стр. 1821
← Шархи хадиса следующие страницы →
Шархи хадиса · id 123510
شرح مسند الشافعي
الرافعي
Полный текст (1 876 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1822
الأصل
ومن كتاب الطعام والشراب وعمارة الأرضين
مما لم يسمع الربيع من الشافعي وقال: أعلم أن ذا من قوله، وبعض كلامه هذا سمعته في كتابه الكبير المبسوط.
[١٨٠٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن أبي إدريس، عن أبي ثعلبة "أن النبي ﷺ نهى عن كلِّ ذي نابٍ من السِّباع" (١).
[١٨٠٩] أبنا الربيع قال: قال الشافعي: أبنا سفيان، عن الزهري، عن أبي إدريس، عن أبي ثعلبة، عن النبي ﷺ مثله. أبنا الربيع، قال الشافعي: أبنا مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عبيدة بن سفيان الحضرمي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كلُّ ذي نابٍ من السِّباع حَرام" (٢).
الشرح
هذا الأصل نقله الربيع من أبواب وكتب لم يسمعها من الشافعي، وفيه دليل على أنه يجوز أن يقال: قال فلان كذا، وروى فلان كذا نقلًا عن كتابه المعتمد وإن لم يسمع الحاكي منه ولا ممن رواه عنه.
وقوله: وبعض كلامه هذا سمعته في كتابه الكبير المبسوط يريد به: "الأم".
وحديث أبي ثعلبة الخشني قد سبق (٣) في الكتاب من رواية ابن
стр. 1823
عيينة عن ابن شهاب، وزاد ها هنا رواية مالك عن ابن شهاب وحديث أبي هريرة قد تقدم أيضًا بإسناده ومتنه، لكن اللفظ هناك: "أكلُ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع حرامٌ" وتكلمنا فيه.
الأصل
[١٨١٠] أبنا الربيع قال: قال الشافعي: أبنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار (عن) (١) جابر قال: "أطعمنا رسول الله ﷺ لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر" (٢).
[١٨١١] أبنا الربيع قال: قال الشافعي: أبنا سفيان، عن هشام، عن فاطمة، عن أسماء قالت: "نحرنا فرسًا على عهد النبي ﷺ فأكلنا" (٣).
[١٨١٢] أبنا الربيع قال: قال الشافعي: أبنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عبد الله والحسن ابني محمَّد بن علي، عن أبيهما، عن علي "أن النبي ﷺ نهى عام خيبر عن نكاحِ المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية" (٤).
стр. 1824
الشرح
حديث جابر صحيح، أخرجه البخاري (١) عن سليمان بن حرب، ومسلم (٢) عن يحيى بن يحيى، بروايتهما عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن محمَّد بن علي، عن جابر بن عبد الله.
وأبو سبط (٣) محمَّد بن علي بن الحسين في رواية حماد [بين] (٤) عمرو بن دينار وبين جابر ذكر بعضهم أن عَمْرًا لم يسمع هذا الحديث من جابر ويمكن خلافه.
وحديث أسماء رواه البخاري (٥) عن الحميدي عن سفيان، وأخرجه مسلم (٦) من وجه آخر.
وحديث علي قد مرَّ (٧) في الكتاب.
وقول جابر: "ونهانا عن لحوم الحمر" يعني: الأهلية منها، على ما هو مقيد في حديث علي ﵁، وكذلك هو (مقيد) (٨) في بعض الروايات عن جابر.
وفي حديثه وحديث أسماء ما يبين أن لحم الخيل مباح، وبه قال شريح والحسن وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير وحماد بن أبي سليمان وأحمد وإسحاق.
стр. 1825
وذهب بعضهم إلى تحريمه، منهم: ابن عباس والحكم ومالك وأبو حنيفة.
وقد روي عن خالد بن الوليد قال: "نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الخيل والبغال والحمير وكل ذي ناب من السباع" (١) لكنه ضعيف الإسناد.
والنهي عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر يروى عن النبي ﷺ من رواية ابن عمر والبراء بن عازب وعبد الله بن أبي أوفى وسلمة بن الأكوع وأبي ثعلبة الخشني وأبي هريرة وأنس والمقدام بن معدي كرب ﵃.
وكما تحرم لحوم الحمر الأهلية تحرم لحوم البغال، روي عن عطاء بن أبي رباح عن جابر "أنهم كانوا يأكلون لحم الخيل على عهد رسول الله ﷺ ، ونهى عن لحوم البغال والحمير" (٢).
الأصل
[١٨١٣] أبنا الربيع قال: قال الشافعي: أبنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن الصعب عن
стр. 1826
جثامة أن رسول الله ﷺ قال: "لا حِمَى إلا لله ورسوله" (١).
[١٨١٤] أبنا الربيع قال: قال الشافعي: أبنا عبد العزيز بن محمَّد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أن عمر بن الخطاب ﵁ استعملَ مولى لَهُ يقالُ [له] (٢): هني على الحمى، فقال: يا هني ضُمّ جناحَك للناسِ، واتق دعوةَ المظلومِ، فإنَّ دعوةَ المظلومِ مُجابة، وأدخِل ربَّ الصَّريمة وربَّ الغنيمة، وإياي ونِعم ابن عفان ونِعم ابن عوف؛ فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخلٍ وزرعٍ، وإنَّ رب الغنيمة يأتي بعياله فيقول: يا أمير المؤمنين، يا أمير المؤمنين، أفتاركهم أنا لا أبا لك، فالماء والكلأ أهون من الدنانيرِ والدراهم، وايم الله لعلى ذلك إنهم ليرون أني قد ظلمتُهم، إنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإِسلام، ولولا المال الذي أحملُ عليه في سبيل الله ما حميتُ على المسلمين من بلادهم شبرًا (٣).
الشرح
هني مولى لعمر بن الخطاب ﵁.
سمع منه، وليس هو بهني بن نويرة الضبي (٤).
وحديث الصعب أورده البخاري في "الصحيح" (٥) عن يحيى بن بكير عن الليث عن يونس عن الزهري، وأبو داود (٦) عن ابن السرح عن ابن وهب عن يونس.
стр. 1827
وقصة عمر داخلة في "الموطأ" (١) رواها مالك عن زيد بن أسلم، وأوردها البخاري (٢) عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك.
والمراد من الحمى أن يحمي بقعة من الموات لمواشٍ خاصة، ويمنع مواشي سائر الناس منها، وكان لرسول الله ﷺ أن يحمي لخاصة نفسه لكنه لم يفعل، وحمى النقيع لمصالح الخيل المعدة في سبيل الله، ولما فضل من سهمان أهل الصدقة وما فضل من نعم الجزية، روي عن نافع عن ابن عمر "أن النبي ﷺ حمى [النقيع] (٣) لخيل المسلمين ترعى فيه" (٤).
والنقيع: موضع بالمدينة معروف، وهو مستنقع للماء ينبت فيه الكلأ إذا نضب الماء.
قال الشافعي: وهو بلد ليس بالواسع الذي إذا حمي ضاقت البلاد على أهل المواشي (٥).
ولما روى الزهري حديث الصعب قال عقيبه: وبلغنا أن رسول الله ﷺ حمى النقيع.
وأما الأئمة بعد النبي ﷺ فليس لأحد منهم أن يحمي لنفسه خاصة، وهل يحمي لمصالح المسلمين؟
فيه قولان للشافعي: أحدهما: لا لظاهر قوله: "لا حمى إلا الله ورسوله".
وأصحهما: نعم.
стр. 1828
وهو قول أبي حنيفة ومالك والأكثرين؛ لأن عمر ﵁ حمى السرف والربذة، وأولوا الحديث على أن يحمي لنفسه كما كانوا يفعلونه في الجاهلية، كان العزيز منهم إذا انتجع بلدًا متحصنًا أرقى بكلب على جبل أو نشز ثم استعوى الكلب فوقف له من يسمع منتهى صوته بالعواء، فإلى حيث انتهى صوته حماة لنفسه من كل ناحية ورعى فيما سواه لسائر الناس.
وقوله: "ضم جناحك للناس" في بعض الروايات: "اضمم جناحك عن المسلمين"، وهما صحيحان، أي: لِنْ وتواضع لهم واكفف شرَّك عنهم.
والصُّريمة: تصغير الصرمة، وهي القطعة القليلة من الإبل، ويقال: هي ما دون الأربعين.
وأراد بالغنيمة: القطعة من الغنم.
وقوله: "وإياي ونعم ابن عفان وابن عوف" كأنه يقول: كل أمر نعمهما إلى راغبين أنت بمواشي الضعفاء لئلا تهلك مواشيهم فأحتاج إلى الإنفاق عليهم من بيت المال، وقد يوجد: "وإياك ونعم ابن عفان" أي: لا تدخلها في الحمى.
وقولهم: لا أبا لك، ولا أب لك: كلمة تذكر في معرض المدح والتلطف.
وقوله: "وايم الله" قسم بقطع الألف ووصلها: وهو جمع أيمن جمع يمين، ثم حذفوا النون لكثرة اللفظ في الكلام.
وقوله: "إنهم ليرون ... إلى آخره" أي: قد يظن بعضهم أني ظلمت بما حميت ولكن قصدي رعاية المسلمين ولولاها ما حميت شبرًا.
стр. 1829
الأصل
[١٨١٥] أبنا الربيع قال: قال الشافعي: أبنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة قال: "لما قدم رسول الله ﷺ المدينة اقطع الناس الدور، فقال حيٌّ من بني زهرة يقالُ لهم: بنو عبد [بن] (١) زهرة: نكب عنا ابن أم عبد. فقال رسول الله ﷺ : فلم ابتعثني الله إذًا؟! إن الله لا يُقدِّسُ أمةً لا يُؤخَذُ للضعيفِ فيهم حقه" (٢).
[١٨١٦] أبنا الربيع قال: قال الشافعي: أبنا ابن عيينة، عن هشام، عن أبيه أن رسول الله ﷺ أقطع الزبير أرضًا، وأن عمر بن الخطاب أقطع العقيق أجمع، وقال: أين المستقطعون؟
والعقيق قريب من المدينة (٣).
الشرح
يحيى هو ابن جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي القرشي.
روى عنه: عمرو بن دينار، وحبيب بن أبي ثابت (٤).
والحديثان مرسلان، لكن لأصل (٥) الإقطاع ثابت عن رسول الله ﷺ بالروايات الصحيحة المسندة، ففي الصحيحين (٦) من رواية أبي
стр. 1830
أسامة، عن هشام، عن أبيه عروة، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: "كنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي وهي مني على ثلثي فرسخ".
وفي "صحيح البخاري" (١) عن أنس بن مالك قال: دعا رسول الله ﷺ الأَنْصَارَ ليقْطِعَ لَهُمُ البَحْرَيْنِ. فَقَالُوا: لَا، حتى تُقْطِعَ لإِخْوَانِنَا مِنَ المُهَاجِرينَ مِثْلَ الذي تقطعنا. فقَالَ رسول الله ﷺ : "أما إنكم ستَلْقَوْنَ بَعْدِي أثرَةٌ فاصبروا حتى تلقوني". أي: يستأثر ويفضل غيركم عليكم، وعن علقمة بن وائل عن أبيه "أن النبي ﷺ أقطعه أرضًا بحضرموت" (٢)، وعن ابن عمر "أن النبي ﷺ أقطع الزبير حُضْر فرسه" (٣).
ثم الإقطاع قد يكون لمجرد الارتفاق كما في مقاعد الأسواق المقطع يصير بالإقطاع أولى بها من غيره، وقد يكون الغرض منه التملك وذلك بأن يقطعه الإِمام مواتًا فيصير هو أولى بإحيائه وتملكه بالإحياء.
قال الشافعي: والعامر لا يقطع.
وما روي "أن النبي ﷺ أقطع الدور بالمدينة" فقد قيل: إن الدور اسم لموات معين، وقيل: المعنى أنه أقطع ساحات من الموات ليتخذوها دورًا، وكان ما أقطعه بين النخيل والمنازل، واحتج به على أن الموات القريب من العمارات وبينهما إذا لم يكن من مرافق
стр. 1831
العمارات كالموات البعيد، وحكى أبو سليمان الخطابي عن أبي إسحاق المروزي أن المعنى أنه أقطعهم الدور على سبيل العارية، قال: وما روي "أنَّ النبي ﷺ أقطع الزبير نخلًا" فيشبه أن يكون إنما أعطاه من الخمس الذي هو سهمه، ويمكن أن يكون هو المراد فيما عرضه على الأنصار من البحرين.
وقوله: "حي من بني زهرة" هم رهط عبد الرحمن بن عوف وفي "مختصر المزني" بدله: "حي من بني عذرة" وعدّ ذلك غلطًا.
وقولهم: "نكب عنا ابن أم عبد" أي: نحّه وبعده منا، وابن أم عبد هو عبد الله بن مسعود، وكان النبي ﷺ أقطعه من الدور شيئًا فحافظ على حقه ولم يجبهم إلى ما سألوا، وقال: إنما بعثني الله تعالى بالعدل والإنصاف.
والتقديس: التطهير.
وفي الحديث ترغيب في إعانة الضعفاء والإحسان إليهم. وقوله: "أين المستقطعون" أي: الطالبون للإقطاع والسائلون له، وأما العقيق فقد ذكر الأئمة أن هذا الاسم يقع على مواضع مختلفة، فالعقيق: واد عليه أموال لأهل المدينة على ثلاثة أميال منها وقد يزاد وينقص وفيه بئر رومة، وهو العقيق الأصغر، وعقيق آخر أكبر منه وفيه بئر عروة، عقيق آخر أكبر منه وهو من بلاد مزينة، وهو الذي أقطعه رسول الله ﷺ بلال بن الحارث، ثم أقطعه عمر ﵁ وأبقى له ما راه كافيًا له، والعقيق الذي ورد فيه: "إنك بواد مبارك" (١) ببطن وادي ذي الحليفة، والعقيق المذكور في المواقيت من ذات عرق أو عندها.
стр. 1832
الأصل
[١٨١٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ مَنَعَ فَضْلَ الماءِ ليمنعَ به الكلأ منعه الله فضلَ رحمتِهِ يومَ القيامة" (١).
الشرح
معنى الحديث ثابت صحيح؛ روى البخاري (٢) عن عبد الله بن محمَّد، ومسلم (٣) عن عمرو الناقد، بروايتهما عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ قال: أراه عن النبي ﷺ أنه قال: "ثَلاثةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ولهم عذاب أليم، رَجُل حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ على مالِ مُسْلِمٍ فاقتطَعَهُ، وَرَجُل حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بَعْدَ صلاةِ العَصْرِ أنَّه أُعطيَ بسلعَتِهِ أكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهْوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ، فإنَّ الله تعالى يقول: اليَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي، كمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ".
ولكن اللفظ المسوق في الكتاب لم يثبته أئمة الحديث بالإسناد المذكور فيه، بل قالوا (٤): الصحيح بالإسناد المذكور: "لَا يُمْنَعُ فَضلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلأُ". وكذلك رواه البخاري في "الصحيح" (٥) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم (٦) عن يحيى بن يحيى، بروايتهما عن مالك؛
стр. 1833
وروى مسلم (١) عن أبي الطاهر عن ابن وهب عن يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله، وروى البخاري عن يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "لا تمنعوا فَضْلَ المَاءِ لتمنَعُوا به الكَلأَ".
قالوا (٢): وإنما يروى اللفظ المسوق في الكتاب من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ ، ومن رواية الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا (٣) وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ من وجه ضعيف.
قال الحافظ أبو بكر البيهقي: وقد رواه الزعفراني في القديم، والمزني وحرملة عن الشافعي على الصحة، والربيع نقل ما رواه عن كتاب إحياء الموات ولم يقرأ ذلك الكتاب على الشافعي ولا سمع منه وكأن الكاتب غلط، ولو قريء عليه لغيَّره.
والله أعلم (٤).
ومعنى الحديث أن الماشية إنما ترعى بقرب الماء، فإذا منع الماء وليس هناك ماء آخر فقد منع من الكلأ وحازه لنفسه، وفوته على الناس.
واعلم أن المياه أنواع:
أحدها: المياه المباحة، كالأودية العظيمة، والعيون في الجبال،
стр. 1834
وسيول الأمطار؛ فالناس فيها سواء، فإن قلّ بعضها أو ضاق المشرع فالسابق أولى، فإن تساويا حكمت القرعة ويقدم من أراده للشرب على من أراده لسقي الأرض.
والثاني: المياه المحرزة في الأواني المأخوذة من الأودية المباحة وهي مملوكة لمحرزها ليس لغيره أن يزاحمه فيها.
والثالث: ماء البئر المحفورة في الموات للارتفاق، وصاحب البئر أولى به إلى أن يرتحل، وليس له منع ما فضل عمن يأخذه للشرب، ولا منع مواشيه، وله المنع من سقي الزرع به.
والرابع: ماء البئر المحفورة في الملك أو في الموات للتملك، وهو مملوك على أظهر الوجهين، وسواء قلنا أنه مملوك أو غير مملوك فلا يجب بذل ما فضل عن حاجته لزرع الغير خلافًا لأحمد، ووافقه بعض أصحابنا، والظاهر أنه يجب بذله للماشية، ومنهم من لم يوجبه وحمل الحديث على الاستحباب أو على ماء بئر الارتفاق، وإذا قلنا بالوجوب فهل له أن يأخذ عليه عوضًا؟
فيه وجهان:
أصحهما: المنع؛ لما روي "أنه ﷺ نهى عن بيع فضل الماء" (١).
الأصل
[١٨١٨] أبنا الربيع (٢) قال: قال الشافعي: أبنا مالك، عن هشام، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ أحيا مواتًا فهو له، وليس لعرق ظالم حق" (٣).
стр. 1835
[١٨١٩] أبنا الربيع قال: قال الشافعي: أبنا سفيان، عن طاوس، أن رسول الله ﷺ قال: "من أحيا مواتًا من الأرض فهو له، وعادي الأرضَ لله ولرسولِهِ، ثم هي لكُم مِنِّي" (١).
[١٨٢٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد الرحمن بن الحسن بن القاسم الأزرقي، عن أبيه، عن علقمة بن نضلة أن أبا سفيان بن حرب قام بفناء داره فضرب برجله، وقال: سنام الأرض [إن] (٢) لها سنامًا، زعم ابن فرقد الأسلمي أني لا أعرف حقي من حقه، لي بياض المروة وله سوادها, صلي ما بين كذا إلى كذا، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فقال: ليس لأحدٍ إلا ما أحاطت عليه جدرانه، إنَّ إحياء المواتِ ما يكونُ زرعًا أو حفرًا أو يحاط بالجدران، وهو مثل إبطاله التحجير بغير ما يعمر به مثل ما يحجر (٣).
الشرح
علقمة: هو ابن نضلة بن عبد الرحمن بن علقمة الكناني.
روى عنه: عثمان بن أبي سليمان (٤).
وأبو سفيان: هو صخر بن حرب بن أمية الأموي القرشي، والد معاوية من مشاهير قريش في الجاهلية والإِسلام.
روى عنه: ابن عباس.
يقال: إنه مات بالمدينة سنة إحدى وثلاثين (٥).
стр. 1836
وحديث مالك قد سبق (١) مرة، وروى يحيى بن آدم عن سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه يرفعه إلى النبي ﷺ مثله وزاد: وقال هشام: العرق الظالم أن يأتي مال غيره فيحفر فيه (٢).
وروى أبو داود (٣) الحديث مسندًا عن محمَّد بن المثنى عن عبد الوهاب عن أيوب عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد عن النبي ﷺ ، وروى البخاري في "الصحيح" عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن محمَّد بن عبد الرحمن، عن عروة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "من عَمَّر أرضًا ليست لأحدٍ فهو أحق بها" قال عروة: [قضى] (٤) بذلك عمر بن الخطاب في خلافته.
وحديث طاوس مرسل أيضًا، ورواية سفيان عن طاوس مرسلة أيضًا، ورواه قبيصة عن سفيان عن ابن طاوس، وليث عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا عليه (٥)، ورواه معاوية بن هشام موصولًا مرفوعًا فقال: ثنا سفيان عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "موتان الأرض لله ولرسوله فمَنْ أحْيا شيئًا منها فهو له" (٦).
стр. 1837
وفي الأحاديث دلالة على أن الموات تملك بالإحياء، وإطلاقها يقتضي ثبوت الملك وإن لم يأذن السلطان، خلافًا لأبي حنيفة على ما قدمنا، وذكر أن قوله ﷺ : "ثم هي لكم مني" خطاب مع المسلمين، واستدل به على أن الذمي لا يمكن من الإحياء في دار الإِسلام، وبينه ما في بعض الروايات: "موتان الأرض لله ولرسوله، ثم هي لكم مني أيها المسلمون" (١).
وقوله: "ليس لعرق ظالم حق" قد فسره هشام، والمقصود أن يحفر في أرض غيره بغير إذنه فيغرس أو يزرع؛ فلصاحب الأرض قلع غراسه وزرعه، وتفسيره يبين أن اللفظ: "لعرق ظالم" على النعت؛ سماه ظالمًا لأن صاحبه ظلم، ويمكن أن يقرأ على الإضافة.
وقوله: "عادي الأرض" يقال للشيء القديم: عادي نسبة إلى عاد الأولى.
وإذا ملك الموات بالإحياء ملك ما حواليه بقدر ما يحتاج إليه للانتفاع بالمحيا، فليس لغيره التصرف فيه بالإحياء وغيره، وما جاوز ذلك فليس لمعمور ولا محتاج إليه في الانتفاع بالمعمور المحيا فيبقى على ما كان، ولذلك أنكر عمر ﵁ على أبي سفيان قوله: "لي ما بين كذا إلى كذا" وكأنه كان قد [أحيا] (٢) مواتًا وابن فرقد أحيا مواتًا آخر قريبًا منه فظن اتساع ملكيهما وتجاوزهما.
وقوله: "إن أحياء الموات ما يكون زرعًا أو حفرًا ويحاط بالجدارات" مقصوده أن الإحياء إنما يحصل بالعمارة ويختلف باختلاف
стр. 1838
مقصود المحيي، فإن انحدر دارًا فلا بدّ من التحويط والتسقيف، وإن قصد الزراعة فلا بد من جمع التراب محيطًا بالأرض ومن الحراثة، وإن قصد بستانًا فلا بد من التحويط وشق النهر والغراس، وعلى هذا القياس.
قال أبو بكر البيهقي الحافظ: وقوله: "إن إحياء الموات ... إلى آخره" أظنه من كلام الشافعي، فقد رواه الحميدي عن عبد الرحمن بن الحسن ولم يذكره (١).
وأما قوله: "وهو مثل إبطاله التحجير بغير ما يعمر به مثل ما يحجر" فلا شبهة أنه من كلام الشافعي، وأراد أن التحجير لا يفيد الملك، وإذا لم يعمر الموضع عمارة تليق بمثل ما حجر له يبطل تحجيره.
وقوله: "مثل ما يحجر" يمكن أن يجعل فعلًا مستقبلًا من التحجير، أي: مثل ما يحجر له ويقصده من دار وبستان، وغيرهما، ويمكن أن يقرأ: "مثل ما تحجر" والتحجير والتحجر متقاربان، وكأنه أشار بذلك إلى ما روي عن يحيى ابن آدم عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: كان الناس يتحجرون على عهد عمر ﵁، فقال عمر: من أحيا أرضًا مواتًا فهي له.
قال مالك: كأنه لم يجعلها له بالتحجير حتى يحييها (٢).
стр. 1839
وعن ابن أبي نجيح عن عمرو بن شعيب أن عمر ﵁ جعل التحجير ثلاث سنين، فإن تركها حتى يمضي ثلاث سنين فأحياها غيره فهو أحق بها (١).
الأصل
[١٨٢١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان بن عُيَيْنَةَ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "يَا عَائِشَةُ أَعَلِمْتِ أَنَّ الله قَدْ أفتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ -وقد كان رسول الله ﷺ مكث كذا وكذا يخيل إليه أنه يأتي النساء فلا يأتيهن- أتاني رَجُلَانِ فَجَلَس أَحَدُهمَا عِنْدَ رِجْلَيَّ، وَالآخَرُ عِنْدَ رَأْسِي، فَقَالَ الذِي عِنْدَ رجلي للذي عند رأسي مَا بَالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوب. قَالَ: وَمَنْ طبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ، قَالَ: فِيمَ؟ قَالَ في جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ في مُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ. تَحْتَ رَعُونَةٍ، أو رعوفة -شكَّ ربيع- في بِئْرِ ذَرْوَانَ".
قال: فجاءها رسول الله ﷺ فقال: "هذِه التي أُرِيتُهَا، كَأَنَّ رءوسَ نَخْلِهَا رُءُوسُ الشَّيَاطينِ، وكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ" فأمر بها رسول الله ﷺ فأخرج.
قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله ﷺ (٢) فهلا. قال سفيان: تعني تَنَشَّرْتَ.
[قالت] (٣) عائشة: فقال: "أَمَا والله فَقَدْ شَفَاني، وَأكرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ منه شَرًّا".
стр. 1840
قالت: ولُبيد بن أَعْصم رجل من بني زريق حليف ليهود (١).
[١٨٢٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن عمرو بن دينار أنه سمع بجالة يقول كتب عمر ﵁: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاثَ سواحر.
قال: وأخبرنا أن حفصة زوج النبي ﷺ قتلت جارية لها سحرتها (٢).
الشرح
حديث عائشة صحيح مشهور، رواه البخاري عن عبد الله بن محمَّد، وأخرجاه في الكتابين (٣) عن هشام بن عروة من أوجه.
وقوله: " أفتاني في أمر استفتيته فيه" أي: أجابني عن سؤال سألته، والاستفتاء: السؤال وطلب الفتوى؛ قال تعالى: ﴿فَاَسْتَفْتِهِم﴾ (٤) أي: سلهم.
وقوله: "مطبوب" أي: مسحور، وطبّه: سحره، وذكر أن الطب من الأضداد يقال لعلاج الداء: طب، وللسحر: طب، وهو أعظم الأدواء، وقيل لتسمية المسحور مطبوبًا تنزيلان:
أحدهما: أنه مما يستعمل فيه الحذق والمهارة من قولهم: رجل طبٌّ بالأمور، أي: ماهر بها حاذق فيها.
والثاني: التفاؤل، كما يسمي اللديغ سليمًا، أي: يعالج فيبرأ.
والجفُّ: وعاء الطلع الذي ينفتق عنه، وقال الزمخشري: جفُّ الطلعة: وعاؤها إذا جف، ويروى: "في جب طلعة" ثم قيل:
стр. 1841
الجب والجف واحد، وقيل: جبها: جوفها، ومنه: جب البئر وهو جرابها من أعلاها إلى أسفلها.
وقوله: "في مشط ومشاقة" كذا هو في هذه الرواية، وفي غيرها: "ومشاطة"، والمشاطة: ما ينفصل من الرأس واللحية عند التسريح بالمشط، والمشاقة: ما يمشي من الكتان، وقيل: هما سواء.
وقوله: "تحت رعونة أو رعوفة -شك ربيع" الأشهر والأظهر في روايات الحديث: "تحت راعوفة" وفي تفسيرها أقوال:
قيل: هي صخرة في قعر البئر تترك ناتئة عند الحفر ليقف عليها من ينقي البئر.
وقيل: حجر لا يمكن قطعه لصلابته فيبقى في بعض البئر ناتئًا.
وقيل: حجر على رأس البئر يستقي عليه المستقي.
وقيل: حجر في طيَّها بارز يقف عليه المستقي والناظر، وقد يقال للراعوفة: راعوثة بالثاء أيضًا، وروي بعض روايات البخاري "رعوفة" ولم يقيد ما شك فيه الربيع والأشبه بما ذكرنا ويصوره الخط أن شكه في رعوثة ورعوفة. والله أعلم.
وقوله: "في بئر ذروان" كذا هي في هذِه الرواية، ويروى "بئر أوان" (١)، ويروى: "بئر ذي أروان" وعن الأصمعي أنه الصواب (٢)، وهي بئر كانت معروفة بالمدينة في بني زريق.
стр. 1842
وقوله: "كأن رءوس نخلها رءوس الشيطان" ويروى: "روس الشياطين" قيل: أراد أنها مستدقة كرءوس الحيات، وتسمى الحية: الشيطان.
وقيل: أراد أنها قبيحة الهيئات وحشة كأنها رءوس الشياطين الهائلة المنظر.
وقوله: "تنشرت" من النُّشرة وهي التطبب بنوع من الاغتسال، قال (١): هيئات مخصوصة بالتجربة، وقد أجازها قوم من العلماء وكرهها قوم، وبروى عن جابر قال: "سئل رسول الله ﷺ عن النشرة فقال: هو من عمل الشيطان" (٢).
قال الخطابي: النشر: ضرب من الرقية والعلاج يعالج به من يظن به مس الجن، ولو كانت الرواية: "هلا نشرت أو فسَّرت" بالتشديد لكان قريب بالمعنى مما روي في بعض روايات "الصحيح": "هلا أخرجته".
وفيه دليل على أن للسحر حقيقة وأثرًا، وعلى أنه لا بأس بظهور أثره على الرسل، وسبيله سبيل ما يلحق من العلل والأمراض، وفيه بيان قوة النبي ﷺ وصبره على الأذى وحمله.
وأما ما روي أنه أمر عمر بقتل كل ساحر وساحرة.
فقد قال الأصحاب: فعل السحر حرام بالإجماع، واعتقاد إباحته كفر، وإذا قال الرجل: أحسن السحر أو تعلمته استوصف، فإن وصفه بما هو كفر فهو كافر وإلا فلا، وفعل السحر أو تعلمه بمطلقه لا يوجب
стр. 1843
القتل؛ روي أن مدبرة لعائشة ﵂ سحرتها استعجالًا للعتق فباعتها عائشة ممن يسيء ملكتها من الأعراب (١).
وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم يقتلوها، وحديث عمر محمول على سحر هو كفر.
стр. 1844
الأصل
ومن كتاب الوصية الذي لم يسمع من الشافعي
[١٨٢٣] أبنا الربيع قال: قال الشافعي: أبنا سفيان، عن هشام بن ححير، عن طاوس، عن ابن عباس أنه قيل له: كيف [تأمر] (١) بالعمرة قبل الحج والله تعالى يقول: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾؟!
فقال: كيف تقرءون: الدين قبل الوصية، أو الوصية قبل الدين؟
قالوا: الوصيةُ قَبْلُ الدَّيْنِ.
قال: فبأيهما تبدءون؟ قالوا: الدَّين.
قال: فهو ذلك.
قال الشافعي: يعني أن التقديم جائز (٢).
الشرح
تقديم العمرة على الحج جائز على صورة التمتع وعلى غير صورته، ولكن في كل واحد منهما كلام وشبهة:
أما على صورة التمتع فقد روي عن عمر وعثمان ﵄ النهي عن التمتع، وعن أبي ذر ﵁ أن المتعة في الحج كانت لأصحاب محمَّد ﷺ خاصة.
وأما على غير صورة التمتع، فقد روي عن النبي ﷺ "أنه نهى عن
стр. 1845
العمرة قبل الحج" (١) فكأن السائل بلغه ذلك فراجع ابن عباس فيه، واعتقد أن تقديم الحج على العمرة في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٢) يقتضي تقديمها في الحصول والوجوب، فبين له ابن عباس أن التقديم في اللفظ لا يقتضي تقديمها في الحصول والوجوب، كما أن الوصية في لفظ القرآن مقدمة على الدين، والدين مقدم على الوصية، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: "تمتع رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان، وأول من نهى عنه معاوية" (٣).
والنهي عن العمرة قبل الحج تكلموا في إسناده، وبتقدير ثبوته فهو محمول على أنه أولى وأهم؛ لأنه أعظم النسكين.
الأصل
[١٨٢٤] أبنا الربيع قال: قال الشافعي: أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن علي بن الحسين قال: إنما ورث أبا طالب عقيل وطالب، ولم يرثه علي ولا جعفر، قال: فلذلك تركنا نصيبنا من الشعب (٤).
الشرح
في القصة دليل على أن أبا طالب مات كافرًا ولم يرثه علي وجعفر ﵄؛ لأنهما كانا مسلمين، وورثه عقيل وطالب؛ لأن عقيلًا
стр. 1846
لم يكن أسلم بعد، وقد روى أسامة بن زيد أن النبي ﷺ قال: "لا يرثُ الكافرُ المسلمَ ولا المسلمُ الكافِرَ" (١).
وقوله: "ولذلك تركنا نصيبنا من الشِّعب" يريد دورهم ومساكنهم هناك، وقد روى الزهري عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد قال: "قلت: يا رسول الله أين تنزل غدًا في حجته؟ فقال: وهل تركَ عقيلٌ منزلًا" (٢).
واحتج الشافعي به على جواز بيع رباع مكة، فإن عقيلًا كان قد باع منازل آبائه، فرأى النبي ﷺ بيعه جائزًا.
الأصل
[١٨٢٥] أبنا الربيع قال: قال الشافعي: قلت: أبنا محمَّد بن الحسن أو غيره من أهل الصدق في الحديث أو هما، عن يعقوب بن إبراهيم (٣)، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال ابتاع عبد الله بن جعفر بيعًا.
فقال علي ﵁: لآتين عثمان ﵁ فلأحجرن عليك، فأعلم ذلك ابن جعفر الزبير.
فقال: أنا شريكك في بيعك، فأتى علي عثمان فقال: احجر على هذا. فقال الزبير: أنا شريكه.
قال عثمان: أحجر على رجل شريكه الزبير (٤)!
стр. 1847
الشرح
وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب الهاشمي أبو جعفر، أمه أسماء بنت عميس.
سمع: النبي ﷺ ، وعمه عليًّا ﵁.
وروى عنه: سعد بن إبراهيم، وعروة بن الزبير، وابن أبي مليكة، ومورق العجلي.
ولد بأرض الحبشة ومات بالمدينة سنة (١).
وروى القصة عن أبي يوسف: عمرو الناقد (٢).
واحتج الشافعي بها على أن البالغ قد حجر عليه بسبب السفه، وقال: علي لا يطلب الحجر إلا وهو يراه، وعثمان والزبير لو لم يرياه لقالا: لا نحجر على البالغ ولم يعللا بشركة الزبير (٣).
ويقال: إن عبد الله كان قد اشترى أرضًا بستمائة ألف درهم فكأنه عد مغبونًا في شرائه، فلقيه الزبير فقال: ما اشترى أحد أرخص مما اشتريت، ولو أن عندي مالًا لشاركتك.
قال: فإني أقرضك نصف المال.
قال: فأنا شريكك، فأتى الزبير عليًّا وعثمان وقال: أتحجران على رجل أنا شريكه؟ قالا: لا.
стр. 1848
قال: فأنا شريكه.
هكذا رواه الزبير بن المديني عن هشام (١).
وكان الزبير معروفًا بالحذق في البيع والشرى، وفي "صحيح البخاري" (٢) أن ابن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة ﵂: لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها، فتأذت منه عائشة ولم تكلمه مدة حتى شفعت فيه.
وذلك يدل على شيوع الحجر فيما بينهم.
الأصل
ومن كتاب اختلاف علي وعبد الله ﵄ مما لم يسمع الربيع من الشافعي .
[١٨٢٦] أبنا الربيع قال الشافعي: أبنا ابن علية، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن زاذان قال: "سأل رجل عليًّا ﵁ عن الغُسْلِ. قال: اغتسِل كلّ يومٍ إن شئت.
فقال: لا، الغسل الذي هو الغسل؟ قال: يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم الفطر" (٣).
الشرح
عمرو: هو ابن مرة بن عبد الله بن طارق بن الحارث بن سلمة المرادي الأعمي أبو عبد الله.
стр. 1849
سمع: عبد الله بن أبي أوفى، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبا وائل.
وروى عنه: شعبة، والثوري، والأعمش، ومسعر.
مات سنة ست عشرة ومائة (١).
وقوله: "اغتسل كل يوم إن شئت" يحتمل أن يريد إن وجد سببه، ويحتمل أن يريد تجديد الغسل على قول من يجعله كتجديد الوضوء.
وقوله: "لا، الغسل الذي هو الغسل" أي لا أريد هذا أريد الغسل المؤكد المستحب فذكر له الأغسال الأربعة.
الأصل
[١٨٢٧] أبنا الربيع قال: قال الشافعي: أبنا ابن عيينة، عن أبي السوداء، عن ابن عبد خير، عن أبيه قال: "توضأ علي ﵁ فغَسَلَ ظهرَ قدميه، وقال: لولا أني رأيتُ رسول الله ﷺ يمسح ظهر قدميه لظننتُ أنَّ باطنهما أحق" (٢).
الشرح
أبو السوداء: هو عمرو بن عمران النهدي.
روى عن: ابن ساقط، وابن عبد خير.
وروى عنه: الثوري، وابن عيينة (٣).
стр. 1850
وابن عبد خير: هو المسيب بن عبد خير بن يزيد البجلي الكوفي.
سمع منه: حصين بن عبد الرحمن (١).
وأبوه عبد خير أبو عمارة البجلي.
روى عن: علي ﵁ وأدرك زمان النبي ﷺ ولم يره، ويقال: إنه كان قد أتى عليه مائة وعشرون سنة (٢).
وروى الأثر عن ابن عيينة: إسحاق الحنظلي كما رواه الشافعي، ورواه الحميدي عن ابن عيينة وقال: "توضأ علي ﵁ فمسح على ظهر قدميه" وليس المراد ظاهره كما تدعيه الشيعة ولكن فيه اختصار؛ والمراد ظهر القدمين من الخفين بدليل أن حفص بن غياث روى عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد خير قال: قال علي ﵁: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، ولقد رأيت رسول الله ﷺ مسح على ظهر خفيه" (٣).
وروى إبراهيم بن طهمان عن أبي إسحاق، عن عبد خير، عن علي قال: "كنت أرى باطن القدمين [أحق] (٤) بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول الله ﷺ توضأ ومسح على ظهر قدميه على خفيه" (٥).
стр. 1851
وقد تمسك بذلك من رأى الاقتصار في المسح على مسح أعلى الخف، وقال: إنما ذكره علي ﵁ إنكار لمسح الأسفل، وروي مثله عن عمر ﵁، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وعندنا الأكمل مسح الأعلى والأسفل، ثبت ذلك من فعل ابن عمر، وعن رواية المغيرة بن شعبة "أن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله" (١).
الأصل
[١٨٢٨] أبنا الربيع قال: قال الشافعي: عن عمر بن الهيثم الثقة، عن شعبة، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عن نَاجِيَةَ بْنَ كَعْبٍ، عَنْ عَليٍّ قال: قلتُ: يا رسولَ الله بأبي أنت وأمي إن أبي قد مَاتَ. قَالَ: "اذْهَبْ فَوَارِهِ". قلت: إِنَّهُ مَاتَ مُشْرِكًا. قَالَ: "اذْهَبْ فَوَارِهِ". فَوَارَيْتُهُ ثم أتيتُه. قال: "اذهب فاغْتَسِلْ" (٢).
الشرح
عمرو هو ابن الهيثم أبو قطن الزبيدي.
روى عنه: مخلد بن مالك، وقتيبة.
стр. 1852
سمع: المسعودي، ويعد في البصريين (١).
وناجية بن كعب: هو الأسدي، ويعد في الكوفيين.
روى عن: علي، وعبد الله. وروى عنه: أبو إسحاق، وأبو حسان الأعرج (٢).
وفيه أنه لا بأس بأن يدفن المسلم قريبه المشرك ويتبع جنازته.
قال الشافعي: ولا بأس بغسله أيضًا.
وذكر أن النبي ﷺ إنما أمر عليًّا ﵁ بالغسل لأنه غسله (٣)، والغسل من غسل الميت محبوب، روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من غسل ميتًا اغتسل، ومن حمله توضأ" (٤) في الباب عن عائشة، لكن علماء الحديث لم يصححوا في الباب شيئًا عن النبي ﷺ ، وصححوه عن أبي هريرة موقوفًا.
стр. 1853
وفيه تصريح بكفر أبي طالب.
الأصل
[١٨٢٩] أبنا الربيع قال: قال الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن شبيب بن غرقدة، عن حبان بن الحارث قال: أتيت عليًّا ﵁ وهو معسكر بدير أبي موسى فوجدته يطعم، فقال: ادن فكل.
قلت: إني أريدُ الصومَ.
قال: وأنا أريد، فدنوتُ فأكلتُ، فلما فرغ قال: يا ابن النباح أقم الصَّلاة (١).
الشرح
حبان بن الحارث: هو أبو عقيل، يعد في البصريين، سمع: عليًّا.
وروى عنه: شبيب بن غرقدة، وهو حبان بالباء وكسر الحاء، كذلك ذكره الدارقطني وغيره، وذكره البخاري في باب حبان وفي باب حيان أيضًا، وذكر رواية شبيب عنه وتعرض في الموضعين للأثر الذي نحن فيه (٢).
وابن النباح من الموالي وكان مؤذن علي ﵁، وروى عنه: جعفر
стр. 1854
ابن أبي ثوران (١).
وقوله: "وهو يطعم" يريد السحور، وفضل التسحر مشهور، روي عن أنس أن النبي ﷺ قال: "تسحروا فإنَّ في السحورِ بركة" (٢).
وقوله: "إني أريدُ الصوم" أشار به إلى قرب طلوع الفجر واستبعد الأكل حيئذٍ للصائم، فقال علي ﵁: "وأنا أريد الصوم" ولا بأس بتأخير التسحر للصائم بل هو أفضل؛ روي عن زيد بن ثابت قال: "تسرحنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة.
قلت: كم كان قدر ما بينهما؟
قال: قدر خمسين آية" (٣).
وقوله: "أقم الصلاة" لما فرغ من الأكل: يحتمل أن يريد به الأذان، والأذان للصبح قبل الفجر جائز، ويحتمل أنه طلع الفجر عقيب فراغه فأمر بالإقامة، وعلى الاحتمال الثاني نزله الشافعي ﵁، واستدل به على وقوع الأذان قبل الفجر.
الأصل
[١٨٣٠] أبنا الربيع قال: قال الشافعي، أبنا ابن علية، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁ قال: إذا ركعت فقلت: اللهم [لك] (٤) ركعت، ولك خشعت، ولك أسلمت، وبك آمنت [وعليك] (٥)
стр. 1855
توكلت؛ فقد تم ركوعك (١).
[١٨٣١] أبنا الربيع قال: قال الشافعي: أبنا ابن علية، عن خالد الحذاء عن عبد الله بن الحارث [عن الحارث] (٢) الهمداني، عن علي كان يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني واجبرني (٣).
الشرح
عاصم بن ضمرة هو السلولي، كوفي.
يروي عن: علي.
وروى عنه: الحكم بن عتيبة، وأبو إسحاق (٤).
وعبد الله بن الحارث يمكن أن يكون أبا الوليد البصري الأنصاري الذي روى عنه: عاصم الأحول، وخالد (٥)؛ وأن يكون عبد الله بن الحارث الزبيدي المكتب الكوفي الذي حدث عن: عبد الله بن عمر، وزهير بن الأقمر.
وروى عنه: عمرو بن مرة (٦).
والحارث الهمداني: هو الحارث بن عبد الله أبو زهير الخارفي
стр. 1856
الأعور الكوفي، ويقال: الحارث بن عبيد.
يروي عن: علي ﵁ وقد نسبه إبراهيم والشعبي ومن بعدهما إلى الكذب (١).
وروي عن الشافعي أنه قال بعد رواية ذكر الركوع: وهم يكرهون هذا وهو عندنا كلام حسن (٢)، وأراد أن العراقيين يخالفون فيه عليًّا ﵁، ثم قال: وقد روي عن النبي ﷺ شبيه به (٣)، وأراد ما سبق في الكتاب من حديث عطاء بن يسار عن أبي هريرة وحديث عبيد الله بن [أبي] (٤) رافع [عن] (٥) علي (٦).
وأما الأثر الثاني ففي بعض الروايات عن الشافعي: أبنا ابن علية، وفي بعضها: عن ابن علية، وقال [بعد] (٧) روايته: وهم -يعني: العراقيين- يكرهون هذا ولا يقولون به (٨)، وقد روي عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في صلاة النبي ﷺ (٩).
وقوله: "بين السجدتين ... " هذه الألفاظ المروية عن علي، وزاد (١٠): "وارفعني وارزقني"، وزاد بعضهم: "وعافني".
стр. 1857
الأصل
[١٨٣٢] أبنا الربيع قال: قال الشافعي: أبنا سفيان بذلك، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ قنت في الصبح قال: اللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ" (١).
الشرح
الحديث مختصر، وقد سبق (٢) في الكتاب أتم من هذا بهذا الإسناد.
الأصل
[١٨٣٣] أبنا الربيع قال: قال الشافعي: أبنا ابن علية، عن أبي هارون الغنوي، عن حطان بن عبد الله قال: قال علي: الوتر ثلاثة أنواع: فمن شاء أن يوتر من أول الليل أوتر ثم استيقظ فشاء أن يشفعها بركعة ويصلي ركعتين ركعتين حتى يصبح ثم يوتر فعل، وإن شاء صلى ركعتين ركعتين حتى يصبح، وإن شاء أوتر آخر الليل (٣).
الشرح
أبو هارون الغنوي: هو إبراهيم بن العلاء البصري.
سمع: حطان بن عبد الله.
وروى عنه: شعبة، وحماد بن زيد (٤).
стр. 1858
وحطان بن عبد الله: هو الرقاشي البصري.
سمع: عليًّا، وأبا موسى، وعبادة بن الصامت.
وسمع منه: الحسن، ويونس بن جبير (١).
والأحاديث والآثار في وقت الوتر قد سبقت، وذكرنا أن من أوتر من أول الليل ثم استيقظ فالأولى أن لا ينقض وتره ويمضي عليه، وخير علي ﵁ في هذا الأثر بين أن يوتر المصلي من أول الليل وبين أن يصلي في آخره، وإذا أوتر في أول الليل ثم استيقظ وأراد أن يصلي فقد خيره بين أن يصلي ركعة يشفع بها ما صلى وهو نقض الوتر ويوتر من آخر الليل وبين أن يقتصر على وتره الأول وهو يتطوع بركعتين ركعتين فهذِه ثلاثة أنواع: الوتر في أول الليل ونقضه، والوتر في الأول وإمضاؤه، والوتر في آخر الليل.
وقوله: "ويصلي ركعتين ركعتين حتى يصبح ثم يوتر" أي: حتى يقرب من أن يصبح؛ وأما قوله ثانيًا: "حتى يصبح" فيصح إجراؤه على ظاهره.
الأصل
[١٨٣٤] أبنا الربيع قال: قال الشافعي: أبنا سفيان بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن عبد خير، عن علي ﵁ في الرجل يتزوج المرأة ثم يموت ولم يدخل بها فلم يفرض [لها صداقًا] (٢) أن لها الميراث وعليها العدة ولا صداق لها (٣).
стр. 1859
الشرح
صورة الأثر ما إذا نكح امرأة على وجه التفويض ومات قبل أن يدخل بها ويفرض لها صداقًا, ولا كلام في وجوب العدة وثبوت الميراث، وأما الصداق ففيه اختلاف.
وقول علي ﵁: "أنه لا صداق لها" وبه قال زيد بن ثابت، وقد تقدم (١) في الكتاب الأثر فيه عن زيد، وذكرنا هناك قصة بروع بنت واشق (٢)، وبيَّنا أن للشافعي في المسألة قولين.
الأصل
[١٨٣٥] أبنا الربيع قال: قال الشافعي: أبنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت ابن مسعود يقول: "كنا نغزو مع النبي ﷺ وليس معنا نساء فأردنا أن نختصي فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة إلى أجل بالشيء" (٣).
[١٨٣٦] أبنا الربيع قال: قال الشافعي: أبنا سفيان، أبنا الزهري، أخبرني الربيع بن سبرة، عن أبيه قال: "نهى رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة" (٤).
стр. 1860
الشرح
قد سبق الحديثان (١) في الكتاب بعينهما، أحدهما في موضع منه والآخر في آخر، وبيَّنا ما لا بد من ذكره.
وقوله: "بالشيء" يشبه أن يريد به ما حضر وإن كان حقيرًا.
الأصل
[١٨٣٧] أبنا الربيع قال: قال الشافعي: أبنا سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة أن عبد الرحمن بن عوف اشترى من عاصم بن عدي جارية، فأخبر أن لها زوجًا فردها (٢).
الشرح
مقصود الأثر أن من اشترى جارية فخرجت ذات زوج ثبت له الخيار، والمعنى فيه فوات الاستمتاع وإحلال الاستخدام.
الأصل
[١٨٣٨] أبنا الربيع قال: قال الشافعي: أبنا سفيان، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ [قال] (٣): "إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أحدِكم فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدها الحدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عليها، ثُمَّ إِنْ عادتْ فزَنَتْ تبيَّن زِناها فَلْيَجْلِدها الحدّ، وَلَا يُثَرِّبْ عليها، ثُمَّ إِنْ عادتْ فزَنَتِ تبيَّن زِناها فَلْيَبِعْهَا، وَلَوْ بِضفيرٍ مِنْ شَعَرٍ" يعني الحبل. (٤).