← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123510

شرح مسند الشافعي

الرافعي

Полный текст (1 876 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وقوله: "فلم يرجعوا إليه شيئًا" أي: يردوا عليه جوابًا. وقوله: "فاستحثثتُ راحلتي" أي: حثثتها، يقال: حثّهُ واستحثَّهُ وحَثَّثَه وحَثحثَهُ إذا حضضته وحملته على الشيء، والرَّوح والراحة من الاستراحة، ويومٌ روحٌ أي: طيب، والرَّوح نسيم، ومكان روحاني أي: طيب، وروح وريحان أي: رحمة ورزق. والمقصود النهي عن سبّ الريح، قال الشافعي (١): ولا ينبغي لأحد أن يسب الريح؛ فإنها خلق لله تعالى مطيع وجند من أجناده يجعلها رحمة إذا شاء ونقمة إذا شاء، ويروى؛ أن رجلًا شكى إلى النبي ﷺ الفقر، فقال: لعلك تسب الريح (٢).

стр. 597

الأصل [٣٦٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أخبرني من لا أتهم، عن سليمان بن عبد الله، عن عويمر الأسلمي، عن عروة بن الزبير قال: إذا رأى أحدكم البرق أو الودق فلا يشير إليه وليصف ولينعت (١). الشرح قوله: عن سليمان بن عبد الله عن عويمر كذا يوجد في نسخ "المسند" والصواب (٢): عن سليمان بن عبد الله بن عويمر، والعهد قريب بذكر هذا الرجل في "المسند". وقوله: "فلا يشير إليه" لفظه لفظ الخبر والمراد منه النهي، وبلفظ النهي يوجد في بعض النسخ. والوصف والنعت واحد، ويقال: نعته وانتعته إذا وصفه. قال الشافعي في "الأم" لم أزل أسمع عددًا من العرب يكره الإشارة إليه (٣). ويشبه أن يكون هذا من جملة التفاؤلات. الأصل [٣٦٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا من لا أتهم، حدثني عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن حنطب أن النبي ﷺ قال: "ما من ساعة من ليلٍ

стр. 598

أو نهارٍ إلا السماء تمطر فيها يصرفه الله حيث يشاء" (١). [٣٦٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، ثنا من لا أتهم، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، أن الناس مطروا ذات ليلة، فلما أصبح النبي ﷺ (٢) قال: "ما على الأرض بقعة إلا قد مطرت هذِه الليلة" (٣). [٣٦٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا من لا أتهم، عن سهيل بن [أبي] (٤) صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "ليس السنة بأن لا تمطروا، ولكن السنة أن تمطروا ثم تمطروا ولا تنبت الأرض شيئًا" (٥). الشرح أورد الشافعي في "الأم" في هذا الموضع آثارًا وأحاديث لا تتعلق بالأحكام ولكنها تبين حال المطر قلة وكثرة وتفاوت الأمكنة الأرضية فيه؛ أما الأول ففيه أن السماء تمطر ليلًا ونهارًا والله تعالى يصرفه حيث يشاء من النواحي برًّا وبحرًا، ثم يمكن أن يجري هذا على إطلاقه، ويمكن أن يحمل على الأوقات التي تعهد فيها الأمطار، وفي الثاني ما يبين أن المطر قد يعم البلاد، والثالث أخرجه مسلم (٦) من رواية يعقوب بن عبد الرحمن عن سهيل، وفيه أن عام القحط ليس الذي لا تمطر السماء فيه بل السماء تمطر ليلًا ونهارًا كما تقدم، ولكن تنقطع البركة ولا تنب الأرض مع دوام المطر فيحدث القحط.

стр. 599

الأصل [٣٦٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا من لا أتهم، حدثني إسحاق بن عبد الله، عن الأسود، عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "المدينة بين عيني السماء عين بالشام وعين باليمن، وهي أقل الأرض مطرًا" (١). [٣٧٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا من لا أتهم، أخبرني يزيد أو نوفل بن عبد الله الهاشمي أن النبي ﷺ قال: "أسكنتُ أقلَّ الأرض مطرًا وهي بين عيني السماء يعني المدينة عين الشام وعين اليمن" (٢). [٣٧١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا من لا أتهم، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "يوشك أن تمطر المدينة مطرًا لا يكنُّ أهلها البيوت، ولا يكنهم إلا مظالُّ الشعر" (٣). [٣٧٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا من لا أتهم، أخبرني صفوان بن سليم أن النبي ﷺ قال: "يصيب أهل المدينة مطرًا لا يكنُّ أهلها بيتٌ من مدر" (٤). الشرح إسحاق بن عبد الله رفع في بعض "النسخ" في نسبه فقيل: إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة كيسان، وإسحاق هذا يكنى بأبي سليمان وهو مولى عثمان بن عفان، من أهل المدينة.

стр. 600

روى عن: نافع، والزهري، وابن المنكدر. وروى عنه: عبد السلام بن حرب، ويحيى بن حمزة. وذكر أنه متروك، وأنه مات سنة ست وثلاثين [و] (١) مائة (٢). ويزيد أو نوفل هكذا ذكره في "الأم" على الشك وكذلك هو في أكثر "نسخ الكتاب" وقد يوجد في بعضها يزيد بن نوفل بن عبد الله، ولا أتحقق الحال فيه. والمقصود من حديث ابن مسعود والذي بعده أن المدينة كانت أقل الأرض مطرًا وقعت بين مياه غزيرة بالشام واليمن متعلية عنهما، ومن حديث أبي هريرة والذي بعده أنها تمطر بعد ذلك. وقوله: "لا يكنُّ أهلها البيوت ... إلى آخره" كأن المراد أنهم لا يتجاسرون على المكث في البيوت من كثرة الأمطار، ويستترون بالأخبية والمظالّ. الأصل [٣٧٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا من لا أتهم، أخبرني محمَّد بن زيد بن المهاجر، عن صالح بن عبد الله بن الزبير أن كعبًا قال له وهو يعمل زندًا بمكة: اشدد وأوثق [فإنا] (٣) نجد في الكتب أن السيول ستعظم في آخر الزمان (٤).

стр. 601

[٣٧٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، عن جده قال: جاء بمكة مرة سيل طبَّق ما بين الجبلين (١). [٣٧٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا من لا أتهم، حدثني موسى (٢) بن جبير، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه قال: توشك المدينة أن يصيبها مطر أربعين ليلة لا يكنُّ أهلها بيتٌ من مدر (٣). الشرح محمَّد: هو ابن زيد بن المهاجر بن قنفذ التيمي الجدعاني المديني. روى عن: ابن عمر. وروى عنه: مالك بن أنس. وذكر في "الأم" اسم أبيه على التردد، وقال: محمَّد بن يزيد أو زيد بن المهاجر (٤). وصالح بن عبد الله أحد بني عبد الله بن الزبير من أكابر قريش (٥).

стр. 602

وكعب: هو ابن ماتع الحميري، يقال له: الحبر، ويقال: الأحبار. سكن الشام وكان عنده علم كتب الأولين، ويكنى بأبي إسحاق. مات لسنة بقيت من خلافة عثمان ﵁ (١). ووالد سعيد: هو المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ المخزومي القرشي المديني، شهد بيعة الرضوان. وروى عن: النبي ﷺ . وسمع منه: ابنه سعيد (٢). وحزن أبوه (٣) من أصحاب النبي ﷺ -أيضًا، قتل يوم اليمامة، ويقال أن رسول الله ﷺ سأله عن اسمه. فقال: حزن فقال: أنت سهل، قال: لا أغيِّر اسمًا سمانيه أبي. قال سعيد: فما زالت فينا الحزونة (٤). وموسى بن جبير: هو المديني مولى [بني] (٥) سَلِمة. روى عن: أبي أمامة بن سهل، وعروة. وروى عنه: يحيى بن أيوب، وبكر بن مضر، وغيرهما (٦). ويوسف (٧): هو ابن عبد الله بن سلام الأنصاري الخزرجي.

стр. 603

يروى عنه أنه قال: رأيت النبي ﷺ أخذ كسرة من خبز شعير فوضع عليها تمرة وقال: "هذِه إدام هذِه" (١). وحديث كعب أورده أبو سليمان الخطابي في "غريبه" (٢) ورواه عن الأصم وذكر أنه قال: "وهو يعمل زندًا" بتسكين النون، وأن الصواب الزند بفتح النون وهو المُسنَّاة، وأن بعضهم قال: إنما هو الربد يريد بناء من طين، قال: والربد الطين، والربَّاد الطيَّان في لغة أهل اليمن. وقد تجد أنت في "النسخ": "وهو يعمل وَتِدًا" (٣) كأن من قال به ذهب إلى [القوابيل] (٤) التي يستظهر بها للبناء فإنها كالأوتاد له وهو شبيه بتسمية الجبال أوتادًا، والثابت الزند وكذلك ذكره صاحب "الغريبين". وحديث سعيد عن أبيه عن جده رواه البخاري في "الصحيح" (٥) عن علي بن عبد الله عن سفيان، ورواه الأزرقي في "كتاب مكة" عن جده عن ابن عيينة وقال: "جاء سيل في الجاهلية ... " ثم عدَّ سيولًا عظيمة وقعت بمكة في الإِسلام منها سيل أم نهشل في خلافة عمر بن الخطاب ﵁، ومنها سيل الجُحاف في خلافة عبد الملك بن مروان سنة ثمانين، وسيل ابن حنظلة في خلافة المأمون سنة اثنين وثمانين، وآخر أعظم منه في سنة ثمان ومائتين. وأما حديث عبد الله بن سلام فهو نظير ما في الفصل السابق.

стр. 604

الأصل [٣٧٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا من لا أتهم، أبنا عبد الله بن عبيدة، عن محمَّد بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "نصرتُ بالصَّبا وكانت عذابًا على من قبلي" (١). الشرح الحديث مرسل من هذِه الرواية، لكن في "الصحيحين" (٢) من رواية شعبة عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: "نصرت بالصَّبا وأُهلكت عاد بالدبور" رواه البخاري عن آدم عن شعبة، ومسلم عن ابن المثنى عن محمَّد بن جعفر عنه. ويجوز أن يريد نصرت بالصَّبا وكانت الريح عذابًا على من قبلي ولا يريد خصوص الصّبا فيكون في المعنى، كما سبق أنه ﷺ قال: "الريح من رَوح الله تأتي بالرحمة وبالعذاب فلا تسبوها" (٣). وعن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا عصفت الريح قال: "اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به" (٤). الأصل [٣٧٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد ثنا سليمان، عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد الله بن

стр. 605

مسعود قال: إن الله تعالى يرسل الرياح فتحمل الماء من السماء، ثم (تمري) (١) السحاب حتى تدرّ كما تدر اللقحة، ثم تمطر (٢). الشرح سليمان: هو الأعمش. والمنهال بن عمرو: هو الأسدي الكوفي. سمع: زرّ بن حبيش، وسعيد بن جبير. وروى عنه: الأعمش، ومنصور، وشعبة (٣). وقيس بن السكن أسدي كوفي أيضًا، يعد في فقهاء التابعين من أصحاب عبد الله بن مسعود (٤). وقوله: "ثم تمري السحاب" أي: تستدره، يقال: مريت الناقة أي: مسحت ضرعها لتدر، والمريّ على فعيل: الكثيرة اللبن من النوق، والدرّ: اللبن، ودرَّ الضرع يدرُّ درورًا، وأدرَّت الناقة فهي مدرّ: إذا درَّ لبنها، والريح قدر السحاب وتستدره أي: تستحلبه. و [اللقحة] (٥): الناقة الحلوب، والجمع: لِقَح كقربة وقرب، ويقال لها لقُوح أيضًا، والجمع لقاح.

стр. 606

والمعنى أن الريح تحمل الماء إلى السحاب ثم تمريه وتستحلبه فتدر وتمطر. الأصل [٣٧٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن ابن شهاب الحديث الذي رويت عن حفصة وعائشة، عن النبي ﷺ -يعني أنهما أصبحتا صائمتين فأهدي لهما شيء فأفطرتا، فذكرتا ذلك للنبي ﷺ فقال: "صوما يومًا مكانه". قال ابن جريج: فقلت له: أسمعته من عروة بن الزبير؟ قال: لا، إنما أخبرنيه رجل بباب عبد الملك بن مروان أو من جلساء عبد الملك بن مروان (١). [٣٧٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان بن عيينة، عن طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ فقلت: إنا خبأنا لك حيسًا. فقال لها: "إني كنت أريد الصوم، ولكن قرِّبيه" (٢). الشرح حفصة ابنة عمر بن الخطاب القرشية العدوية، إحدى أمهات المؤمنين. روت عن: النبي ﷺ . وروى عنها: أخوها عبد الله بن عمر، والمطلب بن أبي وداعة، وشتير بن شكل، وصفية بنت أبي عبيد.

стр. 607

وكانت قبل أن ينكحها رسول الله ﷺ تحت خنيس بن حذافة السهمي ونكحها ﷺ في السنة الثالثة من الهجرة، وقيل: في الثانية. وتوفيت سنة خمس وأربعين (١). وعائشة: هي بنت طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو القرشية التيمية. سمعت: أم المؤمنين عائشة. وروى عنها: معاوية بن إسحاق، وطلحة بن يحيى بن طلحة، وفضيل بن عمرو، وغيرهم (٢). واعلم أن هذا الفصل وما بعده لا يتعلق بالأبواب السابقة، لكن الشافعي ﵁ عقد في "الأم" بابًا بعد صلاة العيدين ترجمه بكتاب الصلاة والصيام الواجب والتطوع. ومقصوده الكلام في أن الواجب لا يجوز الخروج منه، ومن خرج لزمه القضاء، وتطوع الصلاة والصوم يجوز الخروج منه، ومن خرج فلا قضاء عليه، وذكر فيه احتجاجه على من خالف فيه والجواب عن احتجاج المخالف، واستشهد فيه بمسائل متفرقة أيدها بآثار وأحاديث فأورد أبو العباس تلك الأحاديث والآثار في هذا الموضع واعتمد الشافعي في جواز الخروج حديث عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين، وهو صحيح أخرجه مسلم (٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن طلحة بن يحيى، ورواه كذلك عن طلحة: سفيان الثوري وشعبة وعبد الواحد بن زياد، وزاد بعضهم في الحديث أنه ﷺ قال:

стр. 608

"سأصوم يومًا مكانه" قال الشافعي: وهذه الزيادة إن ثبتت فهي محتملة الاستحباب، ولو كان الإتمام واجبًا لما خرج النبي ﷺ . والحَيْس: طعام يتخذ من أخلاط، قيل: إنه يصنع من الأقط والسمن والتمر، وقيل: من الزبد والتمر، وقيل: هو التمر ينزع نواه ويخلط بالسويق. واحتج من أوجب القضاء بما روي عن عائشة قالت: كنت أنا وحفصة صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه، فجاء رسول الله ﷺ فبدرتني إليه حفصة -وكانت بنت أبيها-[فقالت] (١): يا رسول الله إنا كنا صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه فقال: "اقضيا يومًا آخر مكانه" (٢). ويروى: "صوما يومًا مكانه" وهذا الحديث رواه جعفر بن برقان وصالح بن أبي الأخضر وغيرهما عن الزهري عن عروة عن عائشة، لكن الأكابر والحفاظ من أصحاب الزهري منهم مالك ومعمر ويونس بن يزيد وابن جريج ويحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر وسفيان بن عيينة رووه عنه عن عائشة مرسلًا، ثم روى الشافعي بالإسناد المذكور عن ابن جريج، عن الزهري التصريح بأنه لم يسمعه من عروة، وفيما رواه عنه ما يشعر بضعفه؛ فإنه أبهم ذكر الرجل الذي سمعه منه ولو عرفه لأشبه أن يسميه أو يوثقه، وبتقدير ثبوته فالأمر بالقضاء يحتمل الاستحباب، ووجهه أبو سليمان الخطابي بأن البدل يحل محل

стр. 609

الأصل، فإذا كان مخيرًّا في الأصل كان مخيرًّا في البدل، والله أعلم. آخر الجزء، ويتلوه في الذي يليه: أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن ابن أبي لبيد: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: قدم معاوية بن أبي سفيان المدينة" ... الحمد لله حق حمده.

стр. 610

-[الجزء العاشر من مسند إمام أئمة المسلمين وابن عم رسول رب العالمين أبي عبد الله محمَّد بن إدريس الشافعي ﵁ بشرح الإِمام الكبير السعيد العلامة خاتم المجتهدين حجة الإِسلام أبي القاسم عبد الكريم الرافعي برد الله مضجعه، فيه:]- الحديث في الركعتين بعد العصر، نذر عمر أن يعتكف في الجاهلية، صام في سفره إلى مكة عام الفتح، آثار عن ابن عباس وغيره في جواز الإفطار في صوم التطوع، الإيتار بركعة، ما من رجل لا يؤدي زكاته، ليس فيما دون خمس ذود صدقة، حديث النصب، أتي معاذ بوقص البقر، اعتدَّ عليهم بالغذيّ، أخرجت شاة ماخضًا، لا تجب في مالٍ زكاة حتى يحول الحول، استسلف بكرًا، ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة، زكاة الإبل، ابتغوا في مال اليتيم، أحاديث صدقة الفطر، تفرق الزكاة بنفسها وتدفعها إلى السلطان، ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، يخرص الكرم كما يخرص النخل، ما كان بعلًا أو يسقى بنهر ففيه العشر، ليس فيما دون خمسة أواق صدقة. الرواة سوى من سبق: كثير بن الصلت، عبد الله بن الحارث بن نوفل، عتبة بن محمَّد بن الحارث، يزيد بن خصيفة، عبد الرحمن بن عثمان، جامع بن أبي راشد، عبد الملك بن أعين، أبوه وائل، محمَّد بن عبد الله بن أبي صعصعة، القاسم بن عبد الله العمري، المثنى بن عبد الله بن أنس،

стр. 611

ثمامة، أنس بن عياض، سفيان بن حسين، حميد بن قيس، بشر بن عاصم بن سفيان الثقفي، أبوه، جده، إسماعيل بن أمية القرشي، عمرو بن أبي سفيان الجمحي، جابر بن مسعر، أبوه، عمر بن حسين، عائشة بنت قدامة، أبوها، عراك بن مالك، مكحول، يزيد بن يزيد بن جابر، الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، سعد بن أبي ذباب، عبد الرحمن بن القاسم، محمَّد بن صالح التمار، عبد الله بن رواحة ﵃.

стр. 612

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الأصل [٣٨٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن ابن أبي [لبيد] (١) قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: قدم معاوية بن أبي سفيان المدينة، فبينا هو على المنبر إذ قال: يا كثير بن الصلت اذهب إلى عائشة فسلها عن صلاة رسول الله ﷺ بعد العصر، قال أبو سلمة: فذهبت معه إلى عائشة وبعث ابن عباس عبد الله بن الحارث بن نوفل معنا، فأتى عائشة فسألها عن ذلك فقالت له: اذهب غسل أم سلمة، فذهبت معه إلى أم سلمة فسألها، فقالت أم سلمة: دخل عليَّ رسول الله ﷺ ذات يوم بعد العصر فصلى عندي ركعتين لم أكن أراه يصليهما [قالت أم سلمة: فقلت: يا رسول الله لقد صليت صلاة لم أكن أراك تصليها] (٢)؟ قال: "إني كنت أصلي ركعتين بعد الظهر، وإنه قدم عليَّ وقد بني تميم أو صدقة فشغلوني عنهما فهما هاتان الركعتان" (٣). الشرح كثير بن الصلت: حجازي كندي، ذكر أنه كان يسمى بقليل فسماه عمر ﵁ كثيرًا، وأنه أدرك عثمان بن عفان ﵁ (٤). وعبد الله: هو ابن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب

стр. 613

بن هاشم بن عبد مناف، أبو محمَّد الهاشمي تحول إلى البصرة وكان واليًا بها. سمع: أبي بن كعب، وحكيم بن حزام، والعباس بن عبد المطلب، وابن عباس، وميمونة. روى عنه: عبد الملك بن عمير، وأبو الخليل. مات سنة أربع وثمانين (١). والحديث صحيح، وقد رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة مختصرًا، وكريب عن أم سلمة ومن روايته أخرجه البخاري (٢) عن يحيى بن سليمان، ومسلم (٣) عن حرملة، بروايتهما جميعًا عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن كريب مولى ابن عباس، عن أم سلمة. وفي الحديث أن النوافل تقضى، وأنه لا بأس بالقضاء في وقت الكراهية، وأن الأشغال الحادثة قد تمهد العذر في تأخير الرواتب عن وقتها، وأن صلاة الوقت لا تؤخر لتقدم قضاء الراتبة، ثم عن عائشة أن النبي ﷺ أثبتها، ويروى أنها قالت: "ما ترك رسول الله ﷺ ركعتين عندي بعد العصر قط" (٤). ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن

стр. 614

قل" (١)، وعن عائشة أنها إذا عملت العمل لزمته (٢). وإنما أورد الشافعي الحديث ها هنا مستشهدًا به على أن الشيء قد يقضى على سبيل الاستحباب كما أنه قضى الركعتين مع أنهما غير واجبتين في الأصل وقضاؤهما غير واجب، كذلك يجوز أن يكون قوله في "صُم يومًا مكانه" وقوله: "صومًا يومًا مكانه" على سبيل الاستحباب. الأصل [٣٨١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر "أن عمر ﵁ نذر أن يعتكفَ في الجاهليةِ فسأل النبي ﷺ ، فأمره أن يعتكف في الإِسلام" (٣). الشرح هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (٤) ومسلم (٥) بطرق، فمنها رواية البخاري عن عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع، ورواية مسلم عن زهير بن حرب عن يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله واللفظ: أن عمر سأل النبي ﷺ قال: كنت نذرت في الجاهلية اعتكاف ليلة في المسجد الحرام، قال: "فأوفِ بنذرِك". وفيه دليل على أنه كان لهم في الجاهلية اعتكاف، قال الشيخ الحسين البغوي في "شرح السنة": وفيه دليل على أن من نذر في حال كفره بما يجوز نذره في الإِسلام يصح نذره ويجب عليه الوفاء به بعد الإِسلام.

стр. 615

وهذا ظاهر في تصحيح نذر الكافر لكن المشهور في المذهب أنه لا يصح نذره ولكن الوفاء به بعد الإِسلام مستحب، وعلى هذا ينطبق صنيع الشافعي ﵁ في الباب؛ فإنه استشهد به لبيان أنه قد يؤمر بالشيء ليأتي المأمور به إن كان طالبًا للفضل ولا يتحتم ذلك عليه، واحتج بذكره الليلة وأمر النبي ﷺ بالوفاء على أن الصوم ليس بشرط في الاعتكاف؛ لأن الليالي لا تقبل الصوم. الأصل [٣٨٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد العزيز بن محمَّد الدراوردي، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله "أن النبي ﷺ صام في سفره إلا مكة عام الفتح في شهر رمضان وأمر الناس أن يفطروا، فقيل: إن الناس صاموا حين صمت، فدعا بإناء فيه ماء فوضعه على يده وأمر من بين يديه أن يحبسوا، فلما حبسوا ولحقه من (رآه) (١) رفع الإناء إلى فيه فشرب - وفي حديثهما أو حديث أحدهما: وذلك بعد العصر" (٢). [٣٨٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان بن عيينة، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: "خرج النبي ﷺ من المدينة حتى كان بكراع الغميم وهو صائم، ثم رفع إناءً فوضعه على يده وهو على الرحل فحبس من بين يديه وأدركه من وراءه، ثم شرب والناس ينظرون" (٣).

стр. 616

الشرح هذا حديث صحيح أخرجه مسلم (١) والترمذي (٢) عن قتيبة عن عبد العزيز الدراوردي واللفظ: "حتى بلغ كراع الغميم فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام. فقال: أُولَئِكَ العُصَاةُ أُولَئِكَ العُصَاةُ". وكراع الغَمِيم: الغين منه مفتوحة والميم مكسورة، وقد تضم الغين وتفتح الميم، وذكر أنه وادٍ أمام عسفان، والكراع مضاف إليه وهو جبل أسود بطرف الحرة، وكراع كل شيء طرفه ومنه أكارع الدابة. وفيه أنه ﷺ صام في السفر أيامًا ثم أفطر، فدل على جواز الصوم والإفطار، وسيأتي (٣) في الصيام حديث حمزة بن عمرو الأسلمي أنه سأل رسول الله ﷺ عن الصيام في السفر فقال: "إنْ شئتَ فصُم وإنْ شئتَ فأفْطر"، وعن أبي سعيد الخدري قال: "كنَّا نسافر مع رسولِ الله ﷺ في رمضان فما يعاب على الصائم صومه ولا على المفطر إفطاره" (٤) وعنه أيضًا قال: "كنَّا نغزو مع رسولِ الله ﷺ في رمضان فمنَّا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ومن وجد ضعفًا فأفطر فإن ذلك حسن" (٥).

стр. 617

وفيه أنه يجوز للمسافر لو أتم الصوم المشروع فيه كان مؤديًا للفرض، والمتطوع لو أتم ما شرع كان مؤديًا للنفل فإذا جاز الخروج هناك فأولى أن يجوز ها هنا، وروي عن ابن عباس "أنه خرج رسول الله ﷺ عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر" (١)، وفي رواية أخرى "حتى بلغ عسفان" (٢)، والروايتان في "الصحيح". وقد يبحث عن الحال فيهما، وفي رواية "الكتاب" حيث قال: "حتى بلغ كراع الغميم". اعلم أنه قد قيل: إن الكديد على اثنين وأربعين ميلًا من مكة، وذكر البخاري في "الصحيح" أنه ماء بين عسفان وقديد، وقد قدَّمنا أن عسفان على ستة وثلاثين من مكة، وهذه المسافات متقاربة وربما انتهوا في اليوم الواحد إلى هذِه البقاع جميعًا فكل من الرواة ذكر بقعة، ثم عن الزهري "أن الفطر كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ " (٣) وكان أصحاب رسول الله ﷺ يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره ويرونه الناسخ، وقد يؤيد هذا ما روي أنه لما قيل له: إن بعض الناس قد صام. فقال: "أولئك العصاة" (٤) لكن المنع والتعصية كانا مخصوصين بتلك الحالة، يبينه ما في "الصحيح" عن أبي سعيد الخدري قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام فنزلنا منزلًا، فقال رسول الله ﷺ : "إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم" فكانت رخصة

стр. 618

فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلًا فقال: "إنكم مصبِّحُوا عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا" وكانت عزمة فأفطرنا، ثم لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر (١). وقوله: "وفي حديثهما أو حديث أحدهما: وذلك بعد العصر" وقع من الروايتين وحقه أن يكون بعدهما؛ لأنه لا اختلاف ولا تعدد إلا في الدراوردي وسفيان ولا معنى لقوله: "في حديثهما أو في حديث أحدهما" ما لم يذكر حديثهما، ثم الكلمة من رواية الدراوردي قد نقلناها عن "الصحيح". الأصل [٣٨٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم بن خالد وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روَّاد، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح أن ابن عباس كان لا يرى بأسًا أن يفطر الإنسان في صيام التطوع، ويضرب لذلك أمثالًا: رجل طاف سبعًا ولم يوفه فله ما احتسب، أو صلى ركعة ولم يصل أخرى فله أجر ما احتسب (٢). [٣٨٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم وعبد المجيد، [عن ابن جريج] (٣)، عن عمرو بن دينار قال: كان ابن عباس لا يرى بأسًا بالإفطار في صيام التطوع (٤).

стр. 619

[٣٨٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم وعبد المجيد [عن ابن جريج] (١)، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله أنه كان لا يرى بالإفطار في صيام التطوع بأسًا. [٣٨٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد المجيد، عن ابن جريج عن عطاء، عن أبي الدرداء أنه كان يأتي أهله حين ينتصف النهار أو قبله فيقول: هل من غداء فيجده أو لا يجده، فيقول: لأصومن هذا اليوم فيصومه، وإن كان مفطرًا وبلغ ذلك الحين وهو مفطر. قال ابن جريج: أبنا عطاء: وبلغنا أنه يفعل ذلك حين يصبح مفطرًا حتى الضحى أو بعده، ولعله أن يكون وجد غداءً أو لم يجده (٢). الشرح هذِه آثار أيدَّ بها الشافعي القول بأن التطوع لا يلزم بالشروع، فروي عن ابن عباس وجابر أنهما كانا لا يريان بأسًا بالإفطار في صوم التطوع، وأن ابن عباس كان يضرب لذلك أمثالًا منها: رجل طاف سبعًا ولم يوفه -كأن المعنى أراد أن يطوف سبعًا ولم يتم السبع- له أجر ما احتسب، ومنها: صلى ركعة ولم يضف إليها أخرى له أجر ما احتسب، وهذا على قول من يعد الركعة الواحدة صلاة، وعن أبي الدرداء "أنه كان يأتي أهله فيسأل هل عندهم غداء فإن وجده أكله". وقوله: "هل من غداء فيجده" أي فيأكله "أو لا يجده" فيستمر على الصوم إن كان قد نواه، أو ينوي أن يصوم إن كان غير ناوٍ إلى ذلك الوقت.

стр. 620

وقوله: "وهو مفطر" أي غير ناوٍ كما شمل قوله: "وإن لم يجده" ما إذا كان قد نوى الصوم، وأما إذا لم ينو حتى قال: "وإن كان مفطرًا ... " إلى آخره فكذلك قوله: "فيجده" يشمل الحالتين، وقد ذكرنا أن المعنى: فيأكله، فيتبين به أنه كان قد يخرج من الصوم بعد النية. وقوله: "قال ابن جريج، أبنا عطاء ... إلى آخره" يعني: أبنا عن ابن عباس بما ذكرنا، وبلغنا أن عطاء كان يفعل مثل ذلك، وربما نوى الصوم وإن وجد الغداء، والله أعلم. الأصل [٣٨٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد المجيد، عن ابن جريج، أخبرني عتبة بن محمَّد بن الحارث، أن كريبًا مولى ابن عباس أخبره أنه رأى معاوية صلى العشاء ثم أوتر بركعة واحدة لم يزد عليها، فأخبر ابن عباس فقال: أصاب، أي بني ليس أحدٌ منا أعلم من معاوية هي واحدة أو خمس أو سبع إلى أكثر من ذلك، الوتر ما شاء (١). [٣٨٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد أن رجلًا سأل عبد الرحمن التيمي عن صلاة طلحة، قال: إن شئت أخبرتك عن صلاة عثمان، قال: قلت: لأغلبن الليلة على المقام، فقمت فإذا رجل يزحمني متقنعًا فنظرت فإذا عثمان، قال: فتأخرت عنه فصلى فإذا هو يسجد سجود القرآن، حتى إذا قلت: هذه هو ذا الفجر فأوتر (ركعة) (٢) لم يصل غيرها (٣).

стр. 621

الشرح عتبة: هو ابن محمَّد بن الحارث بن نوفل المكي. سمع: كريبًا. وسمع منه: ابن جريج، وقال ابن جريج: أدركته ولم يكن به بأس (١). ويزيد: هو ابن عبد الله بن خصيفة، مديني. سمع: السائب بن يزيد، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان. وسمع منه: الثوري، وابن جريج، وغيرهما (٢). والأثر عن ابن عباس صحيح، وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه قال حين أخبر بصنيع معاوية: أصاب إنه لفقيه (٣). وروي أنه قال: دعه فإنه قد صحب النبي ﷺ ، وهذه الرواية مخرجة في "صحيح البخاري" (٤). والإيتار بركعة ثبت عن رسول الله ﷺ من طرق: فعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى" (٥). وعن أبي أيوب عن النبي ﷺ : "الوتر حقٌّ على كلِّ مسلم، فمن

стр. 622

أحبَّ أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاثٍ فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدةٍ فليفعل" (١). ويروى ذلك عن فعل سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأبي أيوب الأنصاري، وابن عباس، ومعاوية ﵁. وقوله: "ليس أحد منا أعلم من معاوية" يمكن أن يريد في الإيتار بركعة، ويجوز أن يقال أنه ذكره على مذهب التواضع. وتجوز الزيادة على خمس أيضًا وغاية ما نقل من عدد الوتر أحد عشر عند بعضهم وثلاثة عشر عند آخرين، وفي الزيادة على ما نقل وجهان للأصحاب: إن جوَّزنا الزيادة فقول ابن عباس: "الوتر ما شاء" مُجرى على ظاهره، وإن منعناها وهو الأصح فاللفظ مأول أي: ما شاء من الأعداد المنقولة. وأما الأثر عن عثمان ﵁ فقد رواه عن عبد الرحمن بن عثمان: محمَّد بن المنكدر (٢) أيضًا. وقوله: "قال: إن شئت أخبرتك عن صلاة عثمان" بعد [أن] (٣) سأل السائل عن صلاة طلحة كأنه أراد: إن شئت أخبرتك عن صلاة عثمان فهي أول بأن يؤخذ بها لو أخبرتك عن صلاة عثمان أولًا.

стр. 623

ثم قوله: "قال: قلت: لأغلبن على المقام ... إلى آخره" يجوز أن يقدر أنه أخبره في الحال ثم حضر المقام الذي كان يصلي فيه عثمان ليشاهد صلاته احتياطًا، ويحتمل أنه لم يخبره في الحال وتتبع صلاة عثمان ليخبره عن تحقق، على أن قوله: "قال: إن شئت أخبرتك عن صلاة عثمان" يمكن أن يجعل من كلام السائل عن صلاة طلحة ويقال: لما ذكر السائل له صلاة عثمان أراد أن يتتبعها ويتعرف حالها، ويبين من السياق أن المراد من صلاة طلحة وصلاة عثمان الوتر. وقوله: "فإذا هو يسجد سجود القرآن" يريد أنه يطيل القيام ولا يركع ولا يسجد إلا أنه إذا انتهى إلى آية سجدة سجد، وهذا ما يروى أن عثمان ﵁ كان يحيي الليل بركعة واحدة هي وتره (١). وفي رواية محمَّد بن المنكدر عن عبد الرحمن التيمي: فلما انصرف قلت: يا أمير المؤمنين، إنما صليت ركعة! قال: هي وتري. وقوله: "هذِه، هو ذا الفجر" هكذا هو في بعض النسخ، وفي بعضها: "هو ذا" من غير "هذِه" فعلى الثاني المعنى: الفجر ذا، "وذا" كلمة يشار بها، وعلى الأول المعنى: هذِه علامات الفجر هو أي الفجر ذا، والمقصود الإخبار عن قرب طلوع الفجر. واعلم أن الشافعي أورد الأثرين في "الأم" (٢) في خلال الاحتجاج في أن التطوع لا يلزم بالشروع، حيث انجرَّ الكلام إلى احتجاج المخالف بقوله ﷺ : "صلاةُ الليل والنهار مثنى مثنى يسلم من كلِّ ركعتين" وهذا يشعر بالمنع من التسليم مما دون الركعتين، وقال

стр. 624

الشافعي (١): هذا لمن أراد أن تجاوز صلاته ركعتين وليس المقصود المنع من الاقتصار على ما دون الركعتين يدل عليه قوله ﷺ : "فإذا خشي أحدكم الصبح صلَّى واحدة توتر له ما قد صلَّى" ثم روى إيتار الصحابة بواحدة.

стр. 625

الأصل ومن كتاب الزكاة [٣٩٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان بن عيينة قال: سمعت جامع بن أبي راشد وعبد الملك بن أعين، سمعا أبا وائل، عن عبد الله بن مسعود يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما مِنْ رجلٍ لا يؤدي زكاةَ ماله إلا مُثِّل له يومَ القيامةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يفر منه وهو يتبعه حتى يطوقه، ثم قرأ علينا رسول الله ﷺ : ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١). [٣٩١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عن أبي هريرة أنه كان يقول: "مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَمْ يُؤَدِّ زكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يَطْلُبُهُ حَتَّى يُمْكِنَهُ يَقُولُ أَنَا كَنْزُكَ" (٢). [٣٩٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن نافع أن ابن عمر ﵁ قال: كل مال تؤدى زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونًا، وكل مال لا تؤدي زكاته فهو كنز وإن لم يكن مدفونًا (٣). الشرح جامع بن أبي راشد: هو الصيرفي الكوفي أخو الربيع. روى عن: أبي وائل، وزيد بن أسلم. روى عنه: السفيانان (٤).

стр. 626

وعبد الملك (١) بن أعين أخو حمران الكوفي، ينسب إلى التشييع. سمع منه: سفيان بن عيينة، وإسماعيل بن [سميع] (٢). وأبو وائل: هو شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي أحد بني مالك بن ثعلبة بن دودان، أدرك النبي ﷺ ولم يسمع منه شيئًا. وسمع: عمر، وابن مسعود، وأبا مسعود الأنصاري، وحذيفة، وأبا موسى، ومسروقًا، وعمرو بن شرحبيل، وغيرهم. وروى عنه: عمرو بن مرة، ومنصور، والأعمش، والعلاء بن خالد (الباهلي) (٣) وغيرهم، وهو من كبار التابعين (٤). والحديث الأول أخرجه ابن ماجه (٥) عن محمَّد بن أبي عمر العدني عن سفيان واللفظ: "إلا مثل له يوم القيامة شجاع أقرع" بالرفع وكذلك هو في بعض نسخ الكتاب، ثم قال: "حتى يطوق به عنقه، ثم قرأ علينا النبي ﷺ مصداقه من كتاب الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمًا لله مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٦) الآية. والحديث الثاني موقوف من طريق مالك عن عبد الله بن دينار،

стр. 627

وكذلك أخرجه في "الموطأ" (١) ورواه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عبد الله مرفوعًا، وأخرجه البخاري من ذلك الوجه في "الصحيح" (٢) عن علي بن عبد الله عن هاشم بن القاسم عن عبد الرحمن. ويروى حديث أبي هريرة في الباب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وعن زيد بن أسلم وسهيل عن أبي صالح عن أبي هريرة. وفي الباب عن أبي ذر وجابر بن عبد الله الأنصاري وهُلب الطائي. وقوله: "إلا مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع" منصوب على أنه مفعول ثان، أي: جعل ماله شجاعًا، ويؤيده أنه روي في بعض الروايات: "يجيء كنز أحدكم شجاعًا". ومن رفع فقال: "شجاع أقرع" فهو ظاهر. والشجاع: الحية الذكر، وقيل أنه يقع على كل حية، والجمع: شجعان -بالضم والكسر- وأشجعة. والأقرع: الذي انحسر الشعر عن رأسه، وقد يكون ذلك من كثرة السم. وفيه تهديد مانع الزكاة والوعيد بأن ماله يرى في صورة شجاع يتبعه وهو يفر منه حتى يُجعل طوقًا في عنقه. والزبيبتان: قيل هما زَبَدَتَان في جانبي (شدقه) (٣) من كثرة السم كما يكون الإنسان من كثرة الكلام أو عند الغضب، وقيل: هما نكتتان

стр. 628

سوداوان فوق العينين تكونان لأخبث الحيات وأوحشها. وقوله: "حتى يمكنه" أي يتمكن منه ويستولي عليه. وقوله: "أنا كنزك" قد فسر عبد الله بن عمر الكنز بالمال الذي لم تؤد زكاته، وبين أن ما أدي زكاته فليس هو بكنز وإن كان مدفونًا، وعلى ذلك ينطبق قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ (١) الآية. الأصل [٣٩٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن محمَّد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة" (٢). [٣٩٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه قال: أخبرني أبو سعيد الخدري [أن رسول الله ﷺ ] (٣) قال: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة" (٤). [٣٩٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله ﷺ : "ليس فيما دون خمس ذود صدقة" (٥). الشرح محمَّد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ويقال: ابن

стр. 629

صعصعة المازني، أبو عبد الرحمن النجاري الأنصاري. روى عن: أبيه، وسعيد بن يسار. وهو أخو عبد الرحمن بن عبد الله وقد تقدم ذكره وذكر أبيهما ولهما أخ آخر يقال له: أيوب (١). والحديث صحيح مودع في "الموطأ" (٢) وأخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك وزاد فقال: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة" (٣). وأخرجه مسلم (٤) من رواية سفيان بن عيينة عن عمرو الناقد، وفي الباب عن جابر وابن عمر وعبد الله بن عمرو، [و] (٥) أبي هريرة ﵁. والذَّودُ من الإبل: ما بين الثلاث إلى العشر، وقيل: إلى التسع. وقال الخطابي: ما بين الثنتين إلى التسع، ويقال أن اللفظة مخصوصة بالإناث، وفي المثل: "الذود إلى الذود إبل" أي: إذا انضم القليل إلى القليل صار كثيرًا و"إلى" في المثل بمعنى مع، ذكر أهل اللغة أن لفظة الذود مؤنثة وأنه لا واحد لها من لفظها كالرهط والنفر، وأنها لا تقع على الواحد. وظاهر قوله: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة" وقوعها على الواحد، لكن فيه كلامان:

стр. 630

أحدهما: أن أبا عيسى الترمذي قال (١): معنى الحديث ليس فيما دون [خمس] (٢) من الإبل صدقة فإذا بلغت خمسًا وعشرين ففيها بنت مخاض. وعلى هذا فالمراد من الذود خمس من الإبل، والمعنى: ليس فيما دون خمس وعشرين من الإبل صدقة من جنسها. والثاني: عن أبي عمر بن عبد البر أن بعض الشيوخ رواه: "خمسٍ ذود" على البدل دون الإضافة، ويؤيده ما في بعض روايات "الصحيح": "ليس في أقل من خمسة أوسق صدقة، ولا في أقل من خمسة من الإبل الذود صدقة" وعلى هذا فلا يلزم وقوع الذود على الواحد. الأصل [٣٩٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا القاسم بن عبد الله، عن المثنى بن أنس أو ابن فلان بن أنس -الشافعي شك- عن أنس قال: هذِه الصدقة ثم تركت الغنم وغيرها وكرهها الناس: بسم الله الرحمن الرحيم هذِه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين التي أمر الله بها، فمن سئلها على وجهها من المسلمين فليعطها، ومن سئلها فوقها فلا يعط: في أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بِنْتُ مَخَاضٍ أنثى، فإن لم يكن فيها بِنْتُ مَخَاضٍ فابن لبون ذكر، [فإذا بلغت ستًّا وثلاثين إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ ففيها ابنة لبون أنثى] (٣) فإذا بلغت ستًّا

стр. 631

وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين فيها جذعة، فإذا بلغت ستًّا وسبعين إلى تسعين ففيها ابنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وَفي كلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ. وأن بين أسنان الإبل في فريضة الصدقة: ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وَلَيْسَتْ عِنْدَه جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقة ويجعل معها شاتين إن استيسرتا عليه أو عشرين درهمًا، وإذا بلغت عليه الحقة وليست عنده حقة وعنده جذعة؛ فَإنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الجذعة ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين" (١). [٣٩٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عدة ثقات، كلهم عن حماد بن سلمة (٢) عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن أنس [بن] (٣) مالك، عن النبي ﷺ بمثل معنى هذا لا يخالفه إلا أني لا أحفظ فيه "ألا يعطى شاتين أو عِشْرِينَ دِرْهَمًا"، لا أحفظ "إن استيسر عليه". قال: وأحسب من حديث حماد عن أنس أنه قال: "دفع إليَّ أبو بكر ﵁ كتاب الصدقة عن رسول الله ﷺ وذكر هذا المعنى كما وصفتُ (٤).

стр. 632

[٣٩٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج قال: قال لي ابن طاوس: عند أبي كتاب من العقول نزل به الوحي، وما فرض رسول الله ﷺ من العقول أو الصدقة فإنما نزل به الوحي" (١). الشرح القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص العمري من شيوخ الشافعي ﵁ من أهل المدينة. روى عن: المثنى، وعبد الله بن محمَّد بن عقيل، وهو أخو عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، وقد تكلموا فيهما جميعًا (٢). والمثنى: هو ابن عبد الله بن أنس بن مالك وقد ينسب إلى جده فيقال: المثنى بن أنس، وذكره الشافعي على الشك روى عن: جده أنس (٣). وثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، قاضي البصرة. سمع: جده أنسًا. وروى عنه: حماد بن سلمة، وعبد الله بن عون، وعبد الله بن المثنى، وعبد الله بن أنس ابن أخيه (٤). والحديث صحيح من رواية ثمامة بن عبد الله، ورواه عن حماد

стр. 633

عنه جماعة منهم: يونس بن محمَّد المؤدب، وسريج بن النعمان، والنضر بن شميل؛ وأورده البخاري (١) عن محمَّد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري، عن أبيه عبد الله بن المثنى بن عبد الله، عن عمه ثمامة بن عبد الله بن أنس، واللفظ أن أنسًا حدثه أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم هذِه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين، التي أمر الله به رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها ... إلى آخره" وذكر فيه صدقة الغنم وغيرها. وقول الشافعي بعد رواية حماد عن ثمامة: "وأحسب من حديث حماد عن أنس أنه قال: دفع إليَّ أبو بكر كتاب الصدقة" إشارة إلى الزيادة التي رواها البخاري من ذكر أبي بكر ﵁. والحديث معدود من مسند أبي بكر، وفي الباب عن عمر، وابنه عبد الله، وأبي سعيد الخدري، وعمرو بن حزم. وقوله: "هذِه الصدقة" ترجمة الكتاب وعنوانه كما يقال: هذا كتاب كذا ومحضر كذا ثم يبدأ بكتابته. وقوله: "ثم تركت الغنم وغيرها وكرهها الناس" روى المزني في "المختصر" حديث القاسم عن المثنى ولم يذكر هذِه الكلمات ونقلها أبو العباس عن "الأم" ولا يتنقح مقصودها ومعناها كما ينبغي، ويمكن أن يريد: هذِه فريضة الصدقة في الإبل والغنم على ما عرفت اشتمال الحديث على صدقة الغنم في سائر الروايات، وتركت الغنم وغيرها غير زكاة، وكره الناس الصدقة وتهاونوا في أدائها؛ ويمكن أن يريد: تركت الغنم وغيرها في هذِه الرواية" وقد تقرأ: تركتُ

стр. 634

والله أعلم. وقوله: "التي فرضها رسول الله ﷺ " قيل: أوجبها، وقيل: قدَّرها وهو أحسن؛ لأنه قد ذكر من بعدُ أن الله تعالى أمر بها. وقوله: "ومن سئل فوقها فلا يعط" قيل: معناه فلا يعطه شيئًا؛ لأن الساعي بطلب الزيادة يصير خائنًا وإذا ظهرت خيانته سقطت طاعته، وقيل: معناه فلا يعط الزيادة وهو الأصح. وبنت المخاض: التي تمت لها سنة ودخلت في الثانية، قيل لها: بنت مخاض؛ لأن أمها تحمل بولد آخر بعد حول فهي من أولاد النوق المخاض، وقيل: لقرب عهدها بمخاض أمها، والذكر: ابن مخاض. وبنت لبون: التي تمت لها سنتان ودخلت في الثالثة، سميت بنت لبون؛ لأن أمها تصير حينئذ لبُونًا بوضع الولد الثاني، وقيل: لقرب عهدها يكون الأم لبونًا (وأخذ بها) (١) اللبن، والذكر: ابن لبون. وذكر الأنوثة في قوله: "بنت مخاض أنثى" والذكورة في قوله: "فابن لبون ذكر" جرى على سبيل التأكيد، كما يقال: رأيت بعيني، وقيل: نبَّه به على أن الخنثى لا يجزيء، والأظهر الأول وإجزاء الخنثى. والحِقَّة: التي لها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، والذكر: حقّ؛ سمي به لاستحقاق العمل والركوب، وأيضًا فإن الذكر استحق أن ينزو والأنثى استحقت أن ينزى عليها. وقوله: "طروقة الجمل" أي: طرقها الفحل، وطروقة بمعنى مطروقة، وقرأ اللفظة بعضهم: "طروقة العمل" وقال: طُرقت للحمل عليها؛ والصحيح الأول، وقد ورد في بعض الروايات: "طروقة الفحل".

стр. 635

والجذعة: التي لها أربع سنين ودخلت في الخامسة، والذكر: جذع؛ لأنه يجذع السنن حينئذ أي يسقط. وقوله: "وأن بين أسنان الإبل في فريضة الصدقة من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة" يريد أن بين الأسنان التي ذكرنا أنها واجبة من بلغت إبله التي عنده القدر الذي يجب فيه الجذعة، وفي بعض الروايات "فإذا تباين أسنان الإبل في فرائض الصدقات فمن بلغت عنده صدقة الجذعة ... " إلى آخره. وفي الحديث بيان نُصب الإبل وواجباتها، وأنه لا يزيد وجوب شيء بالأوقاص. وهل يتعلق الواجب بالوقص؟ فيه قولان للشافعي ﵁ يبين في الفقه فائدتهما، وقد يحتج لأحدهما بقوله: "فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض" وللثاني بقوله: "في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة". وقوله: "فإذا زاد على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة" فيه دلالة على أن الفريضة لا تستأنف بعد ذلك خلافًا لقول من يقول: إذا زادت خمس بعد ذلك وجبت مع الحقتين شاة، وكذا يجب في كل خمس شاة حتى تبلغ مائة وخمسًا وأربعين ففيها حقتان وبنت مخاض، فإذا بلغت مائة وخمسين ففيها ثلاث حقاق، ثم تستأنف الفريضة فيجب لكل خمس شاة حتى تبلغ مائة وخمسًا وسبعين ففيها بنت مخاض وثلاث حقاق، وبهذا قال أبو حنيفة. وفيه دليل على أن من وجب عليه سنٌّ ولم يكن في ماله يؤخذ سن دونها مع شاتين أو عشرين درهمًا أو سنٌّ فوقها ويُعطى شاتين [أو] (١)
следующие страницы →