← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123510

شرح مسند الشافعي

الرافعي

Полный текст (1 876 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

محمَّد بن عجلان، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح أن أبا سعيد الخدري قال: أرسل إلى مروان وإلى رجل قد سماه فمشى بنا حتى أتى المصلى فذهب ليصعد، فجبذته إلى، فقال: يا أبا سعيد ترك الذي تعلم. قال أبو سعيد: فهتفت ثلاث مرات وقلت: والله لا تأتون إلا شرًّا منه (١). [٣٣٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، حدثني زيد بن أسلم، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخدري قال: كان النبي ﷺ يصلي يوم الفطر والأضحى قبل الخطبة (٢). [٣٣٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، حدثني هشام بن حسان، عن ابن سيرين؛ أن النبي ﷺ كان يخطب على راحلته بعدما ينصرف من الصلاة يوم الفطر والنحر (٣). الشرح عمر: هو ابن نافع العدوي، مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب. سمع: أباه نافعًا. وروى عنه: عبيد الله بن عمر، وإسماعيل بن جعفر، وروح بن القاسم. مات في خلافة أبي جعفر بالمدينة (٤).

стр. 562

وعبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري، يعد في أهل الكوفة، كان صغيرًا على عهد رسول الله ﷺ . سمع: زيد بن ثابت، وأبا مسعود، والبراء، وحذيفة. وروى عنه: الشعبي، ومحارب بن دثار. مات زمن ابن الزبير (١). وحديث ابن عباس صحيح مخرج في الكتابين (٢)، وكذلك حديث ابن عمر (٣)، وأبي سعيد الخدري (٤) على بسط واختصار. وقوله: "فرأى أنه لم يسمع النساء" يشبه أن يكون سببه بُعْد مجلسهن عن مجالس الرجال، ولما ظن ذلك لما يستجز حرمانهن فأتاهن ووعظهن. وقوله: "ومعه بلال قائل بثوبه" أي: باسط له، وكذلك ورد في بعض الروايات، والتعبير عن البسط بالقول من جهة أن القول يقام مقام الإشارة، فيقال: قال برأسه كذا، أو قال بثوبه كذا، أي: أشار، وبسط الثوب إشارة إلى الاستماحة والطلب وهو كمدّ السائل اليد، ورواه بعضهم "وبلال قابل بثوبه" أي: آخذ، من قولهم: قبلت القابلة المولود، أي: تلقته وأخذته، وقبلت الدلو من المستقي إذا أخذتها منه. وحديث عبد الله بن يزيد الخطمي صريح في أن معاوية أخر الصلاة عن الخطبة، وفي حديث أبي سعيد ما يدل على أن مروان هو الذي فعل ذلك وسياقه في "صحيح البخاري" أن أبا سعيد قال: كان

стр. 563

النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيءٍ يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم. قال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان -وهو أمير المدينة- في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي فجبذتُ بثوبه، فجبذني فارتفع فخطب قبل الصلاة. فقلت له: غيرتم والله. فقال: أبا سعيد ذهب ما تعلم. فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم. فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة". وقوله: "فهتفت به ثلاث مرات" أي: صحت، وذلك إما للتعجب أو الإنكار. والأحاديث متطابقة على تقديم صلاة العيد على الخطبة. قال الشافعي: وفيها دلالة على أنه لا بأس بأن يخطب على الراحلة، وأنه إذا رأى أنه لم يسمع طائفة من القوم إما النساء أو النساء وبعض الرجال؛ فينبغي أن يأتيهم ويخطب لهم خطبة خفيفة، ولا يجب ذلك لأنه لم يرو عن النبي ﷺ ذلك إلا مرة (١). الأصل [٣٣٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، حدثني

стр. 564

جعفر بن محمَّد، أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كبروا في العيدين والاستسقاء سبعًا وخمسًا، وصلوا قبل الخطبة وجهروا بالقراءة (١). [٣٣٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، حدثني إسحاق بن عبد الله، عن عثمان بن عروة، عن أبيه؛ أن أبا أيوب وزيد بن ثابت أمرا مروان أن يكبر في صلاة العيدين سبعًا وخمسًا (٢). [٣٣٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، حدثني جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب أنه كبر في العيدين والاستسقاء سبعًا وخمسًا وجهر بالقراءة (٣). [٣٤٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع مولى ابن عمر، قال: شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة فكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الآخرة خمس تكبيرات قبل القراءة (٤). الشرح عثمان: هو ابن عروة بن الزبير بن العوام الأسدي القرشي. سمع: أباه. وروى عنه: أخوه هشام بن عروة، وسفيان بن عيينة، وعثمان بن حكيم (٥). وأبو أيوب: هو خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري بدري.

стр. 565

سمع: النبي ﷺ ، وأبي بن كعب. وروى عنه: البراء بن عازب، وعروة بن الزبير، وعطاء بن يزيد، وابن أبي ليلى، وغيرهم. مات سنة اثنتين وخمسين زمن معاوية بالقسطنطينية (١). وزيد: هو ابن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو أبو خارجة، ويقال: أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الرحمن الأنصاري، كاتب النبي ﷺ . روى عنه: أبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وعطاء بن يسار، وابنه خارجة بن زيد. مات سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة خمس وأربعين (٢). وحديث جعفر عن النبي ﷺ منقطع، لكن نقل معناه موصولًا عن النبي ﷺ من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، واللفظ: "كبر النبي ﷺ في العيدين سبعًا وخمسًا، في الأولى سبعًا، وفي الآخرة خمسًا سوى تكبيرة الصلاة" (٣). ومن رواية كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده، واللفظ: "أن رسول الله ﷺ كان يكبر في العيدين في الركعة الأولى سبع تكبيرات، وفي الركعة الثانية خمس تكبيرات قبل

стр. 566

القراءة" (١) وفي الباب عن عائشة وابن عمر. وعن محمَّد بن إسماعيل البخاري أن حديث كثير عن أبيه عن جده أصح شيء في الباب، قال: وبه أقول. ثم أكد الشافعي الحديث بالأثر عن أبي أيوب وزيد بن ثابت وعلي وأبي هريرة، قال: ولو لم يكن عندنا إلا فعل أبي هريرة وبتكبيره في دار الهجرة والسنة وبين أصحاب رسول الله ﷺ لكفى دليلًا على أنه لم يكبر بهم خلاف تكبير رسول الله ﷺ ، وإنما خص فعل أبي هريرة بالذكر لأن الأثر عنه أصح إسنادًا. وفيما رواه الشافعي بيان أن صلاة الاستسقاء كصلاة العيدين في التكبيرات السبع والخمس. وأنه يجهر بالقراءة في صلاة العيد، وأن التكبيرات قبل القراءة، وعند أبي حنيفة يكبر في كل ركعة ثلاثًا وتقدم على القراءة في الركعة الأولى، وتؤخر عنها في الثانية وتوالى بين القراءتين. الأصل [٣٤١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، ثنا مالك، عن ضمرة بن سعيد المازني، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي ما كان يقرأ به رسول الله ﷺ في الأضحى والفطر؟ فقال: كان رسول الله ﷺ يقرأ بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ (٢).

стр. 567

الشرح ضمرة بن سعيد المازني الأنصاري المديني. سمع: أبا سعيد الخدري، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة. وروى عنه: مالك، وابن عيينة، وفليح بن سليمان (١). وأبو واقد: هو الحارث بن عوف، وقيل: الحارث بن مالك، ويقال: عوف بن الحارث بن أسيد بن جابر الليثي المديني، صحب النبي ﷺ وكان ممن شهد بدرًا. روى عنه: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، ويزيد أبو مرّة مولى عقيل. مات بمكة سنة ثمان وستين، ودفن في مقبرة المهاجرين (٢). والحديث صحيح أخرجه مسلم (٣) عن يحيى بن يحيى، وأبو داود (٤) عن القعنبي، والترمذي (٥) عن إسحاق بن موسى عن معن بن عيسى، بروايتهم جميعًا عن مالك، وعن الشافعي في رواية حرملة أنه قال: الحديث ثابت إن لقي عبيد الله أبا واقد، وأشار به إلى ما ذكروا أنه لم يدرك عبيد الله أيام عمر ﵁ وسؤاله أبا واقد، لكن مسلمًا (٦) عقب هذِه الرواية بحديثه عن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي عامر العقدي، عن فليح، عن ضمرة، عن عبيد الله عن أبي واقد، قال: "سألني عمر بن الخطاب ... " وذكر الحديث، ويروى عن النعمان بن بشير "أن النبي ﷺ

стр. 568

كان يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ " (١). واعلم أن في الأحاديث الواردة فيما يقرأ في الجمعة والعيدين وغيرهما، وفيما يتعلق بفضائل السور دلالة ظاهرة على أن السور المؤلفة من الآيات كانت معلومة مضبوطة على عهد رسول الله ﷺ ، وأن الصحابة لم يؤلفوها برأيهم. الأصل [٣٤٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم، حدثني ليث، عن عطاء؛ أن رسول الله ﷺ كان إذا خطب يعتمد على عنزته اعتمادًا (٢). الشرح ليث: هو ابن سلمان إن شاء الله - بياع السابري. سمع عطاء. وروى عنه: وكيع، وأبو نعيم، وابن مهدي، وأسباط بن محمَّد (٣). والاعتماد على العنزة أو ما في معناها في خطبة الجمعة قد مر ذكره، ويروى عن يزيد بن البراء عن أبيه "في صلاة النبي ﷺ يوم أضحى، ثم استقبل بوجهه وأعطي قوسًا أو عصى، فاتكأ عليها فحمد الله وأثنى عليه" (٤).

стр. 569

قال الشافعي: وأحب لمن خطب أي خطبة كانت أن يعتمد على شيء، وإن ترك الاعتماد، أحببتُ له أن يسكن يديه وجميع بدنه، ولا يعبث بيده إما أن يضع اليمنى على اليسرى وإما أن يسكنهما. الأصل [٣٤٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد [حدثني] (١) عبد الرحمن بن محمَّد بن عبد الله (١/ ق ١٣٠ - ب) عن إبراهيم بن عبد الله، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: السنة أن يخطب الإِمام في العيدين خطبتين يفصل بينهما بجلوس (٢). الشرح عبد الرحمن: هو ابن عبد الله بن عبد القاري. روى عن: أبيه، وإبراهيم بن عبد الله. وروى عنه: ابنه يعقوب، ومحمد بن عبد الله الأعشى (٣). وإبراهيم: هو ابن عبد الله بن عبد القاري عم عبد الرحمن. روى عن: أبي هريرة، وابن عباس وروى عنه: الجعيد بن عبد الرحمن، وغيره (٤). وقوله: "من السنة أن يخطب الإِمام إلى آخره ... " يشعر بأنه يقوم في الخطبتين ليفصل بينهما بالجلوس، والغالب من إطلاق الصحابة والتابعين إذا قالوا: "في السنة كذا" أنهم يعنون سنة رسول الله ﷺ

стр. 570

والمراد ما بينه وشرعه، ويمكن أن يحمل ها هنا على السنة المقابلة للفريضة فإن القيام في خطبتي العيد يسن ولا يشترط، بخلاف خطبة الجمعة بل أصل الخطبة لا تشترط للاعتداد بصلاة العيد. وزاد الشافعي في "الأم" فروى بهذا الإسناد عن عبيد الله أنه قال: "السنة في التكبير يوم الأضحى والفطر على المنبر قبل الخطبة أن يبتديء الإِمام وهو قائم على المنبر بتسع تكبيرات [تترى (١) لا] يفصل بينهما بكلام، ثم يخطب ثم يجلس جلسة، ثم يقوم في الخطبة الثانية فيفتتحها بسبع تكبيرات" (٢). الأصل [٣٤٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، حدثني إبراهيم بن عقبة، عن عمر بن عبد العزيز، قال: اجتمع عيدان على عهد رسول الله ﷺ فقال: من أحب أن يجلس من أهل العالية فليجلس في غير حرج (٣). [٣٤٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال: شهدت العيد مع عثمان بن عفان ﵁ فجاء فصلى ثم انصرف فخطب، فقال: إنه قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان، فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها، ومن أحب أن يرجع فليرجع فقد أذنت له (٤).

стр. 571

الشرح إبراهيم: هو ابن عقبة بن أبي عياش مولى آل الزبير بن العوام، يعد في أهل المدينة. سمع: كريبًا، وغيره. وروى عنه: ابن المبارك، والثوري، وابن عيينة، وزهير بن معاوية (١). والحديث مرسل لكنه موصول من طرق أخر: فعن أبي هريرة وابن عباس أنه قال في يوم جمعة وعيد: قد اجتمع عيدان في يومكم هذا، فمن شاء أجزأه للجمعة وإنا مجمعون (٢). وعن ابن عمر أنه قال: "اجتمع عيدان على عهد النبي ﷺ فصلى بالناس ثم قال: من شاء أن يأتي الجمعة فليأتها، ومن شاء فليتخلف" (٣). وفي الباب عن زيد بن أرقم. والأثر عن عثمان مخرج في "الصحيحين" (٤) ومؤكد له، ثم ذلك

стр. 572

عند الشافعي ومعظم أهل العلم محمول على أهل القرى إذا شق عليهم الذهاب والإياب؛ فأمَّا أهل المصر فعليهم العود للجمعة بلا خلاف، وفي قوله: "من أحب أن يجلس من أهل العالية فليجلس ومن أحب أن ينتظر الجمعة فلينتظرها" ما يدل على أن المقصود أهل القرى. وقوله: "فليجلس في غير حرج" أي: من غير أن يضيق عليه الأمر، بل له الانصراف. وفيه أن يوم الجمعة يسمى عيدًا. والعالية: ما كان من جهة نجد من قرى المدينة، وأدنى العوالي على ثلاثة أميال من المدينة، وقيل: على أربعة، وأبعدها على ثمانية أميال. الأصل [٣٤٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قال: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ (١) والناس معه، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا قال: نَحْوًا مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ قال: ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد ثم قام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وَهْوَ دُونَ الرّكُوعِ الأَوَّلِ، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعًا طويلًا وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثم سجد، ثم انصرف، وقد تجلت الشمس، فقال: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَا

стр. 573

يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا الله" قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت في مقامك شيئًا، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كأنك تَكَعْكَعْتَ؟ قال: "إِنِّي رَأَيْتُ -أَوْ أُرِيتُ الجَنَّةَ- فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَرَأَيْتُ أو أريت النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ" قالوا: لم يا رسول الله؟ قال: بكفرهن. قيل: "أيكفرن بالله؟ قال: يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ" (١). الشرح الحديث مودع في "الموطأ" (٢) وفي "الصحيحين" (٣) فرواه البخاري عن القعنبي، ومسلم عن محمَّد بن رافع عن إسحاق بن عيسى بروايتهما عن مالك، ورواه مختصرًا أبو محمَّد الدارمي في "مسنده" (٤) عن البويطي عن الشافعي عن مالك. وفي الباب عن عائشة، وأبي موسى -وسيأتي حديثهما في الكتاب- وعن علي، وابن عمر، وجابر، وعبد الله بن عمرو، والنعمان بن بشير، والمغيرة بن شعبة، وأبي مسعود، وأبي بكرة، وسمرة، وأبي بن كعب ﵁.

стр. 574

وقوله: "وخسفت (١) الشمس" الخسوف والكسوف كل منهما يقال في الشمس والقمر جميعًا، وعن بعضهم أن الخسوف يختص بالشمس والكسوف بالقمر، ونص القرآن يبطله، وقال ثعلب: أجود الكلام: كسفت الشمس وخسف القمر (٢)، وعن الليث بن سعد أن الخسوف فيهما والكسوف في الشمس خاصة، ويقال: كسفت الشمس كسوفًا وكسفها الله كسفًا فهي كاسفة ومكسوفة وأكسفها الله، ويقال أيضًا: انكسفت، وخسف المكان أيضًا خسوفًا: ذهب في الأرض، وخسف الله بفلان الأرض، ورضي فلان بالخسف أي: بالنقيصة. وقوله: "الشمس والقمر آيتان من آيات الله ... إلى آخره" ذكر له معنيان: أحدهما: أن أهل الجاهلية كانوا يزعمون أن كسوف الشمس والقمر يقتضي حدوث تغيرات في العالم من موت كبير وضرر عام كما يزعم المنجمون من تأثير الكواكب، فبين النبي ﷺ أن ذلك باطل، وأن خسوفهما آيتان يريهما خلقه ليعلموا أنهما مسخرات لله تعالى لا يقدران على الدفع عن نفسهما ولا سلطان لهما على غيرهما، وأمر بالصلاة والذكر عند خسوفهما إبطالًا لقول الجهال في عبادتهما والسجود لهما، وفزعًا إلى الله تعالى المستحق للعبادة والتعظيم. والثاني: أنهما من الآيات التي تظهر قبيل قيام الساعة على ما قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾ (٣) فيخوف اللهُ تعالى بخسوفهما عباده ويذكرهم أمر الساعة؛ ليفزعوا إلى الله تعالى بالتوبة

стр. 575

والاستغفار والذكر، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (١). وفي رواية أبي بكرة، عن النبي ﷺ : "آيتان من آيات الله لا يكسفان لموت أحد ولكن يخوّف اللهُ بهما عباده" (٢). وقيل: يحتمل أن يكون الأمر بالصلاة والذي عندهما فزعًا إلى الله تعالى لاستدفاع ما يوهم متوهمون حدوثه عند حدوثهما. وقوله ﷺ : "فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله تعالى" حمله الشافعي على الصلاة، واستشهد له بقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ (٣) وفي بعض الروايات: "فإذا رأيتموه فصلوا" وفي بعضها: "فكبروا وادعوا الله، وصلوا وتصدقوا". وقوله: "وتكعكعت" (٤) يقال: كععته فتكعكع، أي: حبستُه فاحتبس، وتكعكع أيضًا: جبن، وهو راجع إلى الأول، ويقال: إن أصل تكعكع تكعع فأدخلت الكاف بينهما، وفي بعض روايات "الصحيح" "كففت" بدل "تكعكعت". وقوله: "إني رأيت أو أريت الجنة". كأنه شك من الراوي. وقوله: "فتناولت منها عنقودًا" كأن المعنى: فأردت أن أتناول؛ لأن في بعض روايات "الصحيح": "ثم جيء بالجنة وذلك حين رأيتموني تقدمت، ولقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا

стр. 576

إليه ثم بدا لي أن لا أفعل، فما من شيء توعدونه إلا وقد رأيته في صلاتي هذِه" رواه جابر (١)، وأيضًا ففي رواية عائشة: "رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم، حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفًا من الجنة حين رأيتموني أتقدم" (٢). وقوله: "فلم أر كاليوم منظرًا" يريد لم أر منظرًا في البشاعة والفظاعة كما رأيت اليوم، ولفظ رواية البخاري في "الصحيح": "فلم أر منظرًا كاليوم قط أفظع". وقوله: "يكفرن العشير" يعني: الزوج، سميّ به لأنه يعاشرها وتعاشره، قال تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ (٣) والمعاشرة: المخالطة، ويقال: كفر كفورًا وكفرانًا أي: جحد النعمة. وفي الحديث أنه يصلى للخسوف بالجماعة لقوله: "فصلى رسول الله ﷺ والناس معه" وأنه يسن في قيامها وركوعها التطويل، واحتج الشافعي بقوله "نحوًا من سورة البقرة" على أنه لم يجهر بالقراءة؛ لأنه لو جهر وبلغهم الصوت لأشبه أن ينقل الراوي ما سمع ولا يقدر بالبقرة؛ وأما في خسوف القمر فيستحب الجهر. وقوله في الركعة الأولى: "ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول" بين أنه ينبغي أن يكون القيام الأول أطول من الثاني، والركوع الأول أطول من الثاني، وقضية ما ذكره الأصحاب أنه يجعل القيام الأول في الركعة الثانية دون القيام الثاني في الأولى، والركوع الأول في الثانية دون الركوع الثاني في الأولى أن يحمل الأول في قوله: "دون القيام الأول"

стр. 577

و"دون الركوع الأول". والركعة الثانية على الذي يليه هذا الذي فيه الكلام، وهذِه الكيفية التي اشتمل عليها حديث ابن عباس أشهر والروايات بها أكثر، وفي "صحيح مسلم" (١) من رواية طاوس، عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى في الكسوف فقرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم سجد وفي الأخرى مثلها وبعبارة أخرى: صلى ثمان ركعات في أربع سجدات (٢). وعن عبيد بن عمير، عن عائشة؛ أن النبي ﷺ صلى ست ركعات وأربع سجدات (٣). ويروى مثله من رواية جابر، وعن أبي بن كعب؛ أنه ﷺ صلى ركعتين في كل ركعة خمس ركوعات (٤). ويروى عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ ؛ أنه صلى ركعتين في كل ركعة ركوع واحد كسائر الصلوات (٥). وحمل بعضهم الروايات على أنه صلاها مرات وزاد ونقص بحسب مدة الخسوف، وإلى هذا ذهبت طائفة من أصحابنا. وقوله: "ثم انصرف وقد تجلت الشمس" يبين وقوع الخطبة بعد زوال الخسوف؛ فإن خطبة الكسوف مؤخرة عن الصلاة كخطبة العيد،

стр. 578

وفي "صحيح البخاري" من رواية أسماء؛ أن النبي ﷺ انصرف وقد تجلت الشمس فخطب فحمد الله تعالى بما هو أهله (١). ورأى الشافعي أن قوله في حديث ابن عباس "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ... إلى آخره" أجراه في الخطبة، ويوضحه ما في رواية عائشة؛ أن النبي ﷺ صلى وقد تجلت الشمس فخطب الناس فقال في كسوف الشمس والقمر: "إنهما آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة" (٢). وإنما قالوا: "رأيناك تناولت في مقامك شيئًا ... إلى آخره" لأنه ﷺ قد ذكر في خطبته بعد حمد الله والثناء عليه: "ما من شيءٍ كُتب لم أره إلا رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار" وكذلك رواية أسماء. وفيه أنهم كلموه في الخطبة، وأن تطويل العبادة وإدامتها تفيده المعارف فإنه ﷺ لما أطال الصلاة اطلع على المغيبات، وفيه أن كفران النعمة من المنكرات الموجبة للعقوبات، وأن النساء أسرع إليه. واعلم أن هذا الحديث مع أحاديث بعده تتعلق بصلاة الخسوف ولم يترجم لها أبو العباس بابًا ولا لصلاة الاستسقاء بعدها واقتصر على سرد الأحاديث. الأصل [٣٤٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، عن الحسن، عن ابن عباس أن القمر كسف وابن عباس بالبصرة فخرج

стр. 579

ابن عباس فصلى بنا ركعتين في كل ركعة ركعتين (١)، ثم ركب فخطبنا فقال: إنما صليت كما رأيت رسول الله ﷺ يصلي، وقال "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شيئًا منهما خاسفًا فليكن فزعكم إلى الله" (٢). الشرح فيه أنه يصلى لخسوف القمر كما يصلى لخسوف الشمس، وفيه إطلاق الكسوف في القمر، وفيه أن في كل ركعة ركوعين، وفيه رعاية الجماعة حيث قال: "فصلى بنا" وأنه خطب بعد الصلاة، وأنه خطب راكبًا. وقوله: "إنما صليت كما رأيت رسول الله ﷺ يصلي" يجوز أن يريد صلاته ﷺ كسوف القمر، ويجوز أن يريد صلاته لخسوف الشمس ويقول: صليت لخسوف القمر كما رأيته يصلي لخسوف الشمس، وأنه ﷺ أمر عند خسوفهما بالصلاة. وقوله: "فليكن فزعكم إلى الله تعالى" يعني: إلى طاعته من الذكر والصلاة وغيرهما، وفي "صحيح البخاري" (٣) مسندًا عن أسماء قالت: لقد أمر النبي ﷺ بالعتاقة في كسوف الشمس. الأصل [٣٤٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي ﷺ ؛ أن الشمس كسفت فصلى رسول

стр. 580

الله ﷺ ، فوصفت صلاته ركعتين في كل ركعة ركعتين (١). [٣٤٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة عن النبي ﷺ مثله (٢). [٣٥٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، حدثني أبو سهيل بن نافع، عن أبي قلابة، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ مثله (٣). [٣٥١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن عمرو أو صفوان بن عبد الله بن صفوان قال: رأيت ابن عباس صلى على ظهر زمزم لخسوف الشمس والقمر ركعتين في كل ركعة ركعتين (٤). الشرح أبو سهيل: إن كان عم مالك بن أنس فهو نافع لا ابن نافع وقد سبق ذكره، لكن في أكثر النسخ أبو سهيل بن نافع، وفي بعضها أبو سهيل نافع (٥). وأبو موسى: هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار الأشعري اليماني، قدم على النبي ﷺ بخيبر بعدما فتحها بثلاث مع أهل السفينة، وكان ممن نزل البصرة. روى عنه: أنس بن مالك، وابناه أبو بردة وأبو بكر، وطارق بن شهاب.

стр. 581

مات سنة أربع وأربعين (١). وصفوان: هو ابن عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف الجحمي القرشي المكي. سمع: ابن عمر، وأم الدرداء. وروى عنه: الزهري (٢). وحديث عمرة عن عائشة وهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أخرجهما البخاري في "الصحيح" (٣) مطولين عن القعنبي عن مالك. وروى مسلم (٤) الأول منهما عن ابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد، والثاني عن قتيبة عن مالك. والشافعي أوردهما محتجًّا بهما على أن في كل ركعة من صلاة الخسوف ركوعين فاختصرهما واقتصر على محل الاحتجاج. وقوله في حديث أبي موسى: "مثله" يريد مثل حديث عمرة وعروة في أنه ركع في كل ركعة ركوعين، وحديث أبي موسى مخرج في "الصحيحين" (٥) أيضًا من رواية ابنه أبي بردة، ولكن ليس فيه أنه ركع في كل ركعة ركوعين أو أقل أو أكثر، وفيه أنه طول السجود كما طول القيام وهو قول للشافعي، ثم أيَّد الأحاديث بالأثر عن ابن عباس. وفي رواية المزني أن الشافعي ذكره بإسناده عن صفوان من غير

стр. 582

شك والظن أن عمرًا هو ابن دينار، وقد ترجح به رواية من روى عن ابن عباس عن النبي ﷺ ؛ أنه ركع في كل ركعة ركوعين على رواية طاوس عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ زاد على ذلك؛ لأن الظاهر أن الراوي لا يخالف ما رواه، وهذا آخر ما يتعلق بالخسوف. الأصل [٣٥٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك بن أنس، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس بن مالك قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هلكت المواشي وتقطعت السبل فادع الله، فدعا رسول الله ﷺ فمطرنا من جمعة إلى جمعة. قال: فجاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله تهدمت البيوت وتقطعت السبل وهلكت المواشي، فقام رسول الله ﷺ فقال: "اللهم على رؤوس الجبال والآكام، وبطون الأودية ومنابت الشجر" فانجابت عن المدينة انجياب الثوب (١). الشرح الحديث صحيح أخرجه البخاري (٢) عن عبد الله بن يوسف عن مالك، والبخاري (٣) ومسلم (٤) بطرق عن شريك مع زيادات. وقوله: "هلكت المواشي وتقطعت السبل" يعني: في المرة الأولى بسبب الجدب، وفي الثانية بسبب كثرة الأمطار والوحول وتعذر الرعي والمسير، ولو كان المتكلم في المرتين واحدًا لجاء لفظ الرجل

стр. 583

في المرة الثانية معرَّفًا، لكنه لم يثبت ذلك ففي "الصحيحين" أن شريكًا قال: "فسألت أنسًا أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري". والآكام: جمع أكمة وهي التل المرتفع من الأرض. وقوله: "فانجابت عن المدينة" أي: انكشفت وتقطعت كالثوب الخلق يتقطع، وقيل: أي انفرجت مستدبرة حول المدينة فصارت المدينة فيها مثل الجَوْبَةِ (١) وهي التُّرْسُ، وأيضًا الوهدةِ (٢) المنقطعة عما علا من الأرض حولها، ويذكر أن ذلك الحديث كان حين دعا النبي ﷺ عليهم فقال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف" (٣). وكانت الشكاية من قلة المطر يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، وكذلك الشكاية الثانية أفصحت الروايات بذلك في "الصحيحين"، وقوله: "من الجمعة إلى الجمعة" يشير إليه. وقوله: "فادع الله فدعا رسول الله ﷺ " في "الصحيح" أنه رفع يديه وقال: "اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا" ويروى بدله: "اللهم أغثنا" ثلاث مرات. وفيه أنه يستحب الاستسقاء بالدعاء في خطبة الجمعة، وقد ذكر الأصحاب أن الاستسقاء أنواع منها: الدعاء المجرد من غير صلاة ولا خلف صلاة، ومنها: الدعاء عقيب الصلاة وفي خطبة الجمعة، ومنها:

стр. 584

الاستسقاء بركعتين وخطبتين مفردتين كذلك، وأنه لا بأس [.. (١) ..] الخطيب، وأنه ﷺ أقام الجمعة الثانية مع دوام المطر وذلك يدل على أن المطر وإن كان عذرًا في ترك الجمعة، فلا يحسن أن يتخلف جميع الناس ويعطلوا الجمعة. الأصل [٣٥٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أخبرني من لا أتهم، عن سليمان بن عبد الله بن عويمر الأسلمي، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: أصابت الناس سنة شديدة على عهد رسول الله ﷺ ، فمرّ بهم يهودي فقال: أما والله لو شاء صاحبكم لمطرتم ما شئتم ولكنه لا يحب ذلك، فأخبر النبي ﷺ بقول اليهودي فقال: "أو قدْ قال ذلك"؟ قالوا: نعم، قال: "إني لأستنصر بالسنة على أهل نجد، وإني لأرى سحابة خارجة من العين فأكرهها، موعدكم يوم كذا أستسقي لكم" قال: فلما كان ذلك اليوم غدا الناس فما تفرق الناس حتى أمطروا ما شاءوا، قال: فما أقلعت السماء جمعة (٢). الشرح سليمان بن عبد الله بن عويمر الأسلمي: ذكره البخاري في "التاريخ" قال: روى عنه: ابن أبي الزناد (٣).

стр. 585

ومقصود الحديث قد أخرج بعضه أبو داود (١) من رواية يونس عن هشام عن أبيه عن عائشة. والسنة: القحط والمجاعة، يقال: أصابهم عام سنة أي: شدة ومجاعة. وقول اليهودي: "إن شاء صاحبكم لمطرتم ما شئتم" يجوز أن يريد أن سبب هذِه الشدة أنه سأل سبعًا كسبع يوسف، ويجوز أن يريد أنه لو استسقى لمطرتم والأول أظهر؛ لقوله: "إني لأستنصر بالسنة على أهل نجد". والعين: ما عن يمين قبلة العراق، يقال: نشأت السحابة من قبل العين وهي خليقة بالمطر، كأنه يقول إذا نشأت سحابة يرجى منها المطر كرهتها لئلا يمطر الذين دعوت عليهم (من) (٢) بين موعد الاستسقاء لأصحابه واستسقى لهم. وقوله: "فما أقلعت" يقال: أقلع عنه أي: كفّ، وأقلعت الحمى: ذهبت، وأقلع المطر والسماءُ، قال تعالى: ﴿وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ (٣). الأصل [٣٥٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك بن أنس، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، أنه سمع عباد بن تميم يقول: سمعت عبد الله بن

стр. 586

زيد المازني يقول: "خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى فاستسقى وحول رداءه حين استقبل القبلة" (١). [٣٥٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، ثنا عبد الله بن أبي بكر، سمعت عباد بن تميم، يخبر عن عمه عبد الله بن زيد [المازني] (٢) قال: "خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى يستسقي فاستقبل [القبلة] (٣) وحول رداءه وصلى [ركعتين] (٤) " (٥). [٣٥٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أخبرني من لا أتهم، عن صالح مولى التوءمة، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ استسقى بالمصلى فصلى ركعتين (٦). الشرح الحديث من رواية عبد الله بن زيد صحيح أخرجه مسلم (٧) عن يحيى بن يحيى عن مالك، وعن سفيان أيضًا، وأخرج البخاري (٨) حديث سفيان عن علي بن عبد الله وغيره عنه، وأخرج أبو داود (٩) حديث مالك عن القعنبي عنه.

стр. 587

وفيه أنه يستحب الخروج إلى المصلى للاستسقاء، والصلاة ركعتين، وتحويل الرداء واستقبال القبلة سنتان. وحديث عبد الله بن زيد قد يوهم تقديم التحويل والدعاء على الصلاة، بل في "صحيح البخاري" من رواية ابن أبي ذئب عن الزهري عن عباد بن تميم عن عمه قال: رأيت النبي ﷺ يوم خرج يستسقي قال: فحول إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو ثم حول رداءه [ثم] (١) صلى لنا ركعتين جهر فيهما بالقراءة (٢) وفي "صحيح مسلم" (٣) نحو منه من رواية يونس عن الزهري، ولذلك ذهب جماعة منهم: عمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم إلى أن في الاستسقاء تقديم الخطبة على الصلاة كما في الجمعة؛ والذي أورده أصحابنا "أن الصلاة تقدم كما في العيد، وأن الإِمام يستقبل القبلة ويحول رداءه في الخطبة الثانية" وربما دعا النبي ﷺ واستقبل وحول أولًا إلا أن يتم اجتماع الناس، ثم فعل ذلك في الخطبة الثانية أيضًا. وقوله في حديث ابن عباس: "أخبرني من لا أتهم" يريد به إبراهيم بن محمَّد، وكذلك في الفصل السابق وسيأتي من بعد ما يبينه. الأصل [٣٥٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، حدثني خالد بن رباح، عن المطلب بن حنطب أن النبي ﷺ كان يقول عند المطر: "اللهم سقيا رحمة ولا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق، اللهم على الظراب ومنابت الشجر، اللهم حوالينا ولا علينا" (٤).

стр. 588

[٣٥٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد العزيز بن محمَّد الدراوردي، عن عمارة بن غزية، عن عباد بن تميم، قال: "استسقى رسول الله ﷺ وعليه خميصة (١) سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعلها أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقيه" (٢). الشرح قوله: "عند المطر" أي: عند نزوله، وقد ورد في "الصحيح" في حديث أنس أن النبي ﷺ لما شكي إليه في الجمعة الثانية كثرة المطر قال: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب ومنابت الشجر" (٣). وقوله: "سقيا رحمة" أي: افعله أو اسقنا سقيا رحمة. والظراب: الجبال الصغار. وقوله: "حوالينا" فيه إضمار أي: اجعله أو أَنزله حوالي المدينة في موضع النبات لا في الأبنية، يقال: هم حَوْله وحَوْليه وحَواله وحَواليْه. والدعاء عند نزول المطر قريب من الإجابة، روي أنه ﷺ قال: "اطلبوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش وإقامة الصلاة ونزول الغيث" (٤). وأما الحديث الثاني فقد رواه الشافعي مرسلًا، ورواه جماعة عن

стр. 589

عبد العزيز موصولًا فقالوا: عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد، وكذلك رواه أبو داود في "السنن" (١) عن قتيبة عن عبد العزيز. ومقصوده بيان كيفية تحويل الرداء، قال الشافعي (٢): آمر الإِمام أن ينكس رداءه فيجعل أعلاه أسفله، ويزيد مع نكسه فيجعل ما كان على منكبه الأيمن على منكبه الأيسر؛ والأول هو الذي همّ به النبي ﷺ فتركه لثقله، والثاني: هو الذي فعله ويصنع الناس في ذلك مثلما صنع الإِمام، والمعنى فيه التفاؤل بتحويل الحال من الضيق إلى السعة، وفيه أنه لا بأس بأن يلبس الإِمام السواد. الأصل [٣٥٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زيد بن خالد الجهني قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت بالليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. [قال] (٣) "قال: أصبح من عبادي مؤمن بي [و] (٤) كافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا أو نوء كذا

стр. 590

فذلك (١) كافر بي مؤمن بالكواكب" (٢). الشرح هذا حديث صحيح ضمنه مالك "الموطأ" (٣) والبخاري "صحيحه" (٤) ورواه عن عبد الله بن مسلمة، ومسلم "صحيحه" (٥) ورواه عن يحيى بن يحيى بروايتهما عن مالك. والحديبية مخففة الياء: وهي قرية ليست بالكبيرة سميت ببئر هناك، ومنها إلى مكة مرحلة وإلى المدينة تسع مراحل، وعن مالك أنها من الحرم، وقيل: إنها من الحل، وقيل: بعضها من الحل وبعضها من الحرم، وعلى تقدير الحل عُدّت من مواقيت العمرة. وقوله: "في إثر سماء" يقال: خرجت في إثره وأثره إذا خرجت عقيبه، والسماء: المطر، سمي سماءً لنزوله من السماء، وعلى ذلك حمل قوله ﵇: "فيما سقت السماء العشر" (٦). وقوله: "مطرنا بنوء كذا" النوء عند العرب: سقوط نجم في المغرب وطلوع رقية، قال أبو عبيد: هي ثمانية وعشرون نجمًا معروفة المطالع في أزمنة السنة يسقط منها في كل ثلاث عشرة ليلة نجم في المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخر يقابله من الشرق من ساعته وتنقضي السنة بانقضاء الثمانية والعشرين. وأصل النوء: النهوض، يقال: ناء ينوء نوءًا؛ لأنه إذا سقط

стр. 591

الساقط بالمغرب ناء الطالع من المشرق، وقد يكون النوء السقوط، ويوافقه ما حكي عن ابن الأعرابي: "أن الساقطة: الأنواء، والطالعة: هي البوارج، وكانوا يقولون: إذا سقط نجم وطلع آخر حدث مطر أو ريح، وكانوا يضيفون الحادث إليها فنهوا عن ذلك وأمروا بالإضافة إلى فضل الله ورحمته، ثم قال الشافعي (١) - وتابعه الأئمة: إنما غلظ النبي ﷺ القول فيمن يجعل ذلك من فعل النجم ولا يرى السقيا من الله تعالى فأما من قال: مطرنا بنوء كذا وأراد أنهم مطروا في ذلك الوقت فهو كقوله مطرنا في شهر كذا. قال الشافعي في "الأم" (٢): وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال يوم الجمعة وهو على المنبر: كم بقي من نوء الثريا؟ فقام العباس ﵁ فقال: لم يبق منه شيء إلا العوَّاء، فدعا ودعا الناس [حتى] (٣) نزل عن المنبر فمطر (٤) وأراد كم بقي من وقت الثريا، لأنهم جربوا الأوقات التي قدر الله فيها الأمطار كأوقات الحر والبرد. الأصل [٣٦٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا من لا أتهم، أخبرني خالد بن رباح، عن المطلب بن حنطب؛ أن النبي ﷺ كان إذا برقت السماء أو رعدت عرف ذلك في وجهه، فإذا أمطرت سري عنه (٥). [٣٦١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا من لا أتهم، قال: قال المقدام

стр. 592

بن شريح، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ إذا [أبصرنا] (١) شيئًا من السماء يعني السحاب ترك عمله واستقبله، وقال: "اللهم إني أعوذ بك من شرّ ما فيه فإن كشفه الله حمد الله، وإن مطرت قال (٢): "سقيا نافعًا" (٣). [٣٦٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا من لا أتهم، ثنا العلاء بن راشد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما هبّت ريح قط إلا جثى النبي ﷺ على ركبتيه [و] (٤) قال: "اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابًا، اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا". قال ابن عباس: في كتاب الله تعالى: ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمًا لرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ وقال: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾. سمعت الربيع يقول: كان الشافعي إذا قال أخبرني من لا أتهم يريد: إبراهيم بن أبي يحيى، وإذا قال أخبرني الثقة: يريد يحيى بن حسان (٥). الشرح المقدام: هو ابن شريح بن هانيء الحارثي الكوفي. سمع: أباه. وسمع منه: الثوري، وشعبة، ومسعر (٦). وأبوه: هو شريح بن هانيء بن يزيد بن كعب الحارثي. سمع: أباه، وعليًّا، وعائشة.

стр. 593

ويروى عن القاسم بن مخيمرة أنه أثنى خيرًا على شريح هذا، وقال: فما رأيت حارثيًّا أفضل منه (١). والعلاء بن راشد: هو الواسطي. [سمع من] (٢): [حلام] (٣) بن صالح الأزدي. وسمع منه: يزيد بن هارون (٤). ويقال: رعدت السماء وبرقت، وأيضًا أرعدت وأبرقت، ورعدت المرأة وبرقت: إذا تحسنت وتزينت، ورعد الرجل وبرق: إذا تهدد وأوعد، وكأن ذلك لأن للرعد والبرق هيبة وزينة من جهة الإضاءة والإشراق، فاستعير اللفظ تارة للتهديد وأخرى للتزيّن، ويقال: مطرت السماء تمطر مطرًا وأمطرها الله، ومنهم من يقول: مطرت السماء وأمطرت بمعنى، وعلى هذا ينطبق قوله في الحديث: "فإذا أمطرت". ويقال: سُري عنه وانسرر عنه الهم: إذا انكشف. وقوله "سقيا نافعًا" أي: اجعله كذلك. والمقصود أنه ﷺ كان يتغير إذا تغير الهواء ويتفكر، فإذا نزل القطر سكن ما به لنزول الرحمة، وفي "الصحيح" (٥) عن عطاء بن أبي

стр. 594

رباح عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ إذا عصفت الريح قال: "اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به". [قالت] (١): وإذا تجلت (٢) السماء تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سري عنه فعرفت ذلك عائشة منه فسألته، فقال: لعله يا عائشة كما قال قوم عاد: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ (٣). وقوله في حديث ابن عباس: "اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا" أراد به ما بينه ابن عباس أن لفظ الرياح في القرآن ورد في الخير غالبًا، ولفظ الريح ورد في طرف الشر. وأما ما ذكر الربيع من مراد الشافعي بمن لا يتهم وبالثقة فقد زيد فيه وإذا قال: "قال بعض الناس" فيريد به أهل العراق، وإذا قال: "قال بعض أصحابنا" فيريد به أهل الحجاز، ثم قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ: جرى الربيع فيما ذكره على الغالب وقد يريد الشافعي بالثقة غير ابن حسان كإسماعيل ابن علية وأبي أسامة وأحمد بن حنبل وهشام بن يوسف الصنعاني، وقد سبق هذا أو نحو منه في أول الكتاب. الأصل [٣٦٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا من لا أتهم، أخبرني

стр. 595

صفوان بن سليم (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا الريح وعوذوا بالله من شرها" (٢). [٣٦٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا الثقة، عن الزهري، عن ثابت بن قيس، عن أبي هريرة قال: أخذت الناس ريح بطريق مكة وعمر ﵁ حاج فاشتدت، فقال عمر لمن حوله: ما بلغكم في الريح؟ فلم يرجعوا إليه شيئًا، فبلغني الذي سأل عمر عنه من أمر الريح فاستحثثت راحلتي حتى أدركت عمر وكنت في مؤخر الناس، فقلت: يا أمير المؤمنين أخبرتُ أنك سألت عن الريح وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الريح من روح الله تأتي بالرحمة وبالعذاب، فلا تسبوها، وسلوا الله من خيرها، وعوذوا بالله من شرها" (٣). الشرح ثابت بن قيس من التابعين زرقي أنصاري. روى عن: أبي هريرة. وروى عنه: الزهري (٤). والحديث الأول المرسل بعضُ الثاني المسند، وقد رواه عن الزهري (٥): الأوزاعي ويونس بن يزيد ومعمر.

стр. 596

وقوله: "فلم يرجعوا إليه شيئًا" أي: يردوا عليه جوابًا. وقوله: "فاستحثثتُ راحلتي" أي: حثثتها، يقال: حثّهُ واستحثَّهُ وحَثَّثَه وحَثحثَهُ إذا حضضته وحملته على الشيء، والرَّوح والراحة من الاستراحة، ويومٌ روحٌ أي: طيب، والرَّوح نسيم، ومكان روحاني أي: طيب، وروح وريحان أي: رحمة ورزق. والمقصود النهي عن سبّ الريح، قال الشافعي (١): ولا ينبغي لأحد أن يسب الريح؛ فإنها خلق لله تعالى مطيع وجند من أجناده يجعلها رحمة إذا شاء ونقمة إذا شاء، ويروى؛ أن رجلًا شكى إلى النبي ﷺ الفقر، فقال: لعلك تسب الريح (٢).

стр. 597

الأصل [٣٦٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أخبرني من لا أتهم، عن سليمان بن عبد الله، عن عويمر الأسلمي، عن عروة بن الزبير قال: إذا رأى أحدكم البرق أو الودق فلا يشير إليه وليصف ولينعت (١). الشرح قوله: عن سليمان بن عبد الله عن عويمر كذا يوجد في نسخ "المسند" والصواب (٢): عن سليمان بن عبد الله بن عويمر، والعهد قريب بذكر هذا الرجل في "المسند". وقوله: "فلا يشير إليه" لفظه لفظ الخبر والمراد منه النهي، وبلفظ النهي يوجد في بعض النسخ. والوصف والنعت واحد، ويقال: نعته وانتعته إذا وصفه. قال الشافعي في "الأم" لم أزل أسمع عددًا من العرب يكره الإشارة إليه (٣). ويشبه أن يكون هذا من جملة التفاؤلات. الأصل [٣٦٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا من لا أتهم، حدثني عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن حنطب أن النبي ﷺ قال: "ما من ساعة من ليلٍ

стр. 598

أو نهارٍ إلا السماء تمطر فيها يصرفه الله حيث يشاء" (١). [٣٦٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، ثنا من لا أتهم، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، أن الناس مطروا ذات ليلة، فلما أصبح النبي ﷺ (٢) قال: "ما على الأرض بقعة إلا قد مطرت هذِه الليلة" (٣). [٣٦٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا من لا أتهم، عن سهيل بن [أبي] (٤) صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "ليس السنة بأن لا تمطروا، ولكن السنة أن تمطروا ثم تمطروا ولا تنبت الأرض شيئًا" (٥). الشرح أورد الشافعي في "الأم" في هذا الموضع آثارًا وأحاديث لا تتعلق بالأحكام ولكنها تبين حال المطر قلة وكثرة وتفاوت الأمكنة الأرضية فيه؛ أما الأول ففيه أن السماء تمطر ليلًا ونهارًا والله تعالى يصرفه حيث يشاء من النواحي برًّا وبحرًا، ثم يمكن أن يجري هذا على إطلاقه، ويمكن أن يحمل على الأوقات التي تعهد فيها الأمطار، وفي الثاني ما يبين أن المطر قد يعم البلاد، والثالث أخرجه مسلم (٦) من رواية يعقوب بن عبد الرحمن عن سهيل، وفيه أن عام القحط ليس الذي لا تمطر السماء فيه بل السماء تمطر ليلًا ونهارًا كما تقدم، ولكن تنقطع البركة ولا تنب الأرض مع دوام المطر فيحدث القحط.

стр. 599

الأصل [٣٦٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا من لا أتهم، حدثني إسحاق بن عبد الله، عن الأسود، عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "المدينة بين عيني السماء عين بالشام وعين باليمن، وهي أقل الأرض مطرًا" (١). [٣٧٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا من لا أتهم، أخبرني يزيد أو نوفل بن عبد الله الهاشمي أن النبي ﷺ قال: "أسكنتُ أقلَّ الأرض مطرًا وهي بين عيني السماء يعني المدينة عين الشام وعين اليمن" (٢). [٣٧١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا من لا أتهم، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "يوشك أن تمطر المدينة مطرًا لا يكنُّ أهلها البيوت، ولا يكنهم إلا مظالُّ الشعر" (٣). [٣٧٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا من لا أتهم، أخبرني صفوان بن سليم أن النبي ﷺ قال: "يصيب أهل المدينة مطرًا لا يكنُّ أهلها بيتٌ من مدر" (٤). الشرح إسحاق بن عبد الله رفع في بعض "النسخ" في نسبه فقيل: إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة كيسان، وإسحاق هذا يكنى بأبي سليمان وهو مولى عثمان بن عفان، من أهل المدينة.

стр. 600

روى عن: نافع، والزهري، وابن المنكدر. وروى عنه: عبد السلام بن حرب، ويحيى بن حمزة. وذكر أنه متروك، وأنه مات سنة ست وثلاثين [و] (١) مائة (٢). ويزيد أو نوفل هكذا ذكره في "الأم" على الشك وكذلك هو في أكثر "نسخ الكتاب" وقد يوجد في بعضها يزيد بن نوفل بن عبد الله، ولا أتحقق الحال فيه. والمقصود من حديث ابن مسعود والذي بعده أن المدينة كانت أقل الأرض مطرًا وقعت بين مياه غزيرة بالشام واليمن متعلية عنهما، ومن حديث أبي هريرة والذي بعده أنها تمطر بعد ذلك. وقوله: "لا يكنُّ أهلها البيوت ... إلى آخره" كأن المراد أنهم لا يتجاسرون على المكث في البيوت من كثرة الأمطار، ويستترون بالأخبية والمظالّ. الأصل [٣٧٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا من لا أتهم، أخبرني محمَّد بن زيد بن المهاجر، عن صالح بن عبد الله بن الزبير أن كعبًا قال له وهو يعمل زندًا بمكة: اشدد وأوثق [فإنا] (٣) نجد في الكتب أن السيول ستعظم في آخر الزمان (٤).
следующие страницы →