← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123510

شرح مسند الشافعي

الرافعي

Полный текст (1 876 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وقوله في حديث جعفر بن محمَّد: "قال: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد" يدل على أن الإِمام يجمع بين الكلمتين، خلافًا لقول من خالف فيه، ويؤيده ما ذكرنا من رواية ابن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة. وفي القصة أنه يحسن القنوت في الصلوات إذا نزلت بالمسلمين نازلة، وأنه قنت بعد الركوع، وما روي من التقيد بمدة وأنه ترك بعد ذلك فهو محمول عند الشافعي ﵁ على الترك فيما سوى الصبح، وعلى ترك الدعاء لقوم معينين وعلى قوم معينين في صلاة الصبح، وروي نحو منه عن عبد الرحمن بن مهدي، فأما أصل القنوت في صلاة الصبح فإنه لم يتركه؛ لما روي عن الربيع بن أنس -وكان من تابعي البصرة، روى عنه: سليمان التيمي، وعبد الله بن المبارك، وغيرهما، ووثقه أبو زرعة وأبو حاتم فيما رواه ابن أبي حاتم (١) -عن أنس بن مالك؛ أن النبي ﷺ قنت شهرًا يدعو عليهم ثم ترك، فأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا (٢). وعن قتادة عن أنس قال: صليت خلف النبي ﷺ فقنت وخلف عمر فقنت وخلف عثمان ﵄ فقنت (٣).

стр. 1192

وعن طارق قال: صليت خلف عمر الصبح فقنت (١). ويروى القنوت في الصبح عن أبي بكر وعمر وعثمان، وهو عن علي ﵃ أشهر، وعن البراء: أن النبي ﷺ كان يقنت في الصبح. ويروى ذلك عن فعل البراء أيضًا. وقوله: "اشدد وطأتك" أي: أخذك وعقوبتك، قال الخطابي: وأراد ضيق المعيشة، واللفظ مأخوذ من وطء الدابة الشيء، ويقال: وطئهم العدو وطأً شديدة (٢) إذا أثخن فيهم. والله أعلم. الأصل [٩٠١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله وربما قال: عن أبيه، وربما لم يقله، قال: قال عمر ﵁: إذا رميتم الجمرة وذبحتم وحلقتم فقد حلّ لكم كل شيء حرم عليكم إلا النساء والطيب. قال سالم: وقالت عائشة: أنا طيبت رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله بعد أن رمى الجمرة، وقبل أن يزور. فقال سالم: وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع (٣). الشرح هذا الأثر عن عمر ﵁، وحديث عائشة ﵂ مذكوران من قبل في الكتاب (٤)، إلا أن هناك روي الأثر مرسلًا،

стр. 1193

وها هنا بيّن أن سالمًا تارة أرسله وأخرى أسنده، ذكرنا هناك ما يحتاج إليه من الشرح. والمقصود أن عند عمر لا يحل التطيّب بالتحلل الأول كالجماع، والظاهر من مذهب الشافعي أنه يحل؛ لحديث عائشة وهو أولى بأن يتبع ويؤخذ به على ما ذكره سالم بعدما رواهما. الأصل [٩٠٢]، أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة؛ أنه أهدى لرسول الله ﷺ وحشيًّا وهو بالأبواء أو بودّان فرده عليه رسول الله ﷺ فلما رأى رسول الله ﷺ ما في وجهي قال: "لم نرد عليك إلا أنّا حرم" (١). [٩٠٣]، أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم وسعيد بن سالم، عن ابن جريج. [٩٠٣/ ١] وأخبرني مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله التيمي، عن نافع مولى أبي قتادة، عن أبي قتادة الأنصارى؛ أنه كان مع النبي ﷺ إذا كان ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين وهو غير محرم، فرأى حمارًا وحشيًّا فاستوى على فرسه فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا، فسألهم رمحه فأبوا، فأخذ رمحه فشد على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحاب رسول الله ﷺ وأبى بعضهم، فلما أدركوا النبي ﷺ سألوه عن ذلك فقال: "إنما هي طعمة أطعمكموها الله" (٢). [٩٠٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن زيد بن

стр. 1194

أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي قتادة في الحمار الوحشي مثل حديث [أبي] (١) النضر إلا أن في حديث زيد أن رسول الله ﷺ قال: "هل معكم من لحمه شيء" (٢). [٩٠٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن حنطب، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "لحم الصيد لكم في الإحرام حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم" (٣). [٩٠٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا من سمع سليمان بن بلال، يحدث عن عمرو بن أبي عمرو بهذا الإسناد عن النبي ﷺ هكذا (٤). [٩٠٧]، أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد العزيز بن محمَّد الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو، عن رجل من بني سلمة، عن جابر، عن النبي ﷺ هكذا. قال الشافعي: وابن أبي يحيى أحفظ من الدراوردي وسليمان مع ابن أبي يحيى (٥). الشرح الصعب: هو ابن جثامة بن قيس بن ربيعة بن عبد الله بن يعمر بن عون بن عامر بن ليث المديني أخو محلِّم بن جثامة من أصحاب النبي ﷺ . روى عنه: ابن عباس، ومات في خلافة أبي بكر ﵁ (٦).

стр. 1195

ونافع: هو أبو محمَّد الأنصاري، مولى أبي قتادة الحارث بن ربعي ويقال: هو مولى عقيلة بنت طلق الغفارية. سمع: أبا قتادة، وأبا هريرة. وروى عنه: الزهري، وصالح بن كيسان، وسالم أبو النضر، وعمر بن كثير بن أفلح (١). وسليمان بن بلال: هو أبو أيوب مولى ابن [أبي] (٢) عتيق بن أبي بكر الصديق. سمع: صالح بن كيسان، ويحيى بن سعيد. وروى عنه: ابن أبي أويس، وخالد بن مخلد. توفي سنة سبع وسبعين ومائة (٣). وحديث الصعب أخرجه البخاري (٤) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم (٥) عن يحيى بن يحيى، بروايتهما عن مالك. وحديث أبي قتادة من رواية مالك عن أبي النضر وروايته عن زيد بن أسلم معًا، أخرجه البخاري (٦) عن إسماعيل، ومسلم (٧) عن قتيبة بن سعيد، بروايتهما عن مالك. وحديث جابر أخرجه أبو داود (٨) عن قتيبة عن يعقوب

стр. 1196

الإسكندراني عن عمرو بن أبي عمرو، عن الشافعي أنه أحسن حديث روي في هذا الباب، لكن قال أبو عيسى الترمذي: لا يعرف للمطلب سماعًا من جابر. والأبواء: قرية من عمل الفُرع من المدينة، بينها وبين الجحفة ثلاثة وعشرون ميلًا، وبها توفيت أم رسول الله ﷺ ، يقال: سميت به لتبوء السيول بها. وودّان: قرية من عمل الفُرع أيضًا، بينها وبين الأبواء ثمانية أميال، والفُرع: موضع واسع بأعالي المدينة على طريق مكة. واستدل بحديث الصعب على أنه لا يجوز للمحرم قتل الصيد إذا كان حيًّا كما لا يجوز له شراه. وقال الشافعي: إن كان الصعب أهدى الحمار حيًّا فليس للمحرم ذبح الحمار الوحشي، وإن كان أهدى له لحمًا فيحتمل أنه قد علم أنه اصطاد فرده فإنه لا يحل للمحرم ما صيد له (١). فأما ما لم يصده المحرم ولا صيد له ولا بإعانته فيجوز أكله لحديث أبي قتادة وجابر، وكأن الشافعي أشار بالترديد الذي ذكره إلى اختلاف الرواية، فروى أكثرهم أنه أهدي لرسول الله ﷺ حمارًا وحشيًّا، وفي بعض الروايات الصحيحة أنه أهدى [شق] (٢) حمار

стр. 1197

وحش، ويروى: عجز حمار. وقوله: "فلما رأى ما في وجهي" أي: من الحزن والتغير برد الهدية. وقوله: "إلا أنَّا حرم" أي: لأنا حرم. ويدل على أن له الأكل إذا لم يصد ولا صيد له أيضًا ما روى مسلم في "الصحيح" من حديث يحيى القطان، عن ابن جريج، عن محمَّد بن المنكدر، عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان التيمي، عن أبيه قال: كنا مع طلحة بن عبيد الله في طريق مكة ونحن محرمون، فأهدوا لنا لحم صيد وطلحة راقد، فمنا من أكل ومنا من تورع فلم يأكل، فلما استيقظ قال للذين أكلوا: أصبتم، وقال للذين لم يأكلوا: أخطأتم؛ [فإنا] (١) قد أكلنا مع رسول الله ﷺ ونحن حرم (٢). وامتناعهم في حديث أبي قتادة عن مناولة السوط والرمح لئلا يعاونوه على الصيد وهم محرمون، وفي "الصحيحين" من رواية أبي حازم، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: كنت يومًا جالسًا مع وهي من أصحاب النبي ﷺ في منزل في طريق مكة ورسول الله ﷺ نازل أمامنا والقوم محرمون وأنا غير محرم، قال: فأبصر القوم حمارًا وحشيًّا وأنا مشغول أخصف نعلي فلم يؤذنوني به، فالتفت فأبصرته فقمت إلى فرسي فأسرجته ثم ركبته ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح. فقالوا: لا نعينك عليه بشيء، فنزلت فأخذتهما وركبت فشددت

стр. 1198

عليه فقتلته، ثم جئت به أجرّه فوقعوا فيه يأكلونه، ثم إنهم شكّوا في أكلهم إياه وهم حرم فرحنا وخبأت العضد معي، فأدركت رسول الله ﷺ فسألناه عن ذلك فقال: "معكم منه شيء؟ " قلت: نعم، فناولته العضد فأكلها وهو محرم حتى تعرقها (١). وهذا الذي ذكرنا من مذهب عطاء بن أبي رباح ومجاهد وسعيد بن جبير، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق والأكثرون، وعن ابن عباس أن لحم الصيد حرام على المحرم بكل حال، وبه قال طاوس وسفيان الثوري. ونختم الفصل بكلامين: أحدهما: رواية الشافعي عن مسلم وسعيد بن سالم عن ابن جريج بين حديث الصعب وحديث أبي قتادة غير مسوقة بتمامها، وذكر الحافظ أبو بكر البيهقي أن بعضهم توهم أنه طريق لحديث أبي قتادة وليس كذلك، وإنما أراد ما قدمنا من حديث طلحة بن عبيد الله الذي رواه ابن جريج عن محمَّد بن المنكدر عن معاذ بن عبد الرحمن التيمي (٢)، وكان الشافعي بمصر، وربما كتب في كتابه بعض الإسناد ويترك الباقي، أو الإسناد وبعض المتن ويبيض الموضع أو يُعلّم عليه ليتمه من بعد، فإن كتبه كانت غايته عنه ثم لم يتفق له ذلك في بعض المواضع. والثاني: قول الشافعي آخرًا أن ابن يحيى أحفظ من الدراوردي وسليمان معه قصد به ترجيح رواية إبراهيم بن محمَّد بن يحيى المذكورة أولًا وهي أنه روى عن عمرو بن أبي عمرو عن المطلب عن جابر، فسمى الرجل، والدراوردي أرسل فروى عن عمرو عن رجل من

стр. 1199

بني سلمة عن جابر، فرجح رواية إبراهيم فإنه أحفظ وأن سليمان وافقه فيكون أقرب إلى الصواب. الأصل [٩٠٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه" (١). [٩٠٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثله. وقد زاد بعض المحدثين: "حتى يأذن أو يترك" (٢). [٩١٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة؛ أن رسول الله ﷺ قال لها في عدتها من طلاق زوجها: فإذا حللت فآذنيني. قالت: فلما حللت أخبرته أن معاوية وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله ﷺ : "أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، انكحي أسامة". قالت: فكرهته، قال: "انكحي أسامة" فنكحته فجعل الله فيه خيرًا واغتبطت به (٣). الشرح فاطمة بنت قيس بن وهب بن شيبان بن محارب بن فهر الفهرية أخت الضحاك بن قيس. سمعت: النبي ﷺ .

стр. 1200

وروى عنها: أبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله، والشعبي، وعروة بن الزبير. وكانت من المهاجرات الأول (١). ومعاوية المذكور في الحديث هو معاوية بن أبي سفيان، وقد ذكر في بعض روايات الحديث بنسبه، ومنهم من قال: المراد غيره. وأما أبو جهم ففي الصحابة أبو جهم بن حذيفة العدوي أسلم يوم الفتح وشهد فتح مصر، قال أبو عبد الله ابن منده الحافظ: ولا نعرف له رواية، وهو الذي بعث إليه النبي ﷺ يطلب أنبجانية يصلي عليها، واسمه عامر، ويقال: عبيد وهو الذي أرادته فاطمة (٢). وحديث ابن عمر صحيح أخرجه البخاري (٣) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم (٤) عن يحيى بن يحيى، بروايتهما عن مالك، وكذلك [حديث] (٥) أبي هريرة أخرجاه (٦) من رواية سفيان بن عيينة عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة، ورواه مسلم (٧) أيضًا عن علي بن [حجر] (٨) عن إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة.

стр. 1201

وحديث فاطمة بنت قيس أخرجه مسلم (١) عن يحيى بن يحيى عن مالك. وقوله: "لا يخطب أحدكم" يقرأ على النهي، ويقرأ على الخبر ويكون المراد منه النهي أيضًا. وقول الشافعي: "وقد زاد بعض المحدثين: حتى يأذن أو يترك" كأنه أراد ما رواه ابن جريج عن نافع عن ابن عمر فقال: "حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب" وقد أخرجه البخاري في "الصحيح" (٢) عن مكي بن إبراهيم عن ابن جريج، وأورد مسلم (٣) نحوًا منه عن زهير بن حرب عن يحيى القطان عن عبيد الله عن نافع. وذكر الشافعي أن موضع النهي ما إذا أجابت الخاطب وأظهرت الرغبة في نكاحه أو [أجابه] (٤) أولياؤها إن كانت المرأة ممن لا يعتبر إذنها؛ لحديث فاطمة فإنها أخبرت أن معاوية وأبا جهم خطباها، وقال رسول الله ﷺ : "انكحي أسامة" لأنها لم تجب الخاطبين، وأيضًا فالظاهر أن خطبتها كانت على الترتيب ولم ينه الآخر [منهما] (٥) عما فعل، وذكر بعضهم أنه أمرها بنكاح أسامة لأنه لم يعلم أنها أجابت أم لا، واحتج به على جواز الهجوم على الخطبة لمن لم يعلم أنها خطبت أو لم يعلم أنها أجابت الخاطب أم لا. وقوله: "لا يضع عصاه عن عاتقه" قيل: كنى به عن سوء الخلق وكثرة الضرب، وقيل: عن كثرة السفر، وقوله: "لا يضع

стр. 1202

عصاه عن عاتقه" مع العلم بأنه يضع في الأغلب يدل على جواز إطلاق اللفظ عند الكثرة، وللشافعي مسألة معروفة استدل فيها بهذا اللفظ. واحتج بالحديث على جواز التعريض بخطبة المعتدة، وعلى جواز نكاح المولى القرشيةَ، وعلى أن للمال اعتبارًا في الكفاءة، وعلى أن للزوج تأديب امرأته، وعلى أن المستشار له أن يذكر مساويء الخاطب نصيحة [للمخطوبة] (١) وإرشادًا لها إلى ما فيه الحظ، ولا يدخل ذلك في الغيبة المأثوم بها. قال أبو سليمان الخطابي: وفي قوله: "على خطبة أخيه" دليل على أنه إنما نهى عن الخطبة على خطبة المسلم، فأما الخطبة على خطبة الذميّ (في الذميَّات فلا بأس بها، وذكر الأصحاب في الفقه أن الخطبة على خطبة الذميّ) (٢) كهي على خطبة المسلم، وحكوا ما قاله الخطابي عن أبي عبيد بن حربويه (٣). الأصل [٩١١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن [سعد] (٤) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا رأيت من الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له".

стр. 1203

وكان عبد الله يصوم قبل الهلال بيوم، قيل لإبراهيم بن سعد: يتقدمه؟ قال: نعم (١). [٩١٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن محمَّد بن (حنين) (٢) عن ابن عباس قال: عجبت ممن يتقدم الشهر وقد قال رسول الله ﷺ : "لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه" (٣). [٩١٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد العزيز بن محمَّد، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق ذلك صومًا كان يصومه أحدكم، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين" (٤). [٩١٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عمرو بن أبي سلمة، عن الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تتقدموا بين يدي رمضان بيوم ولا يومين، إلا رجل كان يصوم صومًا فليصم" (٥). الشرح محمَّد بن حنين عرفه الحافظ أبو الحسين الدارقطني بروايته عن ابن عباس ورواية عمرو بن دينار عنه (٦)، وفي بعض "النسخ": محمَّد

стр. 1204

بن جبير، ومحمد (١) بن جبير بن [مطعم] (٢) تابعي مشهور يكنى أبا [سعيد] (٣) سمع: أباه، ومعاوية بن أبي سفيان. وروى عنه: الزهري، وعمرو بن دينار، وسعد بن إبراهيم، وغيرهم. وحديث سالم عن أبيه أخرجه البخاري (٤) من حديث عقيل عن الزهري، ومسلم (٥) عن حرملة عن ابن وهب عن يونس عن الزهري. وحديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رواه مسلم عن حرملة عن يحيى بن [بشر] (٦) عن معاوية بن سلام عن يحيى، وأيضًا عن أبي بكر بن [أبي] (٧) شيبة عن وكيع عن علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير، وأخرجه البخاري (٨) وأبو داود (٩) عن مسلم بن إبراهيم عن هشام عن يحيى بن [أبي] (١٠) كثير. وفي الباب عن عمر بن الخطاب وابن عباس وحذيفة بن اليمان وطلق بن علي ﵃ وغيرهم. وكره أهل العلم لهذِه الأحاديث استقبال رمضان بيوم أو بيومين إلا أن يوافق صومًا كان يصومه تطوعًا بأن كان يصوم صوم داود ﵇،

стр. 1205

أو كان يصوم الأثانين، أو صامه عن نذر أو قضاء، والذي روي عن ابن عمر وإن كان مطلقًا في رواية الكتاب فقد روي عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع؛ أن ابن عمر كان إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يومًا نظر له، فإن ربي فذاك، وإلا ولم يحل بين منظره سحابة ولا قترة أصبح مفطرًا، وإن حال أصبح صائمًا، وكان يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب (١). وكان ذلك منه ضربًا من الاحتياط، ويروى مثله عن أحمد، وعن ابن عون أنه قال: ذكرت فعل ابن عمر لمحمد بن سيرين فلم يعجبه. وما روي عن عمران بن حصين؛ أن رسول الله ﷺ قال لرجل: "هل صمت من سرر شعبان شيئًا؟ " قال: لا، قال: "فإذا أفطرت فصم يومًا أو يومين" (٢) محمول على من أوجبه على نفسه بنذر فأمره بالقضاء لما ترك الواجب، أو على من اعتاد صيام أواخر المشهور فاستحب له أن يقضي تداركًا لما فات. وسرر الشهر وسره وسراره: آخره، سمي بذلك لاستسرار القمر فيه، هكذا ذكره الخطابي، ويحكى عن أبي عبيد، وقيل: سرار كل شيء: وسطه وأفضله، فكأنه أراد أيام البيض، وعلى هذا فالحديث لا يخالف الأحاديث المانعة من الاستقبال. الأصل [٩١٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب أو أبي سلمة، عن أبي هريرة -الشك من

стр. 1206

سفيان- أن رسول الله ﷺ قال: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" (١). [٩١٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن عبد بن زمعة وسعدًا اختصما إلى رسول الله ﷺ في ابن أمة زمعة ذكره، فقال سعد: يا رسول الله أوصاني أخي إذا قدمت مكة أن أنظر إلى ابن أمة زمعة فأقبضه فإنه ابني، فقال عبد بن زمعة: أخي وابن أمة أبي ولد على فراش أبي، فرأى شبهًا بيِّنًا بعتبة، فقال: "هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش واحتجبي منه يا سودة" (٢). [٩١٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ فرَّق بين المتلاعنين وألحق الولد بالمرأة (٣). [٩١٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه قال: أرسل عمر بن الخطاب ﵁ إلا شيخ من بني زهرة كان يسكن دارنا، فذهبت معه إلى عمر بن الخطاب ﵁ فسأله عن ولاد من الجاهلية، فقال: أما الفراش فلفلان، وأما النطفة فلفلان، فقال عمر: يعني: ابن الخطاب: صدقت، ولكن رسول الله ﷺ قضى بالفراش (٤). [٩١٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد، وذكر حديث المتلاعنين، فقال النبي ﷺ : "أبصروها فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين فلا أراه إلا قد صدق، وإن جاءت به أحمر كأنه وحرة فلا

стр. 1207

أراه إلا كاذبًا" فجاءت به على [النعت] (١) المكروه (٢). [٩٢٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله، أن النبي ﷺ قال: "إذا جاءت به أصيفر سبطًا فهو لزوجها، وإن جاءت [به] (٣) أديعج جعدًا فهو [للذي] (٤) يتهم" فجاءت به أديعج (٥). الشرح عبد بن زمعة: أخو سودة بنت زمعة زوج النبي ﷺ ، يروى عن عائشة ﵂ أنه نكح رسول الله ﷺ سودة فلما قدم أخوها عبد جعل يحثي التراب على رأسه، فلما أسلم كان يقول: لعمري إني لسفيه يوم أحثي التراب على رأسي (٦). وحديث أبي هريرة أورده مسلم في "الصحيح" (٧) عن عبد الأعلى بن حماد عن سفيان، وأيضًا عن سعيد بن منصور عن سفيان عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة، والبخاري (٨) عن آدم عن شعبة عن محمَّد بن زياد عن أبي هريرة. وحديث عائشة أخرجه البخاري (٩) عن إسماعيل عن مالك عن

стр. 1208

الزهري، ومسلم (١) عن قتيبة بن سعيد عن ليث عن الزهري، وأبو داود (٢) عن سعيد بن منصور ومسدد عن سفيان عن الزهري. وحديث ابن عمر أورده البخاري (٣) عن يحيى بن بكير، ومسلم (٤) عن يحيى بن يحيى وقتيبة، بروايتهم جميعًا عن مالك. وقوله: "الولد للفراش" أي: لصاحب الفراش وهو الزوج وسيد الأمة؛ لأنهما يفترشان المرأة بالاستحقاق، ويقال: [افترش] (٥) فلان فلانة إذا نكحها. وقوله: "وللعاهر الحجر" العاهر: الزاني، ومعنى قوله: له الحجر، أي: له الخيبة والحرمان وليس له في النسب حظ، كما تقول لمن خيبته وآيسته: ليس لك إلا التراب وما في يدك إلا الحجر، وقد روي "وللعاهر الكثكث" (٦). وقيل: المراد منه أنه يرجم بالحجر وذلك إذا كان محصنًا، وقيل: ذكره على سبيل السبّ، كما يقال: بفيه الحجر. وأما اختصام عبد وسعد فقد ذكر العلماء أنهم كانوا في الجاهلية يقتنون الولائد ويضربون عليهن الضرائب فكن يكتسبن بالفجور وكانوا يثبتون النسب بالزنا، وإذا وطيء سيد الأمةِ الأمةَ ووطئت بالزنا أيضًا وولدت وادعاه الزاني ألحقوه به، وإن تنازعا عرضوه على القائف، فأبطل الشرع ذلك وحكم بأن الولد لصاحب الفراش وأن الزنا لا نسب به.

стр. 1209

وكان لزمعة أمة يلمّ بها وقد ضرب عليها ضريبة وأصابها عتبة بن أبي وقاص أيضًا وظهر بها حمل، وكان يظن عتبة أنه منه فهذا (١) إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن يتتبع حمل أمة زمعة ويستلحقه، فاختصم إلى النبي ﷺ عبد بن زمعة وسعد، فقال سعد: هو ابن أخي على ما كانوا يجرون عليه في الجاهلية، وقال عبد: هو أخي ولد على فراش أبي على ما هو قضية الإِسلام، فقضى رسول الله ﷺ لعبد وأبطل ما كانوا عليه في الجاهلية، وفي مثل ذلك قال الشيخ الذي سأله عمر ﵁: أما الفراش لفلان وأما النطفة لفلان. قال الإِمام أبو سليمان الخطابي: وفي الحديث من الفقه: إثبات الدعوى في النسب كما في المال، وأن الأمة تصير فراشًا بالوطء حتى إذا أقر السيد بوطء أخته وأتت بولد يمكن أن يكون منه فإنه يلحقه من غير استلحاق، وأن للورثة أن يقروا على الميت بالنسب ويلحقوا لمورثهم أو (٢) عرض على نفسه فإن المعتبر إقرار جميع الورثة وليس في الحديث إلا ذكر خصومة عبد ولم يكن هو حائز فإن سودة زوج النبي ﷺ كانت بنت زمعة، وأجاب بأن زمعة مات كافرًا وكانت قد أسلمت سودة في حياته فلم يكن يرثه إلا عبد، وبتقدير أن تكون سودة وارثة فربما وكلت أخاها بالخصومة أو أقرت بذلك عند رسول الله ﷺ وإن لم يجر لها ذكر في القصة. وقوله: "احتجبي [منه يا] (٣) سودة" فهو على سبيل الاستحباب والتنزيه، وذلك لما رأى فيه من شبه عتبة والاحتراز في موضع الشبه

стр. 1210

حسن، ويروى أنه ما رآها حتى لقيت الله . والحديث يدل على أن المشابهة المجردة لا اعتبار بها، ومما يدل على أن المرأة تصير فراشًا بالإقرار بالوطء ما روي عن عمر ﵁ قال: ما بال رجال يطئون ولائدهم ثم يدعونهن، يخرجن، لا تأتيني وليدة يعترف سيدها أن قد ألمّ بها إلا ألحقت به ولدها فأرسلوهن بعد أو أمسكوهن (١). قوله في الحديث الأخير: "إن جاءت به أصيفر" وفي بعض "النسخ": "أميغر" وسيأتي إن شاء الله تعالى. وحديث اللعان من رواية (٢) يختصر ها هنا وهو عائد بتمامه في الكتاب من بعد، وقصد بذكره ها هنا الرد على من زعم أن الولد لا ينفى باللعان تمسكًا بقوله: "الولد للفراش" وجمع بينه وبين حديث اللعان بوجهين: أحدهما: أن المعنى أن الولد للفراش ما لم ينفه صاحب الفراش باللعان. والثاني: أنه إذا تنازع رب الفراش والعاهر في الولد [فالولد] (٣) لرب الفراش. الأصل [٩٢١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن ابن أبي ذئب، عن مخلد بن خفاف، عن عروة، عن عائشة، أن

стр. 1211

رسول الله ﷺ قضى أن الخراج بالضمان (١). [٩٢٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم بن خالد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "الخراج بالضمان" (٢). الشرح مخلد يقال: هو ابن خفاف بن أيماء بن رحضة الغفاري. سمع: عروة. وروى عنه: ابن أبي ذئب. وعن البخاري أنه قال: لا أعرف لمخلد غير هذا الحديث (٣). وقد أورد الحديث أبو داود في "السنن" (٤) من طريق مخلد عن أحمد بن يونس عن ابن أبي ذئب، ومن طريق هشام عن إبراهيم بن مروان الدمشقي [عن أبيه] (٥) عن مسلم بن خالد، وابن ماجه (٦) من الطريق الأول عن أبي بكر بن [أبي] (٧) شيبة وعلي بن محمَّد عن وكيع عن ابن أبي ذئب، ومن الطريق الثاني عن هشام بن عمار عن مسلم بن خالد، وأورده البخاري في "التاريخ" من رواية آدم عن ابن أبي ذئب وقال: في الحديث نظر، وعن أبي عيسى الترمذي قال:

стр. 1212

قلت للبخاري حين ضعف هذا الحديث، وقال: لا أعرف لمخلد رواية غيره: قد روي هذا عن هشام بن عروة عن أبيه فقال: إنما رواه مسلم بن خالد وهو ذاهب الحديث (١). والخراج: الدخل والمنفعة، وإذا ضرب السيد على عبده ضريبة يؤديها إليه؛ قيل: إنه خارجه، ويسمى الحاصل منه خراجًا. والمقصود أن دخل المبيع وفائدته يملكها المشتري؛ لأنه ضامن للرقبة لو تلف في يده حتى يستقر عليه الثمن فكانت فوائده له، فإذا اشترى شيئًا واستغله كالدابة يركبها والدار يسكنها والعبد يستكسبه أو يؤجرها ويأخذ أجرتها ثم وجد به عيبًا قديمًا فله الرد والغلة تسلم له، وكذا الحكم في ولد الجارية المبيعة وثمرة الشجرة ونتاج البهيمة وصوفها ولبنها. وقال أبو حنيفة: غلة الدار والدابة والعبد لا تمنع الرد بالعيب وتسلم للمشتري إن كان الرد بعد القبض، وترد الغلة مع الأصل إن كان قبله، والولد والثمرة يمنعان الرد بالعيب. وقال مالك: لا يرد الصوف مع البهيمة ويرد الولد. واستدل أصحاب أبي حنيفة بالحديث على أن الغاصب لا يضمن منفعة المغصوب؛ لأنه ضامن للمغضوب فيكون الخراج في مقابلته، وأجاب الأصحاب بأن الحديث ورد في البيع، ففي رواية هشام عن أبيه عن عائشة؛ أن رجلًا ابتاع غلامًا وأقام عنده ما شاء الله أن يقيم ثم وجد به عيبًا، فخاصمه إلى النبي ﷺ فقال الرجل: يا رسول الله قد استعمل غلامي، فقال: "الخراج بالضمان".

стр. 1213

والبيع: عقد تراض فلا يلحق به التعدي واليد الباطلة. الأصل [٩٢٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر" (١). [٩٢٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثله، إلا أنه قال: "ردها وصاعًا من تمر لا سمراء" (٢). الشرح حديث مالك عن أبي الزناد أخرجه البخاري (٣) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم (٤) عن يحيى بن يحيى، وأبو داود (٥) عن القعنبي، بروايتهم عن مالك، وأورد مسلم (٦) الحديث من طريق محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة: عن ابن أبي عمر عن سفيان عن أيوب عن ابن سيرين، وأبو داود (٧) عن موسى بن إسماعيل عن حماد عن أيوب، وابن ماجه (٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمَّد عن أبي أسامة عن هشام بن حسان عن محمَّد بن سيرين.

стр. 1214

وفي الباب عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأنس بن مالك. والتصرية في تفسير الشافعي: أن تربط أخلاف الناقة وضرع الشاة ويترك حلبها يومًا ويومين حتى يجتمع اللبن ثم تباع فيظنها المشتري كثيرة اللبن ويزيد في ثمنها. وأصل الكلمة: الحبس والجمع، يقال: صريت الماء وصرَّيته بالتخفيف والتشديد: إذا حبسته وجمعته، وروى اللفظ بعضهم: "لا تصروا الإبل" من صرى يصري إذا جمع، ويروى: "لا تصر الإبل" وأيضًا "لا تصروا الإبل" و [هما] (١) مأخوذان من صرَّ يصرُّ إذا شد وربط [ومنه] (٢) الصُّرّة. وجوز أبو سليمان الخطابي أن يكون أصل مصراة: مصررة، أبدلت إحدى الراءات ياء، كقولهم: تقضى البازي (٣) وأصله التقضض. فإذا عرف المشتري التصرية فهو بالخيار بين أن يمسك، وبين أن يرد ويرد صاعًا من التمر؛ لظاهر الحديث، وبهذا قال مالك وأحمد وأبو عبيد. وفي مدة الخيار وجهان للأصحاب: أحدهما: أنه يمتد ثلاثة أيام؛ لما روي في "الصحيح" عن سهل بن أبي صالح عن أبيه عن [أبي] (٤) هريرة، أن النبي ﷺ قال: "من ابتاع شاة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وردّ معها صاعًا من تمر" (٥). وأظهرهما: أنه يكون على الفور كخيار العيب.

стр. 1215

وذكر الثلاث جرى على الغالب؛ لأن الغالب أنه لا يحصل الوقوف على التصرية فيما دون الثلاث؛ إذ يحمل النقصان الذي يجده المشتري على اختلاف العلف فيبدل الأيدي والمكان ونحوها، فعلى هذا لو عرف التصرية قبل الثلاث فالخيار على الفور، وعلى الأول: يمتد إلى آخر الثلاث؛ ولو عرفها في آخر الثلاثة أو بعد انقضائها، فعلى الأول: لا خيار له، وعلى الثاني: يثبت ويكون على الفور. ثم إن ظهرت التصرية قبل الحلب رد المصراة بحالتها ولا شيء عليه، وإن ظهرت بعد الحلب واللبن باق فلا يكلف المشتري برده معها؛ لأن ما حدث بعد البيع ملك له وقد اختلطا وتعذر التميز، وحينئذٍ فيكون الحكم كما لو تلف. وإن أراد رده فالظاهر أنه لا يكلف البائع أخذه لذهاب طراءته، وإن كان اللبن تالفًا ردَّ معها صاعًا من برّ، والأظهر عند الأصحاب: أنه يتعين التمر ولا معدل عنه، واحتج له بقوله ﷺ : "لا سمراء" أي: لا يعطي غير التمر، والسمراء: الحنطة، فإن رضي البائع بغير التمر؛ فالأظهر: الجواز، والظاهر أن الواجب صاع قلَّ اللبن أو كثر. والمعنى فيه أن اللبن الموجود عند البيع يختلط بالحادث بعده ويتعذَّر التمييز، وقد يتنازع المتبايعان في القدر الموجود وحينئذ فتولى الشارع تعيين بدل له قطعًا للخصومة بينهما، كما جعل دية النفس مائة من الإبل مع اختلاف أحوال النفوس في القوة والضعف والأخلاق والأوصاف، وسوى بين الأصابع في الدية مع اختلاف منافعها، وأوجب الغرة في الجنين مع اختلاف الأجنة ذكورة وأنوثة، والأرش في الموضحة مع اختلافها في الصغر والكبر.

стр. 1216

وحكم التصرية فيما يحل لبنه من الحيوانات كحكمها في الإبل والغنم وكذلك في الجارية والأتان على الأصح؛ لأن غزارة لبنهما مقصود أيضًا لكن لا يرد معهما شيئًا من اللبن على الأظهر، أما في الجارية فإن لبن الآدميات لا يعتاض عنه غالبًا، وأما في الأتان فلنجاسته. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا ردّ بالتصرية بعد الحلب، ولكن يمسكها ويرجع على البائع بالأرش، وعند أبي يوسف يردها ويرد معها قيمة اللبن. قال أبو سليمان الخطابي: وفي حديث المصراة دليل على أنه لا يجوز بيع شاة في ضرعها لبن بلبن، ولا بشاة في ضرعها لبن؛ لأنه جعل للبن قسطًا من الثمن، فهو كما لو باع لبنًا بلبن ومعهما أو مع أحدهما شيء آخر. الأصل [٩٢٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قال: "من ابتاع طعامًا فلا يبيعه حتى يستوفيه" (١). [٩٢٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر؛ أن النبي ﷺ قال: "من ابتاع طعامًا فلا يبيعه حتى يقبضه" (٢). [٩٢٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس قال: أما الذي نهى عنه

стр. 1217

رسول الله ﷺ فهو الطعام أن يباع حتى يستوفى، فقال ابن عباس برأيه، ولا أحسب كل شيء إلا مثله (١). الشرح حديث مالك عن نافع أخرجه البخاري (٢) وأبو داود (٣) عن القعنبي، ومسلم (٤) عنه وعن يحيى بن يحيى، بروايتهما عن مالك. وحديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر أورده البخاري (٥) عن أبي الوليد، ومسلم (٦) عن يحيى بن يحيى وغيره عن إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار. وحديث ابن عباس رواه البخاري (٧) عن علي بن عبد الله، ومسلم (٨) عن ابن [أبي] (٩) عمر بروايتهما عن سفيان، وفي الباب عن جابر وحكيم بن حزام ﵄. وقوله: "فلا يبيعه" لفظه الخبر ومعناه النهي، وبعضهم يرويه: "فلا يبعه" على صيغة النهي. واتفق العلماء على أنه لا يجوز لمن اشترى طعامًا أن يبيعه قبل القبض. واختلفوا فيما سوى الطعام: فقال ابن عباس: "كل مبتاع في معناه" وإنما صار إليه لما روي؛ أنه ﷺ نهى عن بيع ما لم يقبض (١٠).

стр. 1218

وهو مطلق أو بالقياس على الطعام، وبهذا قال الشافعي ومحمد بن [الحسن] (١). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: كل منقول في معنى الطعام، وأما إذا اشترى عقارًا فله بيعه قبل القبض. وقال سعيد بن المسيب والحسن البصري والأوزاعي وأحمد وإسحاق: كل مكيل وموزون في معنى الطعام وما سواهما يجوز بيعه قبل القبض. وقال مالك: يختص الحكم بالطعام وقبض كل شيء على ما يليق به ويعتاد فيه. وإذا اشترى مكايلة أو موازنة فالقبض بأن يفعله بعد الكيل أو الوزن، ولو قبضه جزافًا فهو فاسد، ولو ابتاع طعامًا كيلًا وقبضه ثم باعه من غيره كيلًا لم يجز تسليمه بالكيل الأول، بل يكيله عليه ثانيًا؛ لما روي أنه ﷺ قال: "إذا بعت فكل فإذا ابتعت فاكتل" (٢). وروي أنه ﷺ نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري (٣).

стр. 1219

وكذا لو أسلم في طعام وقبل السلم عن غيره في مثله يقبض بالكيل لنفسه ثم يكيله على من قبل السلم منه، هذا حكم المبيع؛ وأما المسلّم فيه فلا يجوز الاستبدال عنه ولا بيعه من غيره؛ لما روي أنه ﷺ قال: "من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره" (١). وجوَّز مالك بيع المسلم فيه من المسلم إليه ومن غيره إلا أن يكون طعامًا، والثمن إن كان معينًا فحكمه حكم البيع، وإن كان في الذمة فالظاهر جواز الاستبدال عنه كدين القرض والإتلاف، وذهب أبو سلمة بن عبد الرحمن وجماعة إلى أنه لا يجوز كبيع المبيع قبل القبض، وقال قوم: يجوز أن يقتضي أحد النقدين عن الآخر، ولا يجوز الإبدال بشيء آخر. الأصل [٩٢٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال، عن [ابن] (٢) عباس قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في التمر السنة والسنتين والثلاث، فقال رسول الله ﷺ : "من سلف فليسلف في كيل معلوم وززن معلوم وأجل معلوم أو إلى أجل معلوم" (٣). [٩٢٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا الثقة، عن أيوب، عن

стр. 1220

يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام قال: نهاني رسول الله ﷺ عن بيع ما ليس عندي (١). الشرح الحديث الأول قد مرَّ في الكتاب بإسناده ومتنه (٢). والحديث الثاني أخرجه أبو عيسى الترمذيّ (٣) عن قتيبة عن حماد بن زيد عن أيوب، وأبو داود (٤) عن مسدد عن أبي عوانة عن أبي بشر عن يوسف بن ماهك وقال: قال حكيم: يا رسول الله يأتيني الرجل فيريد مني البيع ليس عندي، فأبتاعه من السوق؟ قال: "لا تبع ما ليس عندك". قال الشافعي وغيره من العلماء: هذا في بيع الأعيان، وأما في السلم فلا بأس بأن لا يكون الموصوف عنده، ويدخل في هذا النهي بيع العبد الآبق والطير المفلت والشيء الضال وبيع المبيع قبل القبض وبيع مال الغير من غير إذنه، فقد روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ أن رسول الله ﷺ أرسل عتاب بن أسيد إلى أهل مكة "أن أبلغهم عني أربع خصال: أنه لا يصلح شرطان في بيع، ولا بيع وسلف، ولا بيع ما لم يملك، ولا ربح ما لم يضمن" (٥).

стр. 1221

الأصل [٩٣٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم [عن] (١) ابن أبي حسين، عن عطاء وطاوس أحسبه قال: ومجاهد والحسن؛ أن رسول الله ﷺ قال يوم الفتح: "لا يقتل مؤمن بكافر" (٢). [٩٣١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن مطرف، عن الشعبي، عن أبي جحيفة قال: سألت عليًّا ﵁: هل عندكم من رسول الله ﷺ شيء سوى القرآن؟ فقال: [لا] (٣) والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يعطي الله تعالى عبدًا فهمًا في كتابه وما في الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل وفِكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر. وفي موضع آخر: ولا يقتل مؤمن بكافر (٤). الشرح مطرف: هو ابن طريف الحارثي الكوفي أبو بكر، ويقال: أبو عبد الرحمن. سمع: الشعبي، وأبا السفر، والحكم بن عتيبة. وروى عنه: ابن عيينة، وجرير بن عبد الحميد، والثوري، والزهري [ومحمد بن] (٥) فضيل، وغيرهم. مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة (٦).

стр. 1222

والحديث الأول مرسل، لكنه (١) من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده عن النبي ﷺ (٢)، وذكر الشافعي أنه مستفيض عند أهل المغازي فيما تكلم به النبي ﷺ في خطبته يوم الفتح. والحديث الثاني أخرجه البخاري (٣) عن صدقة [بن] (٤) الفضل عن سفيان بن عيينة، ورواه عن مطرف كما رواه سفيان: زهير، وأخرجه البخاري (٥) من روايته أيضًا، فرواه عن أحمد بن يونس عن زهير. وقوله: "وبرأ النسمة" عن الخليل: أن النسمة الإنسان، والمعنى والذي خلق الإنسان، ويقال أن النسمة تكون بمعنى الروح وتكون بمعنى البدن. وقوله: "إلا أن يعطي الله عبدًا فهمًا في كتابه" قال الإِمام أبو سليمان الخطابي: يعني ما يفهم من فحوى كلامه ويستدرك من باطن معانيه، ويدخل في ذلك جميع وجوه القياس والاستنباط. وقوله: "العقل" أراد به ما تحمله العاقلة من دية القتل خطأ، وذلك لأن ظاهره يخالف الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٦) لكنه ثبت ذلك في المسنة وأريد به المعونة وقصد فيه المصلحة. وفكاك الأسير: نوع من البر والمعونة زائد على الحقوق الموظفة

стр. 1223

في الأموال. قال: وأما قوله: "ولا يقتل مسلم بكافر" فإنما أدخله في جملة المستثنى عن ظاهر القرآن؛ لأن عمومه حيث قال: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (١) يقتضي وجوب القود وإن كان القتيل كافرًا، وعن الحسن عن قيس بن [عباد] (٢) قال: أتينا عليًّا ﵁ أنا [و] (٣)، جارية بن قدامة السعدي، فقلنا: هل معك عهد من رسول الله ﷺ ؟ فقال: لا، إلا ما في قراب سيفي، فأخرج إلينا منه كتابًا فقرأه فإذا فيه: "المسلمون تتكافأ دماؤهم يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم، ألا [لا] (٤) يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده" (٥). ويمكن أن يكون هذا الكتاب والصحيفة المذكورة في الرواية السابقة شيئًا واحدًا وكان فيها عهود وأحكام حكي بعضها لبعضهم وبعضًا لبعضهم. وقوله: "تتكافأ دماؤهم" أي: في القود والعصمة حتى يقاد الشريف بالوضيع والعالم بالجاهل. وقوله: "وهم يد على من سواهم" أي: في نصرة بعضهم بعضًا. وقوله: "يسعى بذمتهم أدناهم" يعني: أن أدناهم كالعبد والمرأة إذا كان كافرًا وآمنه حرم دمه على المسلمين كافة. وقوله: "لا يقتل مسلم بكافر" يقتضي نفي قتل المسلم بالكافر

стр. 1224

حربيًّا كان أو ذميًّا، وبه قال عمر وعثمان وزيد بن ثابت، ويروى مثله عن علي ﵃. وقوله: "ولا ذو عهد في عهده" أي: لا يتعرض له ويوفى له بعهده، وكأنه لما أسقط القود عن المسلم بقتل الكافر أشعر ذلك بتوهين حرمة دمه معقبه ببيان أنه معصوم بعهده، وأنه لا يجوز التعرض له ما دام مقيمًا عليه زجرًا لمن يتسارع إلى قتله وتنبيهًا له. الأصل [٩٣٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا [سفيان] (١) عن الزهري، عن حرام بن سعد بن محيصة؛ أن محيصة سأل النبي ﷺ عن كسب الحجام فنهاه عنه، فلم يزل يكلمه حتى قال: "أطعمه رقيقك واعلفه ناضحك" (٢). [٩٣٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن الزهري، عن حرام بن سعد بن محيصة، عن أبيه؛ أنه استأذن النبي ﷺ في إجارة الحجام فنهاه عنها، فلم يزل يسأله ويستأذنه حتى قال: "اعلفه ناضحك ورقيقك" (٣). [٩٣٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن حميد، عن أنس قال: حجم أبو طيبة رسول الله ﷺ فأمر له بصاع من تمر وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه (٤). [٩٣٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد الوهاب الثقفي، عن حميد، عن أنس؛ أنه قيل له: احتجم رسول الله ﷺ ؟

стр. 1225

فقال: نعم، حجمه أبو طيبة، فأعطاه صاعين وأمر مواليه أن يخففوا عنه من ضريبته، وقال: "أمثل ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري لصبيانكم من العذرة، ولا تعذبوهم بالغمز" (١). [٩٣٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن ابن عباس. [٩٣٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، أخبرني إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس: احتجم رسول الله ﷺ ، وقال للحجام: "اشكموه" (٢). الشرح حرام بن سعد بن محيصة: هو الأنصاري الحارثي. روى عنه: الزهري، وقد يقال له: حرام بن ساعدة (٣). وأبو طيبة (٤) الحجام ذكر فيمن لا يعرف اسمه من الصحابة، وروى عنه: عبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، فعن عبد الوارث عن أنس قال: مرَّ بنا أبو طيبة في شهر رمضان، فقلنا: من أين أقبلت؟ فقال: حجمت النبي ﷺ (٥). وحديث محيصة أخرجه أبو داود في "السنن" (٦) عن القعنبي، عن مالك، عن الزهري، عن ابن محيصة عن أبيه. والرواية الأولى صريحة في أن محيصة هو الذي سأل عنها

стр. 1226

رسول الله ﷺ ، وقضية ما روي ثانيًا عن حرام بن سعد بن محيصة عن أبيه أن يكون سعد بن محيصة هو الذي استأذن النبي ﷺ فيه، والثابت الأول، وقد روى يحيى بن بكير، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي عفير الأنصاري، عن محمَّد بن سهل بن أبي حثمة، عن محيصة بن مسعود الأنصاري؛ أنه كان له غلام حجام يقال له: نافع، فانطلق إلى رسول الله ﷺ يسأله عن خراجه، فقال: لا تقربه، فرده على رسول الله ﷺ فقال: "اعلف به الناضح واجعله في كرشه" (١). وقد يوجد في "نسخ الكتاب" فيما روي ثانيًا: "عن حرام بن محيصة" نسبة له إلى جده. وحديث مالك عن حميد عن أنس أخرجه البخاري (٢) عن عبد الله بن يوسف عن مالك، والحديث الذي يليه أخرجه الشيخان (٣) في الكتابين من أوجه عن حميد. وما رواه عبد الوهاب، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن ابن عباس منقطع المتن، والمراد منه ما اشتهر عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ احتجم وأعطى الحجام أجره، ولو كان خبيثًا لم يعطه (٤). وهذا رواية البخاري في "الصحيح" (٥) عن مسدد، عن يزيد بن زريع، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس.

стр. 1227

ورواية ابن سيرين عن ابن عباس مرسلة. واختلف الناس في كسب الحجام: فقال بعضهم: إنه حرام، لما روي عن رافع بن خديج؛ أن النبي ﷺ قال: "كسب الحجام خبيث، وثمن الكلب خبيث" (١). وقال قوم: إن كان الحجام حرًّا فهو حرام، وإن كان عبدًا صرفه مالك العبد إلى نفقة رقيقه وعلف دوابه؛ لحديث محيصة. وقال الجمهور: هو حلال؛ لأن النبي ﷺ أعطى الحجام أجرة، ولو كان حرامًا لما أعطاه، ولأنه قال: "أطعمه رقيقك واعلفه ناضحك" والحرام لا يجوز التصرف فيه بالإطعام والعلف، وما ورد فيه من النهي فهو على سبيل التنزيه عن الكسب الدنيء والترغيب فيما هو أطيب وأولى من المكاسب، ومن هذا الوجه سماه خبيثًا، وهو كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٢). وقوله: "إن أمثل ما تداويتم به الحجامة" يدل على فضل الحجامة وكثرة فائدتها، ويروى: "إن أمثل ما تداويتم أو خير ما تداويتم به الحجامة". وعاد جابر بن عبد الله بعضهم فقال: لا أبرح حتى تحتجم فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن فيه شفاءً" (٣). وعن أبي هريرة؛ أن أبا هند حجم النبي ﷺ فقال: "إن كان في شيء مما تتداوون به شفاءً فالحجامة" (٤).

стр. 1228

والقُسط البحري ويقال له الهندي أيضًا: بخور معروف، وربما قيل: الكسب. والعذرة: وجع الحلق، ويقال: اللهاة. وأراد بالغمز: رفع اللهاة بالإصبع. وقوله: "أشكموه" أي: أعطوه أجره، والشُّكم بالضم: الجزاء. الأصل [٩٣٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ قال: "البينة على المدعي" وأحسبه ولا أثبته أنه قال: "واليمين على المدعى عليه" (١). [٩٣٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة، أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود خرجا إلى خيبر فتفرقا لحاجتهما، فقتل عبد الله بن سهل فانطلق هو وعبد الرحمن أخو المقتول وحويصة بن مسعود إلى رسول الله ﷺ فذكروا له قتل عبد الله بن سهل، فقال رسول الله ﷺ : "تحلفون خمسين يمينًا وتستحقون دم قاتلكم أو صاحبكم؟ " فقالوا: يا رسول الله لم نشهد ولم نحضر، فقال رسول الله ﷺ : "فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا" قالوا: يا رسول الله كيف نقبل أيمان قوم كفار، فزعم أن النبي ﷺ عقله من عنده. قال بشير بن يسار: قال سهل: لقد ركضتني فريضة من تلك الفرائض في مربدٍ لنا (٢).

стр. 1229

الشرح اختلفت الرواة في الحديث الأول عن ابن جريج: فروى ابن وهب وعبد الله بن عطاء عنه عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس عن النبي ﷺ : "لو يعطى الناس بدعواهم لادّعى ناس دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه" وأخرجه مسلم في "الصحيح" (١) هكذا عن أبي الطاهر عن ابن وهب، وروى نحوًا منه عبد الله بن داود عن ابن جريج، وأخرجه البخاري (٢) من هذا الطريق عن نصر بن علي عن عبد الله بن داود. ورواه عبد الله بن إدريس والوليد بن مسلم عن ابن جريج وقالا: " ... ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر"، وكذلك رواه عثمان بن الأسود عن ابن أبي مليكة (٣) نافع بن عمر الجمحي، واختلف الرواة عنه فلم يتعرض أكثرهم للبينة، وكذلك رواه البخاري ومسلم في الكتابين، ورواه الفريابي عن سفيان الثوري عن نافع، وقال: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" (٤). وإذا تأملت هذه الروايات وجدتها متفقة على ذكر اليمين ومختلفة في ذكر البينة، وقضيته أن يكون ذكر اليمين أولى بالجزم من ذكر البينة على عكس ما في الكتاب، والله أعلم. وحديث بشير عن سهل بن أبي حثمة قد سبق في الكتاب على

стр. 1230

اختصار من الشافعي لغرض قد بيناه، وتمام الحديث ما أورده ها هنا (١)، وقد أخرجه مسلم (٢) من رواية عبد الوهاب، وأيضًا رواه عن قتيبة عن الليث وعن عبيد الله القواريري عن بشر بن المفضل، بروايتهما عن يحيى بن سعيد، وأخرجه البخاري (٣) عن مسدد عن بشر بن المفضل. وعلى هذِه القصة بناء القسامة على أصل الشافعي ﵁، وصورتها: أن يوجد قتيل لا يعرف قاتله ويدعي الولي قتله على واحد أو جماعة ويقترن بالواقعة ما يشعر بصدق المدعي، ويقال له: اللوث، فيحلف المدعي خمسين يمينًا، ويخالف سائر الدعاوي حيث لا يبدأ فيها بيمين المدعي، فللشارع أن يخص كما له أن يعم، وكان اللوث حاصلًا في قصة عبد الله بن سهل فإن أهل خيبر كانوا أعداءً للأنصار، ومن أظهر أنواع اللوث أن يوجد قتيل في قرية بينه وبين أهلها عداوة. وساعد مالك وأحمد والشافعي على البداية بيمين المدعي أخذًا بالحديث، وقال أبو حنيفة: لا اعتبار باللوث، ولا يبدأ بيمين المدعي، فإذا وجد قتيل في محلة أو قرية وادعى وليه قتله على رجل أو جماعة اختار الإِمام -ويقال: الولي- خمسين رجلًا من صلحاء تلك البقعة ويحلفون خمسين يمينًا أنهم ما قتلوه ولا عرفوا قاتله، فإذا حلفوا وجبت الدية على عاقلة من بني تلك الخطة، فإن لم يعرف الثاني أو لم تكن له عاقلة أخذت الدية من سكان ذلك الموضع الحالفين وغيرهم في ثلاث سنين، فإن لم يحلفوا حبسوا حتى يحلفوا أو يقروا؛ وفيما ذكره تحليف غير المدعى عليه والحبس لليمين وتغريم من لم تقم عليه حجة،
следующие страницы →