← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123510

شرح مسند الشافعي

الرافعي

Полный текст (1 876 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقت العصر بمصير الظل مثليه، وقد ذهب إليه بعض أصحابنا، لكن الظاهر امتداده إلى غروب الشمس؛ لقوله ﷺ : "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" (١). وخبر ابن عباس محمول على أن الاختيار: أن لا يؤخّر العصر عن مصير الظل مثليه. وقوله: "ثم صلى المغرب للقدر الأول لم يؤخرها" أي للوقت الأول، واحتج به الشافعي على أنه ليس للمغرب إلا وقت واحد؛ لأن إتيان جبريل ﵇ وإقامته في اليومين كان لبيان مواقيت الصلاة، يوضحه ما في رواية جابر: أن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ يعلمه الصلاة فجاءه حين زالت الشمس ... وساق الحديث (٢)، فلو كان له وقت آخر لبيّنه كما بيَّن في سائر الصلوات، وهذا قوله الأظهر، وله قول آخر: أنه يمتد إلى غروب الشفق واختاره طائفة من الأصحاب، وورد في "الصحيح" (٣) أحاديث تصرح به، وذكر جماعة من الحفاظ أنه آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، وأن إمامة جبريل كانت بمكة، ألا تراه يقول: "عند باب البيت". والشفق: الحمرة، وبه قال عمر، وابن عمر، وابن عباس، وعبادة بن الصامت ﵃. وقوله: "ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل" ثلث الليل لصلاة العشاء كمصير الظل مثليه لصلاة العصر، وكذا للإسفار لصلاة الصبح.

стр. 247

وفي الحديث تقديم صلاة الظهر على سائر الصلوات، يقال لها لذلك: الصلاة الأولى. وقوله: "هذا وقت الأنبياء قبلك" يمكن حمله على ما روي من نسبة كل صلاة من الصلوات الخمس إلى نبي من الأنبياء، فعن عائشة أنه ﷺ سئل عن هذِه الصلوات فقال: "هذِه مواريث آبائي وإخواني: أما صلاة الهاجرة فتاب الله على داود حين زالت الشمس فصلى لله تعالى أربع ركعات فجعلها الله لي ولأمتي تمحيصًا ودرجات، ونسب صلاة العصر إلى سليمان، والمغرب إلى يعقوب، وصلاة العشاء إلى يونس، وصلاة الفجر إلى آدم" (١) فكأن المعنى أن كل واحد منهم صلى الصلاة المنسوبة إليه في الوقت الذي بينه. وقوله: "والوقت فيما بين هذين الوقتين" أي: وقت كل واحدة (١/ ق ٤٦ - أ) من هذِه الصلوات يمتد من الوقت الذي صليت فيه المرة الأولى إلى الوقت الذي صليت فيه المرة الثانية. وقول الشافعي: "وبهذا نأخذ" هو قوله الجديد؛ فأما قوله القديم: وهو امتداد وقت المغرب إلى غيبوبة الشفق فإنه يخالف قضية الحديث. وقوله: "وهذِه المواقيت في الحضر" يريد غالب الحال وهو ما إذا لم يوجد سبب يرخص في الجمع ونقل الصلاة من وقتها الأصل ي إلى وقت أختها. الأصل [١٠١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا

стр. 248

اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم"، وقال: "اشتكت النار إلى ربها فقالت: ربي أكل بعضي بعضًا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر من حرها، وأشد ما تجدون من البرد من زمهريرها" (١). [١٠٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحرّ من فيح جهنم" (٢). [١٠٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا الثقة، عن ليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثله (٣). الشرح الليث بن سعد بن عبد الرحمن أبو الحارث الفهمي، مولاهم المصري من الأئمة المشهورين. سمع: الزهري، وسعيد المقبري، ويحيى بن سعيد. وروى عنه: أحمد بن يونس، وأبو الوليد الطيالسي، وقتيبة بن سعيد، والخلق. ويقال: إن الشافعي كان يشق عليه أن ليثًا فاته. توفي سنة اثنتين وسبعين ومائة، وقيل: سنة خمس (٤).

стр. 249

والحديث الأول صحيح أخرجه البخاري (١) عن علي بن عبد الله عن سفيان، وكذا الثاني (٢) وهو مدون في "الموطأ" (٣)، وكذا الثالث أخرجه مسلم (٤) والترمذي (٥) عن قتيبة عن الليث. وفي الباب عن أبي سعيد، وأبي ذر، وابن عمر، وأبي موسى، وأنس ﵃. وقوله: "أبردوا بالصلاة" أي: أخروها عن وقت الهاجرة إلى أن ينكسر وهج الحرّ، يقال: أبرد بالشيء إذا أتى به في برد النهار، وأبردت كذا إذا فعلته حينئذ. وقوله: "من فيح جهنم" أي: من قوّة حرها وانتشاره، وأصل الكلمة: السعة والانتشار، ومنه قولهم: مكان (١/ ق ٤٦ - ب) أفيح وامرأة فيحاء أي: واسعة، ويروى "من فوح جهنم" وهما بمعنى، وفوح الطيب: سطوع ريحه وانتشارها، والزمهرير: أشد البرد. والحديث في الإبراد وإن كان مطلقًا فهو محمول عند الشافعي على البلاد التي لها حرٌّ مؤذٍ كالحجاز، ومخصوص بإمام المسجد الذي ينتابه الناس من بعد، فأما من يصلي في بيته منفردًا أو في جماعة بفناء بيته لا يحضرها إلا من بحضرته فيصلي في أول الوقت، وفيه قول أو وجه: "أنه يؤخذ بإطلاقه" واحتج أبو عيسى الترمذي له بما روى أبو ذر أن النبي ﷺ كان في سفر ومعه بلال فأراد أن يقيم، فقال ﷺ : "أبرد", ثم أراد أن يقيم، فقال: "أبرد" (٦). وكان القوم مجتمعين في السفر عنده

стр. 250

لا ينتابون من بُعد، ثم الإبراد في موضعه محبوب، وقيل: هو رخصة والتعجيل أفضل. قال الشافعي: ولا يبلغ بتأخيرها آخر وقتها ويصليهما معًا يعني: الظهر والعصر (١)، وذكر الأصحاب أنه لا ينبغي أن يؤخرها عن النصف الأول من الوقت، وفي الخبر إشارة إلى أن في غير حالة الاشتداد ينبغي أن لا تؤخر الصلاة. الأصل [١٠٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي؛ أن مالكًا أخبره عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار [و] (٢) عن بسر بن سعيد وعن الأعرج، يحدثونه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" (٣). الشرح بسر بن سعيد من أهل المدينة يقال له: الحضرمي، وأيضًا مولى ابن الحضرمي، وكان من المتعبدين. سمع: أبا هريرة، وأبا جهيم، والزيدين ابن ثابت وابن خالد، وسعد بن أبي وقاص، وأبا سعيد الخدري. وروى عنه: أبو سلمة، وزيد بن أسلم، وسالم أبو النضر، وبكير بن الأشج.

стр. 251

مات سنة مائة (١). والحديث صحيح بالاتفاق: أخرجه البخاري (٢) عن القعنبي، ومسلم (٣) عن يحيى بن يحيى بروايتهما عن مالك، وفي "الصحيحين" (٤) أيضًا من رواية مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة". واحتج الشافعي بما رواه على أن وقت العصر يبقى إلى غروب الشمس، واحتج به أيضًا (١/ ق ٤٧ - أ) على أن من صلى في الوقت ركعة والباقي خارج الوقت تكون صلاته جائزة مؤداة، وعلى أن المعذور إذا زال عذره وقد بقي من الوقت قدر ركعة كما إذا أفاق المجنون أو بلغ الصبي تلزمه تلك الصلاة، وعلى أن من طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح لا تبطل صلاته، خلافًا لقول بعضهم، وفي الجمع بين هذِه الاحتجاجات توقف. الأصل [١٠٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي قال: وإنما أحببت تقديم العصر لأن محمَّد بن إسماعيل أبنا، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يصلي العصر والشمس بيضاء حية، ثم يذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيها والشمس مرتفعة (٥).

стр. 252

الشرح الحديث صحيح: أخرجه البخاري (١) عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري. وقوله: "حية" أي: باقية الحرارة واللون لم يذهب حرّها ولم يتغير لونها ولم يصفر، وعبر عن حرها ونورها بالحياة؛ لأن كمالها بهما، والعالية كل ما كان من جهة نجد من المدينة من قراها، وما كان من قراها من جهة تهامة فيقال لها: السافلة، وأدنى العوالي على ثلاثة أميال من المدينة، وقيل: على أربعة، وأبعدها على ثمانية. وفيه دلالة ظاهرة على تقديمه العصر، وفي "الصحيحين" (٢) من رواية مالك عن ابن شهاب عن أنس قال: "كنا نصلي العصر ثم يذهب الذاهب إلى قباء فيأتيها والشمس مرتفعة" وفي "الصحيحين" (٣) أيضًا عن أبي النجاشي عن رافع بن خديج قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ صلاة العصر ثم ننحر الجزور فنقسم عشرة أقسام ثم نطبخ فنأكل اللحم نضيجًا قبل أن تغرب الشمس. وبالجملة ففي الأحاديث الدالة على استحباب تعجيل صلاة العصر كثرة، وإليه ذهب كثير من علماء الصحابة والتابعين. الأصل [١٠٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن أبي فديك، عن ابن

стр. 253

أبي ذئب عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن نوفل بن معاوية الديلي قال: قال رسول الله ﷺ : "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" (١). الشرح أبو بكر: هو ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي القرشي، يقال: اسمه (١/ ق ٤٧ - ب) أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن، وكان يقال له: واهب قريش لكثرة صلاته. سمع: أبا مسعود، وأبا هريرة، وعائشة، وأم سلمة. وروى عنه: ابنه عبد الملك، والزهري، وعمر بن عبد العزيز. مات سنة أربع وتسعين (٢). ونوفل: هو ابن معاوية بن عمرو بن صخر بن يعمر بن نفاثة بن عدي بن الديل الديلي، ويقال: ابن معاوية بن عمرو من أصحاب النبي ﷺ ، يعدُّ في أهل الحجاز. روى عنه: أبو بكر بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن مطيع، وعراك بن مالك. مات بالمدينة زمن يزيد بن معاوية وكان قد بلغ المائة (٣). والحديث صحيح مخرج في "الصحيحين" (٤) من رواية مالك عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : رواه البخاري عن عبد الله بن

стр. 254

يوسف، ومسلم عن يحيى بن يحيى بروايتهما عن مالك، ورواه جماعة عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ (١)؛ وأما من رواية نوفل فرواه أصحاب ابن أبي ذئب كما ذكرنا، ومنهم من رواه عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن مطيع عن النبي ﷺ (٢)، ومنهم من رواه عن يزيد بن أبي حبيب عن عراك بن مالك عن نوفل (٣). وقوله: "فكأنما وتر ماله" أي: نقص، ووتر ونقص يعديان إلى مفعولين، يقال: وتره حقه أي: نقصه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (٤) والموتور: الذي قتل حميمه وأخذ ماله فلم يدرك بثأره، يقال منه أيضًا: وتره يتره وترًا، والمضبوط في الرواية: أهلَه ومالَه" بنصب اللامين، ولو رفع اللامان لكان صحيحًا، والأشهر من معنى الحديث نقص من فاته أهله وماله فبقي وترًا، وقيل: إنه من الوتر بالمعنى الثاني شبه ما يلحقه بما يلحق الموتور من قتل حميمه وأخذ ماله، وتخصيص صلاة العصر بالذكر يبين زيادة فضلها، وفي بعض الروايات "الذي تفوته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله". الأصل [١٠٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، عن محمَّد بن عمرو بن علقمة، عن أبي نعيم، عن جابر قال: كنا نصلي

стр. 255

المغرب مع النبي ﷺ ، ثم نخرج نتناضل حتى ندخل بيوت بني سلمة ننظر إلى مواضع النبل من الإسفار (١). [١٠٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوءمة، عن زيد بن خالد الجهني قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ المغرب، ثم ننصرف فنأتي السوق، ولو رمي بنبلٍ لرئي مواقعها (٢). [١٠٩] أخبرنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب (١/ ق ٤٨ - أ) عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن القعقاع بن حكيم قال: دخلنا على جابر بن عبد الله، قال جابر: كنا نصلي مع النبي ﷺ ثم ننصرف فنأتي بني سلمة فنبصر مواقع النبل (٣). الشرح محمَّد: هو ابن عمرو بن علقمة بن وقاص، أبو الحسن الليثي المديني. سمع: أباه، وأبا سلمة بن عبد الرحمن. وروى عنه: مالك، والثوري (٤). وأبو نعيم: هو وهب بن كيسان مولى عبد الله بن الزبير بن العوام. سمع: جابر بن عبد الله، وعمر بن أبي سلمة، ومحمد بن عمرو بن عطاء.

стр. 256

وروى عنه: هشام بن عروة، ومالك، ومحمد بن عمرو بن حلحلة (١). وصالح: هو ابن أبي صالح نبهان مولى التوءمة بنت أمية القرشي المديني. سمع: أبا هريرة، وزيد بن خالد، وابن عباس. وسمع منه: ابن أبي ذئب، والثوري، وزياد بن سعد (٢). وزيد: هو ابن خالد أبو طلحة أو أبو عبد الرحمن الجهني. سمع: النبي ﷺ ، وعثمان بن عفان، وأبا طلحة الأنصاري. وروى عنه: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعطاء بن يسار، وبسر بن سعيد، وغيرهم. مات سنة ثمان وسبعين (٣). ومعنى الحديث مخرج في "الصحيحين" (٤) من رواية رافع بن خديج. والتناضل: الترامي، وبنو سلمة -بكسر اللام- وهي جابر بن عبد الله الأنصاري وهو سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن يزيد بن جشم بن الخزرج، والنبل: السهام وهي مؤنثة ولذلك قال: "لرئي مواقعها" ويقال: أسفر الصبح أي: أضاء، وأسفر وجهه أي: أشرق،

стр. 257

وأسفر فلان بالصلاة. واحتج الشافعي بهذِه الأخبار على استحباب تعجيل صلاة المغرب، فإنهم كانوا يفرغون منها وقد بقي من ضوء النهار ما يدرك فيه مواقع النبل على صغرها. وقوله: "ننظر إلى مواقع النبل" يجوز أن يريد المواضع التي أصابتها النبل، ويجوز أن يريد المواضع التي يبغي الرامي إصابتها، وبين موقف الرامي وبينها مسافة لا يتأتى إدراكها إلا وقد بقي ضوء كثير. وفيه أنهم كانوا يتناضلون، وأنهم كانوا يتناضلون في الطرق ولا يمنعون منه مع احتمال أن يصيب السهم بعض المارة، وأنهم كانوا يتناضلون ليلًا، وأنهم كانوا يتناضلون مارّين فإنه قال: ثم نخرج نتناضل حتى نأتي بيوت بني سلِمة، وأن الإسفار (٧/ ق ٤٨ - ب) يستعمل في آخر النهار كما يستعمل في أوله. الأصل [١١٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي لبيد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، هي العشاء إلا أنهم يعتمون بالإبل" (١). الشرح ابن أبي لبيد: هو عبد الله بن أبي لبيد المديني، يقال: إنه كان من عباد أهل المدينة، وأنه كان يرى القدر.

стр. 258

روى عنه: السفيانان (١). والحديث صحيح أخرجه مسلم (٢) عن زهير بن حرب وغيره، عن سفيان. وعتمتُ بالإبل: أخرت حلابها أو المجيء بها إلى ظلمة الليل، والعتمة: ظلمة الليل، وأَعْتَمَ الرجل: دخل في الظلمة، ويقال أيضًا: عَتَم قِراه، أي: آخره، وعتمت الحاجة وأعتمت: تأخرت، وما عتم فلان إن فعل كذا، أي: ما لبث، وكانوا يسمون العشاء العتمة لتأخرها، فمنع النبي ﷺ من تسميتها عتمة وأمر بأن تسمى العشاء كما ورد به القرآن، وقال الأزهري: كان أرباب الإبل في البادية يُريحون الإبل ثم [ينيخونها] (٣) حتى يُعتموا أي: يدخلوا في العتمة (٤). وكأن معنى الحديث: لا يغرنكم فعلهم هذا وتسميتهم هذه الصلاة عتمة حتى يؤخروها, ولكن صلُّوها إذا حان وقتها، ويدل على ما ذكره أن الشافعي أورد الحديث في باب وقت العشاء. الأصل [١١١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليصلي الصبح فتنصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس (٥).

стр. 259

الشرح عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة. سمعت: عائشة. وروى عنها: الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وغيرهما (١). والحديث صحيح: أخرجاه في "الكتابين" (٢) من رواية مالك، وكذلك أخرجه أبو داود (٣) عن القعنبي عن مالك، ورواه عروة والقاسم بن محمَّد كما روته عمرة عن عائشة، وفي الباب عن أنس بن مالك، وسهل بن سعد، وزيد بن ثابت، وأم سلمة. والتلفع بالثوب: الاشتمال به، وقيل: الالتحاف مع تغطية الرأس وروى اللفظة بعض رواة "الموطأ": "متلففات" بفاءين، والمرط: كساء من صوف أو خزٍّ أو كتان، عن الخليل، ويقال: هو الإزار، ويقال (١/ ق ٤٩ - أ) درع المرأة (٤)، والغلس: ظلمة آخر الليل، وقيل: اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل. وفي الحديث أن النسوة كن يحضرن المسجد للصلاة في وقت الظلام، وأنهن كن يحتجبن ويسرعن الانصراف لئلا يعرفن فلا يختلطن بالرجال إذا خرجوا، وأن النبي ﷺ كان يفرغ من صلاة الصبح مغلسًا وهو المقصود في هذا الموضع، وما روي أنه ﷺ قال: "أسفروا بالفجر" (٥) حمله حاملون على الليالي المقمرة، فإن الصبح لا يبين فيها فأمر بالاحتياط.

стр. 260

الأصل [١١٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه؛ أن رسول الله ﷺ صلى المغرب والعشاء بمزدلفة جميعًا (١) (٢). [١١٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة أن معاذ بن جبل أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ عام تبوك، فكان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال: فأخر الصلاة يومًا، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا (٣). [١١٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي (ذئب) (٤) الأسدي قال: خرجنا مع ابن عمر إلى الحمى فغربت الشمس، فهبنا أن نقول: انزل فصل، فلما ذهب بياض الأفق وفحمة العشاء نزل فصلى ثلاثًا (ثم سلم فصلى ركعتين) (٥) ثم سلم، ثم التفت إلينا فقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل (٦).

стр. 261

الشرح أبو الطفيل عامر بن واثلة -ويقال: عمرو بن واثلة- بن عبد الله بن عمرو بن جحش الليثي المكي، رأى النبي ﷺ في حجة الوداع ووصفه، ويقال: إنه آخر من مات ممن رآه. وروى عن: معاذ بن جبل، وابن عباس، وحذيفة بن اليمان. وروى عنه: الزهري، وأبو الزبير، والوليد بن جميع. وكان يسكن الكوفة ثم تحول إلى مكة فأقام بها إلى أن مات (١). ومعاذ بن جبل من علماء أصحاب النبي ﷺ شهد بدرًا والعقبة: وهو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي (١/ ق ٤٩ - ب) أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله، نزل الشام وتوفي بها سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة عام الطاعون (٢). وابن أبي نجيح أبو يسار عبد الله المكي، واسم أبي نجيح يسار. روى عنه: السفيانان، وابن علية، وهشام الدستوائي. وسمع: مجاهدًا، وطاوسًا، وعبد الله بن كثير، وأباه أبا نجيح. مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقيل: سنة اثنتين، وكان مولى آل الأخنس الثقفي (٣). وإسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي ذئب الأسدي حجازي (٤).

стр. 262

ورواه عن ابن عمر كما رواه إسماعيل: سالم بن عبد الله، وأسلم مولى عمر، وعبد الله بن دينار، ورواه جماعة عن نافع عن ابن عمر. وفحمة العشاء: سواده، يقال: فَحْمة وفحَمة، والصواب عند أبي عبيد: فتح الحاء دون التسكين. وهذِه الأحاديث ذكرها الشافعي في "الأم" (١) إثر بيان مواقيت الصلاة ليبين وقت المسافر إذا جمع، وترجم الباب بوقت الصلاة في السفر، وفيها دليل على الجمع بين الصلاتين في وقت إحديهما، وعلى أنه يجوز الجمع وإن كان المسافر نازلًا في المنزل؛ لأن في حديث معاذ "أنه دخل ثم خرج" يعني: الخيمة أو نحوها، وهذا إنما يكون في حال النزول، والروايات المذكورة للحديث الثالث أصح وأولى من رواية من روى عن نافع عن ابن عمر أنه قال لمؤذنه حين آذنه بالصلاة سرْ حتى إذا كان قبل غروب الشفق نزل فصلى المغرب، ثم انتظر حتى غاب الشفق فصلى العشاء، ثم قال: كان رسول الله ﷺ يصنع مثل الذي صنعت (٢) لأن الروايات الموافقة لما في الكتاب أكثر ورواتها أحفظ، وفيه أنه أخر الجمع عن أول وقت الصلاة الثانية لقوله: فلما ذهب بياض الأفق وفحمة العشاء نزل فصلى وأنهم كانوا يهابون الأكابر ويتركون الإنكار والاعتراض حملًا على أن عندهم ما لم يبلغهم. الأصل [١١٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا يحيى بن حسان، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ أمر أبا بكر ﵁ أن يصلي بالناس، فوجد النبي ﷺ خفة فجاء فقعد إلى جنب أبي بكر

стр. 263

(١/ ق٥٠ - أ) فأمَّ رسول الله ﷺ أبا بكر وهو قاعد، وأم أبو بكر الناس وهو قائم (١). [١١٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد الوهاب الثقفي، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: حدثني ابن أبي مليكة أن عبيد بن عمير الليثي حدثه أن رسول الله ﷺ أمر أبا بكر أن يصلي بالناس الصبح، وأن أبا بكر كبر فوجد النبي ﷺ بعض الخفّة، فقام يفرج الصفوف قال: وكان أبو بكر لا يلتفت إذا صلى، فلما سمع أبو بكر الحسّ من ورائه عرف أنه لا يتقدم إلى ذلك المقعد إلا رسول الله ﷺ ، فخنس وراء إلى الصف، فرده رسول الله ﷺ مكانه، فجلس رسول الله ﷺ وأبو بكر قائم، حتى إذا فرغ أبو بكر قال: أي رسول الله أراك أصبحت صالحًا وهذا يوم بنت خارجة، فرجع أبو بكر إلى أهله فمكث رسول الله ﷺ مكانه وجلس إلى جنب الحجرة يحذّر الفتن وقال: "إني والله لا يمسك الناس عليَّ بشيء إلا أني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه، ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه، يا فاطمة بنت رسول الله، يا صفية عمة رسول الله اعملا لما عند الله، فإني لا أغني عنكما من الله شيئًا" (٢).

стр. 264

الشرح حماد: هو ابن سلمة بن دينار أبو سلمة الربعي البصري مولى ربيعة بن مالك بن حنظلة، ويقال: مولى قريش، وهو ابن أخت حميد الطويل. سمع: ثابتًا البناني، وداود بن أبي هند، وأيوب، وهشام بن عروة. وروى عنه: يزيد بن هارون، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، ووكيع. مات سنة سبع وستين ومائة وهو ابن خمس وسبعين (١). وابن أبي مليكة: هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة التيمي المكي الأحول القاضي، أبو بكر أو أبو محمَّد. سمع: عائشة، وابن عمر، وابن عباس. ويقال: أدرك ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ فصاعدًا. وروى عنه: ابن جريج، والليث بن سعد، وغيرهما مات سنة سبع عشرة ومائة (٢). وعبيد: هو ابن عمير بن قتادة الليثي، أبو عبد الله أو أبو عاصم (١/ ق ٥٠ - ب) كان يقصُّ لأهل مكة ويحسن. سمع: عائشة، وأبا موسى، وأبا سعيد، وأبا هريرة.

стр. 265

وروى عنه: عطاء بن أبي رباح، وأبو الزبير، وعمرو بن دينار. ويقال: إنه مات قبل ابن عمر ﵁ (١). وقوله: "لا يتقدّم إلى ذلك المقعد" في بعض النسخ: "إلى ذلك المقام" وفي "الأم" (٢): "لا يتقدم ذلك المتقدم" ولما ذكر الشافعي وقت الصلاة في السفر عقبه بباب في صلاة المريض؛ لأن السفر والمرض يشتركان في كثير من الرخص. وقوله: "وأمَّ أبو بكر الناس وهو قائم" يعني: أن الناس كانوا يعتمدون أبا بكر في الانتقالات وهم مؤتمون بالنبي ﷺ ، إلا أن النبي ﷺ كان جالسًا ضعيف الصوت لا ينتهي إليه نظرهم ولا يسمعون صوته، فكان أبو بكر يُسمعهم تكبيره وكانت تلك الصلاة صلاة الظهر، كذلك رواه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة (٣). وفيه أنه تجوز الصلاة بإمام بعد إمام، وأنه يجوز لبعض المأمومين إعلام الباقين برفع الصوت بالتكبير، وأن الإِمام يقعد عند المرض والمأموم يقوم كما قام أبو بكر، وعدَّ هذا ناسخًا لما روي أنه ﷺ قال: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به ... " الحديث (٤)، فإن هذا كان في آخر الأمر؛ وأما صلاة الصبح المذكورة في الحديث الثاني فكان الإِمام فيها أبا بكر ﵁ والنبي ﷺ اقتدى به في الركعة الثانية وهي آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ .

стр. 266

وقوله: "فخنس" أي: تأخر، يقال: خنس يخنس، والمصدر: الخُنوس. وقوله: "حتى إذا فرغ أبو بكر" يشبه أن يريد من الصلاة، وفيه إشارة إلى أن أبا بكر كان يؤمُّ. وقوله: "أصبحت صالحًا" يريد الخفة وتمهد عذره في الانصراف من عنده. وقوله: "وهذا يوم بنت خارجة" بنت خارجة إحدى زوجتي أبي بكر ﵁ وكانت حاملًا وقت وفاته بابنته أم كلثوم، وفي قوله: "هذا يومها" إشارة إلى أن للنهار مدخلًا في القسم وإن كان الأصل الليل. وقوله: "يحذر الفتن" أي: ينهى عن السعي فيها ويرغب في التحرز، على ما اشتهر في الخبر: "ستكون فتنة يكون المضطجع فيها خيرًا من الجالس، والجالس خيرًا من (١/ ق ٥١ - أ) القائم، والقائم خيرًا من الماشي، والماشي خيرًا من الساعي" (١). وقوله: "لا يمسك الناس عليَّ بشيء" أي: لا يطالبونني ولا يوقفونني لشيء إذ لا مظلمة لأحد عندي، وقيل: أراد لا يمسكن الناس علي بشيء مما أبيح لي أو حرّم علي دونهم، وأشار إلى ما خص به من المباحات والمحرمات. وقوله: "لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه" كأنه يعني بالكتاب: الوحي والحكمة، وإلا ففي السنة ما لا يشتمل عليه القرآن، وهي متبعة كما أن الكتاب متبع، وفي قوله: "يا فاطمة بنت رسول الله، يا صفية عمة رسول الله" ما هو كالتنبيه علي منعهما من الاغترار بالنسب ومجرد القرابة.

стр. 267

وقوله: "اعملا لما عند الله" يعني: من الخير والثواب، وفي الحديث بيان أن أبا بكر كان يقصد في الصلاة قصد وجهه ولا يلتفت كما هو الأدب. والحديث الثاني مرسل، لكن روي طرف منه مسندًا عن عبيد، عن عائشة، ويشبه أن يكون الثاني كذلك. الأصل [١١٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا الثقة، عن يونس، عن الحسن، عن أمه قالت: رأيت أم سلمة زوج النبي ﷺ تسجد علي وسادة من أدم من رمد بها (١). الشرح يونس: هو ابن عبيد بن دينار العبدي القيسي البصري، مولي عبد القيس أبو عبد الله. سمع: الحسن البصري، وحميد بن هلال، وإبراهيم التيمي، وشعيب بن الحبحاب. وروى عنه: حماد بن زيد، وشعبة، والثوري، وعبد الوهاب الثقفي. مات سنة تسع وثلاثين ومائة (٢). وأم الحسن البصري مولاة لأم سلمة يقال لها: خيرة، وكانت ربما غابت فتضع أم سلمة ثديها في فم الحسن تعلله إلى مجيء [أمه] (٣)

стр. 268

ودر عليه ثديها، وعنيت حكمة الحسن وفصاحته من بركة ذلك (١). ويشبه أن يكون المراد من الثقة في الإسناد: عبد الوهاب الثقفي. وأورد الشافعي هذا الأثر في "باب صلاة المريض" وقال: من لم يقدر على السجود أومأ، ومن قدر على ما يقع عليه اسم السجود يلزمه أن يأتي به، ولا يجوز أن يرفع شيئًا إلى وجهه ويضع جبهته عليه؛ لأنه لا يقال له ساجد حتى يسجد بما هو لاصق بالأرض، قال: ولو سجد الصحيح على وسادة من أدم لاصق بالأرض كرهته ولم أر عليه أن يعيد، كما لو سجد على ربوة من الأرض أرفع من الموضع الذي يقوم عليه لا يعيد (٢). وقضية (١/ ق ٥١ - ب) هذا النص أن التنكس في السجود لا يجب، والمرجح في المذهب خلافه. الأصل [١١٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم، وكان رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت" (٣). [١١٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم أن رسول الله ﷺ قال: "إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا ... " (٤).

стр. 269

الشرح ابن أم مكتوم (١): هو عبد الله بن زائدة، وقيل: عبد الله بن عمرو، وقيل: عبد الله بن الأصم، ويقال: إن اسمه عمرو وهو عمرو بن قيس، وهو المراد في قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ (٢) وهو أول من قدم المدينة بعد مصعب بن عمير، وكان النبي ﷺ استخلفه على المدينة. والحديث صحيح: أخرجه البخاري (٣) عن القعنبي عن مالك مسندًا عن سالم عن أبيه، وكذلك رواه جماعة، ورواه الشافعي وآخرون مرسلًا من رواية مالك، وأخرجه مسلم (٤) عن قتيبة عن الليث عن ابن شهاب مسندًا، وأخرجه البخاري (٥) أيضًا من رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر، ومسلم (٦) من رواية نافع عنه. وفيه دلالة علي أن أذان الصبح يجوز تقديمه على دخول وقتها وعلى ذلك كانت سنة الحرمين، والحكمة فيه تنبيه النائم ليتأهب للصلاة بالغسل وغيره، وعلى أنه ينبغي أن يكون للمسجد مؤذنان يؤذن أحدهما قبل الصبح والآخر بعده، وفائدة الأذان الأول ما ذكرناه، وفائدة الثاني: معرفة دخول الوقت؛ وعلى أنه يجوز الاعتماد على أذان المؤذن فإنه جعل أذان ابن أم مكتوم غاية للأكل والشرب ومنع من التسحر بعده، وقد يفهم من قوله: "وكان رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت" أنه لا يجوز تقديم أذان الصبح بلا ضبط،

стр. 270

إذ لو جاز ذلك لكفى لاحتساب وقوعه في الليل، ولم يحتج إلى مراجعة غيره، فأما إذا كان التجويز مقصورًا علي آخر الليل فلابد من الإطلاع علي دخول وقته والأعمى لا يعرف ذلك، وقلما تجد من يعرفه حينئذ. الأصل [١٢٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج قال: أخبرني عبد العزيز بن (١/ ق ٥٢ - أ) عبد الملك بن أبي محذورة أن عبد الله بن محيريز أخبره وكان يتيمًا في حجر أبي محذورة حين جهزه إلى الشام، فقلت لأبي محذورة: أي عم إني خارج إلى الشام وإني أخشى أن أسأل عن تأذينك فأخبرني أبا محذورة. قال: نعم، خرجت في نفير -وفي بعض النسخ: فأخبرني أبو محذورة قال: خرجت في أمر- فكنا ببعض طريق حنين، فقفل رسول الله من حنين ولقينا رسول الله ﷺ في بعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله ﷺ بالصلاة عند رسول الله، فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون، فصرخنا نحكيه ونستهزيء به، فسمع النبي ﷺ فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه، قال رسول الله ﷺ : "أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع"؟ فأشار القوم كلهم إلي وصدقوا، فأرسل كلهم وحبسني، فقال: "قم فأذن بالصلاة". فقمت ولا شيء أكره إلي من النبي ﷺ ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله ﷺ فألقى علي رسول الله ﷺ التأذين هو بنفسه فقال: قل: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد

стр. 271

أن محمدًا رسول الله"، ثم قال لي: "ارجع فامدد من صوتك"، ثم قال: قل: "أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله، حيّ على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله"، ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صُرّة فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة، ثم أمرَّها على وجهه، ثم أمرَّ بين ثدييه، ثم على كبده، حتى بلغت يده سرة أبي محذورة وقال: "بارك الله لك وبارك عليك". فقلت: يا رسول الله مُرني بالتأذين بمكة. فقال: "قد أمرتك به"، وذهب كل شيء كان لرسول الله ﷺ من كراهية وعاد ذلك كله محبة للنبي ﷺ ، فقدمت على عتّاب بن أسيد عامل رسول الله ﷺ فأذَّنت بالصلاة عن أمر رسول الله ﷺ . قال ابن جريج: وأخبرني ذلك من أدركت من آل أبي محذورة (١/ ق ٥٢ - ب) على نحو ما أخبر ابن محيريز. قال الشافعي: وأدركت إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة يؤذن كما حكى ابن محيريز، وسمعته يحدث عن أبيه عن ابن محيريز عن أبي محذورة عن النبي ﷺ معنى ما حكى ابن جريج (١). الشرح عبد العزيز: هو ابن عبد الملك بن أبي محذورة القرشي المكي. سمع: عبد الله بن محيريز.

стр. 272

وروى عنه: ابن جريج، ومحمد بن سعيد (١). وعبد الله بن محيريز هو أبو محيريز الجمحي القرشي الشامي. سمع: أبا سعيد الخدري، وأبا محذورة. وسمع منه: الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، ومكحول، وابنه عبد الرحمن. ومات في أيام الوليد بن عبد الملك (٢). وأبو محذورة: قيل: اسمه أوس، وقال أكثرهم: سمرة بن معير بن لوذان بن سعد بن جمح القرشي المكي مؤذن المسجد الحرام. روى عنه: ابنه عبد الملك، وكان الأذان بمكة في آله وعقبه بعده، وفيهم جماعة من الرواة (٣). وعتاب (٤): هو ابن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، من أصحاب النبي ﷺ ، ولاه -حين شخص إلى حنين- الصلاة بأهل مكة، وهو الذي حج بالناس في تلك السنة وهي سنة ثمانٍ من الهجرة، ويقال: قبض النبي ﷺ وعتّاب عامل علي مكة. وإبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة: هو أبو إسماعيل المكي القرشي. سمع: جده عبد الملك.

стр. 273

وسمع منه: الحميدي، وعبد الله بن عبد الوهاب (١). والحديث صحيح: أخرجه مختصرًا مسلم (٢) وأبو داود (٣) والترمذي (٤)، وأخرجه ابن ماجه (٥) بتمامه عن محمَّد بن بشار ومحمد بن يحيى عن أبي عاصم، عن ابن جريج. وقوله: "في حجر أبي محذورة" في اللفظ لغتان: فتح الحاء وكسرها، والجمع: حجور، واللغتان جاريتان في الحجر بمعنى الحرام، وكون الصغير في حجر الإنسان إذا لم يكن بجهة الولاية قد يكون بالوصاية، وقد يكون بالإنابة من جهة الحاكم، وتسمية أبا محذورة عمًّا يمكن أن يكون لأنه كان في حجره، وأن يكون لأنهما جمحيان، وأن يكون لمجرد كبر السنن. وقوله: "فقفل" القفول: الرجوع من السفر، وقوله: "متنكبون" أي: متجنبون، وقوله: "فأرسل إلينا إلى أن وقفنا"، وقوله: "فأعطاني صرة فيها شيء من فضة" كأنه كان فيها مع الفضة شيء من (١/ ق ٥٣ - أ) خرز ونحوها، وإلا لأشبه أن يقول: فيها فضة. والحديث أصل في الترجيح وهو تكرير كلمتي الشهادة بعد الإتيان بهما مرتين مرتين، وفي أنه يرفع صوته إذا كرر علي ما قال: "ثم ارجع فامدد من صوتك" وفيه دليل على أن الأذان يشرع للمسافرين كما للحاضرين، ويشبه أن يكون أبو محذورة ومن معه حينئذ مسلمين في الظاهر وأن الإيمان لم يكن مستقرًّا في قلوبهم، أما أنهم كانوا مسلمين

стр. 274

في الظاهر: فلأنه أرسل إليهم محضرًا، ولأنه أمره بالأذان والكافر لا يؤمر بالأذان؛ وأما أنه لم يكن الإيمان مستقرًّا في قلوبهم: فلقوله: "ونحن متنكبون" ولقوله: "نحكيه ونستهزيء به" ولقوله: "ولا شيء أكره إلي من النبي ﷺ ولا مما يأمرني به". وقوله: "فسمع النبي ﷺ " أي: سمع الصوت الرفيع عند الصراخ، ولم يقف على حالهم في الحكاية والاستهزاء وإلّا لأدبهم وما خلّاهم. وقوله: "وحبسني" أي: أمرني بالتوقف لأؤذن ثم أمره بالتأذين، وإلقاء الأذان عليه يجوز أن يكون الغرض منه مجرد تعليمه ليقوم بالأذان للصلوات، وفيه دليل على أنه يختار للأذان من هو أرفع صوتًا، ويجوز أن يقال: أمره بالتأذين للصلاة الحاضرة، فقد يشعر به قوله ﷺ : "قم فأذن بالصلاة" وعلى هذا التقدير ففي الحديث دليل علي أنه يحسن الأذان بعد الأذان، إذا كان قد أذن مؤذن رسول الله ﷺ . وإعطاؤه وإمرار اليد علي مقاديم بدنه والدعاء له كان تلطفًا من النبي ﷺ واستمالة له، فأذهب الله ببركته الكراهية عن قلبه وحبب إليه التأذين حتى استدعى القيام به بمكة. الأصل [١٢١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد وغيره، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جابر ﵁ في حجة الإِسلام قال: فراح النبي ﷺ إلى الموقف بعرفة فخطب الناس الخطبة الأولى، ثم أذن بلال ثم أخذ النبي ﷺ في الخطبة الثانية ففرغ من الخطبة وبلال من الأذان، ثم أقام بلال فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر (١).

стр. 275

[١٢٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا محمَّد بن إسماعيل أو عبد الله ابن نافع، عن (١/ ق ٥٣ - ب) ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه. قال أبو العباس: يعني بذلك (١). الشرح حديث جابر صحيح، أخرجه مسلم (٢) وأبو داود (٣) وابن ماجه (٤) في كتبهم من رواية حاتم بن إسماعيل عن جعفر، وهو حديث طويل يشتمل على صفة حجة رسول الله ﷺ بتمامها، وكذلك في "المسند" عن جابر في حجة الإِسلام، وأورد الشافعي في هذا الموضع ما احتاج إليه منه، وذكر أن أبا عبد الرحمن النسائي أخرجه مفرقًا في قريب من ثلاثين موضعًا، ورواه عبد الوهاب الثقفي، وسليمان بن بلال عن جعفر عن أبيه عن النبي ﷺ مرسلًا. والحِجّة -بالكسر- المرة الواحدة، قال صاحب "الصحاح" وغيره: وهو شاذ والقياس: الفتح، كالقتلة والضربة (٥)، ويقال: إن الحجَّة -بالفتح- الاسم من الحج، وعلى هذا فقوله: "في حجَّةِ الإسْلام" يجوز فيه الفتح والكسر. وقوله: "فراح إلى الموقف" ينبغي أن نعرف أن الحديث اشتمل علي ذكر توجه النبي ﷺ يوم التروية من مكة إلى منى وإقامته بها إلى أن طلعت الشمس يوم عرفة، وفيه أنه سار بعد ذلك حتى نزل بنمرة في قبة ضربت له بها، ثم لما زاغت الشمس أتى بطن الوادي فخطب الناس ثم

стр. 276

ركب حتى أتى الموقف، وإذا عرف ذلك فقوله: "فراح إلى الموقف" يجوز أن يريد من نمرة إلى الموضع الذي خطب فيه وصلى وهو مسجد إبراهيم ﵇، وصدره من وادي عُرنة ومؤخره من عرفات، وليست عرنة من عرفات؛ ويجوز أن يريد أنه راح من منى على صوب عرفات لغرض الوقوف، ولا بأس بإطلاق الرواح علي هذا التقدير وإن كان ذلك المسير في صدر النهار، كما قال ﷺ في حديث الجمعة: "من راح في الساعة الأولى، ومن راح في الثانية" (١). وقوله: "إلى الموقف بعرفة" عرفة كلها موقف، ويشبه أن يكون المراد منه ومما في الرواية الأخرى: أنه ركب حتى أتى الموقف موقف رسول الله ﷺ من عرفات، وهو عند جبل الرحمة في وسط عرصةِ عرفات. وفي الحديث دليل على أنه يخطب الإِمام في هذا اليوم خطبتين، وعلى أن الأذان مؤخر عن الخطبة الأولى خلافًا لما قال أبو حنيفة: أنه يقدم عليها كما في الجمعة، وعلى (١/ ق ٥٤ - أ) أن الفراغ من الخطبة ينبغي أن يكون مع الفراغ من الأذان وبه قال أكثر الأصحاب، خلافًا لما قال بعضهم: أنه يفرغ من الخطبة مع فراغ المؤذن من الإقامة، وقد يشعر لفظ الحديث بتوسيط الأذان بين الخطبتين؛ لأنه قال: "ثم أذن بلال ثم أخذ النبي ﷺ في الخطبة الثانية" لكن المشهور والمذكور في المذهب: أنه يأخذ الإِمام في الخطبة الثانية والمؤذن في الأذان وحملوا "ثم" في قوله: "ثم أخذ" على الواو. وقوله: "ففرغ من الخطبة وبلال من الأذان" على أن الفراغين وقعا

стр. 277

معًا، واحتج الشافعي بالحديث على أن من جمع بين الصلاتين في وقت الأولى منهما يؤذن للأولى ويقيم ولا يؤذن للثانية، بل يقتصر على الإقامة؛ لأنه ذكر الأذان والإقامة للظهر ولم يذكر للعصر إلا الإقامة، وهذا ظاهر المذهب وعن بعض الأصحاب وجه: أنه يؤذن لكل واحدة منهما. وأما الحديث الثاني: فقد ذكر الأئمة أن الجمع بين الظهر والعصر بعرفات ليس من حديث ابن أبي ذئب عن ابن شهاب، لكن حديثه: ما رواه المزني، عن الشافعي، عن عبد الله بن نافع، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه؛ أن رسول الله ﷺ صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعًا لم يناد في واحدة منهما إلا بإقامة (١). وكذلك رواه ابن وهب، ووكيع، ويزيد بن هارون، وآدم بن أبي إياس، عن ابن أبي ذئب، ومن رواية آدم أخرجه البخاري في "الصحيح" (٢) وأراد الشافعي في "الأم" أن يروي هذا الحديث ثم قطعه وكذلك أورد أبو العباس. وقوله: "يعني بذلك" إن أراد أنه روي بهذِه الرواية مثل حديث جابر فهو غير مساعد عليه، ويمكن أن ينزل على القدر المشترك بين الحديثين وهو أنه لم يؤذن لما بعد الأولى ولم يأمر به النبي ﷺ ، وأخذ

стр. 278

الشافعي في "الأم" (١) بهذا الحديث وقال: إذا جمع بين الصلاتين بالتأخير لا يؤذن لواحدة منهما، واستحب في "القديم" الأذان للأولى منهما؛ لأن في حديث جابر في صفة حجة رسول الله ﷺ أنه جمع بالمزدلفة بأذان وإقامتين، قال الحافظ أبو بكر البيهقي: وهذا أصح، والرواية عن ابن عمر مختلفة، فقد روي عنه مثل ما رواه جابر ﵄. الأصل [١٢٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الخدري، عَنْ أَبِي سعيد قَالَ حبسنا يَوْمَ الخَنْدَقِ عَن الصلاة حتى كان بعد (١/ ق ٥٤ - ب) المغرب بهوي من الليل حتى كفينا، وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَفَى الله الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ الله قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ فدعى رسول الله ﷺ بلالًا فأمره وأقام الظهر فصلاها فأحسن صلاتها (حتى) (٢) كان يصليها في وقتها، ثُمَّ أَقَامَ لِلْعَصْرِ فَصَلَّاهَا كذلك، ثم أقام المغرب فَصَلَّاهَا كذلك ثم أقام العشاء فصلاها كذلك، وذلك قبل أن ينزل في صلاة الخوف: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٣).

стр. 279

الشرح عبد الرحمن: هو ابن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري أبو حفص المديني. سمع: عمارة بن حارثة. وروى عنه: زيد بن أسلم وغيره (١). والحديث رواه الشافعي في "الأم" (٢) هكذا واعتمد عليه في أن الثانية لا يؤذن لها، وروى أبو علي الزعفراني عن الشافعي أنه قال في كتابه "القديم": أبنا غير واحد، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري ... (٣) وذكر الحديث لكن قال: كان بعد العشاء بهُويٍّ من الليل، فأمر بلالًا فأذن وأقام فصلى الظهر، ثم أمره فأقام فصلى العصر ... وذكر باقي الحديث، فقد اختلفت الرواية عن ابن أبي ذئب في الأذان للظهر، والأثبت عنه ما رواه في الجديد، واختلف قول الشافعي قديمًا وجديدًا بحسب اختلاف الروايتين في أن الفائتة هل يؤذن لها؟ ففي "الجديد": لا يؤذن، وفي "القديم": يؤذن، وثبت ذلك من رواية عمران بن الحصين، وأبي قتادة الأنصاري (٤)، وقال في "الإملاء": إن انتظر حضور جمع أذن وإلا فلا، وحمل اختلاف الأحاديث على الحالتين، ولما كانت الروايتان في حديث ابن أبي ذئب متفقتين علي ذكر الإقامة لما بعد الظهر لم يختلف قوله في أنه إذا والى

стр. 280

بين فائتتين أو فوائت يقتصر لما بعد الأولى على الإقامة، وفيه أن المؤداة بعد الثانية لا يؤذن لها أيضًا بل يقتصر على الإقامة فإن صلاة العشاء كانت في الوقت. قال بعض الأصحاب: إن قلنا يؤذن للفائتة فلا يؤذن لها كيلا يتوالى أذانان، وإن قلنا: لا يؤذن للفائتة فيؤذن للمؤداة، والظاهر: الأول. وغزوة الخندق معروفة وفيها قال رسول الله ﷺ : "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" (١). وقوله: "بهُوي" الهُوِي والهَوي: القطعة من الليل، ويروى: "هُويًّا من الليل". وقوله: "وأقام الظهر فصلاها" إقامة الصلاة: الإعلام بالدخول فيها، وقد يقرأ "أقام للظهر فصلاها". وقوله: وذلك قبل أن ينزل في صلاة الخوف: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٢) يريد: أن تأخيرهم كان بسبب أنهم لم يتمكنوا من إقامة الصلاة كما تقام في وقت (١/ ٥٥ - أ) الرفاهية، وكانت صلاة الخوف لم تنزل بعد، ولو نزلت لما أخروا الصلاة عن وقتها. وفي الحديث أنه قضى الفوائت على الترتيب، وأنه قدمها على صلاة العشاء المؤداة. الأصل [١٢٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد،

стр. 281

أخبرني عمارة ابن غزية، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم قال: سمع النبي ﷺ رجلًا يؤذن المغرب، فقال النبي ﷺ مثل ما قال، فانتهى النبي ﷺ إلى رجل وقد قامت الصلاة، فقال النبي ﷺ : "انزلوا فصلوا المغرب بإقامة ذلك العبد الأسود" (١). الشرح عمارة بن غزية: هو المازني الأنصاري المديني. سمع: نعيم بن عبد الله المُجمر، وخبيب بن عبد الرحمن، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وسعيد المقبري، وأبا الزبير. وروى عنه: الثوري، وابن عيينة، ويحيى بن أيوب، والمعتمر، وعبد العزيز الدراوردي، وغيرهم (٢). وخُبيب: هو ابن عبد الرحمن بن خُبيب بن يساف -ويقال: إساف- أبو الحارث الأنصاري الخزرجي السنحي. سمع: أباه، وحفص بن عاصم. وروى عنه: شعبة، ومالك، ومبارك بن فضالة. مات في زمن مروان بن محمَّد (٣). وحفص: هو ابن عاصم بن عمر بن الخطاب [القرشي] (٤) العدوي، جدّ عبيد الله بن عمر.

стр. 282

سمع: أبا هُرَيْرَةَ، وعبد الله بن عمر، وأباه عاصمًا. وروى عنه: ابنه عيسى بن حفص، وسعد بن إبراهيم، وغيرهما (١). والحديث مرسل، أورده الشافعي في "الأم" (٢) هكذا، واللفظ: فانتهى إلى الرجل وقد قال: قد قامت الصلاة وقال: انزلوا فصلوا فصلى المغرب بإقامة ذلك العبد الأسود واستدل به على أن الرجل يصلي بأذان غيره وإقامته، وإن لم يؤذن ولم يقم له ولا للقوم الذين هو منهم، والسياق يشعر بأن النبي ﷺ سمع الأذان من بعيد وأنه لم يكن [عزم] (٣) على أن يصلي هناك، فلما رأى وقت المغرب قد حان راعى التعجيل. وقوله: "فانتهى إلى الرجل" أخشى (٤) لينصرف إلى المذكور أولًا، ثم قوله: وقد قامت كأنه عبر به عن إقامته، أي: أقام حين انتهى إليه النبي ﷺ كما أذن، فأمر النبي ﷺ بالصلاة بإقامته؛ وأما إذا كانت الرواية: وقد قامت الصلاة فيجوز أن يريد لقوله: بإقامة ذلك العبد للأذان، لما مرّ أن الإعلام بالصلاة يسمى إقامة. وفيه أنه يجوز الكلام بعد الإقامة إلى التحريم بالصلاة (١/ ق ٥٥ - ب) وأن العبد يؤذن، وأن من سمع الأذان يجيب المؤذن ويقول مثل ما يقوله، وهذِه السنة تروى بالمعنى عن رواية عمارة بن غزية عن خبيب

стр. 283

عن حفص عن أبيه عن جده عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ (١). الأصل [١٢٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد الوهاب، عن يونس، عن الحسن أن النبي ﷺ قال: "المؤذنون أمناء المسلمين على صلاتهم ... " وذكر معها غيرها (٢). [١٢٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَةَ أن النبي ﷺ قال: "الأئمة ضمناء، والمؤذنون أمناء، فأرشد الله الأئمة وغفر للمؤذنين" (٣). الشرح سهيل: هو ابن أبي صالح ذكوان السمان. سمع: أباه، والنعمان بن أبي عياش، وعطاء بن يزيد الليثي، ومحمد بن المنكدر. وروى عنه: جرير بن عبد الحميد، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، وغيرهم. مات زمن أبي جعفر (٤). والحديث الأول مرسل. وقوله: "وذكر معها غيرها" أي: مع هذِه الجملة أو مع هذِه الكلمة، ويجوز أن يشير بذلك إلى ما روي عن علي بن المديني، عن

стр. 284

محمَّد بن أبي عدي، عن يونس، عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤذنون أمناء المسلمين على صلاتهم وحاجتهم أو حاجاتهم" (١) أن يكون المراد منه حاجة الصائمين إلى الإفطار والأشغال التي تناط بأوقات الصلوات، واحتج بعضهم بالحديث علي جواز الاعتماد على أذان المؤذن والأخذ بقوله، والمعنى أن المسلمين يأتمون بهم ويصلون معتمدين على أذانهم، ويحكى هذا عن ابن سريج، ومن الأصحاب من فصل فقال: للأعمى الاعتماد على الأذان وكذا للبصير في يوم الصحو، ولا يعتمد عليه في يوم الغيم؛ لأنه يؤذن بالاجتهاد والمجتهد لا يقلد المجتهد، وقد يحتج به لاستحباب العدالة في المؤذن؛ لأنه سماه أمينًا والأليق بحال الأمين أن يكون عدلًا. وأما الحديث الثاني (٢) فقد تكلموا في إسناده من ثلاثة أوجه: أحدها: أن سهيلًا لم يسمعه من أبيه؛ إنما رواه عن الأعمش عن أبيه. الثاني: أن الأعمش لم يتحقق سماعه من أبيه، فروى أبو داود السجستاني في "سننه" (٣) عن الحسن بن علي، عن ابن نمير، عن الأعمش قال: نبئت عن أبي صالح ولا أراني إلا وقد سمعته منه عن أبي هُرَيْرَةَ ... فذكر الحديث، ورواه عن أحمد بن حنبل، عن محمَّد بن فضيل، عن الأعمش، عن رجل [عن أبي صالح] (٤) عن أبي هُرَيْرَةَ.

стр. 285

والثالث: أن نافع بن سليمان روى الحديث عن محمَّد بن أبي صالح (١/ ق ٥٦ - أ) أخي سهيل عن أبيه عن عائشة. وقال أبو عيسى الترمذي (١): سمعت محمدًا -يعني: البخاري. يقول: حديث أبي صالح عن عائشة أصح، وعن علي بن المديني أنه لم يثبت حديثه عن عائشة ولا عن أبي هُرَيْرَةَ، فهذِه علل الحديث. ولم جعل الإِمام ضامنًا؟ ذكروا فيه معاني: أحدها: أنه يحفظ الصلاة وعدد ركعاتها للقوم، والضمان في اللغة: الرعاية والحفظ. والثاني: أن حقه أن يعمم الدعاء ولا يخصص نفسه. والثالث: أنه يتحمل القراءة عن المأموم في بعض الأحوال، وكذا القيام إذا أدركه في الركوع، وكذا سهو المأمومين. وأما جعل المؤذن أمينًا فلأنه يشرف على العورات إذا أذن على موضع عال فهو مؤتمن عليها، وأيضًا فهو مؤتمن على رعاية المواقيت؛ أما إذا جوزنا الاعتماد على أذانه فلأنه إذا لم يحتط ولم يرع الوقت أوقع مقلّده في غير الصواب، وأما إذا لم نجوز فلأن كل أحد وإن اجتهد لصلاته فإنه لا يتفرغ للاجتهاد للأذان، فبتقدير أن يتقدم أذانه على الوقت يكون القوم مصلين بلا أذان. واحتج بالحديث على أن التأذين أفضل من الإمامة، وقيل للأمين أحسن حالًا من الضمين، والدعاء بالمغفرة خير من الدعاء بالإرشاد وهذا أحد الوجهين للأصحاب، ومن يُنازع فيه لا يُسلِّم أن الأمين
следующие страницы →