← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123510

شرح مسند الشافعي

الرافعي

Полный текст (1 876 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

جنب أبي بكر، فأمَّ رسول الله ﷺ أبا بكر وهو قاعد، وأمَّ أبو بكر الناس وهو قائم. [٧٨٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد الوهاب بن عبد المجيد، عن يحيى بن سعيد، عن ابن أبي مليكة، عن عبيد بن عمير، عن النبي ﷺ مثل معناه لا يخالفه (١). [٧٨٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد الوهَّاب الثقفي، عن يحيى ابن سعيد، عن أبي الزبير، عن جابر أنهم خرجوا يشيعونه وهو مريض فصلى جالسًا وصلوا خلفه [جلوسًا] (٢). الشرح حديث عائشة بالإسناد المذكور معاد قد مرَّ مرة في "المسند" (٣) ومعناه بأكمل منه مخرَّج في "الصحيحين" من رواية الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، رواه البخاري (٤) عن قتيبة عن أبي معاوية، ومسلم (٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي معاوية ووكيع، بروايتهما عن الأعمش. وحديث عبيد بن عمير على إرساله مذكور من قبل أيضًا بتمامه (٦)، واقتصر ها هنا على أنه بمعنى حديث عروة عن عائشة، ويقال: إن عبيدًا رواه عن عائشة. وحديث عروة عن عائشة صريح في أن النبي ﷺ أمَّ أبا بكر وروى

стр. 1052

شبابة بن سوَّار عن شعبة عن نعيم بن أبي هند عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة قالت: صلى رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه خلف أبي بكر قاعدًا (١). وجمع بين الروايتين بأن قيل: أمَّ النبي ﷺ أبا بكر في صلاة الظهر، واقتدى بأبي بكر في صلاة الصبح يوم الاثنين وهي آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ ، أما أن إمامة النبي ﷺ وإقتداء أبي بكر به كانت في صلاة الظهر؛ لأن في "الصحيحين" (٢) من رواية عبيد الله بن عتبة عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ أرسل إلى أبي بكر أن يصلي بالناس في مرضه فصلى بهم أبو بكر في تلك الأيام، ثم إنه ﷺ وجد خفة من نفسه فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي ﷺ أن لا يتأخر، وقال لهما: أجلساني إلى جنبه، فأجلساه إلى جنب أبي بكر فجعل أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ وهو قائم، والناس يصلون بصلاة أبي بكر ورسول الله ﷺ قاعد. وذكر الحافظ أبو بكر البيهقي أن ذلك كان يوم السبت أو الأحد. وأما أن ائتمام النبي ﷺ بأبي بكر كان في صلاة الصبح؛ فلأن موسى بن عقبة روى في المغازي؛ أن النبي ﷺ أقلع عنه الوعك ليلة الاثنين فغدا إلى صلاة الصبح يتوكأ على الفضل بن عباس وغلام له وقد صلى أبو بكر ﵁ بالناس ركعة فصلى معه الركعة الثانية، فلمَّا سلَّم أبو بكر أتم رسول الله ﷺ صلاته. وقد أشار الشافعي إلى هذا الجمع

стр. 1053

وذكرناه على الاختصار من قبل. وقوله: "فقعد إلى جنب أبي بكر" في رواية الأسود عن عائشة: "فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس يسار أبي بكر". واحتج به على أن النبي ﷺ كان إمامًا، فإنه جعل أبا بكر على يمينه وهو موقف المأموم. وقوله: "وأمَّ أبو بكر الناس" ليس على معنى أن أبا بكر كان مأمومًا وإمامًا معًا، ولكن المراد أنهم كانوا يعتمدون أبا بكر ﵁ في الانتقالات إذ كان لا يبلغهم صوت النبي ﷺ لضعفه، ولا يرى أكثرهم شخصه؛ لأنه كان جالسًا، ويوضحه أن علي بن مسهر روى القصة عن الأعمش بإسناده الذي سبق وفيه: "فكان النبى يصلي بالناس وأبو بكر يسمعهم التكبير" (١). واستدل الشافعي ﵁ بالقصة على أن الإمام إذا قعد لعذر يصلي المأمومون خلفه قيامًا، ورآها ناسخة لما رواه أنس وغيره أن النبي ﷺ قال: " وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا" (٢) لأن القصة تتعلق بآخر أمر النبي ﷺ والآخر ينسخ الأول، وحمل ما روي عن جابر "أنه صلى جالسًا والقوم خلفه جلوسًا" على أنه لم يعرف النسخ فعمل بما عمله أولًا. وفي القصة دليل على أنه يجوز للمريض أن يؤم خلافًا لمالك، وعلى أنه لا بأس أن يقف أحد المأمومين يجنب لأمر يعرض [للإمام] (٣) ولا يتخنس إلى خلف ليدخل الصف.

стр. 1054

الأصل [٧٨٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، (١) أبنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم عاشوراء ويأمر بصيامه (٢). [٧٨٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: كان يوم عاشوراء يوم تصومه قريش في الجاهلية، وكان النبي ﷺ يصومه في الجاهلية، فلما قدم النبي ﷺ المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان كان هو الفريضة وترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه (٣). [٧٨٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن الزهري، عن حميد ابن عبد الرحمن قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان يوم عاشوراء وهو على المنبر منبر رسول الله ﷺ وقد أخرج من كمه قصة من شعر يقول: أين علماؤكم يا أهل المدينة؟ لقد سمعت رسول الله ﷺ عن مثل هذه ويقول: "إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم" ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ في مثل هذا اليوم يقول: "إني صائم فمن شاء منكم فليصم" (٤). [٧٨٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حجه وهو

стр. 1055

على المنبر يقول: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟! سمعت رسول الله ﷺ يقول لمثل هذا اليوم: "هذا يوم عاشوراء لم يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائم، فمن شاء منكم فليصم ومن شاء فليفطر" (١). [٧٨٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا يحيى بن حسان، عن الليث -يعني ابن سعد- عن نافع، عن ابن عمر قال: ذكر عند رسول الله ﷺ يوم عاشوراء، فقال النبي ﷺ : "كان يومًا يصومه أهل الجاهلية، فمن أحب منكم أن يصومه فليصمه، ومن كرهه فليدعه" (٢). [٧٩٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة أنه [سمع] (٣) عبيد الله بن أبي يزيد يقول: سمعت ابن عباس يقول: ما علمت رسول الله ﷺ [صام] (٤) يومًا يتحرى صيامه على الأيام إلا هذا اليوم -يعني يوم عاشوراء (٥). الشرح حديث ابن أبي ذئب عن الزهري عن عروة مختصر ما رواه على إثره من حديث هشام عن أبيه. وهو صحيح، أخرجه البخاري (٦) وأبو داود (٧) عن القعنبي عن مالك، ومسلم (٨) من وجه آخر عن هشام.

стр. 1056

وحديث حميد عن معاوية أخرجه البخاري (١) عن القعنبي، ومسلم (٢) عن أبي الطاهر عن عبد الله بن وهب، بروايتهما عن مالك. وحديث نافع عن ابن عمر أخرجه مسلم (٣) عن قتيبة وغيره عن الليث. وحديث عبيد الله بن أبي يزيد أخرجه البخاري (٤) عن عبيد الله بن موسى، ومسلم (٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة بروايتهما عن ابن عيينة، ورواه مسلم أيضًا عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبيد الله بن أبي يزيد. وفي حديث عائشة إشعار بأن صوم عاشوراء كان واجبًا ثم نسخ، ويعضده ما في "الصحيحين" (٦) من حديث يزيد بن أبي عبيد عن سلمة ابن الأكوع أن النبي ﷺ بعث رجلًا من أسلم يوم عاشوراء إلى قومه يأمرهم بأن يصوموا هذا اليوم، ومن طعم منهم فليصم بقية يومه. ومن حديث بشر بن المفضل عن خالد بن ذكوان عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: أرسل رسول الله ﷺ صبيحة عاشوراء إلى قرى الأنصار حول المدينة: "من كان أصبح صائمًا فليتم صومه، ومن كان أصبح [مفطرًا] (٧) (فليصم) (٨) بقية يومه" وكنا نصومه بعد ذلك ونصوم صبياننا الصغار ونجعل لهم اللعبة من [العِهْنِ] (٩) ونذهب

стр. 1057

بهم إلى المسجد، فإذا بكى أحد منهم على الطعام أعطيناه ذلك (١). وفي "كتاب مسلم" (٢) من حديث أبي معاوية عن الأعمش عن عمارة بن كثير عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله أنه قال في يوم عاشوراء: إن كان رسول الله ﷺ صامه قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان ترك. ومن حديث عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ صامه والمسلمون قبل أن يفرض رمضان، فلما فرض رمضان قال رسول الله ﷺ : "إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه ومن شاء تركه" (٣). وروى الأمر بصيامه: أبو موسى الأشعري وجابر بن سمرة وابن عباس. وفي حديث معاوية إشعارٌ بأنه لم يكن واجبًا قط؛ فإنه قال: "لم يكتب الله عليكم صيامه". وحديث نافع عن ابن عمر المذكور في الأصل إلى هذا الاحتمال أقرب، ومن قال بالأول فلا يشكل عليه أن يقول: المعنى لم يكتب الله عليكم صيامه الآن، لكن الشافعي ﵁ مال إلى أن صومه لم يكن واجبًا قط، ورأى أن يحمل قول عائشة: "وترك يوم عاشوراء" على ترك استحبابه، كأنه يريد الاستحباب المؤكد واستقرار الأمر على أصل الاستحباب، وقد يفهم هذا المعنى من حديث جابر بن سمرة ﵁ وهو

стр. 1058

مخرج في "كتاب مسلم" قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بصيام عاشوراء ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده، فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا ولم يتعاهدنا عنده (١). وقوله: "وقد أخرج من كمه قصة من شعر" في رواية "الصحيح": "وقد تناول قصة من شعر كانت في يد حرسي". والقصة من الشعر: ما أقبل على الجبهة من شعر الرأس سمي قصة؛ لأنه يقص، وقيل: كل خصلة من الشعر قصة، وأراد النهى عن وصل الشعر. وقوله: "أين علماؤكم" يحتمل أن يريد: ليشهدوا لما أقول، ويحتمل أن يريد: ليتعلموا ما أقول فقد غفلوا عنه. الأصل [٧٩١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن الزهري، عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن علي -قال: وكان الحسن أرضاهما عن أبيهما؛ أن عليًّا ﵁ قال لابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ نهى من نكاح المتعة، وعن لحوم الحُمر الأهلية (٢). [٧٩٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبى حازم قال: سمعت ابن مسعود يقول: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وليس معنا نساء، فأردنا أن نختص، فنهانا من ذلك رسول الله ﷺ ثم رخص لنا أن ننكح المرأة إلى أجلٍ بالشيء (٣).

стр. 1059

الشرح عبد الله: هو ابن محمد بن علي بن أبي طالب أبو هاشم بن محمد ابن الحنفية. سمع: أباه. وروى عنه: الزهري. وتوفي في خلافة سليمان بن عبد الملك (١). وقوله: "وكان الحسن أرضاهما" من كلام الزهري، وحكى ابن عيينة عنه في غير هذا الموضع أنه قال: "كان الحسن أوثقهما في أنفسنا" ويقال: كان عبد الله يتبع السبائية. والحديث الأول صحيح، أخرجه البخاري (٢) عن مالك بن إسماعيل، ومسلم (٣) عن جماعة، بروايتهم عن ابن عيينة، وفي بعض روايات الصحيح (٤): نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية. والحديث الثاني مخرَّج في "الكتابين" من وجوه عن إسماعيل بن أبي خالد. ونكاح المتعة: هو أن ينكح الرجل المرأة إلى مدة فإذا انقضت بانت منه، وكان ذلك جائزًا في أول الإِسلام ثم حرِّم، وحديث ابن مسعود خبرٌ عن أول الأمر، وحديث علي ﵁ ناسخ له، واحتج له بأن ما

стр. 1060

حكاه ابن مسعود كان أمرًا شائعًا لا يشتبه مثله على علي، وقد أنكر على ابن عباس الرخصة في نكاح المتعة وأخبره أن النبي ﷺ نهى عنه، فدل على أنه علم النسخ، ويروى عن الربيع بن سبرة عن أبيه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "يا أيها الناس قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من هذِه النساء إلا أن الله قد حرَّم ذلك إلى يوم القيامة" (١). وقوله: "إن عليًّا قال لابن عباس ﵄" أشار به إلى ما روي عن ابن عباس أنه كان يرخص فيه للمضطر بطول السفر، ويقال إن ابن عباس رجع عما كان يقوله. وفي قوله: "فأردنا أن نختصي" ما يبين قوة ورعهم وشدة احتياطهم، حيث عزموا على الخِصاء ولم يبالوا بما يلحقهم منه خوفًا من الوقوع في الحرام، وفيه النهي عن الخصاء. الأصل [٧٩٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تخلِّفكم أو توضع" (٢). [٧٩٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك بن أنس، عن يحيى بن [سعيد] (٣) عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن نافع بن جبير، عن مسعود بن الحكم، عن علي بن أبي طالب , أن رسول الله كان يقوم في الجنائز ثم جلس (٤).

стр. 1061

الشرح عامر: هو ابن ربيعة بن عمرو بن وائل بن قاسط، ويقال: عامر بن ربيعة بن مالك بن عامر بن ربيعة العدوي، أبو عبد الله حليف الخطاب والد عمر ﵁، شهد بدرًا. وروى عنه: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله بن عامر. مات قبل قتل عثمان بأيام (١). وواقد: هو ابن عمرو بن سعد بن معاذ بن النعمان بن امريء القيس الأشهلي الأنصاري أبو عبد الله. سمع: نافع بن جبير. وروى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري (٢). وروى الحديث الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وقال: واقد بن عبد الله بن سعد بن معاذ. ومسعود بن الحكم: هو أبو مروان الأنصاري الزرقي، يقال أنه ولد في عهد النبي ﷺ . سمع: عليًّا ﷺ . وروى عنه: نافع بن جبير، ومحمد بن المنكدر (٣). والحديث الأول صحيح، مودع في "الكتابين" (٤) من حديث سفيان

стр. 1062

ابن عيينة، وأيضًا من رواية الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر عن عامر ابن ربيعة، وفي الباب عن أبى هريرة وأبي سعيد وجابر بن عبد الله وأبي موسى الأشعري وعبد الله بن عمرو بن العاص وسهل بن حنيف. والحديث الثاني أخرجه مسلم (١) عن قتيبة عن الليث عن يحيى بن سعيد، وأيضًا من حديث شعبة عن محمد بن المنكدر عن مسعود بن الحكم, وفي الباب عن ابن عباس والحسن بن علي ﵁. وقوله: "أو توضع" أي: عن مناكب الرجال، ويروى: "أو توضع في اللحد"، ورأى الشافعي حديث علي ﵁ ناسخًا للأول، وقال: الحجة في الآخر من أمر رسول الله ﷺ ، وقد ترك القيام بعدما كان يقوم، فإن كان الأول واجبًا فالآخر من أمره ناسخ له، وان كان استحبابًا فالآخر هو الاستحباب، وإن كان مباحًا فلا بأس بالقيام والقعود، والقعود أحب إليّ؛ لأنه الآخر من فعله. ولم كان يقوم أولًا؟ في رواية جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ مرت به جنازة فقام لها فقلنا: يا رسول الله إنها جنازة يهودي فقال: "إن الموت فزع فإذا رأيتم جنازة فقوموا لها" (٢). وفي رواية عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: تمر بنا جنازة الكفار فنقوم لها؟ فقال: "نعم قوموا لها فإنكم لستم تقومون لها، إنما تقومون إعظامًا لمن يقبض النفوس" (٣).

стр. 1063

وفي رواية أبي موسى الأشعري: "نقوم لمن معها من الملائكة". وعن [الحسن] (١) بن علي ﵄؛ أنه مرَّ بجنازة يهودي على رسول الله ﷺ كان ﷺ على طريقها -فقام حتى طلعت؛ كراهية أن تعلو على رأسه (٢). الأصل [٧٩٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك بن أنس، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله ﷺ نهى عن كل لحوم الضحايا بعد ثلاث، ثم قال بعد: "كلوا وتزودوا وادَّخروا" (٣). [٧٩٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن واقد بن عبد الله أنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، قال عبد الله بن أبي بكر: فذكرت ذلك لعمرة فقالت: صدق، سمعت عائشة تقول: دفَّ ناس من أهل البادية حضرة الأضحى في زمان رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : " ادَّخروا الثلث وتصدقوا بما بقي". قالت: فلما كان بعد ذلك قيل: يا رسول الله لقد كان الناس ينتفعون من ضحاياهم، يجملون منها الودك، ويتخذون منها الأسقية. فقال رسول الله ﷺ : "وما ذاك؟ " أو كما قال. قالوا: يا رسول الله نَهَيْتَ عن كل لحوم الضحايا بعد ثلاث.

стр. 1064

فقال رسول الله ﷺ : "إنما نهيتكم من أجل الدافَّة التي دفَّت حضرة الأضحى، فكلوا وتصدقوا وادَّخروا" (١). الشرح عبد الله: هو ابن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. سمع: عبد الله بن عمر. وروى عنه: عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب (٢). وحديث أبي الزبير عن جابر أخرجه مسلم (٣) عن يحيى بن يحيى عن مالك، وحديث عائشة أخرجه أيضًا (٤) من رواية روح عن مالك. وقوله: "دفَّ ناس من أهل البادية" ودفت، الدفُّ: سير ليس بالسريع في جماعة. وقوله: "حضرة الأضحى" الرواية المشهورة إسكان الضاد ويروى: "حضَرة الأضحى" بفتح الضاد، يقال: كلمته بحضرة فلان وبحضرته، وحضرة الرجل: فناؤه، والمعنى بحضرة الأضحى أو إلى حضرة الأضحى. وقوله: "يجملون الودك" بفتح الياء وضمها، يقال: جمل الشحم وأجمله إذا أذابه، ويروى: "يجعلون منها الودك" ويروى: "ويحملون" من الحمل.

стр. 1065

والمقصود أن النبي ﷺ كان قد نهى عن أكل لحم الأضحية بعد ثلاث وادِّخاره، روى في "الصحيح" (١) عن علي ﵁ موقوفًا ومن روايته مرفوعًا: "لا يأكلن أحدكم من نسكه [بعد] (٢) ثلاث" ثم رخص في ذلك على ما بينه حديث جابر. واشتمل حديث عائشة على بيان سبب النهي وهو إرفاق الدافَّة، ثم قال الشافعي: يحتمل أن يكون النهي والرخصة راجعين إلى حالين مختلفين، فإذا دفُّت الدافَّة ثبت النهي عن الإمساك فوق ثلاث، وإذا لم تكن دافَّة ثبتت الرخصة، قال: ويشبه أن يكون النهي وإن دفت الدافة على معنى الاختيار لا على سبيل الفرض، وقد روى عن عائشة ﵂ أنها قالت: كنُّا نملِّح منه ونقدِّم المدينة فقال النبي ﷺ : "لا تأكلوا منه بعد ثلاثة أيام" وليست بعزيمة، ولكن أراد أن يطعموا منه (٣). وفي قوله ﷺ : "وما ذاك أو كما قال" ما يشعر باستمرار الرخصة ويبين أن النهي كان على التنزيه. الأصل [٧٩٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن النعمان بن مرَّة أن رسول الله ﷺ قال: "ما تقولون في الشارب والزاني والسارق"وذلك قبل أن تنزل الحدود؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله ﷺ : "هنَّ فواحش

стр. 1066

وفيهن عقوبة وأسوأ السرقة الذي يسرق صلاته ... " ثم ساق الحديث (١). [٧٩٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: الرجم في كتاب الله تعالى حقٌّ على من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء , إذا قامت عليه البينة أو كان الحبل أو الاعتراف (٢). [٧٩٩] أبنا الربيع، أنا الشافعي، أبنا مالك، عن يحيى بن سعيد أنه سمع ابن المسيب يقول: قال عمر بن الخطاب ﷺ : إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم، أن يقول قائل: لا نجد حدَّين في كتاب الله تعالى، لقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا، فوالذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها: "الشيخ والشيخة فارجموهما البتة" فإنا قد قرأناها (٣). [٨٠٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك وابن عيينة، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة وزيد بن خالد -وزاد سفيان وشبل- أن رجلًا ذكر أن ابنه زنا بامرأة رجل، فقال رسول الله ﷺ : "لأقضين بينكما بكتاب الله، فجلد ابنه مائةً وغرَّبه عامًا، وأمر أنيس أن يغدو على امرأة الآخر فإن اعترفت فارجمها فاعترفت فرجمها (٤). [٨٠١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد الوهاب، عن يونس، عن الحسن، عن عبادة -يعني: ابن الصامت- أن النبي ﷺ قال: "خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهنَّ سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم".

стр. 1067

[٨٠١/ ١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي قال: وقد حدثني الثقة أن الحسن كان يدخل بينه وبين عبادة حطان الرقاشي، ولا أدري أدخله عبد الوهاب بينهما فزلَّ من كتابي حين حولته وهو في الأصل أولًا والأصل يوم كتبت هذا الكتاب غائب عني (١). الشرح النعمان بن مرة: هو الزرقي الأنصاري. روى عن: علي ﵁ (٢). وشبل: هو ابن خليد. روى عنه: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (٣). وحطان بن عبد الله الرقاشي البصري. سمع: عليًّا، وأبا موسى، وعبادة بن الصامت. سمع منه: الحسن (٤). والحديث الأول مرسل، وفي رواية غير الشافعي في آخره قالوا: وكيف يسرق صلاته يا رسول الله؟ قال: "لا يتم ركوعها ولا سجودها". وقوله: "وفيهن عقوبة" يجوز أن يريد الحدود ويكون المعنى

стр. 1068

أن الله تعالى ينزل فيهن عقوبة، ويجوز أن يريد التعزيرات التي كانت حينئذ، وعلى هذا حمله الشافعي ومثلها بالحبس والأذى في الزِّنا على ما قال تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ (٢) إلى أن أنزل الله تعالى الحدّ في الزِّنا. وحديث [عبيد الله] (٣) عن ابن عباس عن عمر صحيح: أخرجه البخاري (٤) عن عبد العزيز بن عبد الله، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: قال عمر ﵁: إن الله بعث محمدًا بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل الله آية الرجم فقرأناها [وعقلناها] (٥) ووعيناها، رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس [زمان] (٦) أن يقول: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى، والرجم في كتاب الله تعالى حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل والاعتراف. وقوله في الرواية الأخرى: "إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم" كقوله في رواية البخاري "فيضلوا". وقوله: "لا نجد حدّين في كتاب الله" أي لا نجد في الكتاب الرجم على بعض الزناة والجلد على بعضهم , وإنما الذي نجده مطلق قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ الآية (٧).

стр. 1069

وقوله: " أو كان الحبل والاعتراف" ليس لاشتراط الحبل في ثبوت الرجم، ولكن الاعتراف عند ظهور الحبل وإكشاف الأمر أغلب وقوعًا، فكان التعرّض له إنما وقع لذلك. وحديث عبيد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني مودع في "الموطأ" (١) ورواه البخاري في "الصحيح" (٢) عن عبد الله بن يوسف عن مالك، وأخرجه هو ومسلم (٣) من طرق عن ابن شهاب واللفظ: [أن] (٤) رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ ، فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله، وقال الأخر -وكان أفقههما- أجل يا رسول الله فاقض بيننا وائذن لي في أن أتكلم، فقال: تكلم. قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني جلد مائة وتغريب سنة، وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله: "أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فردّ عليك" وجلد ابنه مائة وغرّبه عامًا، وأمر أنيسًا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها. وقوله: "وزاد سفيان: وشبل" هذِه الزيادة غير مذكورة في "الصحيحين" وقال أبو بكر البيهقي الحافظ: يزعمون أن سفيان أخطأ في ذكر شبل (٥).

стр. 1070

وكان ابن الرجل السائل بكرًا وامرأة الآخر ثيبًّا، ففرق النبي بينهما في الحدّ. واحتج بالحديث على وجوب التعزير مع الجلد، وعلى أنه تجوز الفتوى في زمان النبي ﷺ أنه يجوز الفتوى مع حضور الأعلم بالفتيا فإنه قال: "سألت أهل العلم" والنبي ﷺ مقيم بينهم، وعلى أن الإنسان يؤاخذ بما اعترف به وأقرّ على نفسه، وعلى أن الاعتراف بالزنا يكفي مرة واحدة ولا يعتبر فيه التكرار، وعلى أن حضور الإمام ليس بشرط في الرجم؛ فإن النبي ﷺ أمر أنيسًا فرجمها، وذهب بعضهم إلى أنه يشترط حضور الإمام إن ثبت الزنا بالإقرار، وعلى جواز الإجارة فإن النبي ﷺ لم ينكر قوله: "إن ابني كان عسيفًا على هذا" والعسيف: الأجير كذلك فسره مالك، وعلى أن المأخوذ بالجهة الفاسدة مردود، فإنه قال: "أما غنمنك وجاريتك فرد عليك" وعلى أنه ليس من شرط الرجم إحصان الزانيين معًا بل المحصن يرجم كيف كان الآخر، وفي القصة أنه كان قد يجري في زمان النبي ﷺ خلاف الصواب قولًا وفعلًا: إما عن جهل مخبرًا، وإما عن ظنٍّ خطأ؛ فإنهم أخبروه أن على ابنه الرجم واقتدى وأخذ منه الفداء، واحتج ببعث النبي أنيسًا لإقامة الحدّ على جواز التوكيل بإقامة الحدّ، وقد يستدل به على جواز إقامته في غيبة الموكل، وذكر الشافعي أن بعث أنيسٍ لم يكن لطلب إقرار المقذوف بالزّنا؛ لأن النبي ﷺ عن [... (١) ..] ما يوجب الحد

стр. 1071

فالأولى أن يستر على نفسه ولكن [بعثه] (١) ليطلعها على أن الرجل الآخر قذفها ليطالبه بحدّ القذف إن لم تعترف بالزّنا، واحتج به على أن من قذف إنسانًا بين يدي الحاكم كان له أن يبعث إلى المقذوف فيخبره ليطلب حدّ القذف إن شاء، ولو لم يعيّن القاذف بل قال: سمعت الناس يقولون أن فلانًا؛ لا يبعث إليه ولا يبحث عن حاله. وقوله: "لأقضين بينكما بكتاب الله" قيل: ليس المراد منه القرآن فلا ذكر للرجم في القرآن، بل المراد منه الفرض أي: إنما أوجبه تعالى وفرضه، وقد يجيء الكتاب بمعنى الفرض كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ (٢)، ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ (٣) أي: فرضنا، أو المراد الحكم كقوله تعالى: (﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ (٤)، وقيل: المراد القرآن، والرجم إن لم يكن منصوصًا عليه فإنه مذكور على سبيل الإجمال حيث قال: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ (٥) والرجم نوع من الأذى، وأيضًا فقد قال تعالى ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٦) وقد بيّن النبي ﷺ السبيل في حق البكر والثيب، وأيضًا فالرجم كان متلوًّا في القرآن بخصوصه على ما سبقت روايته عن عمر ﵁. وحديث عبادة بن الصامت رواه الشافعي بإسناده عن الحسن عن عبادة، وذكر أن منهم من قال: عن الحسن عن حطان الرقاشي عن

стр. 1072

عبادة، ورواه مسلم (١) في "الصحيح" كذلك، وظاهر الحديث يقتضي الجمع في حق الثيب بين الجلد والرجم وقد أخذ به آخذون، وقال الأكثرون: كان ذلك في الابتداء حين بين النبي ﷺ السبيل المبهم في القرآن، ثم نسخ الجلد في حق الثيب؛ لأن النبي ﷺ رجم ماعزًا والغامدية واليهوديين ولم يجلد واحدًا منهم، وقال لأنيس: "فإن اعترفت فارجمها" ولم يذكر الجلد، والمراد من البكر: الذي لم يصب بالنكاح، ويشترط فيه اجتماع التكليف والحرية، ومن الثيب الذي أصاب في نكاح صحيح، ويشترط فيه أيضًا التكليف والحرية. وقوله: "أدخله عبد الوهاب ... إلى آخره" يريد أن منهم من أدخل الرقاشي بين الحسن وبين عبادة، ولا أدري أفعل عبد الوهاب كذلك وسقط اسمه حين نسخت الحديث من أصل كتابي أم كيف الحال وكان الأصل غائبًا عنه. الأصل [٨٠٢]، أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب أن النبي ﷺ قال: "إن شرب الخمر فاجلدوه" (٢). [٨٠٣]، أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا الثقة وهو يحيى بن حسان، عن حماد، عن يحيى بن سعيد، عن أبي أمامة بن سهل، عن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله- ﷺ قال: "لا يحل دم امريء مسلم إلا من إحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنًا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس" (٣).

стр. 1073

الشرح قبيصة: هو ابن ذؤيب بن حلحلة بن عمرو بن كليب الخزاعي أبو إسحاق، ويقال: أبو سعيد، سكن الشام وكان من فقهاء المدينة، يقال: إنه ولد في عهد النبي ﷺ . وسمع: أبا هريرة، وأم سلمة. وروى عنه: الزهري، وأبو قلابة. مات سنة ست وثمانين (١). وحديث قبيصة مرسل وغير تام، وقد رواه أبو داود بتمامه في "السنن" (٢) عن أحمد بن عبدة الضبي عن سفيان عن الزهري عن قبيصة أن النبي ﷺ قال: "من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه في الثالثة والرابعة، فأتي برجل قد شرب الخمر فجلده، ثم أتي [به] (٣) فجلده، ثم أتي به فجلده، ورفع القتل وكانت رخصة" ويروى: "ووضع القتل". وقصد الشافعي بالحديث أن يبيّن أن الأمر بالقتل في الرابعة الذي ورد إن كان ثابتًا عن رسول الله ﷺ ؛ منسوخ، وذلك كما روي عن أبي صالح عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم

стр. 1074

إن شربوا فاقتلوهم" (١). ويؤيد حديث قبيصة ما روي عن محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "إن شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه، ثم أتي النبي ﷺ بعد ذلك برجل قد شرب الخمر في الرابعة فضربه ولم يقتله" (٢). وحديث عثمان ﵁ رواه سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن يحيى، عن أبي أمامة قال: كنت مع عثمان وهو محصور في الدار فقال: بم يقتلونني وقد سمعت رسول الله ﷺ ... الحديث" (٣) ومعناه منقول من رواية عبد الله بن مسعود في "الصحيحين". فرواه البخاري (٤) عن عمر بن حفص عن أبيه، ومسلم (٥) عن أبي بكر بن [أبي] (٦) شيبة عن حفص بن غياث وأبي معاوية ووكيع، بروايتهم عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن ابن مسعود.

стр. 1075

واحتج الشافعي بهذا الحديث على أن شارب الخمر لا يقتل في الرابعة فإنه لم يوجد منه واحدة من الخصال الثلاث، ثم قال: ولا نعلم أحدًا من أهل الفتيا يخالف في أن من أقيم عليه حد في شيء أربع مرات ثم أتي به خامسة وسادسة أقيم عليه ذلك الحد فلم يقتل، وفي ذلك دليل على أن الأمر بالقتل إن كان ثابتا فهو منسوخ. الأصل [٨٠٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا الثقة، عن ابن أبي ذئب، عن الثقة عنده، عمن حدثه أو عن عبيد الله بن عبد الرحمن العدوي، عن أبي سعيد الخدري أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ فقال: إن بئر بضاعة يطرح فيها الكلاب والمحيض فقال النبي ﷺ : "إن الماء لا ينجسه شيء" (١). [٨٠٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن أبي الزناد، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ [قال] (٢): "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه" (٣). [٨٠٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج بإسناد لا يحضرني ذكره أن رسول الله ﷺ -قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسًا". وفي هذا الحديث بقلال هجر. قال ابن جريج: وقد رأيت قلال هجر فالقلة تَسَعُ قربتين أو قربتين وشيئًا (٤).

стр. 1076

الشرح عبيد الله بن عبد الرحمن العدوي هكذا سماه ونسبه ابن أبي ذئب، وزاد سليط بن أيوب في روايته عنه فقال: عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري ثم العدوي، ومنهم [من] (١) قال: هو عبد الله بن عبد الرحمن. وروى عنه: محمَّد بن كعب القرظي فقال: عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج، وقيل: هو عبد الله بن رافع. سمع: أبا هريرة، وجابر بن عبد الله (٢). وموسى: هو ابن أبي عثمان [التبان] (٣). روى عن: أبيه. وروى عنه: أبو الزناد (٤). وأبوه أبو عثمان مولى المغيرة بن شعبة. روى عن: أبي هريرة (٥). وحديث بضاعة يروى عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ من وجوه منها: رواية أبي أسامة عن الوليد بن كثير عن محمَّد بن كعب القرظي عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج عن أبي سعيد الخدري، ومن هذا الوجه أخرجه أبو داود في "السنن" (٦) فرواه

стр. 1077

عن محمَّد بن العلاء عن أبي أسامة. والنهي عن البول في الماء الراكد أورده البخاري (١) من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، ومسلم في "الصحيح" (٢) من رواية همام بن منبه عن أبي هريرة، بروايته عن محمَّد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن همام، ومن حديث أبي الزبير عن جابر (٣) بروايته عن يحيى بن يحيى عن الليث بن سعد عن أبي الزبير، ورواه أبو داود في "السنن" (٤) عن مسدد عن يحيى عن محمَّد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة واللفظ "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة". وقوله: "يطرح فيها الكلاب والمحيض" وفي بعض الروايات "الحيض" وفي بعضها "المحائض" وفسرت بخرق الحيض، قال أبو سليمان الخطابي: وليس المقصود أنهم كانوا يعتادون إلقاءها فيها، فإن الناس قديمًا وحديثًا ينزهون مياههم ويصونونها عن القاذورات، ولكن كانت هذه البئر في الحدود من الأرض وكانت السيول تكسح هذِه الأقذار من الطرق والأقبية وتحملها فتلقيها فيها، وذكر غيره أنه يحتمل أن المنافقين كانوا يطرحونها فيها. وقوله: "إن الماء لا ينجسه شيء" قال الشافعي: أراد مثل الماء المسول عنه وكانت بئر بضاعة واسعة كثيرة الماء، وكان ما يطرح فيها من الأنجاس لا يغيّر ماءها، وقد ذكرنا هذا في أول الكتاب، وروى أبو داود السجستاني، عن قتيبة بن يعيد قال: سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها؟ فقلت: أكثر ما يكون الماء فيها؟

стр. 1078

قال: إلى العانة. قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة. قال أبو داود: وقدرت بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت الذي فتح لي باب البستان وأدخلني هل غيّر بناؤها عما كانت عليه؟ فقال: لا (١). واعلم أن الماء إذا تغير بالنجاسة نجس بالانقلاب قليلًا كان أو كثيرًا، وإن لم يتغير وإن كان قليلًا نجس بملاقاة النجاسة، وعليه نزل الشافعي حديث ولوغ الكلب؛ لأن الأواني [التي] (٢) يشرب ويتوضأ منها ويجلب منها ويحلب فيها صغارٌ غالبًا، وإن كان كثيرًا لم ينجس؛ لحديث بئر بضاعة. وقوله: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم" قال الشافعي: إن كان المراد منه القليل الذي حمل النجاسة فسبب النهي أن فيه نجاسة وتفويت الانتفاع به، وإن أراد به كل ماء دائم، فيشبه أن يكون النهي على الاختيار؛ لأن من رأى البول في ماء راكد عافَ الشرب منه والوضوء به، وهذا كالنهي عن التغوط على ظهر الطريق والظل؛ لأنه يتأذى به الناس. قال الخطابي: وفي الحديث إشارة إلا أن حكم الجاري غير حكم الراكد، والمعنى فيه أن الراكد لا يدفع النجاسة عن نفسه، والبخاري إذا لاقته النجاسة خلفهُ الطاهر الذي لم يحمل النجاسة وخالطه وغلب على النجاسة (٣) ستهلك فيه، ويدل على الفرق بين القليل والكثير في قبول النجاسة ودفعها حديث القلتين، وهو مذكور في

стр. 1079

أول "المسند" (١) من رواية الشافعي، عن الثقة، عن الوليد بن كثير، عن محمَّد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، ورواه ها هنا عن مسلم عن ابن جريج بإسناد لم يحضره، وبيّنا في أول الكتاب أن ذلك الإسناد هو ما روى ابن جريج عن محمَّد أن يحيى بن عقيل أخبره أن يحيى بن يعمر أخبره أن النبي ﷺ قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسًا ولا بأسًا". قال: فقلت ليحيى بن عقيل: قلال هجر؟ قال: قلال هجر. ويروى عن محمد أنه قال: فرأيت قلال هجر فأظن كل قلة تأخذ قربتين. ومحمد الذي روى عنه ابن جريج فيما روي عن أبي أحمد الحافظ: هو محمَّد بن يحيى يحدث عن يحيى بن أبي كثير ويحيى بن عقيل، ورواه الشافعي أن ابن جريج قال "رأيت قلال هجر فالقلّة تسع قربتين وشيئًا". وحمل الشافعي الشيء على النصف احتياطًا وجعل القلتين خمس قرب، وقال: قرب الحجاز كبار لعزة الماء عندهم (٢). وعن عاصم بن المنذر أن القلال الخوابي العظام (٣). وعن هشيم تفسير القلتين بالجرّتين من الجرار الكبار. الأصل [٨٠٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن محمَّد بن

стр. 1080

يحيى بن حبان، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس (١). [٨٠٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها" (٢). [٨٠٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها" ونهى رسول الله ﷺ عن الصلاة في تلك الساعات (٣). [٨١٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب؛ أن رسول الله ﷺ نام عن الصبح فصلاها بعدما طلعت [الشمس]، (٤)، ثم قال: "من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله تعالى، يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٥). [٨١١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن عمرو -يعني- بن دينار، عن نافع بن جبير، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: كان رسول الله في سفر فعرس، فقال: "ألا رجل صالح يكلؤنا الليلة لا نرقد

стр. 1081

عن الصلاة"؟ فقال بلال: أنا يا رسول الله. قال: فاستند بلال إلى راحلته واستقبل الفجر، فلم يفزعوا إلا بحرّ الشمس في وجوههم. فقال رسول الله ﷺ : يا بلال. فقال بلال: يا رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك. قال: فتوضأ رسول الله ﷺ ثم صلى ركعتي الفجر ثم اقتادوا شيئًا. قال: ثم صلى الفجر (١). [٨١٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن أبي الزبير المكي، عن عبد الله بن باباه، عن جبير بن مطعم أن رسول الله ﷺ قال: "يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمر الناس شيئًا فلا يمنعن أحدًا طاف هذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار" (٢). [٨١٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم بن خالد وعبد المجيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن النبي ﷺ مثله أو مثل معناه لا يخالفه، وزاد عطاء: يا بني عبد المطلب، أو يا بني هاشم، أو يا بني عبد مناف (٣). [٨١٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن عبد الله بن أبي لبيد قال: سمعت أبا سلمة قال: قدم معاوية المدينة فبينا هو على المنبر إذ قال: يا كثير بن الصلت اذهب إلى عائشة أم المؤمنين فاسألها عن صلاة النبي ﷺ الركعتين بعد العصر.

стр. 1082

قال أبو سلمة: فذهبت معه وبعث ابن عباس عبد الله بن الحارث بن نوفل معنا فقال: اذهب فاسمع ما تقول أم المؤمنين. قال: فجاءها فسألها، فقالت له عائشة: لا علم لي، ولكن اذهب إلى أم سلمة فاسألها. قال: فذهبت معه إلى أم سلمة فقالت: دخل علي رسول الله ﷺ ذات يوم بعد العصر صلى عندي ركعتين لم أكن أراه يصليهما. فقلت: يا رسول الله لقد صليت صلاة لم أكن أراك تصليها. فقال: "إني كنت أصلي الركعتين بعد الظهر وأنه قدم عليّ وقد بني تميم أو صدقة فشغلوني عنهما فهما هاتان الركعتان" (١). [٨١٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن ابن قيس، عن محمَّد بن إبراهيم التيمي، عن جده قيس قال: رآني رسول الله ﷺ وأنا أصلي ركعتين بعد الصبح فقال: "ما هاتان الركعتان يا قيس"؟ فقلت: إني لم أكن صليت ركعتي الفجر، فسكت عنه رسول الله ﷺ (٢). الشرح عبد الله الصنابحي كذلك سماه ونسبه مالك، وذكر الحافظ أبو عبد الله بن منده أن محمَّد بن جعفر بن أبي كثير وخارجة بن مصعب رويا عن زيد بن أسلم مثله، وروى حديثه معمر بن راشد عن زيد بن أسلم عن عطاء وقال: عن أبي عبد الله الصنابحي، قال أبو عيسى الترمذي: والصحيح رواية [معمر] (٣) وأبو عبد الله الصنابحي: هو عبد

стр. 1083

الرحمن بن [عسيلة] (١) من أهل اليمن، وذكر البخاري وغيره أنه لم يسمع من النبي ﷺ ، وأنه قدم المدينة مهاجرًا إلى رسول الله ﷺ بعد موته بخمسة أيام (٢). وابن قيس: هو سعد بن سعيد بن قيس الأنصاري أخو يحيى وعبد ربه ابني سعيد. سمع: أنس بن مالك، والقاسم بن محمَّد، وعمر بن كثير بن أفلح. وروى عنه: محاضر بن المورع، وسليمان بن بلال، وعبد الله بن نمير، وإسماعيل بن جعفر، وأبو أسامة، وعبد الله بن المبارك. مات سنة إحدى وأربعين ومائة (٣). وقيس جد سعد بن سعيد: وهو فيما رواه عبد الله بن نمير وغيره قيس بن قهد -بالقاف- وقيل: هو قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة بن الحارث، وهذا أصح عند البخاري (٤). روى عنه: محمَّد بن إبراهيم التيمي، وغيره (٥). وحديث مالك عن محمَّد بن يحيى بن حبان رواه في "الصحيح" مسلم (٦) عن يحيى بن يحيى عن مالك، وأخرجه الشيخان (٧) من غير

стр. 1084

هذا الطريق من رواية أبي هريرة، وأيضًا من رواية عمر (١) بن الخطاب، وأبي سعيد الخدري (٢) أيضًا ﵁. وحديث مالك عن نافع أخرجه البخاري (٣) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم (٤) عن يحيى بن يحيى، بروايتهما عن مالك. وحديث الصنابحي يروى معناه عن النبي ﷺ في "الصحيح" (٥) من رواية عقبة بن عامر الجهني. وحديث ابن المسيب مرسل من رواية الكتاب، لكن رواه مسلم (٦) عن حرملة، وأبو داود (٧) عن أحمد بن صالح، بروايتهما عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة متصلًا وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. قال يونس: وكان ابن شهاب يقرأها "للذكرى". وقصة التعريس ثابتة عن النبي ﷺ من رواية أبي هريرة وغيره. وحديث عبد الله بن باباه، عن جبير بن مطعم: رواه عن سفيان كما رواه الشافعي: الحميدي وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهما (٨)، وأيَّده

стр. 1085

الشافعي برواية عطاء على إرسالها، وفي الباب عن أبي ذر ﵁. وحديث ابن [أبي] (١) لبيد عن أبي سلمة مذكور من قبل في الكتاب (٢) وبيّنا هناك أنه صحيح وأن كريبًا رواه عن أم سلمة وأخرجه الشيخان من روايته. وحديث قيس: رواه الحميدي عن سفيان كما رواه الشافعي، ورواه عبد الله بن نمير عن سعد بن سعيد بن قيس، وأخرجه أبو داود في "السنن" (٣). والمقصود الأوقات التي تكره فيها الصلاة خمسة: وقتان يتعلق النهي فيهما بالفعل وهما ما بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وما بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وهو المراد من الحديث الأول؛ وثلاثة يتعلق النهي فيها بالزمان وهي عند طلوع الشمس حتى ترتفع ويقوى شعاعها، وعند الاستواء حتى تزول، وعند اصفرار الشمس حتى تغرب ويدل عليه الحديث الثاني والثالث. وقوله: "ومعها قرن الشيطان" قيل: أي قومه ومتبعوه من أهل الكفر والضلال وهم عبدة الشمس، وقيل: أي قومه و [.. (٤) ..]، وقيل: أراد قرني رأسه وهما جنباه كأنه يدني رأسه من

стр. 1086

الشمس ليكون الساجد للشمس هو ساجد له. ثم بين الشافعي ﵁ أن النهي في هذِه الأوقات لا يعمّ كل صلاة؛ وإنما هو في التطوعات المطلقة، فإذا تذكر فائتة في هذه الأوقات فلا منع من قضائها، ففي "الصحيح" من رواية أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة أو نام عنها فإن كفارتها أن يصليها إذا ذكرها" (١). والاستدلال بحديث ابن المسيب بقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ظاهر على قراءة من قرأ "للذكرى" أي: لذاكرها، ويمكن أن تقرأ مع طرح اللام فتفتح الراء تنزيلًا على هذا المعنى، وإنما على القراءة المشهورة فالملائم لمقصود الحديث أن يجعل المعنى لذكر أمري بها وإيجابي لها، فإذا تذكر فائتة فقد تذكر إيجاب الله تعالى الإتيان بها. والتعريس: النزول والنوم في آخر الليل، وقيل: النزول للقيلولة أيضًا تعريس، ومنهم من قال: النزول في أي وقت كان للنوم تعريس. وفي الحديث دليل على أنه لا بأس بالنوم وإن قرب وقت الصلاة المستقبلة ولم يؤمن فواتها بدوام النوم، وعلى أنه يستحب أن يُوكَّل من يراقب الوقت لينبّه النائمين، وعلى أن الراتب يقضى، وعلى أنه لا بأس بالفصل بين ركعتي الفجر ومكتوبته، وعلى أنه لا يجب القضاء على الفور. وقوله: "فلم يفزعوا إلا بحرّ الشمس" قال الخطابي: أي لم ينتبهوا، يقال: أفزعته ففزع، أي: أنبهته فانتبه، ويجوز أن يحمل على خوفهم لفوات الصلاة من المؤاخذة أو نقصان الثواب.

стр. 1087

ولمَ أخّر الصلاة إلى أن اقتادوا الرواحل شيئًا؟ قيل: إنما أخر لترتفع الشمس ولا يقع القضاء في وقت الكراهية، وعلى هذا يجري أبو حنيفة حيث يقول: لا تقضى الفوائت في أوقات الكراهية، لكن في الحديث ما يدفع ذلك فإنه قال: "توضأ فصلى ركعتي الفجر ثم اقتادوا" ولو كان التأخير لخروج وقت الكراهية لما صلى ركعتي الفجر أيضًا. وقيل: أراد التحول عن المكان الذي أصابتهم فيه الغفلة والنسيان، وسأل بعضهم فقال: قد روي "أنه ﷺ كان تنام عيناه ولا ينام قلبه فكيف ذهب الوقت ولم يشعر به؟ وأجيب عنه بأن معرض الحديث يتعلق [... (١) ...] ما يوحى إليه في منامه لم يخف عليه الحديث، ومعرفة الوقت تدرك (بالتغير) (٢) الظاهر، وكانت عيناه تنامان، وكما لا بأس بقضاء الفائتة المعروضة في وقت الكراهية فكذلك الراتبة إذا خرجت عن وقتها؛ لحديث أم سلمة "فإنه شغل عن الركعتين بعد الظهر فقضاهما بعد صلاة العصر". وقولها: "دخل ذات يوم بعد العصر فصلى ركعتين" أي بعد صلاة العصر وهو أحد أوقات الكراهية، يدل عليه ما في "الصحيح" من رواية كريب عن أم سلمة أنها قالت: "صلى العصر ثم دخل علي". وقوله: "وفد بني تميم أو صدقة" يريد أو صدقة بني تميم. وكذا الراتبة المتقدمة على الصبح لو تأخرت عنها بعذر أو بغير عذر لم يكره الإتيان بها بعد الصلاة؛ لحديث قيس، وحديث جبير بن

стр. 1088

مطعم يشعر باستثناء مكة عن الكراهية، وفي بعض الروايات: "فلا يمنعن أحدًا طاف بهذا البيت أو صلى". وعن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا بمكة إلا بمكة (١) ". وهذا أظهر في المذهب، ومن الأصحاب من لم يفرق بين مكة وغيرها وحملوا قوله "وصلى" على ركعتي الطواف، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك. الأصل [٨١٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن يحيى بن حاطب حدثه قال: توفي حاطب فأعتق من صلى من رقيقه وصام، وكانت له أمة نوبية قد صلت وصامت وهي أعجمية لم تفقه، فلم ترعه إلا بحبلها وكانت ثيِّبًا، فذهب إلى عمر ﵁ فحدثه، فقال عمر: لأنت الرجل لا يأتي بخير فأفزعه ذلك، فأرسل إليها عمر فقال: أحبلت؟ فقالت: نعم من مرعوش بدرهمين، فإذا هي تستهل بذلك لا تكتمه، قال: وصادف علي وعثمان وعبد الرحمن بن عوف ﵃ فقال: أشيروا علي. قال: وكان عثمان جالسًا فاضطجع. فقال علي وعبد الرحمن: وقع عليها الحد.

стр. 1089

فقال: أشر علي يا عثمان. فقال: قد أشار عليك أخواك. فقال: أشر علي أنت. فقال: أراها تستهل به كأنها لا تعلمه، وليس الحد إلا على من علمه. فقال: صدقت، والذي نفسي بيده ما الحدّ إلا على من علمه، فجلدها عمر مائة وغربها عامًا (١). الشرح يحيى بن حاطب كأنه يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ابن أبي بلتعة، نسب إلى جده، فإن كان كذلك فقد روى: عن أبيه، وابن الزبير. وروى عنه: عروة، وهشام بن عروة، وغيرهما (٢). وحاطب: هو ابن أبي بلتعة عمرو بن عمير بن سلمة أبو محمَّد حليف بني أسد بن عبد العزى بن قصي، شهد بدرًا وكان رسول الله ﷺ [بعثه] (٣) إلى المقوقس ملك الإسكندرية. وروى عنه: جابر، وابن عمر، وابنه عبد الرحمن. وتوفي سنة ثلاثين وهو ابن خمس وستين سنة (٤). وقوله: "توفي حاطب فأعتق من صلى من رقيقه" يجوز أن يريد أنه

стр. 1090

أعتقهم عند الموت، ويجوز أن يريد به أوصى بأن يعتقوا، وكان فيهم أمة نوبية قد صلت وصامت، وذكر الصلاة والصيام يحتمل أن يراد به عنهما ويكون المقصود من يواظب عليها، ويحتمل أن يكنى بهما عن الإِسلام وقبول الأحكام، وكانت الأمة المذكورة أعجمية لا فقه عندها ولا علم بالأحكام فزنت عن جهل منها وحبلت من الزنا، ولما سئلت قالت: "نعم من مرعوش" أي: حبلت منه. وقوله: "فلم ترعه إلا بحبلها" أي لم ترع يحيى بن حاطب. وقوله: "فإذا هي تستهل بذلك لا تبالي به ولا تكتمه" يقال: استهل المولود، أي: رفع صوته، وسمي الهلال هلالًا لأنه يرفع الصوت إذا رؤي. وقوله: "وصادف علي وعثمان وعبد الرحمن" أي صادفوا عمر ﵃، وفي بعض النسخ: "وصادف عليًّا وعثمان وعبد الرحمن" أي صادفهم عمر، ولما شاورهم لم يجبه عثمان، واضطجاعه بعد الجلوس يمكن أن يكون لمرض أو إعياء، ويمكن أن يكون قصد تقية التورع عن الجواب فقد كانوا يكِلون الفتيا إلى غيرهم. وقوله: "وقع عليه الحد" أي على هذا الأمر أو نحوه، ويروى: "وقع عليها الحد" أي على الأمة. وفي الأثر أن عثمان ﵁ رأى درء الرجم عنها لشبهة الجهل ووافقه عمر ﵄، قال الحافظ أبو بكر البيهقي: وكأنه لما درأ عنها الرجم رأى الحد هنا حد الإنكار تعزيرًا فجلدها وغربها، وفي هذا إشكالان: أحدهما: الكلام في أن التعزير حينئذ يجوز أن يبلغ حد الحد. والثاني: أن الجهل الذي يعذر به الشخص كما يدرأ
следующие страницы →