← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123510

شرح مسند الشافعي

الرافعي

Полный текст (1 876 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

والحديث صحيح: أخرجه البخاري (١) عن إسماعيل عن مالك، ومسلم (٢) من طرق. وفيه أن الأعمى يؤمّ، بل للأصحاب وجه أنه أولى من البصير؛ لأنه أخشع وأجمع همًّا. وقوله: "إنها تكون الظلمة والمطر والسيل" يعني أن هذِه الحوادث تحدث (١ / ق ٩٢ - ب) وأنا رجل ضرير يشقّ علي الخروج، ولفظ الخبر "ضرير البصر" والاستعمال من غير لفظ البصر أشهر، يقال: رجل ضرير بيّن الضرارة، أي: ذاهب البصر، وسأل النبي ﷺ أن يصلي في بيته ليتّخذ مكان صلاته مصلّى له ويقيم فيه المكتوبة إذا منعته الحوادث المذكورة عن الخروج إلى الجماعة، ثم السابق إلى الفهم أنه أراد أنها تمنعه من الحضور عند النبي ﷺ والصلاة معه، لكن في "صحيح مسلم" أنه قال: يا رسول الله إني أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي، وإذا كانت الأمطار سأل الوادي الذي بيني وبينهم ولم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي لهم. وفي إحالة التخلف على المطر والسيل إشارة إلى أن الأعمى لا يرخص لعماه في ترك الجماعة، ولذلك أورد البخاري الحديث في "باب الرخصة بالمطر" ثم إن النبي ﷺ من حسن خلقه وكرم شيمه أجاب عتبان إلى ما سأل فأتى بيته وسأله عن المكان الذي يحبّ أن يصلي فيه وصلى في مكان الذي عيّنه، وفي "صحيح مسلم" أنه صلى فيه ركعتين، وأن أبا بكر ﵁ كان مع النبي ﷺ ، وأنه مع عتبان صليا

стр. 422

بصلاة النبي ﷺ ، وفي بعض نسخ "مسلم" إيراد الحديث في باب مترجم بما روي في صلاة التطوع بالجماعة لذلك. وفيه أنه يحسن أن يتخذ الإنسان في بيته موضعًا للصلاة، وأنه يحسن التبرك بموضع صلاة الأكابر، وأما رواية إبراهيم بن سعد فإنه ابتدأ بما ابتدأت به الرواية الأولى ثم قطعه فيحتمل أنه روى الحديث بتمامه ولكن الشافعي تركه اكتفاءً بالرواية الأولى، ويحتمل أنه روى القدر المذكور لا غير. الأصل [٢٢٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن عمّار الدهني، عن امرأة من قومه يقال لها حجيرة، عن أم سلمة أنها أمتهن فقامت وسطًا (١). الشرح عمار: هو ابن معاوية، ويقال: ابن أبي معاوية، أبو معاوية الدهني البجلي الكوفي، ودهن قبيلة من بجيلة. سمع: أبا الطفيل، وأبا الزبير، وسعيد بن جبير. وروى عنه: الثوري، وابن عيينة، وشريك (٢). وحجيرة امرأة من قوم عمار هذا. روت عن أم سلمة (٣).

стр. 423

وفي الأثر أن المرأة تؤم، ويروى عن أمّ ورقة أن النبي ﷺ أمرها (١ / ق ٩٣ - أ) أو أذن لها أن تؤمّ أهل دارها (١) وكانت قد قرأت القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، وأنه لا يكره للنساء الخلّص أن يصلين جماعة، بل يستحب لكن الاستحباب في الرجال آكد، وأن التي تؤم النساء تقف وسطهن، ويروى عن عائشة أنها صلت بنسوة العصر فقامت وسطهن (٢). الأصل [٢٢٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة أنهم كانوا يأتون عائشة أمّ المؤمنين بأعلى الوادي هو وعبيد بن عمير والمسور بن مخرمة وناس كثير، فيؤمهم أبو عمرو مولى عائشة وأبو عمرو غلامها حينئذ لم يعتق، قال: وكان إمام بني محمَّد بن أبي بكر وعروة (٣). الشرح المسور: هو ابن مخرمة بن نوفل بن وهيب (٤) بن عبد مناف بن زهرة القرشي، أبو عبد الرحمن ابن أخت عبد الرحمن بن عوف. سمع: النبي ﷺ ، وعمر بن الخطاب، والمغيرة بن شعبة، ومحمد ابن مسلمة.

стр. 424

وروى عنه: عروة بن الزبير، وابن أبي مليكة، وأبو أمامة بن سهل. مات بمكة سنة أربع وستين وولد بعد الهجرة لسنتين، وتوفي النبي ﷺ وهو ابن ثمان سنين (١). وأبو عمرو مولى عائشة اسمه ذكوان، وكان يخدمها، وعن ابن أبي مليكة أنه أحسن الثناء عليه (٢). ومحمد: هو ابن أبي بكر الصديق ولد عام حجة الوداع، وقيل: حضر في زمن عليّ. روى عنه: ابنه القاسم (٣). وأورد الشافعي الأثر في "الأمّ" (٤) لبيان أن إمامة العبد جائزة، وإن كان الاختيار أن يقدم الحرّ، ويروى أن أبا ذر كان يأتم بعبد يؤمهم بالربذة، ويقول: أوصاني خليلي بأن أسمع وأطيع (٥). وقوله: "وأبو عمرو غلامها حينئذ لم يعتق" يشير إلى أنه عتق بعد ذلك، ويقال: إن عائشة كانت أعتقته عن دبر منها. الأصل [٢٢٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد المجيد، عن ابن جريج

стр. 425

قال: أخبرني عطاء، قال: سمعت عبيد بن عمير يقول: اجتمعت جماعة فيما حول مكة، قال: حسبت أنه قال: في أعلى الوادي ها هنا في الحج، قال: فحانت الصلاة فتقدّم رجل من آل أبي السائب أعجمي اللسان، قال: فأخّره المسور بن مخرمة وقدّم غيره، فبلغ عمر بن (١ / ق ٩٣ - ب) الخطاب ﵁ فلم يعرفه بشيء حتى جاء المدينة، فلما جاء المدينة عرّفه بذلك، فقال المسور: أنظرني يا أمير المؤمنين إن الرجل كان أعجمي اللسان وكان في الحج، فخشيت أن يسمع بعض الحاج قراءته فيأخذ بعجمته، فقال: هنالك ذهبت بها؟ فقال: نعم. فقال: أصبت (١). الشرح قوله: "سمعت عبيد بن عمير يقول: اجتمعت جماعة ... إلى آخره" كأنه تحقق أنه قال: اجتمعت جماعة فيما حول مكة وظنَّ أنه عيّن أعلى الوادي، فروى ما تحققه على الجزم، وما ظنّه على الحسبان. وقوله: "ها هنا وفي الحج" يشبه أنه أشار بقوله: "ها هنا" إلى أعلى الوادي وأراد بقوله: "وفي الحج" أن اجتماعهم كان في أيام الحج، وفي بعض النسخ ها هنا في الحج بلا واو. وقوله: "فتقدّم رجل من آل أبي السائب" يمكن أن يريد به أبا السائب مولى هشام بن زهرة، وكان من جلساء أبي هُرَيْرَةَ فروى عنه الحديث.

стр. 426

والأعجمي: الذي لا يفصح بالعربيّة ولا يجيد التكلم بها عجميًّا كان أو غيره؛ سمي به لعجمة لسانه والتباس كلامه، ويقال: استعجم الأمر: إذا اشتبه وأشكل، وجمع الأعجم: أعجمون، وينسب إلى الأعجم فيقال: لسان أعجمي، والأعجم كالأعجمي فيما ذكر جماعة، وفي "الصحاح" للجوهري: ولا يقل أعجمي فينسبه إلى نفسه إلا أن يكون ذلك كقعسر وقعسري للجمل الضخم (١). وقوله: "ولم يعرفه بشيء" أي لم يخاطبه ولم يظهر بلوغ الحال إليه حتى أتى المدينة. وقوله: "هنالك ذهبت بها؟ " كأنه يقول: لذلك ذهبت إلى فعلتك التي فعلت. والمقصود أنه يستحب أن يكون الإِمام فصيحًا قويم اللسان ليؤمن تغييره ولحنه، فإنه إذا غيّر فقد يسمعه الجاهل ويظنّه صحيحًا؛ لأنه سمعه ممن قدم للإمامة، ومنه أن يجوز تغيير غير الأَوْلى والحمل على الأولى، كما يجوز تغيير المنكر والحمل على المعروف وأن الأئمة كانوا يتفحصون عما يفعله الناس ليقيموا الأَوَدَ (٢) ويصلحوا الفاسد، وكانوا يتوخون الصلاح و الإصل اح ويعالجون على ما يقتضيه الحال من تعجيل وتأنٍّ كما فعل عمر ﵁ في انتظار المسور إلى إتيانه المدينة. الأصل [٢٢٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد؛ أن رسول الله ﷺ ذهب (١ / ق ٩٤ - أ) إلى بني عمرو بن

стр. 427

عوف [ليصلح] (١) بينهم وحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ فقال: نعم، فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس، قال: وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلمّا أكثر الناس التصفيق التفت فرأى رسول الله ﷺ فأشار إليه رسول الله ﷺ أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك، ثم استأخر أبو بكر وتقدم رسول الله ﷺ رسول بالناس، فلما انصرف قال: "يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ " فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ ، ثم قال رسول الله ﷺ : "ما لي رأيتكم أكثرتم التصفيق، فمن نابه شيء في صلاته فليسبح فإنه إذا سبّح التفت إليه، وإنما التصفيق للنساء". قال أبو العباس: أخرجت هذا الحديث في هذا الموضع وهو معاد إلا أنه مختلف اللفظ وفيه زيادة ونقصان (٢). الشرح قد سبق (٣) هذا الحديث وحكينا في شرحه أن أبا داود السجستاني روى في "سننه" أن النبي ﷺ كان قد قال لبلال وقت ذهابه إلى بني عمرو ابن عوف: "إن حضرت الصلاة ولم آتك فمر أبا بكر فليصل بالناس" وروى الشافعي ﵁ الحديث في "الأم" في باب ترجمه "بباب الصلاة بغير أمر الوالي" وقال بعد الرواية (٤): ويجزيء أن يتقدم رجل بغير أمر

стр. 428

الوالي الذي يلي الصلاة إن لم يكن لأهل البلد والٍ، وكذا إن كان الوالي شغل أو مرض أو أبطأ عن الصلاة، قد ذهب رسول الله ﷺ إلى بني عمرو بن عوف، فجاء المؤذن إلى أبي بكر فتقدم للصلاة، قال (١): وأحبّ إن كان الإِمام قريبًا أن يستأمر، وأحب للإمام أن يوكل من يصلي بالناس إذا أبطأ هو عن الناس، فحصل خلاف في أن ما جرى كان بأمر رسول الله ﷺ أم لا كما ترى. الأصل [٢٢٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، أبنا معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود (١ / ق ٩٤ - ب) قال: من السنّة أن لا يؤمهم إلا صاحب البيت (٢). الشرح معن: سبط عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله ﷺ الهذلي الكوفي. سمع: أباه، وجعفر بن عمرو بن حريث المخزومي، وغيرهما. وروى عنه: مسعر (٣). والقاسم بن عبد الرحمن أخو معن. روى عن: جابر بن سمرة، وأبيه. وروى عنه: الأعمش،

стр. 429

ومسعر (١). وقول الصحابي: "من السنة" محمول عند أهل العلم على سنة رسول الله ﷺ ، والمقصود أنه إذا حضر جماعة في بيت إنسان فحانت الصلاة فالمستحب أن يتقدم ربّ البيت للصلاة، وإن اختص غيره بالصفات المقدمة فإن أذن صاحب البيت لغيره ففيه اختلاف للعلماء، والأظهر أنه لا بأس بأن يتقدم، وهذا كله إذا لم يحضر الوالي هناك، فإن حضر فهو أولى بالصلاة. الأصل [٢٢٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: ثنا أبو سليمان مالك بن الحويرث قال: قال رسول الله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمّكم أكبركم" (٢). الشرح هذا حديث صحيح: أخرجه البخاري (٣) عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن أيوب، ومسلم (٤) عن محمَّد بن المثنى عن عبد الوهاب، وقد صحَّ عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله تعالى، فإن كانت القراءة واحدة فأعلمهم

стр. 430

بالسنّة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنًّا، ولا يؤمن رجل رجلًا في بيته ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه" (١) وحمل الشافعي في "الأم" حديث مالك بن الحويرث على ما إذا استويا في الفقه والقراءة، وقال: كان الذين أخبر عنهم مالك مشتبهي الحال في القراءة والفقه فأمر بتقديم أكبرهم سنًّا (٢)، ويدل على ما ذكره لفظ الحديث في رواية "الصحيح" قال مالك بن الحويرث: "قدمنا على النبي ﷺ ونحن شيبة فلبثنا عنده نحوًا من عشرين ليلة، وكان النبي ﷺ رحيمًا، فقال: لو رجعتم إلى بلادكم فعلمتوهم، مروهم فليصلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، وإذا حضرت الصلاة فليؤذن (١ / ق ٩٥ - أ) لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم" والشببة: جمع شاب، ككتبة وكاتب، ويروى "ونحن شيبة متقاربون" وكذلك رواه المزني عن الشافعي، ويمكن من جهة اللفظ أن يحمل الأكبر على الأفضل والأحق، وذلك يشمل جميع الخصال المقدّمة. وقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" كأنه يقول: مكثتم عندي أيامًا وشاهدتم صلاتي وتعلمتوها، فإذا رجعتم إلى بلادكم فصلّوا كما رأيتموني أصلي، وقد ذكر في هذِه اللفظة أن الرؤية تتعلق بالأركان الظاهرة، فأمر بأن يحافظوا على ما تتعلق به الرؤية، ولو قال: صلوا كما علمتموني أصلّي لشق الأمر، فقد روي أنه كان يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل (٣).

стр. 431

الأصل [٢٢٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد المجيد، عن ابن جريج قال: أخبرني نافع قال: أقيمت الصلاة في مسجد بطائفة المدينة، ولابن عمر قريب من ذلك المسجد أرض يعملها وإمام ذلك المسجد مولى له، ومسكن ذلك المولى وأصحابه ثم، فلما سمعهم عبد الله جاء ليشهد معهم الصلاة، فقال له المولى صاحب المسجد: تقدم فصل. فقال عبد الله: أنت أحق أن تصلي في مسجدك مني، فصلى المولى (١). الشرح قوله: "أقيمت الصلاة في مسجد بطائفة المدينة" يجوز أن يريد به الإقامة، ويجوز أن يريد الإعلام بها بالأذان، والطائفة من الشيء: القطعة منه، قال: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) كأنه يريد قطعة أو كله، ويمكن أن تكون الكلمة اسم قومه خاصة أو قوم مخصوصين. وقوله: "ولابن عمر قريب من ذلك المسجد أرض يعملها" أي: أرض قريب من ذلك المسجد يعمل فيها، وتذكير لفظ القريب كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ (٣).

стр. 432

والمقصود أن ابن عمر ﵁ حضر مسجدًا إمامه الراتب مولى له، فقال لعبد الله: تقدم، فأبى عبد الله وقال: أنت أحق بالصلاة في مسجدك، قال الشافعي: وصاحب المسجد كصاحب البيت، فأكره أن يتقدمه أحد إلا أن يحضر السلطان (١)، وعن مالك بن الحويرث أن النبي ﷺ قال: "من زار قومًا فلا يؤمهم، وليؤمهم رجل منهم" (٢). الأصل [٢٣٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم، عن ابن جريج، عن نافع أن ابن عمر اعتزل بمنى في قتال ابن الزبير والحجاج بمنى، فصلى مع الحجاج (٣). [٢٣١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر، عن أبيه أن (١ / ق ٩٥ - ب) الحسن والحسين ﵄ كانا يصليان خلف مروان، قال: فقال: ما كانا يصليان إذا رجعا إلى منازلهما؟ فقال: لا والله ما كانا يزيدان على صلاة الأئمة (٤). الشرح الحجاج: هو ابن يوسف الثقفي أبو محمَّد، وسوء سيرته وقتاله ابن الزبير ومحاصرته مكة أمور مشهورة. وحاتم هو ابن إسماعيل أبو إسماعيل الكوفي، كان يسكن المدينة سمع: بشير بن مهاجر، ويزيد بن أبي عبيد، وهشام بن عروة، وجعفر ابن محمَّد.

стр. 433

وروى عنه: عبد الرحمن بن مهدي، وقتيبة بن سعيد، والقعنبي. مات سنة سبع وثمانين ومائة (١). والحسن (٢) والحسين (٣)، أبو محمَّد وأبو عبد الله ابنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن [هاشم] (٤)، سيدا شباب أهل الجنة، وريحانتا رسول الله ﷺ وشبيهاه، ولد الحسن للنصف من شعبان سنة ثلاث من الهجرة وتوفي سنة خمسين، وقيل: سنة تسع وأربعين، وقيل غيرهما. روى عنه: أبو هُرَيْرَةَ، وابنه الحسن بن الحسن، وسويد بن غفلة، والشعبي، والأصبغ بن نباتة. وولد الحسين لخمس مضين من شعبان سنة أربع وقتل يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، يوم الأربعاء. سمع: أباه. وروى عنه: أبو هُرَيْرَةَ، وأولاده علي وفاطمة وسُكينة، والمطلب ابن عبد الله بن حنطب. ومقصود الأثر أن الصلاة خلف من لا يُحمد حاله ولا تحسن سيرته من السلطان وغيره مجزئة، ويروى عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول الله: "الجهاد واجب مع كل أمير، برًّا كان أو فاجرًا، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم برًّا كان أو فاجرًا، وإن عمل الكبائر" (٥)

стр. 434

ويروى أنه قيل لعثمان ﵁ وهو محصور: إنك إمام عامة ونزل بك ما ترى ويصلي لنا إمام فتنة فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم (١). الأصل [٢٣٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا الثقة، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن رسول الله ﷺ صلى بمنى ركعتين وأبو بكر وعمر ﵄ (٢). [٢٣٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر مثله (٣). الشرح حديث الزهري عن سالم عن أبيه رواه مسلم (٤) عن إسحاق وعبد ابن حميد عن عبد الرزاق عن معمر، وعن حرملة بن يحيى عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن الزهري (١ / ق ٩٦ - أ) وزادَ وعثمان صدرًا من خلافته ثم صلى بعد أربعًا، فكان ابن عمر إذا صلى مع الإِمام صلى أربعًا، وإذا خلا بنفسه صلى ركعتين. وأمّا ما رواه مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه فظاهر نظم الكتاب أنه كرواية الزهري عن سالم، وليس الأمر كذلك عند علماء

стр. 435

الحديث (١)، وإنما الذي رواه مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر ابن الخطاب ﵁ لما قدم مكة صلى بهم ركعتين ثم انصرف فقال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا سفر، ثم صلى عمر بمنى ركعتين، ولم يبلغني أنه قال لهم شيئًا هذا لفظ مالك في "الموطأ" (٢) ثم روى عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله مثل ذلك، ويمكن أن يحمل لفظ الكتاب على القدر الذي اشتملت عليه رواية الزهري عن سالم منسوبًا إلى عمر ﵁ وهو أنه صلى بمنى ركعتين فإن هذا القدر تشتمل عليه رواية مالك عن زيد بن أسلم، والمقصود في هذا الموضع أن المسافر يؤمُّ المقيمين، قال الشافعي (٣): وحينئذ فإن أتم أجزأته الصلاة وأجزأتهم، وإن قصر أمرهم بالإتمام إلا أن يعرف فقههم فيجوز أن لا يأمرهم، وإذا كان القوم مسافرين ومقيمين وأمر الإِمام غيره ليصلي بهم فليجعله مقيمًا لتكون صلاتهم كلها بإمام. وفيه أنه ﷺ قصر أيام مني بمنى، ولمَ أتمَّ عثمان بعدما قصر سنين؟ قيل: إنه كان قد عزم على الإقامة، وقيل: كثر الأعراب عامئذ فخاف أن يظنوا أن الصلاة ركعتان. الأصل [٢٣٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، أبنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيْرَةَ يبلغ به النبي ﷺ قال: "الإِمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم فأرشد الأئمة واغفر للمؤذنين" (٤).

стр. 436

الشرح قد تقدم الحديث من رواية الشافعي، عن إبراهيم بن محمَّد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَةَ، وأتينا بطرف مما يتعلق بإسناده ومتنه (١)، والإسناد المذكور ها هنا أوضح وأقوى، وأورده الشافعي ها هنا في باب ترجمه بـ "كراهية الإمامة" وصدر الباب بما روى عن إبراهيم بن محمَّد، عن صفوان -يعني- بن سليم، عن أبي هُرَيْرَةَ أن النبي ﷺ قال: "يأتي قوم فيصلّون لكم، فإن أتموا كان لهم ولكم، وإن نقصوا كان عليهم ولكم" (٢) وفسره بأنهم إن حافظوا على آدابها وسننها نالوا ونلتم فضيلتها وثوابها، وإلا فاتهم ما فوتوا (١/ ق ٩٦ - ب) ونلتم ثواب ما نويتموه، ولم يتمكنوا من إقامته لمتابعتهم، وقد روى البخاري (٣) هذا الحديث من رواية عطاء بن يسار عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ "يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم" ويشبه أن لا يريد بكراهة الإمامة إلا أنها عظيمة الوقع كثيرة الخطر، فلا ينبغي أن يشتغل بها إلا من وثق بالمحافظة على مواجبها، يبيّنه أنه قال في آخر الباب (٤): وأكره الإمامة بالضمان وما على الإِمام فيها، وإذا أمّ رجل انبغى له أن يتقي الله تعالى ويؤدي ما عليه في الإمامة، فإذا فعل رجوت أن يكون خيرًا حالًا من غيره، واستدل بعضهم بالحديث على أن من صلى بقوم جنبًا أو محدثًا تصح صلاتهم، وإن وجبت الإعادة عليه، وليس هذا الاستدلال بواضح، والله أعلم.

стр. 437

الأصل [٢٣٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان بن عيينة، أنه سمع عمرو بن دينار يقول: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي ﷺ العشاء أو العتمة، ثم يرجع فيصليها بقومه في بني سلمة، قال: فأخر النبي ﷺ العشاء ذات ليلة، قال: فصلى معاذ معه ثم رجع فأمّ قومه، فقرأ سورة البقرة فتنحى رجل من خلفه فصلى وحده، فقالوا له: أنَافَقت؟ قال: لا ولكني آتي رسول الله ﷺ فأتاه، فقال: يا رسول الله إنك أخرت العشاء وإن معاذًا صلى معك ثم رجع فأمّنا فافتتح بسورة البقرة، فلما رأيت ذلك تأخرت فصليت، وإنما نحن أصحاب نواضح نعمل بأيدينا، فأقبل النبي ﷺ على معاذ فقال: "أفتان أنت يا معاذ؟ أفتان أنت؟ اقرأ سورة كذا وسورة كذا" (١). [٢٣٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، ثنا أبو الزبير، عن جابر مثله وزاد فيه: أن النبي ﷺ قال له: اقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ ونحوها، قال سفيان: فقلت لعمرو: إن أبا الزبير يقول: قال له: اقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، و ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ فقال عمرو: هو هذا أو نحوه (٢). [٢٣٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد المجيد، عن ابن جريج -قال الربيع: قيل لي: هو ابن جريج ولم يكن عندي ابن

стр. 438

جريج عن عمرو بن دينار، عن جابر "كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ العشاء ثم ينطلق إلى قومه (١/ ق ٩٧ - أ) فيصليها لهم، هي له تطوع وهي لهم مكتوبة العشاء" (١). الشرح قصّة معاذ هذِه مخرجة في "الصحيحين" (٢) وما يتلوهما من المسانيد بروايات مطولة ومختصرة. وقوله: "والعشاء أو العتمة" بيّن أنهم كانوا قد يسمونها عتمة، وإن كان الأحب أن تسمّى عشاءً. وقوله: "فيصليها بقومه في بني سلمة" ليس على معنى أن معاذًا من بني سلمة، فإن سلمة: هو ابن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن يزيد بن جشم بن الخزرج، وهم وهي جابر بن عبد الله وكعب بن مالك وغيرهما من الأنصار، ومعاذ: هو ابن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي بن كعب بن عمرو بن أدي بن سعد، وأدي أخو سلمة بن سعد، ومعاذ من بني عم بني سلمة لا من بني سلمة، وكأن قومه كانوا مع بني سلمة مكانًا ونصرة فلذلك قال: يصليها بقومه في بني سلمة. وفي قوله: "فأخر العشاء ذات ليلة" ما يبيّن أن معهوده الذي كان يواظب عليه تعجيل الصلاة، واتفق في بعض الليالي التأخير لعارض. وقوله: "فقرأ سورة البقرة" أي: شرع في قراءتها، يُبيّنه قوله من بعد: "فافتتح بسورة البقرة فلما رأيت ذلك تأخرت فصليت". وقوله: "فتنحى رجل من قومه فصلى وحده" يحتمل من جهة اللفظ

стр. 439

أن يريد أنه قطع الصلاة وتنحى عن موضع صلاته واستأنفها لنفسه، لكنه غير محمول عليه فإن الفرض لا يقطع بعد الشروع فيه، ولو كان المراد ذلك لأنكر النبي ﷺ -عليه، ولكنه محمول على أنه قطع القدوة وأتمّ الصلاة لنفسه. واحتجّ به على أن للمقتدي قطع القدوة في صلاته، وعلى هذا فالتنحي المذكور كان بحيث لا تبطل الصلاة لكثرة الأفعال. والنواضح: التي يُسنى عليها الماء، سميت نواضح لنضحها الماء بالاستقاء ثم لصبّها، وقصد بقوله: إنا أصحاب نواضح إبداء العذر في التخلف عن مصابرة القراءة الطويلة. وقوله: "أفتان أنت" أي تعمل عمل من يبغي الفتنة في تفويت الجماعة على الناس وتفريق الكلمة. وفي القصة دليل على أن من صلى مرّة بالجماعة يجوز أن يعيدها في جماعة أخرى، وأن يؤم قومًا أخرى فيها، وأن الإِمام ينبغي أن يخفف، وأنه يستحب أن يقرأ في العشاء أوساط المفصل، وأن سورة البقرة كانت مرتبة معلومة النظم على عهد رسول الله ﷺ (١/ ق ٩٧ - ب) وكذلك سائر السور المذكورة متفرقة في الخبر، وبذلك يتبيّن أن ما نسب إلى الصحابة من تأليف القرآن ليس على معنى أنهم رتبوا الآيات وإنما المراد أنهم جمعوا السور في مصحف واحد، وزاد أبو الزبير في الإسناد الثاني تعيين السورة، وعُرض ما عيّنه على عمرو بن دينار فقال: هو هذا أو نحوه كأنه لم يتذكر السورة بعينها فأبهم الكلام إبهامًا، وعرف أن ما عيّنه رسول الله ﷺ في حدّ ما رواه أبو الزبير، فقال: هو هذا أو نحوه.

стр. 440

وفي الإسناد الثالث (١) بيان أن الفريضة المؤداة في المرّة الأولى وأن الثانية تطوع، واحتج الشافعي على أنه لا بأس باختلاف نيّة الإِمام والمأموم بأن يقتدي المفترض بالمتنفل، وقال: الظاهر أن قوله "هي له تطوع وهي لهم مكتوبة العشاء" من كلام جابر ﵁، وكان أصحاب رسول الله ﷺ أعلم بالله وأخشى لله من أن يقولوا مثل هذا إلا عن علم. وقول الربيع: "ولم يكن عندي ابن جريج" أراد أنه سقط من كتابه ذكر ابن جريج، قال الأئمة: والصواب إثباته، وكذلك رواه حرملة عن الشافعي. الأصل [٢٣٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، قال: أخبر الثقة ابن علية أو غيره، عن يونس، عن الحسن، عن جابر "أن النبي ﷺ كان يصلي بالناس صلاة الظهر في الخوف ببطن نخل، فصلى بطائفة ركعتين ثم سلم، ثم جاء طائفة أخرج فصلى بهم ركعتين" (٢). [٢٣٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، عن ابن عجلان، عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر بن عبد الله أن معاذ

стр. 441

بن جبل كان يصلي مع النبي ﷺ العشاء، ثم يرجع إلى قومه فيصلي لهم العشاء وهي له نافلة (١). الشرح عبيد الله بن مقسم مولى ابن أبي نمر القرشي المدني. سمع: جابرًا، وابن عمر، وأبا هُرَيْرَةَ. وسمع منه: يحيى بن أبي كثير، وداود بن قيس، وابن عجلان، وبكير بن الأشج (٢). والحديث الأول مخرج في "الصحيح" (٣) من رواية أبي سلمة عن جابر، ورواه قتادة وغيره عن الحسن، ورواه الحسن عن أبي بكرة عن النبي ﷺ . وقصد الشافعي بذكره ها هنا تأكيد القول بجواز صلاة المفترض خلف المتنفل، فإن النبي ﷺ كان متنفلًا في المرة الثانية، وهذا الاستدلال مستمر (١/ ق ٩٨ - أ) على ظاهر المذهب في أن من صلى منفردًا وأعاد في جماعة أو في جماعة، وأعاد في جماعة أخرى كان الفرض ما أدّاه أولًا والثاني تطوع، وفيه قول أن الله تعالى يحتسب عن الفرض بأكملهما أو بما شاء منهما، ووجه: أن كليهما يقع عن الفرض، ووجه آخر: أن الفرض الثاني، فعلى هذِه الاحتمالات لا يظهر الاستدلال. وأما الحديث الثاني فمقصوده قصة معاذ أيضًا لكن رواها برواية أخرى مختصرة، وفيها أن الثانية نافلة.

стр. 442

الأصل [٢٤٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ كبّر في صلاة من الصلوات، ثم أشار بيده أن امكثوا، ثم رجع وعلى جلده أثر الماء (١). [٢٤١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا الثقة، عن أسامة بن زيد، عن عبد الله بن يزيد، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبي ﷺ بمثل معناه (٢). الشرح إسماعيل بن أبي حكيم: هو القرشي المدني، مولى عثمان بن عفان، وقيل: مولى الزبير. سمع: سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وعبيدة بن سفيان بن الحارث. وروى عنه: مالك، ومحمد بن إسحاق، ووهم بعضهم فقال: إسماعيل بن حكيم (٣). وأسامة بن زيد: هو المديني مولى الليثيين. روى عن: نافع، والزهري. وروى عنه: الثوري، وابن المبارك، ووكيع (٤).

стр. 443

وعبد الله بن يزيد: هو المديني مولى الأسود بن سفيان، وقيل: مولى الأسود بن عبد الأسد المخزومي والأول هو المذكور في "الأم". سمع: أبا سلمة، وغيره. وروى عنه: مالك، ويحيى بن أبي كثير (١). والحديث من الرواية الأولى مرسل، وكذلك أورده مالك في "الموطأ" (٢) وعقبها الشافعي بالرواية الموصولة عن أبي هُرَيْرَةَ ليبين أنه مسند من وجه إن كان مرسلًا من وجه، ورواه عن أسامة: وكيع، ورواه أيضًا: أيوب وهشام عن محمَّد بن سيرين، عن النبي ﷺ ، وكذلك رواه الشافعي عن ابن علية عن ابن عون عن محمَّد، ورواه الحسن بن عبد الرحمن الحارثي عن ابن عون عن محمَّد عن أبي هُرَيْرَةَ مسندًا، ورواه الشافعي أيضًا عن الثقة عن حماد بن سلمة عن زياد الأعلم عن الحسن عن أبي بكرة عن النبي ﷺ ، وأخرجه أبو داود من هذا الطريق في "سننه" (٣). وليس في لفظ الحديث إشعار بأنه عرض في الصلاة عارض أحوجه إلى التطهر، أو أنه كان قد شرع في الصلاة ناسيًا للحديث أو الجنابة ثم تذكر، لكن نقل الأئمة أنه كان الواقع القسم الثاني وأوردوا الحديث في باب مترجم بما إذا أمّ الجنب ناسيًا، وحكوا أن وكيعًا روى

стр. 444

عن أسامة عن عبد الله بن يزيد عن ابن ثوبان عن أبي هُرَيْرَةَ أن رسول الله ﷺ جاء إلى الصلاة، فلما كبّر انصرف وأومأ إليهم أن كما أنتم ثم خرج وصلى بهم، فلما انصرف قال: "إني كنت جنبًا فنسيت أن أغتسل" (١). واحتج به على أن الإِمام إذا أمّ جنبًا أو محدثًا لا يجب على القوم الإعادة، فإن النبي ﷺ أمرهم بأن يمكثوا ليلحقهم ولم يأمر بالاستئناف، والسابق إلى الفهم من رواية الكتاب بأن النبي ﷺ عاد بعد الغسل وأمّهم برواية أبي هُرَيْرَةَ المذكورة آخرًا صرّح بذلك، وليس المقصود أنه بني على الصلاة فإن الناسي للحديث أو الجنابة إذا تطهر يستأنف، لكن القوم يبنون الاقتداء إن شاءوا، وحكى الربيع أن البويطي لم يجوز لهم الاقتداء بعد استئنافه؛ لأن تحرّمهم بالصلاة سابق على تحرمه المستأنف. الأصل [٢٤٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، حدثني عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، عن صالح بن إبراهيم قال: رأيت أنس بن مالك صلى الجمعة في بيوت حميد بن عبد الرحمن بن عوف، فصلى بصلاة الإِمام في المسجد، وبين بيوت حميد والمسجد الطريق (٢). الشرح عبد المجيد: سبط عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني. سمع: سعيد بن المسيب، وعثمان بن عبد الرحمن. وروى عنه: مالك بن أنس، وعبد العزيز بن محمَّد، وسليمان بن

стр. 445

بلال (١). وصالح: هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري. سمع: أنس بن مالك. وسمع منه: عمرو بن دينار، ويوسف بن الماجشون، وابن عمه عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن (٢). وحميد: هو ابن عبد الرحمن بن عوف، أبو إبراهيم، ويقال: أبو عبد الرحمن. سمع: أبا هُرَيْرَةَ، وعبد الله بن عمرو، ومعاوية، وأم سلمة، وأبا بكرة، وأمّه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط. وروى عنه: الزهري، وسعد بن إبراهيم، وابن أبي مليكة، ومحمد بن سيرين. مات سنة خمس ومائة (٣). وهذا الأثر أورده الشافعي في "الأم" وعقبه بآخر في معناه، فروى عن إبراهيم عن هشام عن أبيه أنه كان يصلي الجمعة في بيوت حميد بن عبد الرحمن عام حج الوليد وكثر الناس، وبينها وبين المسجد الطريق (٤).

стр. 446

وبموجبها قال عطاء، وجواز الاقتداء إذا علم المأموم بصلاة الإِمام وإن بعد أو حال حائل، وهما عند الشافعي محمولان على ما إذا اتصل الصف من المسجد إلى الموضع الآخر وكان بابه لافظًا فيه، ويدل عليه ما روي عن عائشة أن نسوة صلين في حجرتها فقالت: لا تصلين بصلاة الإِمام فإنكن في حجاب، وما روي عن عمرة عن عائشة أن النبي ﷺ صلى في حجرته والناس يأتمون به من وراء الحجرة يصلون بصلاته (١) فهو مطلق، وفي سائر الروايات أنه كان جدار الحجرة قصيرًا لا يحول ولا يمنع من النظر والعلم بصلاة الإِمام، وروي عنه أنه كان قد احتجر بحصير (٢) وهو الذي أريد بالحجرة، وفي "صحيح البخاري" عن أبي سلمة عن عائشة أن النبي ﷺ كان له حصير يبسط بالنهار ويحتجره بالليل فثاب إليه ناس فصلوا وراءه (٣). قول (٤): "يحتجره" أي يتخذه شبه الحجرة فيصلي فيها، وقوله: "وبين بيوت حميد والمسجد الطريق" يوافق ظاهر المذهب في أن تخلل الطريق لا يضر إذا حصل اتصال الصف بين البناءين، وكذلك تخلل الطريق في الصحراء لا يضر. الأصل [٢٤٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك بن أنس، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته له، فأكل منه ثم قال: "قوموا فلأصلي لكم".

стр. 447

قال أنس: "فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله ﷺ ، وصففت أنا واليتيم خلفه والعجوز من ورائنا" (١). الشرح مليكة: جدة أنس بن مالك أنصارية. روى عنها: أنس، وقال بعضهم: مليكة -بفتح الميم- ولم يصحح (٢). والحديث صحيح مدوّن في "الموطأ" (٣) وقال في آخره: "فصلى لنا ركعتين ثم انصرف" وأخرجه البخاري (٤) عن إسماعيل وعبد الله بن يوسف، ومسلم (٥) عن يحيى بن يحيى، وأبو داود (٦) عن القعنبي بروايتهم جميعًا عن مالك. وفي الحديث دلالة على استحباب اتخاذ الدعوة والإجابة إليها، واستدل به على أن الإِمام إذا دعي لطعام يصلي في بيت المضيف لينال البركة أهل البيت، ويقدم الأكل على الصلاة إما لئلا ينتظر أصحاب الطعام وتسكن نهمة القوم، وإما ليتفرغ الكل للصلاة ويختموا المجلس على الصلاة، وعلى أن الجماعة جائزة في صلاة النافلة؛ لأن تلك الصلاة كانت نافلة، وقد يشعر به قوله ﷺ : "قوموا فلأصلي لكم" وأيضًا فإن الحضور غالبًا يكون في بياض النهار والصلاة كانت

стр. 448

ركعتين، وعلى جواز صلاة الجماعة في البيوت، وعلى أن النضح قد يقوم مقام الغسل إذا كان المقصود دفع الوسواس، ولك أن تقول: النضح قد يكون بمعنى الغسل على ما سبق، وبتقدير أن يكون المراد مجرد الرش فلا يكون ذلك دفع الوسوسة فإنها لا تندفع بغير الغسل، ويشبه أن يكون المراد التنظيف وإزالة ما كان عليه من غبار ونحوه، وعلى جواز الصلاة على ما يبسط على الأرض من حصير وغيره، وقد روي عن المغيرة بن شعبة قال: كان رسول الله ﷺ يصلي على الحصير والفروة المدبوغة (١). وفيه دليل على أنه يحسن أن يخصص حالة الصلاة ببسط شيء يصلي عليه، وأن الصبي يصلي في الجماعة؛ لأنه صلى معهم اليتيم واسم اليتيم يختص بحالة الصغر، وأن الرجل يتقدم على المرأة في الموقف، وأن الصبي يقف مع الرجل أو الرجال في الصف، فإن اجتمع صبيان فصاعدًا وقفوا صفًّا بين الرجال والنساء، واحتج الشافعي ثم البخاري في "الصحيح" بهذا الحديث على أن صلاة المنفرد خلف الصف جائزة؛ لأن المرأة التي صلت وراء أنس واليتيم كانت منفردة، ولمن ينازع فيه أن يقول: إنما لا تجوز صلاة المنفرد إذا كان ما وراء (٢) بأن يدخل الصف إما بجرّ إلا نفسه واحدًا والمرأة المنفردة لا تؤمر بذلك، والسابق إلى الفهم أن المراد من العجوز مليكة صاحبة الطعام، وفي وقوف النبي ﷺ وصلاته على الحصير المسودّ المنضوح بالماء

стр. 449

يستدل به على حسن خلقه وترك تقشّفه. وقوله: "من طول ما لبس" كأنه يريد: فُرشَ، فإن ما فُرشَ فقد لبسته الأرض، وهذا كما أن ما تستر به الكعبة والهودج يسمى لباسًا لهما، وقد يتخيل حمله على أن أصحاب الضرورات قد يستترون بالحصير اللينة ويلفونها عليهم. الأصل [٢٤٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن أنس "أن رسول الله ﷺ ركب فرسًا فصرع عنه فجحش شقه الأيمن، فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد فصلينا معه قعودًا، فلما انصرف قال: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون" (١). [٢٤٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبا يحيى بن حسان، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة يعني بمثله (٢). الشرح حديث أنس صحيح، رواه البخاري (٣) عن عبد الله بن يوسف عن مالك، وأبو داود (٤) عن القعنبي عنه، ومسلم (٥) عن يحيى بن يحيى وغيره عن سفيان عن ابن شهاب، وأخرجه البخاري (٦) أيضًا من طريق

стр. 450

حميد عن أنس. وحديث عائشة ليحمل على ما روي أنها قالت: صلى رسول الله ﷺ في بيته وهو شاك فصلى جالسًا وصلى وراءه قوم قيامًا فأشار إليهم أن اجلسوا فلما انصرف رسول الله ﷺ قال: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا" وهذا صحيح أيضًا، أخرجه البخاري (١) عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، ومسلم (٢) وابن ماجه (٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبدة بن سليمان عن هشام، وفي الباب عن أبي هُرَيْرَةَ وجابر، وابن عمر، ومعاوية. وقوله: "فجحش شقه الأيمن" يقال: جُحِشَ فهو مجحُوش إذا أصابه مثل الخدش أو أكثر، وانسحجَ جلدُه، وفي بعض الروايات فجحشت ساقه أو كتفه. وقوله: "إنما جعل الإِمام" أي نصب أو اتخذ أو نحوهما، ويجوز أن يريد: إنما جعل الإِمام إمامًا. وقوله: "فصلوا جلوسًا أجمعون" هكذا رواه أكثرهم وهو تأكيد للضمير، ورواه آخرون: أجمعين على الحال. وقوله: "وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا" قد يحتج بظاهره على أن المأموم ينبغي أن يتابع الإِمام في أفعاله، فلا يبتديء بالركوع إلا عند ابتداء الإِمام به، ولا بالرفع إلا بعد ابتداء الإِمام به، ويروى عن البراء قال: كان رسول الله ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده لم يحن

стр. 451

أحد منا ظهره حتى يقع النبي ﷺ ساجدًا ثم نقع سجودًا بعده (١). وقوله: "إذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد" فيه متمسّك ظاهر لمن قال: إن الإِمام يقول في الاعتدال: سمع الله لمن حمده، والمأموم يقول: ربنا لك الحمد. وقوله: "وإذا صلى جالسًا فصلّوا جلوسًا" يقتضي الجلوس عند جلوس الإِمام، وفيه اختلاف للعلماء، قال الأكثرون: هذا كان في ابتداء الأمر، ثم نسخ بصلاة النبي ﷺ في مرضه جالسًا والناس قيام خلفه، وهذا ما أورده الشافعي في "الأم" (٢) وحكاه البخاري في "الصحيح" (٣) عن الحميدي، وجرى آخرون على قضية الحديث وبه قال في الصحابة: جابر، وأبو هُرَيْرَةَ، وأسيد بن حضير، وتابعهم أحمد، وإسحاق، وحكاه الخطابي عن ابن خزيمة، وقيل ابن المنذر قال: هؤلاء والرواية في صلاة النبي ﷺ في مرضه مختلفة، ففي بعض الروايات أنه صلى بهم جالسًا وهم قيام، وفي بعضها أنه صلى مقتديًا بأبي بكر ﵁، وحديث أنس محكم لا يترك بما اضطربت الرواية فيه، وقد يؤيَّد القول الأول بالقياس، فإن ترك الواجب لعجز الغير بعيد. وفي الحديث حجة على مالك حيث قال: العاجز عن القيام لمرض وغيره لا يؤم، قال الشافعي في "الأم": ومن صلى بقوم جالسًا وهو يطيق القيام فصلاته فاسدة وصلاتهم صحيحة؛ لأنهم لم يكلفوا أن يعلموا أنه يطيق القيام أم لا، وقد يجد الرجل من نفسه ما يخفى على الناظر (٤).

стр. 452

الأصل [٢٤٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: صليت أنا ويتيم لنا خلف النبي ﷺ في بيتنا وأم سليم خلفنا (١). الشرح هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (٢) عن عبد الله بن محمَّد عن سفيان عن إسحاق بن عبد الله، واحتج الشافعي في "الأم" به على أن الإِمام يقف أمام المأمومين منفردًا، وعلى أنه إذا أمَّ اثنين وقفا صفًّا خلفه، وعلى أن الإمامة في النوافل جائزة ليلًا ونهارًا، فإن الظاهر أن المؤدى في بيتهم كان نافلة؛ لأن النبي ﷺ كان يقيم المكتوبات في المسجد، لكن أبا داود السجستاني روى في "السنن" (٣) عن مسلم بن إبراهيم، عن المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن أنس "أن النبي ﷺ كان يزور أم سليم فتدركه الصلاة أحيانًا، ويصلي على بساط لنا وهو حصير ننضحه بالماء" وهذا يقرّب احتمال كون المؤدى فرضًا. الأصل [٢٤٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن أبي حازم قال: سألوا سهل بن سعد من أيّ شيء منبر النبي ﷺ ؟ قال: ما بقي من الناس أحد أعلم به مني، هو من أثل الغابة

стр. 453

عمله له فلان مولى فلانة، ولقد رأيت رسول الله ﷺ حين صعد عليه استقبل القبلة فكبّر ثم قرأ، ثم ركع، ثم نزل القهقرى فسجد ثم صعد فقرأ ثم ركع ثم نزل القهقرى ثم سجد (١). الشرح هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (٢) عن علي بن عبد الله عن سفيان قال: وقام عليه رسول الله ﷺ حين عمل ووضع، فاستقبل القبلة وكبر وقام الناس خلفه، فقرأ وركع وركع الناس خلفه، ثم رفع رأسه ثم رجع القهقرى فسجد على الأرض، ثم عاد إلى المنبر ثم ركع ثم رفع رأسه ثم رجع القهقرى حتى سجد بالأرض فهذا شأنه وأخرجه مسلم (٣) عن يحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه، وأيضًا عن قتيبة عن يعقوب بن عبد الرحمن بن محمَّد القرشي عن أبي حازم، وكذلك أورده أبو داود (٤). والأَثْلُ: شجر شبيه بالطرفاء، لكنّه أعظم من الطرفاء، ويقال: إنه الطرفاء ويوافقه رواية من روى من طرفاء الغابة وكذلك هو في "صحيح مسلم". والغابة فسّرها أبو سليمان الخطابي بالغَيضةِ (٥) وأطلق، وذكر بعضهم أنها مال من أموال عوالي المدينة. وقوله: "عمله له فلان مولى فلانة" هذا هو المشهور، وذكر أن

стр. 454

سهلًا كان يسمي المرأة، وروي أنه ﷺ أرسل إليها أن مري غلامك النجار يعمل لي أعوادًا أكلم الناس عليها فأمرته فعملها (١). ويروى "أنظري غلامك النجار" أي أمهليه كأنه يقول: دعيه يترك ما كان يعمله ويعمل لي هذِه الأعواد، وعن ابن عمر أن النبي ﷺ لما بَدَّن قال له تميم الداري: ألا أتخذ لك منبرًا يا رسول الله؟ قال: بلى، فاتخذه (٢). والقهقرى: الرجوع إلى خلف، وإذا قلت: رجعت القهقرى فكأنك قلت: رجعت الرجوع الذي يعرف [بالقهقرى] (٣). ومقصود الحديث أنه لما اتخذ المنبر ووضع ابتدأ النبي ﷺ حين صعده بالصلاة، فكبر وكبر الناس خلفه مؤتمين به فقرأ وركع، فلما انتهى إلى السجود نزل القَهقَرى، وإنما نزل كذلك لئلا يستدبر القبلة وسجد على الأرض عند أصل المنبر، ثم عاد إلى الصعود فلما انتهى إلى السجود في الركعة الثانية نزل القهقرى ثم عاد حتى فرغ من الصلاة، وروي أنه لما فرغ أقبل على الناس بوجهه وقال: "يا أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي" (٤). وفيه أنه يحسن إذا اتُّخذ سريرٌ أو استحدثَ بناء أن يبتدأ فيه بالصلاة، وأنه تجوز الصلاة على السُّرُر والتُّخوت، ونزوله للسجود يشبه أن يكون لتضايق المنبر له خاصة إذا روعيت التخوية (٥) والهيئات

стр. 455

المسنونة في السجود، وأنه لا بأس بالأفعال القليلة في الصلاة، وكان المنبر ثلاث درجات، قال الخطابي: ولعله قام على الثانية منها فلم يكن في نزوله وصعوده إلا خطوتان، وأنه يجوز الاقتداء وإن كان مكان الإِمام أرفع، والأولى أن لا يفعل ذلك، قال الشافعي: ولم يرو أنه ﷺ صلى على المنبر إلا مرة واحدة وكان غرضه أن ينظروا إلى صلاته ويضبطوا أعماله فيها (١). الأصل [٢٤٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس أنه أخبره أنه بات عند ميمونة زوج النبي ﷺ أمّ المؤمنين وهي خالته، قال: فاضطجعت في عرض الوسادة واضطجع رسول الله ﷺ وأهله في طولها، فنام رسول الله ﷺ حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، استيقظ رسول الله ﷺ فجعل يمسح وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شنٍّ معلقة فتوضأ فأحسن وضوءه ثم قام يصلي، فقال ابن عباس: فقمت فصنعت مثل ما صنع، ثم ذهبت فقمت إلى جنبه، فوضع رسول الله ﷺ يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني اليمنى ففتلها، فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين، ثم أوتر ثم اضطجع حتى جاء المؤذن، فقام، فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج فصلى الصبح" (٢).

стр. 456

الشرح مخرمة بن سليمان الوالبي الأسدي من أسد خزيمة مدني. سمع: كريبًا. يروي عنه: مالك، وعبد ربه بن سعيد، وعياض بن عبد الله، والضحاك بن عثمان. يقال: إنه قتل سنة اثنتين ومائة (١). والحديث صحيح: أورده مالك في "الموطأ" (٢) والبخاري في "الصحيح" (٣) عن القعنبي، ومسلم (٤) عن يحيى بن يحيى بروايتهما عن مالك. وميمونة أم المؤمنين خالة عبد الله بن عباس، وأمّه لبابة بنت الحارث بن حزن الهلالية. وقوله: "فاضطجعت في عرض الوسادة" المشهور من اللفظ: العرض الذي هو ضدّ الطول، أي: توسدتها في العرض، وروى بعضهم: العُرضُ بضم العين وهو الناحية والجانب، ويشبه أن يكون اضطجاعهم كذلك؛ لأنه لم يوجد وسادة أخرى أو تلطفوا به لصغره، وإلا لما اضطجع قريبًا من رسول الله ﷺ . وقوله: "فجعل يمسح وجهه بيده" هذا على ما يعتاد المتنبّه من النوم طردًا لبقيته، وفي بعض الروايات: "فجعل يمسح النوم عن وجهه

стр. 457

بيده" ولم يقم للوضوء إلى أن يزول بقية النوم ليكون عند القيام قويًّا نشيطًا ولم يخل الوقت عن الذكر والقراءة. والشنُّ والشنَّةُ: القربة البالية، والجمع: الشِّنان، وقد يبتغى لتبريد الماء السقاء الخلق فإنه أشدّ تبريدًا. وقوله: "فأحسن الوضوء" وفي بعض روايات "الصحيح" فتوضأ وضوءًا خفيفًا ويروى "وصف وضوءه فجعل يخففه ويقلّله" وفي بعض روايات "الصحيح" توضأ وضوءًا حسنًا بين الوضوءين وهذا يوضح إطلاق من أطلق أنه أحسن الوضوء، وإطلاق من أطلق أنه خفَّفه، والمقصود أنه لم يخلّ ولم يبالغ كل المبالغة. وقوله: "ثم [ذهبت] (١) فقمت إلى جنبه" يعني من الشق الأيسر، وهو مصرّح به في كثير من الروايات، ويبيّنه قوله: "فوضع يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني اليمنى" والواقف على اليمين يشق أخذ أذنه اليمنى، وذكر أن الفتل يحتمل أن يكون ليديره إلى اليمين، ويحتمل أن يريد تأديبه، والفتل أذكر للحال وأعون على الامتثال في الاستقبال، وحكى الربيع أن الشافعي فتل شحمة أذنه قال: فلما وجدت هذا عن ابن عباس علمتُ أن الشافعي فعل ذلك عن أصل، وفي كثير من الروايات أخذ بيدي فأقامني من وراء ظهره على الشق الأيمن، فجعلت إذا أغفيت يأخذ شحمة أذني وهذا يشعر بأن الفتل كان لإيقاظه، وأن الإدارة كانت بالأخذ بيده. وقوله: "فصلى ركعتين ثم ركعتين" ليس في الكتاب ذكر الركعتين إلا خمس مرات (٢)، وفي "الموطأ" و"الصحيحين" وسائر

стр. 458

الأصول ذكر الركعتين ست مرات ثم أوتر، ويوافق الأول ما رواه مسلم عن محمَّد بن رافع، عن ابن أبي فديك، عن الضحاك، عن مخرمة، عن كريب قال: فصلى إحدى عشرة ركعة، ثم احتبى حتى إني لأسمع نفسه راقدًا (١) ويوافق الثاني ما في كثير من روايات "الصحيح" فصلى تلك الليلة ثلاث عشرة ركعة. وعن زيد بن خالد الجهني أنه قال: قلت لأرمقن صلاة رسول الله ﷺ الليلة، فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم أوتر، فذلك ثلاث عشرة ركعة (٢) وعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء -وهي التي يدعو الناس العتمة- إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة (٣) وعنها قالت: كان النبي ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة منها الوتر وركعتا الفجر (٤) وعن مسروق قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ بالليل، فقالت: سبع وتسع وإحدى عشرة سوى الفجر (٥). وقد تفهم هذِه الروايات عن عائشة أن من قال إحدى عشرة لم يحسب ركعتي الفجر، ومن قال ثلاث عشرة أراد مع ركعتي الفجر، وعن رواية عبد ربه بن سعيد عن مخرمة عن كريب فصلى تلك الليلة ثلاث عشرة ركعة ثم نام حتى نفخ، ثم أتاه المؤذن فخرج فصلى ولم يتوضأ فلم يذكر

стр. 459

الركعتين بعد مجيء المؤذن والاستيقاظ، وقد يفهم مما روي عنها أنه ﷺ كان ينقصها تارة ويزيدها أخرى على ما يتفق ويقتضيه الحال. وقوله: "ثم أوتر" أي جعلها وترًا وليس المقصود أن الركعات التي قدمها خارجة عن الوتر؛ لما روي عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يوتر بثلاث عشرة فلما كبر وضعف أوتر بسبع (١). وقوله: "ثم اضطجع حتى جاء المؤذن" وفي غير هذِه الرواية: ثم اضطجع فنام حتى نفخ وكان إذا نام نفخ ثم أتاه بلال فآذنه بالصلاة فخرج وصلى الصبح ولم يتوضأ. قال سفيان: وكان ذلك للنبي ﷺ خاصة، لما بلغنا؛ أن النبي ﷺ تنام عيناه ولا ينام قلبه. وقوله: "فصلى ركعتين خفيفتين" يريد ركعتي الفجر، وفي الحديث أنه نام من أول الليل وصلّى آخره، ويروى عن عائشة "أن النبي ﷺ كان ينام أول الليل ويحيي آخره" (٢). وأنه يستحب قراءة الآيات العشر عند الانتباه، وأنه إذا لم يحضر إلا مأموم واحد ينبغي أن يقف على يمين الإِمام فإن لم يفعل حوله الإِمام إلى اليمين، وأنه لا يضر الفعل اليسير في الصلاة، وأنه تجوز الجماعة في صلاة التطوع، وأنه قد يشرع الإنسان في الصلاة منفردًا ثم يصير إمامًا، ويتبيَّن فيه رشد ابن عباس ﵁ في حداثة سنِّه حيث تقيل (٣) رسول الله ﷺ في القيام من النوم والوضوء والصلاة.

стр. 460

الأصل [٢٤٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي صلاته من الليل وأنا معترضة (١) بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة (٢). [٢٥٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن مالك بن مغول، عن [عون بن أبي جحيفة] (٣) عن أبيه أنه قال: "رأيت رسول الله ﷺ بالأبطح وخرج بلال بالعنزة فركزها فصلى إليها والكلب والحمار والمرأة يمرون بين يديه" (٤). الشرح مالك: هو ابن مغول بن عاصم، أبو عبد الله البجلي الكوفي. سمع: طلحة بن مصرّف، والشعبي، وعطاء. وروى عنه: الثوري، ووكيع، وأبو نعيم. مات سنة تسع وخمسين ومائة (٥). وعون: هو ابن وهب أبي جحيفة بن عبد الله السوائي. سمع: أباه، والمنذر بن جرير. وروى عنه: الثوري، وشعبة، وعمر بن أبي زائدة، وأبو
следующие страницы →