← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123510

شرح مسند الشافعي

الرافعي

Полный текст (1 876 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

بكر بن [أبي] (١) شيبة عنه، وأبو داود (٢) عن أحمد بن حنبل عنه، وهو من رواية مالك مودع في "الموطأ" (٣). ورواه أبو مصعب عن مالك موصولًا كما رواه الشافعي، ومنهم من رواه منقطعًا لم يذكر فيه ابن عباس، وكذلك رواه الزعفراني في "القديم" عن الشافعي، وفي الباب عن جابر بن عبد الله، ومن روايته أخرج الحديث أبو عيسى (٤) وابن ماجه (٥) عن محمَّد بن طريف عن أبي معاوية عن محمَّد بن سوقة عن ابن المنكدر عنه. والقفول: الرجوع من السفر، والروحاء: على نحوٍ من أربعين ميلًا من المدينة وهي بين مكة والمدينة، وقيل: على ستة وثلاثين، وقيل: على ثلاثين، والرَّكب: جمع راكب، ويقال: إن اللفظ للعشرة فصاعدًا. وكان النبي ﷺ لا يعرفهم ولا هم يعرفونه ومن معه، فسألهم أولًا فقالوا: قوم مسلمون، وسألوه فقال رسول الله ﷺ : أنا رسول الله. والمِحفَّةُ: من مراكب النساء، والميم مكسورة. وفي الحديث دليل على صحة حج الصبي، ومؤيده ما روي عن السائب بن يزيد قال: حج بي أبي مع النبي ﷺ في حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين (٦). ثم إن كان الصبي مميزًا فيُحرم ويأتي بالأعمال، وإلا فيُحرم عنه الولي ويأمره بالطواف وغيره أو يطوف به.

стр. 737

وقولك (١): "ولك أجر" أي: في إحجاجه، وليس في الخبر أن الصبي كان ابنها أو (٢) لم يكن، ولا أنها كانت أحرمت عنه إن كان ابنها أو أحرم عنه أبوه أو كان مميزًا فأحرم بنفسه، وقيل: إن الظاهر أنه كان ابنها وأنها أحرمت عنه، واحتج به على أن للأم أن تحرم عن الصبي، وفيه أنه ﷺ سلم عليهم قبل أن يعرفهم ويعرف حالهم. آخر الجزء، ويتلوه في الذي يليه: أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن مالك بن مغول، عن أبي السفر. الحمد لله حق حمده.

стр. 738

-[الجزء الثاني عشر من مسند إمام أئمة المسلمين، وابن عم رسول رب العالمين أبي عبد الله محمَّد بن إدريس الشافعي المطلبي ﵁ وأرضاه بشرح الإِمام الكبير السعيد العلامة خاتم المجتهدين، حجة الإِسلام والمسلمين أبي القاسم الرافعي، نوَّر الله ضريحه، فيه:]- رفعت امرأة صبيًّا لها، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي، جاءت امرأة من خثعم فقالت: إن أبي أفند، سمع رجلًا يقول: لبيك عن فلان، الحاج الشعث التفل، سمع ابن عباس رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة، قدم علي من سعايته فقال: بم أهللت يا علي؟، من كان معه هدي فليقم على إحرامه، زوَّج امرأة بسورة من القرآن، الحج جهاد، إعمار عائشة من التنعيم، طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة، اعتمرت عائشة في سنة مرتين، يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، أحاديث أخر في المواقيت. الرواة سوى من سبق: أبو السفَر، الفضل بن عباس، عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، زيد بن علي بن الحسين، حنظلة بن سفيان الجمحي، إبراهيم بن يزيد الخوزي، طارق بن عبد الرحمن، عبد الله بن أبي أوفى، هشام بن حجير، سراقة بن مالك بن جشعم (١)، زيد بن جبير

стр. 739

الكوفي، أبو صالح الحنفي، عمرو بن أوس الثقفي، عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، إسماعيل بن أمية، مزاحم المكي، عبد العزيز بن عبد الله بن خالد، محرش بن عبد الله الكعبي، ابن أبي جبير، صدقة بن يسار، القاسم بن معن، ليث بن أبي سليم. ﵏.

стр. 740

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الأصل (١) [٤٨٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن مالك بن مغول، عن أبي السفر، قال: قال ابن عباس: أيها الناس أسمعوني ما تقولون وافهموا ما أقول لكم: أيما مملوك حج به أهله فمات قبل أن يعتق فقد قضى حجه، وإن عتق قبل أن يموت فليحجج، وأيما غلام حج به أهله فمات قبل أن يدرك فقد قضي عنه حجته وإن بلغ فليحج (٢). الشرح أبو السفر: هو سعيد بن [يحمد] (٣) ويقال: ابن أحمد الثوري البكيلي الهمداني كوفي. سمع: ابن عباس، والبراء. وروى عنه: مطرف بن طريف، ومالك بن مغول، وأبو إسحاق. والفاء من أبي السفر مفتوحة (٤). والأثر ثابت (٥) عن ابن عباس، ورواه مطرف عن أبي السفر بمعناه، ويروى عن أبي ظبيان عن ابن عباس موقوفًا ومرفوعًا (٦)،

стр. 741

وأورده أبو داود السجستاني في "المراسيل" (١) بإسناده عن محمَّد بن كعب القرظي عن النبي ﷺ . والمقصود أن من حج في صباه أو في رقه ثم بلغ أو عتق لم يجزئه حجه عن حجة الإِسلام؛ بل عليه أن يحج إذا استطاع، وبهذا قال عامة العلماء. وقوله: "أسمعوني ما تقولون ... " إلى آخره كأنه يقول: أبلغوني كلامكم لأجيب عما تسألون، وافهموا ما أقول لكم لتعلموا أو تنقلوا على الصواب. وقوله: "فقد قضى حجه" فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي لمن تيسر له أن يخلي عمره عن الحج إما فرضًا وإما سنة، فمن حج في الصبي أو الرق ومات قبل كمال الحال فقد حافظ على وظيفة العمر، وإن يبلغ حال الكمال فليتدارك، وفي ضمنه حكم بصحة الحج في الصبي والرق. الأصل [٤٨٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، قال: سمعت الزهري يحدث، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس؛ أن امرأة من خثعم سألت النبي ﷺ فقالت: إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستمسك على راحلته فهل ترى أن أحج عنه؟ فقال النبي ﷺ : "نعم". قال سفيان هكذا حفظته عن الزهري (٢).

стр. 742

[٤٨٩] وأخبرني عمرو بن دينار، عن الزهري، عن سليمان بن يسار، عن النبي ﷺ [مثله] (١) وزاد فيه: فقالت: يا رسول الله فهل ينفعه ذلك؟ فقال: "نعم، كما لو كان عليه دين فقضيته" (٢). [٤٩٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عباس قال: كان الفضل بن عباس رديف رسول الله ﷺ فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر. فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: "نعم" وذلك في حجة الودع (٣). [٤٩١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج قال: قال ابن شهاب: حدثني سليمان بن يسار، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس؛ أن امرأة من خثعم قالت لرسول الله ﷺ : إن أبي قد أدركته فريضة الله عليه في الحج وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعير. قال: "فحجي عنه" (٤).

стр. 743

الشرح الفضل: هو ابن عباس بن عبد المطلب بن هاشم أبو محمَّد، ابن عم رسول الله ﷺ . روى عنه: أخواه عبد الله وقثم، وأبو هريرة. توفي قبل أبيه سنة ثمان عشرة، وقيل: قتل باليرموك سنة خمس عشرة، وقيل غيرهما (١). والحديث صحيح رواه ابن عيينة عن الزهري وأيضًا عن عمرو بن دينار عن الزهري بزيادة الإلحاق بقضاء الدين، وليس في أكثر الروايات عن الشافعي ذكر ابن عباس في رواية عمرو بن دينار، ومنهم من ذكره في روايته وكذلك يوجد في "الأم" (٢) وربما طرح من طرح اكتفاءً بالرواية السابقة. وأما من رواية مالك فهو داخل في "الموطأ" (٣) ورواه البخاريّ (٤) عن عبد الله بن يوسف والقعنبي، ومسلم (٥) عن يحيى بن يحيى، وأبو داود (٦) عن القعنبي، بروايتهم عن مالك. وأما من رواية ابن جريج فقد رواه البخاريّ (٧) عن أبي عاصم عنه، ومسلم (٨) من طريق آخر، وأبو عيسى (٩) عن أحمد بن منيع عن

стр. 744

روح بن عبادة عن ابن جريج، ورواه ابن ماجه (١) عن عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن الزهري كما رواه ابن جريج. ثم الحديث من الروايتين الأوليين مروي عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، ومن رواية ابن جريج عن ابن عباس عن الفضل عن النبي ﷺ وعن البخاريّ (٢) أن أصح شيء في الباب حديث ابن عباس عن الفضل عن النبي ﷺ ، وأنه يحتمل أن يكون ابن عباس سمعه من الفضل ومن غيره فتارةً أسنده وأخرى أرسله ولم يذكر من سمعه منه. ووراء ما ذكره احتمال وهو أن يكون ابن عباس حضر وشهد الحال ثم حدثه به الفضل فتارة روى عنه، وأخرى أخبر عما رأى. وقولها: "إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخًا كبيرًا" فسَّر بأنه أسلم وهو شيخ كبير، ويجوز أن تريد أن فريضة الحج نزلت وهو شيخ كبير ولعله أسبق إلى الفهم. وفي الحديث دليل على أنه يجوز الحج عمن يعجز عن مباشرته لكبر أو زمانة خلافًا لقول مالك وأحمد حيث قالا: "يجوز الحج عن العاجز الحي، وعلى أنه يجوز حج المرأة عن الرجل خلافًا لقول بعضهم، واحتج به على أن العاجز إذا بذل ولده الطاعة في الحج عنه يلزمه الحج وإن لم يكن له مال؛ لأن أباها كان عاجزًا عن المباشرة وإن لم يجر ذكر المال، وإنما الذي جرى ذكر الطاعة، ولمنازع أن ينازع في هذا الاحتجاج ويقول: إنها لم تسأل إلا عن جواز الحج عنه، وفيه المنع عن النظر، وأن المنكر يمنع منه فعلًا وحسًّا كما يمنع عنه بالكلام.

стр. 745

الأصل [٤٩٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عمرو بن أبي سلمة، عن عبد العزيز بن محمَّد، عن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، عن زيد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: "وكل منى منحر" ثم جاءته امرأة من خثعم فقالت: إن أبي شيخ قد أفند وأدركته فريضة الله على عباده في الحج ولا يستطيع أداءها، فهل يجزيء أن أؤديها عنه؟ قال: "نعم" (١). [٤٩٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن حنظلة، قال: سمعت طاوسًا يقول: أتت النبي ﷺ امرأة فقالت: إن أمي ماتت وعليها حج. فقال: "حجي عن أمك" (٢). الشرح عبد الرحمن: هو ابن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أبو الحارث القرشي المخزومي. حدث عن: عمرو بن شعيب، وزيد بن علي. وسمع منه: الثوري، وسليمان بن بلال، وعبد العزيز بن محمَّد. مات سنة ثلاث وأربعين ومائة (٣).

стр. 746

وزيد: هو ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسين الهاشمي أخو محمَّد بن علي. روى عن: أبيه زين العابدين. وقتل سنة اثنتين وعشرين ومائة (١). وحنظلة: هو ابن [أبي] (٢) سفيان الجمحي القرشي مكي. سمع: القاسم، ومجاهدًا، وطاوسًا. وسمع منه: الثوري، ووكيع. مات سنة إحدى وخمسين ومائة (٣). وحديث علي ﵁ هو الذي سبق من رواية عبد الله والفضل ابني عباس، وفي الباب عن بريدة وأبي رزين العقيلي وسودة وحصين بن عوف ﵃. وقوله: "وكل منى منحر" معطوف على جُمل سبقت، وهي الوقوف بعرفة ثم الإفاضة منها إلى جمع ثم أتى المنحر فقال: "هذا المنحر" يريد موضع نحوه "وكل منى منحر" وقد أخرجها بتمامها الترمذي (٤) عن أبي أحمد الزبيري عن سفيان عن عبد الرحمن المخزومي فكان غرض الرواية ها هنا قصة الخثعمية فأهمل ما قبلها. وأَفند الرجل: إذا ضعف رأيه من الكبر، والفَنَدُ: ضعف الرأي من الهرم، والإفناد: الكذب أيضًا. وحديث طاوس روي مقصوده موصولًا في "الصحيح" من رواية

стр. 747

سعيد بن جبير، فروى البخاريّ عن موسى بن إسماعيل، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج ولم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: "حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيةً، اقضوا الله فالله أحق بالوفاء" (١). وفيه بيان جواز الحج عن الميت، وأن حقوق الله تعالى لا تسقط بالموت بل تقضى كما تقضى ديون العباد. الأصل [٤٩٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء قال: سمع النبي ﷺ رجلًا يقول: لبيك عن فلان. فقال له النبي ﷺ : "إن كنت حججت فلبّ عنه وإلا فاحجج" (٢). الشرح هذا الحديث وشاهده معاد من بعد وهناك نأتي بما يحتاج إليه من الشرح، وذكره الشافعي ها هنا مقطوعًا ومقصوده الاحتجاج به في جواز الحج عن الغير في الجملة. الأصل [٤٩٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن إبراهيم بن يزيد، عن محمَّد بن عباد بن جعفر قال: قعدنا إلى عبد الله بن عمر فسمعته يقول: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: ما الحاج؟

стр. 748

فقال: "الشعث التفل". فقام آخر فقال: يا رسول الله أي الحج أفضل؟ قال: "العج والثج". فقام آخر فقال يا رسول الله: ما السبيل؟ قال: "زاد وراحلة" (١). [٤٩٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن سفيان الثوري، عن طارق بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن أبي أوفى صاحب النبي ﷺ أنه قال: سألته عن الرجل لم يحجج أيستقرض للحج؟ فقال: "لا" (٢). [٤٩٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم وسعيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس؛ أن رجلًا سأله فقال أؤاجر نفسي من هؤلاء القوم لأنسك معهم المناسك ألي أجر؟ فقال ابن عباس: نعم ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾ (٣). الشرح إبراهيم بن يزيد: هو أبو إسماعيل الخوزي، قال الإِمام البخاريّ: مكي سكتوا عنه، يروي عن: محمَّد بن عباد بن جعفر، وعمرو بن دينار (٤). وطارق بن عبد الرحمن ليس في "تاريخ البخاريّ" بهذِه الترجمة

стр. 749

إلا رجل واحد وهو طارق بن عبد الرحمن بن القاسم، وذكر أنه قرشي. روى عنه: عكرمة بن عمار (١). وعبد الله بن أبي أوفى علقمة بن الحارث بن رفاعة بن ثعلبة، من أصحاب الشجرة أبو إبراهيم أو أبو معاوية أو أبو محمَّد. روى عنه: أبو إسحاق الشيباني، وعمرو بن مرة، وطلحة بن مصرف، وغيرهم. مات سنة سبع وثمانين بالكوفة، ويقال أنه آخر من مات بها من الصحابة (٢). وحديث ابن عمر أخرجه ابن ماجه (٣) عن هشام بن عمار عن مروان بن معاوية، وعن علي بن محمَّد عن وكيع، بروايتهما عن إبراهيم بن يزيد. ويقال: رجل شعثٌ وأشعث وشعر شعث وامرأة شعثة وشعثاء، والشَّعثُ: تلبّد الشعر المغبر، والتفل: الكريه الرائحة، ومنه قوله:

стр. 750

"فليخرجن تفلات" (١) أي: غير متطيبات، والعُجُّ: رفع الصوت، يقال: عجَّ الرعد عجيجًا إذا صوَّت، والمقصود رفع الصوت بالتلبية، والثج: الصَّبُّ والمقصود نحر البدن وإراقة دمائها. وقوله: "ما الحاج" أي: ما نعته وما صفته أو من أفضل الحجيج، وكذا قوله: "أي الحج أفضل ... " إلى آخره فيه إضمار: أما في السؤال بأن يقال: أي أعمال الحج وخصاله أفضل، وأما في الجواب بأن يقال: المعنى الحج الذي فيه العج والثج. وقوله: "ما السبيل" يريد السبيل المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجًّا لْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢) وأورد الشافعي الحديث في بيان أنه لا يجب الحج ماشيًا، فقال في "الأم" (٣): لا أحب ترك المشي إلى الحج لمن قدر عليه، ولا [يبين] (٤) لي أن أوجبه؛ لأني لا أحفظ عن أحد من المفتين أنه أوجبه، وقد روي أحاديث عن النبي ﷺ تدل على أنه لا يجب المشي إلى الحج غير أن منها منقطعة، ومنها ما يمتنع أهل الحديث من إثباته. قال الأئمة: أشار بما لا يثبته أهل الحديث إلى حديث إبراهيم بن يزيد الخوزي فإنهم ضعفوه، وقصد بالمنقطع نحو ما ذكر أنه روي عن شريك بن أبي نمر عمن سمع أنس بن مالك يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: "السبيل: الزاد والراحلة" وروى أبو داود في "المراسيل" (٥) عن أحمد بن حنبل عن هشيم عن يونس عن الحسن أنه قال: لما نزلت الآية

стр. 751

قيل: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: "الزاد والراحلة". ثم ما ذكرنا أنه لا يجب المشي إلى الحج أردنا في حق البعيد عن البيت؛ فأما من بينه وبين مكة ما دون مسافة القصر فيلزمه المشي إذا أطاق، وكما لا يجب المشي على البعيد وإن قدر عليه فلا يجب الاستقراض للحج وإن تمكن الشخص منه؛ لأنه قد لا ييسر له الرد، والأثر عن ابن أبي أوفى يدل عليه، ومن حج وهو يخدم غيره بإجارة جرت بينهما وهو ينفق من الأجرة أو كان المستأجر ينفق عليه أو كان يخدم من غير إجارة؛ فلا بأس ويجزئه حجه، وهذا كما أنه لا بأس بالتجارة في الحج، ويقال أن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١) نزل في التجارة في الحج، وفي "سنن أبي داود" (٢) عن أبي أمامة التيمي قال: كنت رجلًا أكري في هذا الوجه -يعني نفسي أو ظهري- وكان ناس يقولون: إنه ليس لك حج، فلقيت ابن عمر ﵁ فذكرت ذلك له فقال: ألست تحرم وتلبي وتطوف بالبيت، وتفيض من عرفات وترمي الجمار؟ قلت: بلى. قال: فلك حج، جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عن مثل ما سألتني عنه فسكت عنه رسول الله ﷺ فلم يجبه حتى نزلت هذِه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فأرسل رسول الله ﷺ وقرأ هذه الآية عليه وقال: "لك حج".

стр. 752

الأصل [٤٩٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء قال: سمع النبي ﷺ رجلًا يقول: لبيك عن فلان. فقال له النبي ﷺ : "إن كنت حججت فلبّ عنه، وإلا فاحجج عن نفسك ثم احجج عنه" (١). [٤٩٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي أبنا سفيان، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: سمع ابن عباس رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة. فقال ابن عباس: ويحك وما شبرمة؟ فذكر قرابة له. فقال: أحججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: فاحجج عن نفسك ثم احجج عن شبرمة (٢). الشرح حديث عطاء رواه الشافعي مرسلًا وكذلك رواه الثوري عن ابن جريج، ويروى عن ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس عن النبي ﷺ مرفوعًا (٣)، وعن ابن أبي عروبة عن قتادة عن عزرة -وهو ابن عبد الرحمن الخزاعي- عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة. قال: "من شبرمة؟ " قال: أخ لي أو قريب لي.

стр. 753

قال: "حججت عن نفسك؟ " قال: لا. قال: "حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة" (١). ويروى الحديث عن غندر عن ابن أبي عروبة موقوفًا عن ابن عباس، وكذلك رواه الشافعي من رواية أبي قلابة موقوفًا، قال الحافظ أبو بكر البيهقي: إن صح حديث سعيد بن جبير مرفوعًا ففيه الدلالة على أن من لم يحج عن نفسه لا يحج عن غيره، وإن لم يصح فهو مروي مرسلًا عن النبي ﷺ وصحيح عن ابن عباس من رواية غندر وغيره، وإذا انضمَّ قول الصحابي إلى المرسل قامت الحجة عند الشافعي. ويروى أيضًا عن عبد الوهاب [عن] (٢) أيوب وخالد الحذاء عن أبي قلابة عن ابن عباس واللفظ: "فاجعل هذِه عن نفسك ثم حج عن شبرمة" (٣) واحتج بقوله: "فاجعل هذِه عن نفسك" على أن الصرورة إذا أحرم عن غيره انقلب إلى فرضه والله أعلم، والاحتجاج بما يروى عن الحسن بن عمارة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس أن النبي ﷺ سمع رجلًا يلبي عن شبرمة فدعاه فقال: "هل حججت؟ " قال: لا. قال: "هذِه عن نفسك ثم حج عن شبرمة" (٤) أوضح وأقوى (٥)، ويروى عن الحسن بن عمارة عن عبد الملك بن ميسرة عن

стр. 754

طاوس عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال له: "هذِه عن شبرمة ثم حج عن نفسك" قال الحافظ أبو عبد الله بن منده: هذا وهم والصواب ما رواه الحسن وغيره عن عمرو بن دينار، وذكر الحافظ أن لشبرمة المحجوج عنه صحبة وأنه توفي في حياة النبي ﷺ . الأصل [٥٠٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء وطاوس أنهما قا لا: الحجة الواجبة من رأس المال (١). الشرح مذهب الشافعي وبه قال عطاء وطاوس أن من مات وفي ذمته حق الله تعالى من حجٍّ أو كفارةٍ أو زكاةٍ أو نذر صدقة؛ يجب قضاؤها من رأس ماله ويكون مقدمًا على الوصايا والميراث، ولا فرق بين أن يوصي بذلك أو لا يوصي، بل سبيله سبيل ديون العباد، ويدل عليه ما سبق أن النبي ﷺ شبه الحج الواجب بالدين حيث قال للجهنية: "أرأيت لو كان على أمك دين كنت قاضية". الأصل [٥٠١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم بن خالد وغيره، عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء أنه سمع جابر بن عبد الله قال: قدم علي ﵁ من سعايته فقال له النبي ﷺ : "بما أهللت يا علي"؟ فقال: بما أهل به النبي ﷺ . قال: "فاهد وامكث حرامًا كما أنت". قال: وأهدى له علي هديًا (٢).

стр. 755

[٥٠٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جابر وهو يحدث عن حجة النبي ﷺ قال: خرجنا مع النبي ﷺ حتى إذا أتى البيداء فنظرت مدّ بصري من بين راكب وراجل بين يديه وعن يمينه وعن شماله ومن ورائه كلهم يريد أن يأتم به يلتمس أن يقول كما يقول رسول الله ﷺ لا ينوي إلا الحج ولا يعرف (١) العمرة، فلما طفنا فكنا عند المروة قال: "يا أيها الناس من لم يكن معه هدي فليحلل وليجعلها عمرة، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، فحلّ من لم يكن معه هدي" (٢). [٥٠٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن منصور بن عبد الرحمن، عن صفية بنت شيبة، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : "من كان معه هدي فليقم على إحرامه، ومن لم يكن معه هدي فليحلل" ولم يكن معي هدي فحللت، وكان مع الزبير هدي فلم يحلل (٣). [٥٠٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: خرجنا مع النبي ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا الحج، فلما كنا بسرف أو قريبًا منها أمر النبي ﷺ من لم يكن معه هدي يجعلها عمرة، فلما كنا بمنى أتيت بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ قالوا: ذبح رسول الله ﷺ عن نسائه البقر.

стр. 756

قال يحيى: فحدثت به القاسم بن محمَّد فقال: جاءتك والله بالحديث على وجهه (١). [٥٠٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، [عن مالك] (٢) عن يحيى عن عمرة والقاسم بمثل حديث سفيان لا يخالف معناه (٣). [٥٠٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة لا نرى إلا الحج حتى إذا كنا بسرف أو قريبًا منها حضت، فدخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا أبكي. فقال: "ما لك أنفست؟ " فقلت: نعم. فقال: "إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت" ثم ضحى رسول الله عن نسائه البقر (٤). [٥٠٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، ثنا ابن طاوس وإبراهيم بن ميسرة وهشام بن حجير، سمعوا طاوسًا يقول: خرج رسول الله ﷺ من المدينة لا يسمي حجًّا ولا عمرة ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة، فأمر أصحابه من كان منهم أهل ولم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة، وقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولكن لبَّدت رأسي وسقت هدي فليس لي محل دون محل هديي" فقام إليه سراقة بن مالك فقال: يا رسول الله اقض لنا قضاءَ قوم كأنما

стр. 757

ولدوا اليوم، أعمرتنا هذِه لعامنا هذا أم للأبد؟ قال: "بل للأبد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة". قال: ودخل علي ﵁ من اليمن فقال له النبي ﷺ : "بما أهللت؟ " قال أحدهما عن طاوس: إهلال النبي ﷺ . وقال الآخر: لبيك حجة النبي ﷺ (١). الشرح هشام بن حجير. سمع: طاوسًا، ولم أجد ذكره في الكتب المشهورة وكان من حقه أن يذكر في كتب "المختلف والمؤتلف" في باب حجير وحجين (٢). وسراقة: هو ابن مالك بن جعشم المدلجي، أبو سفيان، وقد يقال: سراقة بن جعشم. روى عن: النبي ﷺ . وروى عنه: جابر، وابن عباس، وطاوس، وعطاء، والنزَّال بن سبرة (٣). وحديث عطاء عن جابر أخرجه البخاريّ (٤) ومسلم (٥) في الكتابين

стр. 758

من طرق، وحديث محمَّد عن جابر أخرجه مسلم (١) عن أبي بكر بن [أبي] (٢) شيبة عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر عن أبيه. وحديث صفية عن أسماء أخرجه مسلم (٣) عن زهير بن حرب عن روح بن عبادة عن ابن جريج. وحديث يحيى بن سعيد عن عمرة أخرجه البخاريّ (٤) عن عبد الله بن يوسف عن مالك، ومسلم (٥) عن القعنبي عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد. وحديث عبد الرحمن بن القاسم أخرجاه (٦) (٧) من طرق، وحديث طاوس وإن كان مرسلًا فهو ثابت من سائر الروايات المسندة ومعناه متفق على صحته. وقوله: "قدم علي ﵁ من سعايته" أي: من ولايته على اليمن، ولم يرد من سعايته على الصدقة، وفي جواز كون الهاشمي عاملًا للصدقة اختلاف للأصحاب. والإهلال في الحج: رفع الصوت بالتلبية، ويقال: استهل المولود أي: رفع صوته، وسمي الهلال هلالًا لأن الناس يرفعون صوتهم بالإخبار عنه، والبيداء: أمام ذي الحليفة في طريق مكة وهي أقرب إلى مكة هكذا ذكر، وكل مفازة فهي بيداء. وقوله: "فليحلل" يقال: حل من إحرامه يحل وحل يُحل بالضم

стр. 759

إذا وجب ووقع، وكذلك حل بالمكان يحلّ. وقوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت" أي: لو تأخرت عن رأيي الذي أراه الآن سوق الهدي الذي تقدم ما سقت. وسرف: على ستة أميال من مكة، وقيل: على سبعة، وقيل: تسعة، وقيل: اثني عشر. ونفست المرأة: حاضت، ونفُست فهي نفساء. ولبَّد رأسه أي: ألزق الشعر بعضه ببعض بصمغ أو خِطْميٍّ لئلا يشعث فلا يقع فيه الهوام وإنما يفعل ذلك إذا طال المكث في الإحرام هذا ما يتعلق بالألفاظ. وأما المعاني والأحكام فمن الظواهر: أن الحج والعمرة يؤديان على ثلاثة أوجه: أحدها: الإفراد وهو أن يحرم بالحج ويأتي بأعماله، ويعتمر بعد الفراغ من الحج. والثاني: التمتع وهو أن يحرم الآفاقي في أشهر الحج من الميقات، ثم يحج في ذلك العام من جوف مكة. والثالث: القرآن وهو أن يحرم بالحج والعمرة معًا، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل أن يطوف ويأتي بأعمال الحج فيحزئه عنهما جميعًا. ولا يجوز إدخال الحج عليها بعد الطواف، وأصح قولي الشافعي: أنه لا يجوز إدخال العمرة على الحج، واختلفت الرواية في كيفية أداء النبي ﷺ لهما في حجة الودع: ففي "الصحيح" عن عائشة؛ أن النبي ﷺ أفرد الحج (١) وعنها أنها قالت: "خرجت مع

стр. 760

النبي ﷺ عام حجة الودع فمنا من أهلَّ بعمرة، ومنا من أهل بالحج، ومنا من أهل بالحج والعمرة، وأهل رسول الله ﷺ بالحج" (١) ويدل عليه قول جابر في رواية جعفر بن محمَّد: "لا ينوي إلا الحج ولا يعرف غيره" وقول عائشة في رواية عمرة: "لا نرى إلا أنه الحج". وفي "الصحيح" (٢) من رواية ابن عمر؛ أن النبي ﷺ تمتع في حجة الودع بالعمرة إلى الحجة أهل بالعمرة ثم أهل بالحج. وعن سعد بن أبي وقاص (٣) وابن عباس (٤) وعمران (٥) بن الحصين؛ أن النبي ﷺ تمتع وتمتع الناس معه: وفي "الصحيح" (٦) عن أبي قلابة عن أنس؛ أن النبي ﷺ أهل بحج وعمرة وأهل الناس بهما. واحتج أبو سليمان الخطابي لكونه قارنًا بأن النبي ﷺ ساق الهدي معه، وقال لعلي وهو أهل بإهلال كإهلال النبي ﷺ : "اهد وامكث حرامًا كما أنت" (٧) والهدي إنما يجب على القارن والمتمتع دون المفرد، ولو كان متمتعًا لما قال: "امكث حرامًا" لأن المتمتع يحل ثم ينشيء للحج إحرامًا، وعن جابر؛ أن النبي ﷺ أحرم من ذي الحليفة إحرامًا موقوفًا ينتظر القضاء فنزل عليه الوحي وهو على الصفا، فأمر النبي ﷺ من لم يكن معه هدي أن يجعله عمرة ومن كان معه هدي أن يحج (٨).

стр. 761

ويوافقه حديث طاوس المنقول في الكتاب، وروي مثله عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش، وحاول محاولون الجمع بين الروايات بأن الفعل كما يضاف إلى الفاعل يضاف إلى الآمر، كما يقال: رجم النبي ﷺ ماعزًا، وضرب الأمير درهمًا، وبنى فلان دارًا، وكان في أصحاب النبي ﷺ من أفرد ومنهم من تمتع ومنهم من قرن، وفعل كل منهم صدر عن أمر النبي ﷺ وتعليمه فأضيف ما فعلوه إليه، وذكر الإِمام أبو سليمان الخطابي أن الشافعي ﵁ جمع بين الروايات هكذا في كتاب "اختلاف الحديث" وأنت إذا نظرت في الروايات وتأملت ألفاظها لم يتهيأ لك هذا الجمع، أليس قد روينا عن عائشة أنها قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الودع فمنا من أهل بالعمرة، ومنا من أهل بالحج ومنا من أهل بهما، وأهل رسول الله ﷺ بالحج" وهذا ونحوه بعيد عما قيل في الجمع، على أني قد راجعت كتاب "اختلاف الحديث" غير مرة فلم أعثر على ما يشعر بذلك، ويمكن أن يقال -بناء على الأظهر من المذهب وهو أن الإفراد أفضل-: أن النبي ﷺ أفرد وقول من قال: "جمع بينهما" محمول على أنه فعلهما جميعًا، وقصد الكعبة لهما، وذكرهما في تلبيته ليعرف أن كل واحد واجب مفعول، ومعلوم أن الاعتبار في الإحرام بالنية لا بالتلبية، ويحمل قول من قال: "تمتع" على أنه أمر به؛ وأما أنه أمرهم بأن يجعلوا إحرامهم عمرة ويحلوا فقد اتفقت الروايات عليه وذلك لا إشكال فيه على رواية من روى أنهم أحرموا إحرامًا مبهمًا، فإن من أبهم الإحرام له أن يصرفه إلى ما يشاء؛ وإنما أمرهم بأن يجعلوه عمرة تسهيلًا للأمر عليهم كيلا تطول مدة الإحرام، وقد ذكر الشافعي في "اختلاف الحديث" أن إبهامهم الإحرام أولى أن يكون محفوظًا من سائر الروايات، وأما على

стр. 762

رواية الإفراد فقد ذكر أنه أمرهم بأن يفسخوا الإحرام بالحج ويجعلوه عمرة، وفي الروايات ما يبين ذلك وفي "الصحيح" (١) عن جابر بن عبد الله "أنه حج مع رسول الله ﷺ يوم ساق البدن معه، وقد أهلوا بالحج مفردًا فقال: أحلوا من إحرامكم بطواف البيت وبين الصفا والمروة، وقصروا ثم أقيموا حلالًا، حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة. فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ فقال: أفعلوا ما آمركم به، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم به، ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله ففعله" وترجم البخاريّ الباب بـ "باب التمتع والقران والإفراد في الحج وفسخ الحج" وفعل أبو عبد الله بن ماجه نحوًا من ذلك، ثم قال الأكثرون: كان فسخ الحج مخصوصًا بهم، يروى عن بلال بن الحارث أنه قال: قلت: يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أو لمن بعدنا؟ قال: "لكم خاصة" (٢). وسبب تجويزه لهم أنهم كانوا في الجاهلية يحرمون العمرة في أشهر الحج فأمرهم ﷺ بالعمرة، وفسخ الحج صرفًا لهم عن عادة الجاهلية وطريقتها، ومنهم من جوز الفسخ لسائر الناس ويروى هذا عن أحمد، ومن قال: إنهم كانوا متمتعين فالمتمتع محلٌّ بالفراغ من العمرة، لكن فلا يتوجه أن يقال للمتمتع: اجعل إحرامك

стр. 763

عمرة، ومن قال: كانوا قارنين فلعله يجوز فسخ الحج والاقتصار على العمرة كما ذكرنا على رواية الإفراد، واستدامة النبي ﷺ الإحرام إلى أن يبلغ الهدي محله ويفرغ من أعمال يوم النحر ظاهرة على قول من قال: أنه كان مفردًا أو قارنًا، وأما على رواية التمتع فقد ذهب ذاهبون إلى أن المتمتع إذا كان قد ساق الهدي لا يستبيح محظورات الإحرام حتى يفرغ من الحجة وبهذا قال أبو حنيفة؛ لقوله ﷺ : "لولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم، ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله" (١). وقال آخرون: لا فرق بين [من] (٢) ساق الهدي ومن لم يسق، لكن يستحب التحرز عن محظورات الإحرام حتى يفرغ من الحج وهو قول الشافعي، واحتج من رأى التمتع أفضل بقوله ﷺ : "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة" وبقوله: "لو لم أسق الهدي لجعلتها عمرة" وقالوا: لولا أن التمتع أفضل لما تمناه النبي ﷺ ، وأجيب عنه بأنه إنما ذكر ذلك استطابة لقلوب أصحابه فإنه كان يشق عليهم أن يحلوا وهو محرم، فبين لهم أن الأولى والأليق بالحال ما يأمرهم به، وأنه لولا سوق الهدي لوافقهم عليه، واحتج بإهلال علي بإهلال رسول الله ﷺ وحكاية الحال للنبي ﷺ على أنه يجوز أن يهل الرجل بإهلال من هو غائب عنه وهو لا يعرف بم أهل، وفيه تجويز إبهام الإحرام.

стр. 764

وقوله: "حتى إذا أتى البيداء ... إلى آخره" قد سبق في تفسير البيداء ما يشعر بخروجه عن حد ذي الحليفة وإذا كان كذلك فلا يكون إنشاء الإحرام منه؛ لأن الميقات ذو الحليفة، ولكن المراد أنه رفع الصوت بحيث يسمع الناس بالبيداء والإحرام كان بذي الحليفة، وفي "الصحيح" عن ابن عمر ﵁ أنه قال: "بيداؤكم هذِه التي تكذبون على رسول الله ﷺ فيها ما أهلّ رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد يعني مسجد ذي الحليفة" (١). وعن ابن عباس أنه قال: خرج رسول الله ﷺ حاجًّا فلما صلى في مسجد ذي الحليفة ركعتيه أهل بالحج فسمع ذلك منه أقوام فحفظته، ثم ركب فأهل وأدرك ذلك منه أقوام ثم مضى، فلما علا على شرف البيداء أهلّ وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا: إنما أهل حين علا على شرف البيداء (٢). وشرف البيداء: ما أشرف منها. وحديث عمرة عن عائشة أورده البخاريّ في باب ترجمه بـ "ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهن" وذكروا في المذهب أنه لا يجوز التضحية عن الغير بغير إذنه، وفي القصة ما يدل على أنه لا يجوز للحائض الطواف بالبيت.

стр. 765

وقول سراقة: "اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم" كأنه يقول بيّن لنا كما [تبين] (١) للجاهل المحض، والمولود حين يولد خالٍ عن العلوم. وفيه أن العمرة لا تجب في العمر إلا مرة. وقوله: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" قيل: معناه أن الحج مغنٍ عنها وهذا قول من لا يوجب العمرة، ومن رآها واجبة قال: معناه أن أعمال العمرة تدخل في أعمال الحج عند القرآن، وقيل: معناه أن العمرة تدخل في وقت الحج خلافا لما كان أهل الجاهلية عليه من تخصيص العمرة بغير أشهر الحج. وقوله: "قال أحدهما عن طاوس: إهلال النبي ﷺ ، وقال الآخر: لبيك حجة النبي ﷺ "، يريد أن أحدهما حكى هذا اللفظ والآخر حكى هذا اللفظ، ولفظ الحج لا يزيل الإبهام فقد تسمى العمرة (٢) الحج الأصغر، وأراد بالرجلين ابن طاوس وإبراهيم بن ميسرة دون هشام، فإن حديث طاوس رواه في كتاب "اختلاف الحديث" (٣) من روايتهما ولم يذكر هشامًا وحكى اختلافهما في اللفظتين وهو على هذا النسق معاد في الكتاب من بعد. الأصل [٥٠٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن أبي حازم،

стр. 766

عن سهل؛ أن رسول الله ﷺ زوج امرأة بسورة من القرآن (١). [٥٠٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم وسعيد، عن ابن جريج، عن عطاء أن رجلًا سأل ابن عباس فقال: أؤاجر نفسي من هؤلاء القوم فأنسك معهم المناسك هل يجزيء عني؟ فقال ابن عباس: ئعم ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٢). الشرح حديث مالك عن أبي حازم صحيح معاد (٣) بتمامه في كتاب الصداق واختصره الشافعي ها هنا لأنه دخيل في هذا الموضع، وغرضه من إيراده أنه قال في "الأم" (٤): ولا بأس بالإجارة على الحج والعمرة والخير، وهي على الخير أجوز منها على ما ليس بخير، واحتج بالحديث على جواز الإجارة على الخير، وقال: لا يجوز النكاح إلا بما له قيمة من الإجارات والأثمان. وحديث عطاء عن ابن عباس قد سبق (٥) مرة لكن قال ها هنا: "هل يجزيء عني" بدل قوله: "ألي أجر" هناك وهكذا رواه الشافعي في "الأمالي" عن مسلم بن خالد وحده. الأصل [٥١٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا القداح، عن الثوري، عن زيد

стр. 767

بن جبير قال: إني لعند عبد الله بن عمر وسئل عن هذه فقال: هذه حجة الإِسلام فليلتمس أن يقضي نذره يعني فيمن عليه الحج ونذر حجًّا (١). الشرح القداح: هو سعيد بن سالم وقد مرّ ذكره. وزيد بن جبير: هو الكوفي الجشمي من بني جشم بن معاوية. سمع: ابن عمر. وروى عنه: سفيان الثوري (٢). وقوله: "سئل عن هذِه" يعني: الصورة أو المسألة وهي التي بيَّنها أبو العباس آخرًا فقال: يعني فيمن عليه الحج ونذر حجًّا. والأثر يوافق قول الشافعي: أن من نذر حجًّا وعليه حج الإِسلام فحج عن نذره ينصرف ما فعله إلى حج الإِسلام وعليه الوفاء بالنذر، ووجهه بأن حج الإِسلام كان واجبًا، والنذر لم يكن واجبًا عليه وإنما ألزمه نفسه فكان شبيهًا بدخوله في التطوع، وبالاتفاق لو حجّ بنية التطوع وعليه حج الإِسلام ينصرف إلى حجة الإِسلام، والاستفتاء من ابن عمر ﵁ صدر من امرأة ففي غير هذِه الرواية أن زيدًا قال: كنت عند ابن عمر فجاءته امرأة فقالت: إني نذرت الحج إلى البيت ولم أحج حجة الإِسلام فقال: هذِه حجة الإِسلام وفي بنذرك (٣).

стр. 768

الأصل [٥١١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي قال: قال سعيد بن سالم: واحتج بأن سفيان الثوري أخبره، عن معاوية بن إسحاق، عن أبي صالح الحنفي أن رسول الله ﷺ قال: "الحج جهاد والعمرة تطوع" (١). الشرح أبو صالح الحنفي: قيل: اسمه ماهان، والأصح أنه عبد الرحمن بن قيس. سمع: عليًّا، وأبا مسعود، وحذيفة. وروى عنه: أبو [عون] (٢) الثقفي، وابن أبي خالد (٣). والحديث أورده الشافعي في "الأم" بعدما قال (٤): إن بعض المشرقيين ذهب إلى أن العمرة تطوع وبه قال سعيد بن سالم واحتج بهذا الحديث، قال: فقلت له: أتثبت مثل هذا عن النبي ﷺ ؟ فقال: هو منقطع لا تثبت به الحجة، وانتقل إلى كلام آخر. ويروى القول بوجوب العمرة عن: عمر وابن عمر وزيد بن ثابت وعطاء وطاوس ومجاهد وقتادة والحسن وابن سيرين وسعيد بن جبير، وعن ابن عباس أنه قال: إنها لقرينه الحج في كتاب الله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ

стр. 769

وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١) واحتج له بما روي عن أبي رزين العقيلي قال: سألت النبي ﷺ فقلت: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة؟ فقال النبي ﷺ : "حج عن أبيك واعتمر" (٢). وبأن الصُّبي بن معبد قال: إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ (٣) ولم ينكر عليه عمر ﵁، ولم يُصحَّح ما روي عن جابر مرفوعًا "أن الحج والعمرة واجبان" (٤) ولا ما روي موقوفًا ومرفوعًا أنه سئل عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: "لا، وأن تعتمر فهو خير لك" (٥).

стр. 770

الأصل [٥١٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، أنه سمع عمرو بن دينار يقول: سمعت عمرو بن أوس يقول: أخبرني عبد الرحمن بن أبي بكر؛ أن النبي ﷺ أمره أن يردف عائشة فيعمرها من التنعيم (١). [٥١٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن إسماعيل بن أمية، عن مزاحم، عن عبد العزيز بن عبد الله بن خالد، عن محرش الكعبي؛ أن النبي ﷺ خرج من الجعرانة ليلًا فاعتمر وأصبح بها كبائت (٢). [٥١٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج هذا الحديث بهذا الإسناد. قال ابن جريج: هو مخرش. قال الشافعي: وأصاب ابن جريج لأن ولده عندنا بنو مخرش (٣). الشرح عمرو بن أوس الثقفي المكي. سمع: عبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن أبي سفيان. وروى عنه: عمرو بن دينار، والنعمان بن سالم. قيل: أنه مات سنة خمس وتسعين (٤).

стр. 771

وعبد الرحمن: هو ابن أبي بكر الصديق أبو محمَّد التيمي، ذكر أنه أسلم عام الحديبية وأن اسمه كان عبد الكعبة فسماه النبي ﷺ عبد الرحمن. سمع: النبي ﷺ ، وأباه أبا بكر. وروى عنه: أبو عثمان النهدي، وغيره. مات سنة ثمان وخمسين، وقيل: ثلاث وخمسين (١). ومزاحم: هو ابن أبي مزاحم المكي. روى عن: عمر بن عبد العزيز، وعبد العزيز بن عبد الله. وروى عنه: ابنه سعيد، وإسماعيل بن أمية، وابن جريج (٢). وعبد العزيز: هو ابن عبد الله بن خالد بن أسيد. روى عن: النبي ﷺ مرسلًا عن مخرش الكعبي. وروى عنه: السفاح بن مطر (٣). ومحرش: هو ابن عبد الله الكعبي الخزاعي معدود في الصحابة. قال أبو عيسى الترمذي (٤): ولا نعرف له غير هذا الحديث. وهو من أهل الحجاز، واختلف في اسمه: فقيل: مُحرّش بضم الميم وبالحاء المهملة والراء المشددة والشين وكذلك رواه إسماعيل بن أمية ولم يذكر ابن ماكولا في "كتابه" (٥) غير ذلك، وقيل: مخرش بكسر

стр. 772

الميم وبالخاء المعجمة الساكنة والراء المخففة وكذلك رواه ابن جريج وصوبه الشافعي وإلى ترجيحه يميل كلام الحافظ الدارقطني بعد ما حكى الاختلاف فيه (١). والحديث الأول مدون في "الصحيحين" (٢) أخرجه البخاريّ عن علي بن عبد الله عن سفيان، ومسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن نمير عن سفيان. والحديث الثاني أخرجه أبو داود (٣) عن قتيبة عن سعيد بن مزاحم عن أبيه، وأبو عيسى (٤) عن بندار عن يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن مزاحم. والتنعيم: بين مكة وسرف، قيل: هي على فرسخين من مكة، وقيل: على أربعة أميال، وقيل: على فرسخ وهي من الحل، قال الشافعي (٥): هي أقرب الحل إلى البيت. ويقال: إنما سميت التنعيم لأن على يمينها قبالًا (٦) يقال له نعيم،

стр. 773

وعلى شمالها آخر يقال له ناعم، وذكر الشافعي والأصحاب أن عائشة كانت قد أحرمت بالعمرة لما خرجت مع رسول الله ﷺ ، ثم حاضت ولم يمكنها الطواف للعمرة، وخافت فوت الحج لو أخرت، فأمرها النبي ﷺ بأن تهل بالحج وتدخله على العمرة، وتفعل ما يفعل الحاج سوى الطواف، فإذا طهرت طافت عنهما جميعًا، واستدلوا بذلك على جواز إدخال الحج على العمرة قبل الطواف، قالوا: ثم إنها أحبت أن تنصرف بعمرة غير مقرونة بحج، فأمر النبي ﷺ بإعمارها من التنعيم يبينه ما في "صحيح مسلم" (١) عن جابر قال: أقبلنا مهلين مع النبي ﷺ بحج مفرد وأقبلت عائشة مهلَّة بعمرة، حتى إذا كانت بسرف عركت حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة وبالصفا والمروة، فأمرنا رسول الله ﷺ أن يحل منا من لم يكن معه هدي، فواقعنا النساء وتطيبنا ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثم أهللنا يوم التروية، ثم دخل رسول الله ﷺ [على عائشة] (٢) فوجدها تبكي فقال: "ما شأنك؟ " قالت: شأني أني قد حضت وقد حل الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن. فقال: "إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي ثم أهلي بالحج" ففعلت ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال: "قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا". فقالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت. قال: "فاذهب يا أبا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم" وذلك ليلة الحصبة.

стр. 774

قوله: "عركت" أي: حاضت، يقال: عركت المرأة تَعْرُكُ عُرُوكًا، وليلة الحصبة: ليلة النفر من منى إلى مكة للتوديع، والتحصيب: أن تقيم بالشعب الذي مخرجه إلى الأبطح، ويقال لذلك الموضع: المُحصَّبُ. وفي الحديث دليل على أنه يستحب للحائض أن تغتسل للإحرام، وما روي في "الصحيحين" (١) عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ قال لعائشة: "انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة". قالت: ففعلت، فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت. فقال: "هذِه مكان عمرتك". فهو محمول عند الشافعي على أنه أمرها بترك أعمال العمرة في الحال وبإدخال الحج عليها وإعمارها من التنعيم كان تطييبًا لقلبها لا قضاءً للعمرة. وقوله: "هذِه مكان عمرتك" أي: التي أحرمت بها مفردة، وذهب بعضهم إلى أنه أمرها بترك العمرة وفسخها وأن عمرتها من التنعيم كانت قضاءً. والجعرانة: بين الطائف ومكة، واللفظة بالتخفيف ثقلها بعضهم وقد يغلطون فيه. وقوله: "فأصبح بها كبائتٍ" أي: مثل من بات بها ولم يكن غائبًا عنها، وإلامَ ترجع الكناية في قوله: "بها"؟ ظاهر اللفظ عودها إلى الجعرانة فإنها المذكورة كأنه اعتمر ورجع إلى الجعرانة فأصبح بها،

стр. 775

يدل عليه أن في رواية يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن مزاحم: خرج من الجعرانة ليلًا معتمرًا فدخل مكة يقضي عمرته ثم خرج من ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت فما زالت الشمس من الغد خرج في بطن سرف (١) لكن اللفظ في "سنن أبي داود" (٢) عن محرش: دخل النبي ﷺ الجعرانة فجاء إلى المسجد ركع ما شاء الله ثم أحرم ثم استوى على راحلته فاستقبل بطن سرف حتى لقي طريق المدينة فأصبح بمكة كبائت. وقد يؤيد هذا بما قيل: أن الجعرانة على ستة فراسخ من مكة ويستبعد قطع هذِه المسافة ذهابًا وإيابًا والاعتمار في ليلة واحدة والله أعلم، وإنما اعتمر النبي ﷺ من الجعرانة في غزوة حنين ففي "الصحيح"؛ أن النبي ﷺ اعتمر أربع عمر: عمرة الحديبية حيث صده المشركون، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة حيث صالحهم، وعمرة الجعرانة حيث قسم غنائم حنين، وعمرة مع حجته (٣) ويقال: أنه ﷺ اعتمر من الجعرانة مرتين عمرة القضاء سنة سبع، ومرة عمرة هوازن (٤). ورأى الشافعي لمن هو بمكة أفضل البقاع لإحرام العمرة: الجعرانة ثم التنعيم ثم الحديبية، وليس النظر في الترتيب إلى المسافة؛ فقد قيل: إن المسافة من الجعرانة ومن الحديبية إلى مكة واحدة، ولكن
следующие страницы →