← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123510

شرح مسند الشافعي

الرافعي

Полный текст (1 876 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

يقتلونني وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد (إسلام) (١) أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس" فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا أحببت بديني هذا بدلًا بعد أن هداني الله، وما قتلت نفسًا، علام يريد هؤلاء قتلي؟! وأورد [صاحبا] (٢) "الصحيحين" الحديث من رواية عبد الله بن مسعود على ما قدمنا، واللفظ "لا يحل دم رجل يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة". وقوله: "إلا بإحدى ثلاث" أي: ثلاث خصال أو نحوها. وقوله: "أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس" بيان لإحدى الثلاث، ولو قال: وزنا وقتل نفس لأفاد وكان بيانًا للثلاث. والحديث الثاني قد سبق ذكره أيضًا (٣)، وأورده مسلم من رواية الأعمش، وقد رواه الأعمش عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله وعن أبي صالح عن أبي هريرة، واللفظ: "منعوا مني دماءهم". وقد يستدل بالحديث الأول من يقول بأن تارك الصلاة لا يقتل، لكن الخبر الثاني يبين أن العصمة مشروطة بالمحافظة على الحقوق، حيث قال: "إلا بحقها" والصلاة من حقوقها، وقد روى البخاري في "الصحيح" (٤) عن عبد الله بن محمَّد المسندي، عن حرميّ بن عمارة، عن شعبة، عن واقد بن محمَّد، عن أبيه، عن ابن عمرة أن

стр. 1262

رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإِسلام وحسابهم على الله". وأورد مسلم (١) نحوًا منه عن أبي غسان، عن عبد الملك بن الصباح، عن شعبة. واحتجاج عثمان ﵁ بالحديث الأول يدل على جواز الاحتجاج بما ترك ظاهره في غير موضع الترك، وباللفظية المقتضية للانحصار وإن علم بتثبيت الانحصار؛ وذلك لأن حل الدم ثابت في قاطع الطريق وفي الصائل والباغي وغيرهم على خلاف قضية الظاهر. الأصل [٩٦٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا يحيى بن حسان، عن الليث، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، عن المقداد أنه أخبره أنه قال: يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله ﷺ : "لا تقتله" فقلت: يا رسول الله إنه قطع يدي، ثم قال ذلك بعد أن قطعها أفأقتله؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال" (٢). الشرح عبيد الله بن عدي بن الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف

стр. 1263

المديني القرشي، من فقهاء قريش. روى عن: عثمان بن عفان، والمقداد بن الأسود. وروى عنه: عروة، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وعطاء بن يزيد الليثي. مات زمن الوليد بن عبد الملك (١). والحديث مودع في "كتاب البخاري" (٢) من رواية الزهري، ورواه مسلم (٣) وأبو داود (٤) عن قتيبة عن الليث. وقوله: "فقال: أسلمت لله ... إلى آخره" يقتضي صيرورته مؤمنًا بهذِه الكلمة، وقد قال الحليمي في "المنهاج": إذا قال الكافر: آمنت بالله أو أسلمت لله، ينظر إن لم يكن على دين من قبل صار مؤمنًا بالله، وإن كان يشرك بالله غيره لم يكن مؤمنًا حتى يقول: آمنت بالله وحده أو أسلمت وكفرت بما كنت أشرك به. وقوله: "إنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال" يحمله الذين يُكَفِّرُون بالكبائر على أن بقتله يصير بمنزلته في الكفر، قال أبو سليمان الخطابي: وهو تنزيل فاسد، والمعنى: أنك بمنزلته في إباحة الدم؛ فإنه كان مباح الدم بالكفر فإذا قتله قاتل بعدما أسلم كان القاتل مباح الدم نحو القصاص، ويروى هذا عن الشافعي ﵁. والحديث يدل على أنه لا شيء عليه بقطع اليد في الكفر، وعلى أنه إذا تكلم الكافر بكلمة الإيمان يجب التوقف عن قتله وإن وقع ذلك

стр. 1264

في حالة الخوف وقدرة المؤمن عليه؛ لأن اللياذ بالشجرة يشعر بكونه مغلوبًا، وفي "الصحيحين" (١) من رواية أبي ظبيان حصين بن جندب، عن أسامة بن زيد ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ سرية إلى الحرقات فنذروا بنا فهربوا فأدركنا رجلًا، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فضربناه حتى قتلناه، فعرض في نفسي شيء (٢) من ذلك فذكرته لرسول الله ﷺ [فقال] (٣) "من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ " فقلت: يا رسول الله إنما قالها مخافة السلاح والقتل، فقال: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم قال من أجل ذلك أم لا؟! من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة" قال: فما زال يقول حتى وددت أني لم أسلم إلا يومئذ. وهذا الحديث واللذان قبله [رواها] (٤) الشافعي في "الأم" قاصدًا بها الاحتجاج على تحريم قتل المؤمن من جهة السنة. الأصل [٩٦٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن ثابت بن الضحاك أن رسول الله ﷺ قال: "من قتل نفسه بشيء (٥) في الدنيا عذب به يوم القيامة" (٦).

стр. 1265

الشرح ثابت: هو ابن الضحاك بن أمية بن ثعلبة بن جشم بن مالك بن سالم بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري، وهو أخو أبي جبيرة بن الضحاك. سمع: النبي ﷺ ، وعد في أصحاب الشجرة. روى عنه: أبو قلابة، وعبد الله بن المغفل. وكان ابن ثمان سنين أو نحوها وقت وفاة النبي ﷺ ، وتوفي زمن الزبير (١). والحديث صحيح، أخرجه البخاري (٢) عن موسى بن إسماعيل عن وهب عن أيوب، ومسلم (٣) من وجه آخر عن أيوب. وقوله: "من قتل نفسه بشيء عذب به" مفسر في غير هذِه الرواية، فعن الأعمش في "الصحيحين" (٤) عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بسمٍّ فسمه في يده في جهنم يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا، ومن تردى من جبل فهو يتردى في جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا". وفيه ما يبين أنه كما يحرم قتل المؤمن لحقه يحرم قتله لحق الله تعالى، ولذلك حرم عليه أن يقتل نفسه كما حرم على غيره أن يقتله.

стр. 1266

الأصل [٩٦٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جده قال: وجد في قائم سيف رسول الله ﷺ كتاب أن (أعد) (١) الناس على الله تعالى القاتل غير قاتله، والضارب غير ضاربه، ومن تولى غير مواليه فقد كفر [بما أنزل] (٢) الله تعالى على محمَّد ﷺ (٣). [٩٦٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن محمَّد بن إسحاق قال: قلت لأبي جعفر محمَّد بن علي: ما كان الصحيفة التي كانت في قراب رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان فيها: لعن الله القاتل غير قاتله، والضارب غير ضاربه، ومن تولى غير ولي نعمته فقد كفر بما أنزل على محمَّد ﷺ . [٩٦٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم أو عن عيسى بن أبي ليلى، عن ابن أبي ليلى قال: قال رسول الله ﷺ : "من اعتبط مؤمنًا بقتل فهو قود يده إلا أن يرضى ولي المقتول، فمن حال دونه فعليه لعنة الله وغضبه، لا يقبل منه صرف ولا عدل" (٤). [٩٦٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن عبد الملك بن سعيد بن أبجر، عن إياد بن لقيط، عن أبي رمثة قال: دخلت مع أبي على رسول الله ﷺ ، فرأى أبي الذي بظهر رسول الله ﷺ فقال: دعني أعالج الذي بظهرك فإني طبيب، فقال: "أنت رفيق".

стр. 1267

[وقال [(١) رسول الله ﷺ "من هذا معك؟ " قال: ابني أشهد به. فقال: "أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه" (٢). الشرح وعبد الملك: هو ابن سعيد بن حيان بن أبجر الكناني، ويقال: الهمداني الكوفي. سمع: الشعبي، وواصل بن حيان، وطلحة بن مصرف، وأبا الطفيل. وروى عنه: ابنه عبد الرحمن بن عبد الملك، وسفيان بن عيينة، و [عبيد الله] (٣) الأشجعي، وزهير بن معاوية (٤). وإياد بن لقيط: هو السدوسي الكوفي. روى عن: البراء. روى عنه: الثوري، ومسعر، وابنه عبيد الله الكوفي (٥). وأبو رمثة: هو رفاعة بن يثربي التيمي، يعد في أهل الكوفة. ويقال: هو يثربي بن عوف، ويقال: هو عمارة بن يثربي، ويقال: اسمه خشخاش.

стр. 1268

روى عنه: إياد بن لقيط، وثابت بن منقذ (١). وقوله: "وجد في قائم سيف رسول الله ﷺ " وفي الرواية الثانية: "في الصحيفة التي كانت في قراب رسول الله ﷺ " لا تنافي بينهما؛ فإن القراب وعاء يجعل فيه راكب البعير سيفه مغمدًا وقد يحمل فيه سوطه وبعض زاده، ويشبه أن تكون الصحيفة المذكورة هي التي سبق ذكرها من رواية أبي جحيفة عن علي ﵁. وقوله: "إن (أعد) (٢) الناس" أي: أظلم وأشد عدوانًا، وفي رواية أبي شريح الخزاعي عن النبي ﷺ : "أعتى الناس على الله تعالى من قتل غير قاتله" (٣) وهو من العتو، وعن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أنها قالت: وجد في قائم سيف رسول الله ﷺ كتابان أن أشد الناس عتوًّا الرجل ضرب غير ضاربه، والرجل قتل غير قاتله، ورجل تولى غير أهل نعمته (٤). والمقصود أن القود يتعلق بالقاتل ولا يجوز بسبب القتل التعرض لغير القاتل من أقربائه وذويه، وكانوا يفعلون ذلك تعديًّا، وقد روي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِف في الْقَتْلِ﴾: لا يقتل اثنين بواحد (٥). وعن زيد بن أسلم أن السرف أن يقتل غير قاتله.

стр. 1269

وكانوا في الجاهلية إذا قتل رجلًا شريفًا رجل غير شريف لم يرضوا بقتله، بل قتلوا مكانه شريفًا من قومه. ولا يجوز أن يتولى الرجل غير مواليه كما لا يجوز أن ينتسب إلى غير أبيه. وحديث ابن أبي ليلى مرسل، وعن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو ابن حزم، عن أبيه، عن جده عن النبي ﷺ أنه كتب معناه إلى أهل اليمن (١). وقوله: "من اعتبط مؤمنًا بقتل" أي: تعمد قتله بلا سبب، يقال: عبطت الناقة واعتبطتها: إذا ذبحتها وليست بها علة، وعبطته الداهية، أي: نالته، والعبط: الكذب الصراح من غير عذر، ومات فلان عبطة أي: صحيحًا شابًا. وقوله: "فهو قود يده" أي: يقاد منه بجناية يده، ويروى "فهو قود به". وقوله: "لا يقبل منه صرف ولا عدل" قيل: الصرف: التوبة، وقيل: الحيلة، وقيل: الفريضة. والعدل قيل: هو الفداء، وقيل: الفريضة. وحديث أبي رمثة (٢) رواه يونس عن عبد الأعلى عن ابن عيينة بإسناده، وقال: أتيت مع أبي النبي ﷺ فرأى الذي في ظهره، فقال له أبي: دعني أبطها فإني طبيب، فقال النبي ﷺ : "أنت رفيق والله الطبيب، من هذا معك؟ " قال: ابني، أشهد به. قال: "أما إنه لا يجني

стр. 1270

عليك ولا تجني عليه". والمعنى أن جناية كل واحد منكما تختص به فلا يؤاخذ أحدكما بجناية الآخر مع ما بينكما من القرب والمشابهة، ويوضحه ما في رواية عبد الله بن إياد عن أبيه عن أبي رمثة قال: أتيت رسول الله ﷺ مع أبي فتلقانا رسول الله ﷺ في طريقه، فقال لي: يا بني هل تدري من هذا المقبل؟ لا، قال: هذا رسول الله ﷺ ، فاقشعررت حين قال ذلك، وذلك أني ظننت أنه لا يشبه الناس، فسلم عليه أبي فرد ﵇، ثم قال: "ابنك هذا"؟ قال: إي ورب الكعبة، فتبسم ﷺ من ثَبْت شَبَهِي بأبي ومِن حَلِفِ أبي علي، ثم قال: "أما إنه لا يجنى عليك ولا تجني عليه" ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. الأصل [٩٦٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ [قال] (١) "ألا إن في قتيل العمد الخطأ بالسوط والعصا مائة من الإبل مغلظة منها أربعون خلفة في بطونها أولادها" (٢). [٩٦٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا الثقفي، عن خالد الحذاء، عن القاسم بن ربيعة، عن عقبة بن أوس، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ مثله" (٣).

стр. 1271

الشرح القاسم: هو ابن ربيعة بن جوشن الغطفاني. روى عن: عبد الرحمن بن عوف، وابن عمر. وروى عنه: خالد الحذاء، وأيوب، وقتادة، وعلي بن زيد. ويروى عن الحسن أنه كان إذا سئل عن شيء من أمر النسب قال [عليكم] (١) بالقاسم بن ربيعة (٢). وعقبة: هو ابن أوس السدوسي، وقد يقال: يعقوب بن أوس، يعد في البصريين. روى عن: عبد الله بن عمرو. يروي عنه: القاسم بن ربيعة. وعن العباس بن محمَّد عن يحيى بن معين أنه قال: يعقوب بن أوس وعقبة بن أوس واحد (٣). وحديث علي بن زيد أخرجه أبو داود (٤) عن مسدد عن عبد الوارث عنه، وابن ماجه (٥) عن عبد الله بن محمَّد الزهري عن سفيان بن عيينة. قال أبو داود: ورواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يعقوب السدوسي، عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ .

стр. 1272

وذكر الحفاظ أن علي بن زيد كان يخلط فيه والحديث حديث خالد الحذاء، وتمامه ما رواه أبو داود في "السنن" (١) عن مسدد عن حماد بن زيد، عن خالد عن [القاسم بن] (٢) ربيعة، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ خطب يوم الفتح بمكة فكبر ثلاثًا ثم قال: "لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا إن كل مأثرة كانت في الجاهلية تذكر وتدعى من دم أو مال تحت قدمي هاتين إلا ما كان من سقاية الحاج وسدانة البيت" ثم قال: "ألا إن دية الخطأ شبة العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها". والمآثر: التي تؤثر وتذكر من المكارم والمفاخر. والمقصود من قوله: "تحت قدمي" إبطالها وإسقاطها. وسدانة البيت: خدمته والقيام بأموره، وكانت الحجابة في الجاهلية في بني عبد الدار، والسقاية في بني هاشم فأقرهما رسول الله ﷺ فصار بنو شيبة يحجبون البيت، وبنو العباس يسقون الحجيج. والحديث يدل على إثبات شبه العمد خلافًا لقول من صار إلى أنه ليس إلا العمد المحض أو الخطأ المحض، ويروى هذا [عن] (٣) مالك، وعلى أن الديه تكون مغلظة تارة ومخففة، وعلى أن الحمل يضبط ويعرف حيث قال: "أربعون خلفة في بطونها أولادها"، والخلفة:

стр. 1273

الناقة الحامل. وقوله: "في بطونها أولادها" تفسير الخلفة والجمع [الخلفات] (١) وذكر أنه يقال لها: خلفة إلى [أن] (٢) يمضي نصف أمد حملها ثم هي عشراء، وقيل: اسم الخلفة يقع على الحامل وعلى التي ولدت وولدها تبيعها، فقصد بقوله: "في بطونها أولادها" تبيين أن الواجب الحامل. ولم يصف في الحديث السنين الواجبة مع الخلفات، وذكر الشافعي أنه تجب ثلاثون حقة وثلاثون جذعة، ويروى ذلك عن مجاهد عن عمر ﵁، وروي عن زيد بن ثابت والمغيرة بن شعبة وأبي موسى الأشعري أنهم قالوا: الدية المغلظة ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون ثنية خلفة. وعند أبي حنيفة وأحمد: دية شبة العمد أرباع بنات مخاض وبنات لبون وحقاق وجذاع، ويروى ذلك عن ابن مسعود ﵁. وقال أبو سليمان الخطابي (٣): يشبه أن يكون الشافعي إنما جعل الدية في العمد [أثلاثًا بهذا الحديث، وذلك أنه ليس في العمد] (٤) حديث مفسر والعمد أولى بالتغليظ من شبه العمد فحمل عليه، قال: وقد يستدل بالحديث على جواز السلم في الحيوان مؤجلًا؛ لأن الإبل تلزم العاقلة في ثلاث سنين. وقوله: "ألا إن في قتيل العمد الخطأ بالسوط أو العصا" كالتمثيل

стр. 1274

للقتل الخطأ، وقد قال الفقهاء في تفسير العمد الخطأ: هو أن يضربه عمدًا بما لا يموت الشخص منه غالبًا فمات منه كالسوط أو العصا. وقوله: "عن عقبة بن أوس عن رجل من أصحاب النبي ﷺ " قد ذكرنا من قبل ما بين أن ذلك الرجل عبد الله بن عمرو، والله [أعلم] (١). الأصل [٩٧٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا معاذ بن موسى، عن بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، قال مقاتل: أخذت هذا التفسير عن نفر حفظ معاذ منهم: مجاهدًا والحسن والضحاك بن مزاحم في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية. قال: كتب على أهل التوراه: من قتل نفسًا بغير نفس حق أن يقاد بها ولا يعفى عنه ولا تقبل منه الدية، وفرض على أهل الإنجيل أن يعفى عنه ولا يقتل، ورخص لأمة محمَّد ﷺ -إن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية وإن شاء عفا، فذلك قوله: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ يقول: الدية تخفيف من الله إذ جعل الدية ولا يقتل، ثم قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يقول: من قتل بعد أخذه الدية فله عذاب أليم، وقال في قوله: ﴿وَلَكُمْ في الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ يقول: لكم في القصاص حياة ينتهي بها بعضكم عن بعض مخافة أن يقتل (٢). [٩٧١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان بن عيينة، أبنا عمرو بن دينار قال: سمعت مجاهدًا يقول: سمعت ابن عباس يقول: كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية، فقال الله تعالى لهذِه الأمة:

стр. 1275

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ في الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ قال: العفو أن تقبل الدية في العمد ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ مما كتب على من كان قبلكم ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١). الشرح معاذ بن موسى: هو أبو سعيد الجعفري الخراساني، مذكور في شيوخ الشافعي ﵁. يروي عن: بكير بن معروف (٢). وبكير: أبو معاذ قاضي نيسابور. يروي عن: يحيى بن سعيد الأنصاري، وأبي حنيفة، ومقاتل بن حيان. روى عنه: عبدان بن عثمان، وحفص بن عبد الله النيسابوري. وذكر الحاكم أبو عبد الله في "التاريخ" أنه قرأ في بعض الكتب أنه توفي سنة ثلاث وستين ومائة، وأن أبا بكر محمَّد بن أحمد بن بالويه حدثه: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل، سمعت أبي يقول: بكير بن معروف قاضي نيسابور ذاهب الحديث، وفي "تاريخ البخاري" (٣): قال أحمد: ما أرى به بأسًا (٤). ومقاتل بن حيان: هو أبو بساط مولى بكر بن وائل، ويقال: مولى

стр. 1276

تيم الله، ويقال: مولى بني شيبان. كان يقيم ببلخ، ويقال له: النبطي. روى عنه: علقمة بن مرثد. وسمع: مسلم بن هيصم (١). والضحاك بن مزاحم: هو أبو القاسم الهلالي، ويقال: أبو محمَّد، كان يقيم بسمرقند وبلخ، توفي سنة اثنتين ومائة، وقيل: سنة خمس (٢). وأورد الشافعي الأثر في تفسير الآية لبيان تعلق القصاص بالقتل العمد، ويخير الولي بين القصاص والدية. والأثر [عن] (٣) ابن عباس أورده البخاري في "الصحيح" (٤) عن قتيبة عن سفيان. وقد نقل علماء التفسير أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ في الْقَتْلَى﴾ الآية نزلت في حيّين أحدهما أشرف من الآخر، فقتل الأوضع قتلى من الأشرف، فقال الأشرف: لنقتلن الحر بالعبد ... (٥) وأيضًا بحقن الجراح وأمر برعاية المماثلة، فعم قتل الذكر بالأنثى لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. روي عن ابن شهاب أنه قال: "لما نزلت هذِه الآية أقيدت المرأة

стр. 1277

من الرجل" (١). قال ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم" (٢). وروي [في] (٣). كتاب رسول الله ﷺ الذي بعث به إلى أهل اليمن مع عمرو بن حزم: وأن الرجل يقتل بالمرأة (٤). وقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ أي ترك، وهو أن [يعفو] (٥) الولي أو بعض الأولياء عن القود ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: على العافي أن يتبع القاتل بالمعروف وهو أن يطالبه بالمال من غير تشديد وأذى ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ أي: على المعفو عنه أن يؤدي المال من غير مطل وتسويف، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: التخيير بين القصاص والدم والعفو، ولم يكن ذلك إلا لهذِه الأمة. وقوله: "إذ جعل الدية ولا يقتل" أي: شرعها وأوجبها فتؤخذ. ولا يقتل القاتل، ولو روي: "فلا تقتل" لكان أوضح، والمقصود من باقي الأثر ظاهر. الأصل [٩٧٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا محمَّد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، فلا يحل لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرًا، فإن

стр. 1278

ارتخص أحد فقال: أحلت لرسول الله ﷺ ؛ فإن الله أحلها لي ولم يحلها للناس، وإنما أحلت لي ساعة من النهار، ثم هي حرام كحرمتها بالأمس، ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله [عاقله] (١)، من قتل بعده قتيلًا فأهله بين خيرتين، إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل" (٢). الشرح أبو شريح الكعبي: هو خويلد بن عمرو، ويقال له: الخزاعي أيضًا، وذكر أن كعبًا من خزاعة من صحابة الحجاز. روى عنه: سعيد المقبري، ونافع بن جبير، وسفيان بن أبي العوجاء، وعطاء بن يزيد الليثي. توفي بالمدينة سنة ثمان وستين (٣). والحديث صحيح، أخرجه الشيخان (٤) عن قتيبة عن الليث عن سعيد المقبري، وليس في روايتهما ذكر قتيل خزاعة، وأخرجاه من رواية أبي هريرة (٥) وفيها ذكر قتيل خزاعة وزيادة وهي أنه قام أبو شاة رجل من اليمن فقال: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال ﷺ : "اكتبوا لأبي شاة" يريد: هذِه الخطبة، وأورد أبو داود (٦) في باب الديات من "السنن" ذكر قتيل خزاعة خاصة عن مسدد عن يحيى بن سعيد، عن ابن أبي ذئب.

стр. 1279

وقوله: "فلا يحل لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا" ظاهره يقتضي تحريم سفك الدم وإن كان حلالًا خارج الحرم، ومن العلماء من قال: من ارتكب خارج الحرم ما يوجب القتل ثم التجأ إلى الحرم جاز قتله فيه؛ لما روي عن النبي ﷺ "أن [الحرم] (١) لا يعيذ عاصيًا ولا فارًّا بدم، ولا فارًّا بحزبة" وبه قال الشافعي. وقوله: "ولا يعضد بها شجرًا" أي: يقطعه، والعضد: القطع، وظاهر اللفظ يقتضي التسوية بين ما ينبت بنفسه كالطرفاء والآراك، وبين ما يغرسه الآدميون كالأشجار المثمرة والخلاف (٢) والصنوبر، وهذا أظهر قول الشافعي ﵁، وله قول آخر: وهو أن التحريم يختص بقطع ما ينبت بنفسه، كما أن المحرم ممنوع عن قتل الصيد دون ذبح الغنم والحيوانات الإنسية. وقوله: "فإن ارتخص أحد ... إلى آخره" يشير إلى أن الأصل في الأحكام التعميم إلى أن يعرف خلافه، وبين أن الإحلال مختص به. وقوله: "إنما أحلت لي ساعة من النهار" أراد به ساعة الفتح، ثم قيل: أبيح له إراقة الدم فيها دون الصيد وقطع الشجر، واستدل به من ذهب إلى أن مكة فتحت عنوة لا صلحًا، وقيل: أبيح له أن يدخلها من غير إحرام وقد دخلها ﷺ وعليه عمامة سوداء. وقوله: "ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل" في رواية أبي هريرة "أن خزاعة قتلوا رجلًا من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه" كذلك رواه شيبان وحرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير عن أبي

стр. 1280

سلمة عن أبي هريرة، وفي رواية الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: لما فتحت مكة [قتلت] (١) هذيل رجلًا من بني ليث [بقتيل] (٢) في الجاهلية. وقوله: "وأنا والله عاقله" يقال: عقلت فلانًا إذا أعطيت ديته، وعقلت عن فلان إذا لزمته دية فأعطيتها عنه. وفي الحديث دليل على أن ولي الدم بالخيار بين أن يقتص وبين أن يأخذ الدية، ويروى هذا عن ابن عباس وسعيد بن سعيد والشعبي وابن سيرين وعطاء، وبه قال الشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة ومالك: ليس له إلا القصاص فإن تركه فلا دية له إلا برضا القاتل. واحتج بقوله: "فأهله بين خيرتين" على أن القصاص يثبت لأهله جميعًا الرجال والنساء، وبقوله: "إن أحبوا قتلوا" على أنه يعتبر اجتماعهم على القتل وليس لبعضهم الانفراد إذا كان الباقون غيبًا أو أطفالًا، واحتج بإثبات التخيير على أنه إذا مات القاتل كان للولي أخذ المال من تركته، وقال أبو حنيفة: إذا مات لم يبق للولي شيء. الأصل [٩٧٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب؛ أن عمر بن الخطاب قتل نفرًا خمسة أو سبعة برجل قتلوه غيلة.

стр. 1281

وقال عمر ﵁: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا (١). الشرح أورد البخاري الأثر في "الصحيح" فقال: وقال لي ابن بشار أبنا يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أن غلامًا قتل غيلة، فقال عمر ﵁: لو اشترك فيها أهل صنعاء لقتلتهم. قال: وقال مغيرة بن حكيم عن أبيه أن أربعة قتلوا صبيًّا فقال عمر مثله (٢). والنفر: ما بين الثلاثة إلى العشرة، والنفر: رهط الرجل الذين ينصرونه، والغيلة: الاغتيال، يقال: قتله غيلة وهو أن يخدعه فيذهب به إلى موضع فإذا صار إليه قتله، وتمالئوا على الأمر: اجتمعوا عليه وتعاونوا، ومالأته على الأمر، أي: ساعدته عليه. وسبب ذكر أهل صنعاء؛ ما روى جرير بن حازم أن المغيرة بن حكيم الصنعاني حدثه [عن] (٣) أبيه أن امرأة بصنعاء غاب عنها زوجها وترك في حجرها ابنا له من غيرها وهو غلام [يقال] (٤) له أصيل، فاتخذت المرأة بعد زوجها خليلًا، فقالت له: إن هذا الغلام يفضحنا فاقتله فأبى، فامتنعت منه فطاوعها، واجتمع على قتله الرجل ورجل آخر والمرأة وخادمها فقتلوه ثم قطعوه أعضاءً وجعلوه في عيبة (٥) من أدم فطرحوه في ركيّة (٦) ليس فيها ماء، ثم صاحت المرأة فاجتمع

стр. 1282

[الناس] (١) فخرجوا يطلبون الغلام، قال: فمر رجل بالركية فخرج منها الذباب الأخضر، فقلنا: والله إن في هذه لجيفة ومعنا خليلها، فأخذته رعدة فذهبنا به وحبسناه، وأرسلنا رجلًا فأخرج الغلام واعترفت المرأة والرجل والرجل الآخر والخادم، فكتب يعلى وهو يومئذٍ أمير لشأنهم، فكتب إليه عمر بقتلهم، وقال: والله لو أن أهل صنعاء شركوا في قتله لقتلتهم أجمعين (٢). والمقصود أن الجماعة يقتلون بالواحد، ويروى ذلك عن علي والمغيرة بن شعبة أيضًا ﵄، وبه قال سعيد بن المسيب والشعبي وأبو سلمة بن عبد الرحمن والحسن البصري. وكما تقتل الجماعة بالواحد يقاد منهم إذا قطعوا يد واحد، روي عن الشعبي أن رجلين أتيا عليًّا ﵁ فشهدا على رجل أنه سرق فقطع علي يده، ثم أتيا بآخر فقالا: هذا الذي سرق وأخطأنا على الأول، فلم يجز شهادتهما على الآخر وغرمهما دية الأول، وقال: لو أعلمكما تعمدتما لقطعتكما (٣). الأصل [٩٧٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم، عن ابن جريج، أظنه عن عطاء، عن صفوان بن يعلى بن أمية، عن يعلى بن أمية قال: غزوت مع النبي ﷺ غزوة، قال: وكان يعلى يقول: وكانت تلك الغزوة أوثق عملي في نفسي.

стр. 1283

قال عطاء: قال صفوان: قال يعلى: كان لي أجير فقاتل إنسانًا فعض أحدهما يد الآخر، فانتزع المعضوض يده من فيّ العاض فذهبت إحدى ثنيتيه، فأتى النبي ﷺ فأهدر ثنيته. قال عطاء: فحسبت أنه قال: قال النبي ﷺ : "أيدع يده في فيك تقضمها كأنها في فيّ فحل يقضمها". قال عطاء: وأخبرني صفوان أيهما عض فنسيته (١). [٩٧٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم، عن ابن جريج، أن ابن أبي مليكة أخبره [أن أباه أخبره (٢)] أن إنسانًا جاء إلى أبي بكر الصديق ﵁ وعضه إنسان فانتزع يده منه فذهبت ثنيته، فقال أبو بكر: بعدت ثنيته (٣). الشرح حديث يعلى صحيح، أخرجه البخاري (٤) عن أبي عاصم، عن ابن جريج عن عطاء بلا تمثل، وأخرجه مسلم (٥) من وجه آخر عن ابن جريج، وروى البخاري (٦) القصة أيضًا عن آدم بن أبي إياس عن شعبة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن عمران بن حصين، وأورده مسلم (٧) من حديث غندر عن شعبة.

стр. 1284

وقوله: "كان لي أجير" أي: في تلك الغزوة. والقضم: قطع طرف الشيء بالأسنان، والغزوة التي ذكرها يعلى في الحديث كانت غزوة العسرة. ومهما عض إنسان يد غيره أو عضوًا آخر من أعضائه فللمعضوض يده فك لحييه والضرب في شدقه ليوسل، فإن نزع يده فسقطت ثنيته فلا شيء على المعضوض؛ لأن العاض متعدٍّ والمعضوض دافع، وأورد الشافعي الحديث في "الأم" (١) في هذا الموضع في باب ترجمه بـ "ما يسقط القصاص من العمد". الأصل [٩٧٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي أبنا مالك، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة أن سعدًا قال: يا رسول الله أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلًا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم" (٢). الشرح سعد هذا: هو سعد بن عبادة الأنصاري. والحديث صحيح أخرجه مسلم (٣) من رواية مالك، وروى عن قتيبة عن عبد العزيز بن محمَّد عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة أن سعد بن عبادة الأنصاري قال: يا رسول الله الرجل يجد مع امرأته رجلًا أيقتله؟ قال رسول الله ﷺ : "لا"، قال سعد: بلى والذي أكرمك بالحق،

стр. 1285

فقال رسول الله ﷺ : "اسمعوا إلى ما يقول سيدكم". ورواه أبو داود في "السنن" (١) عن قتيبة وعبد الوهاب بن نجدة عن عبد العزيز. ومن وجد رجلًا يقصد امرأته أو غيرها بالفجور فعليه دفعه، فإن لم يمكنه [الدفع] (٢) إلا بقتله حل له قتله ولا شيء عليه، لكن لو نازعه الوارث في أنه قتله لذلك فعليه البينة، فإن لم تكن بينة حلف واستحق القصاص على ما دل عليه الحديث. قال أبو سليمان الخطابي: يشبه أن تكون مراجعة سعد النبي ﷺ طمعًا في الرخصة، فلما أبى ذلك النبي ﷺ وأنكر عليه سكت سعد وانقاد. وروي عن علي ﵁ أنه قال: إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته (٣). والرمة: الحبل، أي: دفع إليه مقيدًا ليستوفى منه القود. وعن عمر بن الخطاب أنه أهدر دمه ولم ير فيه قصاصًا. الأصل [٩٧٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل؛ أن رسول الله ﷺ قال: "ومن قتل دون ماله فهو شهيد" (٤). الشرح طلحة: هو ابن عبد الله بن عوف بن عبد عوف أبو عبد الله القرشي

стр. 1286

الزهري ابن أخي عبد الرحمن بن عوف، من الفقهاء، وكان يقال له من كرمه: طلحة الندى. سمع: أبا هريرة، وابن عباس، وروى عن: عبد الرحمن بن عوف، وعثمان. وروى عنه: الزهري، وسعد بن إبراهيم. مات سنة تسع وتسعين (١). وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أبو الأعور العدوي، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وجده عمرو والخطاب والد عمر ﵁ كانا أخوين لأب وهما بنا نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط ابن رزاح بن عدي لم يشهد بدرًا لغيبته وضرب له رسول الله ﷺ بسهمه. روى عنه: عمرو بن حريث، وعروة، وقيس بن أبي حازم، وغيرهم. وتوفي بالعقيق سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة اثنتين، وحمل على أعناق الرجال فدفن بالبقيع (٢). والحديث ثابت مخرج في "صحيح البخاري" (٣) من رواية عكرمة عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ ، وفي "صحيح مسلم" (٤) من رواية ثابت مولى عمر بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو، وأورده أبو عبد الرحمن النسائي (٥) وغيره من حديث سعيد بن زيد، وفي

стр. 1287

بعض الروايات عنه: "من قتل دون أهله، أو دون دمه أو دون دينه فهو شهيد". وفي الباب عن أبي هريرة. وفيه دليل على جواز الدفع عن النفس والأهل والمال، وعلى أنه لو قتل في الدفع نال درجة الشهداء. الأصل [٩٧٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "لو أن امرءًا اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح" (١). [٩٧٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، أبنا الزهري قال: سمعت سهل بن سعد يقول: اطلع رجل من جحر في حجرة النبي ﷺ ومع النبي ﷺ مدري يحك به رأسه، فقال النبي ﷺ : "لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر" (٢). [٩٨٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا الثقفي، عن حميد، عن أنس أن رسول الله ﷺ كان في بيته رأى رجلًا اطلع عليه، فأهوى له بمشقص في [يده] (٣) حتى كأنه لو لم يتأخر لم يبال أن يطعنه (٤). الشرح حديث أبي هريرة رواه البخاري في "الصحيح" (٥) عن علي،

стр. 1288

ومسلم (١) عن ابن أبي [عمر] (٢) بروايتهما عن سفيان. وحديث سهل رواه البخاري (٣) عن علي، ومسلم (٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن سفيان، ورواه البخاري أيضًا عن قتيبة عن الليث عن الزهري، ومسلم من وجه آخر عن معمر عن الزهري. وحديث أنس رواه البخاري (٥) عن أبي النعمان، ومسلم (٦) عن يحيى بن يحيى وغيره عن حماد بن زيد عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس عن أنس. وقوله: "فخذفته" رواه بعضهم بالحاء المهملة والأشهر الخاء، والخذف: أن يرمي بين السبابتين أو بين الإبهام والسبابة بحصاة أو نواة. والمدري والمدراة: حديدة تصلح بها الماشطة الشعر، وقيل: هي مجموع أعواد محددة كالمشط. والمشقص: نصل السهم الطويل غير العريض، وقيل: هو الطويل العريض. وقوله: "لو أعلم أن تنظر" في بعض الروايات "أنك تنظر" وفي بعضها "أنك تنظرني" وهي صحيحة، وتروى "أنك تنتظرني" (٧) وليس بواضح المعنى.

стр. 1289

ومن نظر في صير (١) باب غيره أو من كوة في الدار بغير إذنه فلصاحب الدار دفعه في حصاة (٢) ونحوها إلى عينه، وإن ذهبت عينه فيه فلا ضمان. وهل يحتاج إلى تقديم النهي بالكلام والإنذار؟ فيه وجهان للأصحاب، وظاهر الأحاديث تدل على أنه لا حاجة إليه وينبغي أن يرمي بشيء خفيف كالمدري، ولا يرمي إليه الشيء الثقيل ولا السكين. وقوله: "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر" يريد أن الغرض من الاستئذان أن لا يقع البصر على ما لا يراد كشفه، وكذلك أمر المستأذن بأن لا يستقبل الباب إذا كان مفتوحًا، ولكن يقف عن يمين الباب أو يساره، ولو نظر الناظر من الباب وهو مفتوح أو من كوة واسعة ففي جواز رميه وجهان: أصحهما: المنع، لتقصير صاحب الدار بفتح الباب وتوسيع الكوة. الأصل [٩٨١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن [عمرو] (٣) بن شعيب أن رجلًا من بني مدلج يقال له: قتادة خذف ابنه بسيف فأصاب ساقه فنزى في جرحه فمات، فقدم سراقة بن جعشم على عمر بن الخطاب ﵁ فذكر ذلك له، فقال عمر: اعدد لي [على] (٤) قدير عشرين ومائة بعير حتى أقدم عليك، فلما قدم عمر أخذ من تلك الإبل ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفه، ثم

стр. 1290

قال: أين أخو المقتول؟ قال: ها أنا ذا، قال: خذها فإن رسول الله ﷺ قال: "ليس لقاتل شيء" (١). الشرح الحديث منقطع، لكنه روي موصولًا، فروى الحافظ الدارقطني (٢) عن ابن مخلد، عن محمَّد بن مسلم بن وارة، والإمام أبو بكر البيهقي عن الأستاذ أبي طاهر، عن علي بن إبراهيم بن معاوية النيسابوري عن ابن [وارة] (٣) قال: حدثني محمَّد بن سعيد بن سابق، أبنا عمرو يعني ابن [أبي] (٤) قيس، عن منصور يعني ابن المعتمر عن محمَّد بن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلًا من بني مدلج قتل ابنه فانطلق في نفر من قومه إلى عمر ﵁ فقال: يا عدو نفسه أنت الذي قتلت [ابنك] (٥) لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقاد الأب من ابنه" لقتلتك، هلم ديته قال: فأتاه بعشرين أو ثلاثين ومائة بعير، فاختار منها مائة فدفعها إلى ورثته وترك أباه. وقوله: "خذف ابنه بسيف أي: رماه به، يقال: خذفه بالسيف والعصا. وقوله: "فنزى في جرحه" أي: سال منه الدم حتى مات. وسراقة بن جعشم مدلجي فأتى عمر ﵁ في الواقعة لرفع

стр. 1291

الحال إليه. وقديد: موضع قريب من المدينة. وقوله: "اعدد لي على قدير عشرين ومائة بعير" أمره بإعداد هذا العدد، وعدَّ لا ليأخذ الكل بل ليختار منها السليم المجزيء على ما بين في الرواية الأخرى، وفيه ما يدل على وقوع اسم البعير على الناقة فإنه قال: "عشرين ومائة بعير" ثم قال: "أخذ من تلك الإبل ثلاثين حقه وثلاثين جذعة وأربعين خلفة". وفيه بيان أن القاتل لا يرث، وأن دية القتل العمد ثلاثون حقه وثلاثون جذعة وأربعون خلفة، وأن الأب لا يقاد منه وتؤخذ الدية، وقد روي عن الحكم بن عتيبة عن رجل يقال له: عرفجة، عن عمر بن الخطاب ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس [على] (١) الوالد قود من ولد" (٢). وعن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقام الحدود في المساجد، ولا يقاد الوالد بالولد" (٣). وخروج عمر ﵁ كأنه قصد به سهولة النظر إليها واختبارها في الصحراء، وأيضًا لم يحوجهم إلى إدخالها العمران، وفي اللفظ ما يشعر بطلبه الدية قبل أن يطالب بها مستحقوها، ولعله أراد بيان الحكم لهم أو تفخيم شأن (٤) باستيفاء الدية إذ لم يجب القصاص.

стр. 1292

الأصل [٩٨٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مروان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: لجأ قوم إلى خثعم فلما غشيهم المسلمون استعصموا بالسجود فقتلوا بعضهم، فبلغ النبي ﷺ فقال: "أعطوهم نصف العقل لصلاتهم" ثم قال عند ذلك: "ألا إني بريء من كل مسلم مع مشرك" قالوا: يا رسول الله، لم؟ قال: "لا تراءى ناراهما" (١). [٩٨٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مطرف، عن معمر، عن الزهري، عن عروة قال: كان أبو حذيفة بن اليمان شيخًا كبيرًا فرفع في الآطام مع النساء يوم أحد فخرج يتعرض للشهادة، فجاء من ناحية المشركين فابتدره المسلمون فتوشقوه بأسيافهم وحذيفة يقول: أبي أبي، فلا يسمعونه من شغل الحرب حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، فقضى النبي ﷺ بديته (٢). الشرح مروان: هو ابن معاوية الفزاري، ذكره الحافظ أبو الحسن الدارقطني في شيوخ الشافعي، ويقال له: عبد الله، كوفي سكن مكة. وسمع: الأعمش، وابن أبي خالد، وعاصمًا الأحول: مات قبل التروية بيوم سنة ثلاث وتسعين ومائة فجاءة (٣). ومطرف في شيوخه: هو مطرف بن مازن الكناني الصنعاني. روى

стр. 1293

عن: معمر، وابن جريج، ويعلى بن مقسم، وتكلم فيه بعضهم (١). وحديث قيس مرسل، لكنه روي موصولًا من رواية أبي معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس، عن جرير بن عبد الله قال: بعث رسول الله ﷺ إلى خثعم فاعتصم ناس بالسجود ... وقال: "أنا بريء من مسلم مقيم بين أظهر المشركين" (٢). وقصة والد حذيفة أورد البخاري طرفًا منها في "الصحيح" (٣) عن فروة عن علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه، وعن محمَّد بن حرب عن يحيى بن أبي زكريا الواسطي عن هشام، وعن إسحاق عن أبي أسامة عن هشام. ولمَّا روى الشافعي الحديث الأول قال (٤): إن كان هذا يثبت فأحسب النبي ﷺ -والله أعلم-[أعطى] (٥) من أعطى منهم متطوعًا، وأعلمهم أنه بريء من كل مسلم مع مشرك [في دار الشرك] (٦) ليعلمهم أن لا دية لهم ولا قود. وقال أبو سليمان الخطابي: إنما لم يكمل لهم الدية وأمر لهم بنصفها؛ لأنهم قد أعانوا على نفسهم بمقامهم بين الكفار فكانوا كمن

стр. 1294

هلك بجناية نفسه وجناية غيره. واعلم أن من قتل رجلًا في دار الحرب وهو يظنه كافرًا فبان مسلمًا فلا قصاص في قتله وتجب الكفارة، وفي الدية قولان: أصحهما: أنها لا تجب أيضًا؛ لأن دار الحرب مباحة، وكان رسول الله ﷺ يغير عليهم بعد ما بلغتهم الدعوة. وقول الشافعي: "أعطى من أعطى منهم متطوعًا" جرى على هذا القول الأصح، واحتج له بأن الله تعالى ذكر الدية والكفارة حيث قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (١)، وذكرهما أيضًا في قتل من بيننا وبينه ميثاق فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٢)، وقال فيما بينهما: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أي: في قوم عدو لكم، فذكر الكفارة ولم يذكر الدية، وكان ذلك ظاهرًا في أنه لا دية فيه. قال: ويحتمل أنه أعطى الدية قبل نزول الآية فلما نزلت قال: "أنا بريء من كل مسلم مع مشرك"، وقد يقال: إن الحكم ينفي القصاص والدية على القول الأصح فيما إذا كان المقتول على زي أهل الشرك. وفي الحديث أنهم استعصموا بالسجود والصلاة وهذا هيئة المسلمين لا ينبغي أن تنفى الدية، وقد يستدل بقوله: "أعطوهم نصف العقل لصلاتهم" على أن الكافر لا يحكم بإسلامه بسبب إتيانه بالصلاة. وقوله: "لا تراءى ناراهما" أي: لا ينزل المسلم بالموضع الذي تراءى ناره نار المشرك إذا أوقد أي: تقابله وتحاذيه، يقال: منازلهم تتراءى أي: يقابل بعضها بعضًا، وقيل: "لا تراءى ناراهما" أي: لا

стр. 1295

يتسم المسلم بسمة المشرك ولا يتشبه به في هديه وشكله ولا يتخلق بأخلاقه من قولك: ما نار نعمك، أي: ما سمتها ذكره في "الغريبين". وأما إذا قتل في غير دار الحرب من ظَنّه مشركًا فكان مسلمًا وجبت الدية، إذ ليس الغالب في أهل ذلك الموضع الشرك وعليه يدل حديث والد حذيفة. والآطام: الأبنية المرتفعة، واحدها: أطم. وقوله: "يتعرض للشهادة" أي: يطلبها ويقصد. وقوله: "فتوشقوه بأسيافهم" كأنه يريد أنهم قطعوه، من قولهم: وشقت اللحم أشقه وشقًا واتشقته إذا قطعته للتقديد، والوشيق والوشيقة: اللحم يغلى إغلاءة ثم يقدد ويحمل في الأسفار. ويقال أن حذيفة لما قضى رسول الله ﷺ بدية أبيه تصدق بها على المسلمين فزاده ذلك عند رسول الله ﷺ . الأصل [٩٨٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا يحيى بن حسان، أبنا الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قضى [في] (١) جنين امرأة من بني لحيان (سقطًا) (٢) ميتًا بغرة عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله ﷺ بأن ميراثها لبنيها وزوجها [و] (٣) العقل على عصبتها (٤).

стр. 1296

الشرح هذا حديث صحيح، رواه البخاري في "كتابه" (١) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم (٢) عن قتيبة، بروايتهما عن الليث، ورواه مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أن امرأتين من هذيل رمت احداهما الأخرى فطرحت جنينها، فقضى فيها رسول الله ﷺ بغرة عبد أو أمة (٣). [و] (٤) هذا رواه البخاري في "الصحيح" (٥) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم (٦) عن يحيى بن يحيى عن مالك، ورواه الشافعي (٧) عن مالك وقال: بغرة عبد أو وليدة. وروى مالك عن ابن شهاب عن ابن المسيب أن رسول الله ﷺ قضى في الجنين يقتل في بطن أمة بغرة عبد أو أمة، فقال الذي قضي عليه: كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل، ومثل ذلك بطل؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن هذا من إخوان الكهان" (٨). هكذا رواه الشافعي عن مالك مرسلًا، ورواه البخاري في "الصحيح" (٩) عن قتيبة عن مالك كذلك، ورواه يونس بن يزيد عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى فقتلتها وما في بطنها،

стр. 1297

فاختصموا في الدية إلى النبي ﷺ فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو أمة، وقضى بديتها على عاقلتها وورثها ولدها ومن معهم، فقال حمل بن [النابعة] (١) الهذلي: كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يُطَلُّ (٢)، فقال النبي ﷺ : "إن هذا من إخوان الكهان" من أجل سجعه الذي سجع (٣). وفي الباب عن جابر بن عبد الله وابن عباس ومحمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة، وحمل بن مالك بن النابعة؛ فروى الشافعي عن سفيان، عن عمرو بن دينار عن طاوس أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: أذكر الله امرءًا سمع من رسول الله ﷺ في الجنين شيئًا؟ [فقام] (٤) حمل بن مالك بن النابعة، فقال: كنت بين جاريتين لي فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فألقت جنينًا ميتًا، فقضى فيه رسول الله ﷺ بغرة، فقال عمر: إن عندنا أن نقضي في مثل هذا برأينا (٥). ورواية من روى "أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الآخرى ... " لا تخالف رواية من روى "أنه قضى في جنين امرأة من بني لحيان" قبيلة من هذيل، واللام من لحيان تفتح وتكسر. وقوله: "سقطًا ميتًا" كذا هو في بعض الروايات، وفي بعضها:

стр. 1298

"سقط ميتًا". وقوله: "بغرة عبد أو أمه" أكثر الرواة يضيف الغرة إلى ما بعدها، ومنهم من نون الغرة وجعل بدلًا عنها، ثم قيل: الغرة: النسمة كيف كانت وأصلها غرة الوجه، وقيل: الغرة أنفس الشيء، ويقرب منه قول من يقول أن الغرة الخيار، وعن [أبي] (١) عمرو بن العلاء أن الغرة عبد أبيض أو أمة بيضاء، وأنه لا يؤخذ في الجنين عبد أسود ولا أمة سوداء. وقوله: "و [العقل] (٢) على عصبتها" يريد دية المرأة على ما ذكرنا في رواية يونس: أنه رمت إحدى المرأتين الأخرى فقتلتها وما في بطنها ثم قال: فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو أمة، وقضى بديتها على عاقلتها. وفي الحديث بيان أن الجاني إذا مات وقد ضربت الدية على عاقلته تؤخذ منهم ويكون ماله لورثته، وفي رواية الشعبي عن جابر بن عبد الله أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى ولكل واحدة [منهما] (٣) زوج وولد، فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عاقلة القاتلة وبرأ زوجها وولدها. فقال عاقلة المقتولة: ميراثها لنا، فقال رسول الله ﷺ : "لا، ميراثها لزوجها" (٤). واحتج بقوله: "جعل دية المقتولة على عاقلة القاتلة وبرَّأ زوجها وولدها" على أن الولد ليس من العاقلة.

стр. 1299

وذكر الإِمام أبو سليمان الخطابي (١) أن قوله: "ومثل ذلك بطل" يروى على وجهين: أحدهما: بطل، على الفعل الماضي من البطلان. والثاني: يطل على الفعل الغابر من قولهم: طل دمه إذا هدر. وأن قوله: "هذا من إخوان الكهان من أجل سجعه" ليس تعييبًا بمجرد السجع وإنما عابه بالسجع في الباطل وشبهه بالكهان الذين يروجون الباطل بأسجاع تروق السامعين، فأما السجع في الحق فلا بأس به وقد تكلم به ﷺ في مواضع، والقضاء بالدية على العاقلة في الواقعة يشعر بأن القتل كان شبه عمد. وقوله في حديث حمل: "فضربت إحداهما الأخرى بمسطح" يشعر به أيضًا؛ فإن المسطح: عود من عيدان الخباء، والقتل به قريب بالعصا، لكن أبا داود روى في "السنن" (٢) عن محمَّد بن مسعود، عن أبي عاصم، عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس أن عمر ﵁ سأل عن قضية النبي في ذلك، فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله ﷺ في جنينها بغرة وأن تقتل. وهذا خلاف ما في عامة الروايات، ويذكر أن عمرو بن دينار شك فيه بعدما رواه. والله أعلم. الأصل [٩٨٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن محمَّد بن

стр. 1300

المنكدر أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إن لي مالًا وعيالًا، وإن لأبي مالًا وعيالًا وإنه يريد أن يأخذ مالي فيطعمه عياله، فقال النبي ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" (١). الشرح روى الشافعي هذا الحديث في "الرسالة" مرسلًا هكذا، ويروى موصولًا عن عبد الله بن نافع الصائغ عن المنكدر بن محمَّد عن أبيه عن جابر بن عبد الله (٢)، وروى أبو داود في "السنن" (٣) عن محمَّد بن كثير عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن عمارة بن عمير، عن عمته عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وولده من كسبه". ويروى عن عمارة بن عمير عن أمه عن عائشة (٤)، وعن أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه" (٥)، وعن يزيد بن زريع عن حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن رجلًا أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله إن لي مالًا وولدًا، وإن والدي يجتاح مالي، قال: "أنت ومالك لوالدك، إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من كسب أولادكم" أورده أبو داود في
следующие страницы →