← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123510

شرح مسند الشافعي

الرافعي

Полный текст (1 876 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

رسول الله ﷺ ، وقضية ما روي ثانيًا عن حرام بن سعد بن محيصة عن أبيه أن يكون سعد بن محيصة هو الذي استأذن النبي ﷺ فيه، والثابت الأول، وقد روى يحيى بن بكير، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي عفير الأنصاري، عن محمَّد بن سهل بن أبي حثمة، عن محيصة بن مسعود الأنصاري؛ أنه كان له غلام حجام يقال له: نافع، فانطلق إلى رسول الله ﷺ يسأله عن خراجه، فقال: لا تقربه، فرده على رسول الله ﷺ فقال: "اعلف به الناضح واجعله في كرشه" (١). وقد يوجد في "نسخ الكتاب" فيما روي ثانيًا: "عن حرام بن محيصة" نسبة له إلى جده. وحديث مالك عن حميد عن أنس أخرجه البخاري (٢) عن عبد الله بن يوسف عن مالك، والحديث الذي يليه أخرجه الشيخان (٣) في الكتابين من أوجه عن حميد. وما رواه عبد الوهاب، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن ابن عباس منقطع المتن، والمراد منه ما اشتهر عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ احتجم وأعطى الحجام أجره، ولو كان خبيثًا لم يعطه (٤). وهذا رواية البخاري في "الصحيح" (٥) عن مسدد، عن يزيد بن زريع، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس.

стр. 1227

ورواية ابن سيرين عن ابن عباس مرسلة. واختلف الناس في كسب الحجام: فقال بعضهم: إنه حرام، لما روي عن رافع بن خديج؛ أن النبي ﷺ قال: "كسب الحجام خبيث، وثمن الكلب خبيث" (١). وقال قوم: إن كان الحجام حرًّا فهو حرام، وإن كان عبدًا صرفه مالك العبد إلى نفقة رقيقه وعلف دوابه؛ لحديث محيصة. وقال الجمهور: هو حلال؛ لأن النبي ﷺ أعطى الحجام أجرة، ولو كان حرامًا لما أعطاه، ولأنه قال: "أطعمه رقيقك واعلفه ناضحك" والحرام لا يجوز التصرف فيه بالإطعام والعلف، وما ورد فيه من النهي فهو على سبيل التنزيه عن الكسب الدنيء والترغيب فيما هو أطيب وأولى من المكاسب، ومن هذا الوجه سماه خبيثًا، وهو كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٢). وقوله: "إن أمثل ما تداويتم به الحجامة" يدل على فضل الحجامة وكثرة فائدتها، ويروى: "إن أمثل ما تداويتم أو خير ما تداويتم به الحجامة". وعاد جابر بن عبد الله بعضهم فقال: لا أبرح حتى تحتجم فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن فيه شفاءً" (٣). وعن أبي هريرة؛ أن أبا هند حجم النبي ﷺ فقال: "إن كان في شيء مما تتداوون به شفاءً فالحجامة" (٤).

стр. 1228

والقُسط البحري ويقال له الهندي أيضًا: بخور معروف، وربما قيل: الكسب. والعذرة: وجع الحلق، ويقال: اللهاة. وأراد بالغمز: رفع اللهاة بالإصبع. وقوله: "أشكموه" أي: أعطوه أجره، والشُّكم بالضم: الجزاء. الأصل [٩٣٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ قال: "البينة على المدعي" وأحسبه ولا أثبته أنه قال: "واليمين على المدعى عليه" (١). [٩٣٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة، أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود خرجا إلى خيبر فتفرقا لحاجتهما، فقتل عبد الله بن سهل فانطلق هو وعبد الرحمن أخو المقتول وحويصة بن مسعود إلى رسول الله ﷺ فذكروا له قتل عبد الله بن سهل، فقال رسول الله ﷺ : "تحلفون خمسين يمينًا وتستحقون دم قاتلكم أو صاحبكم؟ " فقالوا: يا رسول الله لم نشهد ولم نحضر، فقال رسول الله ﷺ : "فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا" قالوا: يا رسول الله كيف نقبل أيمان قوم كفار، فزعم أن النبي ﷺ عقله من عنده. قال بشير بن يسار: قال سهل: لقد ركضتني فريضة من تلك الفرائض في مربدٍ لنا (٢).

стр. 1229

الشرح اختلفت الرواة في الحديث الأول عن ابن جريج: فروى ابن وهب وعبد الله بن عطاء عنه عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس عن النبي ﷺ : "لو يعطى الناس بدعواهم لادّعى ناس دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه" وأخرجه مسلم في "الصحيح" (١) هكذا عن أبي الطاهر عن ابن وهب، وروى نحوًا منه عبد الله بن داود عن ابن جريج، وأخرجه البخاري (٢) من هذا الطريق عن نصر بن علي عن عبد الله بن داود. ورواه عبد الله بن إدريس والوليد بن مسلم عن ابن جريج وقالا: " ... ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر"، وكذلك رواه عثمان بن الأسود عن ابن أبي مليكة (٣) نافع بن عمر الجمحي، واختلف الرواة عنه فلم يتعرض أكثرهم للبينة، وكذلك رواه البخاري ومسلم في الكتابين، ورواه الفريابي عن سفيان الثوري عن نافع، وقال: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" (٤). وإذا تأملت هذه الروايات وجدتها متفقة على ذكر اليمين ومختلفة في ذكر البينة، وقضيته أن يكون ذكر اليمين أولى بالجزم من ذكر البينة على عكس ما في الكتاب، والله أعلم. وحديث بشير عن سهل بن أبي حثمة قد سبق في الكتاب على

стр. 1230

اختصار من الشافعي لغرض قد بيناه، وتمام الحديث ما أورده ها هنا (١)، وقد أخرجه مسلم (٢) من رواية عبد الوهاب، وأيضًا رواه عن قتيبة عن الليث وعن عبيد الله القواريري عن بشر بن المفضل، بروايتهما عن يحيى بن سعيد، وأخرجه البخاري (٣) عن مسدد عن بشر بن المفضل. وعلى هذِه القصة بناء القسامة على أصل الشافعي ﵁، وصورتها: أن يوجد قتيل لا يعرف قاتله ويدعي الولي قتله على واحد أو جماعة ويقترن بالواقعة ما يشعر بصدق المدعي، ويقال له: اللوث، فيحلف المدعي خمسين يمينًا، ويخالف سائر الدعاوي حيث لا يبدأ فيها بيمين المدعي، فللشارع أن يخص كما له أن يعم، وكان اللوث حاصلًا في قصة عبد الله بن سهل فإن أهل خيبر كانوا أعداءً للأنصار، ومن أظهر أنواع اللوث أن يوجد قتيل في قرية بينه وبين أهلها عداوة. وساعد مالك وأحمد والشافعي على البداية بيمين المدعي أخذًا بالحديث، وقال أبو حنيفة: لا اعتبار باللوث، ولا يبدأ بيمين المدعي، فإذا وجد قتيل في محلة أو قرية وادعى وليه قتله على رجل أو جماعة اختار الإِمام -ويقال: الولي- خمسين رجلًا من صلحاء تلك البقعة ويحلفون خمسين يمينًا أنهم ما قتلوه ولا عرفوا قاتله، فإذا حلفوا وجبت الدية على عاقلة من بني تلك الخطة، فإن لم يعرف الثاني أو لم تكن له عاقلة أخذت الدية من سكان ذلك الموضع الحالفين وغيرهم في ثلاث سنين، فإن لم يحلفوا حبسوا حتى يحلفوا أو يقروا؛ وفيما ذكره تحليف غير المدعى عليه والحبس لليمين وتغريم من لم تقم عليه حجة،

стр. 1231

وقد حلفوا على أنه لا شيء عليه. وقال الإِمام أبو سليمان الخطابي: في الحديث دليل على أن المدعى عليهم إذا حلفوا برئوا من الدم، وهو قوله: "فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا". وعلى أن الحكم بين المسلم والذمي كالحكم بين المسلمين في الاحتساب باليمين، وعلى أن يمين المشرك مسموعة على المسلم، وقال مالك: لا تسمع أيمانهم على المسلمين كشهاداتهم. قال: وفيه من الفقه: جواز الوكالة في طلب الحدود، وجواز وكالة الحاضر؛ وذلك لأن ولي الدم هو أخو القتيل عبد الرحمن وحويصة ومحيصة ابنا عمه؛ وليس هذا الاحتجاج بواضح. وروى الحديث حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد، وقال: "يقسم خمسون منكم على رجل [منهم] (١) " وقال: "فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم". والاعتماد على رواية الجمع الكثير أول من اتباع رواية الواحد، والوثوق بحفظهم أتم. وحديث سفيان بن عيينة بالحديث (٢) عن يحيى بن سعيد كما تقدم، قال الشافعي: وربما قال: لا أدري أبدأ رسول الله ﷺ بالأنصار أم باليهود، فيقال له: إن الناس يحدثون أنه بدأ بالأنصار فيقول: فهو ذلك، وربما حدثه ولم يشك فيه. وحديث ابن عباس "أن اليمين على المدعى عليه" عام، وحديث القسامة خاص، والخاص يقضي على العام، وقد روي من حديث

стр. 1232

عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ أن رسول الله ﷺ قال: "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر إلا في القسامة" (١). وقوله: "وتستحقون دم قاتلكم، أو صاحبكم" يشعر ظاهره بتعلق القصاص بالقسامة، وهو قول مالك وأحمد، ويروى ذلك عن ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز، وبه قال الشافعي في القديم والجديد من قوله، وبه قال أبو حنيفة وإسحاق بن راهويه. ويروى عن ابن عباس والحسن البصري أنه لا يقاد بالقسامة وإنما تجب بها الدية، وحمل لفظ الدم على الدية؛ لأنها تؤخذ بسبب الدم فجاز أن تسمى دمًا، وقد روي في بعض الروايات "إما أن يدوا صاحبكم وإما أن تؤذنوا بحرب" (٢). وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: القسامة توجب العقل ولا تشيط الدم (٣)، وعن مكحول مرسلًا أن النبي ﷺ لم يقض في القسامة بالقود. ولما لم يحلف الأنصار ولا رضوا بأيمان اليهود لم يحب النبي ﷺ أن يهدر دم القتيل فوداه من عنده للإصلاح بينهم. وقوله: "فركضتني منها فريضة" أي: ناقة، سميت بذلك لأنها

стр. 1233

مقدرات أو لأنها ألزمت وأوجبت، وهو كما روي: أن في كل أنملة ثلاث فرائض وثلث فريضة (١). وقوله: "من مربد لنا" المربد: الموضع الذي تحبس فيه الإبل والغنم، وأيضًا الموضع الذي يوضع فيه التمر إذا جدّ لييبس، والكلمة من الإقامة، يقال: ربد بالمكان وتربد إذا أقام به. الأصل [٩٤٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم وعبد المجيد، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه؛ أن أبا الصهباء قال لابن عباس ﵁: إنما كانت الثلاث على عهد رسول الله ﷺ تجعل واحدة وأبي بكر، وثلاث من إمارة عمر، فقال ابن عباس: نعم (٢). [٩٤١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم وعبد المجيد، عن ابن جريج قال: [عن مجاهد قال: قال رجل لابن عباس] (٣) طلقت امرأتي مائة، قال: تأخذ ثلاثًا وتدع سبعًا وتسعين (٤). [٩٤٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، عن مسلم وعبد المجيد، عن ابن جريج قال: أخبرني عكرمة بن خالد، أن سعيد بن جبير أخبره؛ أن رجلًا جاء إلى ابن عباس، فقال: طلقت امرأتي ألفًا، قال: تأخذ ثلاثًا وتدع تسعمائة وسبعًا وتسعين (٥).

стр. 1234

[٩٤٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك له، وإن طلقها ألف مرة فعمد رجل إلى امرأة له فطلقها ثم أمهلها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها ارتجعها ثم طلقها وقال: والله لا آويك إلي ولا تحلين أبدًا؛ فأنزل الله تعالى ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فاستقبل الناس الطلاق جديدًا من يومئذٍ من كان منهم طلق أو لم يطلق (١). الشرح أبو الصهباء هو صهيب رجل من أهل البصرة. سمع: عليًّا، وابن مسعود، وابن عباس. وروى عنه: سعيد بن جبير، وطاوس، ويحيى بن الجزار. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: أبو الصهباء صهيب الذي يروي عن ابن عباس لا أدري أهو الذي يحدث عن ابن مسعود أم لا (٢)؟ وعكرمة (٣): هو ابن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن [عمر] (٤) بن مخزوم المخزومي القرشي. سمع: ابن عمر، وسعيد بن جبير. وسمع منه: حنظلة بن أبي سفيان، وابن جريج، وروى عنه: ابن طاوس.

стр. 1235

مات بعد عطاء ومات عطاء سنة خمس عشرة أو أربع عشرة ومائة (١). وحديث أبي الصهباء صحيح، رواه مسلم (٢) عن محمَّد بن رافع، وأبو داود عن أحمد بن صالح بروايتهما عن عبد الرزاق عن ابن جريج، عن ابن طاوس. وظاهر الحديث يخالف قول الجمهور واختلف في وجهه، فقال أبو سليمان الخطابي: ذهب بعضهم إلى أن الأمر كان على ذلك في الصدر الأول ثم نسخ، قال: وهذا لا وجه له؛ لأن النسخ إنما يكون في زمان النبي ﷺ لا في زمان عمر وقد استقرت الأحكام وانقطع الوحي، ووراءه وجوه من التأويل: أحدها: حمله على طلاق البتة؛ وذلك أنهم اختلفوا فيمن قال لامرأته: أنت طالق البتة، فمنهم من قال: هي طلقة واحدة وبه قال الشافعي، ويدل عليه حديث ركانة وقد تقدم في الكتاب، وعن علي ﵁ أنه يقع الثلاث، ويروى هذا عن ابن عمر وسعيد بن المسيب وعروة وعمر بن عبد العزيز والزهري، وكان عمر ﵁ [يرى] (٣) وقوع (٤) واحد بها ولكنه رأى الناس يتتابعون فيها فألزمهم الثلاث، وهذا كما أن شارب الخمر كان حدّه أربعين فلما رأى عمر ﵁ استحقارهم عقوبتها بلغها عقوبة المفتري وهي ثمانون جلدة. والثاني: عن أبي زرعة الرازي أنه قال: معنى هذا الحديث عندي

стр. 1236

أن ما تطلقون أنتم ثلاثًا كانوا يطلقون واحدة في زمان النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ (١). وهذا لأن الجمع بين الثلاث مكروه أو محرم، فكأن المراد أنهم كانوا يقتصرون على طلقة واحدة وأنتم لا تبالون بالمكروه أو المحرم فتطلقون ثلاثًا. والثالث: عن أبي العباس ابن سريج (٢) حمله على ما إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، كانوا في العصر الأول يحلفون على إرادة التوكيد ولا يوقعون إلا طلقة واحدة، ثم إن عمر ﵁ رأى في زمانه أمورًا ظهرت وأقوالًا تغيرت فلم يعتمد قولهم وألزمهم الثلاث. والرابع: حمله على ما إذا لم تكن المرأة مدخولًا بها، وقد ذهب جماعة إلى أن الرجل إذا طلق امرأته التي لم يدخل بها ثلاثًا لم تقع إلا طلقة واحدة، وفي الجماعة: سعيد بن جبير وطاوس وأبو الشعثاء وعمرو بن دينار، فيستمر التأويل على مذهبهم والجمهور حكموا بوقوع الثلاث إذا جمع بينها، ونزلوا الحديث على ما إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فإنها تبنى بالأول ويلغو ما بعده من الألفاظ، واحتج الشافعي ﵁ على أن ظاهر الحديث متروك بأن راويه وهو ابن عباس قد اشتهر منه الفتوى بوقوع الثلاث مجموعة والظاهر أن الراوي لا يخالف ما رواه، فمن ذلك ما رواه عن مجاهد وسعيد بن

стр. 1237

جبير عن ابن عباس، وعن عطاء بن أبي رباح أن رجلًا قال لابن عباس: طلقت امرأتي مائة، قال: تأخذ ثلاثًا وتدع سبعًا وتسعين. وعن عمرو بن دينار أن ابن عباس سئل عن رجل طلق امرأته عدد النجوم، فقال: يكفيك رأس الجوزاء (١). ومما يدل على أن الثلاث ليست كالواحدة حديث هشام بن عروة عن أبيه في سبب نزول قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٢). أي: الطلاق الذي يملك فيه الرجعة ثنتان، فإن طلقها ثالثة فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره. وقوله: "فلا تحلين أبدًا" يعني: للأزواج. والحديث في الرواية المذكورة موقوف على عروة، وروى يعلى بن شبيب المكي، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان الرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها ويرجع وإن طلقها مائة أو أكثر، فأنزل الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ فاستأنف الناس الطلاق، من شاء طلق ومن شاء لم يطلق (٣). والمعنى أنهم عرفوا أن الطلاق الثلاث قاطعة للرجعة، فمن أراد الإبانة طلق ثلاثًا، ومن لا فلا. وقول عروة: "فاستقبل الناس الطلاق جديدًا" يرجع إلى هذا

стр. 1238

المعنى، أي: استأنفوا حكم الطلاق لما عرفوا انحصار تجدده، فمن طلق ثلاثًا لم يرجع بعده ولم يطلق وأراد الرجعة إذا طلق لم يستوعب العدد. الأصل [٩٤٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا [سفيان] (١) عن الزهري، عن عروة، عن عائشة؛ أنه سمعها تقول: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله ﷺ فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وإنما معه مثل هدبة الثوب، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته" وأبو بكر ﵁ عند النبي ﷺ وخالد بن سعيد بن العاص بالباب ينتظر أن يؤذن له، فنادى: "يا أبا بكر، ألا تسمع ما تجهر به هذِه عند رسول الله ﷺ " (٢). الشرح امرأة رفاعة هي تميمة بنت أبي عبيد القرظية، كذلك سماها قتادة، وقيل: هي سهيمة بنت وهب بن عبيد (٣). ورفاعة: هو ابن السموءل من بني قريظة معدود في الصحابة. روت عنه: عائشة. وروى [عنه] (٤) أيضًا عبد الرحمن بن الزبير، وابنه علي بن

стр. 1239

رفاعة (١). وعبد الرحمن: هو ابن الزبير -بفتح الزاي- بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس. أحد أصحاب النبي ﷺ . وروى عنه: ابنه الزبير-بضم الزاي- ويقال: هو عبد الرحمن بن الزبير بن باطاء من بني قريظة، كان الزبير يهوديًّا وأسلم ابنه عبد الرحمن (٢). وخالد: هو ابن أبي أحيحة سعيد بن العاص الأموي القرشي، متقدم الإِسلام، هاجر مع أخيه عمرو إلى أرض الحبشة ومعه امرأته أميمة الخزاعية، وولدت له بالحبشة سعيد بن خالد، وأمة بنت (٣)، وقيل في خلافة عمر ﵁ بأرض الشام وهو ابن خمسين سنة (٤). والحديث صحيح مشهور، أخرجه البخاري (٥) عن أبي اليمان عن شعيب (٦) ومسلم عن عمرو الناقد عن سفيان، بروايتهما عن الزهري. وقولها: فبت طلاقي أي: قطع الوصلة بالكلية واستوعب الثلاث.

стр. 1240

وقوله: "إنما معه مثل هُدْبة الثوب" أي: لا يقوى على الجماع، ومثلت ذكره في ضعفه واسترساله بهُدْبة الثوب. والعسيلة: تصغير العسل، وقد قيل أن العسل يذكر ويؤنث، وقيل: أنث على معنى النطفة، وقيل: على معنى اللذة، وقيل: على معنى القطعة من العسل. والحديث يدل على أن المطلقة ثلاثًا لا تحل للزوج الأول حتى يصيبها الثاني في نكاحه ثم يفارقها، واحتج ابن المنذر بالحديث على أنه [إذا] (١) وطئها الثاني وهي نائمة أو مغمى عليها لم يكف؛ لأنها لم تحس باللذة، وفيه أنهم كانوا يدخلون على النبي ﷺ بالإذن، وأن الإذن للبعض لا يكون إذنًا للكل. [وقوله لخالد (٢)]: "ألا تسمع ما تجهر به هذه" يجوز أن يكون استنكارًا لما ذكرته عند النبي ﷺ ورأى الأحسن أن تستفتي بواسطة، ويجوز أن يكون الذي استنكره الجهر بالكلمة حتى بلغته وهو بالباب وربما قصد أن يعرف حضوره وانتظاره. ويؤكد الحديث ما في "الصحيح" (٣) عن القاسم، عن عائشة أن رجلًا طلق ثلاثًا فتزوجت فطلق -يعني الثاني- فسئل النبي ﷺ أتحل للأول؟ قال: "لا، حتى يذوق [عسيلتها] (٤) كما ذاق الأول". الأصل [٩٤٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد المجيد بن عبد العزيز،

стр. 1241

عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الله بن أيمن يسأل ابن عمر وأبو الزبير يسمع: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضًا؟ فقال: طلق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض على عهد رسول الله، فسأل عمر ﵁ رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال رسول الله ﷺ : "مره فليراجعها" فردها علي ولم يرها شيئًا، وقال: "إذا طهرت فليطلق أو ليمسك" (١). [٩٤٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد النبي ﷺ فسأل عمر ﵁ رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال رسول الله ﷺ : "مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء" (٢). [٩٤٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم، عن ابن جريج؛ أنهم أرسلوا إلى نافع يسألونه: هل حسبت تطليق ابن عمر على عهد النبي ﷺ ؟ قال: نعم (٣). الشرح عبد الله بن أيمن كذا يوجد في نسخ "المسند" وكذلك رأيته في كتاب [اختلاف] (٤) الحديث والرجل: عبد الرحمن بن أيمن المخزومي المكي مولى عزة.

стр. 1242

سمع:. ابن عمر، ورأى أبا سعيد. وروى عنه: هشان بن يحيى، وعمرو بن دينار، وأثنى عليه ابن عيينة (١). وحديث أبي الزبير رواه مسلم في "الصحيح" (٢) عن هارون بن عبد الله عن حجاج بن محمَّد عن ابن جريج، وأبو داود (٣) عن أحمد بن صالح، عن عبد الرازق، عن ابن جريج. وحديث مالك عن نافع، رواه البخاري (٤) عن إسماعيل عن أبي يونس، ومسلم (٥) عن يحيى بن يحيى، وأبو داود (٦) عن القعنبي، بروايتهم عن مالك، ورواه عن (٧) نافع كما رواه مالك: عبيد الله بن عمر والليث بن سعد، ورواه الليث أيضًا عن [عقيل] (٨) عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه، ورواه عن ابن عمر: عبد الله بن دينار، كما رواه نافع ومسلم. ولهذه القصة قال العلماء: الطلاق في حال الحيض إذا كانت ممن تعتد بالأقراء طلاق بدعة، ويستحب له أن يراجعها، وقال مالك: يجب أن يراجعها. ثم إذا راجعها وأراد أن يطلق فالمستحب أن يصبر حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ولا يطلقها في الطهر الأول لئلا تكون الرجعة للطلاق، كما أنه يكره أن يكون النكاح للطلاق، وقيل: لا بأس

стр. 1243

بالطلاق في الطهر الأول، وقد روى يونس بن جبير وأنس بن سيرين عن ابن عمر، ولم يقولا: "ثم تحيض ثم تطهر". وقوله: "وإن شاء طلق قبل أن يمس" يدل على أن الطلاق في طهر جامعها فيه طلاق بدعة أيضًا. وقوله: "مره فليراجعها" يدل على وقوع الطلاق وإن كان بدعيًّا، وإلا لما كان للمراجعة معنا، وفي "الصحيح" من رواية محمَّد بن سيرين عن يونس بن جبير قال: سألت ابن عمر، قلت: رجل طلق امرأته وهي حائض؟ فقال: أتعرف عبد الله بن عمر؟ قلت: نعم، قال: فإن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، فأتى عمر ﵁ فسأله فأمره أن يراجعها ثم يطلقها في قبل عدتها، قال: فقلت: فتعتد بتلك التطليقة؟ قال: فمه أرأيت إن عجز واستحمق (١). والمعنى أرأيت إن عجز وفعل فعل الحمقى أيسقط الطلاق عجزه أو حمقه فحذف الجواب. وقوله في رواية [أبي] (٢) الزبير: "فردها علي ولم يرها شيئًا" تكلم الشافعي عليه من وجهين: أحدهما: أن نافعًا أثبت عن ابن عمر من أبي الزبير، والأثبت من الحديثين أولى أن يقال به، كيف وقد وافق نافعًا غيرُه من الأثبات، وقال أبو داود السجستاني: جاءت الأحاديث كلها بخلاف [ما] (٣) رواه أبو الزبير.

стр. 1244

والثاني: أنه يجوز أن يكون المعنى أنه لم يره شيئًا باتًّا يمنع من الرجعة، أو لم يره شيئًا جائزًا في السنة مختارًا، وقد قال لغير الصواب: هذا ليس بشيء. وقوله: "فردها علي" يحتمل أن يريد أنه رد المسألة ولم يستحسنها، واحتج بقوله: "فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء" على أن الأقراء التي يعتد بها هي الأطهار؛ وذلك لأنه ﷺ بين أن وقت الطلاق وهو زمان الطهر، ثم قال "فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء" أي: فيها، وأراد به قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١) أي: في وقت عدتهن. الأصل [٩٤٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "من أعتق شركًا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوم عليه قيمة العدل فأعطي شركاؤه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق" (٢). [٩٤٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي [أخبرنا سفيان] (٣)، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "أيما عبد كان بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه، فإن كان موسرًا فإنه يقوم عليه بأعلى القيمة أو قيمة عدل ليست بوكس ولا شطط، ثم يغرم لهذا حصته" (٤).

стр. 1245

الشرح حديث مالك عن نافع أخرجه البخاري (١) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم (٢) عن يحيى بن يحيى، وأبو داود (٣) عن القعنبي، وابن ماجه (٤) عن يحيى بن حكيم عن عثمان بن عمر، بروايتهم عن مالك، ورواه عن نافع كما رواه مالك: الليث [بن] (٥) سعد وإسماعيل بن أمية وأسامة بن زيد وموسى بن عقبة وابن أبي ذئب. وحديث سالم عن أبيه رواه البخاري (٦) عن علي بن عبد الله عن سفيان. ومن أعتق بعض عبده عتق كله، روي عن [قتاده] (٧) عن أبي المليح أن رجلًا من قومه أعتق ثلث غلامه، فرفع ذلك إلى النبي ﷺ فقال: "هو حر كله ليس لله شريك" (٨). وإن كان العبد مشتركًا بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه نظر إن كان موسرًا بقيمة نصيب الشريك قوم عليه نصيبه تكميلًا للعتق فيه، وإن كان معسرًا اقتصر العتق على نصيبه لحديث ابن عمر ﵁، ومتى يعتق نصيب الشريك إذا كان المعتق موسرًا؟ أظهر أقوال (٩) ﵁: أنه يعتق في الحال، ويدل عليه ما روى أيوب عن نافع عن ابن

стр. 1246

عمر عن النبي ﷺ : "من أعتق نصيبًا له في مملوك أو شركًا من عبد فكان له من المال ما يبلغ قيمة بقية العبد فقد عتق" ويروى "فهو عتيق" (١) وفي "الصحيحين" من رواية ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "من أعتق شقصًا له في مملوك فكان للذي يعتق منهما نصيبه مبلغ ثمنه فقد عتق كله" (٢). والقول الثاني: أنه يعتق بدفع القيمة إلى الشريك، ويدل عليه ما روي عن عمرو بن سعيد عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "أيما رجل كان له نصيب في عبد فأعتق نصيبه فعليه أن يكمل عتقه بقيمة عدل" (٣). وعن ليث عن طاوس عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "من أعتق شركًا في مملوك له فقد ضمن عتقه، يقوم العبد ثم يعتق" (٤). والقول الثالث: أنه يبين بدفع القيمة حصول العتق من وقت إعتاقه نصيبه. وقوله: "وإلا فقد عتق منه ما عتق" يدل على اقتصار العتق على نصيب المعتق إذا كان معسرًا، وزيد في بعض الروايات: "ورقَّ منه ما رقّ". وما روي عن أيوب أنه لما روى الحديث عن نافع قال في آخره: قال نافع: وإلا فقد عتق منه ما عتق، ولا أدري أهو شيء قاله نافع، أو هو في الحديث؟

стр. 1247

وروي عنه أنه قال: ربما قال نافع: "وإلا فقد عتق منه ما عتق" وربما لم يقله، وأكثر ظني أنه شيء كان يقوله نافع برأيه، فإن [شكًّا] (١) وقع لأيوب في الكلمة، ولا يقدح ذلك في رواية من رواه في الحديث بلا شك، وقد رواه مالك وهو أحوط من أيوب عند علماء الحديث، وقد وافقه على رواية الكلمة: عبيد الله بن عمر وجرير بن حازم وغيرهما. وقال أبو حنيفة: لا سراية ولا تقويم، ولكن إن كان الشريك المعتق موسرًا فيتخير الشريك الآخر بين ثلاثة أمور: أن يعتق نصيب نفسه، وأن يستسعي العبد حتى يؤدي قيمة نصيبه، وعلى التقديرين يكون ولاء العبد بينهما، وأن يضمن المعتق قيمة نصيبه. ثم المعتق يستسعي العبد لما غرم، فإذا أداه عتق وكان جميع الولاء له، وإن كان معسرًا لم يضمنه الشريك ويخير بين الأمرين الأولين، واحتج للاستسعاء بما في "الصحيحين". من رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من كان له شرك في مملوك فعليه خلاصه في ماله إن كان له مال، وإن لم يكن له مال استسعى العبد في الثمن رقبة غير مشقوق عليه" (٢) ومن رواية جرير بن حازم عن قتادة بالإسناد المذكور أن النبي ﷺ قال: "من أعتق شقصًا له في مملوك فكان له من المال ما يبلغ قيمته أعتق من ماله، فإن لم يكن له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه" (٣).

стр. 1248

وذكر في الحديث وجوه من الكلام منها: أن شعبة بن الحجاج وهشامًا الدستوائي رويا هذا الحديث عن قتادة ولم يذكرا فيه الاستسعاء وهما أحفظ، ورواه همام عن قتادة بإسناده عن أبي هريرة قال: أن رجلًا أعتق شقصًا له في مملوك فغرمه النبي ﷺ ثمنه. قال همام: فكان قتادة يقول: إن لم يكن له مال استسعى. وقد ذكر أبو بكر ابن المنذر وغيره أن الاستسعاء من قول قتادة لا من متن الحديث ومنها يرجح حديث ابن عمر بقوة الرواية، روي عن محمَّد بن إسحاق الثقفي قال: سألت محمَّد بن إسماعيل البخاري عن أصح الأسانيد فقال: مالك عن نافع عن ابن عمر. ومنها: الحمل على ما إذا رغب العبد فيه، وقد يشعر به قوله: "غير مشقوق عليه" فإن في إجباره على السعاية مع إبائه مشقة عظيمة، وقد يقال: الحديث يقتضي تخصيص الاستسعاء. وقوله: "بأعلى القيمة" تقرأ بالعين والغين وهما متقاربان، وفي حديث الرقاب "أعلاها ثمنًا" تروى بالعين والغين، وقد يستدل به بوجوب أقصى القيمة من يوم الإعتاق إلى يوم الموت على قولنا أن العين لا تحصل في الحال، ويشبه أن يريد بأعلى القيمة: القيمة التي هي عدل، ألا تراه قال: "بأعلى القيمة أو قيمة عدل ليست بوكس ولا شطط" أي: ليس فيها نقصان ولا زيادة. الأصل [٩٥٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد المجيد، عن ابن جريج، أخبرني قيس بن سعد أنه سمع مكحولًا يقول: سمعت ابن المسيب يقول:

стр. 1249

أعتقت امرأة أو رجل ستة أعبد لها ولم يكن لها مال غيره، فأتي النبي ﷺ في ذلك فأقرع بينهم فأعتق ثلثهم. قال الشافعي: كان ذلك في مرض المعتق الذي مات فيه (١). [٩٥١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين أن رجلًا من الأنصار أوصى عند موته فأعتق ستة مماليك وليس له مال غيرهم، أو قال: أعتق عند موته ستة مماليك له وليس له شيء غيرهم، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال فيه قولًا شديدًا، ثم دعاهم فجزأهم ثلاثة أجزاء فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة (٢). الشرح حديث سعيد بن المسيب مرسل معتضد بالحديث المسند على إثره، وقد روى مقصوده عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب وأيوب عن محمَّد بن سيرين، عن عمران بن حصين، فلعله ما أرسله سعيد في رواية الكتاب اعتمد فيه على ما أسنده في غير هذِه الرواية. وحديث أبي المهلب عن عمران رواه مسلم في "الصحيح" (٣) عن إسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر عن عبد الوهاب، واللفظ: أن رجلًا من الأنصار أوصى عند موته فأعتق ستة مملوكين له ليس له شيء غيرهم، ويذكر أن عبد الوهاب كان يشك في اللفظتين المذكورتين في رواية الكتاب، ورواه إسماعيل بن علية عن أيوب فقال: أن رجلًا أعتق ستة مملوكين عند موته لم يكن له مال غيرهم وهكذا رواه الشافعي في

стр. 1250

"القديم" عن إسماعيل، ورواه مسلم في "الصحيح" (١) عن علي بن [حجر] (٢) عن إسماعيل، [ورواية] (٣) حماد بن زيد عن أيوب كذلك، وروى الحديث عن عمران بن حصين: محمَّد بن سيرين والحسن البصري أيضًا. وفي الباب عن أبي هريرة. ومن روى أنه أوصى عند موته فأعتق ستة مملوكين كأنه أراد أنه أوصى بإعتاقهم أو أوصى بأمور وأعتق المملوكين، وكأن ذلك في مرض الموت يعتبر من الثلث فلما لم يكن للمعتق مال غيرهم رد العتق إلى الثلث ولم يحكم بعتق الثلث من كل واحد منهم، بل أقرع تحرزًا عن تبعض الرق في كل واحد منهم، وكانوا متساوين في القيمة فأعتق اثنين وأرقّ أربعة وهذا إذا وقع إعتاقهم معًا بأن قال: هؤلاء أحرار، أو أعتقهم أو وكّل بإعتاق كل واحد وكيلًا فتلفظوا بالإعتاق معًا، فأما إذا أعتق على الترتيب فنفذ الأول فالأول إلا [أن] (٤) يتم الثلث. وعند أبي حنيفة: لا قرعة بل يعتق من كل واحد ثلثه ويستسعى في الباقي، والحديث حجة عليه، ويروى الإقراع في العتق عن أبان بن (عون) (٥) وخارجة بن زيد بن ثابت وعمر بن عبد العزيز.

стр. 1251

وقوله: "قال فيه قولًا شديدًا" أي: في إعتاق الكل، وهو كإنكاره على الوصية بما زاد على الثلث. الأصل [٩٥٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة [أن] (١) رسول الله ﷺ قال: "العجماء جرحها جبار" (٢). [٩٥٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن حرام بن سعد بن محيصة أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائطًا لقوم فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ على أهل الأموال حفظها بالنهار، وما أفسدت المواشي بالليل فهو ضامن على أهلها (٣). [٩٥٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا أيوب بن سويد، أبنا الأوزاعي، عن الزهري، عن حرام بن محيصة، عن البراء بن عازب أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط رجل من الأنصار فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ على أهل الحوائط حفظها بالنهار وعلى أهل الماشية ما أفسدت ماشيتهم بالليل (٤). الشرح أيوب بن سويد: هو الرملي أبو مسعود الحميري السيباني. روى عن: يحيى بن أبي عمرو، والأوزاعي، يقال أنه

стр. 1252

غرق في البحرِ سنة ثلاث وتسعين (١). وحديثُ العَجْماء صحيحٌ، أورده البخاري (٢) عن عبدِ الله بن يوسف، ومُسلم عن محمَّد بن رافع عن إسحاق بن عيسى، بروايتهما عن مالك، ورواه الشافعيُّ في "القديم" عن ابن عُيينة عن ابن شهاب عن ابن المسيب وأبي سلمة عن أبي هُريرةَ عن النَّبي ﷺ ، وأورده مسلم (٣) عن يحيى بن يحيى وغيره عن سُفيان. وحديثُ ناقةِ البراء غيرُ موصولٍ من روايةِ مالك، وموصول من رواية أيوب بن سويد، كذلك رواه أبو داود (٤) عن محمود بن خالد عن الفريابي عن الأوزاعي، وكذلك رَواه مُحمد بنُ مُصعب عن الأوزاعي ورواه معاوية بن هشام ومؤمل بن إسماعيل عن الثوري عن عبد الله بن عيسى عن الزهري، ووصلاه فقالا: عن حرام عن البراء أنَّ ناقةً للبراء .. ورواه إبراهيم بن طهمان عن محمَّد بن ميسرة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن البراء بن عازب فوصله أيضًا. والعَجْماء (٥): البهيمة، سميت به لأنها لا تتكلم، والجبار: الهدر الذي لا قود فيه ولا دية. وقوله: "والعَجْماء جرحها" وإن كان مُطْلقًا، لكن الحديث الآخر خاص يقضي عليه ويُقيده، فلو أفلتت الدابة أو انهدم جدار الإسطبل

стр. 1253

فجرحت من غير اختيار صاحبها فلا ضمان، وإن أرسلها صاحبها فما أتلفته بالنهار من زرع ونحوه فهو غير مضمون عليه، وما أتلفته بالليل يضمنه قضية للحديث، وأراد بالأموال: الزروع والبساتين. وقوله: "فهو ضامن على أهلها" أي: مضمون، كقولهم: سرٌّ كاتم، أي: مكتوم، وعيشة راضية: أي: مرضية، والمعنى فيه أن العادة الغالبة أن أرباب المزارع والباستين يحفظونها نهارًا بالنواطير (١) والحفظة، وأن المواشي ترسل نهارًا ولا تترك منتشرة بالليل، ولو انعكست هذِه العادة في بعض النواحي فالظاهر انعكاس الحكم، ولو كان للبستان باب يغلق أو كان الزرع في محوط له باب فتركه صاحبه مفتوحًا فهو المضيع ولا ضمان على صاحب البهيمة على الأصح وإن أفسدت بالليل، ولو كانت المراعي متوسط للمزارع فلا يعتاد إرسال البهائم فلا رقيب، ومن أرسلها وخلاها فهو مقصر ضامن لما أفسدته بالنهار أيضًا، وحيث يجب الضمان على صاحب البهيمة فلو كان صاحب الزرع حاضرًا وقدر على تنفير البهيمة وتهاون فهو المقصر ويسقط الضمان عن صاحب الدابة. ولم يفرق أبو حنيفة بين ما تتلف البهائم بالليل وبين ما تتلفه بالنهار، ونفى بالضمان الحالتين، والحديث حجة عليه، ولو كان صاحب الدابة معها ضمن ما تتلفه من نفس ومال سواء فيه الراكب والسائق والقائد من غير فرق بين الليل والنهار؛ لأنها تحت يده وتصرفه وعليه حفظها.

стр. 1254

الأصل [٩٥٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد العزيز الدراوردي، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: أقام رسول الله ﷺ بالمدينة تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس بالحج، فتدارك الناس بالمدينة ليخرجوا معه، فخرج فانطلق رسول الله ﷺ وانطلقنا لا نعرف إلا الحج وله خرجنا ورسول الله ﷺ بين أظهرنا ينزل القرآن وهو يعرف [تأويله] (١) وإنما يفعل ما أمر به، فقدمنا مكة فلما طاف رسول الله ﷺ بالبيت وبالصفا وبالمروة قال: "من لم يكن معه هدي فليجعلها عمرة، فلو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة" (٢). [٩٥٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن ابن طاوس وإبراهيم بن ميسرة، أنهما سمعا طاوسًا يقول: خرج رسول الله ﷺ لا يسمى حجًّا ولا عمرة ينتظر القضاء، قال: فنزل عليه القضاء وهو يطوف بين الصفا والمروة، وأمر أصحابه أن من كان منهم أهل بالحج ولم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة، فقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولكني لبدّت رأسي وسقت هديي وليس لي محل إلا محل هديي". فقام إليه سراقة بن مالك فقال: يا رسول الله اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم، أعمرتنا هذه [لعامنا] (٣) هذا أم للأبد؟ فقال

стр. 1255

رسول الله ﷺ : "بل للأبد، دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة". قال: فدخل عليٌّ من اليمن ﵁ وسأله النبي ﷺ يعني: "بما أهللت"؟ فقال أحدهما: لبيك إهلال كإهلال النبي ﷺ ، وقال الآخر: لبيك حجة كحجة النبي ﷺ (١). [٩٥٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله ﷺ أفرد الحج (٢). [٩٥٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: فأهل رسول الله ﷺ بالحج (٣). [٩٥٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة أنها قال: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا بعمرة ولم تحلل أنت من عمرتك؟! قال: "إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا [أحل] حتى أنحر". والله (٤). الشرح حديث جابر هو الحديث الطويل في صفة حجة الوداع وقد سبق بهذا الإسناد قطع منه، وقد أورده مسلم بتمامه في "الصحيح" (٥) من رواية جعفر عن أبيه. واحتج بقوله: "أقام بالمدينة تسع سنين لم يحج" على أن الحج

стр. 1256

على التراخي. وقوله: "فتدارك الناس" أي: تلاحقوا تابعين له، يقال: تدارك القوم إذا تلاحقوا فلحق آخرهم أولهم، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ (١) أصله: تداركوا، وهو معنى ما روي في غير هذه الرواية: فاجتمع بالمدينة بشر كثير كلهم يريد أن يأتم [برسول الله] (٢) ﵇ ويعمل مثل عمله. وقول: "وانطلقنا لا نعرف إلا الحج وله خرجنا ورسول الله ﷺ بين أظهرنا ... " إلا آخره، كأنه يقول: كنا لا نقصد إلا الحج ولا نعرف العمرة إلا أنا نعرف أن رسول الله ﷺ بيننا والوحي ينزل عليه، وعلينا أن نفعل ما يأمرنا به من الحج وغيره، ويقرب قوله: "ورسول الله ﷺ بين أظهرنا .... " إلى آخره مما في رواية طاوس "ننتظر القضاء فنزل عليه القضاء". وحديث طاوس قد سبق في الكتاب وشرحناه بما تيسر (٣). وحديث القاسم عن عائشة أورده مسلم (٤) عن يحيى بن يحيى عن مالك. وحديث حفصة أورده البخاري (٥) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم (٦) عن محمَّد بن عبد الله بن نمير عن خالد بن مخلد، بروايتها عن مالك. وذكر الشافعي في قول حفصة للنبي ﷺ : "ولم تتحلل أنت من

стр. 1257

عمرتك" يعني: من إحرامك الذي ابتدأت به، وقوله ﷺ : "لبدت رأسي وقلدت هديي، فلا أحلّ حتى أنحر" قال (١): يعني -والله أعلم- حتى [يحل] (٢) الحاج؛ لأن القضاء نزل عليه أن يجعل من كان معه هدي إحرامه حجًّا. وأعلم أن الكلام في هذِه الأحاديث كثير وقد أتينا من قبل بما فيه بلاغ إن شاء الله تعالى. آخر الجزء ويتلوه فيما بعده: الأصل: من كتاب جراح العمد والله الموفق للصواب

стр. 1258

-[الجزء الثاني من المجلد الثاني من مسند إمام أئمة المسلمين وابن عم رسول رب العالمين، أبي عبد الله محمَّد بن إدريس الشافعي المطلبي ﵁ وأرضاه بشرح الإِمام الكبير السعيد العلامة، إمام الدين، حجة الإِسلام والمسلمين، خاتم المجتهدين، فقيه الأمة أبي القاسم الرافعي، أسكنه الله فراديس القدس وسقاه نبت الأنس.]- (١) لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث، أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة، من قتل نفسه، وجد في قائم سيف رسول الله ﷺ كتاب أن أعدّ الناس على الله القاتل، ألا إن في قتيل العمد الخطأ بالسوط والعصا، فمن عفي له من أخيه شيء، ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل، قتل نفرًا خمسة أو سبعة برجل، انتزع المعضوض يده من فيّ العاض، إن وجدت مع امرأتي رجلًا أمهله، من قتل دون ماله فهو شهيد، لو أن امرءًا ما اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه، ليس لقاتل شيء، لا تراعى ناراهما، قضى بغرة عبدًا أو أمة، أنت ومالك لأبيك، ما في الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير، في كل إصبع عشر من الإبل، في الموضحة خمس، كتب إليه أن يورث امرأة أشيم من ديته،

стр. 1259

كان يزكي مال اليتيم، نهى عن بيع الولاء وهبته، إنما الولاء لمن أعتق، فقضى لأخيه بولاء الموالي، أن طارق أعتق أهل بيت سوائب فأتى بميراثهم فقال عمر: أعطوه ورثة طارق، المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، أن ابن عمر كاتب غلامًا على ثلاثين ألفًا ثم جاءه فقال: إني عجزت، كان يغزوا بالنساء ولم يكن يضرب لهن بسهم، نحن الفرارون قال: بل أنتم العكارون، إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإِسلام، سنوا بهم سنة أهل الكتاب، كتب إلى أهل اليمن أن على كل إنسان منكم دينارًا في كل سنة يعني أهل الكتاب، ما تحل لنا ذبائحكم، أخذ من النبط العشر، إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، صلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين ثم قام فلم يجلس، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا، كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، إذا أمَّن الإِمام فأمنوا، قرأ لهم: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ فسجد فيها، كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، قرأ من إثر سورة الجمعة ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، يقرأ في الأضحى والفطر بقاف واقتربت الساعة، صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء جميعًا، إذا جئت فصل الناس وإن كنت قد صليت، قرأ في المغرب بالطور، إذا صلى وحده يقرأ في الأربع في كل ركعة بأم القرآن وسورة من القرآن، صلى الصبح فقرأ في الركعتين سورة البقرة، أن امرأة تهراق الدم، نعى النجاشي، صلى على قبر مسكينة توفيت، إن أبي قد كبر ولا يستطيع أن يحج أفأحج عنه؟ فقال: نعم، احتجم وهو محرم، خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح، لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: ارم ولا حرج، البدنة عن سبعة.

стр. 1260

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الأصل من كتاب جراح العمد: [٩٦٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا الثقة، عن حماد، عن يحيى بن سعيد، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عثمان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس" (١). [٩٦١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد العزيز، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" (٢). الشرح انتهت الأحاديث التي نقلها أبو العباس ﵀ واستخرجها من كتاب "اختلاف الحديث" وباب جراح العمد والأحاديث التي نشرع فيها الآن من كتاب "الأم"، وكان الأولى به والأحسن أن لا يدخل كتابًا في كتاب. وحديث عثمان ﵁ فقد قدمت (٣) مرة، ورواه جماعة من الأئمة عن حماد بن زيد، منهم أبو داود الطيالسي (٤)، وفي روايته أن أبا أمامة بن سهل قال: كنا عند عثمان وهو في الدار محصور، فقال: بم

стр. 1261

يقتلونني وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد (إسلام) (١) أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس" فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا أحببت بديني هذا بدلًا بعد أن هداني الله، وما قتلت نفسًا، علام يريد هؤلاء قتلي؟! وأورد [صاحبا] (٢) "الصحيحين" الحديث من رواية عبد الله بن مسعود على ما قدمنا، واللفظ "لا يحل دم رجل يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة". وقوله: "إلا بإحدى ثلاث" أي: ثلاث خصال أو نحوها. وقوله: "أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس" بيان لإحدى الثلاث، ولو قال: وزنا وقتل نفس لأفاد وكان بيانًا للثلاث. والحديث الثاني قد سبق ذكره أيضًا (٣)، وأورده مسلم من رواية الأعمش، وقد رواه الأعمش عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله وعن أبي صالح عن أبي هريرة، واللفظ: "منعوا مني دماءهم". وقد يستدل بالحديث الأول من يقول بأن تارك الصلاة لا يقتل، لكن الخبر الثاني يبين أن العصمة مشروطة بالمحافظة على الحقوق، حيث قال: "إلا بحقها" والصلاة من حقوقها، وقد روى البخاري في "الصحيح" (٤) عن عبد الله بن محمَّد المسندي، عن حرميّ بن عمارة، عن شعبة، عن واقد بن محمَّد، عن أبيه، عن ابن عمرة أن

стр. 1262

رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإِسلام وحسابهم على الله". وأورد مسلم (١) نحوًا منه عن أبي غسان، عن عبد الملك بن الصباح، عن شعبة. واحتجاج عثمان ﵁ بالحديث الأول يدل على جواز الاحتجاج بما ترك ظاهره في غير موضع الترك، وباللفظية المقتضية للانحصار وإن علم بتثبيت الانحصار؛ وذلك لأن حل الدم ثابت في قاطع الطريق وفي الصائل والباغي وغيرهم على خلاف قضية الظاهر. الأصل [٩٦٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا يحيى بن حسان، عن الليث، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، عن المقداد أنه أخبره أنه قال: يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله ﷺ : "لا تقتله" فقلت: يا رسول الله إنه قطع يدي، ثم قال ذلك بعد أن قطعها أفأقتله؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال" (٢). الشرح عبيد الله بن عدي بن الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف

стр. 1263

المديني القرشي، من فقهاء قريش. روى عن: عثمان بن عفان، والمقداد بن الأسود. وروى عنه: عروة، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وعطاء بن يزيد الليثي. مات زمن الوليد بن عبد الملك (١). والحديث مودع في "كتاب البخاري" (٢) من رواية الزهري، ورواه مسلم (٣) وأبو داود (٤) عن قتيبة عن الليث. وقوله: "فقال: أسلمت لله ... إلى آخره" يقتضي صيرورته مؤمنًا بهذِه الكلمة، وقد قال الحليمي في "المنهاج": إذا قال الكافر: آمنت بالله أو أسلمت لله، ينظر إن لم يكن على دين من قبل صار مؤمنًا بالله، وإن كان يشرك بالله غيره لم يكن مؤمنًا حتى يقول: آمنت بالله وحده أو أسلمت وكفرت بما كنت أشرك به. وقوله: "إنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال" يحمله الذين يُكَفِّرُون بالكبائر على أن بقتله يصير بمنزلته في الكفر، قال أبو سليمان الخطابي: وهو تنزيل فاسد، والمعنى: أنك بمنزلته في إباحة الدم؛ فإنه كان مباح الدم بالكفر فإذا قتله قاتل بعدما أسلم كان القاتل مباح الدم نحو القصاص، ويروى هذا عن الشافعي ﵁. والحديث يدل على أنه لا شيء عليه بقطع اليد في الكفر، وعلى أنه إذا تكلم الكافر بكلمة الإيمان يجب التوقف عن قتله وإن وقع ذلك

стр. 1264

في حالة الخوف وقدرة المؤمن عليه؛ لأن اللياذ بالشجرة يشعر بكونه مغلوبًا، وفي "الصحيحين" (١) من رواية أبي ظبيان حصين بن جندب، عن أسامة بن زيد ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ سرية إلى الحرقات فنذروا بنا فهربوا فأدركنا رجلًا، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فضربناه حتى قتلناه، فعرض في نفسي شيء (٢) من ذلك فذكرته لرسول الله ﷺ [فقال] (٣) "من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ " فقلت: يا رسول الله إنما قالها مخافة السلاح والقتل، فقال: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم قال من أجل ذلك أم لا؟! من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة" قال: فما زال يقول حتى وددت أني لم أسلم إلا يومئذ. وهذا الحديث واللذان قبله [رواها] (٤) الشافعي في "الأم" قاصدًا بها الاحتجاج على تحريم قتل المؤمن من جهة السنة. الأصل [٩٦٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن ثابت بن الضحاك أن رسول الله ﷺ قال: "من قتل نفسه بشيء (٥) في الدنيا عذب به يوم القيامة" (٦).

стр. 1265

الشرح ثابت: هو ابن الضحاك بن أمية بن ثعلبة بن جشم بن مالك بن سالم بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري، وهو أخو أبي جبيرة بن الضحاك. سمع: النبي ﷺ ، وعد في أصحاب الشجرة. روى عنه: أبو قلابة، وعبد الله بن المغفل. وكان ابن ثمان سنين أو نحوها وقت وفاة النبي ﷺ ، وتوفي زمن الزبير (١). والحديث صحيح، أخرجه البخاري (٢) عن موسى بن إسماعيل عن وهب عن أيوب، ومسلم (٣) من وجه آخر عن أيوب. وقوله: "من قتل نفسه بشيء عذب به" مفسر في غير هذِه الرواية، فعن الأعمش في "الصحيحين" (٤) عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بسمٍّ فسمه في يده في جهنم يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا، ومن تردى من جبل فهو يتردى في جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا". وفيه ما يبين أنه كما يحرم قتل المؤمن لحقه يحرم قتله لحق الله تعالى، ولذلك حرم عليه أن يقتل نفسه كما حرم على غيره أن يقتله.
следующие страницы →