← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123510

شرح مسند الشافعي

الرافعي

Полный текст (1 876 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

كان إنما يضعها في يد الرحمن فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه، حتى أن اللقمة لتأتي يوم القيامة وإنها لمثل الجبل العظيم، ثم قرأ ﴿أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ (١). الشرح هذا حديث متفق على صحته في فضائل الصدقة (٢). وقوله: "ولا يقبل الله إلا طيبًا، ولا يصعد إلى السماء إلا طيب" من الكلام المعترض يعني: أن المقبول من الصدقة الطيب كالمقبول من سائر الأعمال واللفظة الثانية توافق قوله تعالى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (٣). وقوله: "في يد الرحمن" محمول على القبول أو الإنعام (٤)، كقوله: "يبسط يده لمسيء النهار" (٥). وتربيتها: مضاعفة أجرها حتى تصير اللقمة كالجبل العظيم. والفلُوّ: المهر، سمي به لأنه يُفلى عن أمه، أي: يعزل، وفي رواية القاسم بن محمَّد عن أبي هريرة: "كما يربي أحدكم مهره أو فصيله حتى تصير اللقمة مثل أحد" (٦).

стр. 702

الأصل [٤٦٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل المنفق والبخيل كمثل رجلين عليهما جنتان أو جبتان من لدن ثدييهما إلى تراقيهما، فإذا أراد المنفق أن ينفق سبغت عليه الدرع أو مرت حتى تجن بنانه وتعفو أثره، وإذا أراد البخيل أن ينفق قلصت ولزمت كل حلقة موضعها حتى تأخذ بعنقه أو ترقوته فهو يوسعها ولا تتسع" (١). [٤٦١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله، إلا أنه قال: "فهو يوسعها ولا تتوسع" (٢). الشرح الحسن: هو ابن مسلم بن يناق المكي. سمع: مجاهدًا، وطاوسًا، وصفية بنت شيبة. روى عنه: عمرو بن مرة، وابن جريج، وإبراهيم بن نافع المخزومي (٣). والحديث صحيح أخرجه البخاريّ (٤) عن موسى عن وهيب عن ابن طاوس عن أبيه، وعن أبي اليمان عن شعيب عن أبي الزناد، وأخرجه مسلم (٥) عن عمرو الناقد بالإسنادين (٦) المذكورين في الكتاب.

стр. 703

وقوله: "جنتان أو جبتان" إشارة إلى اختلاف الرواة في الكلمتين؛ وحكى البخاريّ في "الصحيح" رواية ابن طاوس عن أبيه بالباء، وكذا رواية أبي الزناد، وكذا حكاه عن الحسن بن مسلم عن طاوس وذكر أن حنظلة رواه عن طاوس بالنون، وكذلك رواه الليث عن جعفر عن ابن هرمز -وهو الأعرج- عن أبي هريرة، والنون أكثر وأصوب، وفي بعض الروايات "جنتان من حديد" والجنة: الدرع، وما يستر الشيء فهو جنة، والجبة: ما قطع من الثياب مشمرًا. وقوله: "من لدن ثدييهما" كذلك هو في بعض الروايات، وفي بعض الروايات: "ثُديهما" وهو جمع ثَدي، كَحَلْي وَحُلِيّ، وقد يقرآن: "ثديهما" على الواحد، ويروى: "من لدن يديهما" ويستحسنه مستحسنون واستشهدوا له بما في رواية أبي أيوب الغيلاني في "صحيح مسلم": "قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما". وقوله: "سبغت ... أو مرَّت" كأنه من اختلاف الرواة أو من تردد بعض الرواة في اللفظين. وقوله: "تجن بنانه" أي: تستر وتغطي، يقال: جنَّ عليه الليل وجنَّه وأجنَّهُ إذا أظلم عليه فستره، وفي بعض روايات البخاريّ: "حتى تخفي بنانه" والمشهور الأول. وقوله: "ويعفو أثره" أي: يمحوه ويذهب لسبوغها، يقال: عفت الريح الأثر، أي: محته. وقوله: "قلصت" أي: انضمت وانقبضت. وهذا مثل ضربه النبي ﷺ للمنفق والبخيل، وأوضحه الإِمام الخطابي ﵀ فقال: الدرع أول ما يلبس يقع على موضع الصدر والثديين إلى أن يسلك لابسها يده في الكمين ويرسل ذيلها على أسفل بدنه، يشبه النبي ﷺ المنفق بالسليم المطلق اليد يلبس الدرع ويدخل

стр. 704

يديه في كميه، فإذا كانت سابغة سقطت عليه وستر جميع بدنه وحضنيه، وشبه البخيل بالذي يلبس ويداه مغلولتان إلى عنقه فيمنعان من استرسال الدرع، وتجتمع عليّ عنقه وترقوته وتصير ثقلًا ووبالًا عليه من غير وقاية وتحصين للبدن. ومقصود المثل أن الجواد ينفق ويتسع صدره للنفقة وتمتد يداه بالعطاء وينتفع بحمده وثوابه، والبخيل يضيق صدره وتنقبض يداه ولا ينتفع بما يعطيه. وفي الحديث بيان استحباب الإنفاق وكراهية الإمساك. الأصل [٤٦٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أمه أسماء بنت أبي بكر قالت: أتتني أمي راغبة في عهد قريش فسألت رسول الله ﷺ أأصلها؟ قال: "نعم" (١). الشرح هذا حديث صحيح أخرجه البخاريّ (٢) عن الحميدي عن سفيان، وأخرجه مسلم (٣) من غير وجه عن هشام، ورواه عن هشام جماعة منهم: زيد بن أبي أنيسة، وأنس بن عياض، وحماد، وأبو معاوية، وغيرهم. وأم أسماء قتيلة بنت عبد العزى بن (عبد الأسد) (٤) قرشية، وهي أم عبد الله بن أبي بكر أيضًا، ويقال أن أبا بكر ﵁ كان قد طلقها في الجاهلية.

стр. 705

وقولها: "راغبة" أي: طالبة طائعة، ويروى في "كتاب أبي داود" (١): "قدمت علي راغمة مشركة" أي: كارهة الإِسلام، وقيل: هاربة (٢) منه، وفي رواية في "صحيح مسلم": "إن أمي قدمت عليّ وهي راغبة أو راهبة" ويجوز أن يريد وهي طائعة طالبة أو راهبة لشركها. وقولها: "في عهد قريش" يعني: حين عاهدهم النبي ﷺ . ومقصود الحديث أنه يجوز صلة المشرك والتصدق عليه، وفيه أن شرك الوالدين لا يمنع من مطلق البر إليهما، ويروى عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه؛ أن أبا بكر طلق امرأته -قتيلة- في الجاهلية وهي أم أسماء فقدمت عليهم في المدة التي كانت بين رسول الله ﷺ وبين قريش فأهدت إلا أسماء قرطًا وأشياء، فكرهت أن تقبل منها حتى أتت رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له؛ فأنزل الله تعالى ﴿لَا يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ في الدِّينِ﴾ الآية" (٣). الأصل من باب إباحة الطلاق ومن كتاب الصيام الكبير [٤٦٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنه طلق امرأته وهي حائض في زمان رسول الله ﷺ . قال عمر ﵁: سألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر،

стр. 706

فإن شاء أمسكها وإن شاء طلقها قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء" (١). [٤٦٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم وسعيد بن سالم، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن -مولى عزة- يسأل عبد الله بن عمر وأبو الزبير يسمع، فقال: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضًا؟ فقال: طلق عبد الله بن عمر امرأته حائضًا، فقال النبي ﷺ : "مره فليراجعها فإذا طهرت فليطلق أو ليمسك". قال ابن عمر: وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ في قبل عدتهن أو لقُبل عدتهن. الشافعي شك (٢). [٤٦٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم وسعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن مجاهد أنه كان يقرأها كذلك (٣). [٤٦٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمرة أنه كان يقرأ "إذا طلقتم النساء فطلقوهن لقبل عدتهن" (٤). الشرح باب إباحة الطلاق دخل في هذا الموضع وغيره أليق به، ولا أدري لم أورده أبو العباس ها هنا، ولا أنه لم جمع بين إباحة الطلاق

стр. 707

والصيام في قرن، وليس ذلك من ترتيب "الأم". وعبد الرحمن: هو ابن أيمن المخزومي مولى عزة، وقال بعضهم: مولى عروة، والصحيح عند الأئمة الأول. سمع: ابن عمر، ورأى أبا سعيد وأثنى عليه ابن عيينة (١). والحديث الأول مخرَّج في "الموطأ" (٢) و"الصحيحين" (٣)، والثاني أخرجه مسلم (٤) من حديث حجاج بن محمَّد وغيره عن ابن جريج، وفيه: قال ابن عمر وقرأ النبي ﷺ ؟ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قُبل عدتهن؟. والطلاق في حالة الحيض حرام إذا كانت المرأة مدخولًا بها ويسمى ذلك طلاقًا بدعيًّا، قال الله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٥) أي: إذا أردتم تطليق النساء للوقت الذي يشرعن في العدة وبقية الحيض لا يحسب من العدة، ويؤيده قراءة من قرأ "لقُبل عدتهن" أو "في قبل عدتهن" وقُبُل الشيء: أوله ومقدمه، يقال: كان ذلك في قبل الصيف ووقع السهم بقبل الهدف، ثم إن اتفق وقوع الطلاق في الحيض فيستحب للمطلق أن يراجعها لهذا الحديث، وفي قوله: "مره فليراجعها، دليل على وقوع الطلاق وإن كان بدعيًّا؛ لأن الرجعة تكون بعد الطلاق، وفي "الصحيحين" (٦) عن يونس بن جبير

стр. 708

قال: سألت ابن عمر عن رجل طلق امرأته وهي حائض؟ قال: تعرف عبد الله بن عمر؟ قلت: نعم. قال: فإن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض؟ فأتى عمر النبي ﷺ فسأله، فأمره أن يراجعها ثم يطلقها في قبل عدتها. قلت: أيعتد بها. قال: فمه أرأيت إن عجز أو استحمق. يقول: كيف لا يعتد بها أيندفع الطلاق بأن فَعَل فِعْل العاجزين الحمقى فطلق الطلاق المحرم، ويوضحه ما روي عن يونس أنه قال: قلت لابن عمر: اعتددت بتلك الطلقة؟ قال: نعم، وما يمنعني أن أعتد بها وإن كنت أسأت واستحمقت (١). وقوله: "قبل أن يمس" إنما ذكره لأن الطلاق في طهرٍ مس المرأة فيه بدعي أيضًا، وفي قوله: "فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء" ما يشير إلى تخصيص المنع بالمدخول بها، فأما غير المدخول بها فلا عدة عليها، ولا فرق بين أن يطلقها في حال الحيض أو الطهر. ثم الحديث الأول يدل على أنه إذا راجع المطلقة في الحيض فينبغي أن يصبر حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ليتأدى الاستحباب بتمامه، ورواية أبي الزبير تدل على أن له أن يطلق إذا طهرت ولا حاجة إلى الصبر إلى طهر آخر، وفيه وجهان للأصحاب والأول أظهر؛ لأنه

стр. 709

وطئها بعد ما طهرت فكان الطلاق في ذلك الطهر بدعيًّا أيضًا، وإن لم يطأها تجردت الرجعة للطلاق، وكما ينهى عن النكاح للطلاق ينهى عن الرجعة للطلاق، وتكلموا في أن من ذكر "لقبل عدتهن" أو "في قبل عدتهن" ذكره تفسيرًا أو قراءة؟ وظاهر اللفظ الثاني، وعن ابن عباس أنه كان يقرأ كذلك أيضًا (١). الأصل [٤٦٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن محمَّد بن إياس بن البكير قال: طلق رجل امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، ثم بدا له أن ينكحها فجاء يستفتي، فسأل أبا هريرة وعبد الله بن عباس، فقالا: لا نرى أن تنكحها حتى تزوج زوجًا غيرك. فقال: إنما كان طلاقي إياها واحدة. وقال ابن عباس: إنك أرسلت من يدك ما كان لك من فضل (٢). [٤٦٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن يحيى بن سعيد عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن النعمان بن أبي عياش الزرقي، عن عطاء بن يسار قال: جاء رجل يسأل عبد الله بن عمرو بن العاص عن رجل طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يمسها. قال عطاء بن يسار: فقلت: إنما طلاق البكر واحدة. فقال عبد الله بن عمرو: إنما أنت قاص، الواحدة تبتها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجًا غيره (٣).

стр. 710

الشرح محمَّد بن إياس بن البكير: هو الليثي المدني تابعي. روى عن: ابن عباس، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن الزبير. وروى عنه: أبو سلمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن ثوبان، وغيرهما (١). وبكير بن عبد الله بن الأشج مولى أشجع، وقيل: مولى بني مخزوم، وقيل غيره، أبو يوسف، ويقال: أبو عبد الله، كان من صلحاء أهل المدينة. سمع: نافعًا، وسليمان بن يسار، وبسر بن سعيد، وكريبًا، وعاصم بن [عمر] (٢) وأبا سلمة بن عبد الرحمن، وأبا بردة. روى عنه: الليث، وعمرو بن الحارث، ومحمد بن عجلان، وسلمة بن كهيل. مات سنة سبع عشرة ومائة، وقيل غيره (٣). والنعمان: هو ابن أبي عياش زيد بن الصامت الزرقي الأنصاري. سمع: أبا سعيد الخدري، وخولة بنت قيس، وجابر بن عبد الله، وسهيلًا، وأبا حازم.

стр. 711

وروى عنه: سمي، ومحمد بن أبي حرملة (١). والأثران مودعان في "الموطأ" (٢) كما رواهما الشافعي، وخالف يحيى بن سعيد القطان، ويزيد بن هارون وعبدة (٣) بن سليمان مالكًا في الأثر الثاني، فرووه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن بكير بن عبد الله، عن عطاء بن يسار من غير توسيط النعمان، وعن مسلم بن الحجاج أنه عدّ ذكر النعمان بينهما وهمًا من مالك. ومقصود الأثرين أن المطلقة ثلاثًا وإن لم تكن مدخولًا بها تحرم حتى تنكح زوجًا آخر، كما هو قضية الإطلاق في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٤). وقول الرجل: "إنما كان طلاقي إياها واحدة" كأنه ظن أن غير المدخول بها لا يقع عليها إلا طلقة، فقال ابن عباس: "إنك أرسلت من يدك ... " إلى آخره، كأن المعنى: أرسلت ما كان لك من فضل على الواحدة وأنه وقع وقوع الواحدة. وقوله: "إنما أنت قاص" أي: تحكي وتقص ولا فقه لك ولا استنباط. وقوله: "الواحدة تبتها" أي: تقطع نكاحها وتبينها ورأيت في غير واحدة من نسخ "الموطأ" "تبينها" بدل "تبتها".

стр. 712

الأصل [٤٦٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "الشهر تسع وعشرون، لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدد ثلاثين" (١). الشرح الأحاديث من ها هنا تتعلق بكتاب الصيام وقد يوجد في النسخ قبل هذا الحديث: "من كتاب الصيام الكبير". وهذا حديث صحيح رواه البخاريّ (٢) عن عبد الله بن مسلمة عن مالك كما رواه الشافعي، وفي "الموطأ" (٣) من رواية أبي مصعب وغيره: "فإن غم عليكم فاقدروا له" وكذلك رواه مسلم في "الصحيح" (٤) عن يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وغيرهما، عن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار. وقوله: "الشهر تسع وعشرون" يعني أنه قد يكون تسعًا وعشرين وإذا كان تسعًا وعشرين فهو في الحكم كالشهر الكامل، حتى لو نذر أن يصوم شهرًا بعينه فخرج تسعًا وعشرين لم يلزمه غير ذلك، وعلى هذا المعنى حمل حاملون قوله ﷺ : "شهرا عيدٍ لا ينقصان" (٥) وقالوا: إذا خرجا أو خرج أحدهما تسعًا وعشرين لم ينقص الحكم ولا الثواب وإن نقص العدد، وتخصيص هذين الشهرين بالذكر لتعلق الصوم والعيد

стр. 713

والحج بهما، ويبين ما ذكرنا أن المراد أنه قد يكون تسعًا وعشرين: ما في "الصحيحين" (١) من حديث شعبة، عن الأسود بن قيس، عن سعيد بن عمرو، عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "إنا أمة أمية لا نكتُب ولا نحسبُ الشهر هكذا [و] (٢) هكذا" يعني: مرَّة تسعًا وعشرين ومرَّة ثلاثين. قوله: "فإن غم عليكم" أي: خفي لستر الغمام إياه، يقال: غممت الشيء أي: غطيته فهو مغموم، وفي بعض روايات مسلم: "فإن أغمي عليكم" ويروى: "فإن غمِّي" أي: لبس وستر من إغماء المريض، يقال: غمي عليه وأغمي، ورواه بعضهم: "فإن عمي عليكم" بعين غير معجمة أي: التبس، وفي بعض روايات "الصحيح للبخاري": "فإن غُبي عليكم" بالباء، ويروي: "فإن غَبي" أي: خفي. وقوله: "فاقدروا له" تكسر الدال منه وتضم وهو بمعنى التقدر، ويقال: قدرتُ الأمر أقدُرُه وأقدِرهُ تقدرًا إذا نظرت فيه وتدبرته، ومنه قوله في دعاء الاستخارة: "واقدر لي الخير" (٣) ويروى ذلك بالضم والكسر أيضًا، ومنه قول عائشة: "فاقدروا قدر الجارية الحديثة السنن" (٤) أي: انظروا وقدّروا طول مقامها بمثل ذلك، ثم المعنى عند المعظم: التقدير بإكمال العدد ثلاثين، وعلى هذا فقوله: "فاقدروا له" وقوله: "فأكملوا العدة ثلاثين" عبارتان عن معبر واحد، وقال بعضهم: المراد التقدير بحساب سير القمر في المنازل فإنه يتبين به

стр. 714

أن الشهر ثلاثون أو تسعة وعشرون، ويحكى هذا عن القاضي ابن سريج، والظاهر الأول، ويروى عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يومًا" (١). الأصل [٤٧٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد العزيز [بن] (٢) محمَّد الدراوردي، عن محمَّد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أمه فاطمة بنت حسين؛ أن رجلًا شهد عند علي ﵁ على رؤية هلال رمضان فصام، وأحسبه قال: وأمر الناس أن يصوموا، وقال: أصوم يومًا من شعبان أحب إليّ من أن أفطر يومًا من رمضان. قال الشافعي بعد: لا يجوز على رمضان إلا شاهدان (٣). الشرح محمَّد: هو ابن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، أبو عبد الله القرشي المدني. روى عنه: الدراوردي، وابن إسحاق. وروى هو عن: أبي الزناد، وعن أمه. وكان محمَّد يسمى الديباج لغاية جماله، وكان كثير النكاح كثير الطلاق، فقالت امرأة من نسائه: إنما مثله مثل الدنيا لا يدوم نعيمها ولا

стр. 715

تؤمن فجائعها، قتله أبو جعفر المنصور وكان له نبل وقدر (١). وأمه فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب. روت عن: أبيها، وعن ابن عباس (٢). والأثر يدل على أن هلال رمضان يثبت بشاهد واحد، وهو أحد قولي الشافعي ﵁ يدل عليه ما روي عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله، أتشهد أن محمدًّا رسول الله؟ " قال: نعم. قال: "يا بلال، أذن في الناس أن يصوموا غدًا" أخرجه أبو عيسى الترمذي في "جامعه" (٣)، وعن ابن عمر قال: ترائى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته فصام وأمر الناس بالصيام أخرجه أبو داود في "السنن" (٤).

стр. 716

وسبيله على هذا القول سبيل الأخبار حتى يثبت بقول العبد والمرأة أيضًا أم سبيل الشهادة؟ فيه اختلاف والظاهر الثاني. والقول الثاني للشافعي: أنه لا يثبت إلا بشهادة عدلين كهلال شوال. وهذا ما أراد بقوله آخرًا: "قال الشافعي بعد: لا يجوز على رمضان إلا شاهدان" ومن قال بهذا قال: إن عليًّا ﵁ أمر به على طريق المشاورة والاحتياط لا على طريق الإلزام، وقد يشعر به قوله: "لأن أصوم يومًا من شعبان أحب إلي من أن أفطر يومًا من رمضان". لكن هذا إنما يغني إذا أجزأ صوم يوم الشك عن رمضان، ويروى ذلك عن عائشة وأسماء ﵄، وعن ابن عمر أنه كان يرى صومه عن رمضان إذا كان في السماء سحاب أو قترة دون ما إذا كانت مُصحيةٌ (١)، وبه قال أحمد، والذي عليه الأكثرون أن يوم الشك لا يصام عن رمضان، ومن صامه ثم بان أنه كان من رمضان لزمه القضاء، ويروى عن صلة بن زفر قال: كنا عند عمار ﵁ فأتي بشاة مصلية، فقال: كلوا، فتنحى بعض القوم فقال: إني صائم. فقال عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ (٢).

стр. 717

ولا ينبغي أن يصام عن غير رمضان أيضًا إلا أن يوافق وردًا له. الأصل [٤٧١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن أخيه خالد بن أسلم أن عمر بن الخطاب ﵁ أفطر في رمضان في يوم ذي غير ورأى أنه قد أمسى وغابت الشمس، فجاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، قد طلعت الشمس، فقال عمر: الخطب يسير (١). الشرح خالد بن أسلم: أخو زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب القرشي. روى عنه: الزهري، وزيد بن أسلم، وعبد الله بن سلمة الهذلي. وروى الأثر ابن عيينة عن زيد عن أخيه عن أبيه عن عمر (٢). وفيه دليل ظاهر على أنه يجوز الأكل في آخر النهار بالاجتهاد ولا يعتبر اليقين. وقوله: "الخطب يسير" أي: لا إثم فإنا أفطرنا بالاجتهاد. ويقضي يومًا مكانه، ويروى القضاء والصورة هذِه عن ابن عباس، وحديث معاوية ويروى عن زيد بن وهب عن عمر في هذِه القصة أنه قال: والله ما نقضيه وما تجانفنا لإثم (٣). وبه قال الحسن، والظاهر الأول.

стр. 718

وكذلك لو أكل على ظن أن الفجر لم يطلع وبان خلافه يقضي، ويروى ذلك عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري وسعيد بن جبير وابن سيرين. الأصل [٤٧٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن أبي حازم بن دينار، عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" (١). [٤٧٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف؛ أن عمر وعثمان كانا يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود، ثم يفطران بعد الصلاة، وذلك في رمضان (٢). الشرح حديث سهل مشهور صحيح مدون في "الموطأ" (٣) وأخرجه البخاريّ (٤) عن عبد الله بن يوسف عن مالك، ومسلم (٥) عن يحيى بن يحيى عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه، وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة وأنس وابن عباس. وقال الشافعي بعد ما روى عن عمر وعثمان أنهما كانا يفطران بعد الصلاة: كأنهما يريان تأخير ذلك تواسعًا، لا أنهما يعمدان الفضل لتركه (٦).

стр. 719

يعني أن المستحب التعجيل، ولم يؤخرا لفضل في التأخير؛ ولكن رأياه واسعًا، ولعله لم ييسر الجمع بين تعجيل الصلاة وتعجيل الإفطار فرأيا تعجيل الصلاة أولى. وقوله: "حين ينظران إلى الليل الأسود" يعني: السواد المقبل من جانب الشرق، فإنه لا يقبل إلا بعد سقوط القرص، وفي "الصحيحين" (١) عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كنا في سفر مع رسول الله ﷺ ، فلما غربت الشمس قال لرجل: "انزل فاجدح لي". قال: يا رسول الله، لو أمسيت. ثم قال: "انزل فاجدح". قال: يا رسول الله، إن عليك نهارًا، ثم قال: "انزل فاجدح"؛ فنزل فجدح له في الثالثة، فشرب رسول الله ﷺ ثم أومأ بيده إلى المشرق فقال: "إذا رأيتم الليل قد أقبل من ها هنا فقد أفطر الصائم". قوله: "فاجدح لي" أي: حرك السويق بالماء لنفطر عليه، والمِجْدَحُ: العود الذي يحرك به للشراب (٢) ليرق ويستوي. وقوله: "فقد أفطر الصائم" قيل: معناه دخل في وقت الفطر، كما يقال: أصبح وأمسى؛ وقيل: المعنى أنه مفطر في الحكم وإن لم يطعم، فإن الليل ليس محلًّا للصوم. الأصل [٤٧٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنه كان يحتجم وهو صائم ثم ترك ذلك (٣).

стр. 720

الشرح أورد البخاريّ (١) الأثر بلا إسناد وزاد في آخره: وكان يحتجم بالليل. واختلف الصحابة فمن بعدهم في الحجامة للصائم: فعن سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وعائشة وزيد بن أرقم وأم سلمة أنهم لم يروا بها بأسًا، وبهذا قال أكثر الفقهاء. وكرهها آخرون منهم: الحسن وابن سيرين ومسروق. وعن أبي موسى وأنس وابن عمر أنهم كانوا يؤخرونها إلى الليل. ثم من هؤلاء من قال: إنها تفطر الصائم وبه قال أحمد؛ لما روي عن شداد بن أوس قال: كنا مع النبي ﷺ زمان الفتح فرأى رجلًا يحتجم لثمان عشرة خلت من رمضان فقال وهو آخذ بيدي: "أفطر الحاجم والمحجوم" (٢) ويروى الحديث من رواية رافع بن خديج وثوبان وغيرهما، ورواه البخاريّ (٣) عن الحسن عن غير واحد مرفوعًا عن رسول الله ﷺ على تلون فيه، ويدل على ما ذهب إليه الأكثرون ما روي عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم محرم أخرجه البخاريّ

стр. 721

في "الصحيح" (١). وتكلموا في قوله: "أفطر الحاجم والمحجوم" من وجوه: أحدها: عن أبي الأشعث الصنعاني أن الحاجم والمحجوب كانا يغتابان فقال النبي ﷺ : "أفطر الحاجم والمحجوم" (٢) أي: بطل أجر صومهما. والثاني: أراد أنهما تعرضا للإفطار، أما المحجوم فللضعف الذي يلحقه، وأما الحاجم فلأنه لا يؤمن أن يبدر شيء إلى جوفه عند الامتصاص، وهذا كما يقال لمن تعرض للمهالك هلك. والثالث: أنه مرّ بهما مساءً، فقال: أفطرا أي: دخلا في وقت الفطر، كما يقال: أصبح وأمسى وأضحى إذا دخل في هذِه الأوقات. والرابع: أن المعنى أنه حان لهما أن يفطرا كما يقال: احصد الزرع، إذا حان أن يحصد. والخامس: عن الشافعي أن قوله: "أفطر الحاجم والمحجوم" مقيد بزمان الفتح، ولم يصحب ابن عباس النبي ﷺ -وهو محرم إلا في حجة الوداع وهي متأخرة عن الفتح لسنتين فيشبه أن يكون ما رواه ابن عباس ناسخًا لقوله: "أفطر الحاجم والمحجوم" ويستحب للصائم ترك الحجامة توقيًا عن الخلاف. وأيضًا فلأنه يورث الضعف، وفي "الصحيح" عن ثابت البناني قال: سئل أنس بن مالك كنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلا

стр. 722

من أجل الضعف (١). وعلى نحو ذلك تنزل ترك ابن عمر الحجامة في إثر الكتاب. الأصل [٤٧٥] أبنا الربيع قال: قال الشافعي: ومن تقيأ وهو صائم وجب عليه القضاء، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه (٢). [٤٧٦] وبهذا أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ (٣). الشرح هذا الأثر صحيح عن ابن عمر، ويروى مثله عن علي وزيد بن أرقم، وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض" أخرجه أبو عيسى الترمذي (٤) عن علي بن حُجر، عن عيسى بن يونس، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة وقال: إنه غريب لا نعرفه إلا

стр. 723

من حديث عيسى بن يونس. وقوله: "ذرعه القيء" أي: سبقه مسرعًا من قولهم: "أكلٌ ذريع" أي: مسرع، ويقرب منه قولهم: "موت ذريع" أي: فاش كثير، وما روي عن أبي الدرداء؛ أن النبي ﷺ قاء فأفطر. قال ثوبان: صدق أنا صببت له وضوءه (١) محمول على الاستقاءة في صوم التطوع كذلك ذكروه، ويجوز فرض الاستقاءة في صوم الفرض عند دعاء الحاجة إليه، وما روي عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "ثلاث لا تفطر الصائم: الحجامة والقيء والاحتلام" (٢) فقد قال الأئمة: أنه رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد، وعبد الرحمن يضعَّف؛ وإنما رواه عبد الله بن زيد بن أسلم وغيره عن زيد مرسلًا لم يذكروا فيه أبا سعيد، ثم إنهم حملوه كيف ما قدر على ما إذا ذرعه القيء، جمعًا بين الأخبار وحملًا للمطلق على المفصل. الأصل [٤٧٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر، عن أبي يونس -مولى عائشة- عن عائشة أن رجلًا قال

стр. 724

لرسول الله ﷺ وهي تسمع: إني أصبح جنبًا وأنا أريد الصيام. فقال رسول الله ﷺ : "وأنا أصبح جنبًا وأنا أريد الصيام فأغتسل ثم أصوم ذلك اليوم". فقال الرجل: إنك لست مثلنا قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله ﷺ وقال: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي" (١). الشرح أبو يونس مولى عائشة لا يعرف له اسم. روى عن: عائشة. وروى عنه: عبد الله بن عبد الرحمن أبو طوالة، والقعقاع بن حكيم (٢). والحديث صحيح أخرجه مسلم (٣) عن يحيى بن أيوب وغيره، عن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن عبد الرحمن. وفيه بيان أن الإصباح جنبًا لا يمنع صحة الصوم، وقد روي في "الصحيحين" (٤) عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن عائشة وأم سلمة؛ أن النبي ﷺ كان يصبح جنبًا من جماعة ثم يصوم وبهذا قال عامة العلماء، وما روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أن من أدركه الفجر جنبًا فلا صوم له (٥) ففي "الصحيح" (٦) أن أبا هريرة روجع

стр. 725

في ذلك وأخبر بما قالت عائشة وأم سلمة فقال: هما أعلم، لم أسمعه من النبي ﷺ ، إنما أخبرنيه الفضل بن عباس عن النبي ﷺ . وعن أبي بكر بن المنذر (١) وغيره: أن ما رواه أبو هريرة منسوخ وأن ذلك كان في ابتداء الإِسلام حين كان الجماع محرمًا بعد النوم في ليالي الصوم وكان أبو هريرة يفتي بما سمعه من الفضل بن عباس فلما بلغه ما روته عائشة وأم سلمة علم النسخ. وقد روي عن ابن المسيب؛ أن أبا هريرة رجع عن فتياه أن من أصبح جنبًا لا يصوم (٢). ومنه (٣) من حمل ما رواه على ما إذا أدركه الفجر وهو مجامع، وقد يُتأول على أنه لا يكمل صومه فإن الأحب تقديم الغسل على طلوع الفجر. وأما غضب رسول الله ﷺ لما قاله ذلك الرجل؛ فلأنه أوهم أن النبي ﷺ لما كان موعودًا بالمغفرة فربما يتبسط ويتساهل اعتمادا على الغفران، فبيَّن أنه أخشى الناس وأعلم بما يُتقى، وأنه يجتنب ما نهي عنه تعظيمًا لأمر الله تعالى وإن لم يخف مؤاخذة. الأصل [٤٧٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليقبل بعض أزواجه وهو صائم. ثم تضحك (٤).

стр. 726

[٤٧٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار؛ أن ابن عباس سئل عن القبلة للصائم، فأرخص فيها للشيخ، وكرهها للشاب (١). الشرح حديث عائشة صحيح رواه البخاريّ في "كتابه" (٢) عن القعنبي عن مالك، ومسلم (٣) عن علي بن حجر عن سفيان عن هشام بن عروة، وفي الباب عن حفصة وأم سلمة، وفي "الصحيحين" عن عائشة؛ أن النبي ﷺ كان يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه (٤) وهذه الكلمة تروى بفتح الهمزة والراء وكسر الهمزة وإسكان الراء: وهما الحاجة، ويقال: عندي أرْبٌ وأرَبٌ وإرْبَة ومَأْرِبةٌ ومَأْرَبَةٌ، أي: حاجة وبغية، والإرب أيضًا: العضو. والمقصود أنه كان أملك لنفسه وأضبط لشهوته منكم، ويروى أنه لما ذكرت أنه ﷺ كان يقبل قالت: "وأيكم يملك كما كان يملك إربه" (٥) فأفهم كلامُها أن الأولى التحرز على الإطلاق، ولا كراهة في التقبيل لمن لا تحرك القبلة شهوته كالشيخ، وتكره لمن تحرك شهوته، وينطبق على هذا التفصيل الأثر عن ابن عباس. وعن أبي هريرة؛ أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن المباشرة للصائم فرخص له، ثم سأله آخر فنهاه فإذا الذي رخصه شيخ وإذا الذي نهاه شاب (٦).

стр. 727

ويروى عن بعض الصحابة إطلاق القول بالكراهة وأن بعضهم زاد فجعلها مفسدة للصوم، ولو قبل أو باشر فأنزل فسد صومه وفاقًا، وذكروا وجهين في أن الكراهية في حق من تثبت له الكراهية كراهية تحريم أو تنزيه. وقوله: "ثم تضحك" أشارت بضحكها إلى أن التي قبلها رسول الله ﷺ وحكت عنه كانت هي، وفائدته: زيادة وثوق الراوي بصورة الحال لكنها استحيت عن التلفظ به وربما صرَّحت به إذا روت لبعض محارمها خاصة ففي "الصحيح" عن القاسم عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقبلني وهو صائم (١). وعن عمر بن عبد العزيز أن عروة بن الزبير أخبره أن عائشة أم المؤمنين أخبرته؛ أن رسول ﷺ كان يقبلها وهو صائم (٢). الأصل [٤٨٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة؛ أن رجلًا أفطر في شهر رمضان فأمره رسول الله ﷺ بعتق رقبة أو صيام شهرين (متتابعين) (٣) أو إطعام ستين مسكينًا. قال: إني لا أجد، فأتي رسول الله ﷺ بعرق تمر فقال: "خذ هذا فتصدق به". فقال: يا رسول الله، لا أجد أحوج مني، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت ثناياه ثم قال: "كله". قال الشافعي وكان فطره بجماع (٤).

стр. 728

[٤٨١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن عطاء الخراساني، عن سعيد بن المسيب قال: أتى أعرابي إلى رسول الله ﷺ ينتفُ شعرَهُ ويضرِبُ نحرَهُ ويقول: هلك الأبعد. فقال رسول الله ﷺ : "وما ذاكَ؟ " قال: أصبتُ أهلي في رمضان وأنا صائم. فقال له رسول الله ﷺ : "هل تستطيع أنْ تعتق رقبة؟ " قال: لا. قال: "فهل تستطيع أنْ تهدي بدنة؟ " قال: لا. قال: "فاجلس" فأتي رسول الله ﷺ بعرق تمر فقال: "خُذ هذا فتصدَّق به". فقال: ما أجد أحدًا أحوج مني. قال: "فكُله وصُمْ يومًا مكان ما أصبتَ". قال عطاء: فسألت سعيدًا كم في ذلك العرق؟ فقال: ما بين خمسة عشر صاعًا إلى عشرين (١). الشرح عطاء الخراساني: هو عطاء بن أبي مسلم عبد الله، مولى المهلب بن أبي صفرة، من أهل بلخ سكن الشام. وسمع: عبد الله بن بريدة، وسعيد بن المسيب.

стр. 729

وروى عنه: معمر، ومالك. مات سنة خمس وثلاثين ومائة (١). والحديثان مودعان في "الموطأ" (٢) كما رواه الشافعي لكن حديث أبي هريرة اختصره بعض الرواة، [ونحو] (٣) منه ما رواه البخاريّ (٤) عن أبي اليمان عن شعيب، ومسلم (٥) عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة عن ابن عيينة، والترمذي (٦) عن نصر بن علي الجهضمي وغيره عن ابن عيينة، وأبو داود (٧) عن مسدد عن ابن عيينة، وابن ماجه (٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن ابن عيينة، بروايتهما -أعني شعيبًا وابن عيينة- عن الزهْرِيِّ، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: جاء رَجُل فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكْتُ. قال: "وما أهلكك؟ " قال: وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ : "هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ " قال: لا. قال: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ " قال: لا. قال: "فَهَلْ تَجِدُ ما تطعم سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ " قال: لا. قال: فَمَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ فأتي بِعَرَقٍ فِيهَ تَمر فقال: "خذ هذا فَتَصدَّقْ بِهِ". فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللهِ فَوَاللهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتى، فَضَحِكَ النَّبِيّ ﷺ حتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: "اذهب فأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ". وإذا عرف تمام الحديث لم يخف أن قوله في رواية الكتاب:

стр. 730

"فأمرَهُ بعتقِ رقبةٍ أو صيام شهرين أو إطعام ستين مسكينًا" المراد منه الترتيب كما يقال [كفارة] (١) الظهار الإعتاق أو الصيام أو الإطعام ويراد أن التكفير بإحدى الخصال، ثم لكل وقت وشرط، وعن مالك أن كفارة الوقاع في رمضان على التخيير. وقوله في الرواية الأخرى: "ينتف شعره ويضرب نحره" يبين استعظامهم الحرام وشدة خوفهم منه. وقوله: "هلك الأبعد" أي: الذي بعد من الخير والعصمة. والعَرق بفتح العين والراء فسر في الحديث بالمكتل: وهو الزنبيل المنسوج من الخوص، ويقال لكل مضفور عَرَق، ويقال بدل "العَرَق" عرْق وهو جمع عَرَقة وهي الضفيرة من الخوص، ثم في بعض الروايات: "فأتي بعرق فيه خمسة عشر صاعًا" (٢) ويقرب منه ما في الرواية الثانية عن عطاء أنه قال: "سألت سعيدًا كم في ذلك العرق" كأنه يريد فيما بلغك ويروى لك، فقال: "ما بين خمسة عشر صاعًا إلى عشرين". وعن محمَّد بن إسحاق بن [يسار] (٣) أن العَرَق مكتل تسعُ ثلاثين صاعًا (٤)، وقيل: ستين صاعًا؛ والأشبه أن العرق كان في ذلك الوقت يختلف صغيرًا وكبيرًا على ما هو المعهود اليوم فإنه مكتل لا مكيال، وبتقدير أن يعدّ مكيالًا وإنما يقيد التقدير رواية من روى "أنه أتي بعرق تمر" دون رواية من روى "أنه أتي بعرق فيه تمر". وقوله: "فهل تستطيع أن تهدي بدنة" في الرواية الثانية لا ذكر له في الروايات الموصولة والأخذ بالموصول أولى من الأخذ بالمنقطع.

стр. 731

وقوله: "ما بين لابتيها" يريد طرفي المدينة وقد ورد التفسير في الحديث. وقوله: "حتى بدت ثناياه" كذا هو في رواية الشافعي، ورأيت مثله في "مسند أبي داود" ورواية الجمهور: "حتى بدت أنيابه" وكذا هو في "الموطأ". والثنايا: الأسنان الأربع في مقدم الفم، اثنتان من الأعلى واثنتان من الأسفل ويليها أربع يقال لها: رباعيات، ويليها الأنياب وهي جمع ناب، والأنياب أليق فإن المقصود أنه بالغ في الضحك، ومن روى "الثنايا" فالمعنى أنه ضحك بقدر ما بدت ثناياه وهو التبسم، وكان جلّ ضحكه ﷺ التبسم (١). وقوله: "كله" وفي رواية: "أطعمه أهلك" قيل فيه: أنه كان يجوز صرف الكفارة إلى الأهل ثم نسخ، وقيل: كان التجويز مخصوصًا بذلك الرجل، والأحسن ما أشار إليه الشافعي وهو أن الرجل وجبت عليه الكفارة وكان عاجزًا عن جميع خصالها فأراد النبي ﷺ أن يعطيه ما يصرفه في الكفارة، فذكر أنه من أحوج الناس فلم ير له أن يتصدق به، وأمره بأن يتركه لنفسه وعياله وتكون الكفارة في ذمته إلى أن يقدر. قوله: "وصم يومًا مكان ما أصبت" يدل على أنه يجب القضاء مع الكفارة، وهو ظاهر المذهب، وعلى أن يومًا من رمضان يقضى يوم، وعن ربيعة أنه يقضي يومًا باثني عشر يومًا؛ لأن الله تعالى اختار الشهر من اثني عشر شهرًا، واحتج محتجون بالحديث على أنه يجوز للإمام

стр. 732

ترك التعزير في حقوق الله تعالى فإن النبي ﷺ لم يعزر الرجل، وعلى أنه لا يجب بالجماع إلا كفارة واحدة، واحتج برواية من روى أنه كان في العرق خمسة عشر صاعًا على أنه يجب في الإطعام لكل مسكين مدّ لأن خمسة عشر صاعًا إذا قسمت على ستين حصل لكل واحد منهم؛ لأن الصاع أربعة أمداد؛ لكن لا قوة لهذا الاحتجاج؛ لأنه قال: "فتصدق به" ويجوز أن يكون الواجب أكثر من ذلك وأمر بالتصدق بذلك القدر على بعض الستين أو بتوزيعه على الستين إلى أن يجد الباقي، وقد ذهب بعضهم إلى أنه يجب لكل مسكين نصف صاع من الحنطة وصاع من سائر الحبوب، ومنهم من أطلق وجوب التصدق بصاع. الأصل [٤٨٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة؛ أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: يا رسول الله، أصوم في السفر وكان كثير الصيام؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن شئتَ فصُم، وإنْ شئتَ فأفْطِر" (١). [٤٨٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: سافرنا مَعَ رسولِ الله ﷺ في رمضان فلم يَعِب الصائمُ على المفطرِ، ولا المفطر على الصائم (٢). الشرح حمزة: هو ابن عمرو بن عويمر بن الحارث بن الأعرج بن سعد بن رزاح بن عدي بن سهم بن مازن بن الحارث بن

стр. 733

سلامان بن أسلم بن أفصى بن حارثة الأسلمي، أبو صالح، وقيل: أبو محمَّد. روى عنه: أبو مراوح، وعروة، وسليمان بن يسار، وغيرهم مات سنة إحدى وستين وهو ابن ثمانين سنة (١). والحديثان صحيحان داخلان في "الموطأ" (٢) وحديث عائشة أخرجه البخاريّ (٣) عن عبد الله بن يوسف عن مالك، ومسلم (٤) عن قتيبة عن الليث عن هشام، ورواه عن هشام كما رواه مالك: ابن جريج ويحيى بن سعيد الأنصاري وابن عجلان وأيوب السختياني وشعبة والحمادان وزائدة وأبو أويس، ورواه الدراوردي وعبد الرحيم بن سليمان عن هشام عن أبيه عن عائشة عن حمزة الأسلمي، ورواه محمَّد بن إبراهيم بن الحارث وغيره عن عروة بن الزبير عن حمزة الأسلمي، ورواه أبو أسود عن عروة عن أبي مراوح عن حمزة الأسلمي وقد أخرجه مسلم في "الصحيح" (٥) من هذا الرواية أيضًا واللفظ: أنه قال: يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل عليّ جناح؟ فقال رسول الله ﷺ : "هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليها". وحديث أنس أخرجه البخاريّ (٦) عن القعنبي عن مالك، ومسلم (٧) عن يحيى بن يحيى عن أبي خيثمة عن حميد، وفي الباب عن

стр. 734

أبي سعيد الخدري (وعروة) (١). وقوله: "وكان كثير الصيام" يريد أنه كان لا يشق عليه الصوم لاعتياده. وفي الحديثين دلالة ظاهرة على أن الصوم والإفطار جائزان في السفر خلافًا لقول من قال: يسنُّ الإفطار ويروى ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وأيهما أولى؟ ذهب جماعة إلا أن الإفطار أولى وبه قال الأوزاعي وأحمد و [ذهب] (٢) آخرون إلى أن الصوم أولى وهم الأكثرون، هذا إذا أطاق الصوم؛ فأما من يجهده الصوم فالأولى له الإفطار، وفي مثله قال ﷺ : "ليس من البر الصيام في السفر" (٣) وما روي أنه بلغه أن [بعض الناس قد صام] (٤) فقال ﵇: "أولئك العصاة" (٥) فقد حمله الشافعي على من يصوم ردًّا للرخصة ولا يرى الفطر مباحًا، وقد قدمنا فيه غير هذا. الأصل [٤٨٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن طلحة بن يحيى، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ ، فقلت: إنا خبأنا لك حيسًا. قال: "أما إني كنت أريد الصوم ولكن قرِّبيه" (٦).

стр. 735

الشرح هذا الحديث معاد (١)، مذكور مرة عقيب باب الاستسقاء وأتينا بما لا بد منه في شرحه. الأصل من كتاب المناسك [٤٨٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قفل، فلما كان بالروحاء لقي ركبًا فسلم عليهم وقال: "من القوم؟ " فقالوا: المسلمون، فمن القوم؟ فقال رسول الله ﷺ : "رسول الله" فرفعت إليه امرأة صبيًّا لها من محفة فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: "نعم، ولك أجر" (٢). [٤٨٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ مرَّ بامرأة وهي في محفتها، فقيل لها: هذا رسول الله، فأخذت بعضد صبيٍّ كان معها فقالت: ألهذا حج؟ قال: "نعم، ولك أجر" (٣). الشرح الحديث من رواية سفيان أخرجه مسلم في "الصحيح" (٤) عن أبي

стр. 736

بكر بن [أبي] (١) شيبة عنه، وأبو داود (٢) عن أحمد بن حنبل عنه، وهو من رواية مالك مودع في "الموطأ" (٣). ورواه أبو مصعب عن مالك موصولًا كما رواه الشافعي، ومنهم من رواه منقطعًا لم يذكر فيه ابن عباس، وكذلك رواه الزعفراني في "القديم" عن الشافعي، وفي الباب عن جابر بن عبد الله، ومن روايته أخرج الحديث أبو عيسى (٤) وابن ماجه (٥) عن محمَّد بن طريف عن أبي معاوية عن محمَّد بن سوقة عن ابن المنكدر عنه. والقفول: الرجوع من السفر، والروحاء: على نحوٍ من أربعين ميلًا من المدينة وهي بين مكة والمدينة، وقيل: على ستة وثلاثين، وقيل: على ثلاثين، والرَّكب: جمع راكب، ويقال: إن اللفظ للعشرة فصاعدًا. وكان النبي ﷺ لا يعرفهم ولا هم يعرفونه ومن معه، فسألهم أولًا فقالوا: قوم مسلمون، وسألوه فقال رسول الله ﷺ : أنا رسول الله. والمِحفَّةُ: من مراكب النساء، والميم مكسورة. وفي الحديث دليل على صحة حج الصبي، ومؤيده ما روي عن السائب بن يزيد قال: حج بي أبي مع النبي ﷺ في حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين (٦). ثم إن كان الصبي مميزًا فيُحرم ويأتي بالأعمال، وإلا فيُحرم عنه الولي ويأمره بالطواف وغيره أو يطوف به.

стр. 737

وقولك (١): "ولك أجر" أي: في إحجاجه، وليس في الخبر أن الصبي كان ابنها أو (٢) لم يكن، ولا أنها كانت أحرمت عنه إن كان ابنها أو أحرم عنه أبوه أو كان مميزًا فأحرم بنفسه، وقيل: إن الظاهر أنه كان ابنها وأنها أحرمت عنه، واحتج به على أن للأم أن تحرم عن الصبي، وفيه أنه ﷺ سلم عليهم قبل أن يعرفهم ويعرف حالهم. آخر الجزء، ويتلوه في الذي يليه: أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن مالك بن مغول، عن أبي السفر. الحمد لله حق حمده.

стр. 738

-[الجزء الثاني عشر من مسند إمام أئمة المسلمين، وابن عم رسول رب العالمين أبي عبد الله محمَّد بن إدريس الشافعي المطلبي ﵁ وأرضاه بشرح الإِمام الكبير السعيد العلامة خاتم المجتهدين، حجة الإِسلام والمسلمين أبي القاسم الرافعي، نوَّر الله ضريحه، فيه:]- رفعت امرأة صبيًّا لها، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي، جاءت امرأة من خثعم فقالت: إن أبي أفند، سمع رجلًا يقول: لبيك عن فلان، الحاج الشعث التفل، سمع ابن عباس رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة، قدم علي من سعايته فقال: بم أهللت يا علي؟، من كان معه هدي فليقم على إحرامه، زوَّج امرأة بسورة من القرآن، الحج جهاد، إعمار عائشة من التنعيم، طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة، اعتمرت عائشة في سنة مرتين، يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، أحاديث أخر في المواقيت. الرواة سوى من سبق: أبو السفَر، الفضل بن عباس، عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، زيد بن علي بن الحسين، حنظلة بن سفيان الجمحي، إبراهيم بن يزيد الخوزي، طارق بن عبد الرحمن، عبد الله بن أبي أوفى، هشام بن حجير، سراقة بن مالك بن جشعم (١)، زيد بن جبير

стр. 739

الكوفي، أبو صالح الحنفي، عمرو بن أوس الثقفي، عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، إسماعيل بن أمية، مزاحم المكي، عبد العزيز بن عبد الله بن خالد، محرش بن عبد الله الكعبي، ابن أبي جبير، صدقة بن يسار، القاسم بن معن، ليث بن أبي سليم. ﵏.

стр. 740

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الأصل (١) [٤٨٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن مالك بن مغول، عن أبي السفر، قال: قال ابن عباس: أيها الناس أسمعوني ما تقولون وافهموا ما أقول لكم: أيما مملوك حج به أهله فمات قبل أن يعتق فقد قضى حجه، وإن عتق قبل أن يموت فليحجج، وأيما غلام حج به أهله فمات قبل أن يدرك فقد قضي عنه حجته وإن بلغ فليحج (٢). الشرح أبو السفر: هو سعيد بن [يحمد] (٣) ويقال: ابن أحمد الثوري البكيلي الهمداني كوفي. سمع: ابن عباس، والبراء. وروى عنه: مطرف بن طريف، ومالك بن مغول، وأبو إسحاق. والفاء من أبي السفر مفتوحة (٤). والأثر ثابت (٥) عن ابن عباس، ورواه مطرف عن أبي السفر بمعناه، ويروى عن أبي ظبيان عن ابن عباس موقوفًا ومرفوعًا (٦)،
следующие страницы →