك لا يتأتى من المرأة كتأتيه من الرجل. قال ابن العربي: وليس كلام الشيخين في هذه المسألة بشيء، فإن المرأة لا يتأتى منها أن تبرز إلى المجلس ولا تخالط الرجال ولا تفاوضهم مفاوضة النظير للنظير لأنها إن كانت فتاة حرم النظر إليها وكلامها وإن كانت برزة (١) لم يجمعها والرجال مجلس واحد تزدحم فيه معهم وتكون مناظرة لهم ولن يفلح قط من تصور هذا ولا من اعتقده. [١٣/ ١٦٦]

стр. 473

(١٠٠٨) من قوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧]. دليل على أن الإمام يجب عليه أن يقبل عذر رعيته ويدرأ العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم بباطن أعذارهم لأن سليمان لم يعاقب الهدهد حين اعتذر إليه وإنما صار صدق الهدهد عذرًا لأنه أخبر بما يقتضي الجهاد وكان سليمان ﵇ حبب إليه الجهاد وفي الصحيح: «ليس أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل». [١٣/ ١٧٠] (١٠٠٩) من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]. كان رسم المتقدمين إذا كتبوا أن يبدؤوا بأنفسهم من فلان إلى فلان وبذلك جاءت الآثار وروى الربيع بن أنس قال: ما كان أحد أعظم حرمة من النبي ﷺ وكان أصحابه إذا كتبوا بدؤوا بأنفسهم … قال أبو الليث في كتاب البستان له: ولو بدأ بالمكتوب إليه لجاز لأن الأمة قد اجتمعت عليه وفعلوه لمصلحة رأوا في ذلك، أو نسخ ما كان من قبل فالأحسن في زماننا هذا أن يبدأ بالمكتوب إليه ثم بنفسه لأن البداية بنفسه تعد منه استخفافًا بالمكتوب إليه وتكبرًا عليه إلا أن يكتب إلى عبد من عبيده أو غلام من غلمانه. وإذا ورد على إنسان كتاب بالتحية أو نحوها ينبغي أن يرد الجواب لأن

стр. 474

الكتاب من الغائب كالسلام من الحاضر وروي عن ابن عباس أنه كان يرى رد الكتاب واجبًا كما يرى رد السلام. [١٣/ ١٧٣] (١٠١٠) من قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل: ٣٥]. الهدية مندوب إليها وهي مما تورث المودة وتذهب العداوة روى مالك عن عطاء بن عبد الله الخراساني قال: قال رسول الله ﷺ : «تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء» وعن ابن شهاب قال بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: «تهادوا بينكم فإن الهدية تذهب السخيمة» هذا مرسل وجاء مرفوعًا عن جماعة من الصحابة بلفظ «تهادوا وتحابوا». قال ابن وهب سألت يونس عن السخيمة ما هي فقال: الغل. وعلى الجملة فقد ثبت أن النبي ﷺ كان يقبل الهدية وفيه الأسوة الحسنة ومن فضل الهدية مع اتباع السنة أنها تزيل حزازات النفوس وتكسب المهدي والمهدى إليه رنّة في اللقاء والجلوس. [١٣/ ١٧٩] (١٠١١) ولقد أحسن من قال: هدايا الناس بعضهم لبعض … تولد في قلوبهم الوصالا وتزرع في الضمير هوى وودًا … وتكسبهم إذا حضروا جمالا وقال آخر: إن الهدايا لها حظ إذا وردت … أحظى من الابن عند الوالد الحدب الحدب [١٣/ ١٧٩]

стр. 475

(١٠١٢) من قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ [النمل: ٤٠]. أكثر المفسرين على أن الذي عنده علم من الكتاب (آصف بن برخيا) وهو من بني إسرائيل. وقال ابن عطية: وقالت فرقة هو سليمان ﵇ والمخاطبة في هذا التأويل للعفريت لما قال: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٩] كأن سليمان استبطأ ذلك فقال له على جهة تحقيره: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] واستدل قائلوا هذه المقالة بقول سليمان: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل: ٤٠] قلت: ما ذكره ابن عطية قاله النحاس في معاني القرآن له وهو قول حسن إن شاء الله تعالى. [١٣/ ٨٤] (١٠١٣) من قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]. قيل: أُمر رسول الله ﷺ أن يتلو هذه الآيات الناطقة بالبراهين على وحدانيته وقدرته على كل شيء وحكمته وأن يستفتح بتحميده والسلام على أنبيائه والمصطفين من عباده وفيه تعليم حسن وتوقيف على أدب جميل وبعث على التيمن بالذكرين والتبرك بهما والاستظهار بمكانهما على قبول ما يلقى إلى السامعين وإصغائهم إليه وإنزاله من قلوبهم المنزلة التي يبغيها المستمع ولقد توارث العلماء والخطباء والوعاظ كابرًا عن كابر هذا الأدب فحمدوا الله وصلوا على رسول الله ﷺ أمام كل علم مفاد وقبل كل عظة

стр. 476

وفي مفتتح كل خطبة وتبعهم المترسلون أي المتراسلون فأجروا عليه أوائل كتبهم في الفتوح والتهاني وغير ذلك من الحوادث التي لها شأن. [١٣/ ١٩٧] (١٠١٤) من قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢]. ضمن الله تعالى إجابة المضطر إذا دعاه وأخبر بذلك عن نفسه والسبب في ذلك أن الضرورة إليه باللجأ ينشأ عن الإخلاص، وقطع القلب عما سواه وللإخلاص عنده سبحانه موقع وذمة وُجِدَ من مؤمن أو كافر طائع أو فاجر، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢]، وقوله: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]؛ فأجابهم عند ضرورتهم ووقوع إخلاصهم مع علمه أنهم يعودون إلى شركهم وكفرهم، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] فيجيب المضطر لموضع اضطراره وإخلاصه. [١٣/ ٢٠٠] (١٠١٥) في الحديث: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن دعوة المظلوم ودعوة المسافر ودعوة الوالد على ولده» ذكره صاحب الشهاب وهو حديث صحيح. فيجيب المظلوم لموضع إخلاصه بضرورته بمقتضى كرمه وإجابة لإخلاصه وإن كان كافرًا وكذلك إن كان فاجرًا في دينه ففجور الفاجر وكفر

стр. 477

الكافر لا يعود منه نقص ولا وهن على مملكة سيده فلا يمنعه ما قضى للمضطر من إجابته … ويقرب منه المسافر لأنه منقطع عن الأهل والوطن منفرد عن الصديق والحميم لا يسكن قلبه إلى مُسعد ولا مُعين لغربته فتصدق ضرورته إلى المولى فيخلص إليه في اللجأ وهو المجيب للمضطر إذا دعاه وكذلك دعوة الوالد على ولده لا تصدر منه مع ما يعلم من حنته عليه وشفقته إلا عند تكامل عجزه عنه وصدق ضرورته وإياسه عن بر ولده مع وجود أذيته فيسرع الحق إلى إجابته. [١٣/ ٢٠١] بتصرف (١٠١٦) من قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]. روي أنه دخل على الحجاج منجم فاعتقله الحجاج ثم أخذ حصيات فعدهن، ثم قال: كم في يدي من حصاة؟ فحسب المنجم ثم قال كذا فأصاب. ثم اعتقله فأخذ حصيات لم يعدهن فقال: كم في يدي؟ فحسب فأخطأ ثم حسب فأخطأ، ثم قال: أيها الأمير أظنك لا تعرف عددها، قال: لا، قال: فإني لا أصيب، قال: فما الفرق؟ قال: إن ذلك أحصيته فخرج عن حد الغيب وهذا لم تحصه فهو غيب ولا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله. [١٣/ ٢٠٢] (١٠١٧) من قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [النمل: ٦٦]. هذه قراءة أكثر الناس منهم عاصم وشيبة ونافع ويحيى بن وثاب والأعمش

стр. 478

وحمزة والكسائي، وقرأ أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو وحميد: «بل أَدْرَكَ» من الإدراك. في معناه قولان ﴿ادَّارَكَ﴾ أحدهما أن المعنى تكامل علمهم في الآخرة لأنهم رأوا كل ما وعدوا به معاينة فتكامل علمهم به، والقول الآخر أن المعنى: بل تتابع علمهم اليوم في الآخرة فقالوا: تكون وقالوا: لا تكون [وهذا على القراءة الأولى وهي قراءة أكثر الناس]. [١٣/ ٢٠٣] (١٠١٨) من قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل: ٨٩]. قال ابن مسعود وابن عباس ﵃: «الحسنة: لا إله إلا الله». قلت: إذا أتى بلا إله إلا الله على حقيقتها وما يجب لها فقد أتى بالتوحيد والإخلاص والفرائض «فله خير منها» قال ابن عباس: أي وصل إليه الخير منها. وقيل: فله الجزاء الجميل وهو الجنة وليس [خير] للتفضيل. قال عكرمة وابن جريج: أما أن يكون له خيرٌ منها يعني من الإيمان فلا فإنه ليس شيء خيرًا ممن قال لا إله إلا الله ولكن له منها خير وقيل «فله خير منها» للتفضيل أي ثواب الله خير من عمل العبد وقوله وذكره وكذلك رضوان الله خير للعبد من فعل العبد قاله ابن عباس وقيل: يرجع هذا إلى الإضعاف فإن الله تعالى يعطيه بالواحدة عشرًا وبالإيمان في مدة يسيرة الثواب الأبدي قاله محمد بن كعب وعبدالرحمن بن زيد. [١٣/ ٢٠٩]

стр. 479

(١٠١٩) من قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص: ٧]. وأجمع الكل على أنها لم تكن نبية وإنما إرسال الملك إليها على نحو تكليم الملك للأقرع والأبرص والأعمى في الحديث المشهور خرجه البخاري ومسلم … وغير ذلك مما روي من تكليم الملائكة للناس من غير نبوة وقد سَلَّمَتْ على عمران بن حصين فلم يكن بذلك نبيًا. [١٣/ ٢٢٤] (١٠٢٠) من قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ [القصص: ٧]. حكى الأصمعي قال: سمعت جاريةً أعرابيةً تُنشد وتقول: أستغفر الله لذنبي كله … قبلت إنسانًا بغير حله مثل الغزال ناعمًا في دله … فانتصف الليل ولم أصله فقلت قاتلك الله ما أفصحك، فقالت: أَوَ يُعَدُّ هذا فصاحة مع قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ [القصص: ٧] الآية فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين. [١٣/ ٢٢٥] (١٠٢١) من قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]. ندم موسى ﵇ على ذلك الوكز الذي كان فيه ذهاب النفس فحمله ندمه على الخضوع لربه والاستغفار من ذنبه، قال قتادة: عرف والله المخرج فاستغفر، ثم لم يزل ﵇ يعدد ذلك على نفسه مع علمه بأنه قد غفر له

стр. 480

حتى إنه في القيامة يقول: إني قتلت نفسًا لم أومر بقتلها، وإنما عدده على نفسه ذنبًا، وقال: ظلمت نفسي فاغفر لي، من أجل أنه لا ينبغي لنبي أن يقتل حتى يؤمر وأيضًا فإن الأنبياء يشفقون ما لا يشفق منه غيرهم. قال النقاش: لم يقتله عن عمد مريدًا للقتل؛ وإنما وكزه وكزة يريد بها دفع ظلمه، قال: وقد قيل: إن هذا كان قبل النبوة وقال كعب كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة وكان قتله مع ذلك خطأ فإن الوكزة واللكزة في الغالب لا تقتل. وروى مسلم عن سالم بن عبد الله أنه قال: يا أهل العراق! ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة! سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الفتنة تجيء من ها هنا- وأومأ بيده نحو المشرق- من حيث يطلع قرنا الشيطان وأنتم بعضكم يضرب رقاب بعض وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ فقال الله : ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠]». [١٣/ ٢٣٣] (١٠٢٢) من قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧]. قال سلمة بن نبيط: بعث عبدالرحمن بن مسلم إلى الضحاك بعطاء أهل بخارى، وقال: أعطهم، فقال: أعفني فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه فقيل له: ما عليك أن تعطيهم وأنت لا ترزؤهم شيئًا، فقال: لا أحب أن أعين الظلمة على شيء من أمرهم، وقال عبيد الله بن الوليد الوصافي قلت لعطاء بن أبي رباح: إن

стр. 481

لي أخًا يأخذ بقلمه وإنما يحسب ما يدخل ويخرج، وله عيال ولو ترك ذلك لاحتاج وأدّان؟ فقال من الرأس؟ قلت: خالد بن عبد الله القسري قال: أما تقرأ ما قال العبد الصالح: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧]، قال ابن عباس: فلم يستثن فابتلي ثانية فأعانه الله فلا يعينهم أخوك فإن الله لا يعينه، … قال عطاء: فلا يحل لأحد أن يعين ظالمًا ولا يكتب له ولا يصحبه وأنه إن فعل شيئًا من ذلك فقد صار معينًا للظالمين. [١٣/ ٢٣٥] (١٠٢٣) من قوله تعالى: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ [القصص: ٢٩]. قيل فيه دليل على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء لماله عليها من فضل القوامية وزيادة الدرجة إلا أن يلتزم لها أمرًا فالمؤمنون عند شروطهم وأحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج. [١٣/ ٢٥٠] (١٠٢٤) من قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤]. ثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمَن بنبيه وأدرك النبي ﷺ فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران وعبد مملوك أدى حق الله وحق سيده فله أجران ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها ثم أدبها فأحسن أدبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران» قال الشعبي لعطاء الخراساني: خذ هذا الحديث بغير شيء فقد كان الرجل يرحل فيما دون هذا إلى المدينة. [١٣/ ٢٦٤]

стр. 482

(١٠٢٥) من قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨]. قال محمود الوراق: توكل على الرحمن في كل حاجة … أردتَ فإن الله يقضي ويقدِر إذا ما يرد ذو العرش أمرًا بعبده … يصبه وما للعبد ما يتخير وقد يهلك الإنسان من وجه حِذره … وينجو بحمد الله من حيث يحذر وقال آخر: العبد ذو ضجر والرب ذو قدر … والدهر ذو دول والرزق مقسوم والخير أجمع فيما اختار خالقنا … وفي اختيار سواه اللَّوم والشُّوم قال بعض العلماء: لا ينبغي لأحد أن يُقْدِمَ على أمر من أمور الدنيا حتى يسأل الله تعالى الخيرة في ذلك بأن يصلي ركعتين صلاة الاستخارة. [١٣/ ٢٧١] (١٠٢٦) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]. اختلف فيه: فقال ابن عباس والجمهور: لا تضيع عمرك في ألا تعمل عملًا صالحًا في دنياك إذ الآخرة إنما يعمل لها فنصيب الإنسان عمره وعمله الصالح فيها فالكلام على هذا التأويل شدة في الموعظة. وقال الحسن وقتادة: معناه لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه ونظرك لعاقبة دنياك فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق

стр. 483

به وإصلاح الأمر الذي يشتهيه وهذا مما يجب استعماله مع الموعوظ خشية النبوة من الشدة قاله ابن عطية. قال ابن العربي: وأبدع ما فيه عندي قول قتادة: ولا تنس نصيبك الحلال فهو نصيبك من الدنيا ويا ما أحسن هذا. [١٣/ ٢٧٩] (١٠٢٧) من قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧]. أي أطع الله واعبده كما أنعم عليك … قال ابن العربي: فيه أقوال كثيرة جماعها استعمال نعم الله في طاعة الله. [١٣/ ٢٧٩] (١٠٢٨) من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣]. قال أبو معاوية: الذي لا يريد علوًا، هو من لم يجزع من ذلها ولم ينافس في عزها وأرفعهم عند الله أشدهم تواضعًا وأعزهم غدًا ألزمهم لذل اليوم، وروى سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد قال: «مر علي بن الحسين وهو راكب على مساكين يأكلون كِسَرًا لهم فسلم عليهم فدعوه إلى طعامهم فتلا هذه الآية: ﴿تِلْكَ الدَّارُ﴾ ثم نزل وأكل معهم، ثم قال: قد أجبتكم فأجيبوني فحملهم إلى منزله فأطعمهم وكساهم وصرفهم» خرجه الطبراني. (١٠٢٩) من قوله تعالى: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]. ختم السورة ببشارة نبيه محمد ﷺ برده إلى مكة قاهرًا لأعدائه وقيل هو بشارة له بالجنة والأول أكثر. [١٣/ ٢٨٤]

стр. 484

(١٠٣٠) فإن قيل: فلم قال: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] ولم يقل: تسعمائة وخمسين عامًا؟ ففيه جوابان: أحدهما: أن المقصود به تكثير العدد، فكان ذكره الألف أكثر في اللفظ وأكثر في العدد. الثاني: ما روي أنه أعطي من العمر ألف سنة فوهب من عمره خمسين سنة لبعض ولده، فلما حضرته الوفاة رجع في استكمال الألف، فذكر الله تعالى ذلك تنبيهًا على أن النقيصة كانت من جهته. [١٣/ ٢٩٦] (١٠٣١) من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]. فلم يبعث الله نبيًا بعد إبراهيم إلا من صلبه، ووحد الكتاب لأنه أراد المصدر، كالنبوة والمراد: التوراة والإنجيل والفرقان، فهو عبارة عن الجمع، فالتوراة أنزلت على موسى من ولد إبراهيم، والإنجيل على عيسى من ولده، والفرقان على محمد من ولده ﷺ وعليهم أجمعين. [١٣/ ٣٠١] (١٠٣٢) من قوله تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٢٧]. أمر سعيد بن جبير إنسانًا أن يسأل عكرمة عن هذه الآية، فقال عكرمة أهل الملل كلها تدعيه وتقول: هو منا. فقال سعيد بن جبير: صدق، وقيل معناها: أن أكثر الأنبياء من ولده. [١٣/ ٣٠٢]

стр. 485

(١٠٣٣) من قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم: ٧]. يعني أمر معايشهم ودنياهم، متى يزرعون ومتى يحصدون وكيف يغرسون وكيف يبنون … حتى لقد قال الحسن: بلغ والله من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقد الدرهم فيخبرك بوزنه ولا يحسن أن يصلي … وقال المبرد: قسم كسرى أيامه، فقال: يصلح يوم الريح للنوم، ويوم الغيم للصيد، ويوم المطر للشرب واللهو، ويوم الشمس للحوائج. قال ابن خالويه: ما كان أعرفهم بسياسة دنياهم! يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ﴾ [الروم: ٧] أي: عن العلم بها والعمل لها، ﴿هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]. قال بعضهم: ومن البلية أن ترى لك صاحبًا … في صورة الرجل السميع المبصر فطنٌ بكل مصيبة في ماله … وإذا يصاب بدينه لم يشعر [١٤/ ١١] (١٠٣٤) من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]. ﴿أَهْوَنُ﴾: بمعنى هين، أي الإعادة هين عليه، لأنه ليس شيء أهون على الله من شيء. قال أبو عبيدة: ومن جعل أهون يعبر عن تفضيل شيء على شيء فقوله

стр. 486

مردود بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩)﴾ [الأحزاب: ١٩]، وبقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]. والعرب تحمل أفعل على فاعل، ومنه قول الفرزدق: إن الذي سمك السماء بنى لنا … بيتًا دعائمه أعز وأطول أي عزيزة طويلة. [١٤/ ٢٢] (١٠٣٥) من قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ﴾ [الروم: ٢٨] الآية. قال بعض العلماء: هذه الآية أصل في الشركة بين المخلوقين لافتقار بعضهم إلى بعض ونفيها عن الله سبحانه، وذلك أنه لما قال : ﴿ضَرَبَ لَكُمْ﴾ الآية. فيجب أن يقولوا: ليس عبيدنا شركائنا فيما رزقتنا. فيقال لهم: فكيف يتصور أن تنزهوا نفوسكم عن مشاركة عبيدكم، وتجعلوا عبيدي شركائي في خلقي!؟ فهذا حكم فاسد وقلة نظر وعمى قلب. إذا بطلت الشركة بين العبيد وساداتهم فيما يملكه السادة. والخلق كلهم عبيد الله تعالى، فيبطل أن يكون شيء من العالم شريكًا لله تعالى في شيء من أفعاله، فلم يبق إلا أنه واحد يستحيل أن يكون له شريك، إذ الشركة تقتضي المعاونة ونحن مفتقرون إلى معاونة بعضنا بعضًا بالمال والعمل.

стр. 487

والقديم الأزلي منزه عن ذلك جل وعز، وهذه المسألة أفضل للطالب من حفظ ديوان كامل في الفقه لأن جميع العبادات البدنية لا تصح إلا بتصحيح هذه المسألة في القلب، فافهم ذلك. [١٤/ ٢٣ - ٢٤] (١٠٣٦) من قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] الآية. سميت الفطرة دينًا لأن الناس يخلقون له، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. [١٤/ ٢٤] (١٠٣٧) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦)﴾ [الروم: ٣٦]. أي ييأسون من الرحمة والفرج، والآية صفة للكافر يقنط عند الشدة ويبطر عند النعمة كما قيل: كحمار السوء إن أعلفته … رمح الناس وإن جاع نهق وكثير ممن لم يرسخ الإيمان في قلبه بهذه المثابة. [١٤/ ٣٤] بتصرف (١٠٣٨) من قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١]. قال ابن عباس: نقصان البركة بأعمال العباد كي يتوبوا. قال النحاس: وهو أحسن ما قيل في الآية. [١٤/ ٣٩]

стр. 488

(١٠٣٩) من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]. قال سعيد بن المسيب: كان لقمان أسود من سودان مصر ذا مشافر أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة، وعلى هذا جمهور أهل التأويل إنه كان وليًا ولم يكن نبيًا، والصواب أنه كان رجلًا حكيمًا بحكمة الله تعالى وهي الصواب في المعتقدات والفقه في الدين والعقل، قاضيًا في بني إسرائيل أسود مشقق الرجلين، ذا مشافر أي عظيم الشفتين. قاله ابن عباس وغيره. [١٤/ ٥٦] (١٠٤٠) قال وهب بن منبه: قرأت من حكمة لقمان أرجح من عشرة آلاف باب، وروي أنه دخل على داود ﵇ وهو يسرد الدروع وقد لين الله له الحديد كالطين فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت، فلما أتمها لبسها، وقال: نعم لبوس الحرب أنتِ، فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله، فقال له داود: بحق ما سميت حكيمًا. [١٤/ ٥٨] (١٠٤١) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: ١٥] الآية. وجملة هذا الباب أن طاعة الأبوين لا تراعى في ركوب كبيرة ولا في ترك فريضة على الأعيان، وتلزم طاعتهما في المباحات، ويستحسن في ترك الطاعات الندب، ومنه أمر الجهاد الكفاية، والإجابة للأم في الصلاة مع إمكان الإعادة، على أن هذا أقوى من الندب، لكن يعلل بخوف هلكة عليها ونحوه

стр. 489

مما يبيح قطع الصلاة فلا يكون أقوى من الندب، وخالف الحسن في هذا التفصيل فقال: إن منعته أمه من شهود العِشاء شفقةً فلا يطعها. [١٤/ ٦٠] (١٠٤٢) من قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]. قال سفيان بن عيينة: من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله تعالى ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات فقد شكرهما. [١٤/ ٦٠] (١٠٤٣) من قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]. الآية دليل على صلة الأبوين الكافرين بما أمكن من المال إن كانا فقيرين وإلانة القول والدعاء إلى الإسلام برفق وقد قالت أسماء بنت أبي بكر الصديق للنبي ﷺ وقد قدمت عليها خالتها وقيل أمها من الرضاعة، فقالت يا رسول الله: إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصلها؟ قال: نعم. وراغبة: قيل معناه عن الإسلام، قال ابن عطية: والظاهر عندي أنها راغبة في الصلة، وما كانت لتقدم على أسماء لولا حاجتها. ووالدة أسماء هي قُتيلة بنت عبد العزى بن أسد، وأم عائشة وعبدالرحمن هي أم رُومان قديمة الإسلام. [١٤/ ٦١] (١٠٤٤) من قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧]. يقتضي حضًا على تغيير المنكر وإن نالك ضرر فهو إشعار بأن المغير يؤذى أحيانًا، وقيل أمره بالصبر على شدائد الدنيا كالأمراض وغيرها، وألا يخرج من الجزع إلى معصية الله وهذا قول حسن لأنه يعم. [١٤/ ٦٤]

стр. 490

(١٠٤٥) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٩]. أي أقبحها وأوحشها … والحمار: مَثَلٌ في الذم البليغ والشتيمة، وكذلك نُهاقه، ومن استفحاشهم لذكره مجردًا أنهم يكنون عنه ويرغبون عن التصريح فيقولون: الطويل الأذنين كما يكنى عن الأشياء المستقذرة وقد عُدَّ في مساوئ الآداب أن يجري ذكر الحمار في مجلس قوم من أولي المروءة. وهذه الآية أدب من الله تعالى بترك الصياح في وجوه الناس تهاونًا بهم أو بترك الصياح جملة، وكانت العرب تفخر بجهارة الصوت الجهير وغير ذلك، فمن كان منهم أشد صوتًا كان أعز، ومن كان أخفض كان أذل، فنهى الله عن هذه الخلق الجاهلية بقوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ أي لو كان شيئًا يُهاب لصوته لكان الحمار فجعلهم في المثل سواء. [١٤/ ٦٨] (١٠٤٦) من قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠]. قال المحاسبي: الظاهرة: نعم الدنيا، الباطنة: نعم العقبى. وقيل: الظاهرة: ما يرى بالأبصار من المال والجاه والجمال في الناس وتوفيق الطاعات، والباطنة: ما يجده المرء في نفسه من العلم بالله وحسن اليقين وما يدفع الله تعالى عن العبد من الآفات … بتصرف [١٤/ ٦٨] (١٠٤٧) قال الحسن: مفتاح البحار السفن، ومفتاح الأرض الطرق، ومفتاح السماء الدعاء. [١٤/ ٧٣]

стр. 491

(١٠٤٨) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١)﴾ [لقمان: ٣١]. أي صبار لقضائه شكور على نعمائه، وقال أهل المعاني: أراد لكل مؤمن بهذه الصفة لأن الصبر والشكر من أفضل خصال الإيمان، والآية: العلامة والعلامة لا تستبين في صدر كل مؤمن، إنما تستبين لمن صبر على البلاء وشكر على الرخاء. قال الشعبي: الصبر نصف الإيمان، والشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله، ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١)﴾ [لقمان: ٣١]، وقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)﴾ [الذاريات: ٢٠]. [١٤/ ٧٣] (١٠٤٩) من قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]. ﴿أَحْسَنَ﴾ أي: أتقن وأحكم، فهو أحسن من جهة ما هو لمقاصده التي أريد لها، ومن هذا المعنى قال ابن عباس وعكرمة: «ليست أست القردة بحسنة، ولكنها متقنة محكمة». [١٤/ ٨٣]. (١٠٥٠) من قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦]. فيما تتجافى جنوبهم عن المضاجع لأجله قولان: أحدهما: لذكر الله تعالى إما في صلاة وإما في غير صلاة. قاله ابن عباس والضحاك.

стр. 492

الثاني: للصلاة. وفي الصلاة التي تتجافى جنوبهم لأجلها أربعة أقوال: ١ - التنفل بالليل. قاله الجمهور من المفسرين وعليه أكثر الناس وهو الذي فيه المدح. ٢ - صلاة العشاء. ٣ - التنفل بين المغرب والعشاء. ٤ - صلاة الرجل العشاء والصبح في جماعة. قلت: وهذا قول حسن وهو يجمع الأقوال بالمعنى وذلك أن منتظر العشاء إلى أن يصليها في صلاة وذكر لله جل وعز. [١٤/ ٩١] (١٠٥١) من قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. كان ﷺ لا يصلي على ميت عليه دَيْن، فلما فتح الله عليه الفتوح قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته» فهذا تفسير الولاية المذكورة بتفسير النبي ﷺ . وقال ابن عطية: قال بعض العلماء العارفين: هو أولى بهم من أنفسهم، لأن أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك وهو يدعوهم إلى النجاة. قال ابن عطية: ويؤيد هذا قوله ﵊: «أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها تقحم الفراش» قلت: هذا قول حسن في معنى الآية وتفسيرها. وقيل: أولى

стр. 493

بهم أي أنه إذا أمر بشيء ودعت النفس إلى غيره كان أمر النبي ﷺ أولى، وقيل: أولى بأن يحكم على المؤمنين فينفذ حكمه في أنفسهم، أي فيما يحكمون به لأنفسهم مما يخالف حكمه. [١٤/ ١١١] (١٠٥٢) من قوله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]. أي زالت عن أماكنها من الصدور حتى بلغت الحناجر وهي الحلاقيم … ويقال: إن الرئة تنفتح عند الخوف فيرتفع القلب حتى يكاد يبلغ الحنجرة والأظهر أنه أراد اضطراب القلب وضربانه، أي كأنه لشدة اضطرابه بلغ الحنجرة. [١٤/ ١٣٠] (١٠٥٣) من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩]. قال قتادة: معناه: بسطوا ألسنتهم فيكم في وقت قسمة الغنيمة، يقولون: أعطنا أعطنا، فإنا قد شهدنا معكم فعند الغنيمة أشح قوم وأبسطهم لسانًا ووقت البأس أجبن قوم وأخوفهم. قال النحاس: هذا قول حسن، لأن بعده: أشحة على الخير، وقيل المعنى: بالغوا في مخاصمتكم والاحتجاج عليكم، وقال القتبي: آذوكم بالكلام الشديد. [١٤/ ١٣٧] (١٠٥٤) من قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. الأسوة: القدوة، والأسوة ما يتأسى به أي يتعزى به فيقتدى به في جميع

стр. 494

أفعاله ويتعزى به في جميع أحواله، فلقد شج وجهه وكسرت رباعيته وقُتل عمه حمزة وجاع بطنه، ولم يلف إلا صابرًا محتسبًا وشاكرًا راضيًا … واختلف في هذه الأسوة بالرسول ﷺ هل هي على الإيجاب أم الاستحباب على قولين، ويحتمل أن يحمل على الإيجاب في أمور الدين، والاستحباب في أمور الدنيا. [١٣٨/ ١٤] (١٠٥٥) من قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الأحزاب: ٣٠]. قال قوم: الفاحشة إذا وردت معرفة فهي الزنا واللواط، وإذا وردت منكرة فهي سائر المعاصي، وإذا وردت منعوتة فهي عقوق الزوج وفساد عشرته. [١٤/ ١٥٦] (١٠٥٦) من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]. أي لا تُلِنَّ القول، أمرهن الله أن يكون قولهن جزلًا، وكلامهن فصلًا ولا يكون على وجه يُظهر في القلب علاقة بما يظهر عليه من اللين كما كانت الحال عليه في نساء العرب من مكالمة الرجال بترخيم الصوت ولينه، مثل كلام المريبات والمومسات فنهاهن عن مثل هذا. [١٤/ ١٥٧] (١٠٥٧) من قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ [الأحزاب: ٣٢]. قال ابن عباس: أمرهن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمرأة تندب إذا خاطبت الأجانب وكذا المحرمات عليها بالمصاهرة إلى الغلظة في

стр. 495

القول من غير رفع صوت فإن المرأة مأمورة بخفض الكلام، وعلى الجملة: فالقول المعروف هو الصواب الذي لا تنكره الشريعة ولا النفوس. [١٤/ ١٥٨] (١٠٥٨) من قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣]. روي أن عمارًا قال لعائشة ﵂: إن الله قد أمرك أن تقري في منزلك، فقالت: يا أبا اليقظان ما زلت قوالًا بالحق، فقال: الحمد لله الذي جعلني كذلك على لسانك. [١٤/ ١٥٩] (١٠٥٩) من قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣]. معنى هذه الآية: الأمر بلزوم البيت، وإن كان الخطاب لنساء النبي ﷺ فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى، هذا لو لم يَرِدْ دليل يخص جميع النساء كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة. فأمر الله تعالى نساء النبي ﷺ بملازمة بيوتهن وخاطبهن بذلك تشريفًا لهن، ونهاهن عن التبرج، وأعلم أنه من فعل الجاهلية الأولى. [١٤/ ١٥٩] (١٠٦٠) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]. حقيقة التبرج: إظهار ما سِتْره أحسن، وهو مأخوذ من السعة، يقال: في أسنانه بَرَج، إذا كانت متفرقة. [١٤/ ١٥٩] (١٠٦١) قال ابن العربي: لقد دخلت نيفًا على ألف قرية، فما رأيت نساءً أصون عيالًا ولا أعف نساءً من نساء نابلس التي رمي بها الخليل ﵇
следующие страницы →