← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123510

شرح مسند الشافعي

الرافعي

Полный текст (1 876 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

والمصلي في جوفها يستقبل ما شاء من جدرانها. وقوله: "وثلاثة أعمدة وراءه" هذِه الكلمة قد ترد بمعنى: خلف، وبمعنى: قدام، والمراد ها هنا الأولى؛ لما روي أنه كان بينه وبين الجدار قدر ثلاثة أذرع (١). الأصل [٧٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن عامر بن عبد الله، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن أبي قتادة أن النبي ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة بنت أبي العاص. قال الشافعي: وثوب أمامة ثوب صبي (٢). الشرح عامر: هو ابن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي المديني أبو الحارث. سمع: أباه، وعمرو بن سليم. وروى عنه: مالك، وجامع بن شداد، وابن عجلان (٣). وعمرو: هو ابن سليم بن خلدة الزرقي الأنصاري المديني. سمع: أبا زيد، وأبا قتادة، وأبا سعيد الخدري. وروى عنه: أبو بكر [بن] (٤) محمَّد بن عمرو بن حزم، وسعيد

стр. 212

المقبري (١). وأمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ وهي بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس، واسمه القاسم، ويقال: مقسم وتزوج زينب وهو مشرك، وردها رسول الله ﷺ بعد إسلامه بالنكاح الأول أو بنكاح جديد فيه اختلاف رواية, وتزوج أمامة علي بعد فاطمة ﵃ ونكحت بعد علي المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وتوفيت عنده (٢). والحديث صحيح أخرجاه في "الصحيحين" (٣) من حديث مالك، وأخرجه أبو داود (٤) عن القعنبي عنه ولفظ أبي قتادة: رأيت رسول الله ﷺ يصلي بالناس وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه. وقول الشافعي: "وثوب أمامة ثوب صبي" يريد أن ثياب الصبيان تغلب فيها النجاسة ومع ذلك حملها بثوبها، فدل على أن الأخذ بأصل الطهارة جائز حتى يستيقن خلافه. ومن فوائد الحديث أن حمل الحيوان في الصلاة جائز ولا يمنع منه بما في باطنه، وأن الفعل القليل لا يمنع صحة الصلاة، وقد ثبت في الخبر أنه كان إذا سجد وضعها وإذا قام رفعها وأنه لا بأس بإخراج الصغائر وإحضارهن عند الناس، وأن الصبي قد يحضر المسجد، وكأن

стр. 213

المراد من قوله ﷺ : "جنّبوا مساجدكم صبيانكم" (١) إذا لم يكن معهم من يتعهدهم. وقال أبو سليمان الخطابي: يشبه أن يكون ما جرى من حملها لا عن قصدٍ وتعمد، ولعلها من طول ما أَلِفته كانت تتعلق به فلا يدفعها؛ وذلك لأن تعمده يشغل عن الصلاة، وفيه (١/ ق ٣٧ - أ) بيان حسن خلقه ورفقه بالصبيان ﷺ . الأصل [٧٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء" (٢). الشرح هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (٣) عن أبي عاصم عن مالك، ومسلم (٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن ابن عيينة عن أبي الزناد، وأبو داود (٥) عن مسدد عن سفيان. وهو محمول عند العلماء على ما إذا كان الثوب واسعًا بالاختيار أن يأتزر به ويرفع طرفيه ويخالف بينهما ويجعلهما على عاتقيه، فيكون

стр. 214

ذلك كالإزار والرداء معًا، وقد روي أنه ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم في ثوب فليخالف بطرفيه على عاتقيه، فإن كان ضيقًا ائتزر به" (١). وفيه بيان أن الصلاة تصح في الثوب الواحد خلافًا لما روي عن بعض السلف: أنه لا بد وأن يكون على المصلي ثوبان. الأصل [٧٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن هشام، عن فاطمة، عن أسماء قالت: أتت امرأة النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابنة لي أصابتها الحصبة فتمرق شعرها أَفأَصِلُ فيه؟ فقال رسول الله ﷺ : "لعنت الواصلةُ والموصولةُ" (٢). الشرح هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (٣) عن الحميدي عن ابن عيينة، وأخرجه (٤) هو ومسلم (٥) من أوجه عن هشام. والحصبة: علة تهيج بالإنسان يبدو منها في الجلد بثرات، ويقال لها: الحصِبَة أيضًا والتمرق كالتمرط، ويقال: مرقت الجلد أي: نتفت عن الجلد المعطون صوفه (٦). والحديث أصل في المنع من الوصل، ووجه من جهة المعنى بأن الشعر إن كان شعر آدمي فيحرم ابتذاله واستعماله، وإلا فإن كان نجسًا لم يجز استصحابه، وإلا فإن كانت المرأة خلية فقد عرضت نفسها

стр. 215

للتهمة وإن كانت متزوجة فقد لبّست عليه، فإن أذن ففيه اختلاف للأصحاب. الأصل [٧٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عطاف بن خالد الدراوردي، عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة، عن سلمة بن الأكوع قال: قلت: يا رسول الله إنا نكون في الصيد أفيصلي أحدنا في القميص الواحد؟ قال: "نعم، وليزرّه ولو لم يجد إلا أن يخله (١/ ق ٣٧ - ب) بشوك" (١). الشرح عطاف: هو ابن خالد بن عبد الله أبو [صفوان] (٢) المخزومي القرشي. سمع: نافعًا، وسمع منه: مالك بن إسماعيل (٣). وموسى بالنسب المذكور مخزومي. روى عن: سلمة بن الأكوع، وعن أبيه، وعكرمة (٤). وسلمة بن الأكوع ويقال: ابن عمرو بن الأكوع، واسم الأكوع: سنان بن عبد الله بن بشير بن خزيمة الأسلمي أبو عامر ويقال: أبو

стр. 216

إياس، ويقال أبو مسلم، من شجعان أصحاب النبي ﷺ ، سكن الربذة. وروى عنه: ابنه إياس، ومولاه يزيد بن أبي عبيد، والحسن بن محمَّد بن الحنفية. مات سنة أربع وسبعين (١). والحديث مشهور من روايته (٢)، ورواه بعضهم عن موسى بن إبراهيم عن أبيه عن سلمة. ويقال: زرَرْت القميص أزره أي: شددت أزراره عليه، وزررت الرجل: شددت على قميصه أزراره، ويقال: خلّ الثوب بالخلال يخله خلًّا. وقوله: "ولو لم يجد إلا أن يخله بشوكٍ" يجوز أن يريد فليفعل فحذف، ويجوز أن يكون متعلقًا بقوله: "وليزره" لأن الخل بالشوك يقوم مقام الزّر. وفي الحديث ما يدل على جواز الاصطياد، وعلى أنه إذا خفف ملبوسه لشغل يقتضي التخفيف ثم حانت الصلاة؛ فيعذر في أن يصلي كذلك ولا يلبس أحسن ثيابه وأكملها، وأنه لا بأس بالتردد في القميص الواحد وإن كان يبدو للمتردد فيه من أطراف العورة شيء، واحتج به على أن الصلاة في القميص الواسع الأزرار لا تجوز، وعلى أنه لا يؤمر بالستر من الأسفل.

стр. 217

الأصل [٧٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عمرو بن أبي سلمة، عن الأوزاعي، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ (١). الشرح عمرو بن أبي سلمة: هو أبو حفص التنيسي. سمع: الأوزاعي. وروى عنه: الشافعي، بروايته عنه يعرف (٢). والأوزاعي: هو عبد الرحمن بن عمرو إمام أهل الشام، والأوزاع بطن من حمير، ويقال: قرية بدمشق على باب الفراديس. سمع: الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري. روى عنه: ابن المبارك، والوليد بن سلمة، والثوري، ومالك. مات سنة سبع وخمسين ومائة (٣). والحديث صحيح (٤) وتمامه ما رواه علقمة والأسود، عن عائشة قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ ثم يصلي فيه. ورواه همام بن الحارث عن عائشة مع قصةٍ وهي (١/ ق ٣٨ - أ) أن ضيفًا ضاف عائشة فأرسلت إليه تدعوه فقالوا لها: إنه أصابته جنابة

стр. 218

فذهب يغسل ثوبه. فقالت عائشة: ولمَ غسله كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ (١). وعن محارب بن دثار عن عائشة أنها كانت تحت المني من ثياب رسول الله ﷺ -وهو في الصلاة (٢). ودلالة الحديث على طهارة المني ظاهرة، واحتج به أيضًا على طهارة رطوبة فرج المرأة؛ لأن مني رسول الله ﷺ على ثوبه كان من الجماع؛ لأن النبي ﷺ كان لا يحتلم (٣). وقد روي القول بطهارة المني عن جماعة من الصحابة (وعن) (٤) يعني ابن عباس أنه قال في المني يصيب الثوب: أمطه عنك بعود أو إذخرة، فإنما هو بمنزلة البصاق أو المخاط (٥)، وعن سعد بن أبي وقاص أنه كان إذا أصاب ثوبه المني مسحه إن كان رطبًا، وإن كان يابسًا حتّه ثم صلى فيه (٦).

стр. 219

الأصل من كتاب استقبال القبلة [٨٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك بن أنس، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ أتاهم آتٍ فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن تستقبلوا الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم (١) إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة (٢). الشرح عبد الله بن دينار: هو المدني مولى عبد الله بن عمر. سمع: ابن عمر، وسليمان بن يسار، وأبا صالح السمان، ونافعًا. وروى عنه: مالك، وسليمان بن بلال، وعبد العزيز بن مسلم، وابن الماجشون، والسفيانان، وشعبة. مات سنة سبع أو تسع وعشرين ومائة (٣). والحديث صحيح رواه صاحبا "الصحيحين" (٤) عن قتيبة عن مالك. وقباء: تمد وتقصر، وتصرف ولا تصرف، وهي على ثلاثة أميال من المدينة. وفي الحديث تسمية بعض القرآن قرآنًا، وأن خبر الواحد يعتمد

стр. 220

عليه ويعمل به، وأنه يجوز الاعتماد على رواية الفرع مع سهولة الوصول إلى الأصل، وأن من في الصلاة يجوز له الإصغاء إلى من يخبره بكلمة وتفهُّم كلامه، وأن تحويل القبلة كان بعد الهجرة، وأن الصلاة الواحدة قد تقام إلى جهتين خلافًا لقول من قال من الأصحاب: إن من تغيّر اجتهاده في الصلاة لا ينحرف إلى الجهة الثانية بل يستأنف؛ لأن الصلاة الواحدة لا تقام إلى جهتين، كما أن الحادثة الواحدة لا تفتى (/ ق ٣٨ - ب) بحكمين مختلفين. وقوله: "من كتاب استقبال القبلة" لأن الشافعي افتتح في "الأم" (١) كتاب الصلاة بـ "باب استقبال القبلة" وقد يسمى الكتاب باسم الباب الأول منه كما سمي كتاب الحماسة بالباب الأول، وفي بعض النسخ: "من كتاب استقبال القبلة من الصلاة". الأصل [٨١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك بن أنس، عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف قال: يتقدم الإِمام وطائفة ... ثم قصّ الحديث، وقال ابن عمر: فإن كان خوفًا أشدّ من ذلك صلوا رجالًا وركبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. قال مالك: قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ (٢). [٨١/ ١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه (٣).

стр. 221

الشرح قوله: "ثم قص الحديث" أشار به إلى كيفية صلاة الخوف على طولها وهي مذكورة في غير هذا الموضع، واقتصر الشافعي ها هنا على ذكر ما يتعلق بالاستقبال، واستدل بالحديث على أنه يجوز في حالة شدة الخوف أن يصلوا حيث توجهوا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، ويجوز في هذِه الحالة أن يصلوا قعودًا على الدواب وقيامًا على الأقدام على ما قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (١) ولا يجوز في المكتوبات استقبال غير القبلة إلا في هذِه الحالة. وقول نافع: "لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ " يحتمل أن يريد أني أظن أنه رفعه إلى رسول الله ﷺ صريحًا، ويحتمل أن يريد أن ظني أنه تلقاه عن رسول الله ﷺ وإن لم يتلفظ به، والأول أظهر؛ لأن عبد الرزاق روى الحديث عن مالك بإسناده وقال: لا أرى عبد الله إلا قد رفعه إلى النبي ﷺ (٢). وقوله: "عن سالم، عن أبيه" يعني: بمثل حديث نافع عنه. الأصل [٨٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك بن أنس، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يصلي على راحلته في السفر حيثما توجهت به (٣). [٨٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك بن أنس، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبي الحباب سعيد بن يسار، عن عبد الله بن عمر

стр. 222

قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي على حمار وهو متوجه إلى خيبر. قال الشافعي: يعني النوافل (١). الشرح سعيد بن يسار أبو الحباب -بالحاء المهملة وبباءين- أخو أبي مزرد عبد الرحمن بن يسار، قيل: إنه مولى شُقران مولى رسول الله ﷺ ، وقيل مولى الحسن بن علي بن أبي طالب. سمع: ابن عمر، وأبا هريرة، وابن عباس، وزيد بن خالد الجهني. وروى عنه: يحيى الأنصاري، ومعاوية بن [أبي] (٢) مزرّد، وسعيد المقبري. مات سنة سبع عشرة ومائة (٣). والحديثان صحيحان أخرجهما مسلم (٤) عن يحيى بن يحيى عن مالك، وأخرج أبو داود (٥) الحديث الثاني عن القعنبي عن مالك، وروى المزني الأول منهما عن الشافعي وزاد فيه: وكان ابن عمر يفعل ذلك. وقول الشافعي: "يعني النوافل" يبينه ما روي عن يونس عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يسبح على الراحلة أيّ وجه توجه ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة (٦). وعن محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل عن راحلته واستقبل القبلة (٧).

стр. 223

وفي الحديث الثاني أن النبي ﷺ كان يركب الحمار، وأنه تجوز النافلة على الراحلة في السفر القصير. الأصل [٨٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله؛ يقول: رأيت رسول الله ﷺ يصلي وهو على راحلته النوافل في كل جهة (١). [٨٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا محمَّد بن إسماعيل، عن ابن أبي ذئب، عن عثمان بن عبد الله بن سراقة، عن جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله ﷺ في غزوة بني أنمار كان يصلي على راحلته متوجهًا قبل المشرق (٢). الشرح أبو الزبير محمَّد بن مسلم بن تدرس المكي القرشي مولى حكيم بن حزام. سمع: جابرًا. وروى عنه: ابن جريج، وهشام بن عروة، وأيوب السختياني، ومالك، والثوري، وابن عيينة. مات سنة ثمان وعشرين ومائة (٣). ومحمد بن إسماعيل: هو ابن أبي فديك، وقد مرّ ذكره. وعثمان: هو أبو عبد الله بن عبد الله بن سراقة القرشي العدوي، أمه زينب بنت عمر بن الخطاب، وكان واليًا بمكة. سمع جابرًا، وابن عمر، وبسر بن سعيد. وروى عنه: الزهري،

стр. 224

وابن أبي ذئب. توفي سنة ثمان عشرة ومائة (١). وحديث أبي الزبير: رواه الثوري عنه وأخرجه أبو عيسى (٢) من روايته عن محمود بن غيلان عن وكيع عن سفيان، ورواه حجاج بن محمَّد عن ابن جريج. والحديث الثاني: رواه البخاري في "الصحيح" (٣) عن آدم عن ابن أبي ذئب. وفي الباب عن أنس، وأبي سعيد (١/ ق ٣٩ - ب) وعامر بن ربيعة. ودلالة هذِه الأحاديث على جواز إقامة النوافل على الراحلة إلى أي جهة توجه المسافر إليها ظاهرة، ولما كان استقبال القبلة شرط في الصلاة لا يترك إلا في حالتين: إحداهما: شدة الخوف. والثانية: النافلة في السفر، جاءت هذِه الأحاديث مقرونًا بعضها ببعض. آخر الجزء ويتلوه: أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك بن أنس، عن عمه أبي سهيل بن مالك حديث: "جاء رجل يسأل عن الإِسلام".

стр. 225

-[الجزء الرابع من مسند إمام أئمة المسلمين وابن عم رسول رب العالمين أبي عبد الله محمَّد بن إدريس الشافعي المطلبي ﵁ وأرضاه بشرح الإِمام الكبير العلامة خاتم المجتهدين فقيه الأمة حجة الإِسلام أبي القاسم عبد الكريم الرافعي أسكنه الله فراديس القدس وشكر سعيه فيه:]- (طلحة) جاء رجل يسأل عن الإِسلام، صدقة تصدق الله بها عليكم (عمر)، (عائشة) قصر في السفر وأتم، خياركم إذا [سافروا] (١) قصروا، (أنس) صليت مع رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعًا، مسافة القصر، يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه، كان إذا عجل في السير جمع، نزل جبريل فأمني، أمني جبريل عند باب البيت، إذا اشتد الحر، من أدرك ركعة من الصبح، كان يصلي العصر والشمس بيضاء، من فاتته صلاة العصر، نصلي المغرب ثم نخرج نتناضل، لا تغلبنكم الأعراب، يصلي الصبح فتنصرف النساء متلفعات، صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة، أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، إن بلالًا يؤذن بليل، صفة الأذان، راح إلى الموقف بعرفة، حبسنا يوم الخندق، سمع رجلًا يؤذن للمغرب، المؤذنون أمناء. الرواة سوى من سبق:

стр. 226

طلحة بن عبيد الله، عبد الرحمن بن عبد الله، عبد الله بن باباه، يعلي بن أمية، طلحة بن عمرو، ابن حرملة، إبراهيم بن ميسرة، محمَّد بن المنكدر، أبو قلابة، عبد الرحمن بن حميد، عمر بن عبد العزيز، السائب بن [يزيد] (١)، العلاء بن الحضرمي، بشير بن مسعود، أبوه، عبد الرحمن بن الحارث القرشي، حكيم بن حكيم، نافع بن جبير، الليث بن سعد، بسر بن سعيد، أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، نوفل بن معاوية الديلي، محمَّد بن عمرو بن علقمة، أبو نعيم وهب، صالح مولى التوأمة، زيد بن خالد، ابن أبي لبيد، عمرة بنت عبد الرحمن، أبو الطفيل، معاذ بن جبل، ابن أبي نجيح، إسماعيل بن عبد الرحمن الأسدي، حماد بن سلمة، ابن أبي مليكة، عبيد بن عمير، يونس بن عبيد، ابن أم مكتوم، عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، عبد الله بن محيريز، أبو محذورة، عتاب بن أسيد، إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك، عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عمارة بن غزية، خبيب بن عبد الرحمن، حفص بن عاصم بن عمر، سهيل بن [أبي] (٢) صالح. ﵏.

стр. 227

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الأصل [٨٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك بن أنس، عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه، أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فإذا هو يسأل عن الإِسلام، فقال رسول الله ﷺ : "خمس صلوات في اليوم والليلة". فقال: هل علي غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوَّع" (١). الشرح أبو سهيل: هو نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، عم مالك بن أنس، وأخو الربيع بن مالك. سمع من الصحابة: ابن عمر، وسهل بن سعد، ومن التابعين: أباه، والقاسم بن محمَّد، وعلي بن الحسين. وروى عنه: الزهري، ومالك ابن أخيه، وإسماعيل بن جعفر (٢). وأبوه مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني، أبو أنس حليف عثمان بن عبيد الله التيمي. روى عن: عمر، وعثمان، وطلحة بن عبيد الله، وأبي هريرة، وعائشة. وروى عنه: سالم أبو النضر، سليمان بن يسار، ومحمد بن

стр. 228

إبراهيم التيمي. توفي سنة اثنتي عشرة ومائة (١). وطلحة: هو ابن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشي أبو محمَّد، أحد العشرة المبشرين بالجنة، والستة المسمين في الشورى، وسماه طلحة الخير وطلحة الجود وطلحة الفياض ولم يشهد بدرًا؛ لأنه كان بالشام حينئذ فقدم بعدما رجع رسول الله ﷺ من بدر فضرب له بسهمه، وشهد أحدًا وثبت مع رسول الله ﷺ وحسنت آثاره فيه، وكان أبو بكر ﵁ يقول: يوم أحد كله لطلحة. روى عنه: السائب بن يزيد، وقيس بن أبي حازم، وأبو عثمان النهدي. قتل سنة ست وثلاثين يوم الجمل، ويذكر أنه أصابه سهم في حلقه فقال: بسم الله وكان أمر الله قدرًا مقدورًا (٢). والحديث مدون في "الصحاح" أخرجه البخاري (٣) عن إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل، ومسلم (٤) عن قتيبة عن مالك، وأبو داود (٥) عن القعنبي عن مالك. وقوله: "إلا أن تطوَّع" أي: تتطوع، يقال: تطوع بكذا أي: تبرع به وفعله بطواعيته بلا تكليف، ويجوز أن يقرأ تطَّوَّع بتشديد الطاء والواو

стр. 229

وهو بمعنى تطوع أيضًا، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ (١) وأصل مطوع متطوع فأدغم. وقوله: "خمس صلوات في اليوم (١/ ق ٤١ - ب) والليلة" يعني: المكتوبات وظاهر الحديث يفسر الإِسلام بالصلوات الخمس، وليس المقصود الصلاة وحدها، بل صيام رمضان وغيره من أركان الإِسلام والأعمال الظاهرة داخلة فيه كما ورد في سائر الروايات، لكن الصلاة أعظمها وأهمها فاقتصر في هذه الرواية على ذكرها، وفيه نفي وجوب ما سوى الخمس ويدخل فيه الوتر، وكلمة "إلا أن تطوع" كالاستثناء المنقطع؛ لأن ما يتطوع به الإنسان لا يوصف بأنه عليه حتى يحتاج إلى استثنائه، ويجوز أن يقدر المعنى: "إلا أن تتطوع بالتزام ما وراء الخمس بالنذر فيكون عليك". والحديث لا تعلق له بباب الاستقبال، لكن الشافعي صدر كتاب الصلاة في "الأم" بباب الاستقبال ثم اندفع في سائر الأبواب، فالتقط أبو العباس الأحاديث على ترتيبه من غير أن يتعرض لترجمة الأبواب. الأصل [٨٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم بن خالد وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روَّاد، عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، عن عبد الله بن باباه، عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب ﵁: إنما قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢) فقد أمن الناس، قال: عجبتُ مما عجبتَ منه فسألت

стр. 230

رسول الله ﷺ فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" (١). الشرح عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار تابعي. حدث عن: جابر، وابن الزبير (٢). وعبد الله بن باباه مولى آل حجير بن أبي إهاب من أهل مكة. سمع: جبير بن مطعم، وعبد الله بن عمرو. وروى عنه: أبو الزبير، وعمرو بن دينار، ويقال: عبد الله بن بابيه (٣). ويعلى بن أمية صحابي، ورفع بعضهم نسبه فقال: يعلى بن أمية بن أبي عبيدة التميمي، وكان عامل عمر ﵁ على نجران ويعد في أهل مكة ويقال له: يعلى بن منية أيضًا، وهي أمه وهي أخت عتبة بن غزوان، كذلك يذكره أهل الحديث، وعن الزبير بن بكار: أنها جدته أم أبيه. وذكر بعضهم أنها عمة عتبة لا أخته. روى عن يعلى: ابنه صفوان، وابن باباه (٤). والحديث صحيح أخرجه مسلم (٥) وغيره (٦)، ورواه أبو عيسى (٧)

стр. 231

عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق عن ابن جريج كذلك وحكم بصحته، ومنهم من رواه عن ابن جريج عن عبد الله (١/ ق ٤٢ - أ) بن أبي عمار لا عن عبد الرحمن بن عبد الله، وكذلك هو في "مسند عبد (١) الرزاق". ومقصود الحديث أن الآية تعرضت للحرب وقضية (ظاهر رجاء (٢)) أن يكون الخوف شرطًا لجواز القصر، فراجعوا فيه النبي ﷺ فبيّن أنه ليس بشرط، وذكر الخوف في الآية جرى على الغالب من أسفارهم في ذلك الوقت فبهما كان شرطًا ثم نسخ، وذكر أن في الحديث إشارة إلى أنه لا يجب القصر؛ لأنه جعله صدقة والصدقة لا يجب قبولها. وفي إسناد الحديث كلام آخر وذلك أن الذي رواه عنه ابن أبي عمار في رواية الشافعي: عبد الله بن باباه وكذا رواه ابن وهب عن ابن جريج، ورواه ابن وهب ويحيى بن سعيد عن ابن جريج وقالا: عبد الله بن بابيه، ورواه بعضهم عن ابن جريج فقال: بابا. وقال يحيى بن معين (٣): إنهم رجال مختلفون فابن باباه يروي عنه: حبيب بن أبي ثابت، وابن بابا يروي عنه ابن إسحاق، وابن بابيه يروي عنه ابن أبي عمار، وقضية كلام البخاري وغيره أن الرجل واحد وفي اسم أبيه اختلاف رواية أو سمي تارة هكذا وتارة هكذا. الأصل [٨٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة قالت: كل

стр. 232

ذلك قد فعل رسول الله ﷺ ، قصر الصلاة في السفر وأتمَّ (١). الشرح طلحة بن عمرو: هو الحضرمي المكيّ. يروي عن: عطاء. ليّنوه وتكلموا فيه (٢). وروى الحديث المغيرة بن زياد عن عطاء أيضًا (٣). وقول عائشة: "كل ذلك قد فعل رسول الله ﷺ " كأنهم كانوا يتكلمون في القصر والإتمام فقالت: قد قصر رسول الله ﷺ وأتمّ، وبينت أن كلًّا منهما جائز، وبين به أن القصر ليس بعزيمة، واحتج الشافعي له بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (٤) وهذِه اللفظة تشعر بأنه رخصة وليس بحتم كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٥) أي: تتجروا في الحج، وقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ (٦). الأصل [٨٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، عن ابن حرملة، عن ابن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ : "خياركم

стр. 233

الذين إذا سافروا قصروا الصلاة وأفطروا، أو قال: لم يصوموا" (١). الشرح ابن (١/ ق ٤٢ - ب) حرملة: هو عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي المديني أبو حرملة. سمع: ابن المسيب. وروى عنه: الثوري، ومالك، ويحيى القطان (٢). والحديث مرسل، لكن الشافعي كان يعتمد على مراسيل ابن المسيب أو أكثرها. وفيه بيان أن القصر أفضل من الإتمام وهو الأصح من قولي الشافعي (٣)، وذلك إذا بلغ السفر ثلاث مراحل، فإن كان دونها فالإتمام أفضل، ويكره ترك القصر رغبة عن السنة، وكذا ترك المسح على الخفين؛ وأما الإفطار فالحديث يقتضي كونه أفضل؛ لكن الظاهر من المذهب أن الصوم أفضل. والحديث محمول على ما إذا كانت (٤) تتضرر بالصوم، والفرق بين القصر والإفطار أنه إذا قصر برئت ذمته، وإذا أفطر بقيت ذمته مشغولة بالقضاء، وقد يعوق دونه عائق، وأيضًا فإن فضيلة الأداء تحصل بالقصر وتفوت بالإفطار. الأصل [٩٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن إبراهيم بن

стр. 234

ميسرة، عن أنس بن مالك قال: صليت مع رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعًا، وصليت معه العصر بذي الحليفة ركعتين (١). [٩١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان بن عيينة، عن ابن المنكدر أنه سمع أنس بن مالك يقول مثل ذلك إلا أنه قال بذي الحليفة (٢). [٩٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان -يعني ابن عيينة-، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك بمثل ذلك (٣). الشرح إبراهيم بن ميسرة: هو الطائفي المكي. سمع: أنس بن مالك، وطاوسًا، وعمرو بن الشريد. وروى عنه: ابن جريج، وابن عيينة، والثوري. مات قريبًا من سنة اثنين وثلاثين ومائة (٤). وابن المنكدر: هو محمَّد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير التيمي القرشي المدني أبو بكر، ويقال: أبو عبد الله. سمع: جابرًا، وأنسًا، وغيرهما من الصحابة. وروى عنه: مالك، وشعبة، والثوري، وابن عيينة. مات سنة ثلاثين ومائة (٥). وأبو قلابة: هو عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمي البصري.

стр. 235

سمع: أنس بن مالك، ومالك بن الحويرث، وقبيصة بن ذؤيب، وعمه أبا المهلب. وروى عنه: أيوب، وخالد الحذاء، ويحيى بن أبي كثير. ومات بالشام سنة أربع أو خمس ومائة (١). والحديث صحيح أخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣) من حديث سفيان عن ابن المنكدر وإبراهيم بن ميسرة؛ ومن رواية أبي قلابة رواه البخاري (٤) عن قتيبة (١/ ق ٤٣ - أ) عن عبد الوهاب الثقفي عن أيوب، ومسلم (٥): عن قتيبة عن حماد بن زيد عن أيوب. وقوله: "إلا أنه قال بذي الحليفة" يريد أنه قال: وصليت معه بذي الحليفة ولم يذكر لفظ القصر، وكذلك رواه البخاري. وذو الحليفة على ستة أميال -وقيل: سبعة- من المدينة، وهي ميقات أهل المدينة، وكان النبي ﷺ يؤم مكة. واحتج بالحديث على أنه لا يقصر بالعزم على السفر والاشتغال بأسبابه؛ وإنما يقصر بعد الخروج من بيوت القرية التي عنها الانتقال، وفيه أنه لا بأس بإنشاء السفر بعد انتصاف النهار وإن كان التبكير أولى.

стр. 236

الأصل [٩٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس؛ أنه سئل أنقصر إلى عرفة؟ قال: لا, ولكن إلى عسفان وإلى جدة وإلى الطائف (١). [٩٤] أخبرنا مالك بن أنس، عن نافع أنه كان يسافر مع ابن عمر البريد فلا يقصر الصلاة (٢). [٩٥] وأبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك بن أنس، عن نافع، عن سالم بن عبد الله؛ أن ابن عمر ركب إلى ذات النصب فقصر الصلاة في مسيره. قال مالك: وبين ذات النصب والمدينة أربعة برد (٣). [٩٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه أنه إذا ركب إلى ريم يقصر الصلاة في مسيره ذلك [قال مالك:] (٤) وذلك نحو من أربعة برد (٥). الشرح عرفة على أربعة فراسخ من مكة، وعسفان قرية جامعة بين مكة والمدينة بها منبر، والبريد أربعة فراسخ، والبريد أيضًا: الرسول

стр. 237

المستعجل، ودواب البريد: دواب تعد للرسل، وذات النصب على أربعة برد من المدينة كما بين مالك، وريم كذلك في قول مالك، وقيل: إنه على أكثر من ذلك. وقصد الشافعي بذكر هذِه الآثار الاستئناس بها في تقدير السفر الذي يقصر فيه فقال (١): قصر رسول الله ﷺ في سفره إلى مكة، ولا خلاف في أنه يجوز القصر في أقل من تلك المسافة، ولا يمكن أن يقال: يجوز القصر في كل سفر؛ لأن عامة من حفظنا عنهم لا يختلفون في أنه لا قصر فيما دون مسيرة يومين، وأورد في ذلك الأثر عن ابن عباس الذي فيه ذكر عسفان وغيرها وأقرب هذا إلا مكة ستة وأربعون ميلًا بالأميال الهاشمية وهي مسيرة ليلتين قاصدتين، وذكر بعضهم أن بين عسفان ومكة ستة وثلاثون ميلًا، وكلام الشافعي أصح وأولى بالاتباع، والميل: ثلث فرسخ وهو أربعة آلاف خطوة. وعن الشافعي قول غريب: أنه يجوز القصر في السفر القصير بشرط الخوف، وفي الخبر ما يدل عليه، فعن أنس (١/ ق ٤٣ - ب) قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج إلى ثلاثة أميال أو قال: إلى ثلاثة فراسخ يصلي ركعتين (٢). الأصل [٩٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، ثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن حميد قال: سأل عمر بن عبد العزيز جلساءه ماذا سمعتم في مقام المهاجر بمكة؟ قال السائب بن يزيد: حدثني العلاء بن الحضرمي أن

стр. 238

رسول الله ﷺ قال: "يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثًا" (١). الشرح عبد الرحمن: هو ابن حميد بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري. سمع: السائب بن يزيد، وسعيد بن المسيب. وروى عنه: حاتم بن إسماعيل، وابن عيينة، ويحيى القطان، وصالح بن كيسان. مات في آخر خلافة أبي جعفر (٢). وعمر: هو ابن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أبو حفص الأموي الخليفة المحمود في جميع الألسنة. سمع: أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والربيع بن سبرة. وروى عنه: أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، والزهري، وأبو سلمة. توفي بالشام سنة إحدى ومائة وكانت مدة خلافته سنتين وخمسة أشهر وخمس ليال (٣). والسائب بن يزيد أبو يزيد الكندي، ويقال: الليثي، ويقال:

стр. 239

الأزدي، ويقال: الهذلي، صحابي. سمع: النبي ﷺ ، وعثمان بن عفان، ورافع بن خديج، والعلاء بن الحضرمي، وحويطب بن عبد العزى. وروى عنه: الزهري، وغيره. ويروى أنه حج به أحد أبويه مع النبي ﷺ في حجة الوداع وهو ابن سبع سنين أو عشر، ومات سنة إحدى وتسعين، وقيل: سنة سبع وتسعين (١). والعلاء: هو ابن الحضرمي بن عبد الله، كان عامل النبي ﷺ على البحرين وبها مات في خلافة عمر ﵁ سنة إحدى وعشرين (٢). والحديث صحيح أخرجه مسلم (٣) عن يحيى بن يحيى عن سفيان. واحتج الشافعي به على أنه إذا عزم المسافر على إقامة ثلاثة أيام فما دونها لا ينقطع به حكم السفر وله القصر؛ لأنه رخص للمسافر المكث ثلاثًا وكان يحرم على المهاجرين حينئذ الإقامة بمكة لما فيها من مساكنة الكفار، فأشعرت الرخصة في هذا القدر بأن حكم السفر لا ينقطع بالعزم عليه؛ وإنما ينقطع السفر إذا عزم (١/ ق ٤٤ - أ) على إقامة أربعة أيام ليس منها يوم الدخول ولا يوم الخروج هذا في حال الأمن, فأما إذا أقام على حرب: فقد روى عمران بن حصين أن النبي ﷺ أقام بمكة عام الفتح ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين ويقول: "يا أهل البلد صلوا أربعًا فإنا سفرٌ" (٤) ووراء هذه الرواية روايات أخر، وجعل

стр. 240

الشافعي رواية عمران أولاها بالاتباع لسلامتها عن الاختلاف. الأصل [٩٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه؛ أن النبي ﷺ إذا عجل في السير جمع بين المغرب والعشاء (١). الشرح الحديث صحيح أخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣) في الكتابين من حديث سفيان بن عيينة، ورواه مالك (٤) عن نافع عن ابن عمر كذلك. وهو أصل في الجمع بين الصلاتين، وكان الجمع بينهما بتأخير المغرب إلى العشاء، فقد روى أنس عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا عجل في السير يؤخر الظهر إلى وقت العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق (٥) وفي هذِه اللفظة إشارة إلى أنه ينبغي للجامع أن يتوخى أول الصلاة الثانية، وروي عن ابن عمر أنه أسرع السير فسار حتى حانت صلاة المغرب فكلمه رجل من أصحابه فقال: الصلاة، وكلمه رجل من أصحابه فقال: الصلاة، فلم يرجع إليه، فكلمه آخر فلم يرجع إليه شيئًا، ثم كلمه آخر فقال:

стр. 241

رأيت رسول الله ﷺ إذا استعجل به السير أخر هذِه الصلاة حتى يجمع بين هاتين الصلاتين (١). وإذا كان المسافر نازلًا في وقت الأولى فالمستحب تقديم الثانية إليها، كذلك روي عن رسول الله ﷺ . الأصل [٩٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن الزهري قال: أخر عمر بن عبد العزيز الصلاة، فقال له عروة: إن رسول الله ﷺ قال: "نزل جبريل ﵇ فأمني فصليت معه، ثم نزل فأمني فصليت معه، ثم نزل فأمني فصليت معه، ثم نزل فأمني فصليت معه، حتى عدَّ الصلوات الخمس". فقال عمر بن عبد العزيز: اتق الله يا عروة وانظر ما تقول. فقال عروة: أخبرني به بشير بن أبي مسعود، عن أبيه عن النبي ﷺ (٢). الشرح بشير (١/ ق ٤٤ - ب) بن أبي مسعود الأنصاري المديني، يقال أنه ولد في حياة النبي ﷺ . سمع: أباه. وروى عنه: عروة بن الزبير (٣). وأبوه: أبو مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة الخزرجي الأنصاري ويعرف بالبدري، قيل: لأنه شهد بدرًا، وقيل: لأنه كان

стр. 242

يسكن بدرًا ولم يشهد الحرب، سكن الكوفة. وروى عنه: قيس بن أبي حازم، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وغيرهما. مات في خلافة علي ﵁ (١). وروى الحديث القعنبي عن مالك عن ابن شهاب وقال: إن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يومًا فدخل عليه عروة بن الزبير فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يومًا وهو بالكوفة فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري وقال: ما هذا يا مغيرة أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلى، فصلى رسول الله ﷺ ، ثم صلى فصلى رسول الله ﷺ ، ثم قال: "بهذا أمرت" وهو مخرج في "الصحيحين" (٢) من رواية مالك، ويشبه أن يكون هو مختصر حديث ابن عباس الذي يذكره على الأثر. وفيه أنهم كانوا يعجلون الصلاة ويستبعدون تأخيرها. وقوله: "اتق [الله] (٣) يا عروة وانظر ما تقول" لا يحمل مثله على الاتهام، ولكن المقصود الاحتياط والاستثبات ليتذكر الراوي ويتجنب ما عساه يعرض من نسيان وغلط. الأصل [١٠٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عمرو بن أبي سلمة، عن عبد العزيز بن محمَّد، عن عَبْد الرَّحْمَنِ بْنُ الحَارِثِ المخزومي، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ؛ أنَّ رَسُول اللهِ ﷺ قال: "أَمَّنِي

стр. 243

جِبْرِيلُ عِنْدَ باب البَيْتِ مَرَّتَيْنِ فَصَلَّى بِي الظُّهْرَ حِينَ كانَ الفيء مثل الشِّرَاكِ ثم صَلَّى العَصْرَ حِينَ كَانَ كل شيء بقدر ظله، وَصَلَّى المَغْرِبَ -حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ ثم صَلَّى العِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ثم صَلَّى الصبحَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِم، ثم صَلَّى المرة الأخيرة الظهر حين كان كل شيء بقدر ظله قدر العصر بالأمس، ثم صلَّى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم صلى المغرب للقدر الأول لم يؤخرها، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفر، ثُمَّ التَفَتَ إِلَي فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ هذا وَقْتُ الأنبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ وَالْوَقْتُ فيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ". قال الشافعي: بهذا نأخذ، وهذه المواقيت في (١/ ق ٤٥ - أ) الحضر (١). الشرح عبد الرحمن: هو ابن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أبو الحارث القرشي المخزومي. حدّث عن: حكيم بن حكيم، وعمرو بن شعيب، وزيد بن علي. وسمع منه: الثوري، وعبد العزيز بن محمَّد الدراوردي. مات سنة ثلاث وأربعين ومائة (٢). وحكيم: هو ابن حكيم بن عباد بن حنيف الأنصاري أخو عثمان بن حكيم.

стр. 244

روى عن: نافع بن جبير، وأبي أمامة بن سهل. وروى عنه: سهيل بن أبي صالح، وغيره (١). ونافع: هو ابن جبير بن أبي مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي المديني أبو محمَّد. سمع: ابن عباس، وأبا هريرة، وعائشة، وجرير بن عبد الله. وروى عنه: عروة بن الزبير، ومحمد بن سوقة، وعمرو بن دينار، وعقبة بن مسلم. توفي في خلافة سليمان بن عبد الملك (٢). والحديث ثابت مشهور: رواه الحميدي عن عبد العزيز بن محمَّد الدراوردي كذلك، ورواه سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن الحارث، وأخرجه أبو داود (٣) من حديث الثوري. وقصة إمامة جبريل رواها جابر بن عبد الله (٤)، وأبو هريرة، وأبو

стр. 245

سعيد، وغيرهم أيضًا. وقوله: "عند باب البيت" قد يستشهد به لاستحباب أداء الفرائض خارج البيت. وقوله: "حين كان الفيء مثل الشراك" في بعض الروايات يذكر: "حين زالت الشمس" والمقصود أن الظل في حالة الاستواء في غاية النقصان ويختلف قدره بالفصول والبلدان، وهي المشهور أن الشمس إذا استوت فوق الكعبة في أطول يوم من السنة لم ير لشيء من جوانبها ظل، فإذا ظهر الفيء قليلًا في جانب الشرق وإن كان قدر الشراك فقد زالت الشمس. وقوله: "ثم صلى العصر حين كان كل شيء بقدر ظله" يعني: سوى ما يبقى حالة الاستواء، واللفظة من المقلوب، المعنى: حين كان ظل كل شيء بقدره، وذكر في المرة الثانية: أنه صلى الظهر حين كان كل شيء بقدر ظله قدر العصر بالأمس، أي: وقت العصر، وقد يوهم هذا اشتراك الصلاتين في بعض الوقت؛ لكن أوَّله الشافعي على أنه ابتدأ بالعصر في اليوم الأول حين كان ظل الشيء مثله، وفرغ من الظهر في اليوم الثاني حين كان ظل الشيء مثله، ودليل هذا التأويل: ما روي عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "ووقت الظهر ما لم يدخل وقت العصر" (١). وقوله: "ثم صلى العصر حين (٨/ ق ٤٥ - ب) كان ظل كل شيء مثليه" مع قوله آخرًا: "والوقت فيما بين هذين الوقتين" يقتضي انتهاء

стр. 246

وقت العصر بمصير الظل مثليه، وقد ذهب إليه بعض أصحابنا، لكن الظاهر امتداده إلى غروب الشمس؛ لقوله ﷺ : "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" (١). وخبر ابن عباس محمول على أن الاختيار: أن لا يؤخّر العصر عن مصير الظل مثليه. وقوله: "ثم صلى المغرب للقدر الأول لم يؤخرها" أي للوقت الأول، واحتج به الشافعي على أنه ليس للمغرب إلا وقت واحد؛ لأن إتيان جبريل ﵇ وإقامته في اليومين كان لبيان مواقيت الصلاة، يوضحه ما في رواية جابر: أن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ يعلمه الصلاة فجاءه حين زالت الشمس ... وساق الحديث (٢)، فلو كان له وقت آخر لبيّنه كما بيَّن في سائر الصلوات، وهذا قوله الأظهر، وله قول آخر: أنه يمتد إلى غروب الشفق واختاره طائفة من الأصحاب، وورد في "الصحيح" (٣) أحاديث تصرح به، وذكر جماعة من الحفاظ أنه آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، وأن إمامة جبريل كانت بمكة، ألا تراه يقول: "عند باب البيت". والشفق: الحمرة، وبه قال عمر، وابن عمر، وابن عباس، وعبادة بن الصامت ﵃. وقوله: "ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل" ثلث الليل لصلاة العشاء كمصير الظل مثليه لصلاة العصر، وكذا للإسفار لصلاة الصبح.

стр. 247

وفي الحديث تقديم صلاة الظهر على سائر الصلوات، يقال لها لذلك: الصلاة الأولى. وقوله: "هذا وقت الأنبياء قبلك" يمكن حمله على ما روي من نسبة كل صلاة من الصلوات الخمس إلى نبي من الأنبياء، فعن عائشة أنه ﷺ سئل عن هذِه الصلوات فقال: "هذِه مواريث آبائي وإخواني: أما صلاة الهاجرة فتاب الله على داود حين زالت الشمس فصلى لله تعالى أربع ركعات فجعلها الله لي ولأمتي تمحيصًا ودرجات، ونسب صلاة العصر إلى سليمان، والمغرب إلى يعقوب، وصلاة العشاء إلى يونس، وصلاة الفجر إلى آدم" (١) فكأن المعنى أن كل واحد منهم صلى الصلاة المنسوبة إليه في الوقت الذي بينه. وقوله: "والوقت فيما بين هذين الوقتين" أي: وقت كل واحدة (١/ ق ٤٦ - أ) من هذِه الصلوات يمتد من الوقت الذي صليت فيه المرة الأولى إلى الوقت الذي صليت فيه المرة الثانية. وقول الشافعي: "وبهذا نأخذ" هو قوله الجديد؛ فأما قوله القديم: وهو امتداد وقت المغرب إلى غيبوبة الشفق فإنه يخالف قضية الحديث. وقوله: "وهذِه المواقيت في الحضر" يريد غالب الحال وهو ما إذا لم يوجد سبب يرخص في الجمع ونقل الصلاة من وقتها الأصل ي إلى وقت أختها. الأصل [١٠١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا

стр. 248

اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم"، وقال: "اشتكت النار إلى ربها فقالت: ربي أكل بعضي بعضًا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر من حرها، وأشد ما تجدون من البرد من زمهريرها" (١). [١٠٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحرّ من فيح جهنم" (٢). [١٠٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا الثقة، عن ليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثله (٣). الشرح الليث بن سعد بن عبد الرحمن أبو الحارث الفهمي، مولاهم المصري من الأئمة المشهورين. سمع: الزهري، وسعيد المقبري، ويحيى بن سعيد. وروى عنه: أحمد بن يونس، وأبو الوليد الطيالسي، وقتيبة بن سعيد، والخلق. ويقال: إن الشافعي كان يشق عليه أن ليثًا فاته. توفي سنة اثنتين وسبعين ومائة، وقيل: سنة خمس (٤).

стр. 249

والحديث الأول صحيح أخرجه البخاري (١) عن علي بن عبد الله عن سفيان، وكذا الثاني (٢) وهو مدون في "الموطأ" (٣)، وكذا الثالث أخرجه مسلم (٤) والترمذي (٥) عن قتيبة عن الليث. وفي الباب عن أبي سعيد، وأبي ذر، وابن عمر، وأبي موسى، وأنس ﵃. وقوله: "أبردوا بالصلاة" أي: أخروها عن وقت الهاجرة إلى أن ينكسر وهج الحرّ، يقال: أبرد بالشيء إذا أتى به في برد النهار، وأبردت كذا إذا فعلته حينئذ. وقوله: "من فيح جهنم" أي: من قوّة حرها وانتشاره، وأصل الكلمة: السعة والانتشار، ومنه قولهم: مكان (١/ ق ٤٦ - ب) أفيح وامرأة فيحاء أي: واسعة، ويروى "من فوح جهنم" وهما بمعنى، وفوح الطيب: سطوع ريحه وانتشارها، والزمهرير: أشد البرد. والحديث في الإبراد وإن كان مطلقًا فهو محمول عند الشافعي على البلاد التي لها حرٌّ مؤذٍ كالحجاز، ومخصوص بإمام المسجد الذي ينتابه الناس من بعد، فأما من يصلي في بيته منفردًا أو في جماعة بفناء بيته لا يحضرها إلا من بحضرته فيصلي في أول الوقت، وفيه قول أو وجه: "أنه يؤخذ بإطلاقه" واحتج أبو عيسى الترمذي له بما روى أبو ذر أن النبي ﷺ كان في سفر ومعه بلال فأراد أن يقيم، فقال ﷺ : "أبرد", ثم أراد أن يقيم، فقال: "أبرد" (٦). وكان القوم مجتمعين في السفر عنده

стр. 250

لا ينتابون من بُعد، ثم الإبراد في موضعه محبوب، وقيل: هو رخصة والتعجيل أفضل. قال الشافعي: ولا يبلغ بتأخيرها آخر وقتها ويصليهما معًا يعني: الظهر والعصر (١)، وذكر الأصحاب أنه لا ينبغي أن يؤخرها عن النصف الأول من الوقت، وفي الخبر إشارة إلى أن في غير حالة الاشتداد ينبغي أن لا تؤخر الصلاة. الأصل [١٠٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي؛ أن مالكًا أخبره عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار [و] (٢) عن بسر بن سعيد وعن الأعرج، يحدثونه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" (٣). الشرح بسر بن سعيد من أهل المدينة يقال له: الحضرمي، وأيضًا مولى ابن الحضرمي، وكان من المتعبدين. سمع: أبا هريرة، وأبا جهيم، والزيدين ابن ثابت وابن خالد، وسعد بن أبي وقاص، وأبا سعيد الخدري. وروى عنه: أبو سلمة، وزيد بن أسلم، وسالم أبو النضر، وبكير بن الأشج.
следующие страницы →