← Тафсир

Тафсир · id 1234

درر من تفسير القرطبي

أحمد مرشد

Полный текст (667 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

(١٠٤٨) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١)﴾ [لقمان: ٣١]. أي صبار لقضائه شكور على نعمائه، وقال أهل المعاني: أراد لكل مؤمن بهذه الصفة لأن الصبر والشكر من أفضل خصال الإيمان، والآية: العلامة والعلامة لا تستبين في صدر كل مؤمن، إنما تستبين لمن صبر على البلاء وشكر على الرخاء. قال الشعبي: الصبر نصف الإيمان، والشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله، ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١)﴾ [لقمان: ٣١]، وقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)﴾ [الذاريات: ٢٠]. [١٤/ ٧٣] (١٠٤٩) من قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]. ﴿أَحْسَنَ﴾ أي: أتقن وأحكم، فهو أحسن من جهة ما هو لمقاصده التي أريد لها، ومن هذا المعنى قال ابن عباس وعكرمة: «ليست أست القردة بحسنة، ولكنها متقنة محكمة». [١٤/ ٨٣]. (١٠٥٠) من قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦]. فيما تتجافى جنوبهم عن المضاجع لأجله قولان: أحدهما: لذكر الله تعالى إما في صلاة وإما في غير صلاة. قاله ابن عباس والضحاك.

стр. 492

الثاني: للصلاة. وفي الصلاة التي تتجافى جنوبهم لأجلها أربعة أقوال: ١ - التنفل بالليل. قاله الجمهور من المفسرين وعليه أكثر الناس وهو الذي فيه المدح. ٢ - صلاة العشاء. ٣ - التنفل بين المغرب والعشاء. ٤ - صلاة الرجل العشاء والصبح في جماعة. قلت: وهذا قول حسن وهو يجمع الأقوال بالمعنى وذلك أن منتظر العشاء إلى أن يصليها في صلاة وذكر لله جل وعز. [١٤/ ٩١] (١٠٥١) من قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. كان ﷺ لا يصلي على ميت عليه دَيْن، فلما فتح الله عليه الفتوح قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته» فهذا تفسير الولاية المذكورة بتفسير النبي ﷺ . وقال ابن عطية: قال بعض العلماء العارفين: هو أولى بهم من أنفسهم، لأن أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك وهو يدعوهم إلى النجاة. قال ابن عطية: ويؤيد هذا قوله ﵊: «أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها تقحم الفراش» قلت: هذا قول حسن في معنى الآية وتفسيرها. وقيل: أولى

стр. 493

بهم أي أنه إذا أمر بشيء ودعت النفس إلى غيره كان أمر النبي ﷺ أولى، وقيل: أولى بأن يحكم على المؤمنين فينفذ حكمه في أنفسهم، أي فيما يحكمون به لأنفسهم مما يخالف حكمه. [١٤/ ١١١] (١٠٥٢) من قوله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]. أي زالت عن أماكنها من الصدور حتى بلغت الحناجر وهي الحلاقيم … ويقال: إن الرئة تنفتح عند الخوف فيرتفع القلب حتى يكاد يبلغ الحنجرة والأظهر أنه أراد اضطراب القلب وضربانه، أي كأنه لشدة اضطرابه بلغ الحنجرة. [١٤/ ١٣٠] (١٠٥٣) من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩]. قال قتادة: معناه: بسطوا ألسنتهم فيكم في وقت قسمة الغنيمة، يقولون: أعطنا أعطنا، فإنا قد شهدنا معكم فعند الغنيمة أشح قوم وأبسطهم لسانًا ووقت البأس أجبن قوم وأخوفهم. قال النحاس: هذا قول حسن، لأن بعده: أشحة على الخير، وقيل المعنى: بالغوا في مخاصمتكم والاحتجاج عليكم، وقال القتبي: آذوكم بالكلام الشديد. [١٤/ ١٣٧] (١٠٥٤) من قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. الأسوة: القدوة، والأسوة ما يتأسى به أي يتعزى به فيقتدى به في جميع

стр. 494

أفعاله ويتعزى به في جميع أحواله، فلقد شج وجهه وكسرت رباعيته وقُتل عمه حمزة وجاع بطنه، ولم يلف إلا صابرًا محتسبًا وشاكرًا راضيًا … واختلف في هذه الأسوة بالرسول ﷺ هل هي على الإيجاب أم الاستحباب على قولين، ويحتمل أن يحمل على الإيجاب في أمور الدين، والاستحباب في أمور الدنيا. [١٣٨/ ١٤] (١٠٥٥) من قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الأحزاب: ٣٠]. قال قوم: الفاحشة إذا وردت معرفة فهي الزنا واللواط، وإذا وردت منكرة فهي سائر المعاصي، وإذا وردت منعوتة فهي عقوق الزوج وفساد عشرته. [١٤/ ١٥٦] (١٠٥٦) من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]. أي لا تُلِنَّ القول، أمرهن الله أن يكون قولهن جزلًا، وكلامهن فصلًا ولا يكون على وجه يُظهر في القلب علاقة بما يظهر عليه من اللين كما كانت الحال عليه في نساء العرب من مكالمة الرجال بترخيم الصوت ولينه، مثل كلام المريبات والمومسات فنهاهن عن مثل هذا. [١٤/ ١٥٧] (١٠٥٧) من قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ [الأحزاب: ٣٢]. قال ابن عباس: أمرهن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمرأة تندب إذا خاطبت الأجانب وكذا المحرمات عليها بالمصاهرة إلى الغلظة في

стр. 495

القول من غير رفع صوت فإن المرأة مأمورة بخفض الكلام، وعلى الجملة: فالقول المعروف هو الصواب الذي لا تنكره الشريعة ولا النفوس. [١٤/ ١٥٨] (١٠٥٨) من قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣]. روي أن عمارًا قال لعائشة ﵂: إن الله قد أمرك أن تقري في منزلك، فقالت: يا أبا اليقظان ما زلت قوالًا بالحق، فقال: الحمد لله الذي جعلني كذلك على لسانك. [١٤/ ١٥٩] (١٠٥٩) من قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣]. معنى هذه الآية: الأمر بلزوم البيت، وإن كان الخطاب لنساء النبي ﷺ فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى، هذا لو لم يَرِدْ دليل يخص جميع النساء كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة. فأمر الله تعالى نساء النبي ﷺ بملازمة بيوتهن وخاطبهن بذلك تشريفًا لهن، ونهاهن عن التبرج، وأعلم أنه من فعل الجاهلية الأولى. [١٤/ ١٥٩] (١٠٦٠) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]. حقيقة التبرج: إظهار ما سِتْره أحسن، وهو مأخوذ من السعة، يقال: في أسنانه بَرَج، إذا كانت متفرقة. [١٤/ ١٥٩] (١٠٦١) قال ابن العربي: لقد دخلت نيفًا على ألف قرية، فما رأيت نساءً أصون عيالًا ولا أعف نساءً من نساء نابلس التي رمي بها الخليل ﵇

стр. 496

بالنار، فإني أقمت فيها فما رأيت امرأة في طريق نهارًا إلا يوم الجمعة فإنهن يخرجن إليها حتى يمتلأ المسجد منهن فإذا قضيت الصلاة وانقلبن إلى منازلهن لم تقع عيني على واحدة منهن إلى الجمعة الأخرى، وقد رأيت بالمسجد الأقصى عفائف ما خرجن من معتكفهن حتى استشهدن فيه. [١٤/ ١٦٠] (١٠٦٢) من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣]. اختلف أهل العلم في أهل البيت، من هم؟ والذي يظهر من الآية ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ [الأحزاب: ٣٣] أنها عامة في جميع أهل البيت من الأزواج وغيرهم، وإنما قال: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]؛ لأن رسول الله ﷺ وعليًا وحسنًا وحسينًا كان فيهم، وإذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر فاقتضت الآية أن الزوجات من أهل البيت، لأن الآية فيهن والمخاطبة لهن يدل عليه سياق الكلام والله أعلم. [١٤/ ١٦٢] (١٠٦٣) من قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]. قال ابن العربي: في هذه الآية مسألة بديعة، وهي أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ بتبليغ ما أنزل عليه من القرآن وتعليم ما علمه من الدين، فكان إذا قرأ على واحد أو ما اتفق، سقط عنه الفرض، وكان على من سمعه أن

стр. 497

يبلغه إلى غيره، ولا يلزمه أن يذكره لجميع الصحابة، ولا كان عليه إذا عَلَّم أزواجه أن يخرج إلى الناس فيقول لهم: نزل كذا ولا كان كذا، ولهذا قلنا يجوز العمل بخبر بُسرة في إيجاب الوضوء من مس الذكر لأنها روت ما سمعت وبلغت ما وعت، ولا يلزم أن يبلغ ذلك الرجال كما قال أبو حنيفة على أنه قد نُقل عن سعد بن أبي وقاص وعمر. [١٤/ ١٦٣] (١٠٦٤) من قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٤] الآية. لفظ الذكر يحتمل ثلاثة معانٍ: ١ - اذكرن موضع النعمة إذ صيركن الله في بيوت تُتْلى فيها آيات الله والحكمة. ٢ - اذكرن آيات الله واقدرن قدرها وفكرن فيها حتى تكون منكن على بال لتتعظن بمواعظ الله تعالى، ومن كان هذا حاله ينبغي أن تحسن أفعاله. ٣ - بمعنى: احفظن واقرأن وألزمنه الألسنة، فكأنه يقول: احفظن أوامر الله تعالى ونواهيه وذلك هو الذي يتلى في بيوتكن من آيات الله فأمر الله أن يخبرن بما ينزل من القرآن في بيوتهن وما يرين من أفعال النبي ﷺ ويسمعن من أقواله حتى يُبلغن ذلك إلى الناس فيعملوا ويقتدوا. وهذا يدل على جواز قبول خبر الواحد من الرجال والنساء في الدين. [١٤/ ١٦٣]

стр. 498

(١٠٦٥) من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. لفظ ما كان، وما ينبغي، ونحوهما معناها الحظر والمنع، فتجيء لحظر الشيء والحكم بأنه لا يكون كما في هذه الآية، وربما كان امتناع ذلك الشيء عقلًا كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠] وربما كان العلم بامتناعه شرعًا كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٧٩]، وكقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] الآية، وربما كان في المندوبات كما تقول: ما كان لك يا فلان أن تترك النوافل ونحو هذا. [١٤/ ١٦٥] (١٠٦٦) من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦]. توعد تعالى وأخبر أن من يعص الله ورسوله ﷺ فقد ضل، وهذا أدل دليل على ما ذهب إليه الجمهور من فقهائنا وفقهاء أصحاب الإمام الشافعي وبعض الأصوليون من أن صيغة: افعل للوجوب في أصل وضعها لأن الله ﵎ نفى خيرة المكلف عند سماع أمره وأمر رسوله ﷺ ، ثم أطلق على من بقيت له خيرة عند صدور الأمر اسم المعصية ثم علق على المعصية بذلك الضلال فلزم حمل الأمر على الوجوب والله أعلم. [١٤/ ١٦٦]

стр. 499

(١٠٦٧) من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. روي عن علي بن الحسين أن النبي ﷺ كان قد أوحى الله تعالى إليه أن زيدًا يطلق زينب وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها فلما تشكى زيد للنبي ﷺ خُلق زينب وأنها لا تطيعه وأعلمه أنه يريد طلاقها، قال له رسول الله ﷺ على جهة الأدب والوصية: اتق الله وأمسك عليك زوجك، وهو يعلم أنه سيفارقها ويتزوجها، وهذا هو الذي أخفى في نفسه، ولم يرد أن يأمره بالطلاق لِما علم أنه سيتزوجها، وخشي رسول الله ﷺ أن يلحقه قول من الناس في أن يتزوج زينب بعد زيد وهو مولاه، وقد أمره بطلاقها فعاتبه الله تعالى على هذا القدر من أن خشي الناس في شيء قد أباحه الله له بأن قال: (أمسك) مع علمه بأنه يُطلق، وأعلمه أن الله أحق بالخشية أي في كل حال. قال علماؤنا رحمة الله عليهم: هذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين كالزهري والقاضي بكر ابن العلاء القشيري والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم. [١٤/ ١٦٨] (١٠٦٨) فأما ما روي أن النبي ﷺ هَوِيَ زينب امرأة زيد وربما أطلق بعض المُجَّان لفظ عَشِقَ، فهذا إنما يصدر عن جاهل بعصمة النبي

стр. 500

ﷺ عن مثل هذا، أو مستخف بحرمته، وقال النحاس: قال بعض العلماء ليس هذا من النبي ﷺ خطيئة، ألا ترى أنه لم يؤمر بالتوبة ولا بالاستغفار منه، وقد يكون الشيء ليس بخطيئة إلا أن غيره أحسن منه. وأخفى ذلك في نفسه خشية أن يفتتن الناس. [١٤/ ١٦٩] (١٠٦٩) من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]. وروى الإمام جعفر بن محمد عن آبائه عن النبي ﷺ : (وطراً زوجتكها). ولما أعلمه الله بذلك دخل عليها بغير إذن ولا تجديد عقد ولا تقرير صداق ولا شيء مما يكون شرطًا في حقوقنا ومشروعًا لنا، وهذا من خصوصياته ﷺ التي لا يشاركه فيها أحد بإجماع من المسلمين، ولهذا كانت زينب تفاخر نساء النبي ﷺ وتقول: «زوجكن آباؤكن وزوجني الله تعالى» أخرجه النسائي عن أنس بن مالك قال: كانت زينب تفخر على نساء النبي ﷺ تقول: «إن الله أنكحني من السماء». [١٤/ ١٧٠] (١٠٧٠) قال الإمام السهيلي: كان يقال زيد بن محمد حتى نزل: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] فقال: أنا زيد بن حارثة وحرم عليه أن يقول زيد بن محمد، فلما نُزع هذا الشرف وهذا الفخر وعلم الله وحشته من ذلك شَرَّفه بخصيصة لم يكن يخص بها أحدًا من أصحاب النبي ﷺ وهي أنه

стр. 501

سماه في القرآن فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] يعني من زينب. وَمَنْ ذَكره الله تعالى باسمه في الذكر الحكيم حتى صار اسمه قرآنًا يتلى في المحاريب نوه به غاية التنويه فكان في هذا تأنيس له وعوض من الفخر بأبوة محمد ﷺ له ألا ترى إلى قول أُبي بن كعب ﵁ حين قال له النبي ﷺ : «إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة كذا فبكى وقال: أو ذُكرت هنالك؟ وكان بكاؤه من الفرح حين أُخبر أن الله تعالى ذكره، فكيف بمن صار اسمه قرآنًا يتلى مخلدًا لا يبيد، يتلوه أهل الدنيا إذا قرأووا القرآن وأهل الجنة كذلك أبدًا لا يزال على ألسنة المؤمنين كما لم يزل مذكورًا على الخصوص عند رب العالمين». [١٤/ ١٧١] (١٠٧١) قال الشعبي: كانت زينب تقول لرسول الله ﷺ : «إني لأَدِلُّ عليكَ بثلاث، ما من نساءك امرأة تَدِلُّ بهن، إن جَدي وجدَّك واحد، وإن الله أنكحك إياي من السماء، وإن السفير في ذلك جبريل». [١٤/ ١٧٢] (١٠٧٢) في كلام بعضهم: ثلاثة تُضْني: رسول بطيء وسراج لا يضيء ومائدة ينتظر لها من يجيء. [١٤/ ١٧٨] (١٠٧٣) لم يرد لفظ النكاح في كتاب الله إلا في معنى العقد لأنه في معنى الوطء وهو من آداب القرآن الكناية عنه بلفظ الملامسة والمماسة والقربان والتغشي والإيتان. [١٤/ ١٨٠]

стр. 502

تعقيب: في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] المراد بالنكاح الوطء، وهذا هو الموضع الوحيد الذي يراد بالنكاح فيه الوطء وهو عدم جواز رجوع البائن من الأول حتى تنكح آخر ويطأها ويطلقها. (١٠٧٤) من قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. ذكر الله ﵎ العم فردًا، والعمات جمعًا، وكذلك قال: ﴿خَالِكَ﴾ ﴿خَالَاتِكَ﴾ والحكمة في ذلك أن العم والخال في الإطلاق اسم جنس كالشاعر والراجز، وليس كذلك العمة والخالة، وهذا عرف لغوي فجاء الكلام عليه بغاية البيان لرفع الإشكال وهذا دقيق فتأملوه. قاله ابن العربي. [١٤/ ١٨٤] (١٠٧٥) من قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. روي عن ابن عباس أنه قال: لم تكن عند رسول الله ﷺ امرأة إلا بعقد نكاح أو مِلك يمين، فأما الهبة فلم يكن عنده منهن أحد. وقال قوم: كانت عنده موهوبة. قلت: والذي في الصحيحين يقوي هذا القول ويعضده، روى مسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت: «كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ ، وأقول: أما تستحي امرأة تهب نفسها لرجل! حتى أنزل الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] فقلت: والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك» وروى البخاري عن عائشة أنها قالت:

стр. 503

كانت خولة بنت حكيم من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ فدل هذا على أنهن كن غير واحدة. والله تعالى أعلم. (١٠٧٦) من قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. يدل على أن الكافرة لا تحل له، قال إمام الحرمين: وقد اختلف في تحريم الحرة الكافرة عليه، قال ابن العربي: والصحيح عندي تحريمها عليه، وبهذا يتميز علينا فإنه ما كان من جانب الفضائل والكرامة فحظه فيه أكثر، وما كان من جانب النقائص فجانبه عنها أطهر، فجوز لنا نكاح الحرائر الكتابيات، وقصر هو ﷺ لجلالته على المؤمنات، وإذا كان لا يحل له من لم تهاجر لنقصان فضل الهجرة فأحرى ألا تحل له الكافرة الكتابية لنقصان الكفر. [١٤/ ١٨٦] (١٠٧٧) من قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. يريد من الخواطر التي تعرض للرجال في أمر النساء، وللنساء في أمر الرجال، أي ذلك أنفى للريبة وأبعد للتهمة وأقوى في الحماية، وهذا يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له فإن مجانبة ذلك أحسن لحاله، وأحصن لنفسه وأتم لعصمته. [١٤/ ٢٠٢] (١٠٧٨) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. قال ابن العربي: من هذه الروايات - أي في صفة الصلاة عليه

стр. 504

ﷺ صحيح، ومنها سقيم، وأصحها ما رواه مالك فاعتمدوه عن أبي مسعود الأنصاري: «أتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله ﷺ : قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم». ورواية غير مالك من زيادة الرحمة مع الصلاة وغيرها لا يقوى، وإنما على الناس أن ينظروا في أديانهم نظرهم في أموالهم، وهم لا يأخذون في البيع دينارًا معيبًا وإنما يختارون السالم الطيب، كذلك لا يؤخذ من الروايات عن النبي ﷺ إلا ما صح عن النبي ﷺ سنده؛ لئلا يدخل في حيز الكذب على رسول الله ﷺ ، فبينما هو يطلب الفضل إذا به قد أصاب النقص، بل ربما أصاب الخسران المبين. [١٤/ ٢٠٨]. (١٠٧٩) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧ - ٥٨]. أطلق إيذاء الله ورسوله ﷺ ، وقيّد إيذاء المؤمنين والمؤمنات؛

стр. 505

لأن إيذاء الله ورسوله ﷺ لا يكون إلا بغير حق أبدًا وإما إيذاء المؤمنين والمؤمنات، فمنه .... ومنه .... [١٤/ ٢١٢] (١٠٨٠) من قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠]. أهل التفسير على أن الأوصاف الثلاثة لشيء واحد، كما روى سفيان بن سعيد عن منصور عن أبي رزين قال: المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة قال: هم شيء واحد، يعني أنهم قد جمعوا هذه الأشياء والواو مقحمة كما قال: إلى الملك القرم وابن الهمام … وليث الكتيبة في المزدحم أراد إلى الملك القرم ابن الهمام [١٤/ ٢١٩] (١٠٨١) من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠)﴾ [سبأ: ١١]. في هذه الآية دليل على تعلم أهل الفضل الصنائع، وأن التحرف بها لا ينقص من مناصبهم، بل ذلك زيادة في فضلهم وفضائلهم؛ إذ يحصل لهم التواضع في أنفسهم والاستغناء عن غيرهم، وكسب الحلال الخلي عن الامتنان. وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: «إن خير ما أكل المرء من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده». [١٤/ ٢٣٦]

стр. 506

(١٠٨٢) لما ملك داود ﵇ بني إسرائيل لقي مَلَكًا وداود يظنه إنسانًا، وداود متنكر خرج يسأل عن نفسه وسيرته في بني إسرائيل في خفاء، فقال داود لذلك الشخص الذي تمثل له: ما قولك في هذا الملك داود؟ فقال له المَلَكَ: نعم العبد لولا خلة فيه، قال داود: وما هي؟ قال: يرتزق من بيت المال ولو أكل من عمل يده لتمت فضائله، فرجع فدعا الله في أن يعلمه صنعة ويسهلها عليه، فعلمه صنعة لبوس، فألان له الحديد فصنع الدروع، فكان يصنع الدرع فيما بين يومه وليلته يساوي ألف درهم، حتى ادخر منها كثيرًا وتوسعت معيشة منزله، ويتصدق على الفقراء والمساكين، وكان ينفق ثلث المال في مصالح المسلمين، وهو أول من اتخذ الدروع وصنعها وكانت قبل ذلك صفائح. ويقال: إنه كان يبيع كل درع منها بأربعة آلاف. والدرع مؤنثة إذا كانت للحرب. ودرع المرأة مذكر. هذه القصة من الإسرائيليات. [١٤/ ٢٣٦] (١٠٨٣) قال الحسن: شغلت سليمان ﵇ الخيل حتى فاتته صلاة العصر، فعقر الخيل فأبدله الله خيرًا منها وأسرع، أبدله الريح تجري بأمره حيث شاء غدوها شهر ورواحها شهر. [١٤/ ٢٣٦] (١٠٨٤) من قوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. المحاريب: المحراب في اللغة كل موضع مرتفع، وقيل للذي يصلى فيه: محراب؛ لأنه يجب أن يرفع ويعظم. وقيل: المساجد، وقيل: ما يرقى

стр. 507

إليه بالدرج كالغرفة الحسنة، وتماثيل: جمع تمثال وهو كل ما صور على مثل صورة من حيوان أو غير حيوان، وهذا يدل على أن التصوير كان مباحًا في ذلك الزمان، ونسخ بشرع محمد ﷺ . ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾: الجوابي جمع جابية، وهي حفيرة كالحوض، وكان يقعد على الجفنة الواحدة ألف رجل. ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾: ثوابت لا تحمل ولا تحرك لعظمها. [١٤/ ٢٤٠ - ٢٤٤] (١٠٨٥) قال ابن العربي: كانت قدور عبد الله بن جُدعان يُصعد إليها في الجاهلية بسلم، وعبر عنها طرفة بن العبد بقوله: كالجوابي لا تَنِي مُترعةً … لِقرى الأضياف أو للمحتِضر وقال أيضًا ابن العربي: ورأيت برباط أبي سعيد قدور الصوفية على نحو ذلك، فإنهم يطبخون جميعًا، ويأكلون جميعًا من غير استئثار واحد منهم على أحد. [١٤/ ٢٤٤] (١٠٨٦) من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ [سبأ: ٣٧]. بهذه الآية استدل من فّضَّلَ الغنى على الفقر، وقال محمد بن كعب: إن المؤمن إذا كان غنيًا تقيًا آتاه الله أجره مرتين بهذه الآية [١٤/ ٢٦٨]

стр. 508

(١٠٨٧) من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾ [سبأ: ٤٦]. هذا القيام معناه القيام إلى طلب الحق، لا القيام الذي هو ضد القعود، وهو كما يقال: قام فلان بأمر كذا، أي لوجه الله والتقرب إليه، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٢٧]. ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ أي وحدانًا ومجتمعين، وقيل: منفردًا برأيه ومشاورًا لغيره، وقيل: مناظرًا مع غيره ومفكرًا في نفسه، وكله متقارب. ويحتمل رابعًا: أن المَثْنَى عمل النهار، والفرادى عمل الليل؛ لأنه في النهار معان وفي الليل وحيد. وقيل: إنما قال: مثنى وفرادى؛ لأن الذهن حجة الله على العباد وهو العقل، فأوفرهم عقلاً أوفرهم حظًا من الله، فإذا كانوا فرادى كانت فكرة واحدة، وإذا كانوا مثنى تقابل الذهنان فتراءى من العلم لهما ما أضعف على الانفراد، والله أعلم. [١٤/ ٢٧٣] (١٠٨٨) من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾ [فاطر: ٥]. قال سعيد بن جبير: «غرور الحياة الدنيا: أن يشتغل الإنسان بنعيمها ولذاتها عن عمل الآخرة حتى يقول: يا ليتني قدمت لحياتي».

стр. 509

وقال سعيد بن جبير أيضًا: الغرور بالله: أن يكون الإنسان يعمل بالمعاصي ثم يتمنى على الله المغفرة. [١٤/ ٢٨٢] (١٠٨٩) أخبرنا أن الشيطان لنا عدو مبين، واقتص علينا قصته وما فعل بأبينا آدم ﵇، وكيف انتدب لعداوتنا وغرورنا من قبل وجودنا وبعده، ونحن على ذلك نتولاه ونطيعه فيما يريد منا مما فيه هلاكنا، وكان الفضيل بن عياض يقول: يا كذاب يا مغتر اتق الله ولا تسب الشيطان في العلانية، وأنت صديقه في السر. وقال ابن السماك: يا عجبًا لمن عصى المحسن بعد معرفته بإحسانه، وأطاع اللعين بعد معرفته بعداوته. [١٤/ ٢٨٣] (١٠٩٠) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾ [فاطر: ٣٢ - ٣٣]. اختلف في عود الضمير في قوله تعالى ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾، والقول الوسط أولاها وأصحها إن شاء الله وهو: الضمير يعود على الثلاثة أصناف على ألا يكون الظالم ها هنا كافرًا ولا فاسقًا، وممن روي عنه هذا القول عمر وعثمان وأبو الدرداء وابن مسعود وعقبة بن عمرو وعائشة، والتقدير على

стр. 510

هذا القول أن يكون الظالم لنفسه الذي عمل الصغائر، والمقتصد، قال محمد بن زيد: هو الذي يعطي الدنيا حقها، والآخرة حقها. [١٤/ ٣٠١] (١٠٩١) من قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ [فاطر: ٣٧]. عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة» رواه البخاري. قال الخطابي: أعذر إليه: أي بلغ به أقصى العذر، ومنه قولهم: قد أعذر من أنذر، أي أقام عذر نفسه في تقديم نذارته، والمعنى: أن من عمره الله ستين سنة لم يبق له عذر لأن الستين قريب من معترك المنايا، وهو سن الإنابة والخشوع وترقب المنية ولقاء الله تعالى، ففيه إعذار بعد إعذار. الأول بالنبي ﷺ ، والموتان في الأربعين والستين. ففي الأربعين تناهي العقل وما قبل ذلك وما بعده منتقص عنه، والله أعلم. وقال مالك: أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا والعلم ويخالطون الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس واشتغلوا بالقيامة حتى يأتيهم الموت. [١٤/ ٣٠٦ - ٣٠٨] (١٠٩٢) من قوله تعالى: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]. اختلف فيه على أقوال: القرآن، الرسول ﷺ ، الشيب، الحمى، موت الأهل والأقارب، كمال العقل، والنذير بمعنى الإنذار .. وأما كمال

стр. 511

العقل فبه تعرف حقائق الأمور ويفصل بين الحسنات والسيئات، فالعاقل يعمل لآخرته ويرغب فيما عند ربه فهو نذير. [١٤/ ٣٠٦ - ٣٠٨] (١٠٩٣) أ- رأيت الشيب من نذر المنايا … لصاحبه وحسبك من نذير فقلت لها المشيب نذير عمري … ولست مسودًا وجه النذير ب- وأراك تحملهم ولست تردهم … فكأنني بك قد حُملت فلم ترد ج- الموت في كل حين ينشر الكفنا … ونحن في غفلة عما يراد بنا [١٤/ ٣٠٨] (١٠٩٤) قال بعض الحكماء: يا أيها الظالم في فعله … والظلم مردود على من ظلم إلى متى أنت وحتى متى … تحصي المصائب وتنسى النعم [١٤/ ٣١٢] (١٠٩٥) من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾ [فاطر: ٤٥]. قال ابن مسعود: كاد الجُعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم. وقال يحيى بن أبي كثير: أمر رجل بالمعروف ونهى عن المنكر، فقال له رجل: عليك بنفسك فإن الظالم لا يضر إلا نفسه. فقال أبو هريرة: كذبت، والله الذي لا إله إلا هو - ثم قال - والذي نفسي بيده إن الحبارى لتموت هزلاً في

стр. 512

وكرها بظلم الظالم. وقال الثمالي ويحيى بن سلام: يحبس الله المطر فيهلك كل شيء. [١٤/ ٣١٤] (١٠٩٦) من قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨)﴾ [يس: ٨] أي رافعوا رؤوسهم لا يستطيعون الإطراق؛ لأن من غلت يده إلى ذقنه ارتفع رأسه. روى عبد الله بن يحيى أن علي بن أبي طالب ﵁ أراهم الإقماح، فجعل يديه تحت لحيته وألصقهما ورفع رأسه. قال النحاس: وهذا أجل ما روي فيه، وهو مأخوذ مما حكاه الأصمعي. قال: يقال أقمحت الدابة إذا جذبت لجامها لترفع رأسها. [١٥/ ١٢] (١٠٩٧) من قوله تعالى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠)﴾ [يس: ١٠]. عن ابن شهاب: أن عمر بن عبدالعزيز أحضر غيلان القدري فقال: يا غيلان بلغني أنك تتكلم بالقدر، فقال: يكذبون علي يا أمير المؤمنين. ثم قال: يا أمير المؤمنين أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢ - ٣]. قال: اقرأ يا غيلان، فقرأ حتى انتهى إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩)﴾؛ فقال: اقرأ، فقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:

стр. 513

٢٩ - ٣٠]، فقال: والله يا أمير المؤمنين إن شعرت أن هذا في كتاب الله قط. فقال له: يا غيلان اقرأ أول سورة (يس) فقرأ حتى بلغ: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فقال غيلان: والله يا أمير المؤمنين لكأني لم أقرأها قط قبل اليوم، اشهد يا أمير المؤمنين أني تائب. قال عمر: اللهم إن كان صادقًا فتب عليه وثبته، وإن كان كاذبًا فسلط عليه من لا يرحمه، واجعله آية للمؤمنين، فأخذه هشام فقطع يديه ورجليه وصلبه. وقال ابن عون: فأنا رأيته مصلوبًا على باب دمشق. فقلنا: ما شأنك يا غيلان؟ فقال: أصابتني دعوة الرجل الصالح عمر بن عبدالعزيز. [١٥/ ١٤] (١٠٩٨) من قوله تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾ [يس: ٢٦ - ٢٧]. في معنى تمنيه قولان: أحدهما أنه تمنى أن يعلموا بحاله ليعلموا حسن مآله، وحميد عاقبته. الثاني: تمنى ذلك ليؤمنوا مثل إيمانه فيصيروا إلى مثل حاله، قال ابن عباس: نصح قومه حيًا وميتًا. وفي هذه الآية تنبيه عظيم، ودلالة على وجوب كظم الغيظ، والحلم عن أهل الجهل، والترؤف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي، والتشمر في تخليصه، والتلطف في افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاء عليه، ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته، والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة أصنام. فلما قُتل حبيب غضب الله له وعجل النقمة

стр. 514

على قومه، فأمر جبريل فصاح بهم صيحة فماتوا عن آخرهم. [١٥/ ٢٢] (١٠٩٩) من قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾ [يس: ٣٩]. قال الزمخشري: القديم المُحْوِل، وإذا قَدُم دقَّ وانحنى واصفر، فشبه القمر به من ثلاثة أوجه. وقيل: أقل عدة الموصوف بالقديم الحَوْل، فلو أن رجلاً قال: كل مملوك لي قديم فهو حر، أو كتب ذلك في وصيته عتق من مضى له حَوْل أو أكثر. [١٥/ ٣٢] (١١٠٠) من قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ [يس: ٦٥]. قيل: في سبب الختم أربعة أوجه: ١ - لأنهم قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾. ٢ - ليعرفهم أهل الموقف فيتميزون منهم. ٣ - لأن إقرار غير الناطق أبلغ في الحجة من إقرار الناطق؛ لخروجه مخرج الإعجاز وإن كان يومًا ما لا يحتاج إلى إعجاز. ٤ - ليعلم أن أعضائه التي كانت أعوانًا في حق نفسه صارت عليه شهودًا في حق ربه. فإن قيل: لم قال: ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ فجعل ما كان من اليد كلامًا، وما كان من الرجل شهادة؟ قيل: إن اليد مباشرة لعمله والرجل

стр. 515

حاضرة، وقول الحاضر على غيره شهادة، وقول الفاعل على نفسه إقرار بما قال أو فعل؛ فلذلك عبر عما صدر من الأيدي بالقول، وعما صدر من الأرجل بالشهادة. [١٥/ ٤٦] (١١٠١) من قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩]. قال سعيد بن المسيب: وبلغني أنه من قال حين يمسي: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ لم تلدغه عقرب. ذكره أبو عمر في التمهيد. وفي الموطأ عن خولة بنت حكيم ﵂ أن رجلاً من أسلم قال: ما نمت هذه الليلة. فقال رسول الله ﷺ : «من أي شيء؟» فقال: لدغتني عقرب فقال رسول الله ﷺ : «أما إنك لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم تضرك». [١٥/ ٨١] (١١٠٢) من قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]. سئل أبو سعيد الضرير عن الذبيح فأنشد: إن الذبيح هديت إسماعيل … نطق الكتاب بذاك والتنزيل شرف به خص الإله نبينا … وأتى به التفسير والتأويل إن كنت أُمَّتَه فلا تنكر له … شرفًا به قد خصه التفضيل وعن الأصمعي قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح؟ فقال: يا أصمعي أين عزب عقلك؟! ومتى كان إسحاق بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه، والمنحر بمكة. [١٥/ ٩٠]

стр. 516

(١١٠٣) من قوله تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧)﴾ [ص: ١٧]. ذا القوة في العبادة، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وذلك أشد الصوم وأفضله، وكان يصلي نصف الليل، وكان لا يفر إذا لاقى العدو، وكان قويًا في الدعاء إلى الله تعالى. [١٥/ ١٣٩] (١١٠٤) من قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]. في هذا دليل على وجوب معرفة معاني القرآن، ودليل على أن الترتيل أفضل من الهذ، إذ لا يصح التدبر مع الهذ، وقال الحسن: تدبر آيات الله: اتباعها. [١٥/ ١٦٩] (١١٠٥) من قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ [ص: ٣٢]. يعني الخيل، والعرب تسميها كذلك، وتُعاقب بين الراء واللام، فتقول: انهملت العين وانهمرت، وختلت وخترت أي خدعت، قال الفراء: الخير في كلام العرب والخيل واحد. [١٥/ ١٧٠] (١١٠٦) من قوله تعالى عن سليمان ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾ [ص: ٣٥]. يقال: كيف أقدم سليمان على طلب الدنيا مع ذمها من الله تعالى، وبغضه لها، وحقارتها لديه؟ فالجواب: أن ذلك محمول عند العلماء على أداء حقوق الله تعالى،

стр. 517

وسياسة ملكه، وترتيب منازل خلقه، وإقامة حدوده، والمحافظة على رسومه، وتعظيم شعائره، وظهور عبادته، ولزوم طاعته، ونظم قانون الحكم النافذ عليهم منه، وتحقيق الوعود في أنه يعلم ما لا يعلم أحد من خلقه حسب ما صرح بذلك لملائكته فقال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ وحوشي سليمان ﵇ أن يكون سؤاله طلبًا لنفس الدنيا؛ لأنه هو والأنبياء أزهد خلق الله فيها، وإنما سأل مملكتها لله، كما سأل نوح دمارها وهلاكها لله، فكانا محمودين مجابين إلى ذلك، فأجيب نوح فأهلك من عليها، وأعطي سليمان المملكة. [١٥/ ١٨٠] (١١٠٧) ذكر أبو نعيم الحافظ بسنده عن وهب بن منبه قال: كان لسليمان بن داود ﵇ ألف بيت أعلاه قوارير وأسفله حديد، فركب الريح يومًا فمر بحراث فنظر إليه الحراث فقال: لقد أوتي آل داود ملكًا عظيمًا، فحملت الريح كلامه فألقته في أذن سليمان، قال فنزل حتى أتى الحراث فقال: إني سمعت قولك، وإنما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه، لتسبيحةٌ واحدة يقبلها الله منك لخير مما أوتي آل داود. فقال الحراث: أذهب الله همك كما أذهبت همي. [١٥/ ١٨١] (١١٠٨) من قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾ [ص: ٤١]. قال ابن العربي القاضي أبو بكر ﵀: ولم يصح عن أيوب ﵇ في أمره إلا ما أخبرنا الله عنه في كتابه في آيتين، الأولى قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ

стр. 518

نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ والثانية في ص: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾، وأما النبي ﷺ فلم يصح عنه أنه ذكره بحرف واحد إلا قوله: «بينا أيوب يغتسل إذ خر عليه رجل من جراد من ذهب .... الحديث» عند البخاري وغيره. وإذ لم يصح عنه فيه قرآن ولا سنة إلا ما ذكرناه، فمن الذي يوصل السامع إلى أيوب خبره، أم على أي لسان سمعه؟ والإسرائيليات مرفوضة عند العلماء على البتات، فأعرض عن سطورها بصرك، وأصمم عن سماعها أذنيك، فإنها لا تعطي فكرك إلا خيالاً، ولا تزيد فؤادك إلا خبالاً. وفي الصحيح واللفظ للبخاري أن ابن عباس قال: يا معشر المسلمين، تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيكم أحدث الأخبار بالله، تقرءونه محضًا لم يُشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتب الله وغيروا وكتبوا بأيديهم الكتب، فقالوا: ﴿يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا﴾ ولا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم، فلا والله ما رأينا رجلاً منهم يسألكم عن الذي نزل عليكم، وقد أنكر النبي ﷺ في حديث الموطأ على عمر قراءته التوراة. [١٥/ ١٨٦] (١١٠٩) من قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩]. قال نافع: قال لي ابن عمر: قم فصلِ، فقمت أصلي، وكان علي ثوب

стр. 519

خلق فدعاني فقال لي: أرأيت لو وجهتك في حاجة أكنت تمضي هكذا؟ فقلت: كنت أتزين، قال: فالله أحق أن تتزين له. [١٥/ ٢١٠] (١١١٠) من قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩]. قال ابن عباس: من أحب أن يهون الله عليه الوقوف يوم القيامة فليره الله في ظلمة الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه. [١٥/ ٢١٠] (١١١١) من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]. قال ابن عباس: هو الرجل يسمع الحسن والقبيح، فيتحدث بالحسن وينكف عن القبيح فلا يتحدث به، وقيل: يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن. وقيل: يستمعون القرآن وأقوال الرسول ﷺ فيتبعون أحسنه أي محكمه فيعملون به. [١٥/ ٢١٤] (١١١٢) من قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾ [الزمر: ٢٢]. قال مالك بن دينار: ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب، وما غضب الله على قوم إلا نزع الرحمة من قلوبهم. [١٥/ ٢١٧]

стр. 520

(١١١٣) من قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾ [الزمر: ٢٢]. فإذا انكمش العبد في أعمال البر فهو إنابته إلى دار الخلود، وإذا خمد حرصه عن الدنيا، ولها عن طلبها، وأقبل على ما يغنيه منها فاكتفى به وقنع، فقد تجافى عن دار الغرور. وإذا أحكم أموره بالتقوى فكان ناظرًا في كل أمر، واقفًا متأدبًا متثبتًا حذرًا يتورع عما يريبه إلى ما لا يريبه، فقد استعد للموت. [١٥/ ٢١٧] (١١١٤) من قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠]. قال الحسن والفراء والكسائي: الميّت بالتشديد: من لم يمت وسيموت، والميْت بالتخفيف من فارقته الروح؛ فلذلك لم تخفف هنا. قال قتادة: نعيت إلى النبي ﷺ نفسه ونعيت إليكم أنفسكم، وقال ثابت البناني: نعى رجل إلى صلة بن أشيم أخًا له فوافقه يأكل، فقال: ادن فكل فقد نعي إلي أخي منذ حين؛ قال: وكيف وأنا أول من أتاك بالخبر، قال إن الله تعالى نعاه إلي فقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وهو خطاب للنبي ﷺ أخبره بموته وموتهم. [١٥/ ٢٢٢] (١١١٥) من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾ [الزمر: ٤٢].

стр. 521

قال ابن عباس وغيره من المفسرين: إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء الله منها، فإذا أراد جميعها الرجوع إلى الأجساد أمسك الله أرواح الأموات عنده، وأرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها. [١٥/ ٢٢٨] (١١١٦) من قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦]. قال سعيد بن جبير: إني لأعرف آية ما قرأها أحد قط فسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه، قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦)﴾ [الزمر: ٤٦]. [١٥/ ٢٣٢] (١١١٧) من قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩]. حديث أبي سعيد عند البخاري ومسلم: «تنظرون إلى الله لا تضامون في رؤيته» يروى على أربعة أوجه: - «لا تُضامُون»: لا يلحقكم ضيم كما يلحقكم في الدنيا من النظر إلى الملوك. - «لا تضارون»: لا يلحقكم ضير. - «لا تضامُّون»: لا ينضم بعضكم إلى بعض ليسأله أن يريه. - «لا تضارُّون»: لا يخالف بعضكم بعضًا. [١٥/ ٢٤٨]

стр. 522

(١١١٨) من قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ [الزمر: ٧٥] قال قتادة: افتتح الله أول الخلق بالحمد لله، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ وختم بالحمد فقال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ فلزم الاقتداء به، والأخذ في ابتداء كل أمر بحمده وخاتمته بحمده. [١٥/ ٢٥٢] (١١١٩) من قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ [غافر: ١ - ٣]. روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه افتقد رجلاً ذا بأس شديد من أهل الشام، فقيل له: تتابع في هذا الشراب، فقال عمر لكاتبه: اكتب من عمر إلى فلان، سلام عليك، وأنا أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾، ثم ختم الكتاب وقال لرسوله: لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيًا، ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة، فلما أتته الصحيفة جعل يقرأها ويقول: قد وعدني الله أن يغفر لي، وحذرني عقابه، فلم يبرح يرددها حتى بكى ثم نزع فأحسن النزع وحسنت توبته. فلما بلغ عمر أمره قال: هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أحدكم قد زل زلة فسددوه وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانًا للشياطين عليه. [١٥/ ٢٥٦]

стр. 523

(١١٢٠) من قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧]. قال خلف بن هشام البزار القارئ: كنت أقرأ على سليم بن عيسى فلما بلغت: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بكى ثم قال: يا خلف ما أكرم المؤمن على الله، نائمًا على فراشه والملائكة يستغفرون له. [١٥/ ٢٥٩] (١١٢١) من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [غافر: ١٣]. جمع بين إظهار الآيات وإنزال الأرزاق، لأن بالآيات قوام الأديان، وبالرزق قوام الأبدان. [١٥/ ٢٦٢] (١١٢٢) من قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر: ١٩]. قال المؤرج: فيه تقديم وتأخير أي: يعلم الأعين الخائنة. وقال ابن عباس: هو الرجل يكون جالسًا مع القوم فتمر المرأة فيسارقهم النظر إليها. وعنه: هو الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره، فإذا رأى منهم غفلة تدسس بالنظر، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره، وقد علم الله منه أنه يود لو نظر إلى عورتها. وقال مجاهد: هو مسارقة نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه. وقال قتادة: هي الهمزة بعينه وإغماضه فيما لا يحب الله تعالى. وقال الضحاك: هي قول الإنسان: ما رأيت، وقد رأى، أو رأيت، وما رأى. [١٥/ ٢٦٦]

стр. 524

(١١٢٣) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ [غافر: ٦٧]. في الصحاح: جمع الشيخ: شُيوخ، وأشياخ، وشيخة وشيخان ومشيخة ومشايخ ومشيوخاء، والمرأة شيخة. قال عبيد ابن الأبرص: كأنها شيخة رَقُوبُ … .................................. أي التي ترقب ولدها خوف أن يموت، وقد شاخ الرجل يشيخ شيخًا بالتحريك على أصله، وشيخوخة، وأصل الياء متحركة فسكنت؛ وشيخ تشييخًا أي: شاخ. وشيخته دعوته شيخًا للتبجيل. وتصغير الشيخ: شُييخ وشِييخ أيضًا، ولا تقل: شويخ. والشيخ من جاوز أربعين سنة. [١٥/ ٢٨٨ - ٢٨٩] (١١٢٤) من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾ [فصلت: ٦ - ٧]. قال الزمخشري: فإن قلت لم خص من بين أوصاف المشركين منع الزكاة مقرونًا بالكفر في الآخرة؛ قلت: لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على ثباته واستقامته وصدق نيته ونصوع طويته، ألا ترى قوله ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي يثبتون أنفسهم ويدلون على ثباتها بإنفاق الأموال، وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة من

стр. 525

الدنيا، فقويت عصبتهم ولانت شكيمتهم، وأهل الردة بعد رسول الله ﷺ ما تظاهروا إلا بمنع الزكاة، فنصبت لهم الحروب وجوهدوا. [١٥/ ٢٩٨] (١١٢٥) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨)﴾ [فصلت: ٨]. قال السدي: نزلت في الزمنى والمرضى والهرمى، إذا ضعفوا عن الطاعة كتب لهم من الأجر كأصح ما كانوا يعملون فيه. [١٥/ ٢٩٩] (١١٢٦) من قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢)﴾ [فصلت: ٢٢]. قال عبد الله بن عبد الأعلى فأحسن: العمر ينقص والذنوب تزيد … وتُقال عثرات الفتى فيعود هل يستطيع جحود ذنب واحد … رجل جوارحه عليه شهود والمرء يسأل عن سنيه فيشتهي … تقليلها وعن الممات يحيد وقال محمد بن بشير فأحسن: مضى أمسك الأدنى شهيدًا معدلاً … ويومك هذا بالفعال شهيد فإن تك بالأمس اقترفت إساءة … فثن بإحسان وأنت حميد ولا ترج فعل الخير منك إلى غد … لعل غدًا يأتي وأنت فقيد [١٥/ ٣٠٧ - ٣٠٨]

стр. 526

(١١٢٧) من قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤]. قال ابن عباس: أي ادفع بحلمك جهل من يجهل عليك. وعنه أيضًا: هو الرجل يسب الرجل فيقول الآخر: إن كنت صادقًا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبًا فغفر الله لك. وقال مجاهد: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ يعني السلام إذا لقي من يعاديه. [١٥/ ٣١٥] (١١٢٨) من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]. روي أن رجلاً شتم قنبرًا مولى علي بن أبي طالب فناداه علي: يا قنبر! دع شاتمك، واله عنه ترضي الرحمن وتسخط الشيطان، وتعاقب شاتمك، فما عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه. وأنشدوا: وللكف عن شتم اللئيم تكرمًا … أضر له من شتمه حين يشتم وقال آخر: وما من شيء أحب إلى سفيه … إذا سَبَّ الكريم من الجواب متاركة السفيه بلا جواب … أشد على السفيه من السباب وقال محمود الوراق: سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب مذنب … وإن كثرت منه لدي الجرائم فما الناس إلا واحد من ثلاثة … شريف ومشروف ومثل مقاوم فأما الذي فوقي فإن قال صُنت عن … إجابته عرضي وإن لام لائم

стр. 527

وأما الذي مثلي فإن زل أو هفا … تفضلت إن الفضل بالحلم حاكم [١٥/ ٣١] (١١٢٩) من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا﴾ [فصلت: ٤٤]. العجمي الذي ليس من العرب سواء كان فصيحًا أو غير فصيح، والأعجمي الذي لا يفصح، كان من العرب أو من العجم، يقال للحيوان غير الناطق أعجم، ومنه: «صلاة النهار عجماء» أي لا يجهر فيها بالقراءة. [١٥/ ٣٢١] (١١٣٠) من قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. روى العدول الثقات والأئمة الأثبات عن الزاهد العدل، عن أمين الأرض، عن أمين السماء، عن الرب ﷻ : «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا … » الحديث. والمراد بالزاهد: العدل، أبو ذر ﵁، والحديث في مسلم. [١٥/ ٣٢٢] (١١٣١) من قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٤]. ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من لطيف الصنعة وبديع الحكمة حتى سبيل الغائط والبول، فإن الرجل يشرب ويأكل من مكان واحد، ويتميز ذلك من مكانين، وبديع صنعة الله وحكمته في عينية اللتين هما قطرة ماء ينظر بهما من السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، وفي أذنيه اللتين يفرق بينهما بين الأصوات المختلفة. [١٥/ ٢٣٥]

стр. 528

(١١٣٢) من قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤]. ﴿مُحِيطٌ﴾: هذا الاسم أكثر ما يجيء في معرض الوعيد، وحقيقته الإحاطة بكل شيء واستئصال المحاط به. [١٥/ ٢٣٦] (١١٣٣) من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩]. قال ابن عباس: حفي بهم، وقال عكرمة: بار بهم، وقال السدي: رفيق بهم، وقال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر، حيث لم يقتلهم جوعًا بمعاصيهم، وقال القرظي: لطيف بهم في العرض والمحاسبة، وقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين: يلطف بهم في الرزق من وجهين: ١ - أنه جعل رزقك من الطيبات. ٢ - أنه لم يدفعه إليك مرة واحدة فتبذره، قال أبو علي الثقفي: أمر بأفناء القبور كأنني … أخو فطنة والثوب فيه نحيف ومن شق فاه الله قدر رزقه … وربي بمن يلجأ إليه لطيف [١٦/ ١٦] (١١٣٤) من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ [الشورى: ٢٨]. قال قتادة: ذُكر أن رجلاً قال لعمر بن الخطاب ﵁، يا أمير المؤمنين: قحط المطر وقل الغيث وقنط الناس؟ فقال: مطرتم إن شاء الله، ثم قرأ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾.

стр. 529

والغيث: ما كان نافعًا في وقته، والمطر: قد يكون نافعًا وضارًا، في وقته وغير وقته. [١٦/ ٢٨] (١١٣٥) من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]. قال مرة الهمذاني: رأيت على ظهر كف شريح قرحة فقلت: يا أبا أمية، ما هذا؟ قال: هذا بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير. وقال ابن عون: إن محمد بن سيرين لما ركبه الدين اغتم لذلك فقال: إني لأعرف هذا الغم، هذا بذنب أصبته منذ أربعين سنة. وقال أحمد بن أبي الحواري قيل لأبي سليمان الداراني: ما بال العقلاء أزالوا اللوم عمن أساء إليهم؟ فقال: لأنهم علموا أن الله تعالى إنما ابتلاهم بذنوبهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. [١٦/ ٢٩] (١١٣٦) من قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]. قال ابن العربي: الشورى ألفة للجماعة، ومسبار للعقول، وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم إلا هُدوا. وقال بعض العقلاء: ما أخطأت قط! إذا حزبني أمر شاورت قومي ففعلت الذي يرون، فإن أصبت فهم المصيبون، وإن أخطأت فهم المخطئون. [١٦/ ٣٤] (١١٣٧) من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ [الشورى: ٣٩]. ذكر الله الانتصار في البغي في معرض المدح، وذكر العفو عن الجرم في

стр. 530

موضع آخر في معرض المدح، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعًا للآخر، واحتمل أن يكون ذلك راجعًا إلى حالتين إحداهما: أن يكون الباغي معلنًا بالفجور، وقحًا في الجمهور، مؤذيًا للصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل، وفي مثله قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فتجترئ عليهم الفساق. الثانية: أن تكون الفلتة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة ويسأل المغفرة، فالعفو هاهنا أفضل، وفي مثله نزلت: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. (١١٣٨) من قوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]. يحكى أن رجلاً سب رجلاً في مجلس الحسن ﵀، فكان المسبوب يكظم ويعرق فيسمح العرق، ثم قام فتلا هذه الآية ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ فقال الحسن: عقلها والله وفهمها إذ ضيعها الجاهلون. [١٦/ ٤٠] (١١٣٩) من قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى: ٥٢]. كان مالك بن دينار يقول: يا أهل القرآن ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ فإن القرآن ربيع القلوب، كما أن الغيث ربيع الأرض. [١٦/ ٥٠]
следующие страницы →