← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123510

شرح مسند الشافعي

الرافعي

Полный текст (1 876 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وقوله: "لا يحكم الحاكم أو لا يقضي القاضي" شك من بعض الرواة في اللفظ، ورواه الحاكم أبو عبد الله الحافظ عن أبي العباس بإسناده، وقال: "لا يقضي القاضي" ولم يشك. قال الشافعي (١): ومعقول من الحديث أن المراد أن القاضي لا ينبغي أن يحكم في الحالة التي يتغير فيها عقله وخلقه، وأنه يلتحق بالغضب المرض والحزن والفرح والجوع والنعاس والملال، وسائر ما يغير الخلق والطبع، ولكن يتوقف ويتأنى حتى يثوب إليه عقله. قال الشافعي (٢): وقد روي عن الشعبي -وكان قاضيًا- أنه رؤي يأكل خبزًا بجبن، فقيل له فيه، فقال: آخذ حكمي. قال: كأنه يريد أن الطعام يسكن حر الطبيعة، والجوع يحرك حرها وتتوق النفس إلى المأكل فتشغل عن الحكم. ولفظ الحديث يمكن أن يقرأ على النهي وأن يقرأ على الخبر، ثم المقصود منه النهي أيضًا. والله أعلم. الأصل [١٣٢٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن الزهري قال: قال أبو هريرة: ما رأيت أحدًا أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ . قال الشافعي: قال الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (٣). الشرح يستحب للقاضي المشاورة، وقد ندب الله تعالى إليه النبي ﷺ فقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ في الْأَمْرِ﴾ (٤) وجرى على ذلك رسول الله ﷺ ، وروي

стр. 1437

[عن] (١) الحسن البصري أنه قال: والله ما كان يحتاج إليهم ولكن أحب أن يستن به الحكام بعد. (٢) وفائدة المشاورة استمالة القلوب واجتماع الكلمة، وأن ينبهه من يشاوره على من يخشاه يغفل عنه ويدله على ما يجهله، وإنما يشاور العالمُ الأمين دون الجاهل والخائن، وقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (٣). الأصل [١٣٢٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس قال: كان الرجل يؤخذ بذنب غيره، حتى جاء إبراهيم فقال الله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾ (٤). الشرح عمرو بن أوس الثقفي. روى عنه: عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى. مات قبل مقتل سعيد بن جبير (٥). وقال الشافعي في قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٦): الذي سمعت فيه أن لا يؤخذ أحد بذنب غيره في نفس ولا مال، وإنما يعاقب كل أحد بعمل نفسه إلا ما خص رسول الله ﷺ من هذا الأصل وهو

стр. 1438

ضرب الدية على العاقلة (١). والأثر يبين أنه كان يؤاخذ الرجل بذنب غيره قبل إبراهيم ﵇ حتى منع منه في شريعته على ما قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا في صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ (٢). الأصل ومن كتاب الأشربة و فضائل قريش [١٣٢٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، حدثني ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب أنه بلغه؛ أن رسول الله ﷺ قال: "قدموا قريشًا ولا تقدموها، وتعلموا منها ولا تعالموها أو تعلموها" شك ابن أبي فديك (٣). الشرح الأشربة وفضائل قريش أمرانا متباعدان، وأحاديث الأشربة مفردة من بعد بترجمة، فالوجه طرح لفظ الأشربة ها هنا. وروى مضمون الحديث عمرو بن أبي [عمرو] (٤) مولى المطلب، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن جبير بن مطعم، عن النبي ﷺ واللفظ: قال: "يا أيها الناس لا تقدموا قريشًا فتهلكوا، ولا تخلفوا عنها فتضلوها، وتعلموا منها فإنهم أعلم منكم، لولا أن تبطر قريش لأخبرتها بالذي لها عند الله " (٥) وروى أبو اليمان عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري قال: كان أبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة -وكان من علماء قريش- يقول: بلغنا

стр. 1439

أن رسول الله ﷺ قال: "لا تعلموا قريشًا وتعلموا منها، ولا تقدموها ولا [تأخروا] (١) عنها" (٢) ورواه محمَّد بن الوليد، عن الزهري، عن عبد الله ابن واقد، عن أبي بكر بن سليمان، عن النبي ﷺ (٣)، قال الحافظ أبو بكر البيهقي: وهو مرسل جيد. وقوله: "ولا تعالموها" أي: لا تفاخروها بالعلم، وذكر أن الشافعي أملى أحاديث الباب في فضائل قريش والأنصار وسائر قبائل العرب، وقصد بذلك ترجيح معرفتهم بالسنن على معرفة غيرهم. الأصل [١٣٢٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن حكيم بن أبي حكيم، أنه سمع عمر بن عبد العزيز وابن شهاب يقولان: قال رسول الله ﷺ : "من أهان قريشًا أهانه الله" (٤). [١٣٣٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن أنه قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "لولا أن تبطر قريش لأخبرتها بالذي لها عند الله" (٥). الشرح حكيم بن أبي حكيم عرفه البخاري في "التاريخ" بروايته عن الزهري وعمر بن عبد العزيز، وبرواية ابن أبي ذئب عنه (٦).

стр. 1440

والحديث الأول رواه أبو عيسى الترمذي في "الجامع" (١) عن عبد ابن حميد، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن محمَّد بن أبي سفيان بن العلاء الثقفي، عن يوسف بن الحكم والد الحجاج بن يوسف، عن محمَّد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، واللفظ "من يرد هوان قريش أهانه الله" وقال: هذا حديث غريب. والحديث الثاني قد ذكرنا أن المطلب بن عبد الله بن حنطب رواه عن جبير بن مطعم عن النبي ﷺ ، ورواه أبو بكر بن أبي حثمة عن أبيه عن ابن عباس عن علي ﵁ عن النبي ﷺ . الأصل [١٣٣١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار؛ أن رسول الله ﷺ قال لقريش: "أنتم أولى الناس بهذا الأمر ما كنتم مع الحق إلا أن تعدلوا عنه فتلحون كما تلحا هذِه الجريدة" يشير إلى جريدة في يده (٢). الشرح يقال: لحوت العصا ألحوها لحوًا: إذا قشرتها، وكذلك لحيتها ألحاها لحيًا واللحاء: قشر الشجر، والجريد: سعف النخل.

стр. 1441

والحديث يدل على تقديم قريش للإمامة والإمارة. وقد روى البخاري في "الصحيح" (١) عن أبي الوليد، ومسلم (٢) عن أحمد بن عبد الله بن يونس، بروايتهما عن عاصم بن محمَّد بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر؛ أن النبي ﷺ قال: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي اثنان". وقوله: "إلا أن تعدلوا عنه ... إلى آخره" يوهم أنهم إذا عدلوا يفوض الأمر إلى غيرهم، ولكن روى أنس وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: "الأئمة من قريش" (٣). واتفق الجمهور على اشتراط النصب في الإمامة، فليحمل ذلك على نقل الأمر من شخص، وروى معاوية عن النبي ﷺ أنه قال: "إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كتبه الله على وجهه ما أقاموا الدين" (٤). الأصل [١٣٣٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا يحيى بن سليم، عن عبد الله ابن عثمان بن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة الأنصاري، عن أبيه، عن جده رفاعة؛ أن النبي ﷺ نادى: "أيها الناس إن قريشًا أهل أمانة، من بغاها العواثر أكبّه الله لمنخريه" يقولها ثلاث مرات (٥).

стр. 1442

الشرح قوله: "أمانة" يجوز أن يريد أنهم يؤتمنوا للتقدم والإمامة، ويجوز أن يريد أن توقيرهم ومحبتهم لمكانهم من رسول الله ﷺ أمانة ائتمن عليها الناس، ويحتمل أن يريد قوة أمانتهم وكمالها؛ ففي حديث علي ﵁، عن النبي ﷺ أن أمانة الأمين من قريش تعدل أمانة اثنين من غيرهم. وقوله: "من بغاها العواثر" أي: طلب عثراتها، يقال: بغاه كذا أي: بغاه له. وقوله: "أكبّه الله" كذا هو في أكثر "النسخ"، والصواب: كبّه الله، يقال: كبّه لوجهه أي: صرعه فأكب هو على وجهه، وعده أهل اللغة من النوادر، فإن الغالب أن يكون أفعلت غيري وفعلت إياه، هذا على العكس، ثم يحتمل أن يجعل: "كبّه الله" خيرًا، ويحتمل أن يجعل دعاءً، وروى الحديث وكيع عن سفيان الثوري عن ابن خيثم وقال: "كبّه الله" (١). الأصل [١٣٣٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد العزيز بن محمَّد، عن يزيد ابن الهاد، عن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن قتادة بن النعمان وقع بقريش فكأنه نال منهم، فقال رسول الله ﷺ : "مهلًا يا قتادة لا تشتم قريشًا، فإنك لعلك ترى منهم رجالًا أو يأتي منهم رجال تحقر عملك مع أعمالهم، وفعلك مع أفعالهم، وتغبطهم إذا رأيتهم، لولا أن تطغى قريش لأخبرتها بالذي لها عند الله" (٢).

стр. 1443

الشرح قتادة بن النعمان من أصحاب رسول الله ﷺ ، ظفري أنصاري. روى عنه: محمود بن لبيد، وغيره (١). وروى الحديث المطلب بن عبد الله بن حنطب كما رواه محمَّد بن إبراهيم [التيمي] (٢)، وجعل بعضهم مكان قتادة بن النعمان: أبا قتادة، فروى الليث عن ابن الهاد، عن إبراهيم بن سعد، عن محمَّد بن عكرمة، عن عبد الله بن أبي مليكة؛ أن أبا قتادة السلمي قال لخالد بن الوليد يوم الفتح: هذا يوم يدك الله فيه قريشًا، فقال بعض أصحاب رسول الله ﷺ : ألا تسمع ما يقول أبو قتادة، فقال رسول الله ﷺ "مهلًا يا أبا قتادة، فإنك لو وزنت رأيك برأيهم لحقرت رأيك مع رأيهم، ولا تعلموا قريشًا وتعلموا منها، فلولا أن تبطر لأخبرتهم بما لهم عند الله رب العالمين". الأصل [١٣٣٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم بن خالد، عن ابن أبي ذئب بإسناد لا أحفظه، أن رسول الله ﷺ قال في قريش شيئًا من الخير لا أحفظ، وقال: "شرار قريش خيار شرار الناس" (٣). الشرح قوله: "قال في قريش شيئًا من الخير" أي: أثنى عليهم ووصفهم بالفضل إلا أني لا أحفظ ما ذكره، وحفظ أنه قال: "شرار قريش خيار

стр. 1444

شرار الناس" وذلك أن قريشًا خيار الناس، فشرارهم شرار الخيار، وروى مسلم في "الصحيح" (١) عن يحيى بن [حبيب الحارثي] (٢) عن روح، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "الناس تبع لقريش في الخير والشر"، وفي "الصحيحين" (٣) من رواية أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "الناس تبع لقريش في هذا الأمر، خيارهم تبع لخيارهم وشرارهم تبع لشرارهم". الأصل [١٣٣٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "تجدون الناس معادن، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإِسلام إذا فقهوا" (٤). الشرح روياه في "الصحيح" (٥) عن قتيبة بن سعيد، عن المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي الزناد مع زيادة في أول وأخرى في آخره، أما في أوله فهي "إن الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم". وأما في آخره فهي: "تجدون من خير الناس أشد الناس كراهية لهذا الشأن حتى يقع فيه".

стр. 1445

وقوله: "خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإِسلام إذا فقهوا" معناه أن من كان له شرف ومأثرة إذا أسلم وفقه؛ جاز إلى ذلك ما استفاده بحق الدين، ومن لم يسلم فقد ضيع شرفه. وقوله: "الناس تبع لقريش" أي: في الإمامة والإمارة. وقوله: "مسلمهم تبع لمسلمهم" أي: المسلم يتبع من ولي منهم ولا يخرج عليه. وقوله: "كافرهم تبع لكافرهم" أي: هكذا كانوا في الجاهلية. وقوله: "تجدون من خير الناس أشد الناس كراهية لهذا الشأن" أي: أن خيارهم يكرهون الإمارة ويخافون من الدخول فيها. وقوله: "حتى يقع فيه" ذكر أبو سليمان الخطابي فيه احتمالين: أحدهما: أنه يكرهه، فإذا رغب فيه وحرص عليه زال عنه حسن الاختيار كما في الحديث: "ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة ... " (١). والثاني: أنه إذا وقع فيه قام بحقه ولم يكرهه؛ لأن من كره الشيء تغافل عنه ولم يقم بالواجب فيه. ويمكن أن يفهم من لفظ المعادن شيئان: أحدهما: اختلاف الناس في الغرائز والطبائع كاختلاف المعادن في الجواهر. والثاني: رسوخ الأخلاق وانغراسها في النفوس كرسوخ عروق المعادن فيها.

стр. 1446

الأصل [١٣٣٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عمي محمَّد بن العباس، عن الحسن بن القاسم الأزرقي قال: وقف رسول الله ﷺ على ثنية تبوك، فقال: "من ها هنا شام" وأشار بيده إلى جهة الشام "ومن ها هنا يمن" وأشار بيده إلى جهة المدينة (١). الشرح محمَّد: هو ابن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد عم الشافعي ﵁. وذكره البخاري في "التاريخ" فقال: محمَّد بن العباس بن عثمان الشافعي القرشي. وروى عن: أبيه، وسمع منه: ابنه إبراهيم، والحسن (٢). وقد قدمنا القول في تبوك، والحديث يدل على أن ثنيتها الحد الفاصل بين الشام واليمن، ويروى عن الشافعي أنه قال لذلك: مكة والمدينة يمانيتان. والله أعلم. الأصل [١٣٣٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: جاء الطفيل بن عمرو الدوسي إلى رسول الله ﷺ فقال: إن دوسًا قد عصت وأبت فادع الله عليها، فاستقبل

стр. 1447

رسول الله ﷺ القبلة ورفع يديه، فقال الناس: هلكت دوس فقال رسول الله: "اللهم اهد دوسًا وائت بهم" (١). الشرح الطفيل بن عمرو الدوسي، يعد في أهل الحجاز. روى عنه: جابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وكان رسول الله ﷺ بعثه إلى دوس يدعوهم إلى الإِسلام (٢). والحديث أخرجه البخاري (٣) من رواية سفيان، ورواه عن أبي الزناد أيضًا: صالح بن كيسان، والثوري، وورقاء، ونافع بن أبي نعيم، ورواه أيضًا محمَّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة. ودوس: قبيلة معروفة من اليمن مخصوصون بالفضائل، واعتنى النبي ﷺ لهم، وقد سئل أن يدعو عليهم، وفيه أنه يحسن في الدعاء استقبال القبلة ورفع اليد. الأصل [١٣٣٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد العزيز بن محمَّد، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار، ولو أن الناس سلكوا واديًا أو شعبًا لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم" (٤).

стр. 1448

[١٣٣٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد الكريم بن محمَّد الجرجاني، حدثني ابن الغسيل، عن رجل سماه، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ خرج في مرضه فخطب فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن الأنصار قد قضوا الذي عليهم وبقي الذي عليكم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم". وقال الجرجاني في حديثه: أن النبي ﷺ قال: "اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار". وقال في حديثه: أن النبي ﷺ حين خرج بهش إليه النساء والصبيان من الأنصار فرقّ لهم ثم خطب فقال هذِه المقالة (١). الشرح عبد الكريم بن محمَّد الجرجاني أحد شيوخ الشافعي ﵁. روى عن: المسعودي، وغيره (٢). وابن الغسيل: هو أبو سليمان عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله ابن حنظلة غسيل الملائكة، وقد رأى سهل بن سعد وأنس بن مالك. وروى عن: عكرمة، وحمزة بن أبي أسيد. روى عنه: أبو أحمد الزبيري، وأبو نعيم، ويحيى بن عبد الحميد الحماني (٣).

стр. 1449

وحديث أبي هريرة مخرج في "الصحيحين" (١) من طرق. وقوله: "لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار" قال الأئمة: ليس المراد منه النسب الولادي فإن الانتقال منه حرام، وكيف ونسب رسول الله ﷺ أشرف، وإنما المراد النسب البلادي أي: لولا أن الهجرة كانت بسبب الدين، ونسبة الهجرة دينية لا تترك لانتسبت إلى بلادكم. وقوله: "ولو أن الناس سلكوا واديًا أو شعبًا" قيل: معناه أن أرض الحجاز كثيرة الأودية والشعاب، فإذا ضاق الطريق عن الجميع وسلك رئيس شعبًا اتبعه قومه حتى يفضوا إلى اتخاذه، وقيل: أبو هريرة أراد الرأي والمذهب كما يقال: فلان في واد وأنا في واد. وحديث أنس مخرج أيضًا في "الصحيحين" (٢) مع زيادات، ورواه أبو هريرة أيضًا، وروى البخاري في "الصحيح" (٣) عن أبي نعيم، عن عبد الرحمن بن سليمان بن حنظلة، عن عكرمة عن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه بملحفة قد عصب بعصابة (سحماء) (٤) أي: بعمامة سوداء - حتى جلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، إن الناس يكثرون ويقل الأنصار حتى يكونوا في الناس بمنزلة الملح في الطعام، فمن ولي منكم شيئًا يضر فيه قومًا وينفع فيه آخرين فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم

стр. 1450

وكان آخر مجلس جلس فيه ﷺ . وقوله: "اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار" وقد رواه علي بن الجعد عن المبارك بن فضالة عن ثابت عن أنس عن النبي ﷺ ، وهو مخرج في "الصحيحين" (١) من رواية زيد بن أرقم. وقوله: "بهش إليه النساء والصبيان" يقال لمن نظر إلى الشيء فأعجبه واشتهاه وأسرع إليه ليتناوله: بهش إليه. وفي الحديث أنه كان يُدلِع لسانه للحسن فإذا رأى الصبي حمرة لسانه بهش إليه (٢). الأصل [١٣٤٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: أتاكم أهل اليمن، هم ألين قلوبًا وأرق أفئدة، الإيمان يمان، والحكمة يمانية. الشرح هكذا روي موقوفًا في هذِه الرواية، وهو مخرج في "الصحيحين" (٣) من رواية أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مرفوعًا، وكذلك رواه ابن عوف عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .

стр. 1451

وقوله: "ألين قلوبًا وأرق أفئدة" أراد به حسن قبولهم وسرعة خلوص الإيمان إلى قلوبهم، ثم قيل: الجمع بين اللفظتين للتأكيد، وقيل: الفؤاد: غشاء القلب، والقلب: الحبة (١) السويداء، وإذا رق الغشاء أسرع النفوذ إلى ما في الجوف. وقوله: "الإيمان يمان" قيل: أراد به أنه مكي، أي: بدأ منها، ومكة من تهامة وتهامة من اليمن، وقيل: إن النبي ﷺ ذكر ذلك وهو بتبوك، ومكة والمدينة بينه وبين اليمن فأشار إلى ناحية اليمن وهو يريد مكة والمدينة، وقيل: أراد الأنصار وهم يمانه فنسب الإيمان إليهم؛ لأنهم نصروه، وفسرت الحكمة في قوله: "والحكمة يمانية" بالفقه، وبعض الروايات: "والفقه يمان" (٢). الأصل [١٣٤١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا الدراوردي، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة [عن أبي هريرة] (٣) أن رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا [أنزع] على بئر أستقي" قال الشافعي: يعني في النوم ورؤيا الأنبياء وحي قال رسول الله ﷺ : "فجاء ابن أبي قحافة فنزع ذنوبًا أو ذنوبين وفيه ما فيه من ضعف والله يغفر له، ثم جاء عمر بن الخطاب فنزع حتى استحالت في يده غربًا، فضرب الناس بعطن، فلم أر عبقريًا يفري فريه" (٤).

стр. 1452

الشرح الحديث مخرج في "الصحيحين" (١) بطرق عن أبي هريرة، منها: رواية الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة. وقوله: "أنزع على بئر" أي: أستقي باليد، ويقال: نزعت الدلو أنزعها. وقول الشافعي: "يعني في النوم" مصرح به في غير هذِه الرواية، ففي "الصحيحين" (٢) من رواية ابن المسيب عن أبي هريرة "بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله"، وفي رواية همام بن منبه عن أبي هريرة "بينا أنا نائم رأيت أني أنزع ... ". وقوله: "فجاء ابن أبي قحافة" يدل على أنه لا بأس بأن يترك تسمية الرجل ويعرف بالنسبة إلى أبيه. و"الذنوب": الدلو إذا كانت مليء من الماء، قال ابن السكيت: أو كان فيها ماء قريب من الملء، ولا يقال لها وهي فارغة: ذنوب، والجمع أذنبة وذنائب كقلوص وقلائص. وقوله: "وفيه ما فيه من ضعف"، ويروى: "وفي نزعه ضعف": قال الأئمة: ليس المراد نسبة الصديق ﵁ إلى التقصير في القيام بالأمر، فإنه جدّ وتحمل الأعباء وأتعب من بعده كما ذكر عمر ﵁، ولكنه أشار به إلى أن الفتوح لم تكثر في مدة ولايته لقصرها ولاشتغاله بقتال المرتدين، وهذا حسن إذا ذكر لقوله

стр. 1453

: "والله يغفر له" وجه يناسبه. وقوله: "حتى استحالت في يده غربًا" الغرب (١): دلو السائبة وهي أكبر من الذنوب، أي: انتقلت في يد عمر ﵁ من الصغر إلى الكبر، وأشار به إلى كثرة الفتوح وقوة الدين في زمانه. وقوله: "فضرب الناس بعطن" أعطان الإبل: مباركها عند الماء إذا شربت، وقد يقال لغيرها: أعطان، والمعنى أنهم رووا ورويت إبلهم حتى أناخوها واتخذوا لها أعطانًا، ويقال أيضًا: ضربت الإبل بعطن: إذا تركت، وفي بعض الروايات: "فلم ينزع رجل نزعه حتى ولي الناس والحوض يتفجر" (٢). والعبقري: الماضي الذي ليس فوقه شيء، ويوصف به كل شيء بلغ النهاية في فنه، وعبقري القوم: سيدهم وكبيرهم وقويهم. وقوله: "يَفْري فَرْيه" أي: يعمل عمله ويقوى قوته، يقال: تركته يفري الفري: إذا عمل عملًا فأجاد وبالغ، ومنه ﴿شَيْئًا فَرِيًّا﴾ هو (٣) أي: عظيمًا، وروى بعضه: "يَفْري فَرِيه" أي: يقطع قطعه، ومنه فري الأوداج، والله أعلم بالصواب (٤).

стр. 1454

الأصل ومن كتاب الأشربة [١٣٤٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ : "كل شراب أسكر فهو حرام" (١). [١٣٤٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن البتْع فقال: "كل شراب أسكر فهو حرام" (٢). والله أعلم. الشرح الحديث من رواية سفيان مخرج في "الصحيحين" (٣)، وكذلك من رواية مالك، فرواه البخاري (٤) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم (٥) عن يحيى ابن يحيى بروايتهما عن مالك، ورواه أبو داود (٦) عن القعنبي عن مالك. والتاء من البتع ساكنة في الروايات وهو المشهور في اللغة، ومن أهل اللغة من فتحها: وهو شراب العسل، وقد ورد التفسير في الحديث عن أبي موسى الأشعري قال: بعثني رسول ﷺ ومعاذًا إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله ﷺ إن شرابًا يصنع بأرضنا يقال له: المزر من الشعير، وشراب يقال له: البتع من العسل، فقال: "كل مسكر حرام" (٧).

стр. 1455

والحديث يدل على تحريم كل مسكر، ويؤيده ما روى مسلم في "صحيحه" (١) عن أبي الربيع العتكي عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يُدمنها لم يتب؛ لم يشربها في الآخرة". وروى أيضًا (٢) عن قتيبة بن سعيد، عن عبد العزيز الدراوردي، عن عمارة بن غزية، عن أبي الزبير، عن جابر، قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر حرام، إن على الله عهدًا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال" قالوا: يا رسول الله ﷺ وما طينة الخبال؟ قال: "عَرَق أهل النار أو عصارة أهل النار". وقوله: "كل شراب أسكر" يمكن أن يراد به أسكر في جنسه كقولنا: "الماء مرو والسقمونيا مسهل"، ويمكن أن يراد أسكر قدره، ويدل على الأول ما روي عن محمَّد بن المنكدر عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "ما أسكر [كثيره فقليله] (٣) حرام" (٤) ويروى مثله عن محمَّد بن إسحاق وأبي معشر عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ (٥)، وعن موسى ابن عقبة عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ (٦)، وعن حسين بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب، عن

стр. 1456

النبي ﷺ (١)، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ (٢). وروى بكير بن عبد الله بن الأشج عن عامر بن سعد عن أبيه عن رسول الله ﷺ قال: "أنهاكم [عن قليل] (٣) ما أسكر كثيره" (٤). وعن القاسم بن محمَّد عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: "كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام" (٥). الأصل [١٣٤٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار؛ أن رسول الله ﷺ سئل عن الغبيراء فقال: "لا خير فيها" ونهى عنها. قال مالك: قال زيد: هي السكركة (٦). الشرح الرواية مرسلة، فروى (٧) موصولًا عن أم حبيبة زوج النبي ﷺ أن ناسًا من أهل اليمن قدموا على رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله إن لنا شرابًا نصنعه من القمح والشعير فقال: "الغبيراء؟ " قالوا: نعم.

стр. 1457

[قال] (١): "لا تطعموه" (٢). وعن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن ديلم الحميري قال: سألت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله إنا بأرض باردة نعالج فيها عملًا شديدًا، وإنا نتخذ شرابًا من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا. قال: "هل يسكر"؟ قلت: نعم. قال: "فاجتنبوه" (٣). وفي "الصحاح" (٤) أن الغبيراء: شراب تتخذه الحبشة من الذرة يسكر، وذكر في "ديوان الأدب" مثله، فقال: والغبيراء: السكركة، وهي شراب يتخذ من الذرة، ثم قال في باب فعلل: والسكركة: نبيذ التمر، وربما تقع السكركة عليها جميعًا. الأصل [١٣٤٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة" (٥).

стр. 1458

الشرح مخرج في "الصحيحين" (١)، رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى بن يحيى، بروايتهما عن مالك. وذكر أن في الحديث وعيدًا؛ فإن شارب الخمر المدمن لا يدخل الجنة؛ لأن من شراب أهل الجنة الخمر التي لا يصدعون عنها ولا ينزفون، ومن دخل الجنة لا يمنع من شرابها، وقد ورد من رواية أبي سعيد عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يدخل الجنة منان، ولا عاق، ولا مدمن" (٢)، وعن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان بما أعطى" (٣). إلا أن المؤمن لا يخلد في النار فلا بد من تأويل قوله: "لا يدخل الجنة" بأن يقال: المعنى أنه لا يدخلها إلى مدة طويلة، وأنه يناله شؤمه حتى يقضي أمره إلى الشقاوة فلا يدخلها أبدًا ونحو ذلك، وما ينزل عليه قوله: "لا يدخل الجنة" ينزل عليه قوله: "حرمها في الآخرة". الأصل [١٣٤٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح وأبا

стр. 1459

طلحة الأنصاري وأبي بن كعب شرابًا [من (١)] فضيخ وتمر، فجاءهم آتٍ فقال: إن الخمر قد حرمت. فقال أبو طلحة: يا أنس قم إلى هذه الجرار فاكسرها. قال أنس: فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت (٢). الشرح أبو عبيدة: هو عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري القرشي، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، والذي قال فيه النبي ﷺ : "لكل أمة أمين وأمين هذِه الأمة أبو عبيدة بن الجراح". توفي في عهد عمر ﵁ بالشام (٣). وقد أخرج مسلم (٤) الحديث عن أبي الطاهر عن ابن وهب عن مالك، فروى (٥) البخاري (٦) عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك عن إسحاق عن أنس قال: كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبي بن كعب من فضيخ زهو وتمر، فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت. فقال أبو طلحة: قم يا أنس فاهرقها فأهرقتها. والفضيخ: بسر يشدخ ويفضخ وينبذ في وعاء حتى يسرع اشتداده، وقد يلقى عليه الماء وقد يفضخ التمر وينبذ في الماء، والفضخ: الكسر. والمهراس: الذي يدق به الشيء، يقال ذلك للحجر المنقور

стр. 1460

وغيره، والهرس: الدق. وفي الحديث ما يدل على وقوع اسم الخمر على الأنبذة، أو على اعتمادهم على القياس وأخذهم به في الأحكام الشرعية؛ فإن الذي أتاهم أخبرهم أن الخمر قد حرمت؛ فأراقوا بقوله ما كان عندهم من الفضيخ، فإن كان اسم الخمر يقع على الأنبذة فقد أخذوا بإطلاق اللفظ، وإلا فإنهم قاسوا ما سوى الخمر على الخمر، وفيه أنهم كانوا يعملون بخبر الواحد؛ وأما كسر الجرار فإن الظروف والأوعية في ابتداء التحريم كانت تكسر مبالغة في الزجر، فإما أن كان الذي أتاهم بخبر التحريم أخبرهم أيضًا الأمر بكسر الجرار، وإما أن كانوا قد عرفوا من قبل أنه إذا نزل التحريم كسرت الظروف، وكانوا يتحدثون بشأن الخمر ويراجع في تحريمها بعضهم بعضًا كالمنتظرين لنزول التحريم. الأصل [١٣٤٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان بن عيينة، عن محمَّد بن إسحاق، عن معبد بن كعب، عن أمه وكانت ممن صلت بالقبلتين؛ أن رسول الله ﷺ نهى عن الخليطين وقال: "انبذوا كل واحد منهما على حدته" (١). الشرح معبد: هو ابن كعب بن مالك الأنصاري السلمي. روى عن: أبي قتادة، وجابر. وروى عنه: محمَّد بن إسحاق (٢).

стр. 1461

وأمه من نساء الأنصار صلت القبلتين مع رسول الله ﷺ ، وذكرت في نساء الصحابة ولم تسم (١). والنهي عن الخليطين ثابت عن النبي ﷺ من رواية جابر (٢)، وفي "الصحيحين" (٣) من رواية عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يجمع بين التمر والزهو، والتمر والزبيب، لينبذ كل واحد منهما على حدة". وقد أخذ بظاهر الحديث جماعة منهم: عطاء وطاوس، وقالوا بتحريم الخليطين وإن لم يكن الشراب المتخذ منهما مسكرًا، فإن اشتد وصار مسكرًا اجتمع للتحريم جهتان، وبهذا قال مالك وأحمد. وقال الأكثرون: لا بأس بشرب الخليطين قبل الاشتداد، ويدل عليه ما روي عن عائشة أنها قالت: كنت آخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب فألقيه في إناء فأمرسه ثم أسقيه النبي ﷺ (٤). وعن الليث بن سعد أنه إنما كره أن ينبذا جميعًا لأن كل واحد منهما يشد صاحبه، وذكر الحافظ البيهقي في كتاب "السنن الكبير" (٥) أن النهي عن الخليطين يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون النهي للخلط سواء بلغ حد الإسكار أو لم يبلغ.

стр. 1462

والثاني: أن يكون النهي عن شرب الخليطين لقربهما من الاشتداد لتقوية كل واحد منهما الآخر، وعلى هذا لا يحرم ما لم يبلغ حالة الاشتداد ويدل عليه حديث عائشة الذي تقدم، واستدل عليه أيضًا بما رواه قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ نهى أن يخلط التمر والزهو ثم يشرب، وأن ذلك كان عامة خمورهم يوم حرمت الخمر (١). وقال: فيه دلالة على أنه إنما نهى عنه لكونه خمرًا، والخمر: ما خامر العقل، ثم قال (٢): وعلى (أنا نستحب) (٣) ترك الخليطين وإن لم يكن مسكرًا لثبوت الأخبار في النهي عنه وهي أقوى مما استدل به [في] (٤) الإباحة. الأصل [١٣٤٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن ابن أبي أوفى قال: نهى رسول الله ﷺ عن نبيذ الجر الأخضر والأبيض والأحمر (٥). [١٣٤٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن سليمان الأحول، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لما نهى رسول الله ﷺ عن الأوعية، قيل له: ليس كل الناس يجد سقاءً، فأذن لهم في الجرّ غير المزفت (٦). [١٣٥٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ (٧) قال: "لا تنبذوا في الدباء والمزفت".

стр. 1463

ثم يقول أبو هريرة: واجتنبوا الحناتم والنقير (١). [١٣٥١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، سمعت الزهري يقول: سمعت أنسًا يقول: نهى رسول الله ﷺ عن الدباء والمزفت أن ينبذ فيه (٢). الشرح سليمان الأحول: هو سليمان بن أبي مسلم، خال عبد الله بن أبي نجيح المكي. سمع: طاوسًا، وأبا سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن جبير، ومجاهدًا. روى عنه: ابن جريج، وابن عيينة، وعثمان بن الأسود (٣). وحديث ابن أوفى صحيح، رواه البخاري (٤) عن موسى بن إسماعيل عن عبد الواحد بن زياد عن سفيان، وقال: نهى رسول الله ﷺ عن نبيذ الجر الأخضر. قلت: أشرب في الجرار البيض؟ قال: "لا". وحديث عبد الله بن عمرو أخرجه البخاري (٥) ومسلم (٦) عن جماعة عن سفيان، لكن قالا: عن سليمان، عن مجاهد، عن أبي عياض، عن عبد الله بن عمرو، وسقط من رواية الشافعي ذكر أبي عياض: وهو قيس بن ثعلبة، ويقال: عمرو بن الأسود أبو عياض العبسي الكوفي.

стр. 1464

سمع: عبد الله بن عمرو، وكان حيًّا [في] (١) ولاية معاوية. وحديث أبي سلمة عن أبي هريرة، وحديث الزهري عن أنس مخرجان في "الصحيحين" (٢) أيضًا. والنهي عن هذِه الأوعية ثابت أيضًا من رواية علي وابن عمر وابن عباس ﵃، في "الصحيح" من رواية سعيد بن جبير عن ابن عمر وابن عباس؛ أنهما شهدا أن رسول الله ﷺ نهى عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت (٣). وعن سعيد، عن ابن عباس أن النبي ﷺ حرم نبيذ الجر. فقلت: وأي شيء نبيذ الجر؟ قال: "كل شيء يصنع من المدر" (٤). والدباء: القرع، الواحدة دباءة، وأما الحنتم ففي رواية أبي صالح عن أبي هريرة تفسيره بالجرار الخضر، وفي رواية زاذان عن ابن عمر تفسيره بالجرة بلا تقييد، وقيل: هي الجرار البيض، وقيل: الخضر والبيض وهي التي طليت بالزجاج ونحوه، وقيل: الفخار كله، وقيل: هي الجرار المزفتة، وعلى هذا فالجمع بين الحنتم والمزفت كان المقصود منه أن يتناول النهي ما زفت من غير الجرار كالأسقية وغيرها. والنقير: أصل النخلة ينقر ويلقى فيه التمر والماء للانتباذ، وفي "صحيح مسلم" من رواية زاذان عن ابن عمر أنه قال في تفسير النقير: أنه النخلة تنسح نسحًا وتنقر نقرًا (٥).

стр. 1465

أي: ينحى قشرها عنها ويحفر فيها. وسبب النهي عن الانتباذ في هذِه الأوعية؛ أنها متينة ولها ضراوة، فربما اشتد فيها النبيذ وصاحبها لا يشعر باشتداده فيكون على غرر من شربها؛ فأما الأسقية فهي رقيقة إذا اشتد فيها النبيذ تقطع أو ظهر أثره من خارج فلا يخفى الأمر فيه، وكان الانتباذ فيها والشرب منها حرامًا في صدر الإِسلام، ثم اختلفوا: فذهب بعضهم إلى استمراره، ويروى ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وبه قال مالك وأحمد. وقال الأكثرون: إن التحريم منسوخ، ويدل عليه حديث عبد الله بن عمرو، وحديث جابر الذي سيأتي من بعد، وحديث بريدة الأسلمي؛ أن رسول الله ﷺ قال: "نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم؛ فاشربوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرًا" رواه مسلم في "الصحيح" (١) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن مُعرّف بن واصل عن محارب بن دثار عن سليمان ابن بريدة عن أبيه. الأصل [١٣٥٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه أن أبا وهب الجيشاني سأل رسول الله ﷺ عن البتع، فقال: "كل مسكر حرام" (٢). الشرح الحديث على إرساله يؤكد ما تقدم في البتع، ويروى عن سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: تلا النبي ﷺ وهو على المنبر -يعني: آية

стр. 1466

ذكر فيها الخمر- فقام إليه أبو وهب الجيشاني فسأله عن المزر. قال: "وما المزر"؟ قال: شيء يصنع من الحب. فقال النبي ﷺ "كل مسكر حرام" (١). وعن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله، عن ديلم الجيشاني قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله ﷺ إنا بأرض باردة شديدة البرد نصنع بها شرابًا من القمح، أفيحل يا نبي الله؟ فقال: "أليس بمسكر"؟ قالوا: بلى، قال: "فإنه حرام" (٢). وروى مسلم في "الصحيح" عن قتيبة بن سعيد، عن عبد العزيز بن محمَّد، عن عمارة بن غزية، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله أن رجلًا قدم من جيشان -وجيشان من اليمن- فسأل النبي ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له: المزر. فقال النبي ﷺ : "ومسكر هو"؟ قالوا: نعم. قال رسول الله ﷺ "كل مسكر حرام ... " (٣). وقد قدمنا القول في اسم أبي وهب الجيشاني، وفي أنه هل هو من الصحابة؟ وفي هذه الأحاديث ما يدل على أنه من الصحابة.

стр. 1467

الأصل [١٣٥٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي ﷺ كان ينبذ له في سقاء، فإن لم يكن فتور من حجارة (١). [١٣٥٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ خطب الناس في بعض مغازيه، فقال عبد الله بن عمر: فأقبلت نحوه فانصرف قبل أن أبلغه، فسألت: ماذا قال؟ قالوا: نهى أن ينبذوا في الدباء والمزفت (٢). [١٣٥٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ نهى أن ينبذ في الدباء والمزفت (٣). الشرح حديث جابر أخرجه مسلم في "الصحيح" (٤) من وجه آخر، وحديث ابن عمر أخرجه (٥) عن يحيى بن يحيى عن مالك. والتور: إناء من حجارة يشرب فيه، وحديث جابر مما يدل على الرخصة في الأوعية بعد النهي، فروى البخاري في "الصحيح" عن يوسف بن موسى، عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله ﷺ عن الظروف، فقالت الأنصار: إنه لا بد لنا منها. قال: "فلا إذًا" (٦).

стр. 1468

وعن عبد الله بن مسعود؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إني كنت نهيتكم عن هذه الأوعية، ألا إن وعاء لا يحرم شيئًا، وكل مسكر حرام" (١). وفي الباب عن عائشة وأبي سعيد الخدري. وفي حديث ابن عمر ما يشعر بحرصه على العلم، ويدل على أن من لم يدرك راوي الأصل ينبغي أن يسمع ممن سمعه منه. الأصل [١٣٥٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار؛ أن رسول الله ﷺ نهى أن ينبذ التمر والبسر جميعًا، والتمر والزهو جميعًا (٢). الشرح هذا المرسل يوافق ما مرّ مسندًا من النهي عن الخليطين، وقد سبق ما يتعلق به. الأصل [١٣٥٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن ابن وعلة المصري؛ أنه سأل ابن عباس عما يعصر من العنب، فقال ابن عباس: أهدى رجل لرسول الله ﷺ راوية خمرٍ، فقال النبي ﷺ : "أما علمت أن الله حرمها"؟

стр. 1469

فقال: لا، فسارّ إنسانًا إلى جنبه، فقال: "بم ساررته"؟ فقال: أمرته أن يبيعها. فقال رسول الله ﷺ : "إن الذي حرم شربها حرم بيعها" ففتح المزادتين حتى ذهب ما فيهما (١). [١٣٥٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس قال: بلغ عمر بن الخطاب أن رجلًا باع خمرًا فقال: قاتل الله فلانًا باع الخمر! أما علم أن رسول الله ﷺ قال: "قاتل الله يهودًا حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها" (٢). الشرح الحديث الأول مخرج في "صحيح مسلم" (٣) من رواية مالك، والحديث الثاني مخرج في "الصحيحين" (٤) من رواية سفيان. والراوية: القربة الكبيرة التي تروي وهي المزادة، وقيل: الراوية: البعير، والوعاء الذي فيه الماء مزادة؛ سمي بذلك لزيادة جلد ثالث منها على جلدين. وقوله: "فجملوها" أي: أذابوها، يقال: جمل الشحم وأجمله: إذا أذابه. ومقصود الحديثين أن الخمر كما يحرم شربها يحرم بيعها، والبيع الذي أبطلت منفعته وأمر بإتلافه واجتنابه على الإطلاق لا يجوز أخذ

стр. 1470

العوض عنه، وهذا كما روي أنه ﷺ قال: "الكلب خبيث، خبيث ثمنه" (١). الأصل [١٣٥٩] أبنا الربيع، [أبنا الشافعي (٢)] أبنا سفيان قال: سمعت أبا الجويرية يقول: إني لأول العرب سأل ابن عباس وهو مسند ظهره إلى الكعبة، فسألته عن الباذق. فقال: سبق محمَّد ﷺ ، الباذق ما أسكر فهو حرام (٣). [١٣٦٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رجالًا من أهل العراق قالوا له: إنا نبتاع من ثمر النخل والعنب فنعصره خمرًا فنبيعها، فقال عبد الله: إني أشهد الله عليكم وملائكته ومن سمع من الجن والإنس، إني لا آمركم أن تبيعوها ولا تبتاعوها ولا تعصروها ولا تسقوها؛ فإنها رجس من علم الشيطان (٤).

стр. 1471

الشرح أبو الجويرية: هو حطان بن خفاف بن زهير بن عبد الله بن رمح الجرمي، وجرم من اليمن. روى عن: ابن عباس، ومعن بن يزيد السلمي. فروى عنه: الثوري، وابن عيينة، وزهير، وأبو عوانة، وغيرهم (١). وحديث أبي الجويرية عن ابن عباس، رواه البخاري في "الصحيح" (٢) عن محمَّد بن كثير عن سفيان الثوري عنه، ورواه أبو خيثمة عن أبي الجويرية قال: قلت لابن عباس: أفتني رحمك الله في الباذق. فقال: سبق رسول الله ﷺ إلى الباذق، ما أسكر فهو حرام. قلت: أفتني رحمك الله في الباذق فإنا نشربه. قال: سبق محمَّد ﷺ إلى الباذق، ما أسكر فهو حرام. فقال رجل من القوم: إنا نعمد إلى العنب فنعصره ثم نطبخه حتى يكون حلالًا طيبًا؟ قال: سبحان الله سبحان الله، اشرب الحلال الطيب، فإنه ليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث (٣). وحديث ابن عمر "كل مسكر خمر" رواه مالك في أكثر الروايات عنه موقوفًا، ورواه روح بن عبادة عن مالك مرفوعًا (٤)، وقد رواه مسلم

стр. 1472

في "الصحيح" (١) عن إسحاق بن إبراهيم وغيره عن روح، ويروى أيضًا مرفوعًا من رواية أيوب وموسى بن عقبة وعبيد الله عن نافع مرفوعًا، وروايتهم مخرجة في "صحيح مسلم" (٢). والباذق معرب: وهو الطِّلاء المطبوخ من عصير العنب. وقوله: "سبق محمَّد ﷺ " أي: سبق حكمه فيه بتحريمه كل مسكر وإنه مسكر، ويقال أن أول من صنع ذلك وسماه بنو أمية وقصدوا رفع اسم الخمر عنه، فيحتمل أن يريد أن تحريم النبي ﷺ وزمانه سبق هذِه الصنعة وهذا الاسم، وفيه دليل على أن الطبخ لا يرفع تحريم السكر، وعلى أنه لا بأس بإسناد الظهر إلى البيت. وقوله: "كل مسكر خمر" يجوز أن يريد أنه كالخمر في التحريم، وهذا قول من يخصص اسم الخمر بالمعتصر من العنب، ويجوز أن يريد وقوع اسم الخمر عليه، وهذا قول من لا يخصص ويسمي كل مسكر خمر؛ لأنه يخامر العقل. وفي "الصحيح" أن عمر ﵁ قام خطيبًا على منبر رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الخمر نزل تحريمها يوم نزل وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر: ما خامر العقل (٣). وعن النعمان بن بشير؛ أن النبي ﷺ قال: "إن من التمر خمرًا، وإن من الزبيب خمرًا، وإن من البر خمرًا، وإن من الشعير خمرًا، وإن

стр. 1473

من العسل خمرًا" (١). وما روي أن النبي ﷺ قال: "الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنب" (٢) فقد ذكر أن المراد منه المعظم، فإن الغالب من عادات الناس اتخاذ الخمور منهما. والأثر الأخير يشتمل على المبالغة في المنع من بيع الخمر وابتياعها وعصرها وسقيها، وقد روي عن ابن عباس أنه أتاه قوم فسألوه عن بيع الخمر فقال: أمسلمون أنتم؟ قالوا: نعم. قال: فإنه لا يصلح بيعها وشراؤها ولا التجارة فيها لمسلم، إنما مثل من فعل ذلك منكم مثل بني إسرائيل، حرمت عليهم الشحوم فلم يأكلوها وباعوها فأكلوا ثمنها (٣). الأصل [١٣٦١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن داود بن الحصين، عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ وعن سلمة بن عوف بن سلامة، أخبراه عن محمود بن لبيد الأنصاري؛ أن عمر بن الخطاب حين قدم الشام فشكا إليه أهل الشام وباء الأرض وثقلها، وقالوا: لا يصلحنا إلا هذا الشراب. فقال عمر ﵁: اشربوا العسل.

стр. 1474

فقالوا: لا يصلحنا العسل. فقال رجال من أهل الأرض: هل لك أن نجعل لك من هذا الشراب شيئًا لا يسكر؟ فقال: نعم، فطبخوه حتى ذهب منه الثلثان وبقي الثلث، فأتوا به عمر فأدخل عمر فيه إصبعه ثم رفع يده فتبعها يتمطط، فقال: هذا الطلاء هذا مثل الطلاء للإبل، فأمرهم عمر أن يشربوه، فقال له عبادة بن الصامت: أحللتها والله. فقال عمر: كلا والله إني لا أحل لهم شيئًا حرمته عليهم، ولا أحرم عليهم شيئًا أحللته لهم (١). [١٣٦٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد أنه أخبره أن عمر بن الخطاب أخرج، (٢) عليهم فقال: إني وجدت من فلان ريح شراب، فزعم أنه شراب الطلاء وأنا سائل عما شرب، فإن كان مسكرًا جلد به، فجلده عمر الحد تامًّا (٣). [١٣٦٣] أخبرنا مسلم بن خالد الزنجي، عن (٤) ابن جريج قال: قلت لعطاء: أتجلد في ريح الشراب؟ فقال عطاء: إن الريح ليكون من الشراب الذي ليس به بأس، فإذا اجتمعوا جميعًا على شراب واحد فسكر أحدهم جلدوا جميعًا الحد تامًّا. قال الشافعي: وقول عطاء مثل قول عمر بن الخطاب لا يخالفه (٥). [١٣٦٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن الزهري، عن

стр. 1475

السائب بن يزيد؛ أن عمر بن الخطاب خرج يصلي على جنازة فسمعه السائب يقول: إني وجدت من عبيد الله وأصحابه ريح شراب، وأنا سائل عما شربوا، فإن كان مسكرًا حددتهم (١). [١٣٦٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي قال: قال سفيان: فأخبرني معمر، عن الزهري، عن السائب بن يزيد أنه حضره يحدهم (٢). الشرح سلمة بن عوف بن سلامة (٣). وقوله: "ثم رفع يده فتبعها يتمطط" كأنه يريد: فتبعها بالنظر إليها فرأى ما لصق منه بإصبعه يتمطط أي: يتمدد. وقوله: "هذا الطلاء" الطلاء: ما طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، سمي بذلك لمشابهته طلاء الإبل في الثخن والسواد وهو القطران، ويقال: أن الطلاء الخمر بعينها، ويحتج بقول عبيدة بن الأبرص: "هي الخمر تكنى الطلاء كما الذئب يكنى أبا جعدة". وقوله: "فأمرهم عمر أن يشربوه" أي: رخص لهم فيه كأنه ظن أنه لا يسكر؛ لأنهم قالوا: نجعل من هذا الشراب شيئًا لا يسكر، ولأنه رأى المطبوخ متغيرًا عن الهيئة التي كانت في اللون والرقة، فلما قال عبادة: "أحللتها والله" يريد: الخمر؛ عرف عمر [أو ظن] (٤) أن الأمر على خلاف ما أوهموه فقال: "لا أحل لهم شيئًا حكمت بتحريمه من المسكرات" يبينه قوله في الأثر الثاني: "وأنا سائل عما شرب، فإن كان
следующие страницы →