(١١٢٧) من قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤].
قال ابن عباس: أي ادفع بحلمك جهل من يجهل عليك. وعنه أيضًا: هو الرجل يسب الرجل فيقول الآخر: إن كنت صادقًا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبًا فغفر الله لك. وقال مجاهد: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ يعني السلام إذا لقي من يعاديه. [١٥/ ٣١٥]
(١١٢٨) من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤].
روي أن رجلاً شتم قنبرًا مولى علي بن أبي طالب فناداه علي: يا قنبر! دع شاتمك، واله عنه ترضي الرحمن وتسخط الشيطان، وتعاقب شاتمك، فما عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه. وأنشدوا:
وللكف عن شتم اللئيم تكرمًا … أضر له من شتمه حين يشتم
وقال آخر:
وما من شيء أحب إلى سفيه … إذا سَبَّ الكريم من الجواب
متاركة السفيه بلا جواب … أشد على السفيه من السباب
وقال محمود الوراق:
سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب مذنب … وإن كثرت منه لدي الجرائم
فما الناس إلا واحد من ثلاثة … شريف ومشروف ومثل مقاوم
فأما الذي فوقي فإن قال صُنت عن … إجابته عرضي وإن لام لائم
стр. 527
وأما الذي مثلي فإن زل أو هفا … تفضلت إن الفضل بالحلم حاكم
[١٥/ ٣١]
(١١٢٩) من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا﴾ [فصلت: ٤٤].
العجمي الذي ليس من العرب سواء كان فصيحًا أو غير فصيح، والأعجمي الذي لا يفصح، كان من العرب أو من العجم، يقال للحيوان غير الناطق أعجم، ومنه: «صلاة النهار عجماء» أي لا يجهر فيها بالقراءة. [١٥/ ٣٢١]
(١١٣٠) من قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].
روى العدول الثقات والأئمة الأثبات عن الزاهد العدل، عن أمين الأرض، عن أمين السماء، عن الرب ﷻ : «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا … » الحديث. والمراد بالزاهد: العدل، أبو ذر ﵁، والحديث في مسلم. [١٥/ ٣٢٢]
(١١٣١) من قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٤].
﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من لطيف الصنعة وبديع الحكمة حتى سبيل الغائط والبول، فإن الرجل يشرب ويأكل من مكان واحد، ويتميز ذلك من مكانين، وبديع صنعة الله وحكمته في عينية اللتين هما قطرة ماء ينظر بهما من السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، وفي أذنيه اللتين يفرق بينهما بين الأصوات المختلفة. [١٥/ ٢٣٥]
стр. 528
(١١٣٢) من قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤].
﴿مُحِيطٌ﴾: هذا الاسم أكثر ما يجيء في معرض الوعيد، وحقيقته الإحاطة بكل شيء واستئصال المحاط به. [١٥/ ٢٣٦]
(١١٣٣) من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩].
قال ابن عباس: حفي بهم، وقال عكرمة: بار بهم، وقال السدي: رفيق بهم، وقال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر، حيث لم يقتلهم جوعًا بمعاصيهم، وقال القرظي: لطيف بهم في العرض والمحاسبة، وقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين: يلطف بهم في الرزق من وجهين:
١ - أنه جعل رزقك من الطيبات.
٢ - أنه لم يدفعه إليك مرة واحدة فتبذره، قال أبو علي الثقفي:
أمر بأفناء القبور كأنني … أخو فطنة والثوب فيه نحيف
ومن شق فاه الله قدر رزقه … وربي بمن يلجأ إليه لطيف
[١٦/ ١٦]
(١١٣٤) من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ [الشورى: ٢٨].
قال قتادة: ذُكر أن رجلاً قال لعمر بن الخطاب ﵁، يا أمير المؤمنين: قحط المطر وقل الغيث وقنط الناس؟ فقال: مطرتم إن شاء الله، ثم قرأ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾.
стр. 529
والغيث: ما كان نافعًا في وقته، والمطر: قد يكون نافعًا وضارًا، في وقته وغير وقته. [١٦/ ٢٨]
(١١٣٥) من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠].
قال مرة الهمذاني: رأيت على ظهر كف شريح قرحة فقلت: يا أبا أمية، ما هذا؟ قال: هذا بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير. وقال ابن عون: إن محمد بن سيرين لما ركبه الدين اغتم لذلك فقال: إني لأعرف هذا الغم، هذا بذنب أصبته منذ أربعين سنة. وقال أحمد بن أبي الحواري قيل لأبي سليمان الداراني: ما بال العقلاء أزالوا اللوم عمن أساء إليهم؟ فقال: لأنهم علموا أن الله تعالى إنما ابتلاهم بذنوبهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. [١٦/ ٢٩]
(١١٣٦) من قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨].
قال ابن العربي: الشورى ألفة للجماعة، ومسبار للعقول، وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم إلا هُدوا. وقال بعض العقلاء: ما أخطأت قط! إذا حزبني أمر شاورت قومي ففعلت الذي يرون، فإن أصبت فهم المصيبون، وإن أخطأت فهم المخطئون. [١٦/ ٣٤]
(١١٣٧) من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ [الشورى: ٣٩].
ذكر الله الانتصار في البغي في معرض المدح، وذكر العفو عن الجرم في
стр. 530
موضع آخر في معرض المدح، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعًا للآخر، واحتمل أن يكون ذلك راجعًا إلى حالتين إحداهما: أن يكون الباغي معلنًا بالفجور، وقحًا في الجمهور، مؤذيًا للصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل، وفي مثله قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فتجترئ عليهم الفساق.
الثانية: أن تكون الفلتة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة ويسأل المغفرة، فالعفو هاهنا أفضل، وفي مثله نزلت: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
(١١٣٨) من قوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣].
يحكى أن رجلاً سب رجلاً في مجلس الحسن ﵀، فكان المسبوب يكظم ويعرق فيسمح العرق، ثم قام فتلا هذه الآية ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ فقال الحسن: عقلها والله وفهمها إذ ضيعها الجاهلون. [١٦/ ٤٠]
(١١٣٩) من قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى: ٥٢].
كان مالك بن دينار يقول: يا أهل القرآن ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ فإن القرآن ربيع القلوب، كما أن الغيث ربيع الأرض. [١٦/ ٥٠]
стр. 531
(١١٤٠) من قوله تعالى: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣].
قال سهل بن الجعد: احترق مصحف فلم يبق إلا قوله: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾، وغرق مصحف فأمحى كله إلا قوله: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾. [١٦/ ٥٤]
(١١٤١) من قوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ [الزخرف: ١٣ - ١٤].
علمنا الله سبحانه ما نقول إذا ركبنا الدواب، وعرفنا في آية أخرى على لسان نوح ﵇ ما نقول إذا ركبنا السفن، وهي قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾ فكم من راكب دابة عثرت به أو شمست أو تقحمت أو طاح من ظهرها فهلك. وكم من راكبين في سفينة انكسرت بهم فغرقوا. فلما كان الركوب مباشرة أمرٍ محظورٍ واتصالاً بأسباب من أسباب التلف، أَمَرَ ألا ينسى عند اتصاله به يومه، وأنه هالك لا محالة فمنقلب إلى الله غير منفلت من قضائه. ولا يدع ذكر ذلك بقلبه ولسانه حتى يكون مستعدًا للقاء الله بإصلاحه من نفسه. والحذر من أن يكون ركوبه ذلك من أسباب موته في علم الله وهو غافل عنه. [١٦/ ٦٠]
стр. 532
(١١٤٢) من قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣٢].
أي: أفقرنا قومًا وأغنينا قومًا، فإذا لم يكن أمر الدنيا إليهم فكيف يفوض أمر النبوة إليهم، قال قتادة: تلقاه ضعيف القوة قليل الحيلة عيي اللسان وهو مبسوط له، وتلقاه شديد الحيلة بسيط اللسان وهو مقتر عليه. [١٦/ ٧٣]
(١١٤٣) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ [الزخرف: ٣٥].
قال بعضهم:
فلو كانت الدنيا جزاءًا لمحسن … إذًا لم يكن فيها معاشٌ لظالم
لقد جاع فيها الأنبياء كرامة … وقد شبعت فيها بطون البهائم
وقال آخر:
تمتع من الدنيا إن كنت حازمًا … فإنك فيها بين ناهٍ وآمر
إذا أبقت الدنيا على المرء دينه … فما فاته منها فليس بضائر
فلا تزن الدنيا جناح بعوضة … ولا وزن رَقٍّ من جناح لطائر
فلم يرض بالدنيا ثوابًا لمحسن … ولا رضي الدنيا عقابًا لكافر
[١٦/ ٧٧]
стр. 533
(١١٤٤) من قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾ [الزخرف: ٣٩].
أعلم الله تعالى أنه منع أهل النار التأسي كما يتأسى أهل المصائب في الدنيا، وذلك أن التأسي يستروحه أهل الدنيا فيقول أحدهم: لي في البلاء والمصيبة أسوة، فيسكن ذلك من حزنه، كما قالت الخنساء:
فلولا كثرة الباكين حولي … على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن … أعزِي النفس عنه بالتأسي
فإذا كان في الآخرة لم ينفعهم التأسي شيئًا لشغلهم بالعذاب.
وقال مقاتل: لن ينفعكم الاعتذار والندم اليوم لأن قرناءكم وأنتم في العذاب مشتركون كما اشتركتم في الكفر. [١٦/ ٨٠]
(١١٤٥) من قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣)﴾ [الدخان: ٢٣].
أُمر موسى ﵇ بالخروج ليلاً في قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا﴾. وسير الليل في الغالب إنما يكون عن خوف، والخوف يكون بوجهين: إما من العدو فيتخذ الليل سترًا مسدلاً، فهو من أستار الله تعالى. وإما من خوف المشقة على الدواب والأبدان بِحَرٍ أو جدب، فيتخذ السُّرى مصلحة من ذلك. وكان النبي ﷺ يسري ويدلج ويترفق ويستعجل، بحسب الحاجة وما تقتضيه المصلحة. [١٦/ ١١٩]
стр. 534
(١١٤٦) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣)﴾ [الدخان: ٤٣].
كل ما في كتاب الله تعالى من ذكر الشجرة فالوقف عليها بالهاء، إلا حرفًا واحدًا في سورة الدخان ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾. قاله ابن الأنباري. [١٦/ ١٢٥]
(١١٤٧) من قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣].
سئل ابن المقفع عن الهوى؟ فقال: هوان سرقت نونه، فأخذه شاعر فنظمه وقال:
نون الهوان من الهوى مسروقة … فإذا هويت فقد لقيت هوانًا
ولعبدالله بن المبارك:
ومن البلايا للبلاء علامة … ألا يُرى لك عن هواك نزوع
العبد عبد النفس في شهواتها … والحر يشبع تارة ويجوع
ولابن دريد:
إذا طالبتك النفس يومًا بشهوة … وكان إليها للخلاف طريق
فدعها وخالف ما هويت فإنما … هواك عدو والخلاف صديق
قال سهل التستري: هواك داؤك، فإن خالفته فدواؤك.
ولأبي عبيد الطوسي:
والنفس إن أعطيتها مُناها … فاغرة نحو هواها فاها
стр. 535
وقال أحمد بن أبي الحواري: مررت براهب فوجدته نحيفًا فقلت له: أنت عليل. قال نعم. قلت مذ كم؟ قال: مذ عرفت نفسي! قلت فتداوى؟ قال: قد أعياني الدواء وقد عزمت على الكي. قلت وما الكي؟ قال: مخالفة الهوى. قال وهب: إذا شككت في أمرين ولم تدر خيرهما فانظر أبعدهما من هواك فأته. [١٦/ ١٤٦]
(١١٤٨) من قوله تعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾ [الأحقاف: ٤].
قال ابن العربي: إن الله تعالى لم يُبق من الأسباب الدالة على الغيب التي أذن في التعلق بها والاستدلال منها إلا الرؤيا، فإنه أذن فيها، وأخبر أنها جزء من النبوة وكذلك الفأل، وأما الطيرة والزجر فإنه نهى عنهما. والفأل: هو الاستدلال بما يسمع من الكلام على ما يريد من الأمر إذا كان حسنًا، فإذا سمع مكروهًا فهو تطير، أمره الشرع بأن يفرح بالفأل ويمضي على أمره مسرورًا. وإذا سمع المكروه أعرض عنه ولم يرجع لأجله. [١٦/ ١٥٦]
(١١٤٩) من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١].
قيل لبعضهم: هل في القرآن: من جهل شيئًا عاداه؟ فقال نعم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١)﴾ ومثله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾. [١٦/ ١٦٢]
стр. 536
(١١٥٠) من قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ [الأحقاف: ١٥].
قال علي ﵁: هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، أسلم أبواه جميعًا ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أن أسلم أبواه غيره، فأوصاه الله بهما ولزم ذلك من بعده. فوالده هو: أبو قحافة عثمان بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم، وأمه: أم الخير، واسمها: سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد، وأم أبيه أبي قحافة: قَيْلة. [١٦/ ١٦٧]
(١١٥١) من قوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف: ١٥].
أي اجعل ذريتي صالحين. وقال سهل بن عبد الله: المعنى اجعلهم لي خلف صدق، ولك عبيد حق. وقال أبو عثمان: اجعلهم أبرارًا لي مطيعين لك. وقال ابن عطاء: وفقهم لصالح أعمال ترضى بها عنهم. وقال محمد بن علي: لا تجعل للشيطان والنفس والهوى عليهم سبيلاً. وقال مالك بن مغول: اشتكى أبو معشر ابنه إلى طلحة بن مصرف، فقال: استعن عليه بهذه الآية، وتلا: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾. [١٦/ ١٦٨]
(١١٥٢) من قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠].
قال جابر: اشتهى أهلي لحمًا فاشتريته، فمررت بعمر بن الخطاب ﵁ فقال: ما هذا يا جابر؟ فأخبرته، فقال: أوكلما اشتهى أحدكم شيئًا
стр. 537
جعله في بطنه أما يخشى أن يكون من أهل هذه الآية: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾ الآية. قال ابن العربي: وهذا عتاب منه له على التوسع بابتياع اللحم والخروج عن جلف الخبز والماء، فإن تعاطي الطيبات من الحلال تستشره لها الطباع وتستمرئها العادة فإذا فقدتها استسهلت في تحصيلها بالشبهات حتى تقع في الحرام المحض بغلبة العادة واستشراه الهوى على النفس الأمارة بالسوء. فأخذ عمر الأمر من أوله وحماه من ابتدائه كما يفعله مثله. والذي يضبط هذا الباب ويحفظ قانونه: على المرء أن يأكل ما وجد، طيبًا كان أو قفارًا (١)، ولا يتكلف الطيب ويتخذه عادة، وقد كان النبي ﷺ يشبع إذا وجد، ويصبر إذا عدم، ويأكل الحلوى إذا قدر عليها، ويشرب العسل إذا اتفق له، ويأكل اللحم إذا تيسر، ولا يُعتمد أصلاً، ولا يجعله ديدنًا.
ومعيشة النبي ﷺ معلومة، وطريقة الصحابة منقولة، فأما اليوم عند استيلاء الحرام وفساد الحطام فالخلاص عسير، والله يهب الإخلاص، ويعين على الخلاص برحمته. وقيل: إن التوبيخ واقع على ترك الشكر لا على تناول الطيبات المحللة، وهو حسن، فإن تناول الطيب الحلال مأذون فيه، فإذا ترك الشكر عليه واستعان به على ما لا يحل له فقد أذهبه. والله أعلم [١٦/ ١٧٣]
стр. 538
(١١٥٣) من قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾ [الأحقاف: ٣٥].
قال ابن عباس ﵄: إذا عَسُرَ على المرأة ولدها، تكتب هاتين الآيتين والكلمتين في صحيفة ثم تغسل وتسقى منها: بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله العظيم الحليم الكريم، سبحان الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾. [١٦/ ١٩٠]
(١١٥٤) من قوله تعالى: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤].
الأقفال هاهنا إشارة إلى ارتتاج القلب وخلوه عن الإيمان. أي: لا يدخل قلوبهم الإيمان، ولا يخرج منها الكفر؛ لأن الله تعالى طبع على قلوبهم وقال: ﴿عَلَى قُلُوبٍ﴾ لأنه لو قال على قلوبهم لم يدخل قلب غيرهم في هذه الجملة. والمراد أم على قلوب هؤلاء وقلوب من كانوا بهذه الصفة أقفالها. [١٦/ ٢١٠]
(١١٥٥) من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦)﴾ [محمد: ٣٦].
أي: لا يأمركم بإخراج جميعها في الزكاة، بل أمر بإخراج البعض. وقيل: لا يسألكم أموالكم لنفسه أو لحاجة منه إليها إنما يسألكم أمواله لأنه المالك لها وهو المنعم بإعطائها. وقيل: ولا يسألكم محمد ﷺ أموالكم أجرًا على تبليغ الرسالة. [١٦/ ٢١٨]
стр. 539
(١١٥٦) من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤].
قال ابن عباس ﵄: كل سكينة في القرآن هي الطمأنينة، إلا التي في البقرة. [١٦/ ٢٢٥].
(١١٥٧) من قوله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦].
قال رافع بن خديج: والله لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ فلا نعلم من هم؟ حتى دعانا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم. [١٦/ ٢٣١]
(١١٥٨) من قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: ٢٩].
قال ابن عباس ومجاهد: السيما في الدنيا هو السمت الحسن. وعن مجاهد: الخشوع والتواضع. قال منصور: سألت مجاهدًا عن قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ أهو أثر يكون بين عيني الرجل؟ قال لا، ربما يكون بين عيني الرجل مثل ركبة العنز وهو أقسى قلبًا من الحجارة، ولكنه نور في وجوههم من الخشوع. وقال عطاء الخراساني: دخل في هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس. [١٦/ ٢٤٩]
(١١٥٩) من قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [الفتح: ٢٩].
روى أبو عروة الزبيري من ولد الزبير: كنا عند مالك بن أنس، فذكروا
стр. 540
رجلًا ينتقص أصحاب رسول الله ﷺ ، فقرأ مالك هذه الآية ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ حتى بلغ ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ فقال مالك: من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته هذه الآية. [١٦/ ٢٥٢]
(١١٦٠) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١].
قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». وهذا حديث عظيم يترتب عليه ألا يقطع بعيب أحد لما يرى عليه من صور أعمال الطاعة أو المخالفة، فلعل من يحافظ على الأعمال الظاهرة يعلم الله من قلبه وصفًا مذمومًا لا تصح معه تلك الأعمال. ولعل من رأينا عليه تفريطًا أو معصية يعلم الله من قلبه وصفًا محمودًا يغفر له بسببه. فالأعمال أمارات ظنية لا أدلة قطعية. ويترتب عليها عدم الغلو في تعظيم من رأينا عليه أفعالاً صالحة، وعدم الاحتقار لمسلم رأينا عليه أفعالاً سيئة. بل تُحتقر وتُذم تلك الحالة السيئة، لا تلك الذات المسيئة. فتدبر هذا، فإنه نظر دقيق، وبالله التوفيق. [١٦/ ٢٧٨]
(١١٦١) وبالجملة فينبغي ألا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن يقتحمه بعينه إذا رآه رث الحال أو ذا عاهة في بدنه أو غير لبيق في محادثته، فلعله أخلص ضميرًا وأنقى قلبًا ممن هو على ضد صفته، فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله،
стр. 541
والاستهزاء بمن عظمه الله. ولقد بلغ بالسلف إفراط توقيهم وتصونهم من ذلك أن قال عمرو بن شرحبيل: لو رأيت رجلاً يرضع عنزًا فضحكت منه لخشيت أن أصنع مثل الذي صنع. وعن عبد الله بن مسعود: البلاء موكل بالقول، لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلبًا. [١٦/ ٢٧٧]
(١١٦٢) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١].
قال بكر بن عبد الله المزني: إذا أردت أن تنظر العيوب جمة فتأمل عيابًا فإنه إنما يعيب الناس بفضل ما فيه من العيب.
قال الشاعر:
المرء إن كان عاقلاً ورعًا … أشغله عن عيوبه ورعه
كما السقيم المريض يشغله … عن وجع الناس كلهم وجعه
وقال آخر:
لا تكشفن مساوي الناس ما ستروا ستروا … فيهتك الله سترًا عن مساويكا
واذكر محاسن ما فيهم إذا ذُكروا … ولا تعب أحدًا منهم بما فيكا
[١٦/ ٢٧٩]
(١١٦٣) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧].
قال يحيى بن معاذ: القلب قلبان، قلب محتش بأشغال الدنيا حتى إذا حضر أمر من الأمور الآخرة لم يدر ما يصنع، وقلب قد احتشى بأهوال الآخرة حتى إذا حضر أمر من أمور الدنيا لم يدر ما يصنع لذهاب قلبه في الآخرة. [١٧/ ٢٤]
стр. 542
(١١٦٤) من قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧].
قال الأحنف بن قيس: عرضت عملي على أعمال أهل الجنة فإذا قوم قد باينونا بونًا بعيدًا لا نبلغ أعمالهم ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ وعرضت عملي على أعمال أهل النار فإذا قوم لا خير فيهم، يكذبون بكتاب الله وبرسوله ﷺ وبالبعث بعد الموت، فوجدنا خيرنا منزلة قومًا خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا. [١٦/ ١٧]
(١١٦٥) من قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢].
قال سعيد بن جبير والضحاك: الرزق هنا ما ينزل من السماء من مطر وثلج ينبت به الزرع ويحيا به الخلق. وقال سعيد بن جبير: كل عين قائمة فإنها من الثلج. وعن الحسن أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه: فيه والله رزقكم ولكنكم تحرمونه بخطاياكم. وعن سفيان قال: قرأ واصل الأحدب ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ فقال: ألا أرى رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض! [١٧/ ٢١]
(١١٦٦) من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١].
اختلف العلماء في معناه، فقيل عن ابن عباس ﵄ أربع روايات:
١ - إن الله ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة، وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه.
стр. 543
٢ - إن الله ليلحق بالمؤمن ذريته الصغار الذين لم يبلغوا الإيمان.
٣ - المراد بالذين آمنوا المهاجرون والأنصار، والذرية: التابعون.
٤ - إن كان الآباء أرفع درجة رفع الله الأبناء إلى الآباء، وإن كان الأبناء أرفع درجة رفع الله الآباء إلى الأبناء. [١٧/ ٦٠]
(١١٦٧) من قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ [النجم: ١٦].
قال الماوردي في معاني القرآن له: فإن قيل: لم اختيرت السدرة لهذا الأمر دون غيرها من الشجر؟
قيل: لأن السدرة تختص بثلاثة أوصاف: ظل مديد، وطعم لذيذ، ورائحة ذكية؛ فشابهت الإيمان الذي يجمع قولاً وعملاً ونية؛ فظلها من الإيمان بمنزلة العمل لتجاوزه، وطعمها بمنزلة النية لكمونه، ورائحتها بمنزلة القول لظهوره. [١٧/ ٨٧]
(١١٦٨) من قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧)﴾ [القمر: ٧].
وقال في آية أخرى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤)﴾ [القارعة: ٤] فهما صفتان في وقتين مختلفين، أحدهما: عند الخروج من القبور يخرجون فزعين لا يهتدون أين يتوجهون، فيدخل بعضهم في بعض؛ فهم حينئذ كالفراش المبثوث بعضه في بعض لا جهة له يقصدها، الثاني: فإذا سمعوا المنادي قصدوه فصاروا كالجراد المنتشر؛ لأن الجراد له جهة يقصدها. [١٧/ ١١٥]
стр. 544
(١١٦٩) من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧].
أي: سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه؛ فهل من طالب لحفظه فيعان عليه؟ ويجوز أن يكون المعنى: ولقد هيأناه للذكر، مأخوذ من يَسَّر ناقته: إذا رَحَلها ويَسَّر فرسه للغزو إذا أسرجه وألجمه.
وقال سعيد بن جبير: ليس من كتب الله كتاب يقرأ كله ظاهرًا إلا القرآن؛ وقال غيره: لم يكن هذا لبني إسرائيل، ولم يكونوا يقرءون التوراة إلا نظرًا، غير موسى وهارون ويوشع بن نون وعزير صلوات الله عليهم. [١٧/ ١١٨]
(١١٧٠) من قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن].
التكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير، واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلقٍ خلقٍ.
وقال القُتَبِي: إن الله تعالى عدد في هذه السورة -أي سورة الرحمن- نعماءه وذكّر خلقه آلاءه، ثم أتبع كل خلة وصفها ونعمة وضعها بهذه وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها، كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره: ألم تكن فقيرًا فأغنيتك؛ أفتنكر هذا؟! ألم تكن خاملاً فعززتك؛ أفتنكر هذا؟! ألم تكن صرورة -أي لم تحج قط- فحججت بك؛ أفتنكر هذا؟! ألم تكن راجلاً فحملتك؛ أفتنكر هذا؟!
стр. 545
والتكرير حسن في مثل هذا. قال:
كم نعمة كانت لكم كم كم وكمِ
وقال آخر:
لا تقتلي مسلمًا إن كنت مسلمة … إياك من دمه إياكِ إياكِ
وقال آخر:
لا تقطعن الصديق ما طرفت … عيناك من قول كاشح أشر
ولا تملن من زيارته زره … وزره وزر وزر وزر
وقال الحسين بن الفضل: التكرير طردًا للغفلة، وتأكيدًا للحجة. [١٧/ ١٣٩]
(١١٧١) من قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].
عن عبد الله بن طاهر: أنه دعا الحسين بن الفضل وقال له: أشكلت علي ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي؛ قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١] وقد صح أن الندم توبة. وقوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وقد صح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة. وقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. فما بال الأضعاف؟ فقال الحسين: يجوز ألا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة، لأن الله تعالى خص هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم. وقيل: إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل ولكن على حمله. وأما قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فإنها شئون يبديها
стр. 546
لا شئون يبتديها. وأما قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ فمعناه: ليس له إلا ما سعى عدلاً، ولي أن أجزيه بواحدة ألفًا فضلاً. فقام عبد الله. وقبل رأسه وسوغ خراجه. [١٧/ ١٤٦]
(١١٧٢) من قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠].
﴿هَلْ﴾ في الكلام على أربعة أوجه:
١ - تكون بمعنى (قد) كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١].
- وبمعنى الاستفهام، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤].
٣ - وبمعنى الأمر، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١].
٤ - وبمعنى ما في الجحد كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٤]، ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] [١٧/ ١٥٨]
(١١٧٣) من قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾ [الواقعة: ١٠].
قال شميط بن العجلان: الناس ثلاثة، فرجل ابتكر للخير في حداثة سنه داوم عليه حتى خرج من الدنيا فهذا هو السابق المقرب، ورجل ابتكر عمره بالذنوب ثم طول الغفلة ثم رجع بتوبته حتى ختم له بها فهذا من أصحاب اليمين، ورجل ابتكر عمره بالذنوب ثم لم يزل عليها حتى ختم له بها فهذا من أصحاب
стр. 547
الشمال. [١٧/ ١٧٢]
(١١٧٤) من قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣)﴾ [الواقعة: ٦٣].
والمستحب لكل من يلقي البذر في الأرض أن يقرأ بعد الاستعاذة: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣)﴾ الآية، ثم يقول: بل الله الزارع والمنبت والمبلغ، اللهم صل على محمد، وارزقنا ثمره، وجنبنا ضرره، واجعلنا لأنعمك من الشاكرين، ولآلائك من الذاكرين، وبارك لنا فيه يا رب العالمين. ويقال: إن هذا القول أمان لذلك الزرع من جميع الآفات: الدود والجراد وغير ذلك، سمعناه من ثقة وجرب فوجد كذلك. [١٧/ ١٨٧]
(١١٧٥) من قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩].
وفي مس الصبيان إياه - المصحف - على وجهين، أحدهما: المنع اعتبارًا بالبالغ. والثاني: الجواز، لأنه لو منع لم يحفظ القرآن؛ لأن تعلمه حال الصغر؛ ولأن الصبي وإن كانت له طهارة إلا أنها ليست بكاملة، لأن النية لا تصح منه، فإذا جاز أن يحمله على غير طهارة كاملة جاز أن يحمله محدثًا. [١٧/ ١٩٥]
(١١٧٦) من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦].
ذكر ابن المبارك: أخبرنا مالك بن أنس، قال: بلغني أن عيسى ﵇ قال لقومه: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله تعالى فتقسو قلوبكم، فإن القلب
стр. 548
القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون. ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب وانظروا فيها - أو قال في ذنوبكم - كأنكم عبيد، فإنما الناس رجلان: معافى ومبتلى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية. [١٧/ ٢١٥]
(١١٧٧) من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [الحديد: ٢٤].
فَرَّق أصحاب الخواطر بين البخل والسخاء بفرقين، أحدهما: أن البخيل الذي يلتذ بالإمساك. والسخي الذي يلتذ بالإعطاء. الثاني: أن البخيل الذي يعطي عند السؤال، والسخي الذي يعطي بغير سؤال. [١٧/ ٢٢١]
(١١٧٨) من قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا … ﴾ [المجادلة: ١]، التي اشتكت إلى الله هي خولة بنت ثعلبة، وزوجها: أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت، وقد مر بها عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته والناس معه على حمار، فاستوقفته طويلًا ووعظته وقالت: يا عمر قد كنت تدعي عميرًا ثم قيل لك: عمر، ثم قيل لك: أمير المؤمنين، فاتق الله يا عمر، فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب، وهو واقف يسمع كلامها، فقيل له: يا أمير المؤمنين أتقف لهذه العجوز هذا الوقوف؟! فقال: والله لو حبستني من أول النهار إلى آخره لا زلت إلا للصلاة المكتوبة، أتدرون من هذه العجوز؟ هي خولة بنت ثعلبة، سمع الله قولها من فوق سبع سموات، أيسمع رب العالمين قولها ولا
стр. 549
يسمعه عمر! وقالت عائشة ﵁: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى عليَّ بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ وهي تقول: يا رسول الله! أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك! فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾». خرجه ابن ماجه في «السنن». [١٧/ ٢٢٩]
(١١٧٩) من قوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤].
وإطلاق الإطعام يتناول الشبع، وذلك لا يحصل بالعادة بمد واحد إلا بزيادة عليه. وكذلك قال أشهب: قلت لمالك: أيختلف الشبع عندنا وعندكم؟ قال: نعم، الشبع عندنا مُدٌّ بمد النبي ﷺ والشبع عندكم أكثر، لأن النبي ﷺ دعا لنا بالبركة دونكم، فأنتم تأكلون أكثر مما نأكل نحن. وقال أبو الحسن القابسي: إنما أخذ أهل المدينة بمد هشام في كفارة الظهار تغليظًا على المتظاهرين الذين شهد الله عليهم أنهم يقولون منكرًا من القول وزورًا.
قال ابن العربي: وقع الكلام هاهنا في مُدِّ هشام كما ترون، ووددت أن يهشم الزمان ذكره، ويمحو من الكتب رسمه، فإن المدينة التي نزل الوحي بها، واستقر الرسول ﷺ بها، ووقع عندهم الظهار، وقيل لهم فيه: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ فهموه وعرفوا المراد به وأنه الشبع.
стр. 550
وقدره معروف عندهم متقرر لديهم، وقد ورد ذلك الشبع في الأخبار كثيرًا، واستمرت الحال على ذلك أيام الخلفاء الراشدين المهديين حتى نفخ الشيطان في أذن هشام، فرأى أن مُدَّ النبي ﷺ لا يشبعه، ولا مثله من حواشيه ونظرائه، فسول له أن يتخذ مدًا يكون فيه شبعه، فجعله رطلين وحمل الناس عليه، فإذا ابتل عاد نحو الثلاثة الأرطال، فغير السنة، وأذهب محل البركة. قال النبي ﷺ حين دعا ربه لأهل المدينة بأن تبقى لهم البركة في مدهم وصاعهم، مثل ما بارك لإبراهيم بمكة، فكانت البركة تجري بدعوة النبي ﷺ في مده، فسعى الشيطان في تغيير هذه السنة، وإذهاب هذه البركة، فلم يستجب له في ذلك إلا هشام، فكان من حق العلماء أن يلغوا ذكره ويمحوا رسمه إذا لم يغيروا أمره، وأما أن يحيلوا على ذكره الأحكام، ويجعلوه تفسيرًا لما ذكر الله ورسوله ﷺ بعد أن كان مُفَسَرًا عند الصحابة الذين نزل عليهم فخطب جسيم، ولذلك كانت رواية أشهب في ذكر مُدين بمد النبي ﷺ في كفارة الظهار أحب إلينا من الرواية بأنها بمد هشام. ألا ترى كيف نبه مالك على هذا العلم بقوله لأشهب: الشبع عندنا بمد النبي ﷺ ، والشبع عندكم أكثر لأن النبي ﷺ دعا لنا بالبركة.
وبهذا أقول؛ فإن العبادة إذا أُديت بالسنة فإن كانت بالبدن كانت أسرع إلى القبول، وإن كانت بالمال كان قليلها أثقل في الميزان، وأبرك في يد
стр. 551
الآخذ، وأطيب في شدقه، وأقل آفة في بطنه، وأكثر إقامة لصلبه. والله أعلم [١٧/ ٢٤٣] (بتصرف)
(١١٨٠) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ٨].
وقد اختلف في رد السلام على أهل الذمة هل هو واجب كالرد على المسلمين، وإليه ذهب ابن عباس والشعبي وقتادة، للأمر بذلك.
وذهب مالك فيما روى عنه أشهب وابن وهب إلى أن ذلك ليس بواجب فإن رددت فقل: عليك. وقد اختار ابن طاووس أن يقول في الرد عليهم: علاك السلام أي: ارتفع عنك. واختار بعض أصحابنا: (السِّلام) بكسر السين، يعني الحجارة. وما قاله مالك أولى اتباعًا للسنة، والله أعلم. [١٧/ ٢٤٨]
(١١٨١) من قوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١]، قلت: والعموم أوقع في المسألة وأولى بمعنى الآية، فيرفع المؤمن بإيمانه أولًا ثم بعلمه ثانيًا. وفي «الصحيح» أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقدم عبدالله بن عباس على الصحابة فكلموه في ذلك فدعاهم ودعاه وسألهم عن تفسير ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١]، فسكتوا، فقال ابن عباس: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله إياه، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم … وفي «صحيح مسلم» أن نافع بن عبدالحارث لقي عمر بعُسفان وكان عمر يستعمله على مكة فقال: من استعملته على أهل الوادي؟ فقال ابن أبزى فقال: ومن ابن أبزى؟
стр. 552
قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى! قال: إنه قارئ لكتاب الله وإنه عالم بالفرائض قال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين». [١٧/ ٢٥٤]
(١١٨٢) من قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ … ﴾ [المجادلة: ٢٢].
استدل مالك ﵀ من هذه الآية على معاداة القدرية وترك مجالستهم قال أشهب، عن مالك: لا تجالس القدرية وعادِهم في الله؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، قلت: وفي معنى أهل القدر جميع أهل الظلم والعدوان. [١٧/ ٢٦١]
(١١٨٣) من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢].
قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: قل سورة النضير، وهم رهط من اليهود من ذرية هارون ﵇ نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل انتظارًا لمحمد ﷺ وكان من أمرهم ما نص الله عليه. [١٨/ ٦]
(١١٨٤) من قوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ﴾ [الحشر: ٢].
قراءة العامة ﴿يُخْرِبُونَ﴾ بالتخفيف من أخرب أي يهدمون، وقرأ السُّلمي والحسن ونصر بن عاصم وأبو العالية وقتادة وأبو عمرو: ﴿يُخرِّبُونَ﴾ بالتشديد من التخريب، قال أبو عمرو: إنما اخترت التشديد؛ لأن الإخراب
стр. 553
ترك الشيء خرابًا بغير ساكن، وبنو النضير لم يتركوها خرابًا، وإنما خربوها بالهدم يؤيده قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال آخرون: التخريب والإخراب بمعنى واحد والتشديد بمعنى: التكثير … وقال قتادة والضحاك: كان المؤمنون يخرّبون من خارج ليدخلوا واليهود يخرّبون من داخل ليبنُوا به ما خرب من حصنهم». [١٨/ ٦]
(١١٨٥) من قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ [الحشر: ٢].
أي: اتعظوا يا أصحاب العقول والألباب، وقيل: يا من عاين ذلك ببصره فهو جمع للبصر. ومن جملة الاعتبار هنا أنهم اعتصموا بالحصون من الله فأنزلهم الله منها، ومن وجوهه أنه سلط عليهم من كان ينصرهم، ومن وجوهه أيضًا: أنهم هدموا أموالهم بأيديهم ومن لم يعتبر بغيره اعتبر في نفسه وفي الأمثال الصحيحة السعيد من وُعظ بغيره. [١٨/ ٨]
(١١٨٦) من قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا … ﴾ [الحشر: ٣].
أي: لولا أنه قضى أنه سيجليهم عن دارهم، وأنهم يبقون مدة فيؤمن بعضهم ويولد لهم من يؤمن ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ أي: بالقتل والسبي، كما فعل ببني قريظة.
والجلاء مفارقة الوطن، يقال: جلا بنفسه جلاء وأجلاه غيره إجلاء، والفرق بين الجلاء والإخراج، وإن كان معناهما في الإبعاد واحدًا من
стр. 554
وجهين: أحدهما أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد، والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد.
الثاني: أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة، والإخراج يكون لواحد ولجماعة. قاله الماوردي. [١٨/ ٩]
(١١٨٧) من قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ [الحشر: ٥].
ما: في محل نصب ب ﴿قَطَعْتُمْ﴾ كأنه قال: أي شيء قطعتم؛ وذلك أن النبي ﷺ لما نزل على حصون بني النضير وهي البُويرة حين نقضوا العهد بمعونة قريش عليه يوم أحد أمر بقطع نخيلهم وإحراقها … وقال شاعرهم سماك اليهودي في ذلك:
ألسنا ورثنا الكتاب الحكيم … على عهد موسى ولم نَصْدِفِ
وأنتم رِعاءٌ لشاءٍ عجاف … بِسهل تِهامَة والأخيف
ترون الرعاية مجدًا لكم … لدى كل دهر لكم مجحف
فيا أيها الشاهدون انتهوا … عن الظلم والمنطق المؤنف
لعل الليالي وصرف الدهور … يُدلن من العادل المنصف
بقتل النضير وإجلائها … وعقر النخيل ولم تقطف
فأجابه حسان بن ثابت ﵁:
تفاقد معشر نصروا قريشًا … وليس لهم ببلدتهم نصير
стр. 555
هُموا أوتوا الكتاب فضيعوه … وهم عُميٌ عن التوراة بُورُ
كفرتم بالقرآن وقد أبيتم … بتصديق الذي قال النذير
وهان على سراة بني لؤي … حريق بالبويرة مستطير
وكان خروج النبي ﷺ في ربيع الأول أول السنة الرابعة من الهجرة، وتحصنوا منه في الحصون، وأمر بقطع النخل وإحراقها وحينئذ نزل تحريم الخمر، ودس عبدالله بن أبي بن سلول ومن معه من المنافقين إلى بني النضير إنا معكم وإن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم فاغترّوا بذلك؛ فلما جاءت الحقيقة خذلوهم وأسلموهم وألقوا بأيديهم، وسألوا رسول الله ﷺ أن يكف عن دمائهم ويجليهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح فاحتملوا ذلك إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام. [١٨/ ٩ - ١٠]
(١١٨٨) من قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، قال عبدالرحمن بن زيد: لقي ابن مسعود رجلاً محرمًا وعليه ثيابه فقال له: انزع عنك هذا. فقال الرجل: أتقرأ عليّ بهذا آية من كتاب الله تعالى؟ قال: نعم، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [١٨/ ١٨].
(١١٨٩) قال عبدالله بن محمد بن هارون الفريابي: سمعت الشافعي يقول: سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله تعالى وسنة نبيكم ﷺ ؛ قال: فقلت: ما تقول أصلحك الله في المحرم يقتل الزنبور؟ قال: فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ
стр. 556
فَانْتَهُوا﴾. وحدثنا .. عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر». حدثنا … عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أمر بقتل الزنبور. قال علماؤنا: وهذا جواب في نهاية الحسن، أفتى بجواز قتل الزنبور في الإحرام، وبين أنه يقتدي فيه بعمر، وأن النبي ﷺ أمر بالاقتداء به، وأن الله سبحانه أمر بقبول ما يقوله النبي ﷺ ؛ فجواز قتله مستنبط من الكتاب والسنة. [١٨/ ١٨ - ١٩]
(١١٩٠) من قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].
خرج مسلم عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: «إني مجهود»، فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى الأخرى فقالت مثل ذلك حتى قلن كلهن مثل ذلك. لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، فقال: «من يضيف هذا الليلة ﵀؟»، فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا، إلا قوت صبياني، فقال: فَعَلِّليهم بشيء فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج، وأريه أنا نأكل؛ فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه، قال: فقعدوا وأكل الضيف، فلما أصبح غدا على النبي ﷺ فقال: «قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة». [١٨/ ٢٤]
стр. 557
(١١٩١) الإيثار: هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدينوية ورغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة والصبر على المشقة، وفي «موطأ مالك» أنه بلغه عن عائشة زوج النبي ﷺ أن مسكينًا سألها وهي صائمة، وليس في بيتها إلا رغيف، فقالت لمولاة لها: أعطيه إياه، فقالت: ليس لك ما تفطرين عليه؟ فقالت: أعطيه إياه، فقالت: ليس لك ما تفطرين عليه؟ فقالت: أعطيه إياه، قالت: ففعلت. فلما أمسينا أهدى لنا أهل بيت أو إنسان ما كان يهدى لنا شاة وكفنها، فدعتني عائشة فقالت: كلي من هذا، فهذا خير من قُرصك … ومعنى شاة وكفنها؛ فإن العرب أو بعض العرب أو بعض وجوههم كان هذا من طعامهم يأتون إلى الشاة أو الخروف إذا سلخوه غطوه كله بعجين البر، وكفنوه به، ثم علقوه في التنور، فلا يخرج من ودكه شيء إلا في ذلك الكفن؛ وذلك من طيب الطعام عندهم. [١٨/ ٢٦]
(١١٩٢) من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠].
قال ابن أبي ليلى: الناس على ثلاثة منازل: المهاجرون، والذين تبوءوا الدار والإيمان، والذين جاءوا من بعدهم. فاجتهد ألا تخرج من هذه المنازل. [١٨/ ٣٠].
(١١٩٣) من قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠].
قال الشعبي: تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة، سئلت
стр. 558
اليهود: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى. وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب عيسى. وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد، أُمروا بالاستغفار لهم فسبوهم، فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة، لا تقوم لهم راية، ولا تثبت لهم قدم، ولا تجتمع لهم كلمة، كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله بسفك دمائهم وإدحاض حجتهم. أعاذنا الله وإياكم من الأهواء المضلة. [١٨/ ٣٢]
(١١٩٤) من قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ … ﴾ [الحشر: ٢١].
حثَّ على تأمل مواعظ القرآن، وبيَّن أنه لا عذر في ترك التدبر، فإنه لو خوطب بهذا القرآن الجبال مع تركيب العقل فيها لانقادت لمواعظه ولرأتها على صلابتها ورزانتها خاشعة متصدعة أي: متشققة من خشية الله … وقيل ﴿خَاشِعًا﴾ لله بما كلفه من طاعته ﴿مُتَصَدِّعًا﴾ من خشية الله أن يعصيه فيعاقبه، وقيل: هو على وجه المثل للكفار. [١٨/ ٤١]
(١١٩٥) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ … ﴾ [الممتحنة: ١].
روى الأئمة واللفظ لمسلم عن علي ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال: «ائتوا روضة خاخ فإنها بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها»، فانطلقنا تعادى بنا خيلنا، فإذا نحن بالمرأة، فقلنا:
стр. 559
أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب؛ فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «يا حاطب ما هذا؟»، قال: لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت امرأً ملصقًا في قريش، قال سفيان: كان حليفًا لهم ولم يكن من أنفسها وكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يدًا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال النبي ﷺ : «صدق»، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: «إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»، فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾.
قيل: اسم المرأة «سارَّة» من موالي قريش، وكان في الكتاب: «أما بعد: فإن رسول الله ﷺ قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل، وأقسم بالله لو لم يسر إليكم إلا وحده لأظفره الله بكم، وأنجز له موعده فيكم، فإن الله وليه وناصره». ذكره بعض المفسرين. [١٨/ ٤٦]
(١١٩٦) من قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤].
في هذا دلالة على تفضيل نبينا ﵊ على سائر الأنبياء؛ لأنا
стр. 560
حين أُمرنا بالاقتداء به أُمرنا أمرًا مطلقًا في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وحين أُمرنا بالاقتداء بإبراهيم ﵇ استثنى بعض أفعاله. [١٨/ ٥٢]
(١١٩٧) من قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة: ٥].
أي: لا تظهر عدونا علينا فيظنوا أنهم على حق فيفتتنوا بذلك، وقيل: لا تسلطهم علينا فيفتنونا ويعذبونا. [١٨/ ٥٢]
(١١٩٨) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢].
ذكر الله ورسوله ﵊ في صفة البيعة -بيعة النساء- خصالاً شتى؛ صرح فيهن بأركان النهي في الدين، ولم يذكر أركان الأمر. وهي ستة أيضًا: الشهادة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والاغتسال من الجنابة؛ وذلك لأن النهي دائم في كل الأزمان وكل الأحوال؛ فكان التنبيه على اشتراط الدائم آكد. وقيل: إن هذه المناهي كان في النساء كثير من يرتكبها ولا يحجزهن عنها شرف النسب، فخصت بالذكر لهذا، ونحوٌ منه.
وقوله ﵊ لوفد عبد القيس: «وأنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت» فنبههم على ترك المعصية في شرب الخمر دون سائر المعاصي، لأنها كانت شهوتهم وعادتهم، وإذا ترك المرء شهوته من المعاصي هان عليه ترك سائرها مما لا شهوة له فيها. [١٨/ ٦٦]
стр. 561
(١١٩٩) من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ … ﴾ [الممتحنة: ١٢].
في البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال: إنما هو شرط شرطه الله للنساء، واختلف في معناه .. والصحيح أنه عام في جميع ما يأمر به النبي ﷺ وينهى عنه، فيدخل فيه النوح، وتخريق الثياب، وجز الشعر، والخلوة بغير محرم إلى غير ذلك. [١٨/ ٦٧]
(١٢٠٠) من قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].
أحمد اسم نبينا ﷺ ، وهو اسم علم منقول من صفة لا من فعل، فتلك الصفة أفعل التي يراد بها التفضيل، فمعنى أحمد، أي: أحمدُ الحامدين لربه، والأنبياء صلوات الله عليه وسلامه كلهم حامدون الله، ونبينا أحمد أكثرهم حمدًا، وأما محمد فمنقول من صفة أيضًا، وهي في معنى محمود، ولكن فيه معنى المبالغة والتكرار؛ فالمحمد هو الذي حُمد مرة بعد مرة، كما أن المكرم من الكرم مرة بعد مرة، وكذلك الممدح ونحو ذلك. فاسم محمد مطابق لمعناه، والله سماه قبل أن يُسمي به نفسه، فهذا علم من أعلام نبوته؛ إذ كان اسمه صادقًا عليه فهو محمود في الدنيا، لما هدى إليه ونفع به من العلم والحكمة، وهو محمود في الآخرة بالشفاعة، فقد تكرر معنى الحمد، كما يقتضي اللفظ ثم إنه لم يكن محمدًا حتى كان أحمد، حمد ربه، فنبأه وشرفه، فلذلك تقدم اسم أحمد على الاسم الذي هو محمد، فذكره عيسى ﵇ فقال: ﴿اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، وفي «الصحيح»:
стр. 562
«لي خمسة أسماء؛ أنا محمد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي تحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب». [١٨/ ٧٥]
(١٢٠١) من قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ … ﴾ [الصف: ٨].
الإطفاء هو الإخماد يستعملان في النار، ويستعملان فيما يجري مجراها من الضياء والظهور، ويفترق الإطفاء والإخماد من وجه وهو: أن الإطفاء يستعمل في القليل والكثير، والإخماد إنما يستعمل في الكثير دون القليل؛ فيقال: أطفأت السراج، ولا يقال: أخمدت السراج.
وفي ﴿نُورَ اللَّهِ﴾ هنا خمسة أقاويل: أحدها: أنه القرآن يريدون إبطاله وتكذيبه بالقول، قاله ابن عباس وابن زيد. والثاني: أنه الإسلام يريدون دفعه بالكلام. قاله السدي. الثالث: أنه محمد ﷺ يريدون هلاكه بالأراجيف. قاله الضحاك. الرابع: حجج الله ودلائله يريدون إبطالها بإنكارهم وتكذيبهم. قاله ابن بحر. الخامس: أنه مثل مضروب، أي: من أراد إطفاء نور الشمس بفيه فوجده مستحيلًا ممتنعًا فكذلك من أراد إبطال الحق. حكاه ابن عيسى. [١٨/ ٧٦]
(١٢٠٢) من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف: ٨].
﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾، أي: بإظهاره في الآفاق، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ بالإضافة على نية الانفصال؛ كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وشبهه.
стр. 563
والباقون ﴿مُتِمٌّ نُورَه﴾ لأنه فيما يستقبل فَعَمِل.
﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ من سائر الأصناف. [١٨/ ٧٧]
(١٢٠٣) من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢].
قال الماوردي: فإن قيل: ما وجه الامتنان بأن بَعَثَ نبيًّا أمِّيًّا؛ فالجواب عنه من ثلاثة أوجه؛ أحدها: لموافقته ما تقدمت به بشارة الأنبياء. الثاني: لمشاكلة حاله لأحوالهم، فيكون أقرب إلى موافقتهم. الثالث: لينتفي عنه سوء الظن في تعليمه ما دعى إليه من الكتب التي قرأها والحكم التي تلاها. قلت: وهذا كله دليل معجزته وصدقه نبوته». [١٨/ ٨٢]
(١٢٠٤) من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ … ﴾ [الجمعة: ٤].
قال ابن عباس: حيث ألحق العجم بقريش، وقيل: يعني الإسلام فضل الله يؤتيه من يشاء. قاله الكلبي، وقيل: يعني الوحي والنبوة. قاله مقاتل. وقول رابع: إنه المال ينفق في الطاعة، وهو معنى قول أبي صالح، وقد روى مسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلا، والنعيم المقيم، فقال: «وما ذاك؟»، قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويُعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله ﷺ : «أفلا أعلمكم شيئًا تدركون من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل صنعتم؟»، قالوا: بلى يا رسول الله؛ قال:
стр. 564
«تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة»، قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ : «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء».
وقول خامس: إنه انقياد الناس إلى تصديق النبي ﷺ ودخولهم في دينه ونصرته، والله أعلم. [١٨/ ٨٣ - ٨٤]
(١٢٠٥) من قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥].
ضرب مثلًا لليهود لما تركوا العمل بالتوراة، ولم يؤمنوا بمحمد ﷺ ﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾ أي: كلفوا العمل بها، … ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ هي جمع سفر، وهو الكتاب الكبير؛ لأنه يسفر عن المعنى إذا قرئ. قال ميمون بن مهران: الحمار لا يدري أسفر على ظهره أم زبيل فهكذا اليهود. وفي هذا تنبيه من الله تعالى لمن حمل الكتاب أن يتعلم معانيه ويعلم ما فيه لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء.
وقال منذر بن سعيد البلوطي ﵀ فأحسن:
انعق بما شئت تجد أنصارا … وزُمَّ أسفارًا تجد حمارا
يحمل ما وضعت من أسفارِي … يحمله كمثل الحمار
يحمل أسفارا له وما درى … إن كان ما فيها صوابًا وخطا
стр. 565
إن سئلوا قالوا كذا روينا … ما إن كذبنا ولا اعتدينا
كبيرهم يصغر عند الحفل … لأنه قلد أهل الجهل
﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ أي لم يعملوا بها، شبههم -والتوارة في أيديهم وهم لا يعملون بها- بالحمار يحمل كتبًا وليس له إلا ثِقل الحِمل من غير فائدة. [١٨/ ٨٤]
(١٢٠٦) من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ … ﴾ [الجمعة: ٨].
قال الزجاج: «لا يقال: إن زيدًا فمنطلق، وهاهنا قال: ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ لما في معنى ﴿الَّذِي﴾ من الشرط والجزاء أي: إن فررتم منه فإنه ملاقيكم، ويكون مبالغة في الدلالة على إنه لا ينفع الفرار منه».
قال زهير:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه … ولو رام أسباب السماء بسلم
قلت: ويجوز أن يتم الكلام عند قوله: ﴿الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ ثم يبتدئ ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾.
وقال طرفة:
وكفى بالموت فاعلم واعظًا … لمن الموت عليه قد قُدر
فاذكر الموت وحاذر ذكره … إن في الموت لذي اللب عبر
كل شيء سوف يلقى حتفه … في مقام أو على ظهر سفر