← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123510

شرح مسند الشافعي

الرافعي

Полный текст (1 876 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

الأصل [١٢٦٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة أن حبيبة بنت سهل أخبرتها أنها كانت عند ثابت بن قيس بن شماس، وأن رسول الله ﷺ خرج إلى صلاة الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس، فقال رسول الله ﷺ : "من هذِه؟ " فقالت: أنا حبيبة بنت سهل يا رسول الله ﷺ . فقال: "ما شأنك؟ " قالت: لا أنا ولا ثابت لزوجها، فلما جاء ثابت بن قيس قال له رسول الله ﷺ : "هذِه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر". فقالت حبيبة: يا رسول الله ﷺ كل ما أعطاني عندي. فقال رسول الله ﷺ : "خذ منها" فأخذ منها وجلست في أهلها (١). [١٢٦٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن حبيبة بنت سهل؛ أنها أتت النبي ﷺ في الغلس وهي تشكو شيئًا بيدها وهي تقول: لا أنا ولا ثابت بن قيس، فقال رسول الله ﷺ : "يا ثابت خذ منها" فأخذ منها وجلست (٢). الشرح حبيبة بنت سهل، يقال: كان النبي ﷺ همّ بنكاحها قبل أن يزوجها ثابت بن قيس. روت عنها: عمرة بنت عبد الرحمن (٣).

стр. 1367

وثابت بن قيس بن شماس بن ثعلبة بن زهير بن امريء القيس بن مالك بن الحارث بن الخزرج، أبو محمَّد الأنصاري، شهد له النبي ﷺ بالجنة واستشهد باليمامة. روى عنه: أنس بن مالك، ومحمد وقيس وإسماعيل بنوه (١). وحديث حبيبة من رواية مالك عن يحيى، أخرجه أبو داود في "السنن" (٢) عن القعنبي عن مالك ولم يذكر أن حبيبة أخبرت عمرة ولكن قال: عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرته عن حبيبة، وكذلك رواه الشافعي في غير "كتاب الخلع" وهو الصحيح عند الأئمة. وروى البخاري في "الصحيح" (٣) عن محمَّد بن عبد الله بن المبارك، عن قراد أبي نوح، عن جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله ﷺ ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق غير أني أخاف الكفر في الإِسلام. فقال: "أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم، فردت عليه وأمره ففارقها. وروى أيضًا عن أزهر بن جميل، عن عبد الوهاب الثقفي، عن خالد، عن عكرمة مثله (٤)؛ ولم يسم المرأة في الروايتين. وروى عبد الأعلي بن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن

стр. 1368

قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن جميلة بنت السلول أتت النبي ﷺ فقالت: بأبي أنت وأمي ما أنقم على ثابت بن قيس في خلق ولا دين ولكني لا أطيقه بغضًا وأكره الكفر في الإِسلام. فقال: "تردين عليه حديقته؟ " فقالت: نعم، فأمره رسول الله ﷺ أن يأخذ منها ما ساق إليها ولا يزداد. أخرجه أبو عبد الله بن ماجه في "السنن" (١) عن أزهر بن مروان عن عبد الأعلى، وروى الحافظ أبو عبد الله بن منده حديثها مرسلًا ومتصلًا، قال: هي جميلة بنت أبيّ بن سلول أخت عبد الله. ولم يتكلموا في أن الشاكية المختلعة امرأة واحدة، واختلفت الرواية في اسمها أو هما امرأتان، وبتقدير أن تكونا امرأتين لم يذكروا أكانتا جميعًا تحته معًا أو على التعاقب واختلعتا، أم الرواية مختلفة في أن الشاكية المختلعة هذِه أم هذِه؟ وفي "سنن ابن ماجه" (٢) شيء آخر وهو أن مريم المغالية كانت تحت ثابت بن قيس فاختلعت منه، والله أعلم. وفي القصة دليل على جواز الخلع، وعلى أنه يجوز الخلع على جميع ما أعطاها، وعن سعيد بن المسيب أنه لا بد وأن يترك لها شيئًا، وعلى أنه يجوز الخلع في الحيض وفي الطهر الذي جامعها فيه؛ لأنه لم يبحث ولم يستفصل ولولا جوازه في جميع الأحوال لأشبه أن يستفصل، وعلى أنه يجوز الترغيب في الخلع والفراق إذا عرف الشقاق والوحشة بين الزوجين، وعلى أن من جاء لرفع الظلامة يحتمل منه أن ينال من المشكو بالسوء ويدعو عليه، ولا يدخل ذلك في الغيبة

стр. 1369

واستماعها، وعلى أن المرأة تعذر في الخروج بالغلس عند الحاجة. الأصل ومن كتاب إبطال الاستحسان [١٢٦٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن هشام بن عروة: وجاء رسول الله ﷺ العجلاني وهو أحيمر سبي نضو الخلق فقال: يا رسول الله ﷺ رأيت شريك بن السحماء -يعني ابن عمه- وهو رجل عظيم الأليتين أدعج العينين [حال] (١) الخلق يصيب فلانة -يعني امرأته- وهي حبلى وما قربتها مذ كذا، فدعا رسول الله ﷺ شريكًا فجحده ودعا المرأة فجحدت؛ فلاعن بينها وبين زوجها وهي حبلى، ثم قال: "تبصروها فإن جاءت به أدعج عظيم الأليتين فلا أراه إلا قد صدق عليها، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أراه إلا قد كذب" فجاءت به أدعج عظيم الأليتين، فقال رسول الله ﷺ فيما بلغنا: "إن أمره لبين، لولا ما قضى الله" يعني: أنه لمن زنا "لولا ما قضى الله من ألا يحكم على أحد إلا بإقرار أو باعتراف على نفسه لا يحل بدلالة غير واحد منهما وإن كانت بينة" فقال: "لولا ما قضى الله لكان لي فيها قضاء غيره" ولم يعرض لشريك ولا للمرأة، والله أعلم، وأنفذ الحكم وهو يعلم أن أحدهما كاذب ثم علم بعد أن الزوج هو الصادق (٢). الشرح يحكى عن أبي حنيفة القول بالاستحسان، وفسره متقدموا أصحابه

стр. 1370

بمجرد ما يميل الطبع إليه ويقع في النفس، وأنكر الجمهور المصير إليه وقالوا: لم يبعث الأنبياء إلا للمنع من اتباع هوى النفوس، ورد الشافعي عليه فقال: من استحسن فقد شرع، واحتج أيضًا بما ضمه هذا الباب؛ وأما المتأخرون من أصحابه فإنهم استبشعوا ذلك وفسروا الاستحسان بما لا يخالفون فيه. وقوله: عن هشام بن عروة: وجاء رسول الله ﷺ العجلاني قال الحافظ أبو بكر البيهقي (١): توهم أبو عمرو بن مطر أو من خرج "المسند" من "المبسوط" أن قوله: "وجاء العجلاني من قول هشام فركبه على إسناد حديث مالك، وليس للحديث أصل من رواية مالك عن هشام؛ وإنما أراد الشافعي حديث مالك عن هشام عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة المذكور في الباب من بعد، لكنه انقطع في هذا الموضع إما لخلل وقع في نسخة الأصل، أو لقطع الشافعي لكراهيته إثباته من الحفظ، وقصده الرجوع إلى أصله، ثم كتب بلا إسناد "وجاء العجلاني". وفي بعض النسخ العتيقة الأصل بين قوله: عن هشام بن عروة، وبين قوله: "وجاء العجلاني" بدائرة. ثم ما ذكر أن العجلاني قذف امرأته بشريك قد مر أن الروايات المشهورة لا تشتمل عليه، وأن لذلك ذكرًا في رواية الواقدي وغيره. وقوله: "حال الخلق" كأن المراد حليل الخلق ضخم الأعضاء. وقوله: "فدعا شريكًا فجحد" غير مذكور في الروايات الموصولة،

стр. 1371

نعم روي ذلك عن تفسير مقاتل بن حيان، قال الحافظ أبو بكر البيهقي: ويحتمل أن الشافعي أخذه منه فإنه كان مسموعًا له، وذكر في "الأم" في قصة العجلاني أن النبي ﷺ لم يحضر المرمي به. وقوله: "إن أمره لبين" يعني: أمر الولد، فإنه من الزنا، لكن الله تعالى قضى باللعان بأنه لا حد إلا ببينة [أو] (١) اعتراف. وقوله: "إلا بإقرار أو اعتراف على نفسه" قيل: أنه غلط، والصواب إلا ببينة أو اعتراف. وقوله: "وإن كانت بينة" أي: وإن كانت الحال ظاهرة بالأشباه والأمارات، والمقصود أن الحكم يجري على ظاهر الحال والله. وإن كان يستحسن المصير إليها والعمل بمقتضاها. الأصل [١٢٦٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه؛ أن عنده كتابًا من العقول نزل به الوحي وما فرض رسول الله ﷺ من صدقة وعقول، فإنما نزل به الوحي. وقيل: لم يسن رسول الله ﷺ شيئًا قط إلا بوحي الله، فمن الوحي ما يتلى ومنه ما يكون وحيًا إلى رسوله، فيسن به (٢). والله أعلم. الشرح العقول جمع عقل وهو الدية، وبين طاوس أن أقدار الديات والصدقات مأخوذة من الوحي، وأن النبي ﷺ لم يقدر شيئًا منها برأيه واستحسانه، وإذا لم يبين النبي ﷺ الأمر على الرأي والاستحسان مع

стр. 1372

قوة نظره وكرم خلقه فغيره أولى بأن لا يأخذ به. وقوله: "وقيل: لم يسن رسول الله ﷺ " الأشبه بالسياق أنه من كلام طاوس، ويحتمل أن يكون من كلام الشافعي (١). وقوله: "فمن الوحي ما يتلى" المراد منه القرآن. وقوله: "ومنه ما يكون وحيًا إلى رسوله" المراد منه غير ذلك، والوحي أنواع: منه ما كان يأتيه مثل [صلصلة] (٢) الجرس، ومنه ما يتمثل له الملك ويشافهه به (٣)، ومنه نفث الروع (٤)، والأحاديث ناطقة بهذِه الأنواع جميعًا. الأصل [١٢٦٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن هشام [عن أبيه] (٥)، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة، أن رسول الله ﷺ قال: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه؛ فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار" (٦).

стр. 1373

الشرح قد سبق الحديث بشرحه (١)، وفيه دلالة على أنه يحكم بالدليل الظاهر ولا يترك، وإن توهم واستحسن خلافه. الأصل ومن كتاب أحكام القرآن ثلاثة أجزاء: [١٢٦٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة؛ أن [هندًا] (٢) بنت عتبة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ﷺ إن أبا سفيان رجل شحيح وليس لي منه إلا ما يدخل علي. فقال النبي ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٣). الشرح هند بنت عتبة بن ربيعة والدة معاوية وزوجة أبي سفيان بن حرب. روت عنها: عائشة. وحديث مجيئها إلى النبي ﷺ وبيعتها إياه مشهور (٤). والحديث صحيح، أخرجه مسلم (٥) عن علي بن حجر عن علي بن مسهر عن هشام، والبخاري (٦) عن محمَّد بن المثنى عن يحيى،

стр. 1374

بروايتهما عن هشام، واللفظ "ليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم" والباقي كما سبق. وقوله: "ومن كتاب أحكام القرآن" هذا من كتب "الأم" ضمنه الكلام في آيات كثيرة ناطقة بالأحكام الفقهية، وهو في قدر ثلاثة أجزاء. وفي الحديث دلالة على وجوب نفقة الزوجة والولد، وعلى أن نفقة الولد على الكفاية، وقد يستدل به لقولٍ روي عن الشافعي؛ أن نفقة الزوجة أيضًا على الكفاية، والظاهر خلافه، واستدل به على أنه يجوز لمن منع حقه أن يشكو ويتظلم، وعلى أنه يجوز أن يذكره بالسوء على غيبته، وعلى أن للمرأة أن تخرج من بيتها للاستفتاء والتظلم، وعلى أنه يجوز الإصغاء إليها ولا يجعل صوتها عورة، وعلى أن من له حق على غيره وهو ممتنع له أن يأخذ من ماله من غير شعوره، وعلى أنه لا فرق بين أن يكون من جنس حقه أو من غير جنسه؛ فإنه أطلق، وعلى أن الأم يجوز أن تقوم بأمر الولد؛ لأنه جوز لها الأخذ والإنفاق في حياة الأب لامتناعه فكذلك بعد موته، وهذا وجه الأصحاب، والظاهر خلافه، وعلى أنه يجوز للقاضي أن يقضي على الغائب وأن يقضي بعلمه، لكن قيل أنه أفتى ولم يقض، والله أعلم. الأصل [١٢٦٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن محمَّد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ﷺ عندي دينار. قال: "أنفقه على نفسك" قال: عندي آخر.

стр. 1375

قال: "أنفقه على ولدك". قال: عندي آخر. قال: "أنفقه على أهلك". قال: عندي آخر. قال: "أنفقه على خادمك". قال: عندي آخر. قال: "أنت أعلم". قال سعيد: ثم يقول أبو هريرة إذا حدث بهذا الحديث: يقول ولدك: أنفق علي، إلى من تكلنُي، تقول زوجتك: أنفق علي أو طلقني، يقول خادمك: أنفق علي أو بعني (١). الشرح أخرج أبو داود الحديث في "السنن" (٢) عن محمَّد بن كثير عن سفيان عن محمَّد بن عجلان بإسناده، واللفظ: أمر النبي ﷺ بالصدقة، فقال رجل: يا رسول الله ﷺ عندي دينار. قال: "تصدق به على نفسك". قال: عندي آخر. قال: "تصدق به على ولدك". قال: عندي آخر. قال: "تصدق به على زوجتك". قال: عندي آخر. قال: "تصدق به على خادمك". قال: عندي آخر. قال: "أنت أبصر".

стр. 1376

وكأن المعنى أن النبي ﷺ حث على صدقة التطوع فراجعه الرجل فيما عنده، فبين له أن الإنفاق في هذه الجهات أهم فإنها واجبة؛ وإنما يندب إلى الصدقة التطوع بعد أداء الواجبات، ثم قال أبو سليمان الخطابي: إذا تأملت الترتيب المذكور علمت أنه ﷺ قدم الأولى فالأولى، فأمره أن يبدأ بنفسه ثم بولده؛ لأنه بعضه ولو ضيعه لم يجد من ينوب عنه في الإنفاق، وأخر الزوجة لأنه إذا لم يجد ما ينفقه عليها يفرق بينهما وكان لها من يمونها من زوج ومحرم ثم ذكر الخادم الذي يباع عند الإعسار فينفق عليه من يبتاعه، قال: وقياس هذا أن يقدم في صدقة الفطر الولد على الزوجة، والمعنى فيه أن نفقة الولد تجب بحق النسب، ونفقة الزوجة بحق النكاح، والنكاح قد ينقطع بالطلاق والنسب لا ينقطع. وقول أبي هريرة "تقول زوجتك: أنفق علي أو طلقني" ذكر الشافعي أن فيه إشارة إلى أن لها أن تطلب التفريق بتعذر النفقة، ولا يمكن من إمساكها بلا نفقة كما لا يمكن من إمساك الخادم بلا نفقة. الأصل [١٢٧٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن أبي الزناد قال: سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته؟ قال: يفرق بينهما. قال أبو الزناد: قلت: سنة؟ قال سعيد: سنة. قال الشافعي: والذي يشبه قول سعيد: "سنة" أن تكون سنة رسول الله ﷺ (١).

стр. 1377

[١٢٧١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم بن خالد، عن عبيد الله ابن عمر، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن عمر بن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم، فأمرهم أن يأخذوهم بأن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا (١). الشرح الرواية عن سعيد بن المسيب صحيحة، وقد روى إسحاق بن منصور عن حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أيضًا أنه قال في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته: يفرق بينهما (٢). ولفظ السنة عند الإطلاق يحمل على سنة النبي ﷺ على ما ذكره الشافعي، سيما إذا وقع [في] (٣) كلام الصحابة والتابعين، ويؤيد ما ذكره أن إسحاق بن منصور روى عن حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة؛ أن النبي ﷺ قال في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته: "يفرق بينهما" (٤). وروى سعيد بن أبي أيوب، عن محمَّد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح؛ عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "خير الصدقة ما كان منها عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد

стр. 1378

السفلى، وابدأ بمن تعول". قيل: ومن أعول يا رسول الله ﷺ ؟ قال: "امرأتك تقول: أطعمني وإلا فارقني، خادمك يقول: أطعمني واستعملني، ولدك يقول: إلى من تتركني" (١). وثبت عن عمر ﵁ القضاء بأن يفرق بين الزوج وامرأته إذا لم ينفق عليها، وفي الأثر المنقول عنه دلالة عليه، وعلى أن الزوج إذا غاب عن زوجته لا تسقط نفقتها، بل تصير دينًا عليه يؤخذ به خلافًا لأبي حنيفة، حيث قال: نفقة الزوجة لا تصير دينًا في الذمة إلا بفرض القاضي، وفيه إشارة إلى أن وجوب النفقة عليه لحبسه إياها. الأصل [١٢٧٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد العزيز بن محمَّد الدراوردي، عن محمَّد بن عمر، عن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قال: أن تبذو على أهل زوجها فإذا بذت فقد حل إخراجها (٢).

стр. 1379

الشرح لا خلاف في أن المطلقة الرجعية تستحق النفقة والسكنى، وفي البائنة ثلاث مذاهب: فعن ابن عباس: أنه لا نفقة لها ولا سكنى إلا أن تكون حاملًا، وبه قال الحسن وعطاء بن أبي رباح والشعبي وأحمد وإسحاق، واحتجوا بما روي عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثًا فلم يجعل لها رسول الله ﷺ سكنى ولا نفقة وأمرها أن تعتد عند ابن أم مكتوم فاعتدت عنه (١). وعن عمر وابن مسعود أن لها السكنى والنفقة حاملًا كانت أو حائلًا كالرجعية، وبه قال النخعي وسفيان وأبو حنيفة. وقال آخرون: لها السكنى بكل حال ولا نفقة لها إلا أن تكون حاملًا ويحكى هذا عن ابن المسيب والزهري، وبه قال مالك والأوزاعي والشافعي، ويدل على وجوب السكنى قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٣). وتكلموا في قصة فاطمة بنت قيس من وجهين: أحدهما: عن عروة، عن عائشة أن فاطمة كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها، فلذلك رخص لها النبي ﷺ في الانتقال. والثاني: عن سعيد بن المسيب أن فاطمة إنما نقلت لطول لسانها

стр. 1380

على أحمائها. وفسر ابن عباس "الفاحشة" في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ على بذاءة اللسان، ويقال: بَذُأَ يَبْذَؤُ: إذا فحش. وعن ابن عباس تفسير "الفاحشة" بالزنا. وقال: المراد أنها إذا زنت تخرج لإقامة الحد عليها، وأنكرت عائشة وابن المسيب [على] (١) فاطمة بنت قيس حيث أطلقت أن النبي ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة من غير أن تذكر السبب الذي نقلت به من بيت زوجها (٢). الأصل [١٢٧٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ قبض عن تسع نسوة وكان يقسم منهن لثمان (٣). [١٢٧٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن هشام، عن أبيه أن سودة وهبت يومها لعائشة (٤). [١٢٧٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن أبي رواد، عن ابن جريج، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ خطبها فساق نكاحها وبناءه بها، وقوله لها: إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن (٥).

стр. 1381

الشرح حديث عطاء عن ابن عباس قد مرَّ مرَّة وذكرنا هناك أن سودة وهبت نوبتها (١). وحديث ابن جريج عن أبي بكر، وقوله: "فساق نكاحها ... إلى آخره" إشارة إلى ما تقدم من رواية ابن جريج عن حبيب بن أبي ثابت عن عبد الحميد بن عبد الله والقاسم بن محمَّد بن عبد الرحمن عن أبي بكر بن عبد الرحمن في خطبتها ونكاحها وزفافها وذكر التسبيع، وكأن رواية ابن جريج عن أبي بكر ها هنا مرسلة. الأصل [١٢٧٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جمهان مولى الأسلميين، عن أم بكرة الأسلمية؛ أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن أسيد ثم أتيا عثمان في ذلك فقال: هي تطليقة إلا أن تكون سميت شيئًا فهو ما سميت (٢). الشرح جمهان مولى الأسلميين، يكنى أبا العلاء. روى عن: عثمان، وسعد. وروى عنه: عروة بن الزبير. وعن الشافعي أنه قال: لا أعرف جمهان ولا أم بكرة بشيء يثبت به خبرهما، وعن أحمد بن حنبل أنه قال: لا أعرف جمهان (٣).

стр. 1382

وعبد الله بن أسيد يمكن أن يكون هو الخولاني الحدادي الذي شهد فتح مصر، ويمكن أن يكون عبد الله بن أسيد بن عبد الرحمن بن قيس بن سيار بن جابر الذي كان على صدقات بكر بن وائل. وقضية الأثر أن الخلع طلاق ينتقص به العدد لا فسخ. وقوله: "إلا أن تكون سميت شيئًا" أي: هو طلقة واحدة إلا إذا سميت عددًا فيقع ذلك العدد. ويروى القول بأن الخلع طلاق عن علي وابن مسعود أيضًا، وعن عباد بن كثير عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ جعل الخلع تطليقة بائنة (١). لكن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والبخاري ضعفوا عبادًا وتكلم فيه شعبة أيضًا، وعن أبي بكر بن المنذر أن أحمد بن حنبل ضعف حديث عثمان، وأن في إسناد حديث علي وابن مسعود مقالًا، وأن أصح شيء في الباب حديث ابن عباس، وأراد به ما رواه عنه طاوس أنه قال في رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه أنه يتزوجها. وعن عكرمة أيضًا أن الخلع فسخ، وهو قول الشافعي في "القديم".

стр. 1383

الأصل [١٢٧٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس وابن الزبير؛ أنهما قالا في المختلعة يطلقها زوجها قالا: لا يلزمها طلاق؛ لأنه طلق ما لا يملك (١). الشرح قد سبق هذا [الأثر والقول] (٢) والأثر فيه. الأصل [١٢٧٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عمي محمَّد بن علي بن شافع، عن عبد الله بن علي بن السائب، عن نافع بن عجير بن عبد يزيد؛ أن ركانة ابن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة المزنية البتة، ثم أتى رسول ﷺ فقال: يا رسول الله إني طلقت امرأتي سهيمة البتة، ووالله ما أردت إلا واحدة [فقال رسول الله ﷺ لركانة: "والله ما أردت إلا واحدة؟ " فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة] (٣)، فردها إليه رسول الله ﷺ فطلقها الثانية في زمان عمر، والثالثة في زمان عثمان (٤). [١٢٧٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن عمرو، سمع محمَّد بن عباد بن جعفر يقول: أخبرني المطلب بن حنطب؛ أنه طلق امرأته البتة ثم أتى عمر بن الخطاب فذكر له ذلك، فقال: ما حملك على ذلك؟

стр. 1384

قال: قلت: قد فعلت. قال: فقرأ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ما حملك على ذلك؟ قال: قد فعلت. قال: أمسك عليك امرأتك فإن الواحدة تبت (١). [١٢٨٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن سليمان بن يسار؛ أن عمر بن الخطاب قال للتوءمة مثل قوله للمطلب (٢). الشرح حديث ركانة قد سبق بالإسناد المذكور ها هنا على زيادة ونقصان في القصة، وبينا هناك اختلاف أهل العلم فيمن طلق امرأته البتة، وأن عمر ﵁ قال: إنها تطلق واحدة إلا أن ينوي زيادة وتلك الطلقة تكون رجعية إذا كانت هي مدخولًا بها، والأثر المذكور ها هنا يبينة. وقولة عمر: "ما حملك على ذلك" يجوز أن يريد به أصل الطلاق فهو مكروه في الجملة، ويجوز أن يريد لفظ البتة، فقد روي عن شريح أنه سئل عن [رجل] (٣) قال لامرأته: أنت طالق البتة. فقال: أما الطلاق فسنة وأما البتة فبدعة، فقلدوها إياه ودينوه فيها (٤). وقوله: "أمسك عليك امرأتك" كأنه يريد: راجعها إن شئت.

стр. 1385

وقوله: "فإن الواحدة تبت" أي: وصف الطلقة بالبتة لا يقتضي الإبانة؛ فإن البت القطع، وطلقة بتة وباتة أي: قاطعة، والطلقة الواحدة تقطع الحل فليس من ضرورة اللفظة الثلاث، ولا تجوز الطلقة الثانية، وروي عن عطاء أنه سئل عن البتة، فقال: يدين، إن أراد الثلاث فثلاث وإلا فهي واحدة. [و] (١) عن سعيد بن جبير مثله. الأصل [١٢٨١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ربيعة، عن القاسم بن محمَّد، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: كانت في بريرة ثلاث سنن، فكانت في إحدى السنن أنها أعتقت فخيرت في زوجها (٢). [١٢٨٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنه كان يقول في الأمة تكون تحت العبد فتعتق: أن لها الخيار ما لم يمسها، فإن مسها فلا خيار لها (٣). [١٢٨٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير؛ أن مولاة لبني عدي بن كعب يقال لها: زبراء أخبرته أنها كانت [تحت] (٤) عبد وهي أمة يومئذٍ فعتقت، قالت: فأرسلت إلى حفصة زوج النبي ﷺ فدعتني فقالت: إني مخبرتك خبرًا ولا أحب أن تصنعي شيئًا، إن أمرك بيدك ما لم يمسك زوجك. قالت: ففارقته ثلاثًا (٥). [١٢٨٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن أيوب بن أبي

стр. 1386

تميمة، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه ذكر عنده زوج بريرة، فقال: كان ذلك مغيث عبد بني فلان، كأني أنظر إليه يتبعها في الطريق وهو يبكي (١). [١٢٨٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، وأبنا القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر؛ أن زوج بريرة كان عبدًا (٢). الشرح زبراء مولاة لبني عدي. روت عن: حفصة. وروى عنها: عروة بن الزبير (٣). ويقال أنها كانت أمة نوبية، وفي بعض الروايات في حديث حفصة بدل: "وهي أمة يومئذٍ": "وهي أمة نوبية". ومغيث زوج بريرة كان عبدًا أسود، ويروى أنه كان مملوكًا لآل أبي أحمد. والقاسم بن عبد الله العمري ممن تكلموا فيه (٤). وقول عائشة ﵂: "كانت في بريرة ثلاث سنن" تريد به ما روي في "الصحيحين" (٥) من حديث غندر عن شعبة عن عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها أرادت أن تشتري بريرة فتعتقها وأراد مواليها أن يشترطوا الولاء، فقال النبي ﷺ : "اشتريها وأعتقيها فإن

стр. 1387

الولاء لمن أعتق". قالت: وأتي بلحم فقال: "ما هذا"؟ قالوا: هذا أهدته إلينا بريرة تصدق به عليها. فقال ﷺ : "هو لها صدقة ولنا هدية" وخيرت حين عتقت. وروى مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن حسين بن علي، عن زائدة، عن سماك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها اشترت بريرة من أناس من الأنصار واشترطوا الولاء، فقال رسول الله ﷺ : "الولاء لمن ولي النعمة" وخيرها رسول الله ﷺ ، وكان زوجها عبدًا، وأهدت لعائشة لحمًا، فقال رسول الله ﷺ : "لو صنعتم لنا من هذا اللحم"؟ قالت عائشة: تصدق به على بريرة. فقال: "هو لها صدقة ولنا هدية" (١). وصنف الإِمام محمَّد بن إسحاق بن خزيمة كتابًا في القضايا المتعلقة ببريرة. ولا خلاف في أن الأمة إذا أعتقت وهي تحت عبد أن لها الخيار بين أن تقيم النكاح وبين أن تفسخه، وإن أعتقت وهي تحت حر فعند الأوزاعي ومالك وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وإسحاق: "لا خيار لها" وعند الشعبي والنخعي وسفيان الثوري وأبو حنيفة: "لها الخيار" واحتجاجًا (٢) بما روي عن الأسود عن عائشة أنها قالت: كان زوج بريرة حرًّا، فخيرها رسول الله ﷺ (٣).

стр. 1388

لكن رواية عكرمة عن ابن عباس تدل على أنه كان عبدًا، وقد روى البخاري في "الصحيح" عن قتيبة عن عبد الوهاب الثقفي عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان زوج بريرة عبدًا أسود، وكان يقال له: مغيث عبد لبني فلان، كأني أنظر إليه يطوف خلفها في سكك المدينة يبكي (١). وروى أيضًا في "الصحيح" عن محمَّد، عن عبد الوهاب، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن زوج بريرة كان عبدًا يقال له: مغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته. فقال النبي ﷺ للعباس: " ألا تعجب من حب مغيث بريرة وبغض بريرة مغيثًا". فقال النبي ﷺ : "لو راجعتيه فإنه أبو ولدك". قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: "لا، إنما أشفع". قالت: فلا حاجة لي فيه (٢). وروى ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن زوج بريرة كان عبدًا (٣). ورواية الأسود، عن عائشة تعارضها رواية عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة وقد ذكرناها، [و] (٤) رواية عروة عن عائشة أنها قالت: كان زوجها عبدًا، فخيرها رسول الله ﷺ ولو كان حرًّا لم يخيرها.

стр. 1389

رواه مسلم في "الصحيح" (١) عن أبي خيثمة زهير بن حرب، عن جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه. ورجحت روايتهما؛ فإنها خالة عروة وعمة القاسم، وكانا يدخلان عليها ويسمعان من غير حجاب، والأسود يسمع منها من وراء حجاب، وكانت روايتهما أبعد من الغلط، وروت أيضًا عمرة عن عائشة أن رسول الله ﷺ خيرها وكان زوجها مملوكًا (٢). وعن صفية بنت [أبي] (٣) عبيد أن زوج بريرة كان عبدًا (٤). على أن أبا حذيفة روى عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم. وأبا جعفر الرازي روى عن الأعمش [عن إبراهيم] (٥) عن الأسود، عن عائشة أن زوج بريرة كان عبدًا (٦). قال الشافعي: ولا يمكن قياس ما إذا عتقت تحت عبد؛ لأن العبد لا يكافئها بعد كمالها بالعتق، ولا يقدر على الإحسان إليها، ولا ينفق على ولدها منه، ولا يرث ولا يورث، والحر بخلافه، واستدل بإثبات الخيار على أن زوال الملك عنها لا يخرجها عن ملك الزوج حتى يفسخ، وقال (٧): إذا لم يوجب خروجها عن ملك السيد بالعتق زوال النكاح، فانتقالها من مالك إلى مالك أولى أن لا يجب زواله، وردَّ بذلك على من قال: "أن بيع الأمة طلاقها". قال: وبريرة قد خرجت من رق مالكها إلى ملك عائشة، ومن

стр. 1390

ملك عائشة إلى العتق فجمعت الخروجين من الرق إلى الرق ومن الرق إلى العتق، ثم خيرها رسول الله ﷺ بعدهما. ثم خيار العتق على الفور في القول الأظهر للشافعي حتى إذا أخرت الفسخ مع الإمكان بطل حقها، وفيه قول: أن لها الخيار ما لم تمكن الزوج من الوطء، لحديث حفصة، ويروى عن الشافعي أنه قال في "أمالي النكاح": ولا أعلم في توقيت الخيار شيئًا يتبع إلا قول حفصة، وفي تركها إياه أن يمسها كالدلالة على ترك الخيار. وقولها: "ولا أحب أن تصنعي شيئًا" كأنها تريد: ولا أحب أن تفارقيه ولا آمرك به، لكن أخبرك أن لك ذلك. وقولها: "ففارقته ثلاثًا" يجوز أن تريد به بعد ثلاث، ويجوز أن تريد مفارقة مؤكدة كالمفارقة بالطلقات الثلاث، ويجوز أن تريد فسألته الطلاق ففارقته ثلاث طلقات، وسيأتي ما يدل على التنزيل الثالث، وأثر ابن عمر في التوقيت بالمسيس يوافق ما ذكرته حفصة، ويروى في بعض الروايات عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قصة بريرة؛ أن النبي ﷺ خيرها وقال لها: "إن قربك فلا خيار لك" (١). الأصل [١٢٨٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس أن النبي ﷺ حين لاعن بين المتلاعنين أمر رجلًا أن يضع يده على فيه عند الخامسة وقال: "إنها موجبة" (٢).

стр. 1391

[١٢٨٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد قال: شهدت المتلاعنين عند النبي ﷺ وأنا ابن خمس عشرة سنة ... ثم ساق الحديث فلم يتقنه إتقان هؤلاء (١). [١٢٨٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، أن يحيى بن سعيد حدثه، عن القاسم بن محمَّد، عن ابن عباس أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما لي عهد بأهلي منذ عفار النخل -قال: وعفارها: أنها إذا كانت تؤبر تعفر أربعين يومًا لا تسقى بعد الإبار- قال: فوجدت مع امرأتي رجلًا، قال: وكان زوجها مصفرًا، حمش الساقين، سبط الشعر، والذي رميت به خدلًا إلى السواد، جعدًا، قططًا، مستهًّا. فقال رسول الله ﷺ : "اللهم بيِّن" ثم لاعن بينهما، فجاءت برجل يشبه الذي رميت به (٢). الشرح كليب والد عاصم: هو ابن شهاب الجرمي، يعد في الكوفيين. سمع: عمر، وعليًّا. وروى عنه: ابنه عاصم، وإبراهيم بن مهاجر (٣). وحديث ابن عباس الأول أخرجه البخاري في "الصحيح" (٤) من رواية عكرمة عنه فقال في خلال قصة هلال بن أمية: فلما كان عند الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. قالوا لها: إنها موجبة.

стр. 1392

قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها سترجع. فيستحب وقف الزوجين عند الكلمة الخامسة وتذكيرهما بالله ، وأن يضع رجل يده على فم الملاعن عند الخامسة، وامرأةٌ يدها على فم المرأة فلعل الكاذب منهما [يرجع] (١). وقوله: "فإنها موجبة" أي: للعذاب وشدة عقوبة الكاذب. وحديث سهل بن سعد قد سبق بروايات. وقوله: "ثم ساق الحديث فلم يتقنه إتقان هؤلاء" من كلام الشافعي ذكره بعدما روى الحديث من رواية مالك وإبراهيم بن سعد وعبد الله بن نافع عن ابن أبي ذئب، أي لم يتقن سفيان القصة كما أتقن الأولون، وكان الأولى لمخرج "المسند" أن يذكر هذِه الرواية عقيب تلك الروايات أو يترك هذِه الكلمة ها هنا. قال الشافعي (٢): ولما حكى سهل بن سعد شهود المتلاعنين مع حداثته، وحكاه ابن عمر؛ استدللنا على أن اللعان لا يكون إلا بمحضر من طائفة من المؤمنين. وحديث ابن عباس الأخير روى بعضهم (٣) سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم عن ابن عباس. وقوله: "منذ عفار النخل" قد فسر العفار في الخبر، ويقال: عفرته في التراب أعفره أي: مرغته، وفي "كتب اللغة" أن عفار النخل: إصلاحها وتلقيحها، والإبار: تلقيح النخل، على وزن الإزار، وسائر

стр. 1393

ما يحتاج إلى معرفته قد مرّ في أحاديث اللعان. الأصل [١٢٨٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي أبنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد، عن أبيه؛ أن النبي ﷺ قال: "أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يكن فحرم من أجل مسألته" (١). [١٢٩٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد، عن أبيه، عن النبي ﷺ بمثل معناه (٢). الشرح هذا الحديث قد ضمناه شرح أحاديث اللعان، وبينا المعرض الذي أورده الشافعي فيه، ويشبه أن لا يكون المراد من الجرم الذنب، وأن يكون المعنى: أشد ما اكتسبه وأشقه على المسلمين، فقال: جرم، واجترم أي: اكتسب. الأصل [١٢٩١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة؛ أن رجلًا من أهل البادية أتى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، فقال له النبي ﷺ : "هل لك من إبل"؟ قال: نعم. فقال: "ما ألوانها"؟ قال: حمر. قال: "هل فيها من أورق"؟ قال: نعم.

стр. 1394

قال: "أنى ترى ذلك"؟ قال: عرق نزعه. فقال النبي ﷺ : "فلعل هذا نزعه عرق" (١). [١٢٩٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة؛ أن أعرابيًّا من بني فزارة أتى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود؟! فقال النبي ﷺ : "هل لك من إبل"؟ قال: فعم. قال: "فما ألوانها"؟ قال: حمر. قال: "هل فيها من أورق"؟ قال: إن فيها أورقًا. قال: "فأنى أتاها ذلك"؟ قال: لعله نزعه عرق. فقال النبي ﷺ : "وهذا [لعله] (٢) نزعه عرق" (٣). والله أعلم. الشرح حديث مالك رواه البخاري في "الصحيح" (٤) عن ابن أبي أويس عنه، وحديث سفيان رواه مسلم (٥) عن قتيبة وغيره عنه، ورواه معمر عن الزهري وزاد فيه: وهو يعرِّض بأن ينفيه عنه (٦)، ورواه أبو داود (٧) عن ابن أبي خلف عن سفيان.

стр. 1395

والأورق: الذي لونه لون الرماد، يقال: إبل (١) أورق وحمامة ورقاء. وقوله: "عرق نزعه" أي: جذبه إلى الشبه بمن خرج شبيهًا به، يقال: نزع أهله وإلى أهله أي: حنوا إليه وحن إليهم، ورامٍ شديد النزع أي: قوي الجذب للوتر، وما لي أنازع بالقرآن أي: أجاذب قراءته في الصلاة. واحتج بالحديث على أن من أتت امرأته بولد يمكن أن يكون منه لا يحل له نفيه، وإن لم يشبهه في اللون والشكل، وعلى أن الحدّ لا يجب بالتعريض وإنما يجب بالقذف الصريح، وعلى إثبات القياس حيث جوز تعليل اختلاف اللون في الإبل بنزع العرق وقاس عليه اختلاف اللون في الآدميين. الأصل [١٢٩٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس؛ أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب بالشام، فبعث إليها وكيله بشعير فسخطت. فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت النبي ﷺ فذكرت ذلك له. فقال: "ليس لك عليه نفقة" (٢).

стр. 1396

الشرح أبو عمرو: هو ابن حفص بن المغيرة المخزومي زوج فاطمة، قيل: اسمه أحمد، وقيل: عبد الحميد، قال الحافظ أبو عبد الله بن منده: روى عنه: عمر بن الخطاب، وناشرة بن سمي، وزوجته فاطمة بنت قيس (١). والحديث مدون في "الموطأ" (٢) وأخرجه مسلم (٣) عن يحيى بن يحيى عن مالك وتمام الحديث بعد قوله: "ليس لك عليه نفقة": وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: "تلك امرأة يغشاها أصحابي فاعتدي عند ابن أم مكتوم؛ فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك، فإذا حللت فآذنيني". قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية وأبا جهم خطباني ... إلى آخره. وهذِه البقية من قوله: "فإذا حللت فآذنيني" قد مر في الكتاب بالإسناد المذكور ها هنا. وقوله: "طلقها البتة" أي: طلقها ثلاثًا، ويقال: أنه كان قد طلقها طلقتين ثم طلقها الثالثة، وفي رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن أن فاطمة بنت قيس أخبرته أنها كانت عند أبي عمرو بن حفص بن المغيرة فطلقها آخر ثلاث تطليقات. والحديث يدل على أن المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها في العدة، وكان

стр. 1397

الوكيل متطوعًا بما بعث إليها، نعم لو كانت حاملًا فلها النفقة على ما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ (١). ويروى أن أبا عمرو طلق فاطمة ثلاثًا بكلمة واحدة (٢). واحتج الشافعي بهذِه الرواية على أن الجمع بين الثلاث ليس بمحرم؛ لأن النبي ﷺ ما عاب ذلك ولا أنكر عليه. الأصل [١٢٩٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن محمَّد بن إياس بن البكير قال: طلق رجل امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل [بها] (٣)، ثم بدا له أن ينكحها فجاء يستفتي، فذهبت معه أسأل له، فسأل أبا هريرة وعبد الله بن عباس عن ذلك، فقالا: لا نرى أن تنكحها حتى تنكح زوجًا غيرك. قال: إنما كان طلاقي إياها واحدة. فقال ابن عباس: إنك أرسلت من يدك ما كان من فضل. قال الشافعي: وما عاب ابن عباس ولا أبو هريرة عليه أن يطلق ثلاثًا (٤). [١٢٩٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بكير، عن النعمان بن أبي عياش الأنصاري، عن عطاء بن يسار قال: جاء رجل يستفتي عبد الله بن عمرو عن رجل طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يمسها.

стр. 1398

قال عطاء: فقلت: إنما طلاق البكر واحدة. فقال عبد الله بن عمرو: إنما أنت قاص، الواحدة تبتها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجًا غيره. قال الشافعي: ولم يقل له عبد الله: بئس ما صنعت حين طلقت ثلاثًا (١). [١٢٩٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بكير أخبره، عن ابن أبي عياش أنه كان جالسًا مع عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر قال: فجاءهما محمَّد بن إياس بن البكير فقال: إن رجلًا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، فماذا تريان؟ فقال ابن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول، اذهب إلى ابن عباس وأبي هريرة فإني تركتهما عند عائشة [فسلهما] (٢) ثم ائتنا فأخبرنا فذهب فسألهما، قال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة. فقال أبو هريرة: الواحدة تبتها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجًا غيره، وقال ابن عباس مثل ذلك. قال الشافعي: ولم يعيبا عليه الثلاث، ولا عائشة (٣). [١٢٩٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة؛ أن مولاة لبني عدي يقال لها: زبراء أخبرته أنها كانت تحت عبدٍ وهي أمة يومئذٍ فعتقت، قالت: فأرسلت إلى حفصة فدعتني فقالت: إني

стр. 1399

مخبرتك خبرًا ولا أحب أن [تصنعي] (١) شيئًا، إن أمرك بيدك ما لم يمسك زوجك، قالت: ففارقته ثلاثًا. قال الشافعي: ولم تقل لها حفصة: لا يجوز أن تطلقي ثلاثًا (٢). الشرح ابن أبي عياش الجالس مع عبد الله بن الزبير: هو معاوية بن أبي عياش الزرقي الأنصاري أخو النعمان بن أبي عياش. روى عنه: محمَّد بن إسحاق، وبكير بن الأشج (٣). وعاصم بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي (٤). روى عنه: عروة بن الزبير، وابنه حفص. وسمع هو: أباه، ويكنى أبا عمر، وقيل: أبا عمرو. توفي سنة [سبعين] (٥). وقد قدمنا أن بعض العلماء ذهب إلى أن من طلق امرأته قبل الدخول ثلاثًا لا تقع إلا واحدة، وحملوا على ذلك رواية طاوس أن أبا الصهباء قال لابن عباس: إنما كانت الثلاث على عهد رسول الله ﷺ تجعل واحدة، فقال: نعم (٦).

стр. 1400

وسألت عليه أهل العلم قالوا بوقوع الثلاث، وأولوا ما قاله ابن عباس، فكأن الذي طلق امرأته ثلاثًا قبل الدخول ثم أراد أن ينكحها فيما رواه محمَّد بن إياس بن البكير يظن أنه لا تقع إلا واحدة، فسأل أبا هريرة وابن عباس فحكما بوقوع الثلاث. وقول ابن عباس: "أرسلت من يدك ما كان من فضل" أي: أرسلت التطليقات معًا، ويروى عن الشعبي عن ابن عباس في رجل طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها قال: عقدة كانت بيده أرسلها جميعًا وإذا كانت تترى فليس بشيء (١). يريد أنه إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، لا تقع الثلاث، بل تبين بالأولى. وأما الأثر عن عبد الله بن عمرو، فعن مسلم بن الحجاج أن إدخال النعمان بن أبي عياش في الإسناد وهم من مالك، ورواه يحيى بن سعيد القطان ويزيد بن هارون وعبدة بن سليمان عن يحيى بن سعيد عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن عطاء من غير توسيط النعمان. وفتوى عبد الله بن [عمرو] (٢) توافق فتوى أبي هريرة وابن عباس. وقوله: "إنما أنت قاص" أي: ليس لك فقه وقوة نظر. وقوله: "الواحدة تبتها" أي: تبينها، وكذلك هو في بعض الروايات، ويؤيد ذلك [ما (٣) روي] عن ابن الزبير وعاصم، وفيه أنه لما [لم (٤)] يكن عندهما جواب المسألة أفصحا به ولم يستحييا، ثم دلا له على من يعرف الجواب، ثم أمراه بأن يخبرهما بالجواب حرصًا على

стр. 1401

العلم، وفيه أنهم كانوا يعتمدون خبر الواحد. وقول ابن عباس لأبي هريرة: "أفته" يدل على منزلة أبي هريرة في العلم وتوقير الناس إياه، ثم وافقه ابن عباس على جوابه، وروى الأثر حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد وزاد فيه: فتابعتهما عائشة. وأثر حفصة قد مرّ عن قريب. واستدل الشافعي بهذِه الآثار ونحوها على أن الجمع بين الطلقات الثلاث لا يحرم فقال: ما عاب أبو هريرة ولا ابن عباس ولا عبد الله بن عمرو ولا عائشة ولا حفصة الجمع بينها، ولو حرم ذلك لأشبه أن يعيبوه وينكروا عليه، ألا ترى إلى ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في رجل طلق امرأته ألفًا، فقال: أما ثلاث فتحرم عليك امرأتك، وبقيتهن عليك وزر اتخذت آيات الله هزوًا (١). فعاب عليه ما لم يجعلها الله إليه. الأصل [١٢٩٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا أنس بن عياض، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب ابنة أم سلمة، عن أم حبيبة بنت أبي سفيان قالت: يا رسول الله ﷺ هل لك في أختي ابنة أبي سفيان؟ فقال رسول الله ﷺ : "فاعل ماذا قالت تنكحها [قال] (٢) أختك"؟ قالت: نعم [قال: أو تحبين ذلك؟ قالت (٣): نعم]. لست [بمخلية] (٤) لك وأحب من شركني في

стр. 1402

خيرٍ أختي، قال: "فإنها لا تحل لي". فقلت: والله لقد أخبرت أنك تخطب ابنة أبي سلمة؟ قال: "بنت أم سلمة؟ " قالت: نعم. قال: "فوالله لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأباها ثويبة، فلا تعرض علي بناتكن ولا أخواتكن" (١). الشرح أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية القرشية أم المؤمنين، كانت تحت عبد الله بن جحش فتنصر وهلك بأرض الحبشة، فنكحها رسول الله ﷺ سنة ست من الهجرة. سمعت: النبي ﷺ ، وزينب بنت جحش. وروى عنها: عنبسة أخوها، وحبيبة ابنتها، وزينب بنت أبي سلمة، وأنس بن مالك، ومعاوية بن خديج. وتوفيت سنة اثنتين وأربعين (٢). وثويبة مولاة لأبي لهب كان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي ﷺ ، ويقال: أن أبا لهب رؤي في المنام بشرّ حِيبة، أي: بشر حال، والحِيبة: الهم والحاجة، فقال: لم ألق خيرًا غير أني سقيت في هذِه بعتاقي ثويبة. قيل: أشار بقوله: "في هذه" إلى [...]، (٣) التي بين الإبهام والسبابة.

стр. 1403

وذكر الحافظ أبو عبد الله بن منده أنه اختلف في إسلامها. والحديث صحيح، أخرجه البخاري (١) عن الحميدي عن سفيان، ومسلم (٢) عن أبي كريب عن أبي أسامة، بروايتهما عن هشام بن عروة، وبطرق أخر عن الزهري عن عروة. وقولها: "لست بمخلية لك" أي: منفردة، ويقال: أخلى وخلا بمعنى واحد. وأخت أم حبيبة يقال: اسمها عزة، وبنت أبي سلمة اسمها درة، وفي بعض الروايات ذكر اسمها. وقوله: "أرضعتني وأباها" يريد أبا سلمة، وصحف بعضهم هذه اللفظة فقال: "أرضعتني وإياها" ولو كان كذلك لكانت أخته من الرضاعة لا بنت أخيه، وقد قال: "إنها لابنة أخي". وقوله: "لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي" أي: اجتمع فيها سببا تحريم: كونها ربيبة، وكونها بنت أخ من الرضاعة. واحتج به على أن حرمة الرضاع تثبت من جهة الفحل؛ فإنه ﷺ أثبت عمومة الرضاع، لكنه لما أرضعت ثويبة النبي ﷺ وأبا سلمة كانا أخوين من الأم وإن لم يثبت التحريم من جهة الأم، ويتفرع على أخوة الأم من الرضاع عمومة الأم وذلك كافٍ في التحريم، وفيه أنه لا بأس بما يجيء في الكلام من الحلف بالله تعالى للتوكيد. الأصل [١٢٩٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن محمَّد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة؟ أن رسول الله ﷺ -قال:

стр. 1404

"ذروني ما تركتكم فإنه إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فما أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا" (١). [١٣٠٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثل معناه (٢). الشرح الحديث مخرج في "الصحيحين" (٣) من رواية أبي الزناد عن الأعرج. وقوله: "ذروني ما تركتكم" أي: لا تتعرضوا بالسؤال والبحث فقد يوافق ذلك إلزامًا وتشديدًا، وخذوا بظاهر ما أمرتم به ولا تستكشفوا كما فعلت بنو إسرائيل وقد قيل لهم: اذبحوا بقرة، فشق الأمر عليهم. وقوله: "فما أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم ... إلى آخره" يشير إلى أن المأمور قد يستطاع منه الشيء دون الشيء، فينبغي أن يأتي المأمور بالقدر المستطاع؛ وأما المنهي فحقه أن يترك كله فإنه مستطاع، وذكر الشافعي أن الأمر في الكتاب والسنة وكلام الناس قد يكون لإحلال ما حرم من قبل كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٤)، وقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا في الْأَرْضِ﴾ (٥). وقد تكون دلالة على ما فيه الرشد كقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ الله مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٦) وقد يكون للحتم والإلزام.

стр. 1405

قال (١): وقال بعض أهل العلم: إن الأمر كله على الإباحة والدلالة على الرشد حتى يوجد دليل أنه للحتم والإلزام، وما نهى الله تعالى عنه فهو محرم حتى يقوم الدليل على أنه لغير التحريم. الأصل [١٣٠١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن عمرو بن دينار؛ أن ابن عمر أراد أن لا ينكح، فقالت له حفصة: تزوج فإن ولد لك ولد فعاش من بعدك دعوا لك (٢). والله أعلم. الشرح مقصود الأثر الترغيب في النكاح، وقد قال الشافعي: أحب النكاح لمن تاقت (٣) نفسه إليه لوفور منافعه وقد روي أنه ﷺ قال: "تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم حتى بالسقط" (٤)، وأيضًا "من أحب فطرتي فليستن بسنتي، ومن سنتي النكاح " (٥). وعن ابن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يموت لأحد من المسلمين [ثلاثة] (٦) من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم" (٧).
следующие страницы →