← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123510

شرح مسند الشافعي

الرافعي

Полный текст (1 876 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

وأبوه سبرة بن معبد الجهني، وقيل: سبرة بن عوسجة بن حرملة ابن سبرة بن خديج بن مالك بن عمرو بن ذهل بن ثعلبة، يعدُّ في أهل مضر من الصحابة، ويكنى أبا ثريّة، وقيل: أبا ثلجة، وقيل: أبا سريحة (١). وحديث علي ﵁ من رواية سفيان قد سبق في الكتاب مرة من غير ذكر يوم خيبر، وهو من رواية سفيان ومالك مخرج في "الصحيحين" (٢). وحديث سبرة رواه مسلم في "الصحيح" (٣) عن زهير بن حرب وغيره عن سفيان، ورواه الحميدي عن سفيان، وقال: نهى عن نكاح المتعة عام الفتح (٤)، وفي بعض الروايات أنه نهى عنها عام حجة الوداع، وعام الفتح أثبت ورواته أكثر، وروى مسلم في "الصحيح" (٥) عن إسحاق بن إبراهيم عن يحيى بن آدم عن إبراهيم بن سعد عن عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده قال: أمرنا رسول الله ﷺ بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة، ثم لم نخرج حتى نهانا (عنه) (٦). ويوافقه ما في "الصحيح" من رواية سلمة بن الأكوع؛ أن النبي ﷺ رخص في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام ثم نهى عنها بعده (٧). وغزوة أوطاس كانت بعد الفتح بيسير، وكانا معًا في عام واحد. وقضية الأحاديث الواردة في الباب أن نكاح المتعة كان جائزًا أولًا، ثم حرم عام خيبر ثم رخص فيه ثم حرم واستمر تحريمه، وقد

стр. 1332

روي في حديث الربيع بن سبرة عن أبيه؛ أن رسول الله ﷺ نهى عن المتعة وقال: "إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة" (١). الأصل ومن كتاب الظهار واللعان [١٢٤٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، حدثني ابن شهاب، أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري فقال له: أرأيت يا عاصم لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ سل لي يا عاصم رسول الله ﷺ عن ذلك، فسأل عاصم رسول الله ﷺ عن ذلك، فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله ﷺ ، فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر [فقال: يا عاصم ماذا قال لك رسول الله ﷺ ؟ فقال عاصم لعويمر: لم تأتني بخير، قد كره رسول الله ﷺ المسألة التي سألته عنها. فقال عويمر: (٢)] والله لا أنتهي حتى أسأله عنها، فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله ﷺ وسط الناس فقال: يا رسول الله ﷺ أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال النبي ﷺ : "قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك، فاذهب فأت بها" فقال سهل بن سعد: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله

стр. 1333

- ﷺ ، فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن (أمسكها) (١) فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ . قال ابن شهاب: فكانت تلك سنة المتلاعنين (٢). [١٢٤٥] أبنا البربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد أخبره، قال: جاء عويمر العجلاني إلى عاصم بن عدي فقال: يا عاصم بن عدي سل لي رسول الله ﷺ عن رجل وجد مع امرأته رجلًا فقتله أيقتلونه أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم النبي ﷺ ، فعاب النبي [المسائل] (٣) فلقيه عويمر فقال: ما صنعت؟ قال: صنعت أنك لم تأتني بخير، سألت رسول الله ﷺ فعاب المسائل. قال عويمر: والله لآتين رسول الله ﷺ فلأسألنه، فأتاه فوجده قد أنزل عليه فيهما، فدعاهما فلاعن بينهما، فقال عويمر: لئن انطلقت بها لقد كذبت عليها ففارقها قبل أن يأمره رسول الله ﷺ ، ثم قال رسول الله ﷺ : "انظروها، فإن جاءت به أسحم أدعج عظيم الأليتين فلا أراه إلا قد صدق، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرةٌ فلا أراه إلا كاذبًا" فجاءت به على النعت المكروه. قال ابن شهاب: فصارت سنة المتلاعنين (٤). [١٢٤٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد الله بن نافع، عن ابن أبي

стр. 1334

ذئب، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد أن عويمرًا جاء إلى عاصم فقال: أرأيت رجلًا وجد [مع] (١) امرأته رجلًا فقتله أتقتلونه؟ سل لي يا عاصم رسول الله ﷺ ، فسأل النبي ﷺ ، فكره رسول الله ﷺ [المسائل] (٢) وعابها، فرجع عاصم إلى عويمر فأخبره أن النبي ﷺ [كره] (٣) المسائل وعابها، فقال عويمر: والله لآتين رسول الله ﷺ ، فجاء وقد نزل القرآن خلاف عاصم، فسأل رسول الله ﷺ فقال: "قد نزل فيكما القرآن" فتقدما فتلاعنا، ثم قال: كذبت عليها إذا (أمسكها) (٤) ففارقها وما أمره النبي ﷺ ، فمضت سنة المتلاعنين، وقال رسول الله ﷺ : "انظروها فإن جاءت به أحمر قصيرًا كأنه وحرة فلا أحسبه [إلا قد كذب عليها، وإن جاءت به أسحم أعين ذا أليتين فلا أحسبه] (٥) إلا قد صدق عليها" فجاءت به على النعت المكروه (٦). [١٢٤٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي قال: سمعت إبراهيم بن سعد يحدث، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن النبي ﷺ قال: "إن جاءت به أشقر سبطًا فهو لزوجها، وإن جاءت به أديعج فهو للذي [يتهمه] (٧). قال: فجاءت به أديعج" (٨).

стр. 1335

[١٢٤٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد أخي بني ساعدة؛ أن رجلًا من الأنصار جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت رجلًا وجد (١) مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه، أم كيف يصنع؟ فأنزل الله تعالى في شأنه ما ذكر في القرآن من أمر المتلاعنين، قال: فقال له النبي ﷺ : "قد قضي فيك وفي امرأتك" قال: فتلاعنا وأنا شاهد، ثم فارقها عند النبي ﷺ ، فكانت سنة بعدهما أن يفرق بين المتلا عنين، وكانت حاملًا فأنكرها، فكان ابنها يدعى إلى أمه (٢). [١٢٤٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن أبي الزناد، عن القاسم بن محمَّد قال: شهدت ابن عباس فحدث بحديث المتلاعنين، فقال له ابن شداد: أهي التي قال النبي ﷺ : "لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة رجمتها؟ ". قال ابن عباس: لا، تلك امرأة كانت قد أعلنت. الشرح عويمر العجلاني الأنصاري من بني عمرو بن عوف، ابن عم عاصم بن عدي. رواه عنه: عاصم، وسهل بن سعد (٣). وعاصم بن عدي بن الجد بن عجلان بن ضبيعة الأنصاري الأوسي العجلاني أخو معن بن عدي، شهد بدرًا. وروى عنه: سهل، وابنه أبو البداح بن عاصم، وكان سيد بني

стр. 1336

العجلان (١). وحديث مالك عن ابن شهاب، رواه البخاري (٢) عن عبد الله بن يوسف وابن أبي أويس، ومسلم (٣) عن يحيى، وأبو داود (٤) عن القعنبي، بروايتهم عن مالك. وحديث إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب أخرجه أبو عبد الله بن ماجه (٥) عن أبي مروان محمَّد بن عثمان عن إبراهيم. وحديث ابن أبي ذئب عن ابن شهاب أخرجه البخاري (٦) عن آدم ابن أبي إياس عن ابن أبي ذئب. وابن شداد: هو عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي. سمع: عمر بن الخطاب، وأباه. وروى عنه: الشعبي، وعكرمة بن خالد، وغيرهما (٧). وحديث ابن جريج عن ابن شهاب أخرجه البخاري (٨) عن يحيى، ومسلم (٩) عن محمَّد بن رافع، بروايتهما عن عبد الرزاق عن ابن جريج. وحديث القاسم عن ابن عباس مخرج في "الصحيحين" (١٠) بزيادات على ما في الكتاب، فروى البخاري عن سعيد بن عفير عن الليث عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن

стр. 1337

محمَّد، عن ابن عباس أنه ذكر التلاعن عند النبي ﷺ ، فقال عاصم بن عدي في ذلك قولًا ثم انصرف، فأتاه رجل من قومه يشكو إليه أنه وجد مع أهله رجلًا، فقال عاصم: ما ابتليت بهذا إلا لقولي، فذهب به إلى النبي ﷺ فأخبره بالذي وجد عليه امرأته، وكان ذلك الرجل مصفرًا قليل اللحم سبط الشعر، وكان الذي ادعى عليه أنه وجد عند أهله آدم خدلًا (١) كثير اللحم، فقال النبي ﷺ : "اللهم بينهما، فجاءت شبيهًا بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجده، فلاعن النبي ﷺ بينهما، فقال رجل لابن عباس في المجلس: هي التي قال رسول الله ﷺ : "لو رجمت أحدًا بغير بينة رجمت هذِه؟ " فقال: لا، تلك امرأة كانت تظهر في الإِسلام السوء. ويروى أنه قال: لا، تلك امرأة قد أعلنت في الإِسلام. وقوله: "ومن كتاب الظهار واللعان" هكذا ترجم الكتاب، لكنه ليس فيه إلا الأحاديث المتعلقة باللعان. وقوله: "سل لي يا عاصم رسول الله ﷺ " يدل على أنهم كانوا يسألون رسول الله ﷺ على لسان غيرهم وإن قدروا على مراجعته ورفع الواسطة، وفيه ما يدل على أنهم كانوا يعتمدون قول الواحد الذي يعبر (٢) للسؤال. وقوله: "فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها" قال أبو سليمان الخطابي: كان عاصم يسأل لغيره ولم يكن به حاجة إليه، وكان فيه هتك الحرمة؛ فأظهر رسول الله ﷺ الكراهة إيثارًا لستر العورات. قال: والمسائل على وجهين:

стр. 1338

منها ما يقع على وجه التعليم فيما يحتاج إليه، وذلك جائز وقد يجب. ومنها ما يقع على وجه التكلف والتعنت، وهو مكروه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (١)، ومنه سؤال بني إسرائيل في قصة البقرة فإنهم كانوا في غنية منه. وذكر الشافعي ﵁ في "الأم" (٢) أن عويمرًا لم يخبر عن وقوع الواقعة، والسؤال عما لم يقع في زمان نزول الوحي مكروه؛ لأنه قد يوافق السؤال نزول الوحي على ضرب من التغليظ والتشديد، وروى ما سيأتي في "المسند" عن عامر بن سعد، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: "أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يكن، فحرم من أجل مسألته، وقال تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (٣) " لكن الأشبه بسياق القصة أن عويمرًا كان قد ابتلي بذلك، وأن عاصمًا ذكرها لرسول الله ﷺ أو تفرسها رسول الله ﷺ مما ذكر، ألا ترى أنه قال لعويمر حين أتاه فسأله: "قد أنزل الله تعالى فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها". واستدل الشافعي بقول سهل: "فتلاعنا وأنا مع الناس" على أنه ينبغي أن يجري اللعان بحضور جماعة من المؤمنين، كما أن الحد يقام بمحضر جماعة من الناس، وبقوله: "فطلقها ثلاثًا" على أن الجمع بين الطلقات الثلاث لا يكون بدعة؛ لأنه لو كان كذلك لأنكر النبي ﷺ . واختلف العلماء في وقت حصول الفرقة باللعان.

стр. 1339

فقال قائلون: يحصل بفراغ الزوج من اللعان، وبه قال الشافعي. وقال آخرون: تلاعنهما جميعًا، وبه قال مالك وأحمد. وقال آخرون: يحصل بتفريق القاضي بينهما بعد تلاعنهما؛ حتى لو طلقها قبل قضاء القاضي بالتفريق وقع الطلاق، وبهذا قال أبو حنيفة، وقد يحتج له بأن العجلاني طلقها ثلاثًا، ولو كانت الفرقة حاصلة لما كان للتطليق معنى، لكن يحتمل أنه كان جاهلًا بحكم اللعان، وقد ازداد غيظه لما رأى جرأتها على اليمين فأظهر الرغبة في فراقها وتلفظ بالطلقات الثلاث. وقوله: "فكانت تلك سنة المتلاعنين" يريد الفرقة بينهما، والكلمة في رواية مالك وإبراهيم بن سعد منسوبة إلى ابن شهاب، وفي رواية ابن أبي ذئب وابن جريج ما يدل على أنها من كلام سهل، وفي "سنن أبي داود" من رواية عياض بن عبد الله الفهري عن ابن شهاب عن سهل بن سعد: فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله ﷺ ، فأنفذه رسول الله ﷺ وكان ما صنع عن النبي ﷺ سنة. قال سهل: حضرت هذا عند رسول الله ﷺ فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدًا (١). قال أبو سليمان الخطابي: قوله: "فأنفذه رسول الله ﷺ " يحتمل وجهين: أحدهما: إيقاع الطلاق وإنفاذه، وهذا قول من يقول: إن اللعان لا يوجب الفرقة.

стр. 1340

والآخر: أن يكون المعنى إنفاذ الفراق الدائم المتأبد حتى لا تصلح للملاعن وإن كذب نفسه، وهذا قول الشافعي ومالك والأوزاعي والثوري وأحمد، ويدل عليه قوله: "ثم لا يجتمعان أبدًا". وقوله: "أن يفرق بينهما"، وفي رواية ابن جريج "أن يفرق بين المتلاعنين" قد يتمسك به من يقول أن الفرقة تحصل بتفريق الحاكم وسنتكلم في مثل هذه اللفظة من بعد. وقوله: "فإن جاءت به أسحم أدعج" الأسحم: الشديد السواد، ويقال: هو الذي لونه لون الغراب، والدعج: شدة سواد العين، والوحرة: دويبة تشبه الوزغة تلصق بالأرض، وقيل: مع الوزغة، وقيل: نوع من وزغ الصحاري وجمعها وحر، ومن ذلك وحر الصدر: وهو الحقد والغيظ؛ لأنه يتشبث بالقلب ويدب فيه كدبيب الوحرة، وأشار بهذا التشبيه إلى القصر، وقد بينه في رواية ابن أبي ذئب فقال: "أحمر قصيرًا كأنه وحرة". وقوله: "ذو أليتين" أي: هو ذو أليتين، والمراد عظمهما على ما ذكر في رواية إبراهيم بن سعد. وقوله في رواية ابن المسيب و [عبيد الله] (١) بن عبد الله: "إن جاءت به أشقر سبطًا" والشقرة: قريبة من الحمرة، وقد سبق الحديث من روايتهما في الكتاب وبينا أن بعضهم رواه: "أصفر"، وهذه الألوان كلها بعيدة من شدة السواد، فكأنه قصد ما يضادها، وفي بعض الروايات: "أميغر" وهو تصغير الأمغر (٢)، والأمعر والمعر: القليل

стр. 1341

الشعر، ويقال: تمعر شعره أي: تساقط، ويقال أيضًا: تمعر لونه أي: تغير. وأما السبط فيقال: شعر سبط، أي: مسترسل ليس فيه تثنِّ وتكسر، ويقال: هو سبط الجسم أي: حسن القدّ والاستواء، وذكر في حديث اللعان أن اللفظ يحتملهما جميعًا، والظاهر الأول؛ لأنه قد وقع التعرض للشعر في بعض الروايات السابقة، ولأنه وصفه بالقصر في سائر الروايات وذلك يناقض سباطة الجسم. واستدل بالحديث على جواز الاستدلال بالأشباه، وعلى أنه وإن جاز الاستدلال بها لا يحكم بها إذا عارضها ما هو أقوى منها؛ لأنه لم يوجب عليها الحد بالأشباه؛ لأن اللعان أقوى منها، وعلى أن المرأة إذا كانت حاملًا [و] (١) لاعن علي نفي العمل جاز، وبه قال مالك والأوزاعي، وعند أبي حنيفة: لا يجوز اللعان على نفي الحمل، لكن إن فعل صح وتعلق به أحكامه غير أن الولد يلزمه ولا يمكنه نفيه بعده. وقوله: "شهد ابن عباس فحدث بحديث المتلاعنين" يشبه أن يريد به ما حكيناه عن "الصحيح" من رواية القاسم بن محمَّد عن ابن عباس على أن ابن عباس روى في اللعان الحديث على وجه يفارق حديث سهل بن سعد، فيمكن أن يراد به ذلك، ولنورد ذلك الحديث ففيه أغراض أخر، روى البخاري في "الصحيح" عن محمَّد بن بشار عن ابن أبي عدي عن هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس؛ أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء، فقال النبي ﷺ : "البينة أو حدًّا في ظهرك".

стр. 1342

قال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي ﷺ يقول: "البينة وإلا حدًّا في ظهرك". فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، فلينزل الله سبحانه ما يبريء ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل الله تعالى عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فانصرف النبي ﷺ فأرسل إليها فجاء هلال فشهد والنبي ﷺ يقول: "إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب"؟ ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها [موجبة] (١). قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت وقال النبي ﷺ : "أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين، فهو لشريك بن سحماء" فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ : "لولا [ما] (٢) مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن" (٣). وفي بعض الروايات: "أبصروها فإن جاءت به أثيبج أصيهب أريسح حمش الساقين فهو لهلال، وإن جاءت به خدلج الساقين سابغ الأليتين أورق جعدًا جماليًا فهو للذي رميت به" (٤). وفي "صحيح مسلم" (٥) عن أنس بن مالك أنه قال: إن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء وكان أول من لاعن، فلاعن

стр. 1343

رسول الله ﷺ يعني بينهما، فقال رسول الله ﷺ : "أبصروها فإن جاءت [به] (١) أبيض سبطًا قضيء العينين فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به أكحل جعدًا حمش الساقين [فهو لشريك بن سحماء ...] (٢). وهلال بن أمية: هو الواقفي الأنصاري، وذكر أنه أحد الثلاثة الذين تخلفوا وتيب عليهم على ما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ (٣). روى عنه: جابر بن عبد الله، وابن عباس. وشريك بن السحماء ذكر في الصحابة. والسحماء: قيل: هو اسم أمه، وقيل: صفة لها؛ لأنها كانت سوداء، والكحل: سواد الحدقة. وقوله: "سابغ الأليتين" قيل: قبيحهما، يقال: عجيزة سابغة أي: قبيحة، وقيل: سبوغ الأليتين: عظمهما، ومنه ثوب سابغ، ويوافقه ما سبق في بعض الروايات "عظيم الأليتين" وما ورد في بعضها: "إن كان مستهًّا" والمسته والأسته: العظيم الأليتين. وخدلج الساقين: غليظهما، ويروى: "خدل الساقين" وهو بمعناه. والأثيبج تصغير الأثبج: وهو الناتيء الثَّبجَ ما بين الكاهل ووسط الظهر. والأصيهب: تصغير الأصهب، والصهبة: قريبة من الشقرة. والأريسح تصغير الأرسح: وهو الخفيف الأليتين، وفي بعض الروايات "أريصح" وهو بمعناه أبدلت السين صادًا، قال أبو سليمان الخطابي (٤): وقد يكون تصغير الأرصع أبدلت العين منه حاء، وحكي

стр. 1344

عن الأصمعي أن الأرصع الأرسح. وحمش الساقين: دقيقهما. والأورق: الذي لونه يضرب إلى الخضرة كلون الرماد، وقيل: إلى السواد، وهو الورقة. والجعد: هو المجتمع الحلق، ويحتمل أن يريد به جعودة الشعر، وهو كما ذكرنا في السبط. والجمَاليّ: العظيم الخلق، شبه خلقه بخلق الجمل. وقضيء العين -على فعل فاسدها- يقال: قضئت عينه: إذا احمرت واسترخت لحم آماقها. والروايات متوافقة في الدلالات والأشبه المذكورة على اختلاف العبارات، وما فيها من الزيادة والنقصان لا اختلاف فيها إلا أن غلظ الساق في أكثر الروايات من أمارات أن الولد [للذي] (١) رميت به، وضده وهو الحمش من أمارات أنه من الزوج، وفي رواية أنس المذكورة آخرًا جعلت الحموشة من أمارات [أنه للذي رميت به] وكأن بعض الرواة غلط فأدخل هذه الصفة في غير موضعها أو تأول على إرادة الغلظ في أحدهما [وإرادة] (٢) الحموشة في الطرف الآخر. وفي حديث ابن عباس دلالة على أن قذف الزوجة يوجب الحد كقذف الأعيان، إلا أنه يسقط بطريقين: البينة واللعان، وعلى أنه إذا قذف زوجته بمعين ثم لاعن؛ يسقط حد القذف لذلك المعين كما يسقط الحد للزوجة، فإن لم يسمه في اللعان ففي سقوط الحد له قولان

стр. 1345

للشافعي، وقد يحتج للسقوط بأنه لم يرو أنه جرى في اللعان ذكر شريك، وإذا قلنا: لا يسقط، فله أن يعيد اللعان لإسقاطه، وعلى أنه يبدأ في اللعان بالرجل، وعلى أنه يستحب أن يوقف الملاعن عند الكلمة الخامسة، ويقال له: أنها موجبة أي: للغضب في حق المرأة واللعن في حق الرجل. واحتج بقوله عند الخامسة "أنها موجبة" على أن اللعان لا يتم إلا باستيفاء الكلمات الخمس، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: يكفي أكثرها، وبقوله: "الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل من تائب؟ " على أن الإِمام يحكم بالظاهر والسرائر موكولة إلى الله تعالى، وعلى أن الظاهر لا يزال بالأشباه التي تخيل خلافه على ما قال ﷺ : "لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن". ثم في أحاديث اللعان كلامان: أحدهما: أن ابن عباس وأنسًا رويا أن الملاعن كان هلال بن أمية، وأنه رمى امرأته بشريك بن السحماء، وفي حديث سهل تسمية الملاعن بعويمر ونسبته إلى بني العجلان، وليس فيه ذكر المرمي به (١) في أكثر الروايات، وعويمر وهلال رجلان مذكوران في الصحابة، وظاهر الحديثين يشعر بأنهما قضيان ولعانان، لكنه يشكل من وجهين: الأول: أن في بعض الروايات ذكر عويمر مع الرمي بشريك، فروى الواقدي عن الضحاك بن عثمان عن عمران بن أبي أنس قال: سمعت عبد الله بن جعفر يقول: حضرت رسول الله ﷺ حين لاعن بين عويمر العجلاني وامرأته، فرجع رسول الله ﷺ من تبوك وأنكر حملها

стр. 1346

الذي في بطنها وقال: هو من ابن السحماء، فقال رسول الله ﷺ : "هات امرأتك فقد نزل القرآن فيكما، فلاعن بينهما" (١). وروى أبو الزناد عن القاسم بن محمَّد، عن ابن عباس مثل ذلك، ويبعد أن تفرض قصتان مختلفتان ولعانان، والمرمي به فيهما شخص واحد. والثاني: أن الأشباه في الروايات متقاربة، ويبعد اشتراك الزوجين بتقدير تعدد الواقعة في الأشباه والهيئات، وقال الشافعي ﵁ في "الإملاء": وقد قذف العجلاني امرأته بابن عمه وابن عمه شريك بن السحماء، والتعن العجلاني فلم يحد النبي ﷺ شريكًا بالتعانه، ولم يحد العجلاني القاذف لشريك، فجعل القاذف العجلاني والمرمي به شريكًا. قال الحافظ أبو بكر البيهقي: عندي أن الشافعي ذهب إلى أن القصة واحدة واعتمد في اسم القاذف على حديث سهل بن سعد لفضل حفظ الزهري، وفي اسم المرمي به على رواية ابن عباس وأنس. قال: وبتقدير أن يكونا قصتين فكان عاصمًا سأل لعويمر ثم ابتلي به هلال بن أمية أيضًا ونزلت الآية فلاعن كل واحد منهما، فأضاف بعض الرواة نزول آيات اللعان إلى قصة هذا وآخرون إلى قصة هذا. والثاني: رواية سهل بن سعد وابن عباس وأنس موافقة في الدلالة على أن المرأة كانت حاملًا عند اللعان، وصرح به فليح وابن جريج ويونس بن يزيد الأيلي في روايتهم عن الزهري، وقد يوهم ما سبق من رواية سعيد بن عفير عن الليث عن يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن

стр. 1347

القاسم تقدم الوضع على اللعان، والظاهر الأول، وفي تلك الرواية قدم حكاية الوضع على حكاية اللعان. وما ذكر في ذلك الحديث "أنه ذكر التلاعن" وفي بعض الروايات ذكر "الملاعنين" بدل "التلاعن" وأن [عاصمًا] (١) قال فيه [قولًا] (٢) ثم انصرف ... إلى آخره فيه إشكال أيضًا من وجهين: أحدهما: أن التلاعن إنما عرف من نزول آيات اللعان، والآيات نزلت بعد الواقعة ومراجعة النبي ﷺ ، فكيف يتقدم ذكر التلاعن على وقوع الواقعة ورفعها إلى النبي ﷺ . والثاني: أن فيما سبق من الروايات أن عويمرًا أتى عاصمًا ليسأل له رسول الله وذلك لا يناسب ما في رواية عبد الرحمن بن القاسم أن عاصمًا قال قولًا ثم انصرف ... إلى آخره، وقد يجاب عنهما تفريعًا على تعدد القصة بأنه ربما وردت آيات اللعان بعد واقعة هلال ثم إنهم ذكروا التلاعن، فقال فيه عاصم ما قال، ثم جاءه عويمر ليسأل له. الأصل [١٢٥٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد العزيز بن محمَّد، عن يزيد ابن الهاد، عن عبد الله بن يونس أنه سمع المقبري يحدث القرظي، قال المقبري: حدثني أبو هريرة أنه سمع النبي ﷺ يقول لما نزلت آية الملاعنة قال النبي ﷺ : "أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم؛ فليست من الله في شيء، ولم يدخلها الله جنته، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رءوس الخلائق في

стр. 1348

الأولين والآخرين" (١). الشرح عبد الله بن يونس عرف برواية يزيد بن الهاد عنه، وروايته عن سعيد المقبري (٢). والقرظي: هو محمَّد بن كعب. وروى الحديث عمرو بن الحارث عن ابن الهاد عن عبد الله عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، ثم قال عبد الله بن يونس: فقال محمَّد بن كعب القرظي وسعيد يحدث بهذا الحديث: بلغني هذا عن رسول الله ﷺ . وقوله: "قال النبي ﷺ " في النظم المذكور غير محتاج إليه. وقوله: "احتجب الله منه" كأن المراد منه: منعه الله رحمته وحرمه منها، وكما يحرم على الرجل أن يجحد ولده يحرم عليه أن ينتسب إلى غير أبيه؛ ففي "الصحيحين" من رواية أبي بكرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام" (٣) والله أعلم.

стр. 1349

الأصل [١٢٥١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: أبنا عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر؛ أن النبي ﷺ قال للمتلاعنين: "حسابكما على الله أحدكما كاذب لا سبيل لك عليها". قال: يا رسول الله مالي؟ قال: "لا مال لك، إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذلك أبعد لك منه" (١). [١٢٥٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن أيوب، عن سعيد بن جبير قال: سمعت ابن عمر يقول: فرق رسول الله ﷺ بين أخوي بني العجلان، وقال هكذا بإصبعيه المسبحة والوسطى فقرنهما الوسطى والتي تليها -يعني المسبحة- وقال: "الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب" (٢). [١٢٥٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رجلًا لاعن امرأته في زمان النبي ﷺ وانتفى من ولدها، ففرق رسول الله ﷺ بينهما وألحق الولد بالمرأة (٣). الشرح حديث عمرو بن دينار عن سعيد، رواه البخاري (٤) عن علي بن عبد الله وقتيبة، ومسلم (٥) عن يحيى بن يحيى وغيره، وأبو

стр. 1350

داود (١) عن أحمد بن حنبل بروايتهم جميعًا عن ابن عيينة. وحديث أيوب عن سعيد مخرج في "الصحيحين" (٢) من رواية سفيان بن عيينة، وكذلك حديث مالك أخرجه البخاري (٣) عن يحيى بن بكير، ومسلم (٤) عن يحيى بن يحيى وقتيبة، وأبو داود (٥) عن القعنبي، بروايتهم عن مالك. واستدل بقوله: "لا سبيل لك عليها" على حصول الفرقة باللعان، وعلى أن فرقة اللعان متأبدة؛ لأنه أطلق، ولو كان لها عليه سبيل إذا كذب نفسه لأشبه أن يقول: إلا أن تكذب نفسك، وقد روي عن محمَّد بن زيد عن سعيد بن جبير عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدًا" (٦). وروى الأوزاعي عن الزبيدي عن الزهري عن سهل بن سعد في حديث المتلاعنين قال: فتلاعنا ففرق رسول الله ﷺ بينهما وقال: "لا يجتمعان أبدًا". وعن عمر وعلي ﵄ أن المتلاعنين لا يجتمعان أبدًا. ويروى عن سعيد بن المسيب أنه إذا كذب نفسه ارتفع تحريم العقد، وكان له أن ينكحها. وبه قال أبو حنيفة.

стр. 1351

وعن سعيد بن جبير أنها تعود منكوحة له. وقوله: "لا مال لك" يدل على أن زوج الملاعنة لا يرجع عليها بالمهر، وذلك إذا كانت مدخولًا بها، وفي قوله: "بما استحللت من فرجها" ما يشعر به؛ فأما قبل الدخول فلها إذا تلاعنا نصف المهر، وبه قال الحسن وسعيد بن جبير ومالك والأوزاعي، وقال الحكم وحماد: لها المهر كاملًا، وعن الزهري أنه لا مهر لها. وقوله: "أبعد لك منها أو منه" أي: أبعد لك منها أي: لإتباعها ومطالبتها بالمال، أو منه أي: من المال. واحتج من لم ير حصول الفرقة في اللعان إلا بتفريق الحاكم بظاهر قوله: "فرق رسول الله ﷺ " في الخبر الثاني والثالث، وقال الشافعي: معناه أنه بين حصول الفرقة بينهما باللعان وحكم بها، ولما جرى التلاعن بحضرة النبي ﷺ أضيف التفريق إليه كما قال في الخبر الثاني "وألحق الولد بالمرأة" أي: خصص الإلحاق بها، وحكم بانقطاعه عن الملاعن، ومعلوم أن انقطاع النسب يحصل باللعان من غير صنع من الحاكم. الأصل [١٢٥٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن المسيب؛ أن بنت محمَّد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج فكره منها أمرًا إما كبرًا أو غيره، فأراد طلاقها فقالت: لا تطلقني وأمسكني واقسم لي ما بدا لك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ الآية (١).

стр. 1352

[١٢٥٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي قال: وأبنا مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ توفي عن تسع نسوة وكان يقسم لثمان (١). الشرح القصة في [... (٢)] ثابتة، وروى أبو اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار؛ أن رافع بن خديج الأنصاري -وكان من أصحاب النبي ﷺ [كانت (٣)] عنده امرأة حتى إذا كبرت تزوج عليها فتاة شابة فآثر عليها الشابة، فناشدته الطلاق فطلقها تطليقة ثم أمهلها حتى إذا كادت تحل راجعها، ثم عاد فآثر الشابة عليها فناشدته الطلاق فطلقها تطليقة أخرى ثم أمهلها حتى إذا كادت تحل راجعها، ثم عاد فآثر الشابة عليها فناشدته الطلاق، فقال لها: ما شئت إنما بقيت لك طلقة واحدة فإن شئت استقررت على مأثرة، وإن شئت فارقتك، فقالت: لا، بل أستقر على الأثرة، فأمسكها على ذلك فكان ذلك صلحهما ولم ير رافع عليه إثمًا حين رضيت بأن تستقر عنده على الأثرة (٤). وعن عكرمة عن ابن عباس قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة ففعل؛ فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾

стр. 1353

قال: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز (١). وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: أنزل في سودة وأشباهها ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ (٢). وفي "الصحيحين" من رواية [أبي] (٣) معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت في قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ أنزلت في المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها فيريد أن يطلقها ويتزوج غيرها، فتقول: لا تطلقني وأمسكني وأنت في حل من النفقة [علي] (٤) والقسمة لي (٥). والمقصود أن الزوج إذا كان لا يمنعها حقها ولكنه يكره صحبتها لمرض أو كبر ولا يدعوها إلا فراشه ويهم بطلاقها؛ فيحسن منها أن تستميل قلبه بترك بعض حقها لتثبت على نكاح. وقوله: "إما كبرًا أو غيره" المراد منه كبر السنن على ما بين في سائر الروايات، وقد يتوهم أنه الكبر بسكون الباء. وقوله "أو غيره" أي: غير الكبر، وقيده بعضهم: "أو غيره" وهو صحيح المعنى. وقوله: "فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾ يشعر بأن سبب

стр. 1354

نزول الآية قصة رافع وامرأته، والرواية عن ابن عباس تشعر بأن سبب نزولها قصة سودة، وقد يستدل بهما على أن الآية الواردة في بعض الأبواب يجوز إضافة نزولها إلى الواقعة المعينة وكذلك إضافة نزولها إلى أخواتها، وأطلقت عائشة ﵂ فقالت: أنزلت في المرأة تكون عند الرجل ... إلى آخره. وحديث عطاء عن ابن عباس أخرجه البخاري (١) عن إبراهيم بن موسى عن هشام بن يوسف، ومسلم (٢) عن إسحاق بن إبراهيم عن محمَّد بن بكر، بروايتهما عن ابن جريج. وفي الحديث والأثر عن ابن المسيب دلالة على شرعية القسم، إذا كان تحت الرجل أكثر من امرأة واحدة وجب عليه التسوية بينهن في القسم، ولا مؤاخذة بميل القلب، روي أنه ﷺ كان كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: "اللهم هذِه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" (٣). واختلفوا في أن القسم كان واجبًا على رسول الله ﷺ أو كان يقسم [... (٤)] وكيف كان فإنما كان يقسم لثمان و [هن] (٥) تسع، لما روى زهير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة؛ أن سودة بنت زمعة

стр. 1355

وهبت يومها لعائشة، وكان النبي ﷺ يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة. رواه البخاري (١) عن مالك بن إسماعيل، ومسلم (٢) عن عمرو الناقد عن الأسود بن عامر، بروايتهما عن زهير. وللزوج أن لا يرضى بالهبة ويدخل على الواهبة، ولو وهبت نوبتها من الزوج ولا من الضرة فتخرج الواهبة من القسم ويسوي بين الضرائر وللواهبة الرجوع مهما شاءت. الأصل [١٢٥٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن عبد الله ابن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن؛ أن رسول الله ﷺ [حين] (٣) تزوج أم سلمة وأصبحت عنده قال: "ليس بك على أهلك هوان [إن] (٤) شئت سبعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك ودرت". قالت: ثلث (٥). [١٢٥٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن حبيب بن أبي ثابت؛ أن عبد الحميد بن عبد الله بن أبي عمرو والقاسم ابن محمَّد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أخبرا أنهما سمعا أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، يحدث عن أم سلمة، أنها أخبرته أنها لما قدمت المدينة أخبرتهم أنها ابنة أبي أمية بن المغيرة

стр. 1356

فكذبوها، وقالوا: ما أكذب الغرائب، حتى أنشأ إنسان منهم بالحج فقالوا: أتكتبين إلى أهلك فكتبت معهم فرجعوا إلى المدينة. قالت: فصدقوا وازددت عليهم كرامة، فلما حللت جاءني رسول الله ﷺ [فخطبني] (١) فقلت له: ما مثلي نكح، أما أنا فلا ولد لي، وأنا غيور ذات عيال. قال: "أنا أكبر منك، وأما المغيرة فيذهبها الله، وأما العيال فإلى الله ورسوله" فتزوجها رسول الله ﷺ فجعل يأتيها ويقول: "أين زناب؟ " حتى جاء عمار بن ياسر فاختلجها، قال: وهذه تمنع رسول الله ﷺ وكانت ترضعها، فجاء رسول الله ﷺ فقال: "أين زناب؟ " فقالت قريبة بنت أبي أمية [ووافقها] (٢) عندما أخذها عمار بن ياسر. فقال رسول الله ﷺ : "إني آتيكم الليلة". قالت: فقمت فوضعت ثفالي وأخرجت حبات من شعير كانت في جرٍّ وأخرجت شحمًا فعصدته أو صعدته. قالت: فبات رسول الله ﷺ وأصبح فقال حين أصبح: "إن لك على أهلك كرامة فإن شئت سبعت لك وإن أسبع أسبع لنسائي" (٣). [١٢٥٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن حميد، عن أنس أنه قال: للبكر سبع وللثيب ثلاث (٤). والله [أعلم] (٥).

стр. 1357

الشرح عبد الحميد بن عبد الله بن أبي عمرو، قال البخاري: أراه المخزومي من أهل المدينة. سمع: أبا بكر بن عبد الرحمن. وروى عنه: حبيب بن أبي ثابت (١). والقاسم بن محمَّد بالنسب المذكور: هو القرشي المخزومي. سمع: عمه أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وروى عنه: حبيب بن أبي ثابت (٢). وزناب: هي زينب بنت أبي سلمة بن عبد الأسد، ربيبة النبي ﷺ ، كان اسمها برة فسماها النبي ﷺ زينب، وقد مرّ ذكرها. وقريبة بنت أبي أمية أخت أم سلمة من الصحابيات (٣). وحديث مالك عن عبد الله بن أبي بكر مودع في "الموطأ" (٤)، ورواه مسلم (٥) عن يحيى بن يحيى عن مالك، ورواه مسلم (٦) موصلًا عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن يحيى القطان عن سفيان الثوري عن محمَّد بن أبي بكر عن عبد الملك بن أبي بكر عن أبيه عن أم سلمة، وأخرجه مسلم (٧) أيضًا عن أبي كريب عن حفص بن غياث عن عبد

стр. 1358

الواحد بن أيمن عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن أم سلمة. وحديث ابن جريج رواه عنه روح بن عبادة أيضًا (١). وقوله: "ليس [بك] (٢) على أهلك هوان" الذي رأيت فيه أن المعنى أنه لا يعلق بك ولا يصيبك ولا يلحقك مني هوان، وإن خرجت قبل استكمال سبع فالعدل في القسمة ذلك لا أني أريد هوانك، وأراد [بالأهل] (٣) نفسه ﷺ ، ويجوز أن يريد بأهلها عشيرتها، وأن يكون المعنى أنه لا يلحقهم بسببك هوان، وجعل الكلمة مقدمة تخييرها في قدر ما يبيت عندها وهو ضرب من الإكرام. وقوله: "حتى أنشأ إنسان منهم" في رواية روح: "حتى أنشأ ناس منهم الحج" وفيه ما يبين [شرف] (٤) نسبها. وقولها: "فلما حللت جاءني رسول الله ﷺ فخطبني" في رواية روح: "فلما وضعت زينب جاءني" كأنها حامل فانقضت عدتها بالوضع. وقولها: "ما مثلي نكح" أي: لست ممن يحبب إلى النكاح إذا خطبت، وكان يقال لأم خارجة: خطب، فتقول: نكح، ويقال: خطب، ونكح أي: لست مثلها، وفي بعض النسخ "ما مثلي تنكح"، ويجوز أن تشير به إلى كبر السن، وقد يشعر به قولها: "أما أنا فلا ولد لي" أي: لا يولد لي من بعد، وقوله ﷺ في الجواب: "أنا أكبر منك" وفي رواية روح "فلا ولد فيّ".

стр. 1359

وقوله: "فجعل يأتيها ويقول: أين زناب ... إلى آخره" كانت أم سلمة ترضع الصغيرة وتشغلها، وكأن النبي ﷺ كان يتوخى فراغها ويقول: إلى أين تحول زينب، ففطن له عمار فأخذها، فلما ذكر له ذلك قال: "إني آتيكم الليلة". والثفال: جلدة تبسط تحت الرحى (١). وأخرجت ما كان عندها من الشعير ليطحن، وفي لفظ "الحبات" ما يفهم قلته. وقوله: "كانت في جرّ" في بعض الروايات بدله: "في جريب". وقولها: "وأخرجت شحمًا فعصدته أو صعدته" كذا هو في نسخ "المختصر" (٢)، وهو بتقديم العين قريب، فيجوز أن يكون ما بعده ضادًا معجمة، والعضد: القطع، وأن يكون صادًا مهملة، يقال: عصد العصيدة: إذا لواها؛ وأما تقديم الصاد والعين فهو بعيد، ورأيت لبعضهم: "فعصرته" ((٣). وفقه الفصل: أنه إذا نكح الرجل امرأة جديدة يبيت عندها سبع ليال إن كانت بكرًا، وثلاثًا إن كانت ثيبًا، ولا يقضي ذلك لمن عنده، وإن اختارت الثيب أن يبيت عندها سبعًا فله أن يجيبها إليه ثم يقضي جميع [نسائه] (٤) السبع، وبهذا قال مالك وأحمد، وعند أبي حنيفة: يقضي ما بات عند الجديدة لمن عنده، واحتج الشافعي بقوله: "وإن شئت ثلثت عندك ودرت" وقال: المعنى درت بالقسم الأول من غير قضاء؛ لأنه لو كانت الثلاث مقضية كالسبع لأشبه أن يقول: "وثلثت

стр. 1360

عندهن" كما قال: "وسبعت عندهن" ويدل عليه ما روي عن أنس أنه قال: "للبكر سبع" غير قضاء؛ لأنه لو كانت الثلاث مقضية لم يكن لتخصيص السبع بالبكر معنى، وفي "الصحيحين" من رواية أبي قلابة عن أنس قال: من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا وقسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا ثم قسم. قال أبو قلابة: لو شئت قلت أن أنسًا رفعه إلى النبي ﷺ (١). وقولها: "جاءني رسول الله ﷺ فخطبني ... إلى آخره" ظاهر في أنه ﷺ خطبها بنفسه، وفيه دليل على أنه لا بأس بأن يخطب الخاطب بنفسه ويكلم المخطوبة ويزيح عللها في التوقف. الأصل [١٢٥٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عمي محمَّد بن علي بن شافع، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها (٢). الشرح الحديث مخرج في "الصحيحين" (٣) مدرجًا في قصة الإفك، وقد رواها البخاري ومسلم عن أبي الربيع الزهراني، عن فليح بن سليمان، عن ابن شهاب، عن عروة وابن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة، ورواها الشافعي في

стр. 1361

"الإملاء" وزاد: فخرج سهمها في غزوة بني المصطلق فخرج بها. ولا يجوز لمن أراد سفرًا أن يستصحب بعض نسائه بلا قرعة ولو فعل قضى للباقيات، وإذا استصحب بعضهن بالقرعة فلا يقضي للباقيات مدة السفر ولا مدة المكث في المقصد إذا لم يزد على مدة المسافرين، وإن زاد مكثه على مدة المسافرين قضى تلك المدة وهذا في سفر الحاجة؛ فإما في سفر النقلة فلا يخص بعضهن بالاستصحاب لا بالقرعة ولا دونها بل يستصحبهن جميعًا أو يتركن جميعًا، وإذا سافر باثنتين بالقرعة سوى بينهما، وعماد القسم في السفر من وقت النزول إلى الارتحال ليلًا كان أو نهارًا. الأصل [١٢٦٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تضربوا إماء الله". قال: فأتاه عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله ﷺ ذئر النساء على أزواجهن فأذن في ضربهن، فأطاف بآل محمَّد نساء كثير كلهن يشكون أزواجهن، فقال رسول الله ﷺ : "لقد أطاف بآل محمَّد سبعون امرأة كلهن يشتكين أزواجهن ولا تجدون أولئك خياركم" (١). الشرح إياس بن عبد الله بن أبي ذباب، دوسي. وروى عنه: عبد الله بن عبد الله بن عمر. قال الإِمام محمَّد بن

стр. 1362

إسماعيل البخاري في "التاريخ": ولا يعرف له صحبة، وذكر الحافظ أبو عبد الله بن منده أنه إياس بن عبد الله بن أبي ذباب المزني، وهو مختلف في صحبته، ويلزم من هذا الاختلاف: الاختلاف في أن الحديث مسند أو مرسل؟ وقد رواه عن الزهري معمر وغيره. وقد ورد النهي عن ضرب النساء كما قال في أول الحديث: "لا تضربوا إماء الله" ففي "الصحيحين" (١) من رواية عبد الله بن زمعة قال: وعظ النبي ﷺ الناس في النساء فقال: "يضرب أحدكم امرأته ضرب العبد ثم يعانقها آخر الليل" (٢). وفي حديث لقيط بن صبرة عن النبي ﷺ : "لا تضربن ظعينتك ضربك أميتك" (٣) ثم أذن النبي ﷺ في الضرب، وقد ورد القرآن به. وقوله في آخره: "ثم لا تجد أولئك خيارهم" يشعر بأن تركه أولى، قال الأئمة: كان النهي كان متقدمًّا على نزول الآية، ثم لما ذئر النساء واحتيج إلى تأديبهن أذن النبي ﷺ فيه ونزل به القرآن، ثم لما أمعنوا في الضرب بين أن التحمل والصبر على سوء أخلاقهن أولى وأجمل. وقوله: "ذئر النساء" أي: اجترأن ونشزن، ويقال منه: امرأة ذئرة، وقيل: الذائر المغتاظ على الخصم المستعد للشر، ويقال: أطاف به أي: ألمّ به، ويشبه أن يكون ذكر السبعين لبيان كثرتهن لا على سبيل التحقيق.

стр. 1363

الأصل [١٢٦١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا الثقفي، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة أنه قال في هذِه الآية: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ قال: جاء رجل وامرأة إلى علي ﵁ ومع كل واحد فئام من الناس، فأمرهم علي فبعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، ثم قال للحكمين: تدريان ما عليكما؟ إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا [وإن رأيتما] (١) أن تفرقا أن تفرقا. قال: قالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما علي فيه ولي، وقال الرجل: أما الفرقة فلا. فقال علي ﵁: كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به (٢). [١٢٦٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، سمعه يقول: تزوج عقيل بن أبي طالب فاطمة بنت عتبة فقالت: اصبر لي وأنفق عليك، فكان إذا دخل عليها تقول: أين عتبة وشيبة، فسكت عنها فدخل عليها يومًا برمًا، قالت: أين [عتبة] (٣) بن ربيعة وأين شيبة بن ربيعة؟ وقال: على يسارك في النار إذا دخلت، فشدت عليها ثيابها فجاءت عثمان بن عفان ﵁ فذكرت ذلك له، فأرسل ابن عباس ومعاوية، فقال ابن عباس: لأفرقن بينهما، وقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد

стр. 1364

مناف، قال: فأتياهما فوجداهما قد شدا عليهما أثوابهما وأصلحا أمرهما (١). الشرح عبيدة: هو ابن عمرو السلماني المرادي الكوفي -وسلمان: حي من مراد- أبو مسلم، ويقال: أبو عمرو، من أئمة التابعين، وكان قد أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين وصلى، لكنه لم يره ولم يهاجر إليه. سمع: علي بن أبي طالب، وابن مسعود. وروى عنه: محمَّد بن سيرين، وإبراهيم النخعي. ومات سنة اثنتين وسبعين، وقيل: سنة ثلاث (٢). وعقيل بن أبي طالب: هو أبو يزيد الهاشمي ابن عم النبي ﷺ ، وأخوه علي وجعفر. روى عن: النبي ﷺ . وروى عنه: موسى بن طلحة، والحسن البصري، وابنه محمَّد بن عقيل (٣). وإذا اشتد الشقاق بين الزوجين وكانا يتشاتمان ويتضاربان، فيبعث القاضي حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها لينظرا في شأنهما ويصلحا بينهما أو يفرقا إذا لم يمكن الإصلاح، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا﴾ الآية (٤)، أي: علمتم، وللشافعي قولان في أن المبعوثين حاكمان أو وكيلان من جهة الزوجين:

стр. 1365

أحدهما وبه قال مالك: أنهما حاكمان موليان من جهة القاضي؛ لأن الله تعالى سماهما حكمين. وأصحهما وبه قال أبو حنيفة وأحمد: أنهما وكيلان من جهة الزوجين؛ لأنهما رشيدان، فلا يول عليهما. واحتج بأثر علي ﵁ للقول الأول؛ فإنه جعل الجمع والتفريق إليهما، وللقول الثاني بأنه اعتبر رضاهما وإقرارهما. وقوله: "حتى تقر" على القول الأول معناه: عليك [أن] (١) تنقاد لحكم الله تعالى كما انقادت. وإذا جعلناهما حكمين جاز بعثهما بدون رضا الزوجين، ولحكم الزوج أن يطلق إذا رآه، وأن يخالع إذا ساعده (٢) حكم المرأة؛ وإذا جعلناهما وكيلين فيبعثان برضا الزوجين، ويوكل الزوج حكمه بالطلاق وقبول العوض في الخلع، والمرأة حكمها بقبول الطلاق على العوض. وقصة عقيل مذكورة في "الأم" (٣) مع زيادة تحسن الكلام ويتم وهي أنه قال: فكان إذا دخل عليها قالت: "أين عتبة بن ربيعة؟ أين شيبة بن ربيعة؟ " فيسكت، حتى دخل عليها يومًا وهو برم، فقالت: أين عتبة ابن ربيعة أين شيبة بن ربيعة؟ فقال: "على يسارك في النار". وقولها: "اصبر لي" كأنها تلتمس منه أن لا يتزوج عليها يقنع بها لتنفق عليه، ثم كان يشق عليها الإنفاق فتؤذيه بقولها: "أين عتبة أين شيبة". وقوله: "فشدت عليها ثيابها" أي: لتحتجب بها إذا خرجت. وقوله: "لأفرقن بينهما" فيه إشعار باستقلال الحكمين بالتفريق.

стр. 1366

الأصل [١٢٦٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة أن حبيبة بنت سهل أخبرتها أنها كانت عند ثابت بن قيس بن شماس، وأن رسول الله ﷺ خرج إلى صلاة الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس، فقال رسول الله ﷺ : "من هذِه؟ " فقالت: أنا حبيبة بنت سهل يا رسول الله ﷺ . فقال: "ما شأنك؟ " قالت: لا أنا ولا ثابت لزوجها، فلما جاء ثابت بن قيس قال له رسول الله ﷺ : "هذِه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر". فقالت حبيبة: يا رسول الله ﷺ كل ما أعطاني عندي. فقال رسول الله ﷺ : "خذ منها" فأخذ منها وجلست في أهلها (١). [١٢٦٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن حبيبة بنت سهل؛ أنها أتت النبي ﷺ في الغلس وهي تشكو شيئًا بيدها وهي تقول: لا أنا ولا ثابت بن قيس، فقال رسول الله ﷺ : "يا ثابت خذ منها" فأخذ منها وجلست (٢). الشرح حبيبة بنت سهل، يقال: كان النبي ﷺ همّ بنكاحها قبل أن يزوجها ثابت بن قيس. روت عنها: عمرة بنت عبد الرحمن (٣).

стр. 1367

وثابت بن قيس بن شماس بن ثعلبة بن زهير بن امريء القيس بن مالك بن الحارث بن الخزرج، أبو محمَّد الأنصاري، شهد له النبي ﷺ بالجنة واستشهد باليمامة. روى عنه: أنس بن مالك، ومحمد وقيس وإسماعيل بنوه (١). وحديث حبيبة من رواية مالك عن يحيى، أخرجه أبو داود في "السنن" (٢) عن القعنبي عن مالك ولم يذكر أن حبيبة أخبرت عمرة ولكن قال: عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرته عن حبيبة، وكذلك رواه الشافعي في غير "كتاب الخلع" وهو الصحيح عند الأئمة. وروى البخاري في "الصحيح" (٣) عن محمَّد بن عبد الله بن المبارك، عن قراد أبي نوح، عن جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله ﷺ ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق غير أني أخاف الكفر في الإِسلام. فقال: "أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم، فردت عليه وأمره ففارقها. وروى أيضًا عن أزهر بن جميل، عن عبد الوهاب الثقفي، عن خالد، عن عكرمة مثله (٤)؛ ولم يسم المرأة في الروايتين. وروى عبد الأعلي بن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن

стр. 1368

قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن جميلة بنت السلول أتت النبي ﷺ فقالت: بأبي أنت وأمي ما أنقم على ثابت بن قيس في خلق ولا دين ولكني لا أطيقه بغضًا وأكره الكفر في الإِسلام. فقال: "تردين عليه حديقته؟ " فقالت: نعم، فأمره رسول الله ﷺ أن يأخذ منها ما ساق إليها ولا يزداد. أخرجه أبو عبد الله بن ماجه في "السنن" (١) عن أزهر بن مروان عن عبد الأعلى، وروى الحافظ أبو عبد الله بن منده حديثها مرسلًا ومتصلًا، قال: هي جميلة بنت أبيّ بن سلول أخت عبد الله. ولم يتكلموا في أن الشاكية المختلعة امرأة واحدة، واختلفت الرواية في اسمها أو هما امرأتان، وبتقدير أن تكونا امرأتين لم يذكروا أكانتا جميعًا تحته معًا أو على التعاقب واختلعتا، أم الرواية مختلفة في أن الشاكية المختلعة هذِه أم هذِه؟ وفي "سنن ابن ماجه" (٢) شيء آخر وهو أن مريم المغالية كانت تحت ثابت بن قيس فاختلعت منه، والله أعلم. وفي القصة دليل على جواز الخلع، وعلى أنه يجوز الخلع على جميع ما أعطاها، وعن سعيد بن المسيب أنه لا بد وأن يترك لها شيئًا، وعلى أنه يجوز الخلع في الحيض وفي الطهر الذي جامعها فيه؛ لأنه لم يبحث ولم يستفصل ولولا جوازه في جميع الأحوال لأشبه أن يستفصل، وعلى أنه يجوز الترغيب في الخلع والفراق إذا عرف الشقاق والوحشة بين الزوجين، وعلى أن من جاء لرفع الظلامة يحتمل منه أن ينال من المشكو بالسوء ويدعو عليه، ولا يدخل ذلك في الغيبة

стр. 1369

واستماعها، وعلى أن المرأة تعذر في الخروج بالغلس عند الحاجة. الأصل ومن كتاب إبطال الاستحسان [١٢٦٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن هشام بن عروة: وجاء رسول الله ﷺ العجلاني وهو أحيمر سبي نضو الخلق فقال: يا رسول الله ﷺ رأيت شريك بن السحماء -يعني ابن عمه- وهو رجل عظيم الأليتين أدعج العينين [حال] (١) الخلق يصيب فلانة -يعني امرأته- وهي حبلى وما قربتها مذ كذا، فدعا رسول الله ﷺ شريكًا فجحده ودعا المرأة فجحدت؛ فلاعن بينها وبين زوجها وهي حبلى، ثم قال: "تبصروها فإن جاءت به أدعج عظيم الأليتين فلا أراه إلا قد صدق عليها، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أراه إلا قد كذب" فجاءت به أدعج عظيم الأليتين، فقال رسول الله ﷺ فيما بلغنا: "إن أمره لبين، لولا ما قضى الله" يعني: أنه لمن زنا "لولا ما قضى الله من ألا يحكم على أحد إلا بإقرار أو باعتراف على نفسه لا يحل بدلالة غير واحد منهما وإن كانت بينة" فقال: "لولا ما قضى الله لكان لي فيها قضاء غيره" ولم يعرض لشريك ولا للمرأة، والله أعلم، وأنفذ الحكم وهو يعلم أن أحدهما كاذب ثم علم بعد أن الزوج هو الصادق (٢). الشرح يحكى عن أبي حنيفة القول بالاستحسان، وفسره متقدموا أصحابه

стр. 1370

بمجرد ما يميل الطبع إليه ويقع في النفس، وأنكر الجمهور المصير إليه وقالوا: لم يبعث الأنبياء إلا للمنع من اتباع هوى النفوس، ورد الشافعي عليه فقال: من استحسن فقد شرع، واحتج أيضًا بما ضمه هذا الباب؛ وأما المتأخرون من أصحابه فإنهم استبشعوا ذلك وفسروا الاستحسان بما لا يخالفون فيه. وقوله: عن هشام بن عروة: وجاء رسول الله ﷺ العجلاني قال الحافظ أبو بكر البيهقي (١): توهم أبو عمرو بن مطر أو من خرج "المسند" من "المبسوط" أن قوله: "وجاء العجلاني من قول هشام فركبه على إسناد حديث مالك، وليس للحديث أصل من رواية مالك عن هشام؛ وإنما أراد الشافعي حديث مالك عن هشام عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة المذكور في الباب من بعد، لكنه انقطع في هذا الموضع إما لخلل وقع في نسخة الأصل، أو لقطع الشافعي لكراهيته إثباته من الحفظ، وقصده الرجوع إلى أصله، ثم كتب بلا إسناد "وجاء العجلاني". وفي بعض النسخ العتيقة الأصل بين قوله: عن هشام بن عروة، وبين قوله: "وجاء العجلاني" بدائرة. ثم ما ذكر أن العجلاني قذف امرأته بشريك قد مر أن الروايات المشهورة لا تشتمل عليه، وأن لذلك ذكرًا في رواية الواقدي وغيره. وقوله: "حال الخلق" كأن المراد حليل الخلق ضخم الأعضاء. وقوله: "فدعا شريكًا فجحد" غير مذكور في الروايات الموصولة،
следующие страницы →