Полный текст (667 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
(١١٩٩) من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ … ﴾ [الممتحنة: ١٢].
في البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال: إنما هو شرط شرطه الله للنساء، واختلف في معناه .. والصحيح أنه عام في جميع ما يأمر به النبي ﷺ وينهى عنه، فيدخل فيه النوح، وتخريق الثياب، وجز الشعر، والخلوة بغير محرم إلى غير ذلك. [١٨/ ٦٧]
(١٢٠٠) من قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].
أحمد اسم نبينا ﷺ ، وهو اسم علم منقول من صفة لا من فعل، فتلك الصفة أفعل التي يراد بها التفضيل، فمعنى أحمد، أي: أحمدُ الحامدين لربه، والأنبياء صلوات الله عليه وسلامه كلهم حامدون الله، ونبينا أحمد أكثرهم حمدًا، وأما محمد فمنقول من صفة أيضًا، وهي في معنى محمود، ولكن فيه معنى المبالغة والتكرار؛ فالمحمد هو الذي حُمد مرة بعد مرة، كما أن المكرم من الكرم مرة بعد مرة، وكذلك الممدح ونحو ذلك. فاسم محمد مطابق لمعناه، والله سماه قبل أن يُسمي به نفسه، فهذا علم من أعلام نبوته؛ إذ كان اسمه صادقًا عليه فهو محمود في الدنيا، لما هدى إليه ونفع به من العلم والحكمة، وهو محمود في الآخرة بالشفاعة، فقد تكرر معنى الحمد، كما يقتضي اللفظ ثم إنه لم يكن محمدًا حتى كان أحمد، حمد ربه، فنبأه وشرفه، فلذلك تقدم اسم أحمد على الاسم الذي هو محمد، فذكره عيسى ﵇ فقال: ﴿اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، وفي «الصحيح»:
стр. 562
«لي خمسة أسماء؛ أنا محمد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي تحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب». [١٨/ ٧٥]
(١٢٠١) من قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ … ﴾ [الصف: ٨].
الإطفاء هو الإخماد يستعملان في النار، ويستعملان فيما يجري مجراها من الضياء والظهور، ويفترق الإطفاء والإخماد من وجه وهو: أن الإطفاء يستعمل في القليل والكثير، والإخماد إنما يستعمل في الكثير دون القليل؛ فيقال: أطفأت السراج، ولا يقال: أخمدت السراج.
وفي ﴿نُورَ اللَّهِ﴾ هنا خمسة أقاويل: أحدها: أنه القرآن يريدون إبطاله وتكذيبه بالقول، قاله ابن عباس وابن زيد. والثاني: أنه الإسلام يريدون دفعه بالكلام. قاله السدي. الثالث: أنه محمد ﷺ يريدون هلاكه بالأراجيف. قاله الضحاك. الرابع: حجج الله ودلائله يريدون إبطالها بإنكارهم وتكذيبهم. قاله ابن بحر. الخامس: أنه مثل مضروب، أي: من أراد إطفاء نور الشمس بفيه فوجده مستحيلًا ممتنعًا فكذلك من أراد إبطال الحق. حكاه ابن عيسى. [١٨/ ٧٦]
(١٢٠٢) من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف: ٨].
﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾، أي: بإظهاره في الآفاق، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ بالإضافة على نية الانفصال؛ كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وشبهه.
стр. 563
والباقون ﴿مُتِمٌّ نُورَه﴾ لأنه فيما يستقبل فَعَمِل.
﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ من سائر الأصناف. [١٨/ ٧٧]
(١٢٠٣) من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢].
قال الماوردي: فإن قيل: ما وجه الامتنان بأن بَعَثَ نبيًّا أمِّيًّا؛ فالجواب عنه من ثلاثة أوجه؛ أحدها: لموافقته ما تقدمت به بشارة الأنبياء. الثاني: لمشاكلة حاله لأحوالهم، فيكون أقرب إلى موافقتهم. الثالث: لينتفي عنه سوء الظن في تعليمه ما دعى إليه من الكتب التي قرأها والحكم التي تلاها. قلت: وهذا كله دليل معجزته وصدقه نبوته». [١٨/ ٨٢]
(١٢٠٤) من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ … ﴾ [الجمعة: ٤].
قال ابن عباس: حيث ألحق العجم بقريش، وقيل: يعني الإسلام فضل الله يؤتيه من يشاء. قاله الكلبي، وقيل: يعني الوحي والنبوة. قاله مقاتل. وقول رابع: إنه المال ينفق في الطاعة، وهو معنى قول أبي صالح، وقد روى مسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلا، والنعيم المقيم، فقال: «وما ذاك؟»، قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويُعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله ﷺ : «أفلا أعلمكم شيئًا تدركون من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل صنعتم؟»، قالوا: بلى يا رسول الله؛ قال:
стр. 564
«تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة»، قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ : «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء».
وقول خامس: إنه انقياد الناس إلى تصديق النبي ﷺ ودخولهم في دينه ونصرته، والله أعلم. [١٨/ ٨٣ - ٨٤]
(١٢٠٥) من قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥].
ضرب مثلًا لليهود لما تركوا العمل بالتوراة، ولم يؤمنوا بمحمد ﷺ ﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾ أي: كلفوا العمل بها، … ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ هي جمع سفر، وهو الكتاب الكبير؛ لأنه يسفر عن المعنى إذا قرئ. قال ميمون بن مهران: الحمار لا يدري أسفر على ظهره أم زبيل فهكذا اليهود. وفي هذا تنبيه من الله تعالى لمن حمل الكتاب أن يتعلم معانيه ويعلم ما فيه لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء.
وقال منذر بن سعيد البلوطي ﵀ فأحسن:
انعق بما شئت تجد أنصارا … وزُمَّ أسفارًا تجد حمارا
يحمل ما وضعت من أسفارِي … يحمله كمثل الحمار
يحمل أسفارا له وما درى … إن كان ما فيها صوابًا وخطا
стр. 565
إن سئلوا قالوا كذا روينا … ما إن كذبنا ولا اعتدينا
كبيرهم يصغر عند الحفل … لأنه قلد أهل الجهل
﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ أي لم يعملوا بها، شبههم -والتوارة في أيديهم وهم لا يعملون بها- بالحمار يحمل كتبًا وليس له إلا ثِقل الحِمل من غير فائدة. [١٨/ ٨٤]
(١٢٠٦) من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ … ﴾ [الجمعة: ٨].
قال الزجاج: «لا يقال: إن زيدًا فمنطلق، وهاهنا قال: ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ لما في معنى ﴿الَّذِي﴾ من الشرط والجزاء أي: إن فررتم منه فإنه ملاقيكم، ويكون مبالغة في الدلالة على إنه لا ينفع الفرار منه».
قال زهير:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه … ولو رام أسباب السماء بسلم
قلت: ويجوز أن يتم الكلام عند قوله: ﴿الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ ثم يبتدئ ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾.
وقال طرفة:
وكفى بالموت فاعلم واعظًا … لمن الموت عليه قد قُدر
فاذكر الموت وحاذر ذكره … إن في الموت لذي اللب عبر
كل شيء سوف يلقى حتفه … في مقام أو على ظهر سفر
стр. 566
والمنايا حوله ترصده … ليس ينجيه من الموت الحذر
[١٨/ ٨٥]
(١٢٠٧) من قوله تعالى: ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩].
قرأ عبدالله بن الزبير والأعمش وغيرها ﴿الْجُمْعَةِ﴾ بإسكان الميم على التخفيف وهما لغتان.
قال الفراء: «يقال الجمعة بسكون الميم، والجمُعة بضم الميم، والجمَعة بفتح الميم، فيكون صفة اليوم، أي: تجمع الناس كما يقال: ضُحَكة للذي يُضحك».
وقال ابن عباس: «نزل القرآن بالتثقيل والتفخيم فاقرؤوها «جُمُعة»، يعني بضم الميم.
وقال الفراء وأبو عبيد: «والتخفيف أقيس وأحسن نحو: غُرفة وغرف وطُرفة وطُرف وحُجرة وحُجر». [١٨/ ٨٦]
(١٢٠٨) من قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].
منع الله منه عند صلاة الجمعة وحرمه في وقتها على من كان مخاطبًا بفرضها. والبيع لا يخلو عن شراء فاكتفى بذكر أحدهما؛ كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١].
وخص البيع؛ لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق، ومن لا يجب عليه حضور الجمعة، فلا ينهى عن البيع والشراء. [١٨/ ٩٥]
стр. 567
(١٢٠٩) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا … ﴾ [الجمعة: ١١].
في «صحيح مسلم» عن جابر بن عبدالله أن النبي ﷺ كان يخطب قائمًا يوم الجمعة، فجاءت عير من الشام، فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلًا -في رواية أنا فيهم- فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. [١٨/ ٩٧]
(١٢١٠) من قوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١].
شرط في قيام الخطيب على المنبر إذا خطب، قال علقمة: سئل عبدالله أكان النبي ﷺ يخطب قائمًا أو قاعدًا؟ فقال: أما تقرأ: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾.
وخرج مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ كان يخطب قائمًا ثم يجلس ثم يقوم؛ فيخطب فمن نبأك أنه يخطب جالسًا فقد كذب؛ فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة» وعلى هذا جمهور العلماء. [١٨/ ١٠١]
(١٢١١) من قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ … ﴾ [الجمعة: ١١].
فيه وجهان: أحدهما: ما عند الله من ثواب صلاتكم خير من لذة لهوكم وفائدة تجارتكم. الثاني: ما عند الله من رزقكم الذي قسمه لكم خير مما أصبتموه من لهوكم وتجارتكم.
﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ أي: خير من رَزق وأعطى؛ فمنه فاطلبوا واستعينوا بطاعته على نيل ما عنده من خيري الدنيا والآخرة. [١٨/ ١٠٨]
стр. 568
(١٢١٢) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ … ﴾ [المنافقون: ٤].
أي: هيئاتهم ومناظرهم، ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ يعني: عبدالله بن أبي، قال ابن عباس: «كان عبدالله بن أبي وسيمًا جسيمًا صحيحًا صبيحًا ذَلِق اللسان؛ فإذا قال سمع النبي ﷺ مقالته، وصفه الله بتمام الصورة وحسن الإبانة … ».
وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾، قال: كانوا رجالًا أجمل شيء كأنهم خشب مسندة، شبههم بخشب مسندة إلى الحائط لا يسمعون ولا يعقلون، أشباح بلا أرواح، وأجسام بلا أحلام، وقيل: شبههم بالخشب التي قد تآكلت فهي مسندة بغيرها لا يعلم ما في بطنها … ﴿مُسَنَّدَةٌ﴾ للتكثير، أي: استندوا إلى الإيمان بحقن دمائهم. [١٨/ ١١٢]
(١٢١٣) من قوله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤].
في قوله تعالى: ﴿فَاحْذَرْهُمْ﴾، وجهان: أحدهما: فاحذر أن تثق بقولهم أو تميل إلى كلامهم. الثاني: فاحذر ممايلتهم لأعدائك وتخذيلهم لأصحابك.
﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾، أي: لعنهم الله. قاله ابن عباس وأبو مالك وهي كلمة ذم وتوبيخ، وقد تقول العرب: قاتله الله ما أشعره! فيضعونه موضع التعجب، وقيل: معنى ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: أحلهم محل من قاتله عدو قاهر؛ لأن الله تعالى قاهر لكل معاند. حكاه ابن عابس. [١٨/ ١١٣]
стр. 569
(١٢١٤) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)﴾ [المنافقون: ٥].
وسبب نزول هذه الآيات: أن النبي ﷺ غزا بني المصطلق على ماء يقال له «المريسيع» من ناحية «قُديد» إلى الساحل فازدحم أجير لعمر يقال له: «جهجاه» مع حليف لعبدالله بن أبي يقال له: «سنان» على ماء بالمشلِّلْ، فصرخ «جهجاه» بالمهاجرين، وصرخ «سنان» بالأنصار، فلطم «جهجاه» «سنانًا»، فقال عبدالله بن أبي: أَوقد فعلوها! والله ما مَثلنا ومَثلهم إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز -يعني أُبيًّا- الأذل -يعني محمدًا ﷺ ، ثم قال لقومه: كفوا طعامكم عن هذا الرجل ولا تنفقوا على مَنْ عنده حتى ينفضوا ويتركوه.
فقال زيد بن أرقم -وهو من رهط عبدالله- أنت والله الذليل المنتقص في قومك، ومحمد ﷺ في عز من الرحمن ومودة من المسلمين، والله لا أحبك بعد كلامك هذا أبدًا، فقال عبدالله: اسكت إنما كنت ألعب، فأخبر زيد النبي ﷺ بقوله، فأقسم بالله ما فعل ولا قال فعذره النبي ﷺ . قال زيد: فوجدت في نفسي، ولا مني الناس؛ فنزلت سورة المنافقين في تصديق زيد وتكذيب عبدالله، فقيل لعبدالله قد نزلت فيك آيات شديدة فاذهب إلى رسول لله ﷺ ليستغفر لك فألوى برأسه؛ فنزلت الآيات». خرجه البخاري ومسلم والترمذي بمعناه. [١٨/ ١١٤]
стр. 570
(١٢١٥) من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١].
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾، أي: يصدق ويعلم أنه لا يصيبه مصيبة إلا بإذن الله ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ للصبر والرضا، وقيل: يثبته على الإيمان.
وقال أبو عثمان … : «من صح إيمانه يهد الله قلبه لاتباع السنة».
وقيل: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ عند المصيبة، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. قاله ابن جبير.
وقال ابن عباس: «هو أن يجعل الله في قلبه اليقين ليعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه».
وقال الكلبي: «هو إذا ابتلي صبر، وإذا أُنعم عليه شكر، وإذا ظُلم غفر».
وقيل: يهد قلبه إلى نيل الثواب في الجنة.
وقراءة العامة ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ بفتح الياء وكسر الدال لذكر اسم الله أولًا. وقرأ السلمي وقتادة ﴿يُهْدَ قَلْبُهُ﴾ بضم الياء وفتح الدال على الفعل المجهول.
ورفع الباء؛ لأنه اسم فعل لم يُسم فاعله، وقرأ طلحة به مصرف والأعرج: ﴿نَهْدِ﴾ بنونٍ على التعظيم ﴿قَلْبَهُ﴾ بالنصب.
وقرأ عكرمة: ﴿يَهْدَأُ قَلْبُه﴾ بهمزة ساكنة ورفع الباء، أي: يسكن ويطمئن. [١٨/ ١٢٤ - ١٢٥]
стр. 571
(١٢١٦) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٤].
أدخل ﴿مِنْ﴾ للتبعيض؛ لأن كلهم ليسوا بأعداء. ولم يذكر ﴿مِنْ﴾ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]؛ لأنهما لا يخلوان من الفتنة واشتغال القلب بهما. [١٨/ ١٢٨]
(١٢١٧) من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥].
قال ابن مسعود ﵁: «لا يقولن أحدكم اللهم اعصمني من الفتنة؛ فإنه ليس أحد منكم يرجع إلى مال وأهل وولد إلا وهو مشتمل على فتنة؛ ولكن ليقل: اللهم إني أعوذ بك من مضلات الفتن». [١٨/ ١٢٧]
(١٢١٨) من قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق: ١].
الأمر الذي يحدثه أن يقلب قلبه من بُغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه؛ فيراجعها.
وقال جميع المفسرين: أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة.
ومعنى القول: التحريض على طلاق الواحدة، والنهي عن الثلاث؛ فإنه إذا طلق ثلاثًا أضر بنفسه عند الندم على الفراق، والرغبة في الارتجاع، فلا يجد عند الرجعة سبيلًا.
وقال مقاتل: «﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾، أي: بعد طلقة أو طلقتين، ﴿أَمْرًا (١)﴾، أي: المراجعة من غير خلاف». [١٨/ ١٤٠]
стр. 572
(١٢١٩) من قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ … ﴾ [الطلاق: ٢].
أمر بالإشهاد على الطلاق. وقيل: على الرجعة، والظاهر رجوعه إلى الرجعة لا إلى الطلاق، فإن راجع من غير إشهاد؛ ففي صحة الرجعة قولان للفقهاء.
وقيل: المعنى: وأشهدوا عند الرجعة والفُرقة جميعًا. وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وعند الشافعي: واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة، وفائدة الإشهاد ألا يقع بينهما التجاحد، وألا يُتهم في إمساكها، ولئلا يموت أحدهما، فيدعي الباقي ثبوت الزوجية ليرث. [١٨/ ١٤١]
(١٢٢٠) من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣].
قال الربيع بن خثيم: «إن الله تعالى قضى على نفسه أن من توكل عليه كفاه ومن آمن به هداه، ومن أقرضه جازاه، ومن وثق به نجاه، ومن دعاه أجاب له».
وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٧]. ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. [١٨/ ١٤٥]
стр. 573
(١٢٢١) قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: ٤].
طلق حبان بن منقذ امرأته وهي ترضع؛ فمكثت سنة لا تحيض لأجل الرضاع، ثم مرض حبان فخاف أن ترثه فخاصمها إلى عثمان وعنده علي وزيد، فقالا: نرى أن ترثه؛ لأنها ليست من القواعد ولا من الصغار؛ فمات حبان فورثته واعتدت عدة الوفاة. [١٨/ ١٤٧]
(١٢٢٢) من قوله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦].
هو خطاب للأزواج والزوجات، أي: وليقبل بعضكم من بعض، ما أمره به من المعروف الجميل.
والجميل منها إرضاع الولد من غير أجرة، والجميل منه توفير الأجرة عليها للإرضاع.
وقيل: ائتمروا في رضاع الولد فيما بينكم بمعروف حتى لا يلحق الولد إضرار.
وقيل: هو الكسوة والدثار.
وقيل: معناه: لاتضار والدة بولدها ولا مولود له بولده. [١٨/ ١٥١]
(١٢٢٣) من قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ … ﴾ [الطلاق: ٧].
أي: لينفق الزوج على زوجته وعلى ولده الصغير على قدر وُسعه حتى يوسع عليهما إذا كان موسعًا عليه، ومن كان فقيرًا فعلى قدر ذلك
стр. 574
فتقدر النفقة بحسب الحالة من المنفِق والحاجة من المنفَق عليه بالاجتهاد على مجرى حياة العادة، فينظر المفتي إلى قدر حاجة المنفَق عليه ثم ينظر إلى حالة المنفِق، فإن احتملت الحالة أمضاها عليه، فإن اقتصرت حالته على حاجة المنفَق عليه ردها إلى قدر احتماله. [١٨/ ١٥١]
(١٢٢٤) من قوله تعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم: ٣].
عرف حفصة بعض ما أوحي إليه من أنها أخبرت عائشة بما نهاها عن أن تخبرها، وأعرض عن بعض تكرمًا. قاله السدي، وقال الحسن: «ما استقصى كريم قط. قال الله تعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾». وقال مقاتل: «يعني أخبرها ببعض ما قالت لعائشة وهو حديث أم ولده، ولم يخبرها ببعض، وهوقول حفصة لعائشة: إن أبا بكر وعمر سيملكان بعده». [١٨/ ١٦٥]
(١٢٢٥) من قوله: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٤].
في «صحيح مسلم»: عن ابن عباس ﵄ قال: مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتى خرج حاجًا فخرجت معه، فلما رجع فكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له، فوقفت حتى فرغ، ثم سرت معه فقلت: يا أمير المؤمنين، من اللتان تظاهرتا على رسول الله ﷺ من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة
стр. 575
وعائشة. قال: فقلت له: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة فما أستطيع هيبة لك. قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم فسلني عنه، فإن كنت أعلمه أخبرتك. [١٨/ ١٦٧]
(١٢٢٦) من قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ … ﴾ [التحريم: ٥].
كل «عسى» في القرآن واجب إلا هذا. وقيل: هو واجب ولكن الله علقه بشرط وهو التطليق، ولم يطلقهن.
في «صحيح مسلم» عن ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما اعتزل نبي الله ﷺ نساءه، قال: دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى، ويقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه -وذلك قبل أن يؤمرون بالحجاب-، فقال عمر: فقلت: لأعلمن ذلك اليوم، قال: فدخلتُ على عائشة، فقلت: يابنة أبي بكر، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله ﷺ ! فقالت: مالي ومالك يا بن الخطاب! عليك بعيبتك -أي عليك بوعظ ابنتك- قال: فدخلتُ على حفصة بنت عمر فقلت لها: يا حفصة، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله ﷺ ، والله لقد علمتِ أن رسول الله ﷺ لا يحبك، ولولا أنا لطلقك رسول الله ﷺ ، فبكت أشد البكاء. فقلت لها: أين رسول الله ﷺ ؟ قالت: هو في خزانته في المَشرُبة، فدخلتُ فإذا
стр. 576
أنا برباح غلام رسول الله ﷺ قاعدًا على أُسكفّة المَشرُبة مُدَلٍّ رجليه على نقير من خشب وهو جذع يرقى عليه رسول الله ﷺ ، وينحدر، فناديت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ ، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئًا، ثم رفعت صوتي، فقلت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ ، فإني أظن أن رسول الله ﷺ ظن أني جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني رسول الله ﷺ بضرب عنقها لأضربن عنقها، ورفعت صوتي فأومأ إليّ أن ارقه، فدخلت على رسول الله ﷺ ، وهو مضطجع على حصير، فجلست فأدنى عليه إزاره، وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه فنظرت ببصري في خزانة رسول الله ﷺ فإذا أنا بقبضةِ من شعير نحو الصاع، ومثلها قرظًا في ناحية الغرفة، وإذا أُفيقٌ معلق -الجلد الذي لم يتم دباغه- قال: فابتدرت عيناني، قال: «ما يبكيك يا ابن الخطاب؟»، قلت: يا نبي الله، وما لي لا أبكي، وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار وأنت رسول الله وصفوته، وهذه خزانتك! فقال: «يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟»، قلت: بلى، قال: ودخلت عليه حين دخلت، وأنا أرى في وجهه الغضب، فقلت: يا رسول الله، ما يشق عليك من شأن النساء فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل
стр. 577
وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك -وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن يكون الله يُصدق قولي الذي أقول، ونزلت هذه الآية: آية التخيير: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)﴾ [التحريم: ٤]، وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله أطلقتهن؟ قال: «لا»، قلت: يا رسول الله! إني دخلت المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى، يقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه؛ أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال: «نعم إن شئت»، فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه وحتى كَشَر فضحك، وكان من أحسن الناس ثغرًا ثم نزل نبي الله ﷺ ، ونزلتُ فنزلتُ أتشبث بالجذع، ونزل رسول الله ﷺ كأنما يمشي على الأرض ما يمسه بيده، فقلت: يا رسول الله، إنما كنت في الغرفة تسعًا وعشرين. قال: «إن الشهر يكون تسعًا وعشرين»، فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر، وأنزل الله آية التخيير. [١٨/ ١٦٧ - ١٦٩]
стр. 578
(١٢٢٧) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا … ﴾ [التحريم: ٦].
قال علي ﵁ وقتادة ومجاهد: «قُوا أنفسكم بأفعالكم وقُووا أهليكم بوصيتكم». [١٨/ ١٧١]
(١٢٢٨) من قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم: ١٠].
ضرب الله هذا المثل تنبيهًا على أنه لا يُغني أحد في الآخرة عن قريب ولا نسيب إذا فرق بينهما الدين.
قوله تعالى: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾. قال عكرمة والضحاك: بالكفر.
وعن ابن عباس: «كانت امرأة نوح تقول للناس: إنه مجنون، وكانت امرأة لوط تخبر بأضيافه».
وعنه: «ما بغت امرأة نبي قط».
وهذا إجماع من المفسرين فيما ذكر القشيري. إنما كانت خيانتهما في الدين، وكانتا مشركتين. وقيل: كانتا منافقتين، وقيل: خيانتاهما النميمة إذا أوحى الله إليهما شيئًا أفشتاه إلى المشركين. قاله الضحاك.
وقيل: كانت امرأة لوط إذا نزل به ضيف دخنت لتُعلم قومها أنه قد نزل به ضيف لما كانوا عليه من إتيان الرجال.
стр. 579
﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، أي: لم يدفع نوح ولوط مع كرامتهما على الله تعالى عن زوجتيهما -لما عصتا- شيئًا من عذاب الله تنبيهًا بذلك على أن العذاب يدفع بالطاعة لا بالوسيلة. [١٨/ ١٧٧]
(١٢٢٩) من قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١].
واسمهما آسية بنت مزاحم، قال يحيى بن سلام: «قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: مثل ضرب الله يحذر به عائشة وحفصة في المخالفة حين تظاهرتا على رسول الله ﷺ ، ثم ضرب لهما مثلًا بامرأة فرعون ومريم ابنة عمران ترغيبًا في التمسك بالطاعة والثبات على الدين، وقيل: هذا حث للمؤمنين على الصبر في الشدة أي: لا تكونوا في الصبر عند الشدة أضعف من امرأة فرعون حيث صبرت على أذى فرعون وكانت آسية آمنت بموسى». [١٨/ ١٧٨]
(١٢٣٠) من قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢].
قيل: المعنى: خلقكم للموت والحياة يعني: للموت في الدنيا والحياة في الآخرة، وقدم الموت على الحياة؛ لأن الموت إلى القهر أقرب، كما قدم البنات على البنين، فقال: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ [الشورى: ٤٩].
وقيل: قدمه لأنه أقدم؛ لأن الأشياء كانت في حكم الموت كالنطفة والتراب، ونحوه. [١٨/ ١٨١]
стр. 580
(١٢٣١) من قوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾ [الملك: ٣].
أمر بأن ينظروا في خلقه ليعتبروا به فيتفكروا في قدرته فقال: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾، أي: اردد طرفك إلى السماء. ويقال: قلّب البصر في السماء. ويقال: اجهد بالنظر إلى السماء. والمعنى متقارب، وإنما قال: ﴿فَارْجِعِ﴾ بالفاء وليس قبله فعل مذكور؛ لأنه قال: ﴿مَا تَرَى﴾، والمعنى: انظر ثم ارجع البصر هل ترى من فطور. قاله قتادة.
والفطور الشقوق. عن مجاهد والضحاك.
وقال قتادة: «من خلل». وقال السدي: «من خروق». وعن ابن عباس: «من وهن». وأصله من التفطر، والانفطار وهو الانشقاق. قال الشاعر:
بنى لكم بلا عمد سماءً … وزينها فما فيها فطورُ
[١٨/ ١٨٤]
(١٢٣٢) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤].
﴿كَرَّتَيْنِ﴾ في موضع المصدر؛ لأن معناه: رجعتين، أي: مرة بعد أخرى، وإنما أمر بالنظر مرتين؛ لأن الإنسان إذا نظر في الشيء مرة لا يرى عيبه ما لم ينظر إليه مرة أخرى، فأخبر تعالى أنه وإن نظر في السماء مرتين لا يرى فيها عيبًا، بل يتحير بالنظر إليها فذلك قوله تعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾، أي: خاشعًا صاغرًا متباعدًا عن أن يرى شيئًا من ذلك. [١٨/ ١٨٤]
стр. 581
(١٢٣٣) من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥].
جمع مصباح، وهو السراج، وتسمى الكواكب مصابيح؛ لإضائتها.
﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا﴾، أي: جعلنا شُهُبَهَا، فحذف المضاف دليله: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ [الصافات: ١٠].
قال قتادة: «خلق الله تعالى النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يُهتدى بها في البر والبحر والأوقات؛ فمن تأول فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم له به، وتعدى وظلم». [١٨/ ١٨٥]
(١٢٣٤) من قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤].
قال ابن المسيب: «بينما رجل واقف بالليل في شجر كثير، وقد عصفت الريح فوقع في نفس الرجل: أترى أن الله يعلم ما يسقط من هذا الورق؟ فنودي من جانب الغيضة -أي الشجر الكثير الملتف- بصوت عظيم: ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير». [١٨/ ١٨٨]
(١٢٣٥) من قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩].
أي: كما ذلل الأرض للآدمي، ذلل الهواء للطيور، و ﴿صَافَّاتٍ﴾ أي: باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها؛ لأنهن إذا بسطنها صففن قوائهما صفًّا ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ أي: يضربن بها جنوبهن.
стр. 582
﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾، أي: ما يمسك الطير في الجو وهي تطير إلا الله ، ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾. [١٨/ ١٩٠]
(١٢٣٦) من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك: ٣٠].
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾: يا معشر قريش ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾، أي: غائرًا ذاهبًا في الأرض لا تناله الدلاء، وكان ماؤهم من بئرين؛ بئر زمزم، وبئر ميمون، ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ أي: جارٍ. قاله قتادة والضحاك. فلابد لهم من أن يقولوا: لا يأتينا به إلا الله، فقل لهم: لم تشركون به من لا يقدر على أن يأتيكم. [١٨/ ١٩٤]
(١٢٣٧) من قوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ [القلم: ١].
أقسم بالقلم لما فيه من البيان؛ كاللسان وهو واقع على كل قلم مما يكتب به من في السماء، ومن في الأرض.
ومنه قول أبي الفتح البستي:
إذا أقسم الأبطال يومًا بسيفهم … وعدوه مما يكسب المجد والكرم
والكرم
كفى قلم الكتاب عزَا ورفعة … مدى الدهر أن الله أقسم بالقلم
وقال ابن عباس: «هذا قسم بالقلم الذي خلق الله فأمره فجرى بكتابة جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة».
وقال قتادة: «القلم نعمة من الله تعالى على عباده».
وقال غيره: «فخلق الله القلم الأول، فكتب ما يكون في الذكر، ووضعه
стр. 583
عنده فوق عرشه، ثم خلق القلم الثاني ليكتب به في الأرض».
﴿وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾، أي: وما يكتبون، يريد الملائكة يكتبون أعمال بني آدم. قاله ابن عباس.
وقيل: وما يكتبون، أي: الناس ويتفاهمون به.
[١٨/ ١٩٨]
(١٢٣٨) من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
قال ابن عباس ومجاهد: «على خلق، على دين عظيم من الأديان ليس دين أحب إلى الله تعالى ولا أرضى عنده منه، وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أن خلقه كان القرآن» وقال علي ﵁ وعَطِيّة: هو أدب القرآن وقيل هو رِفْقُهُ بأمته وإكرامه إياهم، وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمر الله وينتهي عنه مما نهى الله عنه … قلت: ما ذكرته عائشة في صحيح مسلم أصح الأقوال … وقال الجنيد: سمي خلقه عظيماً لأنه لم تكن له همة سوى الله تعالى، وقيل سمي خلقه عظيماً لاجتماع مكارم الأخلاق فيه. [١٨/ ١٩٨]
(١٢٣٩) من قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)﴾ [القلم: ٤٣].
أي: في الدنيا، وهم معافون أصحاء.
قال إبراهيم التيمي: «أي يُدعون بالأذان والإقامة فيأبونه».
وقال سعيد بن جبير: «كانوا يسمعون حي على الفلاح فلا يجيبون».
стр. 584
وقال كعب الأحبار: «والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات».
كان الربيع بن خثيم قد فُلج وكان يهادى بين الرجلين إلى المسجد؛ فقيل: يا أبا يزيد، لو صليت في بيتك لكانت لك رخصة. فقال: من سمع حي على الفلاح فليجب ولو حبوًا. [١٨/ ٢١٩]
(١٢٤٠) من قوله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤)﴾ [القلم: ٤٤].
معناه: سنأخذهم على غفلة وهم لا يعرفون، فعذبوا يوم بدر.
وقال سفيان الثوري: «نسبغ عليهم النعم، وننسيهم الشكر».
وقال الحسن: «كم مستدرج بالإحسان إليه، وكم مفتون بالثناء عليه، وكم مغرور بالستر عليه».
وقال أبو رَوق: «أي: كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة، وأنسيناهم الاستغفار».
وقال ابن عباس: «سنمكر بهم». وقيل: هو أن نأخذهم قليلًا ولا نباغتهم. [١٨/ ٢٢٠]
(١٢٤١) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ [القلم: ٥١].
كانت العين في بني أسد، حتى إن البقرة السمينة أو الناقة السمينة تمر
стр. 585
بأحدهم فيعاينها ثم يقول: يا جارية، خذي المكتل والدرهم فأتينا بلحم هذه الناقة، فما تبرح حتى تقع للموت فتنحر.
وقال الكلبي: «كان رجل من العرب يمكث لا يأكل شيئًا يومين أو ثلاثة، ثم يرفع جانب الخباء فتمر به الإبل أو الغنم فيقول: لم أر كاليوم إبلا ولا غنمًا أحسن من هذه. فما تذهب إلا قليلاً حتى تسقط منها طائفة هالكة»؛ فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب لهم النبي ﷺ بالعين؛ فأجابهم، فلما مر النبي ﷺ أنشد:
قد كان قومك يحسبونك سيدًا … وإخال أنك سيد معيون
فعصم الله نبيه ﷺ ، ونزلت: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ … ﴾. قال القشيري: «وفي هذا نظر؛ لأن الإصابة بالعين إنما تكون مع الاستسحان والإعجاب لا مع الكراهية والبغض؛ ولهذا قال: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١)﴾ [القلم: ٥١]، أي: ينسبونك إلى الجنون إذا رأوك تقرأ القرآن».
قلت: أقوال المفسرين واللغويين تدل على ما ذكرنا، وأن مرادهم بالنظر إليه قتله، ولا يمنع كراهة الشيء من أن يصاب بالعين عداوة حتى يهلك. [١٨/ ٢٢٢]
(١٢٤٢) من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾ [الحاقة: ٣].
استفهام .. أي: أيّ شيء أعلمك ما ذلك اليوم، والنبي ﷺ كان عالمًا بالقيامة، ولكن بالصفة، فقيل تفخيمًا لشأنها: وما أدراك ما هي، كأنك
стр. 586
لست تعلمها إذ لم تعاينها.
وقال يحيى بن سلام: «بلغني أن كل شيء في القرآن ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ فقد أدراه إياه وعلمه، وكل شيء قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ فهو مما لم يعلمه».
وقال سفيان بن عيينة: «كل شيء قال فيه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ فإنه أخبر به، وكل شيء قال فيه: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ فإنه لم يخبره به». [١٨/ ٢٢٤]
(١٢٤٣) من قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩)﴾ [الحاقة: ٩] أي أهل قرى قوم لوط.
قال قتادة: «إنما سميت قرى قوم لوط (مؤتفكات) لأنها ائتفكت بهم، أي انقلبت». وذكر الطبري عن محمد بن كعب القرظي قال: «خمس قريات: صبعة وصعرة وعمرة ودوما وسدوم وهي القرية العظمى». [١٨/ ٢٢٨].
(١٢٤٤) من قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾ [الحاقة: ١١].
والمقصود من قصص هذه الأمم وذكر ما حلَّ بهم من العذاب زجر هذه الأمة عن الاقتداء بهم في معصية الرسول ثم مَنَّ عليهم بأن جعلهم ذرية من نجا من الغرق، بقوله: ﴿حَمَلْنَاكُمْ﴾، أي: حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم، ﴿فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾ أي: في السفن الجارية، والمحمول في الجارية نوح وأولاده، وكل من على وجه الأرض من نسل أولئك. [١٨/ ٢٢٩]
стр. 587
(١٢٤٥) من قوله تعالى: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾ [الحاقة: ١٢].
قال قتادة: «الأذن الواعية: أذنٌ عقلت عن الله تعالى، وانتفعت بما سمعت من كتاب الله ». [١٨/ ٢٢٩]
(١٢٤٦) من قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩].
إعطاء الكتاب باليمين دليل على النجاة. وقال ابن عباس: «أول من يعطى كتابه بيمينه من هذه الأمة عمر بن الخطاب، وله شعاع كشعاع الشمس». قيل له: فأين أبو بكر؟ فقال: «هيهات هيهات!! زفته الملائكة إلى الجنة»؛ ﴿فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩)﴾ أي: يقول ذلك ثقة بالإسلام وسرورًا بنجاته؛ لأن اليمين عند العرب من دلائل الفرج، والشمال من دلائل الغم.
قال الشاعر:
أبيني أفي يُمنى يديكِ جعلْتِنِي … فأفرحُ أم صيرتني في شمالك
ومعنى ﴿هَاؤُمُ﴾: تعالوا. قاله ابن زيد. وقيل: ﴿هَاؤُمُ﴾ كلمة وضعت لإجابة الداعي عند النشاط والفرح.
روي أن رسول الله ﷺ ناداه أعرابي بصوت عال؛ فأجابه النبي ﷺ : «هَاؤُمُ» -يُطول صوته-. [١٨/ ٢٣٥]
(١٢٤٧) من قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾ [الحاقة: ٢٠].
قال الضحاك: «كل ظن في القرآن من المؤمن فهو يقين. ومن الكافر فهو شك».
стр. 588
قال مجاهد: «ظن الآخرة يقين، وظن الدنيا شك».
قال الحسن: «في هذه الآية: إن المؤمن أحسن الظن بربه؛ فأحسن العمل وإن المنافق أساء الظن بربه فأساء العمل». [١٨/ ٢٢٤]
(١٢٤٨) من قوله تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة: ٤٥ - ٤٦].
قال أبو جعفر الطبري: «إن هذا الكلام خرج مخرج الإذلال على عادة الناس في الأخذ بيد من يعاقَب، كما يقول السلطان لمن يريد هوانه خذوا يديه أي لَأَمَرَنَا بالأخذ بيده وبَالَغْنَا في عقابه، ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ يعني: نياط القلب، أي: لأهلكناه وهو عرق يتعلق به القلب إذا انقطع مات صاحبه؛ قال ابن عباس وأكثر الناس». [١٨/ ٢٤٠]
(١٢٤٩) من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾ [الحاقة: ٤٩ - ٥٠].
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾. قال الربيع: «بالقرآن». ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ﴾ يعني: التكذيب، والحسرة: الندامة. وقيل: أي: وإن القرآن لحسرة على الكافرين يوم القيامة إذا رأوا ثواب من آمن به، وقيل: هي حسرتهم في الدنيا حين لم يقدروا على معارضته عند تحديهم أن يأتوا بسورة مثله. [١٨/ ٢٤١]
(١٢٥٠) من قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢)﴾ [المعارج: ١ - ٢].
السؤال بمعنى الدعاء؛ أي: دعا داع بعذاب. عن ابن عباس وغيره.
стр. 589
﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: على الكافرين. وهو النضر بن الحارث، حيث قال: «اللهم إن كان هذا هو الحق من عند فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم»، فنزل سؤاله، وقتل يوم بدر صبرًا هو وعقبة بن أبي معيط لم يُقتل صبرًا غيرهما. قاله ابن عباس ومجاهد. [١٨/ ٢٤٢]
(١٢٥١) من قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ [المعارج: ٤].
قال ابن عباس: «هو يوم القيامة جعله الله على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة ثم يدخلون النار للاستقرار».
قلت: وهذا القول أحسن ما قيل في الآية إن شاء الله.
واستدل النحاس على صحة هذا القول بما رواه سهيل عن أ بيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من رجل لم يؤد زكاة ماله إلا جعل شجاعًا من نار تكوى به جبهته وظهره وجنباه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي الله بين الناس». قال: فهذا يدل على أنه يوم القيامة. وقال إبراهيم التيمي: «ما قدر ذلك اليوم على المؤمن إلا قدر ما بين الظهر والعصر». [١٨/ ٢٤٥]
(١٢٥٢) من قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)﴾ [المعارج: ٥].
الصبر الجميل: هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى لغير الله.
وقيل: أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يُدرى من هو. [١٨/ ٢٤٧]
стр. 590
(١٢٥٣) من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤)﴾ [المعارج: ٣٤].
قال قتادة: «على وضوئها وركوعها وسجودها».
وقال ابن جريج: «التطوع … »، فالدوام خلاف المحافظة، فدوامهم عليها أن يحافظوا على أدائها لا يُخلون بها ولا يشتغلون عنها بشيء من الشواغل، ومحافظتهم عليها أن يراعوا إسباغ الوضوء لها ومواقيتها، ويقيموا أركانها، ويكملونها بسننها وآدابها، ويحفظوها من الإحباط باقتراب المأثم، فالدوام يرجع إلى نفس الصلوات والمحافظة إلى أحوالها. [١٨/ ٢٥٣]
(١٢٥٤) من قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾ [المعارج: ٣٩].
أي: إنهم يعلمون أنهم مخلوقون من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة كما خُلق سائر جنسهم فليس لهم فضل يستوجبون به الجنة، وإنما تستوجب بالإيمان والعمل الصالح ورحمة الله تعالى، وقيل: كانوا يستهزءون بفقراء المسلمين، ويتكبرون عليهم، فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾، من القذر فلا يليق بهم هذا التكبر.
قال قتادة في هذه الآية: «إنما خُلقت يا ابن آدم من قذر فاتق الله».
وروي أن مطرف بن عبدالله بن الشخير رأى المهلب بن أبي صُفرة يتبختر في مُطْرَف خز وجبة خز، فقال له: يا عبدالله، ما هذه المشية التي يُبغضها الله! فقال له: أتعرفني؟ قال: نعم، أولك نطفة مذره، وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة. فمضى المهلب وترك مشيته.
стр. 591
نظم الكلام محمود الوراق فقال:
عجبت من معجب بصورته … وكان في الأصل نطفة مذرة
وهو غدًا بعد حسن صورته … يصير في اللحد جيفة قذرة
وهو على تيهه ونخوته … ما بين ثوبيه يحمل العذرة
وقال آخر:
هل في ابن آدم غير الرأس مكرمةٌ … وهو بخمس من الأوساخ مضروب
مضروب
أنف يسيل وأذن ريحها سهكٌ … والعين مرمصة والثغر ملهوب
يا ابن التراب ومأكول التراب غدًا … قَصِّر فإنك مأكول ومشروب
[١٨/ ٢٥٥]
(١٢٥٥) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤].
أي: إذا جاء الموت لا يؤخر بعذاب كان أو بغير عذاب، وأضاف الأجل إليه سبحانه؛ لأنه الذي أثبته، وقد يضاف إلى القوم؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٤]، و ﴿لَوْ﴾ بمعنى: إن، ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ أي: إن كنتم تعلمون.
وقال الحسن معناه: «لو كنتم تعلمون لعلمتم أن أجل الله إذا جاءكم لم يؤخر». [١٨/ ٢٥٩]
(١٢٥٦) من قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ … ﴾ [نوح: ٧].
﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ﴾ أي: إلى سبب المغفرة وهي الإيمان بك والطاعة لك، ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ لئلا يسمعوا دعائي ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ أي:
стр. 592
غطوا بها وجوههم لئلا يروه، وقال ابن عباس: «جعلوا ثيابهم على رؤوسهم لئلا يسمعوا كلامه». فاستغشاء الثياب إذًا زيادة في سد الآذان حتى لا يسمعوا أو لتنكيرهم أنفسهم حتى يسكت أو ليعرّفوه إعراضهم عنه». وقيل: هو كناية عن العداوة، يقال: لبس لي فلان ثياب العداوة. [١٨/ ٢٥٩]
(١٢٥٧) من قوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠)﴾ [نوح: ١١].
في هذه الآية والتي في هود دليل على أن الاستغفار يُستنزل به الرزق والأمطار، قال الشعبي: «خرج عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى رجع فَأُمطروا، فقالوا: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد طلبت المطر بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر ثم قرأ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١)﴾». وقال الأوزاعي: «خرج الناس يستسقون فقام فيهم بلال بن سعد فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: اللهم إنا سمعناك تقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾، وقد أقررنا بالإساءة فهل تكون مغفرتك إلا لمثلنا، اللهم اغفر لنا وارحمنا واسقنا، فرفع يديه ورفعوا أيديهم فسُقُوا. وقال ابن صبيح: «شكا رجل إلى الحسن الجدوبة فقال له: استغفر الله، وشكا آخر إليه الفقر، فقال له: استغفر الله، وقال له آخر: ادع الله يرزقني ولدًا، فقال له: استغفر الله، وشكا إليه آخر جفاف بستان فقال له: استغفر الله، فقلنا له في ذلك، فقال: ما قلت من عندي شيئًا، إن الله تعالى يقول في سورة
стр. 593
نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾. [١٨/ ٢٦١]
(١٢٥٨) من قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ [نوح: ١٤].
أي: جعل لكم في أنفسكم آية تدل على توحيده. قال ابن عباس: «﴿أَطْوَارًا (١٤)﴾ يعني: نطفة ثم علقة ثم مضغة أي طورًا بعد طور إلى تمام الخلق»، كما ذكر في سورة المؤمنون.
والطَّور في اللغة: المرة، أي: من فعل هذا، وقَدر عليه فهو أحق أن تعظموه، وقيل: ﴿أَطْوَارًا (١٤)﴾: صبيانًا ثم شبابًا ثم شيوخًا وضعفاء ثم أقوياء، وقيل: أطوارًا، أي: أنواعًا صحيحًا وسقيمًا وبصيرًا وضريرًا وغنيًّا وفقيرًا.
وقيل: إن ﴿أَطْوَارًا (١٤)﴾ اختلافهم في الأخلاق والأفعال. [١٨/ ٢٦٢]
(١٢٥٩) من قوله تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١)﴾ [نوح: ٢١].
شكاهم إلى الله تعالى وأنهم عصوه ولم يتبعوه فيما أمرهم به من الإيمان. وقال أهل التفسير: لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا؛ داعيًا لهم وهم على كفرهم وعصيانهم.
قال ابن عباس: «رجا نوح ﵇ الأبناء بعد الآباء فيأتي بهم الولد بعد الولد حتى بلغوا سبع قرون ثم دعا عليهم بعد الإياس منهم، وعاش بعد الطوفان ستين عامًا حتى كثر الناس وفشوا».
стр. 594
وقال الحسن: «كان قوم نوح يزرعون في الشهر مرتين». حكاه الماوردي: «﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١)﴾ يعني: كبراءهم وأغنيائهم الذين لم يزدهم كفرهم وأموالهم وأولادهم إلا ضلالًا في الدنيا وهلاكًا في الآخرة». [١٨/ ٢٦٤]
(١٢٦٠) من قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ [نوح: ٢٦].
قال ابن العربي: «دعا نوح على الكافرين أجمعين، ودعا النبي ﷺ على من تحزب على المؤمنين وألب عليهم». وكان هذا أصلاً في الدعاء على الكافرين في الجملة، فأما كافر معين لم تعلم خاتمته فلا يدعى عليه؛ لأن مآله عندنا مجهول، وربما كان عند الله معلوم الخاتمة بالسعادة. وإنما خص النبي ﷺ بالدعاء عتبة وشيبة وأصحابهما؛ لعلمه بمآلهم وما كُشف له من الغطاء عن حالهم. والله أعلم [١٨/ ٢٦٩]
(١٢٦١) من قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١١].
اختلف أهل العلم في أصل الجن، فروى إسماعيل عن الحسن البصري: «أن الجن ولد إبليس والإنس ولد آدم، ومن هؤلاء وهؤلاء مؤمنون وكافرون، وهم شركاء في الثواب والعقاب، فمن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنًا فهو ولي الله، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرًا فهو شيطان». [١٩/ ٩]
стр. 595
(١٢٦٢) من قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١)﴾ [الجن: ١].
أي: في فصاحة كلامه، وقيل: عجبًا في بلاغة مواعظه، وقيل: عجبًا في عظم بركته، وقيل: قرآنًا عزيزًا لا يوجد مثله، وقيل: يعنون عظيمًا. [١٩/ ١٠]
(١٢٦٣) من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن: ٢].
الجد في اللغة: العظمة والجلال، ومنه قول أنس: «كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جد في عيوننا»، أي: عظم وجل، فمعنى ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ أي: عظمته وجلاله. قاله عكرمة ومجاهد وقتادة. [١٩/ ١١]
(١٢٦٤) من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧)﴾ [الجن: ٧].
هذا من قول الله تعالى للإنس، أي: وأن الجن ظنوا أن لن يبعث الله الخلق كما ظننتم، وقال الكلبي: «المعنى: ظنت الجن كما ظنت الإنس أن لن يبعث الله رسولًا إلى خلقه يقيم به الحجة عليهم، وكل هذا توكيد للحجة على قريش أي: إذا آمن هؤلاء الجن بمحمد فأنتم أحق بذلك». [١٩/ ١٣]
(١٢٦٥) من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾ [الجن: ١٤].
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾، يعني: القرآن، ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ وبالله وصدقنا محمدًا ﷺ على رسالته، وكان ﷺ مبعوثًا إلى الإنس والجن.
قال الحسن: «بعث الله محمدًا ﷺ إلى الإنس والجن ولم
стр. 596
يبعث الله قط رسولًا إلى الجن، ولا من أهل البادية ولا من النساء وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩]». [١٩/ ١٧]
(١٢٦٦) من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ [الجن: ١٤].
أي: وأنا بعد استماع القرآن مختلفون فمنا من أسلم ومنا من كفر والقاسط الجائر؛ لأنه عادل عن الحق، والمقسط: العادل؛ لأنه عادل إلى الحق، يقال: قسط أي: جار، وأقسط إذا عدل.
قال الشاعر:
قوم هم قتلوا ابن هند عنوةً … عَمْرًا وهم قسطوا على النعمانِ
[١٩٩/ ١٨]
(١٢٦٧) من قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ [الجن: ١٦].
طريقة الحق والإيمان والهدى وكانوا مؤمنين مطيعين ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦)﴾ أي: كثيرًا، ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ أي: لنختبرهم كيف شكرهم فيه على تلك النعم.
وقال عمر في هذه الآية: «أينما كان الماء كان المال، وأينما كان المال كانت الفتنة»، فمعنى ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ﴾: لوسعنا عليهم في الدنيا وضرب الماء الغدق الكثير لذلك مثلًا؛ لأن الخير والرزق كله بالمطر يكون فأقيم مقامه. [١٩/ ١٩]
стр. 597
(١٢٦٨) من قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ … ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧].
قال العلماء رحمة الله عليهم: لما تمدح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه ثم استثنى من ارتضاه من الرسل، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوتهم، وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى، وينظر في الكتب، ويزجر بالطير ممن ارتضاه من رسول، فيطلعه على ما يشاء من غيبه بل هو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه. [١٩/ ٢٨]
(١٢٦٩) من قوله تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾ [الجن: ٢٨].
أي: أحاط بعدد كل شيء وعرفه وعلمه فلم يخف عليه منه شيء و ﴿عَدَدًا (٢٨)﴾ نصب على الحال، أي: أحصى كل شيء في حال العدد، وإن شئت على المصدر أي: أحصى وعد كل شيء عددًا، فيكون مصدر الفعل المحذوف فهو سبحانه المحصي المحيط العالم الحافظ لكل شيء، وقد بينا جميعه في الكتاب «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى»، والحمد لله وحده. [١٩/ ٣٠]
(١٢٧٠) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١].
قال السهيلي: «ليس المزمل باسم من أسماء النبي ﷺ »، ولم
стр. 598
يُعرف به كما ذهب إليه بعض الناس وعدوه في أسمائه ﵇، وإنما المزمل اسم مشتق من حالته التي كان عليها حين الخطاب وكذلك المدثر، وفي خطابه بهذا الاسم فائدتان: إحداهما الملاطفة فإن العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك المعاتبة سموه باسم مشتق من حالته التي هو عليها؛ كقول النبي ﷺ لعلي حين غاضب فاطمة ﵂ فأتاه وهو نائم وقد لصق بجنبه التراب فقال له: «قُم يا أبا تراب»؛ إشعارًا له أنه غير عاتب عليه، وملاطفة له، وكذلك قوله ﵇ لحذيفة «قم يا نومان» وكان نائماً ملاطفة له وإشعارًا لترك العتب والتأنيب؛ فقول الله تعالى لمحمد ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ﴾، فيه تأنيس وملاطفة ليستشعر أنه غير عاتب عليه.
الفائدة الثانية: التنبيه لكل متزمل راقد ليله لينتبه إلى قيام الليل، وذكر الله تعالى فيه؛ لأن الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل من عمل ذلك العمل واتصف بتلك الصفة. [١٩/ ٣٢]
(١٢٧١) من قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل: ٤].
أي: لا تعجل بقراءة القرآن بل اقرأه في مهل وبيان مع تدبر المعاني.
وقال الضحاك: «اقرأه حرفًا حرفًا». وقال مجاهد: «أحب الناس في القراءة إلى الله أعقلهم عنه»، والترتيل: التنضيد والتنسيق وحسن النظام، ومنه: ثغر رتِل ورَتَّل إذا كان حسن التنضيد … وسمع علقمة رجلًا يقرأ قراءة حسنة فقال: لقد رتل القرآن فداه أبي وأمي، وقال أبو بكر بن طاهر: «تدبر في
стр. 599
لطائف خطابه، وطالب نفسك بالقيام بأحكامه، وقلبك بفهم معانيه، وسرك بالإقبال عليه». [١٩/ ٣٦]
(١٢٧٢) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ [المزمل: ١٦].
بيَّن تعالى في هذه الآية فضل صلاة الليل على صلاة النهار، وأن الاستكثار من صلاة الليل بالقراءة فيها ما أمكن أعظم للأجر وأجلب للثواب، واختلف العلماء في المراد بناشئة الليل، فقال ابن عمر وأنس بن مالك: «هو ما بين المغرب والعشاء؛ تمسكًا بأن لفظ نشأ يعطي الابتداء، فكان بالأولية أحق، وكان علي بن الحسين يصلي بين المغرب والعشاء، ويقول: «هذا ناشئة الليل».
وقال عطاء وعكرمة: «إنه بدء الليل».
وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: «هي الليل كله؛ لأنه ينشأ بعد النهار وهو الذي اختاره مالك بن أنس».
قال ابن العربي: «وهو الذي يعطيه اللفظ وتقتضيه اللغة».
﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾ أشد موافقة بين القلب والبصر والسمع واللسان؛ لانقطاع الأصوات والحركات. قاله مجاهد وابن أبي مليكة وغيرهما.
﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ أي: القراءة بالليل أقوم منها بالنهار، أي أشد استقامة واستمرارًا على الصواب؛ لأن الأصوات هادئة والدنيا ساكنة فلا يضطرب على المصلي ما يقرؤه. [١٩/ ٣٩]
стр. 600
(١٢٧٣) من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ … ﴾ [المزمل: ١٥].
يريد النبي ﷺ أرسله إلى قريش: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥)﴾، وهو موسى؛ ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ أي: كذب به ولم يؤمن، قال مقاتل: «ذكر موسى وفرعون؛ لأن أهل مكة ازدروا محمدًا ﷺ واستخفوا به؛ لأنه ولد فيهم كما أن فرعون أزدرى موسى؛ لأنه رباه ونشأ فيما بينهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨]». [١٩/ ٤٦]
(١٢٧٤) من قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠].
بيّن سبحانه علة تخفيف قيام الليل، فإن الخلق منهم المريض، ويشق عليهم قيام الليل، ويشق عليهم أن تفوتهم الصلاة، والمسافر في التجارات قد لا يطيق قيام الليل، والمجاهد كذلك، فخفف الله عن الكل؛ لأجل هؤلاء … قال ابن مسعود: «أيما رجل جلب شيئًا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرًا محتسبًا فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء، وقرأ: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ … وعن بعض السلف أنه كان بواسط، فجهز سفينة حِنطة إلى البصرة، وكتب إلى وكيله: بع الطعام يوم تدخل البصرة، ولا تؤخره إلى غد، فوافق سعة في السعر؛ فقال التجار للوكيل: إن أخرته جمعة ربحت فيه أضعافه، فأخره جمعة فربح فيه أمثاله، فكتب إلى صاحبه بذلك، فكتب إليه صاحب الطعام: يا هذا! إنا كنا قنعنا بربح يسير مع سلامة ديننا، وقد جنيت
следующие страницы →