← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123510

شرح مسند الشافعي

الرافعي

Полный текст (1 876 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

الشمس ليكون الساجد للشمس هو ساجد له. ثم بين الشافعي ﵁ أن النهي في هذِه الأوقات لا يعمّ كل صلاة؛ وإنما هو في التطوعات المطلقة، فإذا تذكر فائتة في هذه الأوقات فلا منع من قضائها، ففي "الصحيح" من رواية أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة أو نام عنها فإن كفارتها أن يصليها إذا ذكرها" (١). والاستدلال بحديث ابن المسيب بقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ظاهر على قراءة من قرأ "للذكرى" أي: لذاكرها، ويمكن أن تقرأ مع طرح اللام فتفتح الراء تنزيلًا على هذا المعنى، وإنما على القراءة المشهورة فالملائم لمقصود الحديث أن يجعل المعنى لذكر أمري بها وإيجابي لها، فإذا تذكر فائتة فقد تذكر إيجاب الله تعالى الإتيان بها. والتعريس: النزول والنوم في آخر الليل، وقيل: النزول للقيلولة أيضًا تعريس، ومنهم من قال: النزول في أي وقت كان للنوم تعريس. وفي الحديث دليل على أنه لا بأس بالنوم وإن قرب وقت الصلاة المستقبلة ولم يؤمن فواتها بدوام النوم، وعلى أنه يستحب أن يُوكَّل من يراقب الوقت لينبّه النائمين، وعلى أن الراتب يقضى، وعلى أنه لا بأس بالفصل بين ركعتي الفجر ومكتوبته، وعلى أنه لا يجب القضاء على الفور. وقوله: "فلم يفزعوا إلا بحرّ الشمس" قال الخطابي: أي لم ينتبهوا، يقال: أفزعته ففزع، أي: أنبهته فانتبه، ويجوز أن يحمل على خوفهم لفوات الصلاة من المؤاخذة أو نقصان الثواب.

стр. 1087

ولمَ أخّر الصلاة إلى أن اقتادوا الرواحل شيئًا؟ قيل: إنما أخر لترتفع الشمس ولا يقع القضاء في وقت الكراهية، وعلى هذا يجري أبو حنيفة حيث يقول: لا تقضى الفوائت في أوقات الكراهية، لكن في الحديث ما يدفع ذلك فإنه قال: "توضأ فصلى ركعتي الفجر ثم اقتادوا" ولو كان التأخير لخروج وقت الكراهية لما صلى ركعتي الفجر أيضًا. وقيل: أراد التحول عن المكان الذي أصابتهم فيه الغفلة والنسيان، وسأل بعضهم فقال: قد روي "أنه ﷺ كان تنام عيناه ولا ينام قلبه فكيف ذهب الوقت ولم يشعر به؟ وأجيب عنه بأن معرض الحديث يتعلق [... (١) ...] ما يوحى إليه في منامه لم يخف عليه الحديث، ومعرفة الوقت تدرك (بالتغير) (٢) الظاهر، وكانت عيناه تنامان، وكما لا بأس بقضاء الفائتة المعروضة في وقت الكراهية فكذلك الراتبة إذا خرجت عن وقتها؛ لحديث أم سلمة "فإنه شغل عن الركعتين بعد الظهر فقضاهما بعد صلاة العصر". وقولها: "دخل ذات يوم بعد العصر فصلى ركعتين" أي بعد صلاة العصر وهو أحد أوقات الكراهية، يدل عليه ما في "الصحيح" من رواية كريب عن أم سلمة أنها قالت: "صلى العصر ثم دخل علي". وقوله: "وفد بني تميم أو صدقة" يريد أو صدقة بني تميم. وكذا الراتبة المتقدمة على الصبح لو تأخرت عنها بعذر أو بغير عذر لم يكره الإتيان بها بعد الصلاة؛ لحديث قيس، وحديث جبير بن

стр. 1088

مطعم يشعر باستثناء مكة عن الكراهية، وفي بعض الروايات: "فلا يمنعن أحدًا طاف بهذا البيت أو صلى". وعن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا بمكة إلا بمكة (١) ". وهذا أظهر في المذهب، ومن الأصحاب من لم يفرق بين مكة وغيرها وحملوا قوله "وصلى" على ركعتي الطواف، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك. الأصل [٨١٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن يحيى بن حاطب حدثه قال: توفي حاطب فأعتق من صلى من رقيقه وصام، وكانت له أمة نوبية قد صلت وصامت وهي أعجمية لم تفقه، فلم ترعه إلا بحبلها وكانت ثيِّبًا، فذهب إلى عمر ﵁ فحدثه، فقال عمر: لأنت الرجل لا يأتي بخير فأفزعه ذلك، فأرسل إليها عمر فقال: أحبلت؟ فقالت: نعم من مرعوش بدرهمين، فإذا هي تستهل بذلك لا تكتمه، قال: وصادف علي وعثمان وعبد الرحمن بن عوف ﵃ فقال: أشيروا علي. قال: وكان عثمان جالسًا فاضطجع. فقال علي وعبد الرحمن: وقع عليها الحد.

стр. 1089

فقال: أشر علي يا عثمان. فقال: قد أشار عليك أخواك. فقال: أشر علي أنت. فقال: أراها تستهل به كأنها لا تعلمه، وليس الحد إلا على من علمه. فقال: صدقت، والذي نفسي بيده ما الحدّ إلا على من علمه، فجلدها عمر مائة وغربها عامًا (١). الشرح يحيى بن حاطب كأنه يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ابن أبي بلتعة، نسب إلى جده، فإن كان كذلك فقد روى: عن أبيه، وابن الزبير. وروى عنه: عروة، وهشام بن عروة، وغيرهما (٢). وحاطب: هو ابن أبي بلتعة عمرو بن عمير بن سلمة أبو محمَّد حليف بني أسد بن عبد العزى بن قصي، شهد بدرًا وكان رسول الله ﷺ [بعثه] (٣) إلى المقوقس ملك الإسكندرية. وروى عنه: جابر، وابن عمر، وابنه عبد الرحمن. وتوفي سنة ثلاثين وهو ابن خمس وستين سنة (٤). وقوله: "توفي حاطب فأعتق من صلى من رقيقه" يجوز أن يريد أنه

стр. 1090

أعتقهم عند الموت، ويجوز أن يريد به أوصى بأن يعتقوا، وكان فيهم أمة نوبية قد صلت وصامت، وذكر الصلاة والصيام يحتمل أن يراد به عنهما ويكون المقصود من يواظب عليها، ويحتمل أن يكنى بهما عن الإِسلام وقبول الأحكام، وكانت الأمة المذكورة أعجمية لا فقه عندها ولا علم بالأحكام فزنت عن جهل منها وحبلت من الزنا، ولما سئلت قالت: "نعم من مرعوش" أي: حبلت منه. وقوله: "فلم ترعه إلا بحبلها" أي لم ترع يحيى بن حاطب. وقوله: "فإذا هي تستهل بذلك لا تبالي به ولا تكتمه" يقال: استهل المولود، أي: رفع صوته، وسمي الهلال هلالًا لأنه يرفع الصوت إذا رؤي. وقوله: "وصادف علي وعثمان وعبد الرحمن" أي صادفوا عمر ﵃، وفي بعض النسخ: "وصادف عليًّا وعثمان وعبد الرحمن" أي صادفهم عمر، ولما شاورهم لم يجبه عثمان، واضطجاعه بعد الجلوس يمكن أن يكون لمرض أو إعياء، ويمكن أن يكون قصد تقية التورع عن الجواب فقد كانوا يكِلون الفتيا إلى غيرهم. وقوله: "وقع عليه الحد" أي على هذا الأمر أو نحوه، ويروى: "وقع عليها الحد" أي على الأمة. وفي الأثر أن عثمان ﵁ رأى درء الرجم عنها لشبهة الجهل ووافقه عمر ﵄، قال الحافظ أبو بكر البيهقي: وكأنه لما درأ عنها الرجم رأى الحد هنا حد الإنكار تعزيرًا فجلدها وغربها، وفي هذا إشكالان: أحدهما: الكلام في أن التعزير حينئذ يجوز أن يبلغ حد الحد. والثاني: أن الجهل الذي يعذر به الشخص كما يدرأ

стр. 1091

الحدّ يدرأ التعزير، ويحتمل أن يقال: أنها كانت لا تعرف الرجم وتظن حد كل زانٍ الحدّ والتغريب؛ وإنما لم تكتم زناها لأنها لم تستعظم الجلد والتغريب فدرأ عنها الرجم وعاملها بموجب ظنها. الأصل [٨١٧]، أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ سئل عن الضبّ فقال: "لست آكله ولا محرّمه" (١). [٨١٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي أبنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ نحوه. [٨١٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن ابن عباس. قال الشافعي: أشك أقال مالك عن ابن عباس عن خالد بن الوليد، أو عن ابن عباس وخالد بن المغيرة أنهما دخلا مع النبي ﷺ بيت ميمونة، فأتي بضبٍّ محنوذ فأهوى إليه رسول الله ﷺ فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة: (أخبري) (٢) رسول الله ﷺ بما يريد أن يأكل. فقالوا: هو ضبٌّ يا رسول الله، فرفع رسول الله- ﷺ يده. فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ فقال: "لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه". قال خالد: فاجتررته فأكلته ورسول الله ﷺ ينظر (٣).

стр. 1092

الشرح خالد: هو ابن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أبو سليمان القرشي المخزومي من أصحاب رسول الله ﷺ المشهورين بالإمارة والشجاعة والآثار الحميدة، ولقبه النبي ﷺ بسيف الله. روى عنه: ابن عباس، وقيس بن حازم. توفي في خلافة عمر ﵁ بحمص ودفن في قرية على ميل منها (١). وحديث نافع عن ابن عمر: أخرجه مسلم (٢) من حديث الليث وغيره عن نافع، وحديث عبد الله بن دينار مخرج في "الصحيحين" (٣) أيضًا، وحديث ابن عباس صحيح (٤) أيضًا ورواه القعنبي عن مالك فقال: "عن ابن عباس عن خالد بن الوليد أنه دخل ... " وأخرجه البخاري من رواية القعنبي، وكذلك رواه عن مالك: ابن أبي أويس و [يونس] (٥) بن يزيد وصالح بن كيسان عن الزهري، ورواه يحيى بن يحيى عن مالك فقال: "عن ابن عباس قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد" وأخرجه مسلم في كتابه عن يحيى بن يحيى، ورواه يحيى بن بكير عن مالك فقال: "عن عبد الله بن عباس وخالد بن الوليد أنهما دخلا ... " وذكر أن مالكًا كان يشك فيه، وربما كان كل منهما مرويًّا، وشكّ الشافعي أيضًا فيما سمعه من مالك، وهو مبين في الإسناد.

стр. 1093

وخالد بن المغيرة: هو خالد بن الوليد نسب إلى جده. والمحنوذ: المشوي، ثم قيل: هو الذي شوي على الحجارة المحماة بالنار، وقيل: هو الذي لم يبالغ في نضجه. وفي الحديث بيان أن الضبّ حلال فإنه قال: "ولا محرّمه" ولو كان حرامًا لحرمه رسول الله ﷺ ، وإنما قال: "لست آكله" لما بيّن في حديث ابن عباس أنه كان يعافه، وحديث ابن عباس يدل على حلّه أيضًا من وجوه: أحدها: أنه قيل: أحرام هو يا رسول الله؟ فقال: لا. والثاني: أنه علل رفع اليد عنه بالعيافة، ولو كان حرامًا لكان تركه لتحريمه. والثالث: أن خالدًا ﵁ أكله بين يدي رسول الله ﷺ ولم ينكر عليه، قال ابن عباس ﵄: لو كان حرامًا لما أكل مائدة رسول الله ﷺ . وفيه أنه لا بأس بترك الطعام للعيافة، وما روي من قول بعض النسوة الحاضرات هناك: "أخبري رسول الله ﷺ بما يريد أن يأكل" يشعر بأنهن كن قد عرفن أنه ﷺ لا يأكل الضبّ، وقد قصد أكل ما قدم إليه فعرّفته أنه ضب. الأصل [٨٢٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد العزيز بن محمَّد، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا أزال أقاتل الناس حتى

стр. 1094

يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" (١). [٨٢١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا الثقة، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة أن عمر قال لأبي بكر فيمن منع الصدقة: أليس قد قال رسول الله ﷺ : "لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله"؟ فقال أبو بكر: هذا من حقها يعني: منعهم الصدقة (٢). [٨٢٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا الثقة، عن محمَّد بن أبان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان إذا بعث جيشًا أمر عليهم أميرًا وقال: "فإذا لقيت عدوًا من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال أو ثلاث خصال -شكّ علقمة- ادعهم إلى الإِسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم إن هم فعلوا أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما عليهم، وإن اختاروا المقام في دارهم أنهم كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله كما يجري على المسلمين، وليس لهم في الفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن لم يجيبوك فادعهم إلى أن يعطوا الجزية عن يد، فإن فعلوا فاقبل منهم ودعهم، وإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم" (٣).

стр. 1095

الشرح محمَّد بن أبان كأنه محمَّد بن أبان بن صالح بن عمير الذي يقال له: الجعفي. روى عن: أبي إسحاق، وحماد بن أبي سليمان، وهو ممن تكلموا في حفظه (١). وعلقمة: هو ابن مرثد الحضرمي الكوفي. سمع: سعد بن عبيدة، وسليمان بن بريدة، ومقاتل بن حيان، والمغيرة اليشكري. وروى عنه: شعبة، والثوري، وغيلان بن جامع، ومسعر (٢). وسليمان: هو ابن بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث بن الأعرج بن [سعد] (٣) بن رزاح بن عدي بن سهم بن مازن المازني الأسلمي، ولد هو وأخوه عبد الله توأمين على عهد عمر ﵁. سمع: أباه. وروى عنه: عبد الله بن عطاء المكي. مات سنة خمس ومائة (٤). وأبوه بريدة بن الحصيب أبو عبد الله، ويقال: أبو ساسان، ويقال: أبو سهل، من أصحاب النبي ﷺ ، سكن المدينة ثم تحول إلى

стр. 1096

البصرة ثم خرج إلى خراسان ومات بمرو سنة اثنتين أو ثلاث وستين، [روى] (١) عنه: ابناه، وأبو المليح، والشعبي (٢). وحديث أبي هريرة صحيح (٣)، وكذلك ما حكاه من محاجة أبي بكر وعمر ﵄، واستدلال عمر ﵁ بظاهر قوله ﷺ : "حتى يقولوا: لا إله إلا الله"كان معلقًا بصدر اللفظ قبل التأمل في آخره، فبين أبو بكر ﵁ أن العصمة موقوفة على إيفاء [...] (٤)، ففي "الصحيح" من رواية ابن عمر عن النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إلله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإِسلام وحسابهم على الله" (٥). وفي "سنن أبي داود" السجستاني من رواية أنس أن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" (٦). وذكر الإِمام أبو سليمان الخطابي أن في الحديث دلالة على أن الكفار مخاطبون بالصلاة والزكاة وسائر العبادات؛ لأنه بين أنهم

стр. 1097

مقاتلون عليها، وأن قوله: "وحسابهم على الله" يعني فيما يستسرون به دون ما يخلون به من الأحكام الواجبة عليهم في الظاهر، وأن فيه دليلًا على أن المستسر بكفره لا يتعرض له إذا كان ظاهره الإِسلام وتقبل توبته إذا أظهر [... (١) ..] كان يستسر به، وبين الشافعي ﵁ في كتابه "اختلاف الحديث" (٢) أن قوله: "لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" من الكلام الذي مخرجه عام ويراد به الخاص، والمقصود منه أهل الأوثان، فأما أهل الكتاب فإنهم يقاتلون إلى أن يؤمنوا أو يعطوا الجزية عن يدٍ على ما فصله في حديث بريدة، وهذا كما أن الله تعالى قال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ الآية (٣). فنزل عليه مطلق قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ الآية (٤). وحديث بريدة صحيح أيضًا: أخرجه مسلم (٥) من رواية سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد، ورواه أبو داود في "السنن" (٦) عن محمَّد بن سليمان الأنباري عن وكيع عن سفيان عن علقمة بن مرثد. فظاهر الحديث يدل على أنه لا بد من تقديم الإنذار والدعاء على القتال، قال أبو سليمان الخطابي: وبهذا قال مالك بن أنس. وقال الحسن البصري، والثوري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق: لا حاجة إليه إذا كانوا ممن بلغتهم الدعوة، واحتج الشافعي ﵁ بقتل ابن أبي الحقيق، وأما من لم تبلغه الدعوة فيجب إعلامه بإنذاره أولًا بلا خلاف.

стр. 1098

وقوله: "وأخبرهم إن هم فعلوا أن لهم ما للمهاجرين" فالمقصود منه ما ذكره الإِمام الخطابي أن المهاجرين تركوا أوطانهم وهجروها في طاعة الله وسكنوا المدينة وليس لهم أو لأكثرهم بها زرع ولا ضرع، فكان رسول الله ﷺ ينفق عليهم مما أفاء الله عليه ولم يكن للأعراب وساكني البدو حظ في ذلك إلا من قاتل منهم، فبين أنهم إن نزلوا عن ديارهم وسكنوا المدينة سلك بهم سبيل المهاجرين. وقوله: "وعليهم ما على المهاجرين" يعني به الجهاد، والتفسير: وكان المهاجرون لا يتخلفون إذا دعوا والأعراب إن لم يخرجوا لم يكن عليهم عنت إذا كان في المهاجرين كفاية، ولا شيء لهم إذا لم يخرجوا. وقوله: "فادعهم إلى أن يعطوا الجزية" ظاهره جواز أخذ الجزية من كل مشرك كتابيًّا كان أو غير كتابي، وقد ذهب إليه بعض العلماء، والأكثرون خصصوا التقرير بالجزية بمن له كتاب أو شبه كتاب، واحتج لامتناع أخذها من كل مشرك بأن عمر ﵁ لم يكن يأخذ الجزية من المجوس حتى روى له عبد الرحمن بن عوف الأخذ منهم على ما سيأتي. الأصل [٨٢٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن عمرو بن دينار أنه سمع بجالة يقول: لم يكن عمر بن الخطاب ﵁ أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن أن النبي ﷺ أخذها من مجوس هجر (١). [٨٢٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن أبي سعد سعيد بن المرزبان، عن نصر بن عاصم قال: قال فروة بن نوفل الأشجعي: على ما

стр. 1099

تؤخذ الجزية من المجوس وليسوا بأهل الكتاب، فقام إليه المستورد فأخذ بلببه، فقال: يا عدو الله تطعن على أبي بكر وعمر وعلى أمير المؤمنين -يعني عليًّا ﵁ وقد أخذوا منهم الجزية، فذهب به إلى القصر فخرج عليهم علي ﵁ فقال: أتئدا فجلسا في ظل القصر، فقال علي: أنا أعلم الناس بالمجوس كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه، وإن ملكهم سكر فوقع على ابنته أو أخته فاطلع عليه بعض أهل مملكته، فلما صحا جاءوا يقيمون عليه الحدّ، فامتنع منهم فدعى أهل مملكته فقال: تعلمون دينًا خيرًا من دين آدم، قد كان آدم ينكح بنيه من بناته فأنا على دين آدم، ما يرغب بكم [عن] (١) دينه، فتابعوه وقاتلوا الذين خالفوهم حتىة قتلوهم، فأصبحوا وقد أسري على كتابهم فرفع من بين أظهرهم وذهب العلم الذي في صدورهم، وهم أهل الكتاب، وقد أخذ رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر منهم الجزية (٢). الشرح بجالة: هو ابن عبدة التميمي البصري، ويقال: بجالة بن كعب، وكان كاتب جزء بن معاوية التميمي البصري. روى عن كتاب عمر بن الخطاب، ويقال: أنه سمع عمران بن الحصين. وسمع منه: عمرو بن دينار، وقشير بن عمرو (٣).

стр. 1100

وسعيد بن المرزبان: هو أبو سعد البقال الأعور مولى حذيفة. سمع: أنسًا، وعكرمة (١). ونصر بن عاصم في الرواة: هو الليثي البصري. سمع: سبيع بن خالد اليشكري، وغيره. وسمع منه: حميد بن هلال، وقتادة (٢). وذكر أئمة الحديث أن الصواب في هذا الإسناد عيسى بن عاصم: وهو عيسى بن عاصم الأسدي [سمع] (٣) زرًّا. وروى عنه: سلمة بن كهيل، ومعاوية بن صالح (٤). وفروة بن نوفل الأشجعي يعد في الكوفيين. روى عن: عائشة. وروى عنه: هلال بن يساف، وعبد الملك بن عمير، وأبو إسحاق (٥).

стр. 1101

وأشهر المسمّين بالمستورد: هو المستورد بن شداد الفهري صحابي. روى عنه: قيس بن أبي حازم (١). وحديث بجالة صحيح: أورده البخاري (٢) من حديث سفيان، ورواه أبو داود في "السنن" (٣) عن مسدد عن سفيان؛ وأما الحديث الثاني فقد رواه الفضل بن موسى وابن فضيل عن أبي سعد سعيد بن المرزبان وقالا: عيسى بن عاصم، وهو الذي عدَّ صوابًا، وعن محمَّد بن إسحاق بن خزيمة أنه قال: توهمت أن الشافعي أخطأ في هذا الاسم حتى رأيت الحميدي تابعه على ذلك فعلمت أن الخطأ من ابن عيينة. والمقصود أنه يجوز أخذ الجزية من المجوس، ويروى أن عمر ﵁ أخذها من مجوس السواد، وأن عثمان ﵁ أخذها من مجوس البربر (٤). واختلف في أنه هل كان لهم كتاب؟ قيل: لم يكن، وعلى هذا جرى كلام فروة بن نوفل، واستدل له بما روي أنه ﷺ قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (٥) فإنه يشعر بأنهم

стр. 1102

ليسوا بأهل كتاب، وقيل: كان فأسري به على ما بينه علي ﵁. واحتج الشافعي بالقصة على أن الجزية لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب؛ لأنه لو كانت الجزية مأخوذة من غير أهل الكتاب لقال علي ﵁: تؤخذ الجزية منهم سواء كان أهل كتاب أو لم يكونوا، وروي أن النبي ﷺ قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم" (١). الأصل [٨٢٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: أقبلت راكبًا على أتان وأنا يومئذ قد راهقت الاحتلام ورسول الله ﷺ يصلي بالناس، فمررت بين يدي الصف، فنزلت فأرسلت حماري يرتع ودخلت الصف، فلم ينكر ذلك عليّ أحد (٢). الشرح هذا حديث صحيح، رواه البخاري (٣) عن إسماعيل بن أبي أويس وعن عبد الله بن يوسف وعن القعنبي، ومسلم (٤) عن يحيى بن يحيى بروايتهم جميعًا عن مالك، وفي الروايات زيادة ونقصان وقد قدمنا بعضها في كتاب الصلاة.

стр. 1103

وقوله: "راهقت الاحتلام" أي: دنوت منه، وأرهقني الشيء: دنا مني، وأرهقنا الصلاة أي: أخرناها حتى كادت تدنو من الأخرى (١). والحديث يدل على أن مرور الإنسان والحمار بين يدي المصلي لا يقطع صلاته، وما ورد في الحديث من أنه يقطع الصلاة فقد ذكرنا طرفًا منه في كتاب الصلاة، وبينا تنزيله وتأويله. الأصل [٨٢٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا بعض أهل العلم، عن محمَّد بن عمر وبن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وإذا خرجن فليخرجن تفلات" (٢). [٨٢٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" (٣). [٨٢٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم" (٤). [٨٢٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي معبد، عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب يقول: "لا يخلون رجل بامرأة، ولا يحل لامرأة أن تسافر إلا ومعها ذو محرم" فقام رجل فقال: يا رسول الله إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا وإن امرأتي انطلقت حاجَّة.

стр. 1104

فقال: "انطلق فاحجج بامرأتك" (١). [٨٣٠] أبنا الربيع أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة أنه سمع عائشة تقول: إن كان ليكون عليّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أصومه حتى يأتي شعبان (٢). الشرح حديث "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" صحيح مخرج في "الصحيحين" (٣) من رواية سالم عن أبيه: رواه البخاري عن علي بن المديني، ومسلم عن زهير بن حرب وعمرو الناقد، بروايتهم عن سفيان واللفظ "إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها". وقوله: "تفلات" أي: غير متطيبات لئلا يحرّك ريح الطيب الشهوات، والتَّفل: الرائحة الكريهة، ويقال منها: تفل يتفل تفلًا، والتفل أيضًا: البزاق، ويقال منه: تفل يتفل تفلًا إذا رمى بالقليل منه. وحمل النهي عن المنع على الاستحباب؛ لما روي عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة -ويقال: أم لبيبة- عن القاسم بن محمَّد، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لأن تصلي المرأة في بيتها خير لها من أن تصلي في حجرتها، ولأن تصلي في حجرتها خير لها من أن تصلي في الدار، ولأن تصلي في الدار خير لها من أن تصلي في المسجد" (٤) ثم موضع الاستحباب ما إذا لم تُخف سوءًا ولم تكن زينة، وقد

стр. 1105

روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل (١). وقوله: "إذا خرجن فليخرجن تفلات" يشير إلى هذا المعنى، وفي "الصحيح" من رواية أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة" (٢) ويمكن أن يقال: مقصود الخبر أن النساء لا يمنعن جملة من دخول المساجد والاعتكاف فيها؛ وذلك لأن المساجد بنيت للجمعات والجماعات، والجمعة يختص وجوبها بالرجال، والجماعة في سائر الصلاة لا تستحب للنساء استحبابها للرجال، فقد يتوهم لذلك أن المساجد تختص بالرجال؛ ويقطع هذا الوهم بقوله: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله". ورأى الشافعي ﵁ حمل الحديث على المسجد الحرام، وليس لأحد منعها من إتيان المسجد الحرام لإقامة فرض الحج، واحتج لذلك بقوله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم" وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم (٣) عن يحيى بن يحيى، عن مالك، وأيضًا عن زهير بن حرب عن يحيى بن سعيد، والبخاري (٤) عن آدم، بروايتهما عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، وأخرى عن أبيه عن أبي هريرة؛ وأيضًا لحديث ابن عباس المذكور بعده وهو صحيح أيضًا: أخرجه البخاري (٥) عن قتيبة

стр. 1106

بن سعيد، ومسلم (١) عن أبي بكر بن أبي شيبة، بروايتهما عن سفيان. ووجه الاحتجاج أن في هذين الخبرين منعها من السفر بلا محرم، ومعلوم أنها إذا أرادت السفر لإتيان مسجد لم يجب على المحرم أن يخرج معها فهي إذًا ممنوعة عن أكثر المساجد، فعلم أنه ليس المراد من الحديث ظاهره، وفي معنى المحرم الزوج؛ لما روي في "الصحيح" عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسافر امرأة سيرًا ثلاثة أيام فصاعدًا إلا مع ابنها أو أبيها أو أخيها أو زوجها أو ذي محرم" (٢) واستدل بالحديث على أن المرأة إذا لم تجد من يخرج معها لم يلزمها الحج، وأقام مالك والشافعي النسوة الثقات مقام المحرم لحصول الأمن بهن. وقوله: "تسافر مسيرة يوم وليلة" يبين أن المنع من السفر بلا محرم لا يختص بالسفر الطويل وعند أبي حنيفة إذا لم يكن مع المرأة محرم ولا زوج فلا تخرج إلى الحج إلا أن تكون المسافة بينها وبين مكة دون ثلاثة أيام، وقد أطلق في حديث ابن عباس المنع، واستثني عن الحديث الكافرة إذا أسلمت في دار الكفر والمسلمة إذا تخلصت من الأسر، وقيل: يلزمها الخروج بلا محرم إذا اجترأت ولم تخف الوحدة. وحديث عائشة في تأخير قضاء الصوم صحيح مودع في "الموطأ" (٣) وأخرجه الشيخان (٤) عن أحمد بن عبد الله بن يونس عن

стр. 1107

زهير عن يحيى بن سعيد وفي آخره: "الشغل من النبي أو بالنبي ﷺ وأورده الشافعي في هذا الموضع مؤيدًا به كلامه في جواز المنع من الخروج إلى أكثر المساجد أي: إذا كان للزوج أن يمنعها من المبادرة إلى قضاء الصوم مع وجوبه، فأولى أن يجوز له المنع من الخروج إلى المسجد الذي ليس هو بواجب، والحديث يدل على أنه يجوز تأخير القضاء، وأنه لا يجوز التأخير إلى أن يدخل رمضان السنة القابلة وإن أخر من غير عذر حتى دخل رمضان السنة القابلة فعليه مع القضاء أن يطعم لكل يوم مسكينًا يروى ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة، وبه قال الزهري ومالك والشافعي وأحمد، ومنهم من قال: يقضي ولا فدية عليه، وبه قال أبو حنيفة، وقيل: يطعم ولا قضاء عليه. الأصل [٨٣١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل" (١). [٨٣٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك وسفيان، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" (٢). [٨٣٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: كان الناس عمال أنفسهم وكانوا يروحون بهيآتهم فقيل لهم: لو اغتسلتم (٣).

стр. 1108

الشرح حديث سالم عن أبيه مخرج في "الصحيحين" (١) من أوجه عن الزهري عن سالم، ورواه نافع عن ابن عمر أيضًا، وأخرجه البخاري (٢) من رواية عبد الله بن يوسف عن مالك عن نافع، ومسلم (٣) من رواية الليث بن سعد عن نافع. وحديث أبي سعيد: رواه البخاري في "كتابه" (٤) عن القعنبي عن مالك، وعن علي بن المديني عن سفيان، ومسلم (٥) عن يحيى بن يحيى عن مالك. وكلام عائشة مخرج في "الصحيحين" (٦) من حديث يحيى بن سعيد. وقوله: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل" احتج به على اختصاص الغسل بمن أتى الجمعة على ما قدمنا. وقوله: "فليغتسل" ظاهره يقتضي الإيجاب بناءً على أن الأمر الوجوب، وقد صرح بلفظ الوجوب في حديث أبي سعيد، قال الشافعي في كتابه "اختلاف الحديث": قوله: "واجب" احتمل أنه لا يجزيء غيره، واحتمل واجب في الأخلاق وواجب في الاختيار والنظافة، ونفي الرائحة الكريهة عند اجتماع الناس كما يقول الرجل للرجل: وجب حقك إذا رأيتني موضعًا لحاجتك (٧).

стр. 1109

وقد قام الدليل على أن المراد غير المعنى الأول، واحتج بما روى "أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة وعمر بن الخطاب ﵁ يخطب، فقال عمر: أية ساعة هذِه" وقد تقدمت روايته في "المسند" (١) وروي أنه ﷺ قال: "من توضأ فيها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل" (٢) وبينت عائشة المعنى في الغسل وهو قطع الروائح الكريهة والتنظيف. وقولها: "عمال أنفسهم" أي ما كان لهم من يستخدمونه فكانوا يكدحون ويسعون بأنفسهم في أشغالهم. وقوله: "لو اغتسلتم" أي كان خيرًا وأحسن أو ما أشبه ذلك. آخر الجزء ويتلوه في الذي يليه: أبنا الربيع أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جبير، عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "الأيم أحق بنفسها من وليها" وبه تم المجلد الأول على يدي أضعف عباد الله عبد الرحمن بن عمر بن أحمد الكرخي القزويني في العشرين من جمادي الأولى سنة خمس وخمسين وستمائة.

стр. 1110

-[الجزء الأول من المجلد الثاني من مسند إمام أئمة المسلمين وابن عم رسول رب العالمين أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المطلبي ﵁ بشرح الإِمام الكبير السعيد العلامة خاتم المجتهدين حجة الإِسلام والمسلمين أبي القاسم الرافعي أسكنه الله فراديس القدس]- الأيم أحق بنفسها من وليها، نهى عن النجش، لا يبع بعضكم على بيع بعض، لا يبيع حاضر لباد، ولا تلقوا السلع، إني نحلت ابني هذا غلامًا، فإن الولاء لمن أعتق، ضحى بكبشين، ويل للأعقاب من النار، أسفروا بالفجر، إذا افتتح الصلاة رفع يديه، [رأى] (١) رجلًا يصلي خلف الصف وحده، صلى مع رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف، خسفت الشمس، إني أصبح جنبًا وأنا أريد أصوم، رأى رجلًا يحتجم، نكح وهو حلال، إنما الربا من النسيئة، الشفعة فيما لم ينقسم، إن الميت ليعذب ببكاء الحي، نهى أن تستقبل القبلة، قال: لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد، كنا نسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة، اللهم أنج الوليد بن الوليد، إذا رميتم الجمرة، لم نرد عليك إلا أنّا حرم، لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه، إذا رأيتم الهلال فصوموا، الولد للفراش، قضى أن الخراج بالضمان، لا تصرّوا الإبل

стр. 1111

والغنم، من ابتاع طعامًا فلا يبيعه حتى يستوفيه، من سلف فليسلف في كيل معلوم، لا يقتل مؤمن بكافر، عن كسب الحجام فنهاه عنه، البينة على المدعي، طلقت امرأتي مائة، تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته، طلق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض، من أعتق شركًا له في عبد، فأقرع بينهم فأعتق ثلثهم، ناقة للبراء بن عازب دخلت حائطًا لقوم فأفسدت فيه، ثم أذن في الناس بالحج.

стр. 1112

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الأصل [٨٣٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جبير، عن عبد الله بن عباس؛ أن رسول الله ﷺ قال: "الأيم أحق بنفسها [من] (١) وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها" (٢). [٨٣٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عبد الرحمن ومجمع ابني يزيد بن جارية، عن خنساء بنت خذام؛ أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك، فأتت النبي ﷺ فرد نكاحها (٣). [٨٣٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: تزوجني رسول الله ﷺ وأنا بنت سبع، وبنى بي وأنا ابنة تسع، وكنت ألعب بالبنات، وكنّ جوار يأتينني فإذا رأين رسول الله ﷺ يتقمعن منه، فكان النبي ﷺ يسرِّ بهن إلي (٤). الشرح عبد الرحمن (٥) أبو محمَّد، ومجمع (٦): ابنا يزيد بن جارية بن

стр. 1113

عامر بن مجمع بن العطاف الأنصاري، من بني عمرو بن عوف، ولأبيهما صحبة ورواية عن النبي ﷺ ، وجدهما حارثة من المنافقين من أهل مسجد الضرار. روى عبد الرحمن عن: عمه مجمع بن جارية الأنصاري، وعن بعضهم أنه قال: ما رأيت بعد الصحابة أفضل من عبد الرحمن، يقال: أنه ولد في عهد النبي ﷺ ومات بالمدينة سنة ثلاث وتسعين، وقيل: سنة ثمان. سمعا: خنساء بنت خذام. وخنساء: هي بنت خذام بن خالد، من نساء الصحابة، وأبوها من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار (١). وحديث نافع بن جبير عن ابن عباس مخرج في "الموطأ" (٢) ورواه مسلم في "صحيحه" (٣) عن يحيى بن يحيى عن مالك، وأخرجه الشيخان (٤) من رواية أبي هريرة. وحديث خنساء أخرجه البخاري (٥) عن إسماعيل عن مالك. وحديث عائشة أخرجه البخاري (٦) عن محمَّد بن يوسف عن سفيان، وأخرجاه (٧) من طرق عن هشام بن عروة. وقوله: "الأيم أحق بنفسها" اسم من [أيم] (٨) والأيمة: التي مات

стр. 1114

عنها زوجها أو طلقها أشهر، وتسمى البكر التي لا زوج لها أيمًا أيضًا، وأراد ها هنا: الثيب أحق بنفسها من وليها ثم ليس المقصود أنها تباشر العقد بنفسها إذ لا نكاح إلا بولي، ولكن المراد أنها لا تزوج إلا بإذنها، ولو زوجها الولي دون إذنها فالنكاح باطل، ويوضحه حديث خنساء. ومعنى قوله: "فرد نكاحها" أنه حكم بأنه غير منعقد لا أنه رفعه بعد انعقاده، ولو كانت الثيب صغيرة لم يكن لها في الصغر إذن، فلا بد من الصبر حتى تبلغ فتأذن في التزويج؛ وأما البكر فإن كانت صغيرة فلا خلاف في أنه يجوز تزويجها للأب والجد، ويدل عليه حديث عائشة ﵂. وقولها: "يتقمعن" ويروى "ينقمعن" وهما أي: يتغيبن ويتعين رسول الله ﷺ ، والانقماع والتقمع: الدخول في بيتٍ وسترٍ ونحوهما، ويروى بدلهما "يتقنعن" بالنون. وقولها: "يسرِّ بهن إلي" أي: يوجههن ويسرحهن. ولو كانت يتيمة فعند الشافعي لا يزوجها غير الأب والجد احتجاجًا بأن النبي ﷺ قال: "تستأمر" ومعلوم أنه لا عبرة بإذنها قبل البلوغ، فكأنه قال: ولا تنكح حتى تبلغ فتستأمر. وإن كانت البكر بالغة فقد ذهب ذاهبون إلى أنها لا تزوج حتى تستأذن لقوله: "والبكر تستأذن في نفسها". وقال آخرون منهم: القاسم بن محمَّد، وسالم بن عبد الله، ومالك، والشافعي، وأحمد: يجوز أن يزوجها الأب والجد من غير استئذانها، وقالوا: مقصود الحديث استطابة نفسها بالاستئذان كما أن الله تعالى أمر النبي ﷺ بمشاورة أصحابه، فقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ في

стр. 1115

الْأَمْرِ﴾ (١) استطابة لنفوسهم، وكما أن النبي ﷺ قال لنعيم: "وأمر أم ابنتك في نكاحها" (٢). ويمكن أن يقال في الخبر: قوله: "الثيب أحق بنفسها من وليها" أي: من كل ولي أبًا كان أو جدًّا أو غيرهما، فلا يزوجها أحد إلا بإذنٍ، والبكر تستأذن في الجملة وليست أحق بنفسها من كل ولي، وحيث يعتبر الاستئذان ففي حق الثيب يعتبر الإذن نطقًا، وفي حق البكر يكفي السكوت؛ لقوله ﷺ : "وإذنها صماتها". وروت عائشة أن النبي ﷺ قال: "البكر تستأذن" قالت: قلت: إن البكر تستحي. قال: "إذنها صماتها" (٣). وللأصحاب وجه آخر أنه يشترط نطقها أيضًا. وقول عائشة: "وبنى بي" كناية عن الزفاف، يقال: بنى بأهله وعلى أهله، والأصل فيه أنهم كانوا إذا أرادوا الدخول على الأهل بنوا قبة أو بناءً يدخلا بها. وقولها: "ألعب بالبنات" هي اللعب المشبهة بالجواري تلعب بها الصبايا، وفي "صحيح مسلم" عن عائشة؛ أن النبي ﷺ تزوجها وهي بنت سبع سنين، وزفت إليه وهي بنت تسع سنين ولعبها معها، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة (٤). وفيه أنه لا بأس بتمكين الصبيان من اللَّعب باللُّعب، فإن كانت مصورة فقد يتساهل معهن لصباهن كما يتساهل بإلباس ذكور الأطفال

стр. 1116

الحرير على الأظهر، وفيه أنه لم يمنع من اجتماعهن للملاعبة، وأنه لاطف عائشة ولاطفهن بتسريهن إليها. الأصل [٨٣٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن النبي ﷺ نهى عن النجش (١). [٨٣٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تناجشوا". [٨٣٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان ومالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثله (٢). [٨٣٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي قال: وأبنا سفيان، عن أيوب عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ [مثله] (٣). الشرح حديث ابن عمر مما يشتمل عليه "الموطأ" (٤) وأخرجه البخاري (٥) عن عبد الله بن سلمة، ومسلم (٦) عن يحيى بن يحيى، بروايتهما عن مالك. وحديث ابن المسيب عن أبي هريرة أخرجه البخاري (٧) عن علي بن عبد الله عن سفيان عن الزهري، ومسلم عن محمَّد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، ورواه أبو داود في "السنن" (٨) عن ابن

стр. 1117

[السرح] (١) عن سفيان، وابن ماجه (٢) عن هشام بن عمار وغيره عن سفيان. والنجش: أن يزيد في ثمن السلعة المعروضة للبيع وهو لا يريد شراءها ليرغب غيره فيها فيزيد في الثمن، قيل: أصله المدح؛ لأن الذي يزيد في ثمن السلعة يمدحها، وقيل: أصله تنفير الوحش من مكان إلى مكان؛ لأن الناجش يقصد تنفيره عن غير تلك السلعة (٣). والناجش عاصٍ بفعله؛ لما فيه من الخديعة لكن الشرى صحيح، ولا خيار للبائع إذا كان النجش من غير مواطأة، وإن واطأه الناجش ففي ثبوت الخيار وجه. والتناجش: أن يزيد في ثمن سلعة غيره عند البيع ليزيد هو أيضًا في ثمن سلعته عند البيع، وحيث ورد في الخبر: "لا تباغضوا ولا تناجشوا" (٤) فالمراد منه التنفير، أي: لا ينفر بعضكم بعضا. الأصل [٨٤٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبع بعضكم على بيع بعض" (٥). [٨٤١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا [سفيان، عن الزهري] (٦)،

стр. 1118

عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ -قال: "لا يبيع الرجل على بيع أخيه" (١). [٨٤٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك وسفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثله (٢). الشرح حديث نافع عن ابن عمر أخرجه البخاري (٣) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم (٤) عن يحيى بن يحيى، بروايتهما عن مالك. وحديث ابن المسيب عن أبي هريرة أخرجاه بالطريق السابق في النجش، وقد يقرن في الرواية بين النهي عن التناجش والبيع على بيع الأخ وبيع الحاضر للبادي. وحديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أخرجه البخاري ومسلم كل منهما بالطريق الذي ذكرنا في حديث ابن عمر. والمقصود بالنهي: أن يشتري الرجل شيئًا من غيره وهما بالخيار -إما شرطًا، أو [لكونهما] (٥) في مجلس العقد- ويأتي إنسانٌ البائع فيطلب ما باعه منه بأكثر من الثمن الذي باع به ترغيبًا له [في] (٦) الفسخ والبيع منه؛ أو يأتي المشتري ويعرض عليه مثل ما اشتراه أو أجود

стр. 1119

بأرخص من ذلك الثمن ليفسخ ذلك ويشتري سلعته، وهذا كالنهي عن السوم على سوم الغير والخطبة على خطبة الغير. الأصل [٨٤٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن النبي ﷺ [قال] (١) "لا يبيع حاضر لباد" (٢). [٨٤٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" (٣). الشرح المنع من بيع الحاضر للبادي صحيح ثابت عن رسول الله ﷺ من رواية ابن عمر (٤) وأبي هريرة (٥) وابن عباس (٦) وأنس (٧). وحديث أبي الزبير عن جابر أخرجه مسلم (٨) عن أحمد بن يونس، عن زهير بن معاوية، عن أبي الزبير. وكان أهل البادية يحملون إلى البلد أمتعتهم فيبيعونها بسعر اليوم ويسعون في الرجوع إلى أماكنهم لئلا تكثر عليهم المؤنة في البلد، فربما جاء بعضهم البلدي ويقول له: ارجع وضع متاعك عندي ولا تربص به

стр. 1120

وأبيعه بأعلى مما تبعه رفق أهلٍ، فنهى النبي ﷺ وأشار إلى هذا المعنى بقوله: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" فإن كان لا يؤثر ذلك لرخص الأسعار أو لقلة المتاع فقد قيل: لا بأس؛ لأنه لا ضرر. وقيل بالمنع؛ لإطلاق النهي. ولو التمس البدوي من الحضري أن يتربص بسلعته فهل ينهى عن إجابته؟ فيه خلاف أيضًا، ثم قيل: النهي يختص بالبيع، فأما شرى البلدي للبدوي فلا بأس به، وهذا ما حكاه الشيخ الفراء في "شرح السنة" عن الحسن البصري، قال: وذهب إليه الشافعي (١). ومنهم من قال: لا يجوز أن يشتري له كما لا يجوز أن يبيع، له واسم البيع يقع على الابتياع أيضًا كما يقع اسم الشرى على البيع وهما من الأضداد، ويروى هذا عن ابن سيرين وإبراهيم النخعي، وهذا ما أورده أبو سليمان الخطابي، وقد احتج له بما روي أن ابن عباس لما روى أن النبي ﷺ نهى أن يبيع حاضر لباد، قيل له: ما بيع حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمسارًا (٢). والسمسار: الذي يبيع ويشتري للناس. وفي قوله: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" ما يدل على أن بيع الحضري للبدوي وإن كان مبهمًا فهو صحيح؛ لأنه لو كان فاسدًا لم يكن فيه تفويت الرفق والرزق على الناس.

стр. 1121

الأصل [٨٤٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ [قال] (١) "لا تلقوا السلع" (٢). الشرح الحديث صحيح داخل في "الموطأ" (٣) وأخرجه البخاري (٤) عن عبد الله بن يوسف عن مالك، ومسلم (٥) عن يحيى بن يحيى عنه، واللفظ: "لا تلقوا الركبان للبيع". وأخرجه أبو داود (٦) عن القعنبي عن مالك، وقال: "لا تلقوا السلع حتى تهبط الأسواق". وصورته أن يبليغ الركبان قبل أن يقدموا البلد ويعرفوا سعر أمتعتهم ويخبرهم بكسادها ويشتريها منهم بما دون سعر البلد، وسبب النهي ما فيه من الخديعة، ولصاحب السلعة الخيار إذا قدم البلد وعرف كذب المبلغ؛ لما روي عن ابن سيرين عن أبي هريرة؛ أن النبي ﷺ نهى عن تلقي الجلب، فإن تلقاه متلقٍ فاشتراه فصاحب السلعة بالخيار إذا ورد السوق (٧). وخصص أبو سعيد الإصطخري (٨) الخيار بما إذا ابتاع بدون سعر البلد دون ما إذا ابتاعه به أو بأكثر منه، حكاه أبو سليمان الخطابي وذكر

стр. 1122

أن أبا حنيفة لم يكره التلقي ولا جعل لصاحب السلعة الخيار. الأصل [٨٤٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان أو مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، وعن محمَّد بن النعمان بن بشيرة أن أباه أتى به إلى رسول الله ﷺ [فقال] (١) إني نحلت ابني هذا غلامًا كان لي، فقال رسول الله ﷺ : "أُكلّ ولدك نحلت مثل هذا"؟ [فقال: لا] (٢) فقال رسول الله ﷺ : "فارجعه". قال أبو العباس: كان عند أصحابنا كلهم: [مالك] (٣) وكان عندي سفيان؛ فلذلك جعلته بالشك (٤). [٨٤٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس؛ أن النبي ﷺ [قال] (٥) "لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهب إلا الوالد من ولده" (٦). الشرح محمَّد: هو ابن النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري، سكن دمشق. سمع: أباه، وروى عنه: الزهري (٧).

стр. 1123

وأبوه: النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة بن جلاس بن زيد بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاري أبو عبد الله، كان يلي الكوفة. سمع: النبي ﷺ . وروى عنه: الشعبي، وأبو إسحاق السبيعي، وسالم بن أبي الجعد، وسماك (١). وحديث النعمان صحيح رواه البخاري (٢) عن عبد الله بن يوسف عن مالك، ومسلم (٣) عن يحيى بن يحيى عنه، ورواه عن النعمان: عروة بن الزبير والشعبي. وفي رواية حصين عن الشعبي عن النعمان قال رسول الله ﷺ : "فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" قال: فرجع فردّ عطيته (٤).٢ وفي رواية داود بن أبي هند عن الشعبي: "فأشهد على هذا غيري" ثم قال: "أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء"؟ قال: بلى. قال: "فلا إذًا" (٥). وفي رواية أبي حيان عن الشعبي قال: "فلا تشهدنى إذًا؛ فإني لا أشهد على جور" (٦). وبيّن أبو العباس أنه لِمَ قال: أبنا سفيان أو مالك بالشك، والمشهور في الحديث رواية الشافعي عن مالك وكذلك هو في كتاب "اختلاف الحديث" (٧) وغيره.

стр. 1124

وحديث طاوس مرسل، لكن أخرجه أبو داود (١) بإسناده عن طاوس عن ابن عمر وابن عباس عن النبي ﷺ ، وقصة نحلة النعمان رواها أيضًا أبو الزبير عن جابر عن النبي ﷺ (٢). وقوله: "نحلتُ" أي: أعطيت، يقال: نَحلْتهُ أَنْحَلهُ نُحلًا، ومن القول نَحلًا بالفتح، والنّحل: العطية بغير عوض، ويروى أنه ﷺ قال له: "هل لك معه ولد؟ " قال: نعم. قال: "فهل أبنت كل واحد منهم مثل الذي أبنت هذا؟ " قال: لا (٣). أي: هل أعطيت كل واحد منهم مالًا تبينه به، والاسم البائنة، يقال: طلب فلان إلى أبيه البائنة إذا طلب إليه مالًا يفرده به، وأبانه أبواه حتى بان يبين بيونًا، ويقال: إن البائنة لا تكون إلا من الوالدين أو أحدهما. والقصة تدل على استحباب التسوية بين الأولاد إذا كانوا ذكورًا أو إناثًا في النّحل وأنواع الإكرام، والمعنى فيه أن التفضيل قد يؤثر في نفس المفضول فيمنعه من البرّ ويفسد ما بينه وبين سائر الأولاد، وفي الذكر والأنثى وجهان: أحدهما: أنه لا بأس بأن يجعل العطية بينهما على قضية الميراث. وأظهرها: أنه يسوي أيضًا، ويدل عليه قوله: "أيسرك أن يكونوا في البرّ سواء" فإنه لم يفرق بين الذكر والأنثى.

стр. 1125

ويدل على أنه إذا فضل بعضهم على بعض تقذف الهبة وإن عدل عن المأمور خلافًا لسفيان الثوري وداود؛ لأنه قال: "فارجعه" ولو لم ينفذ تصرفه وبقي المال على ملكه لما احتاج إلى أن يرجع، وأيضًا فقد قال: "أشهد على هذا غيري" ولو كان لغوًا لما أمر بالإشهاد عليه، وتسميته جورًا لما فيه من الميل والعدول عن الأفضل والأحسن، وتدل أيضًا على أن للأب أن يرجع فيما وهب من ولده، والأولى أن لا يفعل ذلك إلا لغرض صحيح ويدل عليه حديث طاوس. وفيه دليل على أن الأجنبي لا يرجع فيما وهب من الأجنبي، وقد روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "العائد في هبته كالعائد في قيئه" (١). والعود في القيء حرام، وفرق بين الأب والأجنبي بأن يدّ الولد كيدّ الوالد؛ ألا ترى أنه لا حدّ بوطء جاريته، ولا يقطع بسرقة ماله؛ فكان الوالد في الهبة من الولد في معنى من وهب ولم يقبض. الأصل [٨٤٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة؛ أنها قالت: جاءتني بريرة فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواقٍ في كل عام أوقية فأعينيني، فقالت لها عائشة: إن أحب أهلك أن أعدها لهم عددتها ويكون ولاؤك لي فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم ذلك فأبوا عليها، فجاءت من عند أهلها ورسول الله ﷺ جالس، فقالت: إني عرضت عليهم فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم، فسمع ذلك رسول الله ﷺ ، فسألها النبي ﷺ فأخبرته عائشة، فقال لها رسول الله ﷺ : "خذيها
следующие страницы →