← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123510

شرح مسند الشافعي

الرافعي

Полный текст (1 876 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

لرسول الله ﷺ : يا رسول الله إني لا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة [فاتركي] (١) الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي الدم عنك وصلي" (٢). الشرح فاطمة بنت أبي حبيش من الصحابيات، تعرف بهذا الحديث (٣). وهو صحيح أخرجه البخاري (٤) عن عبد الله بن يوسف عن مالك، ومسلم (٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن هشام، وأبو داود (٦) عن محمَّد بن المثنى عن ابن أبي عدي عن محمَّد بن عمرو عن ابن شهاب عن عروة وقال: فقال لها النبي ﷺ : "إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما هو عرق"، ورواه سفيان بن عيينة وحماد بن زيد وعبد العزيز بن محمَّد وأبو معاوية وجرير بن عبد الحميد وجماعة عن هشام وقالوا: "فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" ورواه أبو أسامة عن هشام وقال: "إذا أدبرت فاغتسلي وصلي". ومهما جاوز دم المرأة أكثر الحيض وهو مميزه بأن يُرى بعض الدم قويًّا وبعضه ضعيف فإنها تتحيض في أيام القوي وتدع الصلاة

стр. 1577

والصوم، وتستحاض في أيام الضعيف فتغتسل [كلما] (١) ضعف الدم وتصوم وتصلي وتحتاط للنجاسة، وإنما يؤخذ بالتمييز إذا كان الدم القوي لا ينقص عن أقل الحيض ولا يزيد على أكثره وإذا كان الضعيف لا ينقص عن أكثر الحيض، فإن فقد أحد هذِه الشروط فالحكم كما إذا لم يكن لها تمييز أصلًا، واعتمد في العمل بالتمييز على حديث فاطمة وقالوا: إنها كانت مميزة، ألا ترى أنه قال: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا ذهبت فاغسلي عنك الدم وصلي" وإقبال الدم: قوته، وإدباره: ضعفه، وأيضًا فإنه قال: "إن دم الحيض أسود يعرف" وأيضًا فقد روي أنه قال: "إن لدم الحيض دفعات وإن له رائحة، فإذا كان ذلك فدعي الصلاة وإذا كان الآخر فاغتسلي وصلي" (٢). وروى البخاري في "الصحيح" (٣) عن أحمد بن أبي رجاء عن أبي أسامة عن هشام أن النبي ﷺ قال لفاطمة: "دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي" وهذا يدل على أنها كانت معتادة، لكن الروايات السابقة أشهر ورواتها أكثر فهي أول بالترجيح، وأيضًا فقد روى محمَّد بن كرامة الكوفي وهارون بن عبد الله عن أبي أسامة أن النبي ﷺ قال لها: "ولكن دعي الصلاة الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي أو كما قال" (٤) وهذِه اللفظة تشعر بضرب شك وتردد، وأيضًا فقد روي عن أبي أسامة موافقة الجماعة،

стр. 1578

وجمع الشيخ أبو محمَّد الجويني بين الروايات الدالة على أنها كانت مميزة وبين الرواية الدالة على أنها كانت معتادة فقال: كأنها في ابتداء استحاضتها لم تكن مهتدية إلى التمييز. وقوله: "إنما ذلك عرق" أي: ليس هو بدم الحيض الذي يقذفه الرحم لميقات معلوم، وإنما هو علة حدثت من تصدع العروق. وقوله: "فإذا ذهب قدرها" أي: قدر الحيضة بإدبار الدم وضعفه، وعلى الرواية الدالة على أن فاطمة كانت معتادة قوله: "فإذا ذهب قدرها" أي: قدر الحيضة المعتادة، وقوله: "فإذا أقبلت الحيضة" أي: الحيضة المعتادة، وإذا انقطعت الحيضة وصارت المرأة مستحاضة احتاجت إلى الاغتسال وإزالة النجاسة بقدر الإمكان، ورواية من روى: "فاغسلي عنك الدم" ورواية من روى: "فاغتسلي وصلي" واقعتان في موضعهما. الأصل [١٤٦٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، حدثني عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمَّد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضة كبيرة شديدة، فجئت إلى النبي ﷺ أستفتيه فوجدته في بيت أختي زينب، فقلت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة وإنه لحديث ما منه بدّ وإني لأستحيي منه، قال: "فما هو ياهنتاه؟ " قالت: إني امرأة أستحاض حيضة كبيرة شديدة فما ترى فيها فقد منعتني من الصلاة والصوم؟ فقال النبي ﷺ : "إني أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم". قالت: هو أكثر من ذلك.

стр. 1579

قال النبي ﷺ "فتلجمي". قالت: هو أكثر من ذلك، قال: "فاتخذي ثوبًا". قالت: هو أكثر من ذلك إنما [أثج] (١) ثجًّا. قال النبي ﷺ : "سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأك من الآخر، فإن قويت عليهما فأنت أعلم" قال لها: "إنما هي ركضة من ركضات الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة في علم الله ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقيت فصلي أربعًا وعشرين ليلة وأيامها أو ثلاثًا وعشرين ليلة وأيامها وصومي فإنه يجزئك، وكذلك فافعلي في كل شهر [كما] (٢) تحيض النساء وكما يطهرن ميقات حيضهن وطهرهن" (٣). الشرح [إبراهيم] (٤): هو ابن محمَّد بن طلحة بن عبيد الله التيمي القرشي، أبو إسحاق. سمع: عائشة، وأبا هريرة، وعبد الله بن شداد وعمه عمران بن طلحة. وعمران: أحد بني طلحة بن عبيد الله التيمي، من أهل الحجاز.

стр. 1580

سمع: عليًّا ﵁، وأمه حمنة (١). وحمنة: هي بنت جحش الأسدية أخت زينب بنت جحش زوجة رسول الله ﷺ . ومنهم من يقول: هي أم حبيبة بنت جحش والأصح الأول، وأم حبيبة بنت جحش التي يأتي ذكرها وذكر استحاضتها من بعد: أختهما، وادعى بعضهم أن حمنة هي أم حبيبة، وأن حمنة اسم وأم حبيبة كنية، والأظهر الأول، وأن حمنة كانت تحت طلحة وأم حبيبة تحت عبد الرحمن بن عوف (٢). والحديث أخرجه أبو داود في "السنن" (٣) عن زهير بن حرب عن عبد الملك بن عمرو عن زهير بن [محمَّد] (٤) عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، وأبو عيسى الترمذي في "جامعه" (٥) وزادا بعد قوله: "ميقات حيضهن وطهرهن": "وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين، وتغتسلين مع الفجر فافعلي، فصومي إن قدرت على ذلك". قال رسول الله ﷺ : "وهذا أعجب الأمرين إليَّ" والشافعي أورد هذه الرواية في كتابه، لكن خلل بينها وبين ما سبق: قوله: وهذا يدل

стр. 1581

على أنها كانت تعرف أيام حيضها ستًّا أو سبعًا فلذلك قال لها رسول الله ﷺ ما قال (١). فيقال: أن أبا العباس حسب أن ما بعد هذِه الكلمة من كلام الشافعي أيضًا ولم ينقله في "المسند"، وحكى أبو عيسى الترمذي عن أحمد بن حنبل أنه حكم بصحة الحديث، وعن البخاري (٢) أنه قال: هو حديث حسن إلا أن إبراهيم بن محمَّد بن طلحة قديم فلا أدري أسمع منه عبد الله بن محمَّد بن عقيل أم لا؟. وقوله: "يا هنتاه" أي: يا هذِه وقد [تسكن منه] (٣) النون وهي كلمة يكنى بها عن الشيء، يقال للمذكر: هن، وللمؤنث هنة. وقوله: "أنعت لك الكرسف" [أي: أصفه] (٤) لك لتستعمليه وتدفعي به الدم، والكرسف: القطن. وقوله: "تلجمي" أي: شدي عليك اللجام وهو ما تشده الحائض عليها، وذكر أن اللجام فارسي معرب. والثج: الصب، أي: أصب صبًّا. وقوله: "إنما هي ركضة من ركضات الشيطان" قال أبو سليمان الخطابي: أراد أن الشيطان قد لبَّس عليها أمر دينها في صلاتها وصيامها وكأنه ركضها، وأصل الركض: الضرب بالرجل والإصابة بها وذلك سبب الإضرار والإفساد. واختلفوا في أن حمنة كانت معتادة أو مبتدأة فقال: ما يكون (٥) كانت معتادة.

стр. 1582

وقوله: "تحيضي ستًّا أو سبعًا" كأنه ﷺ عرف أن عادتها السابقة أحج العددين ولم يعرف عينه فقال: تحيضي ستًّا إن كانت عادتك الست، وسبعًا إن كانت عادتك السبع، أو عرف أنها شكت في أن عادتها هذا العدد فقال: إن لم تتذكري فتحيضي ستًّا أخذًا باليقين وإن تذكرت أنها كانت سبعًا فتحيضي سبعًا، أو عرف أن عادتها كانت تختلف فربما حاضت ستًّا وربما حاضت سبعًا فقال: انظري في الشهر الذي تلته الاستحاضة إن حضت فيه ستًّا فتحيضي ستًّا وإن حضت سبعًا فتحيضي سبعًا. وقال آخرون: مبتدأة لا تمييز لها، وردَّها النبي ﷺ إلى غالب عادات نسائها فقال: إن كانت عادة نسائك ستًّا فتحيضي ستًّا، وإن كانت عادتهن سبعًا فتحيضي سبعًا. وقوله: "في علم الله" أي: فيما علمك الله من عادتك أو عادة نسائك. ومن الأصحاب من جعل قول الشافعي في أن المبتدأة التي لا تمييز لها ترد إلى الأقل والغالب ناشئين من الخلاف في حال حمنة، إن قلنا: أنها كانت مبتدأة؛ رددنا المبتدأة إلى الغالب أخذًا بالحديث، وإن قلنا: كانت معتادة؛ رددنا المبتدأة إلى الأقل اقتصارًا على اليقين. وقوله: "حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستيقنت فصلي أربعًا وعشرين ليلة وأيامها أو ثلاثًا وعشرين ليلة وأيامها" يدل إذا قلنا: أنها كانت مبتدأة على أن المبتدأة كما ترد في الحيض إلى الغالب ترد في الطهر إلى الغالب، وهو وجه للأصحاب. وأما الزيادة على ما في الكتاب وهي قوله: "وإن قويت ... إلى آخره ... " (١).

стр. 1583

واعلم أن المستحاضة الناسية لعادتها وقتًا وعددًا يجب عليها أن تغتسل لكل فريضة؛ لأنه يحتمل أن يكون انقطاع دمها قبيل تلك الصلاة فلا تدخل فيها إلا بعد الغسل، وما روي عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة؛ أن سهلة بنت سهيل استحيضت فأتت النبي ﷺ فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، وتغتسل للصبح (١). ويروى أنها أمرت أن تعجل العصر وتؤخر الظهر وتغتسل لهما غسلًا واحدًا، وأن تؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلًا واحدًا، وتغتسل لصلاة الصبح غسلًا (٢). قال أبو سليمان الخطابي: لما رأى أن الأمر طال عليها وشق رخص لها في الجمع بين الصلاتين بغسل واحد كالمسافر الذي رخص له في الجمع بين الصلاتين لما يلحقه من مشقة السفر، ويمكن أن يعد هذا الترخيص والتخفيف من خصائص تلك المرأة. وأما ذكر الاغتسال والجمع بين الصلاتين بغسل واحد في حديث حمنة ففيه إشكال سواء قدرت معتادة أو مبتدأة؛ أما على تقدير أنها كانت معتادة فلأنها لم تكن ناسية مطلقة وإنما نسيت أن عادتها كانت ستًّا أو سبعًا على ما تقدم؛ وأما على تقدير أنها كانت

стр. 1584

مبتدأة فلأن المبتدأة لا تحتاط بعد خمسة عشر يومًا من أول الدورة؛ والأصح من القولين أنها لا تحتاط بعد ما ردت إليه من الأقل والغالب إلى تمام خمسة عشر أيضًا. الأصل [١٤٦١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع مولى ابن عمر، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله ﷺ فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ فقال: "لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا (خلف) (١) ذلك فلتغتسل ولتستثفر بثوب ثم لتصل" (٢). الشرح الحديث مودع في "الموطأ" (٣)، وأخرجه أبو داود في "السنن" (٤) عن القعنبي عن مالك، وذكر أن سليمان بن يسار لم يسمعه من أم سلمة وإنما هو عن رجل عن أم سلمة (٥)، هكذا رواه الليث بن سعد وعبيد الله بن عمر وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة وصخر بن جويرية وجويرية بن أسماء عن نافع، ورواه موسى بن عقبة عن نافع عن سليمان بن يسار عن مرجانة عن أم سلمة، لكن في "تاريخ (٦) البخاري" وغيره عند ذكر

стр. 1585

سليمان بن يسار: أنه سمع أم سلمة، فيجوز أن يكون قد سمعه منها وسمعه من رجل عنها. وقوله: "كانت تهراق الدم" ويروى: "الدماء" وذكر أن النصب على التشبيه بالمفعول به أو على التمييز، وأنه يجوز أن يقال أنه مفعول بـ "تهراق"؛ لأن معناه تهريق الدماء، لكنهم عدلوا بالكلمة إلى وزن ما هي في معناها وهو: تستحاض. وقوله: "ولتستثفر" أي: لتشد خرقة على فرجها، واللفظة مأخوذة من ثَفَرِ الدابة: وهو الذي يكون تحت ذنبها، وقيل: من الثّفر وهو الفرج، وأصله في السباع ثم استعير لغيرها، وهو في المعنى كقوله في الحديث السابق: "فتلجمي". والحديث يدل على أن المعتادة إذا استحيضت ترد إلى عادتها في الحيض ويحكم لها بالطهر بعد ذلك خلافًا لمالك حيث قال: لا اعتبار بالعادة، وإطلاق اللفظ يقتضي أن ترد إلى العادة وإن كانت مميزة وهو وجه للأصحاب، لكن أحاديث التمييز أيضًا مطلقة، كما روي أنه ﷺ قال: "دم الحيض أسود يعرف" (١). وهذا يقتضي الرد إلى التمييز وإن كانت معتادة، ورجح الأصحاب الرد إلى التمييز بأنه صفة حاضرة والعادة دلالة قد مضت. وقوله: "التي كانت تحيض من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها". يجوز أن يحمل الشهر على الحبس أي: الذي كانت تحيضهن في كل شهر، ويكون الكلام جاريًا على الغالب في أن الشهر الواحد دور

стр. 1586

يجمع حيضًا وطهرًا، ويجوز أن يقدر قوله: "أن يصيبها الذي أصابها" متعلقًا بالشهر: أي الشهر الذي [تلته] (١) الاستحاضة، وعلى هذا حملوه حيث احتجوا به على أن العادة تثبت بمرة واحدة، وقالوا: أنه اعتبر الشهر المتقدم على الاستحاضة. وفيه دليل على أن المستحاضة تعالج نفسها بما يسدّ المسلك ويرد الدم بحسب الإمكان، فإذا أتت به وقطر مع ذلك الدم أو سال صحت صلاتها ولا إعادة عليها. [١٤٦٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، أخبرني الزهري، عن عمرة، عن عائشة؛ أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله ﷺ فقال: "إنما هو عرق وليست بالحيضة" وأمرها أن تغتسل وتصلي، فكانت تغتسل لكل صلاة وتجلس في [المركن] (٢) فيعلو الدم (٣). الشرح روى (٤) مسلم في "الصحيح" (٥) عن محمَّد بن المثنى عن ابن عيينة، وأيضًا عن محمَّد بن جعفر بن زياد عن إبراهيم بن سعد عن الزهري، وأخرجه أيضًا من حديث عمرو بن الحارث عن الزهري عن عروة وعمرة، جميعًا عن عائشة، [و] (٦) أخرجه البخاري (٧) من حديث

стр. 1587

ابن أبي ذئب عن الزهري (جميعًا) (١). واعلم أن في المستحاضات من تؤمر بالغسل لكل فريضة وهي التي كانت لها عادة قبل الاستحاضة فنسيت قدر عادتها القديمة وموضعها من الشهر، ولا مانع في اللفظ من أن يقدر لأم حبيبة بنت جحش هذِه الحالة، ويقوي هذا الاحتمال أنه روي عن محمَّد بن إسحاق بن يسار عن الزهري عن عروة عن عائشة في حديث أم حبيبة بنت جحش: أن النبي ﷺ أمرها بالغسل لكل صلاة، وكذلك رواه (٢) سليمان بن كثير في بعض الروايات عن الزهري، وعن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة مثل ذلك، وروى أبو داود في "السنن" (٣) عن هناد عن عبدة عن [ابن] (٤) إسحاق عن الزهري، عن عائشة مثل ذلك، وقرن أبو سليمان الخطابي حال أم حبيبة من التنزيل المذكور، لكن الشافعي قال: إن النبي ﷺ أمرها أن تغتسل وتصلي، ولم يأمرها بأن تغتسل لكل صلاة وكان ذلك تطوعًا منها (٥)، وكذلك ذكره عامة أهل الحديث وقالوا: ليس في أكثر الروايات عن الزهري أن النبي ﷺ أمرها بالغسل لكل صلاة، فروى الليث بن سعد الحديث عنه ثم قال: لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله ﷺ أمر أم حبيبة بنت جحش أن تغتسل عند كل صلاة ولكنه شيء فعلته هي (٦). ورواه عراك بن مالك عن عروة بن الزبير عن عائشة فقال: قالت

стр. 1588

[إن] (١) أم حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف شكت إلى رسول الله ﷺ فقال لها: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي" قال: وكانت تغتسل عند كل صلاة من عند نفسها (٢). الأصل [١٤٦٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، قال: أخبرنا ابن علية، عن الجلد بن أيوب، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك أنه قال: قرء المرأة أو قرء حيض المرأة ثلاث وأربع حتى انتهى إلى عشر. قال الشافعي: قال لي ابن علية: الجلد أعرابي لا يعرف الحديث (٣). الشرح الجلد بن أيوب بصري. روى عن: معاوية بن قرة، وأيضًا عن أبيه عن جده. عن عبد الله بن المبارك: أن أهل البصرة كانوا يضعفون الجلد، وعن سفيان بن عيينة إساءة القول فيه أيضًا (٤). ومعاوية: هو ابن قرة بن إياس، أبو إياس المزني البصري. سمع: أباه، وأنس بن مالك.

стр. 1589

وروى عنه: شعبة، والأعمش (١). وإنما قال: "أخبرنيه" لأن بعض من كلم الشافعي ﵁ في أكثر الحيض، وادعى أنه عشرة تمسك بحديث الجلد، فقال الشافعي: نعم أخبرنيه ابن علية، ثم ذكر أن ابن علية ضعفه، وروي مثله عن حماد بن زيد وسليمان بن حرب وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم والبخاري ولا يرونه بموضع الحجة، واعتمد الشافعي في أقل الحيض وأكثره على ما وجد وبلغه من حال النساء على مرِّ القرون، وما ذكر أنه قال: "قرء المرأة أو قرء حيض المرأة" كأن الإشارة بهذِه اللفظة أن اسم القرء يقع على الحيض والطهر، والمقصود ها هنا: القرء الذي هو حيض. الأصل [١٤٦٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، أخبرني محمَّد بن عجلان، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ ؛ أن النبي ﷺ سئل عن الثوب يصيبه دم المحيض فقال: "تحته ثم تقرصه بالماء ثم تصلي فيه" (٢). الشرح عبد الله بن رافع: الأشبه أنه أبو رافع مولى أم سلمة. روي: عنها، وعن أبي هريرة.

стр. 1590

وروى عنه: سعيد المقبري، وأفلح بن سعيد (١). ومقصود الحديث صحيح من رواية أسماء بنت أبي بكر رضي الله، عنه وقد تقدم ذلك في أوائل الكتاب (٢) وأتينا بما تيسر من الكلام فيه، وروي عن مجاهد قال: قالت عائشة: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه فإن أصابه شيء من دم بلته بريقها ثم قصعته بظفرها (٣). أي: فركته وقطعته، ومن قصع القملة أي: قتلها، والقصع: فضخ الشيء بين الظفرين. وهذا حمله الأئمة على القدر اليسير الذي يعفى عنه، فأما الكثير فلابدّ من غسله بالماء، واعلم أن بلَّ الدم بالريق يزيد في النجاسة فليفرض ذلك فيما إذا كان الدم مع ما ازداد بالبلِّ من النجاسة يسيرًا معفوًا عنه، وله نظر إلى أن القدر المعفو عنه لا يفرق بين أن يقصد التلوث به وبين أن يتفق ذلك من غير قصده. الأصل ومن كتاب قتال أهل البغي [١٤٦٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل؛ أن رسول الله ﷺ قال: "من قتل دون ماله فهو شهيد" (٤). الشرح قد سبق الحديث بهذا الإسناد من قبل (٥).

стр. 1591

الأصل [١٤٦٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه؛ أن عليًّا قال في ابن ملجم بعدما ضربه: أطعموه واسقوه وأحسنوا أساره، فإن عشت فأنا ولي دمي أعفو إن شئت وإن شئت استقدت، وإن مت فقتلتموه [فلا] (١) تمثلوا (٢). الشرح فيه الأمر بالإحسان إلى الأسير والمحبوس، والنهي عن المثلة. وقوله: "فإن عشت فأنا ولي دمي" أي: أنا الذي ألي أمر نفسي. وقوله: "وإن شئت استقدت" كأنه يعني من الجراحات فيما دون النفس كالمواضح، وقد روي أن ابن ملجم ضرب عليًّا على رأسه، ولفظ القود فيه مثل ما روي عن الشافعي أنه قال: "قتل ابن ملجم عليًّا متأولًا فأقيد به"، والتأول ما ذكر أن امرأة من الخوارج كان قد قتل أبوها في قتال علي مع الخوارج فوكلت ابن ملجم بالاقتصاص وهما يزعمان أن عليه قصاصًا (٣)، واحتج الشافعي به على أن الذين يخالفون الإِمام بتأويل وليست لهم

стр. 1592

شوكة وامتناع لقلة عددهم يلزمهم ضمان ما أتلفوا من نفس، وقال (١): سيما إذا لم يكن قتال ولولاه لقال: لا تقتلوه فإنه متأول. قال الشافعي (٢): وقد قتله الحسن بن علي وفي الناس بقية من أصحاب رسول الله ﷺ لا نعلم أن أحدًا أنكر قتله ولا عابه. وقضية هذا كله أن ابن ملجم لم يكن كافرًا ويؤيد ما يروى عن الشافعي أنه قال في "القديم": وبلغني أن علي بن أبي طالب أتي بابن ملجم وقد بلغه أنه يريد قتله فخلاه وقال: أقتله أقتله قبل أن يقتلني. لكن أصحابنا [لما] (٣) احتج عليهم في أن وجود الصغار في الورثة لا يمنع القصاص بأن الحسن [قتله] (٤) وكان لعلي أولاد صغار؛ أجاب بعضهم بأنه لم يقتله قصاصًا وإنما قتله لكفره، والله أعلم. الأصل [١٤٦٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن عمه؛ أن رسول الله ﷺ نهى الذين بعث إلى ابن أبي الحقيق عن قتل النساء والولدان (٥). [١٤٦٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله يعني: ابن عبد الله، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة

стр. 1593

الليثي؛ أن النبي ﷺ سئل عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وأبنائهم، فقال رسول الله ﷺ : "هو منهم"، وربما قال سفيان في الحديث: "هم من آبائهم" (١). [١٤٦٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عمر بن حبيب، عن عبد الله بن عون، أن نافعًا كتب إليه يخبره؛ أن ابن عمر أخبره؛ أن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون في نعمهم بالمريسيع، فقتل المقاتلة وسبي الذرية (٢). الشرح ابن أبي الحقيق المذكور في المتن يهودي كان يسكن أرض الحجاز، يقال له: عبد الله بن أبي الحقيق، ويقال: سلام بن أبي الحقيق، ويكنى أبا رافع، بعث إليه رسول الله ﷺ رجالًا من الأنصار فقتله عبد الله بن عتيك، وقيل: ضربه عبد الله بن أنيس ودفف (٣) عليه ابن عتيك وعمر. الأول مذكور في الكتاب مرة، ورواه عن الزهري كما رواه (٤) عن أبي الحقيق عن قتل النساء، ورواه عنبسة عن يونس عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب عن النبي ﷺ ، وكذلك رواه ابن المبارك عن يونس عن الزهري، وإبراهيم بن سعد عن الزهري، وهو مرسل من هذِه الروايات، ورواه ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن عبد الرحمن

стр. 1594

بن كعب عن أبيه؛ أن النبي ﷺ نهى عن قتل النساء والصبيان؛ فإن أراد بأبيه كعبًا فقد أسنده. وحديث ابن عباس عن الصعب أخرجه البخاري (١) عن علي بن المديني، ومسلم (٢) عن يحيى بن يحيى وغيره، وأبو داود (٣) عن أحمد بن عمرو بن السرح، بروايتهم جميعًا عن سفيان. وحديث ابن عمر رواه البخاري في "الصحيح" (٤) عن علي بن الحسن بن شقيق عن ابن عون، ومسلم (٥) عن يحيى بن يحيى عن سليم بن أخضر عن ابن عون. والمقصود أنه لا يجوز قصد النساء والصبيان بالقتل، وفي "الصحيحين" (٦) من رواية الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة، فأنكر ذلك ونهى عن قتل النساء والصبيان. وعن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه قال: "اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم" (٧) أي: اتركوهم أحياءً، والشرخ جمع شارخ كصاحب وصحب: وهو الحديث السن، وشرح الشباب: أوله. وحديث ابن كعب بن مالك محمول على هذِه الحالة وهو أن

стр. 1595

يكونوا متميزين فقصدوا بالقتل، فأما إذا لم يتميز النساء والصبيان فلا بأس بالحرب وبالتبييت عليهم وإن [أصبتهم] (١) هم؛ لحديث الصعب بن جثامة. وقوله: "هم منهم" أي: في حكم الدين وإباحة الدم، وفي أنه لا تمتنع الغارة على ديارهم بسببهم. وفي الحديثين الآخرين دليل على جواز التبييت والإغارة، وعلى جواز الهجوم وهم غافلون. وقوله: "والولدان" جمع وليد: وهو المولود الصغير. وقوله: "وهم غارون"أي: غافلون، والغر والغرير: الغافل الذي لا علم عنده بالأمور. والمريسيع: ماء لبني المصطلق. وفي بعض "نسخ المسند" قبل حديث ابن كعب بن مالك زيادة وهي: "ومن قتال المشركين" ولا بأس به. الأصل [١٤٧٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن ابن عباس قال: من فرّ من ثلاثة فلم يفرّ، ومن فرَّ من اثنين فقد فرّ (٢). الشرح رواية ابن أبي نجيح عن ابن عباس مرسلة، ويقال أنه سقط من الإسناد بينهما عطاء بن أبي رباح (٣).

стр. 1596

وقوله: "من فرَّ من ثلاثة فلم يفر" أي: لم يفر الفرار المحرم المعدود من الكبائر لزيادة عدد الكفار على الضعف، ومن فرّ من اثنين فقد تعرض للوعيد إلا أن يكون متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة على ما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١). وعن الحسن أنه قال: ليس الفرار من الزحف من الكبائر، إنما كان ذلك يوم بدر. الأصل [١٤٧١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا أبو ضمرة، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ حرق أموال بني النضير (٢). [١٤٧٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب؛ أن رسول الله ﷺ حرق أموال بني النضير، فقال قائل: وَهَانَ على سراةِ بني لُؤي ... حريقٌ بالبُويرة مستطيرُ (٣) الشرح أبو ضمرة: هو أنس بن عياض. والحديث قد أخرجه البخاري في "الصحيح" (٤) عن قتيبة،

стр. 1597

ومسلم (١) عنه وعن يحيى بن يحيى وابن رمح، بروايتهم عن الليث عن نافع عن ابن عمر، واللفظ "حرق نخل بني النضير وقطع وهي البويرة، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٢). وأخرجه البخاري أيضًا عن محمَّد بن كثير عن سفيان الثوري عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر. والشعر المذكور في الرواية الأخرى لحسان بن ثابت، فروى مسلم في "الصحيح" (٣) عن هناد بن السري عن عبد الله بن المبارك عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قطع نخل بني النضير وحرّق، ولها يقول حسان بن (٤) ثابت: وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير وفي هذا نزلت هذه الآية: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾. وقوله: "حرق نخل بني النضير وقطع، أو قطع وحرق" أراد حرق بعضًا وقطع بعضًا، فقد روى إسماعيل بن إبراهيم عن نافع عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ حرق بعض نخل بني النضير وقطع بعضًا، وقيل في ذلك: وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير تركتم قدركم لا شيء فيها ... وقدر القوم حامية تفور (٥)

стр. 1598

والسراة: جمع السري وهو الشريف، ويجمع على أسرياء وسريين أيضًا، والسروة: المروءة. ولؤي: هو ابن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة. والبويرة: موضع من بلد بني النضير، والمستطير: المنتشر، واللينة من النخيل: ما سوى البرني والعجوة، ويسميها أهل المدينة الألوان. وفي الحديث دليل على جواز قطع أشجار أهل الحرب وتحريق أموالهم، وفي معناه تخريب دورهم، وإلى ذلك ذهب الشافعي ومالك وأبو حنيفة، وكرهه أحمد إلا لحاجة، وذهب الأوزاعي وجماعة إلى أنه لا يجوز لأن أبا بكر ﵁ نهى عن قطع الأشجار وتخريب العامر (١). ومن قال بالأول قال: كان قد سمع من النبي ﷺ أنه وعد لهم فتح الشام وأراد إبقاءها للمسلمين، ولا يجوز تجريق الكافر بعد وقوعه في الأسر ولا تحريق المرتد. الأصل [١٤٧٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن صهيب مولى عبد الله بن عامر، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: "من قتل عصفورًا فما فوقها بغير حقها سأله الله عن قتله". قيل: يا رسول الله وما حقها؟ قال: "أن يذبحها فيأكلها، ولا يقطع رأسها فيرمي بها" (٢). [] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن أبي يحيى، عن جعفر،

стр. 1599

عن أبيه، عن علي بن حسين قال: لا والله ما سمل رسول الله ﷺ عينًا، ولا زاد أهل اللقاح على قطع أيديهم وأرجلهم (١). الشرح صهيب مولى ابن عامر، يقال له: الحذاء. وعرف بروايته عن عبد الله بن عمرو، ورواية عمرو بن دينار عنه (٢). واحتج الشافعي بحديث العصفور على أنه يحرم قتل ما له روح سواء كان لنا أو لهم إلا بأن يذبح فيؤكل، وبه قال الأوزاعي وأحمد، ويدل عليه ما روي عن أبي بكر أنه بعث جيشًا إلى الشام فقال في وصيته: لا تعقرن شاة ولا بعيرًا إلا لمأكلة، ونهى في هذِه الوصية عن قطع الأشجار وتحريقها أيضًا (٣). لكن تركناه لما سبق من الحديث، ولذي الروح من الحرمة ما ليس لغيره من الأموال، وعن عمر بن عبد العزيز أنه نهى عن عقر الدابة إذا هي قامت. وعن قبيصة أن فرسه قام عليه بأرض الروم فتركه ونهى عن عقره. وجوز أبو حنيفة ومالك إتلافها؛ لئلا يظفر بها العدو، وروي أن جعفر بن أبي طالب اقتحم له شقراء في غزاة مؤتة فعقرها ثم قاتل القوم حتى قتل (٤).

стр. 1600

وتوقف الشافعي في ثبوت ذلك من جهة النقل، وربما لم يبلغ النهي جعفرًا ﵁. وأما ما ذكر علي بن حسين فقد ورد النهي عن المثلة بالروايات الصحيحة، وروى أنس بن مالك أن ناسًا من عرينة قدموا على رسول الله ﷺ المدينة فاجتووها، فقال لهم رسول الله ﷺ : "إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربون من ألبانها وأبوالها" ففعلوا فصحوا ثم مالوا على الرعاء فقتلوهم واستاقوا ذود رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك النبي ﷺ فبعث في إثرهم، فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا (١). فأخذ علي بن الحسين بالنهي عن المثلة وأنكر ما رواه أنس أنه ﷺ سمل أعينهم، لكن حديث أنس صحيح عند علماء الحديث، وروى مثله ابن عمر، ثم الإشكال باق في قطع اليد والرجل وقد سلمه علي بن الحسين، ولكن الأقرب فيه أحد وجهين: أولهما: ما روي عن ابن سيرين أنه كان ذلك قبل أن تنزل الحدود وتستقر العقوبات. وثانيهما: أنهم كانوا قد فعلوا بالرعاة من القطع والسمل مثل ما فعل النبي ﷺ بهم، ويروى هذا عن قتادة وغيره. وقوله: "فاجتووها" أي: كرهوها لما أصابهم بها من المرض. وقوله: "سمل أعينهم" أي: كحلها بالمسامير المحماة، ويروى "سمر" بالراء، وثقَّل بعضهم الميم من "سمر".

стр. 1601

الفصل [١٤٧٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمَّد، عن عبيد الله بن أبي رافع قال: سمعت عليًّا يقول: بعثنا رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب" فخرجنا تعادي بنا خيلنا فإذا نحن بظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين ممن بمكة يخبر ببعض أمر النبي ﷺ . فقال: "ما هذا يا حاطب؟ " قال: لا تعجل عليّ، كنت امرءًا ملصقًا في قريش ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها قرابتهم ولم يكن لي بمكة قرابة إذ فاتني ذلك أن أجد عندهم يدًا، والله ما فعلت شكًّا في ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإِسلام. فقال رسول الله ﷺ : "إنه قد صدق". فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال رسول الله ﷺ : "إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ونزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ (١).

стр. 1602

الشرح حاطب: هو ابن أبي بلتعة وهو ابن عمر بن عمير بن سالمة أبو محمَّد حليف بني أسد بن عبد العزى بن قصي. روى عنه: جابر، وابن عمر، وابنه عبد الرحمن. وكان رسول الله ﷺ [بعثه] (١) إلى المقوقس ملك الإسكندرية. توفي سنة ثلاثين وهو ابن خمس وستين سنة (٢). والحديث مدون في "الصحاح" (٣) من رواية سفيان بن عيينة، وأخرجه البخاري (٤) ومسلم (٥) من حديث عبد الله بن إدريس أيضًا عن حصين عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي ﵁، وقال: "فبعثني ومعي الزبير بن العوام وأبا مرثد الغنوي" ولم يذكر المقداد، ويمكن أن يكون المقداد وأبو مرثد معًا من المبعوثين فذكر هذا في رواية وهذا في رواية. وروضة خاج: موضع بقرب حمراء الأسد من المدينة، وقيل: موضع قريب من مكة؛ والأول أظهر، ويقال: أن أبا عوانة وهم فيه فقال: روضة خاج جعل آخر الكلمة جيمًا. والظعينة: المرأة، والأصل فيها الهودج الذي تكون فيه المرأة، وقيل: لا تسمى المرأة ظعينة إلا إذا كانت راكبة. وقوله: "تعادي بنا خيلنا" أي: تجري، يقال: عدت الخيل تعدو

стр. 1603

عدوًا وعدوًّا إذا جرت. وقوله: "لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب" يريد تهديدها بالتجريد. والعقاص: ما وصل به الشعر ليبقا ملتويًا، والعقص: ليّ الشعر على الرأس وتداخل أطرافه في أصوله. وفي رواية أبي عبد الرحمن السلمي: أنها كانت قد جعلته في إزارها أو في ذؤابة من ذوائبها، وأن اسم تلك المرأة سارة (١). وقوله: "يخبر ببعض أمر النبي ﷺ " هو أنه كتب أن محمدًا يريد أن يغزوكم بأصحابه فخذوا حذركم. وفي القصة معجزة للنبي ﷺ من حيث أنه اطلع على الأمر المكتوم وأخبر أنهم يلحقونها في موضع كذا فكان كذلك، ودلالة على فضيلة أصحاب بدر وأنهم غفر لهم ما يعملون، وعلى صلابة عمر ﵁. وقال الإِمام أبو سليمان الخطابي: وفيه من الفقه: أن حكم المتأول في استباحة المحظور عليه خلاف حكم المتعمد لاستباحته من غير تأويل، وأنه إذا تعاطى شيئًا من المحظور وادعى أمرًا يحتمله التأويل كان القول فيه قوله وفي [.. (٢) ..]، قال: وفيه دليل على أن الجاسوس لا يقتل إذا كان مسلمًا، وأورد أبو داود السجستاني الحديث في باب هذا ترجمته. قال الخطابي: واختلفوا فيما يفعل به، فقيل: [.. (٣) ..] عقوبته

стр. 1604

[.. (١) ..] حبسه، وقيل: إن كان مسلمًا عاقبه الإِمام بما ينكله ويغربه، وإن كان ذميًّا انتقض عهده. وقال الشافعي (٢): قد ورد أن النبي ﷺ (أنه) (٣) قال: "تجافوا لذوي الهيئات" (٤) وقيل في الحديث: "ما لم يكن حدًّا" وكان حاطب من ذوي الهيئة وفعل ما فعل بجهالة ولم يتهمه النبي ﷺ ، وغير ذوي الهيئة يعزره الإِمام كما يراه. قال الخطابي: وفي الحديث من الفقه أنه يجوز النظر إلى ما ينكشف من النساء لإقامة حدٍّ وإقامة شهادة في إثبات حق، وقد يستدل به على جواز إطلاق اسم المنافق على من صدر منه ما يشبه أفعال المنافقين وأحوالهم وإلا لأنكر النبي ﷺ على عمر ﵁ تسميته منافقًا. الأصل [١٤٧٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا الثقفي، عن حميد، عن أنس قال: حاضرنا تستر فنزل الهرمزان على حكم عمر ﵁، فقدمت به على عمر فلما انتهينا إليه قال له عمر: تكلم.

стр. 1605

قال: كلام حيٍّ أو كلام ميتٍ؟ قال: تكلم لا بأس. قال: إنا وإياكم معاشر العرب ما خلَّى الله بيننا وبينكم، كنا نتعبدكم ونقتلكم ونغضبكم؛ فلما كان الله معكم لم يكن لنا يدان. فقال عمر: ما تقول؟ فقلت: يا أمير المؤمنين تركت بعدي عدوًّا كثيرًا وشوكة شديدة فإن قتلته ييأس القوم من الحياة ويكون أشدّ لشوكتهم. فقال عمر: استحيى قاتل البراء بن مالك ومجزأة بن ثور، فلما خشيت أن يقتله قلت: ليس إلى قتله سبيل، قد قلت له: تكلم لا بأس. فقال عمر: إن [ارتشيت] (١) وأصبت منه؟ فقلت: والله ما ارتشيت ولا أصبت منه. قال: لتأتيني على ما شهدت به بغيرك أو لأبدأن بعقوبتك. قال: فخرجت فلقيت الزبير بن العوام فشهد معي وأمسك عمر وأسلم وفرض له (٢). الشرح الهرمزان أحد المذكورين من فرسان العجم وأمرائهم في الحروب. والوقائع الجارية في عهد عمر، ثم إنه أسلم وقتله عبيد الله بن عمر بن الخطاب لما استشهد عمر ﵁ فيمن قتله من العجم، وقال: لا أدع عجميًّا إلا قتلته، ويقال: أن عليًّا

стр. 1606

أراد أن يقتل عبيد الله بمن قتل منهم فهرب وأتى معاوية. والبراء (١) بن مالك: أخو أنس بن مالك لأبيه، عن النبي ﷺ أنه قال فيه: "كم من ضعيف متضعف ذي طمرين لو أقسم على الله لأبرَّ قسمه، منهم: البراء بن مالك" (٢). وحدث أبو الفضل الصقلي عن أبي بكر الأرجاني قال: زرت تربة البراء بن مالك بتستر، وهي في قبة عليها مشبك للوضوء، فدخل منه تراب وغبار كثير واجتمع على التربة؛ فعزمت أن أسد ذلك المشبك، فرأيت البراء بن مالك في النوم فقال: أتسلبني تاجًا توجنيه رسول الله ﷺ -يعني: قوله ﷺ : "رب أشعث أغبر ذي طمرين". ومجزأة: هو ابن ثور بن عفير بن زهير بن كعب بن زهير بن كعب بن عمرو بن سدوس السدوسي أخو منجوف بن ثور. قتل في عهد عمر ﵁، قال أبو عبد الله بن منده: ذكره البخاري في الصحابة ولا يثبت (٣). وفي القصة أن الهرمزان نزل على حكم عمر ﵁ وهو كنزول بني قريظة في زمن [.. (٤) ..]. وقوله: "تكلم لا بأس" أي: لا بأس عليك، وهذِه الكلمة تعبير عن الأمان، كقوله: لا خوف عليك أو لا تخف، وهي في الصرائح أو الكنايات؟ في كلام الأصحاب ضرب تردد فيه؛ والظاهر الأول.

стр. 1607

وكان الهرمزان أسيرًا حينئذٍ، لكن يجوز للإمام أمان الأسير كما يجوز له المنّ؛ وإنما الآحاد لا يؤمنون الأسير لتعلق حق المسلمين، ويخير الإِمام فيه للحظ لهم. وقوله: "أمسك عمر ... إلى آخره" أي عن قتله، وأسلم الهرمزان وفرض له. الأصل [١٤٧٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أخبرني الثقفي، عن حميد، عن موسى بن أنس، عن أنس بن مالك؛ أن عمر بن الخطاب ﵁ سأله: إذا حاصرتم المدينة كيف تصنعون؟ قال: نبعث الرجل إلى المدينة ونصنع له هنة من جلود. قال: أرأيت إن رمى بحجر. قلت: إذًا يقتل. قال: فلا تفعلوا؛ فوالذي نفسي بيده ما يسرني أن تفتحوا مدينة فيها أربعة آلاف مقاتل بتضييع رجل مسلم (١). [١٤٧٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد؛ أن النبي ﷺ ظاهر يوم أحد بين درعين (٢). الشرح موسى: هو ابن أنس بن مالك الأنصاري قاضي البصرة. سمع: أباه. وروى عنه: مكحول، وحميد الطويل.

стр. 1608

مات بعد أخيه النضر بن أنس (١). وحديث السائب بن يزيد رواه أبو إسحاق إبراهيم بن بشار الرمادي عن ابن عيينة فقال: عن رجل من بني تميم عن يزيد عن السائب عن طلحة بن عبيد الله عن النبي ﷺ ، وهو كما رواه بشر بن السري عن ابن عيينة فقال: عن يزيد عن السائب عمن حدثه عن طلحة. وقوله: "هنة من جلود" أي: آلة يتستر ويتوقى بها، "وهنَّ" كلمة يكنى بها عن الشيء، ويقال للمؤنث: هنة. والمقصود أن الإِمام يحتاط عند الغزو ويراعي مصالح الجند ولا يحمل المسلمين على المهالك، وإلى هذا أشار عمر ﵁ بقوله: "ما يسرني أن تفتحوا مدينة ... إلى آخره" فأما من أقدم بنفسه واقتحم الخطر فلا يمنع، قال الشافعي (٢): حمل رجل من الأنصار حاسرًا على جماعة المشركين يوم بدر بعد إعلام النبي ﷺ إياه بما في ذلك من الخير فقتل. ويدل على جواز اختيار التحرز: ما روي أنه ﷺ ظاهر بين درعين. ومعناه أنه لبس درعًا فوق درع، وقيل: طارق بينهما، وقيل: عاون أي: قرى إحدى الدرعين بالأخرى في التوقي، والظهر: العون. الأصل [١٤٧٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد الوهاب الثقفي، عن حميد، عن أنس قال: سار رسول الله ﷺ إلى خيبر فانتهى إليها ليلًا،

стр. 1609

وكان رسول الله ﷺ إذا طرق قومًا لم يغر عليهم حتى يصبح؛ فإن سمع أذانًا أمسك، وإن لم يكونوا يصلون أغار عليهم [حين] (١) يصبح فلما أصبح ركب وركب المسلمون، وخرج أهل القرية ومعهم مكاتلهم ومساحيهم، فلما رأوا رسول الله ﷺ قالوا: محمَّد والخميس. فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين". قال أنس: وإني لردف لأبي طلحة وإن قدمي لتمس قدم رسول الله ﷺ (٢). الشرح صحيح أخرجه البخاري (٣) عن قتيبة عن إسماعيل بن جعفر عن حميد، وعن القعنبي عن مالك عن حميد، ومسلم (٤) من طرق عن أنس. وطرقه: أتاه ليلًا، والخميس: الجيش؛ سمي خميسًا لأنه مقسوم على خمسة: المقدمة والساقة والميمنة والميسرة والقلب، وقيل: لأنهم يخمسون الغنائم، فعلى الأول هو فعيل بمعنى مفعول، وعلى الثاني: فعل بمعنى فاعل. وذكر الشافعي أن ترك الإغارة بالليل لم يكن لتحريمها بالليل، بل هي جائزة ليلًا ونهارًا، وهي جائزة والقوم غارون على ما سبق، ولكنه يمتنع عن الإغارة ليلًا في الغالب احتياطًا لئلا يؤتوا من حيث لا يشعرون ليبصروا من يغيرون ويقتلون؛ خوفًا من أن يصيب بعض

стр. 1610

المسلمين بعضًا، وفيه أن الأذان شعار الدين وفي إظهاره حقن الدماء وعصمة الأموال، وفي بعض الروايات: "لم [يغر] (١) عليهم حتى يصبح فينظر؛ فإن سمع أذانًا كف عنهم، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم". وقوله: "فلما أصبح ركب وركب المسلمون، أي: أصبح ولم يسمع أذانًا، كذلك هو في بعض الروايات. وقوله: "ومعهم مكاتلهم ومساحيهم" (٢) أي: خرجوا لعمارة الأرضين ومعهم [.. (٣) ..] العمارة، والمقصود أنهم كانوا غازين. وقوله: "الله أكبر" أصلٌ في التكبير عند لقاء العدو. وقوله: "خربت خيبر" يجوز أن يعدّ دعاء، ويجوز أن يجعل خبرًا لقرب حالها من الخراب؛ إما لأنه أوحي إليه بذلك، أو على سبيل حسن الظن بنصرة الله تعالى إياهم. وفيه أنه لا بأس [بالإرداف] (٤) وأنهم كانوا قد يدنون من رسول الله ﷺ على رعايتهم شرط التعظيم؛ إما للمباسطة أو للازدحام الذي يقع في السير. الأصل [١٤٧٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا الثقفي، عن أيوب، عن

стр. 1611

أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين قال: أسرَ أصحاب رسول الله ﷺ رجلًا من بني عقيل فأوثقوه فطرحوه في الحرة، فمرّ به رسول الله ﷺ ونحن معه، أو قال: أتى عليه رسول الله ﷺ ونحن معه، أو قال: أتى عليه رسول الله ﷺ -وهو على حمار وتحته قطيفة فناداه: يا محمَّد، يا محمَّد، فأتاه النبي ﷺ فقال: "ما شأنك؟ ". قال: فيم أخذت وفيم أخذت سابقة الحاج؟ قال: "أخذت بجريرة حلفائكم ثقيف" وكانت ثقيف أسرت رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ فتركه ومضى، فناداه: يا محمَّد، يا محمَّد، فرحمه رسول الله ﷺ فرجع إليه. فقال: "ما شأنك؟ ". قال: إني مسلم. فقال: "لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح". قال: فتركه ومضى، فناداه: يا محمَّد، يا محمَّد، فرجع إليه، فقال: إني جائع فأطعمني، قال: وأحسبه قال: إني عطشان فاسقني. قال: "هذِه حاجتك؟ " ففداه رسول الله ﷺ بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف وأخذ ناقته تلك (١). [١٤٨٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين قال: سبيت امرأة من الأنصار وكانت الناقة قد أصيبت قبلها -قال الشافعي: كأنه يعني ناقة النبي ﷺ ؛ لأن آخر الحديث يدل على ذلك- قال عمران بن

стр. 1612

حصين: فكانت تكون فيهم، وكانوا يجيئون بالنعم إليهم، فانفلتت ذات ليلة من الوثاق فأتت الإبل فجعلت كلما أتت بعيرًا منها فمسته رغا فتتركه، حتى أتت تلك الناقة فمستها فلم ترغ وهي ناقة هدرة، فقعدت في عجزها ثم صاحت بها فانطلقت، فطلبت من ليلتها فلم يقدر عليها، فجعلت لله عليها أن الله إن أنجاها عليها لتنحرنها، فلما قدمت عرفوا الناقة وقالوا: ناقة رسول الله ﷺ . فقالت: أنها قد جعلت لله عليها لتنحرنها. قالوا: والله لا تنحريها حتى نؤذن رسول الله ﷺ ، فأتوه فأخبروه أن فلانة قد جاءت على ناقتك وأنها قد جعلت لله عليها إن أنجاها الله عليها لتنحرنها. فقال رسول الله ﷺ : "بئسما جزتها إن أنجاها الله عليها لتنحرنها، لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا وفاء لنذر فيما لا يملك العبد" أو قال: "ابن آدم" (١). الشرح الحديث الأول قد سبق مختصرًا بالإسناد المذكور، وذكرنا بعض ما يتعلق به، وفيه بيان شفقة النبي ﷺ ورحمته حيث ناداه الأسير مرة بعد أخرى ويجيئه ويأتيه ويصغي إليه، وأن الأسير من الكفار يجوز أن يقيد ويعذب، وأن جريرة بعض الحلفاء والمعاهد تؤثر في حق الآخرين، وفي كلام الشافعي أنه ليس جهة التأثير مؤاخذة الإنسان بذنب غيره؛ فلا تزر وازرة وزر أخرى، ولكن شرك المشرك يقتضي

стр. 1613

إباحة التعرض لدمه وماله إلا أن الحال قد يقتضي المسامحة والإمهال، فإذا سالمناهم وعهدنا على أن يمتنعوا فلا يجوز واحد منهم وفينا ما وفوا، فإذا خان بعضهم فقد فات شرط الوفاء فجاز لنا أن نعود إلى أسر الباقين وقتلهم لشركهم. وقوله: "لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح" أي: لو كان إسلامك قبل الأسر لعصمك عن القتل والإرقاق جميعًا، فأما بعد الأسر فإنه لا يوجب التخلية ولا منع الإرقاق. واحتج بعضهم بالحديث على أن الكافر إذا قال: "أنا مسلم" لا يحكم بإسلامه؛ لأنه قد يريد أنه منقاد مستسلم، بل لا بد وأن يشهد بالوحدانية والرسالة، ولو كان محكومًا إسلامه لما رده إلى الكفار، ولكن ذكر الشافعي في "الأم": إنما رده لعلمه بأنهم لا يتعرضون لشرفه فيهم، أو لأن قومه يحمونه، وهذا مصير الحكم بإسلامه، ويجوز أن يقال: أنه تلفظ بما لابدّ منه ثم قال: أنا مسلم، وقوله: "لو قلتها وأنت تملك أمرك ... إلى آخره" يشعر أيضًا بالحكم بإسلامه. وقوله: "فيم أخذت و [فيم (١)] أخذت سابقة الحاج" قد يسبق إلى الفهم منه أنه يعني نفسه ويقول: أنا من سابقة الحاج فِلمَ أخذت، لكن روى مسلم في "الصحيح" (٢) عن أبي الربيع العتكي، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة بإسناده وقال: "كانت العضباء لرجل من بني عقيل وكانت من سوابق الحاج، وكان ثقيف حلفاء لبني عقيل، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب النبي ﷺ ، وأسر أصحاب رسول الله ﷺ رجلًا من بني عقيل وأصابوا معه العضباء فأتى عليه رسول الله ﷺ

стр. 1614

[وهو في الوثاق، قال: يا محمَّد ... " (١)] الحديث، وهذا يبين أن قوله: "وفيم أخذت سابقة الحاج" يريد: العضباء. وقول [.. (٢) ..] أي: فداه وأمسك ناقته تلك. والحديث الثاني مخرج في "الصحيحين" (٣) وقد يجمع بين القصتين ويعدّان حديثًا واحدًا. وقوله: "وهي ناقة هدرة" أي: صائحة، يقال: هدر البعير إذا صاح أي: لم ترغ في تلك الحالة مع كونها هدرة، ويروى: "وكانت مجرّسة" أي: مجربة في الركوب والسير. وفيه دليل على أن الكفار لا يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء عليها فإنهم كانوا قد [أحرزوا] (٤) الناقة ثم أحرزتها المرأة، وقد أشار بقوله: "ولا وفاء لنذر فيما لا يملك العبد أو ابن آدم" إلا أنها لا تملك الناقة. الأصل [١٤٨١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا حاتم -يعني- ابن إسماعيل، عن جعفر -يعني - ابن محمَّد، عن أبيه، عن يزيد بن هرمز؛ أن نجدة كتب إلى ابن عباس ﵁ يسأله عن خلال، فقال ابن عباس: إن ناسًا يقولون أن ابن عباس يكاتب الحرورية، ولولا أني [أخاف] (٥) أن أكتم علمًا لم أكتب إليه، فكتب نجدة إليه: أما بعد فأخبرني

стр. 1615

هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء. وهل كان رسول الله ﷺ يضرب لهن بسهم؟ وهل كان يقتل الصبيان؟ ومتى ينقضي يتم اليتيم؟ وعن الخمس لمن هو؟ فكتب إليه ابن عباس: إنك كتبت تسألني: هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهن فيداوين المرضى ويحذين من الغنيمة؛ وأما السهم فلم يضرب لهن بسهم، وأن رسول الله ﷺ لم يقتل الولدان فلا تقتلهم إلا أن تكون تعلم منهم ما علم الخضر من الصبي الذي قتل فتميز بين المؤمن والكافر فتقتل الكافر وتدع المؤمن. وكتبت: متى ينقضي يتم اليتيم؟ ولعمري إن الرجل لتشيب لحيته وإنه لضعيف الأخذ ضعيف الإعطاء، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم. وكتبت تسألني عن الخمس، وإنا كنا نقول: هو لنا؛ فأبى ذلك علينا قومنا فصبرنا عليه (١). الشرح قد سبق طرف من الحديث من قبل برواية الشافعي عن عبد العزيز بن محمَّد عن جعفر (٢). وقول ابن عباس: "إن ناسًا يقولون: إن ابن عباس يكاتب الحرورية ... إلى آخره" الحرورية: جماعة من الخوارج [نسبوا] (٣) إلى
следующие страницы →