← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123510

شرح مسند الشافعي

الرافعي

Полный текст (1 876 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

الشرح أبو الجويرية: هو حطان بن خفاف بن زهير بن عبد الله بن رمح الجرمي، وجرم من اليمن. روى عن: ابن عباس، ومعن بن يزيد السلمي. فروى عنه: الثوري، وابن عيينة، وزهير، وأبو عوانة، وغيرهم (١). وحديث أبي الجويرية عن ابن عباس، رواه البخاري في "الصحيح" (٢) عن محمَّد بن كثير عن سفيان الثوري عنه، ورواه أبو خيثمة عن أبي الجويرية قال: قلت لابن عباس: أفتني رحمك الله في الباذق. فقال: سبق رسول الله ﷺ إلى الباذق، ما أسكر فهو حرام. قلت: أفتني رحمك الله في الباذق فإنا نشربه. قال: سبق محمَّد ﷺ إلى الباذق، ما أسكر فهو حرام. فقال رجل من القوم: إنا نعمد إلى العنب فنعصره ثم نطبخه حتى يكون حلالًا طيبًا؟ قال: سبحان الله سبحان الله، اشرب الحلال الطيب، فإنه ليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث (٣). وحديث ابن عمر "كل مسكر خمر" رواه مالك في أكثر الروايات عنه موقوفًا، ورواه روح بن عبادة عن مالك مرفوعًا (٤)، وقد رواه مسلم

стр. 1472

في "الصحيح" (١) عن إسحاق بن إبراهيم وغيره عن روح، ويروى أيضًا مرفوعًا من رواية أيوب وموسى بن عقبة وعبيد الله عن نافع مرفوعًا، وروايتهم مخرجة في "صحيح مسلم" (٢). والباذق معرب: وهو الطِّلاء المطبوخ من عصير العنب. وقوله: "سبق محمَّد ﷺ " أي: سبق حكمه فيه بتحريمه كل مسكر وإنه مسكر، ويقال أن أول من صنع ذلك وسماه بنو أمية وقصدوا رفع اسم الخمر عنه، فيحتمل أن يريد أن تحريم النبي ﷺ وزمانه سبق هذِه الصنعة وهذا الاسم، وفيه دليل على أن الطبخ لا يرفع تحريم السكر، وعلى أنه لا بأس بإسناد الظهر إلى البيت. وقوله: "كل مسكر خمر" يجوز أن يريد أنه كالخمر في التحريم، وهذا قول من يخصص اسم الخمر بالمعتصر من العنب، ويجوز أن يريد وقوع اسم الخمر عليه، وهذا قول من لا يخصص ويسمي كل مسكر خمر؛ لأنه يخامر العقل. وفي "الصحيح" أن عمر ﵁ قام خطيبًا على منبر رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الخمر نزل تحريمها يوم نزل وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر: ما خامر العقل (٣). وعن النعمان بن بشير؛ أن النبي ﷺ قال: "إن من التمر خمرًا، وإن من الزبيب خمرًا، وإن من البر خمرًا، وإن من الشعير خمرًا، وإن

стр. 1473

من العسل خمرًا" (١). وما روي أن النبي ﷺ قال: "الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنب" (٢) فقد ذكر أن المراد منه المعظم، فإن الغالب من عادات الناس اتخاذ الخمور منهما. والأثر الأخير يشتمل على المبالغة في المنع من بيع الخمر وابتياعها وعصرها وسقيها، وقد روي عن ابن عباس أنه أتاه قوم فسألوه عن بيع الخمر فقال: أمسلمون أنتم؟ قالوا: نعم. قال: فإنه لا يصلح بيعها وشراؤها ولا التجارة فيها لمسلم، إنما مثل من فعل ذلك منكم مثل بني إسرائيل، حرمت عليهم الشحوم فلم يأكلوها وباعوها فأكلوا ثمنها (٣). الأصل [١٣٦١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن داود بن الحصين، عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ وعن سلمة بن عوف بن سلامة، أخبراه عن محمود بن لبيد الأنصاري؛ أن عمر بن الخطاب حين قدم الشام فشكا إليه أهل الشام وباء الأرض وثقلها، وقالوا: لا يصلحنا إلا هذا الشراب. فقال عمر ﵁: اشربوا العسل.

стр. 1474

فقالوا: لا يصلحنا العسل. فقال رجال من أهل الأرض: هل لك أن نجعل لك من هذا الشراب شيئًا لا يسكر؟ فقال: نعم، فطبخوه حتى ذهب منه الثلثان وبقي الثلث، فأتوا به عمر فأدخل عمر فيه إصبعه ثم رفع يده فتبعها يتمطط، فقال: هذا الطلاء هذا مثل الطلاء للإبل، فأمرهم عمر أن يشربوه، فقال له عبادة بن الصامت: أحللتها والله. فقال عمر: كلا والله إني لا أحل لهم شيئًا حرمته عليهم، ولا أحرم عليهم شيئًا أحللته لهم (١). [١٣٦٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد أنه أخبره أن عمر بن الخطاب أخرج، (٢) عليهم فقال: إني وجدت من فلان ريح شراب، فزعم أنه شراب الطلاء وأنا سائل عما شرب، فإن كان مسكرًا جلد به، فجلده عمر الحد تامًّا (٣). [١٣٦٣] أخبرنا مسلم بن خالد الزنجي، عن (٤) ابن جريج قال: قلت لعطاء: أتجلد في ريح الشراب؟ فقال عطاء: إن الريح ليكون من الشراب الذي ليس به بأس، فإذا اجتمعوا جميعًا على شراب واحد فسكر أحدهم جلدوا جميعًا الحد تامًّا. قال الشافعي: وقول عطاء مثل قول عمر بن الخطاب لا يخالفه (٥). [١٣٦٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن الزهري، عن

стр. 1475

السائب بن يزيد؛ أن عمر بن الخطاب خرج يصلي على جنازة فسمعه السائب يقول: إني وجدت من عبيد الله وأصحابه ريح شراب، وأنا سائل عما شربوا، فإن كان مسكرًا حددتهم (١). [١٣٦٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي قال: قال سفيان: فأخبرني معمر، عن الزهري، عن السائب بن يزيد أنه حضره يحدهم (٢). الشرح سلمة بن عوف بن سلامة (٣). وقوله: "ثم رفع يده فتبعها يتمطط" كأنه يريد: فتبعها بالنظر إليها فرأى ما لصق منه بإصبعه يتمطط أي: يتمدد. وقوله: "هذا الطلاء" الطلاء: ما طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، سمي بذلك لمشابهته طلاء الإبل في الثخن والسواد وهو القطران، ويقال: أن الطلاء الخمر بعينها، ويحتج بقول عبيدة بن الأبرص: "هي الخمر تكنى الطلاء كما الذئب يكنى أبا جعدة". وقوله: "فأمرهم عمر أن يشربوه" أي: رخص لهم فيه كأنه ظن أنه لا يسكر؛ لأنهم قالوا: نجعل من هذا الشراب شيئًا لا يسكر، ولأنه رأى المطبوخ متغيرًا عن الهيئة التي كانت في اللون والرقة، فلما قال عبادة: "أحللتها والله" يريد: الخمر؛ عرف عمر [أو ظن] (٤) أن الأمر على خلاف ما أوهموه فقال: "لا أحل لهم شيئًا حكمت بتحريمه من المسكرات" يبينه قوله في الأثر الثاني: "وأنا سائل عما شرب، فإن كان

стр. 1476

يسكر جلدته" وأراد بفلان: عبيد الله أو بعض أصحابه على ما هو مبين في رواية سفيان من بعد. وقول عطاء: "إن الريح ليكون من الشراب الذي ليس به بأس" يشير إلى أن مجرد الرائحة لا تكفي لإقامة الحد؛ لأن الرائحة قد تكون من الشراب الذي لم ينته إلى حد الإسكار، وأيضًا فربما شربه مكرهًا أو جاهلًا بالحال. والذي قال الشافعي أن قول عطاء مثل قول عمر لا يخالفه أي: في أنه لم يعتمد على الرائحة وتوقف ليعرف أنه من شراب يسكر أو من غيره، وما روي في "الصحيحين" (١) عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: قال عبد الله: كنت جالسًا بحمص فقالوا لي: اقرأ، فقرأت سورة يوسف. فقال رجل من القوم: والله ما هكذا أنزلها الله. فقلت: ويحك، لقد قرأتها على رسول الله ﷺ فقال: "أحسنت" وأنت تقول لي ما تقول! قال: فبينا أنا أكلمه إذ وجدت منه ريح الخمر، فقلت: تكذب بكتاب الله وتشرب الخمر! أما والله لا ترجع إلى أهلك حتى أجلدك الحد (٢). حمل على أنه ثبت الشرب بالبينة أو باعتراف الرجل. وقوله: "فإذا اجتمعوا جميعًا على شراب واحد فسكر أحدهم جلدوا جميعًا" معناه أن الناس يختلفون في سرعة السكر وبطئه، ومدار الأمر كونه مسكرًا في الجملة، فإذا سكر منه بعضهم حد الجميع، ويروى أن أبا مسلم الخولاني حج فدخل على عائشة ﵂

стр. 1477

فجعلت تسأله عن الشام وبردها، فقال: يا أم المؤمنين إنهم يشربون شرابًا يقال له: الطلاء، فقالت: صدق الله وبلغ حِبِّي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أناسًا من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها" (١). الأصل [١٣٦٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب؛ أن النبي ﷺ قال: "إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه [ثم إن شرب فاجلدوه] (٢)، ثم إن شرب فاقتلوه" لا يدري الزهري أبعد الثالثة أو الرابعة، فأتي برجل قد شرب فجلده، ثم أتي به قد شرب فجلده، ثم أتي به قد شرب فجلده، ووضع القتل، وصارت رخصة (٣). [١٣٦٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، قال الزهري لمنصور ومخول: كونا وافدي العراق بهذا الحديث (٤). الشرح منصور (٥) بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة، ويقال: ابن المعتمر ابن عتاب بن عبد الله، أبو عتاب السلمي من بني بهثة بن سليم الكوفي.

стр. 1478

سمع: أبا وائل، وإبراهيم النخعي، وأبا الضحى. وروى عنه: شعبة، والثوري، وابن عيينة، وحماد بن زيد. توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة. ومخول: هو ابن راشد أبو راشد، ويقال: مخول بن أبي المجالد النهدي، مولاهم الكوفي. سمع: أبا جعفر محمَّد بن علي، ومسلمًا البطين. وروى عنه: شعبة، والثوري (١). وحديث قبيصة أخرجه أبو داود (٢) عن أحمد بن عبدة الضبي عن سفيان، وهو مرسل؛ لكن كل واحد من طرفيه: "الأمر بالقتل، وتركه" قد ورد في روايات مسندة. أما الأمر بالقتل [فعن] (٣) عاصم عن أبي صالح عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاقتلوهم" (٤). وعن حميد بن يزيد عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال مثله. قال: وأحسبه قال في الخامسة: "إن شربها فاقتلوه" (٥).

стр. 1479

وعن يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاضربوا عنقه" (١). وكذا رواه سهيل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ . وأما ترك القتل، فقد روي مسندا عن محمَّد بن المنكدر عن جابر عن النبي ﷺ (٢). وقوله: "لا يدري الزهري أبعد الثالثة أو الرابعة كذلك هو في رواية الشافعي، وروى سعدان بن نصر عن سفيان عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب قال: قال رسول الله ﷺ : "من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إذا شرب الخمر فاجلدوه، ثم إذا شرب الخمر فاجلدوه، ثم إذا شرب في الرابعة فاقتلوه" (٣). فعين الرابعة من غير تردد، وقد مرّ أن بعض الرواة قال: "وأحسبه قال في الخامسة: إن شربها فاقتلوه" وروايات الرابعة أشهر وأظهر، فروي من حديث عمرو بن شعيب؛ أن النبي ﷺ قال: "من أقيم عليه حد في شيء أربع مرات أو ثلاث مرات ثم أتي به الرابعة أو الخامسة قتل" ذكره على الشك.

стр. 1480

والرجل الذي أتي به رسول الله ﷺ فجلده ولم يقتله وهو نعيمان، فقد روى محمَّد بن إسحاق عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه" فأتي رسول الله ﷺ برجل من الأنصار يقال له: نعيمان، فضربه أربع مرار فرأى المسلمون أن القتل قد أخر وأن الضرب قد وجب. وروى زياد بن عبد الله، عن محمَّد بن إسحاق بن يسار، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: "من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاقتلوه". قال: وضرب رسول الله ﷺ النعيمان أربع مرات. قال: فرأى المسلمون الحد قد رفع القتل حين ضرب رسول الله ﷺ أربع مرات (١). والمقصود أن القتل قد رفع ونسخ باقتصار النبي ﷺ على جلد ذلك الرجل، ولم يذهب أحد من أهل العلم إلى أن شارب الخمر يقتل، وأيد الشافعي ما دل على النسخ بقوله ﷺ : "لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث ... " الحديث (٢). وقول الزهري: "كونا وافدي العراق بهذا الحديث" يريد بلغوا أهل العراق هذا الحديث ليعرفوا به أن القتل منسوخ.

стр. 1481

الأصل [١٣٦٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي قال: أخبرنا عن معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن أزهر قال: رأيت النبي ﷺ عام حنين يسأل عن رحل خالد بن الوليد، فجريت بين يديه أسأل عن رحل خالد، حتى أتاه (جذعًا) (١) وأتى النبي ﷺ بشارب قال: "اضربوه" [فضربوه] (٢) بالأيدي والنعال وأطراف الثياب وحثوا عليه التراب. ثم قال النبي ﷺ : "بكتوه" فبكتوه، ثم أرسله. قال: فلما كان أبو بكر ﵁ سأل من حضر ذلك المضروب فقومه أربعين، فضرب أبو بكر في الخمر أربعين حياته. ثم عمر ﵁ حتى تتابع الناس في الخمر فاستشار، فضربه ثمانين (٣). [١٣٦٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ثور بن زيد الديلي؛ أن عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل، فقال علي بن أبي طالب ﵁: نرى أن تجلده ثمانين؛ فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى أو كما قال، قال: فجلد عمر ثمانين في الخمر (٤). الشرح عبد الرحمن: هو ابن أزهر بن عوف أبو جبير الزهري القرشي، ابن عم عبد الرحمن بن عوف، مذكور في الصحابة، شهد مع النبي ﷺ

стр. 1482

حنينًا، وروى عنه. وحدث عنه: ابنه عبد الحميد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والزهري، وغيرهم (١). وثور (٢) بن زيد: هو الديلمي المديني. سمع: أبا الغيث سالمًا، والزهري. فروى عنه: مالك، وسليمان بن بلال، وعبد العزيز الدراوردي. مات سنة ثلاث وخمسين [ومائة] (٣). وحديث عبد الرحمن بن أزهر رواه هشام بن يوسف الصنعاني عن معمر كما رواه الشافعي (٤)، ورواه أسامة بن زيد عن الزهري، عن عبد الرحمن أيضًا ورواه من هذا الطريق أبو داود في "السنن" (٥) عن سليمان ابن داود المهري عن ابن وهب عن أسامة بن زيد. وحديث ثور بن زيد منقطع ومختصر، ورواه يحيى بن فليح أخو محمَّد بن فليح عن ثور عن عكرمة عن ابن عباس؛ أن الشُّراب كانوا يضربون على عهد رسول الله ﷺ بالأيدي والنعال والعصيّ، وكانوا في خلافة أبي بكر ﵁ أكثر منهم في عهد نبي الله ﷺ فقال أبو بكر: لو فرضنا لهم حدًّا فتوخى نحوًا مما كانوا يضربون في عهد رسول

стр. 1483

الله ﷺ فكان أبو بكر يجلدهم أربعين حتى توفي، ثم كان عمر يجلدهم أربعين، إلى أن استشار فيه فقال علي: نرى أنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانين جلدة، فأمر عمر بثمانين (١). وقول عبد الرحمن: "رأيت النبي ﷺ عام حنين يسأل عن رحل خالد بن الوليد، فجريت بين يديه أسأل عن رحل خالد" فيه أدب المرافقة وإعانة الطالب ودلالته على ما يبغيه، وكان عبد الرحمن من الأحداث، فقد روى البخاري في "التاريخ" (٢) بعض هذا الحديث وقال: "فسعيت بين يديه وأنا محتلم"، وفي بعض الروايات: "وأنا غلام شاب". ويحسن من الأحداث إعانة الأكابر والقيام بخدمتهم. وقوله: "أتاه جذعًا" كأنه يريد أتاه وهو أول من أتاه أو قويًّا قبل أن يتعب من كثرة السير، والأصل فيه سنن الدواب، ويقال: الدهر جذع أبدًا أي: شاب لا يهرم، ويقال أيضًا: فلان في هذا الأمر جذع إذا أخذ فيه حديثًا. وقوله: "وأتي النبي ﷺ بشارب" لا يقتضي أن يكون الإتيان بالشارب بعدما أتى [خالد] (٣) نعم لو قال: فأتي بشارب بالفاء لأشعر بذلك، وفي رواية أسامة بن زيد عن الزهري عن عبد الرحمن: رأيت النبي ﷺ يوم حنين وهو يتخلل الناس يسأل عن منزل خالد بن الوليد،

стр. 1484

فأتي بسكران، فقال رسول الله ﷺ لمن عنده: "اضربوه" فضربوه بما في أيديهم. وقوله: "فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب وحثوا عليه التراب" هكذا كان يضرب الشارب في عهد رسول الله ﷺ ففي "الصحيحين" من رواية شعبة، عن قتادة، عن أنس؛ أن النبي ﷺ ضرب في الخمر بالجريد والنعال (١). وفي بعض الروايات عن عبد الرحمن بن أزهر: فضربوه بما في أيديهم، فمنهم من يضرب بالسوط، ومنهم من يضرب بالعصا، وحثا رسول الله ﷺ عليه بالتراب. وقوله: "بكتوه" في "الغريبين": التبكيت يكون تقريعًا باللسان، يقال له: يا فاسق أما استحييت، أما اتقيت، ويكون باليد والعصا ونحوهما، وليحمل اللفظ على التوبيخ باللسان فإنه أمر بالتبكيت بعد الضرب. وقوله: "سأل من حضر ذلك المضروب فقومه أربعين". أي: قدّر ما جرى بأربعين جلدة بالاجتهاد والتخمين، وفي "الصحيح" من رواية قتادة عن أنس؛ أن النبي ﷺ كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين، وأبو بكر ضرب أربعين (٢). وأيضًا؛ أن النبي ﷺ أتي برجل شرب الخمر فضربه بجريدتين نحوًا من أربعين ثم صنع أبو بكر مثل ذلك (٣). وأظهر وجهي الأصحاب: أنه لو لم يجلد الشارب واقتصر على ضربه أربعين بالنعال وأطراف الثياب كفى وإن قدر ما جرى بأربعين جلدة،

стр. 1485

ويدل عليه ما رواه البخاري في "الصحيح" (١) عن السائب بن يزيد قال: كنا نؤتى بالشُّراب في عهد رسول الله ﷺ وفي إمرة أبي بكر الصديق وصدرًا من إمرة عمر فنضربهم بأيدينا وأرديتنا ونعالنا، حتى مضى صدر من إمرة عمر فجلد أربعين حتى إذا عتوا فيه وفسقوا جلد ثمانين. وقوله: "حتى تتابع الناس في الخمر" أي: تهافتوا، يقال لمن يرمي بنفسه في الأمر سريعًا: تتابع في كذا. وقوله: "فاستشار فضربه ثمانين" استشار عمر. وقول علي ﵄: "إذا شرب سكر" رواه ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس، وروي عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي وبرة الكلبي قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر ﵁، فأتيته ومعه عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وعلي وطلحة والزبير، وهم معه متكئون في المسجد، فقلت: إن خالد بن الوليد أرسلني إليك وهو يقرأ عليك السلام ويقول: إن الناس قد [انهمكوا] (٢) في الخمر وتحاقروا العقوبة، فقال عمر: هم هؤلاء عندك فسلهم، فقال علي: نراه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون. فقال: أبلغ صاحبك ما قال. قال: فجلد خالد ثمانين، وجلد عمر ثمانين. قال: وكان عمر إذا أتي بالرجل الضعيف التي كانت منه الزلة جلده أربعين، قال: وجلد عثمان أيضًا ثمانين وأربعين (٣).

стр. 1486

وفي "الصحيحين" (١) من رواية قتادة عن أنس؛ أن عمر ﵁ لما ولي استشار فيه، فقال عبد الرحمن بن عوف: نرى أن تجعله كأخف الحدود، فجلده عمر ثمانين. ويحتمل أن الاستشارة جرت مرتين فأشار علي بالثمانين في مرة وعبد الرحمن في أخرى، ويحتمل أنها اتفقت مرة واحدة وأشارا معًا بالثمانين فمنهم من روى قول هذا ومنهم من روى قول هذا. واحتج بقوله: "إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى" على أن مظنة الشيء تقام مقام ذلك الشيء، وإذا تأملت ما في الفصل من الأحاديث تبين ذلك أن حد الخمر في الأصل أربعون، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة ومالك: حد الشرب ثمانون. والقائلون بالأربعين جوزوا الزيادة إذا رآها الإِمام؛ لفعل الصحابة، ثم اختلفوا فيها: فقال أكثرهم: إن الزيادة تعزير مضموم إلى الحد. وقال آخرون: إنها من الحد، وحد الشرب قسمان: متحتم، ومتعلق باجتهاد الإِمام ونظره. الأصل [١٣٧٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن أبي يحيى، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه؛ أن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لا أوتى برجل شرب خمرًا ولا نبيذًا [مسكرًا (٢)] إلا جلدته الحد (٣).

стр. 1487

الشرح هذا الأثر يبين ذهاب علي ﵁ إلى أن كل مسكر حرام موجب الحد كما قدمناه، ولما كان مدار التحريم الإسكار الذي منه ينشأ الفساد لم يحرم من الأشربة ما لا يسكر، وفي "الصحيح" (١) من رواية سهل بن سعد؛ أن أبا أسيد الساعدي دعا رسول الله ﷺ في عرسه، وكانت امرأته يومئذٍ خادمهم وهي العروس. قال سهل: تدرون ما سقت رسول الله ﷺ ؟ أنقعت له تمرات من الليل فلما أكل سقته إياه. وعن ثمامة بن حزن القشيري قال: سألت عائشة عن النبيذ فدعت جارية حبشية فقالت: سل هذِه فإنها كانت تنبذ لرسول الله ﷺ ؟ فسألتها، فقالت: كنت أنبذ لرسول الله ﷺ في سقاء من الليل وأوكيه، فإذا أصبح شرب منه (٢). وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ ينبذ له نبيذًا فيشربه اليوم، والغد وليلته، واليوم الثالث، فإذا أمسى سقاه الخدم (٣). الأصل [١٣٧١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر محمَّد بن علي؛ أن علي بن أبي طالب جلد الوليد بسوط له طرفان (٤).

стр. 1488

الشرح الوليد: هو ابن عقبة بن أبي معيط أبان بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أبو وهب القرشي الأموي، أخو عثمان بن عفان ﵁ لأمه، وهي أروى بنت كريز بن ربيعة، وله صحبة ورواية، وولي الكوفة لعثمان (في) (١) شهد عليه أهل الكوفة بالشرب فحد وخرج منها فنزل الرقة ومات بها (٢). وقصة جلده مذكورة في "الصحيح" (٣)، وروى يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي عروبة، عن عبد الله الداناج، عن حضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة، وقال: صلى الوليد بن عقبة بالناس الفجر أربعًا وهو سكران فالتفت إليهم وقال: أزيدكم، فرفع ذلك إلى عثمان فقال عثمان لعلي ﵄: دونك ابن عمك فاجلده، فقال علي للحسن: قم فاجلده. فقال الحسن: فيما أنت من ذلك. فقال: بل عجزت وضعفت، قم يا عبد الله بن جعفر فاجلده، فجعل يجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك، جلد رسول الله ﷺ أربعين وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكلٌّ سنة. وزاد بعضهم: وهذا أحب إلي، يعني: الأربعين (٤). وهذِه الرواية ونحوها تبين أن قوله: "أن عليًّا جلد الوليد" معناه: أنه أمر بجلده لا أنه باشره.

стр. 1489

وما ذكره علي ﵁ يبين أن حد الشرب أربعون، ومن قال أنه ثمانون قال: إنه ضرب بسوط له طرفان، أي: رأسان. وقد روي أنه جلده به أربعين فتكون ثمانين؛ وأجيب عنه بأنه يحتمل أنه ضرب به عشرين فقال الراوي: جلد أربعين، أي: عشرين بهذا الطرف وعشرين بهذا الطرف، يدل عليه أن في بعض الروايات عن حضين بن المنذر: فأمر به علي فجلد أربعين جلدة، ثم قال: أمسك، جلد رسول الله ﷺ أربعين ... إلى آخره. الأصل [١٣٧٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر؛ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إن يجلد قدامة اليوم فلن يترك أحد بعده، وكان قدامة بدريًّا. سمعت الربيع، سمعت الشافعي يقول وهو يحتج في ذكر المسكر وكان كلامًا قد تقدم لا أحفظ، فقال: أرأيت إن شرب عشرة ولم يسكر، فإن قال: حلال [قيل] (١) أفرأيت إن خرج فأصابته الريح فسكر، فإن قال: حرام، قيل له: أفرأيت شيئًا قط شربه وصار إلى جوفه حلالًا ثم صيرته الريح حرامًا. قال الشافعي: ما أسكر كثيره فقليله حرام (٢). الشرح قدامة: هو ابن مظعون أبو عثمان الجمحي القرشي، شهد بدرًا مع

стр. 1490

رسول الله ﷺ وكان خال عبد الله بن عمر وحفصة. روى عن: أخيه عثمان، وروى عنه: عبد الله بن عمر، وعبد الله ابن عامر بن ربيعة (١). وكان عمر بن الخطاب استعمل قدامة على البحرين فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر وقال: يا أمير المؤمنين إن قدامة شرب فسكر وإني رأيت حدًّا من حدود الله حقًّا عليّ أن أرفعه إليك وأفضى الأمر إلى أن جلد قدامة، ثم حجّ عمر ﵁ وقدامة معه وكان مغاضبًا له، فلما قفلا من حجهما ونزل عمر بالسقيا فنام واستيقظ من نومه فقال: عجلوا علي بقدامة فلقد أتاني في منامي آت، فقال: سالم قدامة فإنه أخوك، فأتاه وكلمه واستغفر له وتصالحا. وأشار الشافعي بالكلام الذي ذكر إلى أن الناس يختلفون في سرعة السكر وبطئه ويؤثر فيه السريح والهواء وغيرهما، وكيف يصح أن يقال: إنه كان حلالًا فلما أصابته الريح صار حرامًا. الأصل [١٣٧٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن مولاة لصفية بنت أبي عبيد؛ أنها اختلعت من زوجها بكل شيء لها، فلم ينكر ذلك عبد الله بن عمر (٢). الشرح هذا والذي بعده خارج عن باب الأشربة، واتفق وقوعهما في آخره.

стр. 1491

والمقصود أن المخالعة جائزة على ما تراضى به الزوجان من المال قلّ أم كثر عند عامة أهل العلم، ولا بأس بأن تزيد على قدر ما أعطاها صداقًا، وكأن المعنى بالأثر أنها اختلعت بكل شيء لها مما أعطاها الزوج ومن غيره. وعن سعيد بن المسيب: أنه لا يأخذ منها جميع ما أعطاها بل يترك شيئًا، وذهب قوم أنه لا يجوز أن تزيد على الصداق الذي ساق إليها، كما روي؛ أن النبي ﷺ كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطى. وقد قيل: أنه مرسل من رواية عطاء، وعن ابن جريج أنه أنكر هذا اللفظ وقال: الثابت أن النبي ﷺ قال: "أتردين عليه حديقته"؟ قالت: نعم، وزيادة. قال: "أما الزيادة فلا". وحمل ذلك على أن الزوج كان راضيًا بما أعطي غير طالب للزيادة (١). الفصل [١٣٧٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عياض بن عبد الله بن سعد؛ أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام، صاعًا من شعير، صاعًا من تمر، صاعًا من زبيب أو صاعًا من أقط (٢). الشرح هذا بعض حديث قد مرّ في كتاب الزكاة وذكرنا ما يتعلق به،

стр. 1492

ورأيت في بعض نسخ "المسند" أن الربيع روى عن الشافعي من أول فضائل قريش إلى هذِه [...] (١) بلفظ التحديث، فقال أبنا الشافعي، ثنا الشافعي. الأصل كتاب عشرة النساء [١٣٧٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا أنس بن عياض، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها حدثته أن هندًا أم معاوية جاءت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه سرًّا وهو لا يعلم، فهل علي في ذلك من شيء؟ فقال النبي ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٢). الشرح الحديث قد تقدم من رواية سفيان عن هشام، وذكرنا مما يتعلق به ما يسر الله تعالى، واللفظ ها هنا روايته أقرب إلى لفظ رواية "الصحيحين" المذكورة هنالك. الأصل [١٣٧٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن [زياد] (٣) بن سعد، قال أبو محمَّد: أظنه عن هلال بن أبي ميمونة، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ خيَّر غلامًا بين أبيه وأمه (٤).

стр. 1493

[١٣٧٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن يونس بن عبد الله الجرمي، عن عمارة الجرمي قال: خيرني علي ﵁ بين [أمي] (١) وعمي ثم قال لأخ لي أصغر مني: وهذا أيضًا لو قد بلغ مبلغ هذا لخيرته. قال الشافعي: قال إبراهيم عن يونس، عن عمارة، عن علي مثله. وقال في الحديث: وكنت ابن سبع أو ثمان (٢). الشرح زياد بن سعد: هو أبو عبد الرحمن الخراساني، شريك ابن جريج. روى عن: الزهري، وضمرة بن سعيد، وأبي الزبير. روى عنه: ابن جريج، وابن عيينة، وأبو معاوية. وقد وثقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو زرعة (٣). وهلال بن أبي ميمونة: هو هلال بن علي بن أسامة، ويقال: هلال بن أسامة القرشي. سمع: أنسًا، وعطاء بن يسار (٤). وأبو ميمونة ليس بوالد هلال، إنما هو سليم الفارسي، وسماه بعضهم سلمي. سمع: أبا هريرة.

стр. 1494

وروى عنه: هلال بن أبي ميمونة (١). ويونس بن عبد الله الجرمي. سمع: عمارة بن ربيعة، ودينارًا الحجام. وروى عنه: الثوري، وابن عيينة، وسمع منه: شعبة، ويعلى بن عبيد الكوفي (٢). وعمارة هو ابن ربيعة الجرمي، كذلك نسبه ابن المبارك. روى عن: علي ﵁ (٣). وحديث أبي هريرة في رواية الربيع مختصر، ورواه حرملة عن الشافعي مبسوطًا، ويقرب منه ما رواه أبو داود في "السنن" (٤) عن الحسن بن علي، عن عبد الرزاق وأبي عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني زياد، عن هلال بن أسامة؛ أن أبا ميمونة سلمى مولى من أهل المدينة رجل صدق قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة وقد نفعني. فقال النبي ﷺ : "هذا أبوك وهذِه أمك فخذ بيد أيهما شئت" فأخذ بيد أمه فانطلقت به. ورواه هارون بن معروف عن سفيان مختصرًا كما رواه الربيع عن الشافعي.

стр. 1495

وإذا كان أبوا الطفل مصطحبين مجتمعين على النكاح [قائمًا] (١) بكفايته الأب بالإنفاق والأم بالحضانة ومؤنتها على الأب، وإن [حدث] (٢) بينهما فراق بفسخ أو طلاق فالأم أولى بحضانته إن رغبت فيه ما لم تنكح؛ لما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو؛ أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له [وعاءً] (٣) وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وان أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني. فقال رسول الله ﷺ : "أنت أحق به ما لم تنكحي" (٤). ويشترط لاستحقاقها أن تكون جامعة لصفات: الإِسلام، والعقل، والحرية، والعدالة. وهذا في الطفل الذي لا يميز، والمجنون في معناه؛ وأما المميز فيخير بين أبويه ذكرًا كان أو أنثى ويكون عند من اختاره؛ لحديث أبي هريرة، وعن عبد الرحمن بن غنم؛ أن عمر بن الخطاب ﵁ خير غلامًا بين أبيه وأمه (٥). ونفى أبو حنيفة ومالك التخيير، ثم قال أبو حنيفة: الأم أحق بالغلام حتى يستقل بأن يأكل ويلبس وحده ثم يسلم إلى الأب، وهي أحق بالغلام حتى تنكح أو يختص.

стр. 1496

وقال مالك: الأم أحق بالغلام حتى يبلغ وبالجارية وإن حاضت حتى تتزوج. وقال أحمد: يخير الغلام ولا تخير الجارية، بل الأم أولى بها. وإنما يخير المميز بين الأبوين إذا جمعا صفات: الإِسلام، والعقل، والحرية، والعدالة، فإن فقد في إحدهما بعض هذِه الصفات فالحضانة للآخر ولا تخيير إذا لم تنكح الأم، فإن نكحت فالحضانة للأب. وكما يخير المميز بين الأبوين يخير بين الأم والجد؛ وأظهر الوجهين للأصحاب: أنه يخير بين الأم وبين الأخ والعم أيضًا، ويدل عليه الأثر عن علي ﵁. وقوله في الرواية الأخرى: "وكنت ابن سبع أو ثمان" يريد أني بلغت التمييز أو سن التمييز في الغالب سبع أو ثمان، والاعتبار بنفس التمييز لا بسنه؛ وما ذكرنا أن الأم أحق بغير المميز وأن المميز يخير، مفروض فيما إذا كان الأبوان مقيمين في بلد واحد، فإن أراد أحدهما سفرًا نظر إن كان سفر نقلة فيجعله الأب مع نفسه احتياطًا للنسب، فإن رافقته الأم في الطريق والمقصد فالحكم كما لو كانا مقيمين في البلد الواحد. الأصل [١٣٧٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب؛ أن رجلًا سأل عثمان بن عفان ﵁ عن الأختين من ملك اليمين هل جمع بينهما؟ فقال عثمان: أحلتهما آية وحرمتهما آية، وأما أنا فلا أحب أن أصنع هذا.

стр. 1497

قال: فخرج من عنده فلقي رجلًا من أصحاب النبي ﷺ فقال: لو كان لي من الأمر شيء ثم وجدت أحدًا فعل ذلك جعلته نكالًا. قال مالك: قال ابن شهاب: أراه علي بن أبي طالب. قال مالك: وبلغني عن الزبير بن العوام مثل ذلك (١). [١٣٧٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه؛ أن عمر بن الخطاب سئل عن المرأة وابنتها من ملك اليمين: هل توطأ إحداهما بعد الأخرى؟ فقال عمر: ما أحب أن (أخبرهما) (٢) جميعًا (٣). [١٣٨٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبا سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه قال: سئل عمر عن أم وابنتها من ملك اليمين. فقال: ما أحب أن يجيزهما جميعًا. قال عبيد الله: قال أبي: فوددت أن عمر كان أشدّ في ذلك مما هو [فيه] (٤). [١٣٨١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم وعبد المجيد، عن ابن جريج قال: سمعت ابن أبي مليكة يخبر أن معاذ بن عبيد الله بن معمر جاء عائشة ﵂ فقال: إن لي سرية أصبتها، وإنها قد بلغت لها ابنة جارية لي أفأستسرّ ابنتها؟

стр. 1498

فقالت: لا. قال: فإني والله لا أدعها إلا أن [تقولي] (١) لي: حرمها الله. فقالت: لا يفعله أحد من أهلي ولا أحد أطاعني (٢). الشرح معاذ بن عبيد الله بن معمر: هو التميمي القرشي، يعدّ في أهل المدينة. سمع: عثمان، وعائشة. وروى عنه: عبد الله بن أبي مليكة، وغيره (٣). وقوله: "أن رجلًا سأل عثمان" كأن المراد منه نيار الأسلمي؛ فقد روى الليث عن يونس عن ابن شهاب أنه سئل عن الجمع بين الأختين مما ملكت اليمين فقال: أخبرني قبيصة بن ذؤيب أن نيارًا الأسلمي سأل رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ عن الأختين مما ملكت اليمين فقال: أحلتهما آية وحرمتها آية ... (٤). وقوله: "هل يجمع بينهما" أي: في الوطء، أما جمعهما في الملك فلا منع منه. وقوله: "أحلتهما آية" [أراد] (٥) قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (٦)، وقوله: "وحرمتهما آية" أراد قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (٧). وذكر أن عثمان ﵁ كان متوقفًا في المسألة لتعارض الآيتين.

стр. 1499

وقوله: "وأما أنا فلا أحب أن أصنع هذا" مع التوقف سلوك لسبيل الاحتياط، وأغلب أهل العلم قالوا بتحريمه، ورأوا قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (١) أخص في هذا الحكم من قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٢)؛ لأن قوله تعالى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (٣) مسوق لبيان المحرمات، وقوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٤) مذكور في معرض الثناء على المحافظين لحدود الله تعالى بحفظ فروجهم، ومثل ذلك لا يقصد به التعميم، وأيضًا فإن الجمع بينهما في الوطء يوجب الوحشة وقطيعة الرحم، فكان كالجمع (٥) في النكاح. وإلى التحريم ذهب علي بن أبي طالب والزبير بن العوام، وبالغ فيه علي ﵁ فقال (٦): لو كان لي من الأمر شيء ... إلى آخره ويروى عن موسى بن عقبة، عن عمه، عن علي ﵁ أنه سأله رجل له أمتان أختان وطيء إحداهما ثم أراد أن يطأ الأخرى فقال: لا، حتى يخرج الأولى عن ملكه (٧). على أنه قد روي عنه ما يشعر بالتوقف كما روي عن عثمان ﵁، فعن حنش أن علي بن أبي طالب سئل عن الرجل تكون له جاريتان أختان فيطأ إحديهما، أيطأ الأخرى؟ فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، وأنا أنهى نفسي عنها وولدي (٨).

стр. 1500

واحتج بالأثر على أنه يجوز للمجتهد إبداء التوقف في المسألة عند تعارض الدليلين إلى أن يتبين الترجيح، وعلى هذا تنزل قول الشافعي ﵁ في مسائل معدودة هي على قولين أو تحتمل قولين أو فيها قولان. وكما يحرم الجمع في الوطء بين الأختين المملوكتين يحرم الجمع في الوطء بين الأمة وابنتها المملوكتين، وإذا وطيء إحديهما حرمت الأخرى على التأبيد. وقوله عمر ﵁: "ما أحب أن أخبرهما" أي: أخبرهما بالوطء، فقال (١): يقال: خبَرَهُ يخْبرُه خُبرًا وخُبْرة إذا بَلاه واختبره. هذِه هي الرواية المعتمدة، فروى بعضهم "أن أجيزهما" كأنه يريد أن أجوز وطئها، وفي رواية سفيان "أن يجيزهما" أي: الرجل المسئول له عن الجمع. وودّ عبد الله بن عتبة بن مسعود أن يكون عمر ﵁ أشدّ في المسألة ومبالغته فيه أتم، ونسب أبو إبراهيم المزني في "المختصر" ما حكي عن ابن عتبة عن ابن عمر، وعدّ ذلك من أوهامه. وحديث عائشة يوافق حديث عمر بن الخطاب. وقوله: "أفأستسر" يريد به: التسري، وقد قيل: إن أصل تسرى: تسرر من السرور، فأبدلوا من إحدى الراءات ياءً كما قالوا في تقضض وتقضى، ورأيت لبعضهم: "أفأستسري" كأنه جوز أن يقال بدل تسرى: استسرى.

стр. 1501

الأصل [١٣٨٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب في قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ الآية، قال: هي منسوخة، نسختها: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ فهي من أيامي المسلمين (١). [١٣٨٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن هارون بن رئاب، عن عبد الله بن [عبيد بن عمير] (٢) قال: أتى رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن لي امرأة لا تردّ يدّ لامس. فقال النبي ﷺ : "طلقها". قال: إني أحبها. قال: "فأمسكها إذًا" (٣). [١٣٨٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، حدثني عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه؛ أن رجلًا تزوج امرأة ولها ابنة من غيره وله ابن من غيرها، ففجر الغلام بالجارية فظهر بها حبل، فلما قدم عمر مكة فرفع ذلك إليه فسألهما فاعترفا؛ فجلدهما عمر الحدّ وحرص أن يجمع بينهما فأبى الغلام (٤). الشرح هارون بن رئاب: هو الأسيدي البصري يوسف بالزهد. روى عن: أنس بن مالك، وكنانة بن نعيم، ومجاهد بن جبر.

стр. 1502

وروى عنه: أيوب السختياني، والأوزاعي، وشعبة، والثوري، وابن عيينة (١). وعبد الله بن عبيد بن عمير الليثي. روى عن: ابن عمر، وسمع: أباه. وسمع منه: الزهري، وغيره (٢). والأثر عن ابن المسيب قد سبق مرة في الكتاب. وحديث عبد الله بن عبيد منقطع. وروي عن حماد بن سلمة، عن عبد الكريم بن أبي المخارق وهارون بن رئاب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال حماد: قال أحدهما: عن ابن عباس؛ أن رجلًا قال: يا رسول الله إن عندي بنت عم لي جميلة، وإنها لا ترد يد لامس. قال: "طلقها". قال: لا أصبر عنها، قال: "فأمسكها إذًا" (٣).

стр. 1503

وقال أبو داود في "السنن" (١) كتب إليَّ الحسين بن حريث، أبنا الفضل بن موسى، ثنا الحسين بن واقد، عن عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ ... " فذكر نحوًا منه، ويروى معنى الحديث من رواية أبي الزبير عن جابر أيضًا (٢). والمقصود أن نكاح الزانية جائز، ولو زنت امرأة وهي في نكاح رجل لم يرتفع النكاح بينهما ولم يلزم الزوج أن يفارقها وإن كان الأولى المفارقة، واستدل بقوله: "فأمسكها" على أنه لا تجب المفارقة، وحمل قوله: "لا تردّ يد لامس" على أنها تطاوع من أرادها، وذكر بعضهم أن المعنى فيه أن لا يتشتت همه بمفارقتها مع محبته لها، ولأبي عبيد في الحديث كلام آخر قد قدمناه. وأثر عمر ﵁ ظاهر الدلالة على جواز نكاح الزانية، وما روي عن ابن مسعود أنه قال فيمن ينكح الزانية: هما زانيان ما اجتمعا (٣). يعارضه ما روي عن علقمة بن قيس؛ أن رجلًا أتى ابن مسعود فقال: رجل زنى بامرأة ثم تابا وأصلحا، له أن يتزوجها؟ فتلا هذِه الآية: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال: فرددها عليه مرارًا حتى ظن أنه قد أرخص فيه (٤).

стр. 1504

الأصل [١٣٨٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم وسعيد، عن ابن جريج، أخبرني عكرمة بن خالد قال: جمعت الطريق رفقة فيهم امرأة ثيب، فولت رجلًا منهم أمرها فزوجها رجلًا، فجلد عمر ﵁ الناكح والمنكح ورد نكاحها (١). [١٣٨٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد الرحمن بن معبد بن عمير؛ أن عمر رد نكاح امرأة نكحت بغير ولي (٢). [١٣٨٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم وعبد المجيد، عن ابن جريج، قال: قال عمرو بن دينار: نكحت امرأة من بني بكر بن كنانة يقال لها: بنت أبي ثمامة عمر بن عبد الله بن مضرس، فكتب علقمة بن علقمة العتواري إلى عمر بن عبد العزيز إذ هو والي المدينة إني وليها وإنها نكحت بغير أمري، فردّه عمر وقد أصابها. قال: فأي امرأة نكحت بغير إذن وليها فلا نكاح لها؛ لأن النبي ﷺ قال: "فنكاحها باطل"، وإن أصابها فلها صداق مثلها بما أصاب منها بما قضى لها به النبي ﷺ (٣). الشرح عبد الرحمن بن معبد بن عمير: ابن أخي عبيد بن عمير الليثي. روى عن: علي، وعمر.

стр. 1505

وروى عنه: عمرو بن دينار المكي (١). والأثر الأول رواه الشافعي في "القديم" فقال: عن ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير، عن عكرمة بن خالد، وكذلك هو في رواية غيره (٢). وقوله: "فولت رجلًا منهم أمرها" يحتمل من جهة اللفظ التحكيم والتوكيل، فإن لم يجوز التحكيم فذاك، وإن جوزناه فهو محمول على التوكيل. واحتج بجلد عمر ﵁ على أن من نكح بغير ولي وهو عالم بأنه لا يجوز يعزر. وقول عبد الرحمن بن معبد: "أن عمر رد نكاح امرأة" يمكن أن يريد التي نكحت في الطريق، ويمكن أن يريد غيرها، وقد اشتهر منع عمر ﵁ عن النكاح بغير ولي، وعن معاوية بن سويد بن مقرن، عن علي ﵁ أنه قال: أيما امرأة نكحت بغير إذن ولي فنكاحها باطل، لا نكاح إلا بإذن ولي (٣). وعن الشعبي أن عمر وعليًّا وشريحًا ومسروقًا قالوا: لا نكاح إلا بولي. ويوافق أقوالهم ما روي عن عمر بن عبد العزيز.

стр. 1506

وقوله: "قال: فأي امرأة نكحت بغير إذن وليها ... " إلى آخره، ليس من تمام الأثر؛ وإنما هو كلام الشافعي، ولو جرد الأثر وترك كلامه في هذا الموضع لكان أولى. الأصل [١٣٨٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن علية، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عقبة بن عامر؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا نكح الوليان فالأول أحق". الشرح قد سبق الحديث مع زيادة إلا أنه لم يسم عقبة بن عامر هناك (١). الأصل [١٣٨٩] أبناء الربيع، أبنا الشافعي، أبنا الثقة، عن ابن جريج، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه قال: كانت عائشة يخطب إليها المرأة من أهلها فتشهد، فإذا بقيت عقدة النكاح قالت لبعض أهلها: زوج فإن المرأة لا تلي عقدة النكاح (٢). [١٣٩٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: لا تنكح المرأة المرأة، فإن البغي إنما تنكح نفسها (٣). [١٣٩١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم بن خالد وسعيد،

стр. 1507

عن ابن جريج، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير ومجاهد، عن ابن عباس قال: لا نكاح إلا بشاهدي عدل وولي مرشد. وأحسب مسلمًا قد سمعه من ابن خثيم (١). [١٣٩٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن أبي الزبير، قال: أتي عمر ﵁ بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة، فقال: هذا نكاح السرّ ولا أجيزه، ولو كنت تقدمت فيه لرجمت (٢). الشرح قوله في الأثر الأول: "فتشهد" ويروى: "فتتشهد" أي: تخطب، يريد أنه إذا خطبت امرأة من أهلها فأجابت الخاطب هيَّأت أسباب النكاح وخطبت، ثم أمرت الرجال بالعقد ذهابًا منها إلى أن المرأة لا تلي عقد النكاح، وعلى ذلك حمل ما روي عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، عن عائشة أنها زوجت حفصة بنت عبد الرحمن [من] (٣) المنذر بن الزبير وعبد الرحمن غائب بالشام، فلما قدم قال: مثلي يصنع هذا به [ويفتات] (٤) عليه، فكلمت المنذر بن الزبير فقال: كان ذلك بيد عبد الرحمن. فقال عبد الرحمن: ما كنت لأردّ أمرًا قضيته (فقرر) (٥) حفصة عند المنذر ولم يكن ذلك طلاقًا (٦).

стр. 1508

فقيل: إن المعنى أنها مهدت أمر تزويجها وهيأت أسبابه فأضيف التزويج إليها (١). وحديث أبي هريرة رواه ابن عيينة عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عنه موقوفًا، وكذلك رواه الأوزاعي عن ابن سيرين؛ ورفعه مخلد بن الحسين. وروي عن هشام بن حسان عن محمَّد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، إن البغي التي تزوج نفسها". وكذلك رواه محمَّد بن مروان العقيلي عن هشام بن حسان (٢)، ورواه عبد السلام بن حرب عن هشام بن حسان عن محمَّد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تنكح المرأة المرأة ولا تنكح المرأة نفسها". قال أبو هريرة: كنا نعد التي تنكح نفسها هي الزانية (٣). فرفع ووقف. وحديث ابن عباس قد تقدم، وفيه ما يدل على اعتبار الشهود في النكاح، وعلى اعتبار العدالة في الشهود وكذا في الولي.

стр. 1509

وعن جابر بن [زيد] (١)، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة" (٢). وحديث عمر ﵁ يؤكد اعتبار الشهود، وقد صح عن قتادة عن الحسن وسعيد بن المسيب أن عمر ﵁ قال: لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل (٣). الأصل ومن كتاب التعريض بالخطبة [١٣٩٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "ولا يخطب أحدكم على خطبة أخيه" (٤). [١٣٩٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا محمَّد بن إسماعيل، عن ابن أبي ذئب، عن مسلم الخياط، عن ابن عمر؛ أن النبي ﷺ نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك (٥). والله أعلم. الشرح مسلم: هو ابن أبي مسلم الخياط المكي. سمع: ابن عمر، وأبا هريرة، ورأى سعد بن أبي وقاص. روى عنه: ابن أبي ذئب، وسفيان بن عيينة (٦).

стр. 1510

والحديث من رواية سفيان عن الزهري مخرج في "الصحيحين" (١) وهو (٢) قد سبق في الكتاب من حديث مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عنه، ومن رواية ابن عمر من حديث مالك عن نافع عنه، وقد تكلمنا فيه (٣). وقوله هنا في حديث أبي هريرة: "ولا يخطب على خطبة أخيه" كأنه معطوف على قوله: "لا يبيع الرجل على بيع أخيه" وقد تقدم ذلك في الكتاب بالإسناد المذكور ها هنا (٤). الأصل [١٣٩٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن شهاب؛ أن رسول الله ﷺ يقال لرجل من ثقيف أسلم وعنده عشر نسوة: "أمسك أربعًا وفارق سائرهن" (٥). والله أعلم. الشرح روى الحديث مالك عن الزهري مرسلًا، وكذلك رواه ابن عيينة عنه، وعبد الرزاق عن معمر عنه، ووصله غيرهم. والرجل الثقفي هو غيلان بن سلمة على ما مرّ.
следующие страницы →