← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123510

شرح مسند الشافعي

الرافعي

Полный текст (1 876 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وعبد الرحمن: هو ابن أبي بكر الصديق أبو محمَّد التيمي، ذكر أنه أسلم عام الحديبية وأن اسمه كان عبد الكعبة فسماه النبي ﷺ عبد الرحمن. سمع: النبي ﷺ ، وأباه أبا بكر. وروى عنه: أبو عثمان النهدي، وغيره. مات سنة ثمان وخمسين، وقيل: ثلاث وخمسين (١). ومزاحم: هو ابن أبي مزاحم المكي. روى عن: عمر بن عبد العزيز، وعبد العزيز بن عبد الله. وروى عنه: ابنه سعيد، وإسماعيل بن أمية، وابن جريج (٢). وعبد العزيز: هو ابن عبد الله بن خالد بن أسيد. روى عن: النبي ﷺ مرسلًا عن مخرش الكعبي. وروى عنه: السفاح بن مطر (٣). ومحرش: هو ابن عبد الله الكعبي الخزاعي معدود في الصحابة. قال أبو عيسى الترمذي (٤): ولا نعرف له غير هذا الحديث. وهو من أهل الحجاز، واختلف في اسمه: فقيل: مُحرّش بضم الميم وبالحاء المهملة والراء المشددة والشين وكذلك رواه إسماعيل بن أمية ولم يذكر ابن ماكولا في "كتابه" (٥) غير ذلك، وقيل: مخرش بكسر

стр. 772

الميم وبالخاء المعجمة الساكنة والراء المخففة وكذلك رواه ابن جريج وصوبه الشافعي وإلى ترجيحه يميل كلام الحافظ الدارقطني بعد ما حكى الاختلاف فيه (١). والحديث الأول مدون في "الصحيحين" (٢) أخرجه البخاريّ عن علي بن عبد الله عن سفيان، ومسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن نمير عن سفيان. والحديث الثاني أخرجه أبو داود (٣) عن قتيبة عن سعيد بن مزاحم عن أبيه، وأبو عيسى (٤) عن بندار عن يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن مزاحم. والتنعيم: بين مكة وسرف، قيل: هي على فرسخين من مكة، وقيل: على أربعة أميال، وقيل: على فرسخ وهي من الحل، قال الشافعي (٥): هي أقرب الحل إلى البيت. ويقال: إنما سميت التنعيم لأن على يمينها قبالًا (٦) يقال له نعيم،

стр. 773

وعلى شمالها آخر يقال له ناعم، وذكر الشافعي والأصحاب أن عائشة كانت قد أحرمت بالعمرة لما خرجت مع رسول الله ﷺ ، ثم حاضت ولم يمكنها الطواف للعمرة، وخافت فوت الحج لو أخرت، فأمرها النبي ﷺ بأن تهل بالحج وتدخله على العمرة، وتفعل ما يفعل الحاج سوى الطواف، فإذا طهرت طافت عنهما جميعًا، واستدلوا بذلك على جواز إدخال الحج على العمرة قبل الطواف، قالوا: ثم إنها أحبت أن تنصرف بعمرة غير مقرونة بحج، فأمر النبي ﷺ بإعمارها من التنعيم يبينه ما في "صحيح مسلم" (١) عن جابر قال: أقبلنا مهلين مع النبي ﷺ بحج مفرد وأقبلت عائشة مهلَّة بعمرة، حتى إذا كانت بسرف عركت حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة وبالصفا والمروة، فأمرنا رسول الله ﷺ أن يحل منا من لم يكن معه هدي، فواقعنا النساء وتطيبنا ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثم أهللنا يوم التروية، ثم دخل رسول الله ﷺ [على عائشة] (٢) فوجدها تبكي فقال: "ما شأنك؟ " قالت: شأني أني قد حضت وقد حل الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن. فقال: "إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي ثم أهلي بالحج" ففعلت ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال: "قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا". فقالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت. قال: "فاذهب يا أبا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم" وذلك ليلة الحصبة.

стр. 774

قوله: "عركت" أي: حاضت، يقال: عركت المرأة تَعْرُكُ عُرُوكًا، وليلة الحصبة: ليلة النفر من منى إلى مكة للتوديع، والتحصيب: أن تقيم بالشعب الذي مخرجه إلى الأبطح، ويقال لذلك الموضع: المُحصَّبُ. وفي الحديث دليل على أنه يستحب للحائض أن تغتسل للإحرام، وما روي في "الصحيحين" (١) عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ قال لعائشة: "انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة". قالت: ففعلت، فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت. فقال: "هذِه مكان عمرتك". فهو محمول عند الشافعي على أنه أمرها بترك أعمال العمرة في الحال وبإدخال الحج عليها وإعمارها من التنعيم كان تطييبًا لقلبها لا قضاءً للعمرة. وقوله: "هذِه مكان عمرتك" أي: التي أحرمت بها مفردة، وذهب بعضهم إلى أنه أمرها بترك العمرة وفسخها وأن عمرتها من التنعيم كانت قضاءً. والجعرانة: بين الطائف ومكة، واللفظة بالتخفيف ثقلها بعضهم وقد يغلطون فيه. وقوله: "فأصبح بها كبائتٍ" أي: مثل من بات بها ولم يكن غائبًا عنها، وإلامَ ترجع الكناية في قوله: "بها"؟ ظاهر اللفظ عودها إلى الجعرانة فإنها المذكورة كأنه اعتمر ورجع إلى الجعرانة فأصبح بها،

стр. 775

يدل عليه أن في رواية يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن مزاحم: خرج من الجعرانة ليلًا معتمرًا فدخل مكة يقضي عمرته ثم خرج من ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت فما زالت الشمس من الغد خرج في بطن سرف (١) لكن اللفظ في "سنن أبي داود" (٢) عن محرش: دخل النبي ﷺ الجعرانة فجاء إلى المسجد ركع ما شاء الله ثم أحرم ثم استوى على راحلته فاستقبل بطن سرف حتى لقي طريق المدينة فأصبح بمكة كبائت. وقد يؤيد هذا بما قيل: أن الجعرانة على ستة فراسخ من مكة ويستبعد قطع هذِه المسافة ذهابًا وإيابًا والاعتمار في ليلة واحدة والله أعلم، وإنما اعتمر النبي ﷺ من الجعرانة في غزوة حنين ففي "الصحيح"؛ أن النبي ﷺ اعتمر أربع عمر: عمرة الحديبية حيث صده المشركون، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة حيث صالحهم، وعمرة الجعرانة حيث قسم غنائم حنين، وعمرة مع حجته (٣) ويقال: أنه ﷺ اعتمر من الجعرانة مرتين عمرة القضاء سنة سبع، ومرة عمرة هوازن (٤). ورأى الشافعي لمن هو بمكة أفضل البقاع لإحرام العمرة: الجعرانة ثم التنعيم ثم الحديبية، وليس النظر في الترتيب إلى المسافة؛ فقد قيل: إن المسافة من الجعرانة ومن الحديبية إلى مكة واحدة، ولكن

стр. 776

النبي ﷺ اعتمر من الجعرانة وأمر عائشة بالإحرام من التنعيم وصلى بالحديبية وأراد الدخول منها في العمرة، فصده المشركون فقدم ما فعله ثم ما أمر به ثم ما همَّ به. الأصل [٥١٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء؛ أن النبي ﷺ قال لعائشة: "طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك" (١). [٥١٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن عائشة، عن النبي ﷺ (بمثله) (٢)، وربما قال سفيان: عن عطاء عن عائشة، وربما قال: أن النبي ﷺ قال لعائشة (٣). الشرح الحديث ثابت من رواية عطاء عن عائشة عن النبي ﷺ ، وربما كان يسنده سفيان وربما كان يرسله فيقول: عن عطاء أن النبي ﷺ قال لعائشة كما رواه مسلم عن ابن جريج عن عطاء، ويوافقه ما قدمنا من رواية جابر أن النبي ﷺ قال لها بعد طوافها بالكعبة وبالصفا والمروة: "قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا". وفيه دليل على أن القارن يكفيه للحج والعمرة طواف واحد وسعي

стр. 777

واحد كما ذهب إليه الشافعي، ويروى ذلك عن ابن عمر وعطاء ومجاهد والحسن وطاوس، وبه قال مالك، وذهب قوم منهم: الثوري وأبو حنيفة إلا أن القارن يطوف طوافين أحدهما عن العمرة قبل الوقوف والثاني عن الحج بعد الوقوف. الأصل [٥١٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن ابن أبي حسين، عن بعض ولد أنس بن مالك قال: كنا مع أنس بن مالك بمكة فكان إذا حمَّم رأسه خرج فاعتمر (١). [٥١٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدة أن علي بن أبي طالب ﵁ قال: في كل شهر عمرة (٢). [٥١٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب؛ أن عائشة اعتمرت في سنة مرتين: مرة من ذي الحليفة، ومرة من الجحفة (٣). [٥٢٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان بن عيينة، عن صدقة بن يسار، عن القاسم بن محمد؛ أن عائشة زوج النبي ﷺ اعتمرت في سنة مرتين. قال صدقة: فقلت هل عاب ذلك عليها أحد؟ قال: سبحان الله أم المؤمنين! فاستحييت (٤).

стр. 778

[٥٢١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا أنس، عن موسى بن عقبة، عن نافع قال: اعتمر عبد الله (بن عمر) (١) أعوامًا في عهد ابن الزبير عمرتين في كل عام (٢). الشرح ابن أبي حسين: هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي القرشي النوفلي. سمع: نوفل بن مساحق، ونافع بن جبير، وعطاء بن أبي رباح. روى عنه: شعيب بن أبي حمزة، ومالك، والثوري، وابن عيينة، وعبد الله بن حبيب بن أبي ثابت (٣). وآخر يقال له: ابن أبي حسين وهو عمر (٤) بن سعيد بن أبي حسين المكي القرشي النوفلي. سمع: ابن أبي مليكة. وروى عنه: ابن المبارك، وعيسى بن يونس، ويحيى القطان. وكأنهما ابنا عم (٥). وصدقة بن يسار سكن مكة.

стр. 779

روى عن: القاسم بن محمَّد، والزهري. وروى عنه: مالك، والثوري (١). وقوله: "حمَّم رأسه" يقال: حمَّم رأس فلان بعد الحلق إذا اسود، وحمَّم الفرخ: إذا شوك بعد التزغيب (٢). واستشهد الشافعي بهذه الآثار على أن جميع السنة وقت العمرة، والإحرام بها يعم من بقي عليه عمل نسك قد أحرم به من قبل لا يحرم العمرة حتى يفرغ من عمل ذلك النسك، وعلى أنه تجوز العمرة في أشهر الحج، وعلى أنه يجوز في سنة واحدة عمرتان وأكثر، ويدل عليه ما مرّ من حديث عائشة فإنه حصل لها عمرة وحج في قرانها ثم أمر النبي ﷺ بإعمارها من التنعيم ليلة الرابع عشر من ذي الحجة. وقول صدقة: "سبحان الله أم المؤمنين" يشير به إلى أنها لا تفعل على قربها من رسول الله ﷺ وكثرة عملها ما تعاب به. الأصل [٥٢٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل الشام من الجحفة، ويهل أهل نجد من قرن". وقال ابن عمر: ويزعمون أن رسول الله ﷺ قال: "ويهل أهل اليمن من يلملم" (٣).

стр. 780

[٥٢٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أنه قال: أمر أهل المدينة أن يهلوا من ذي الحليفة، ويهل أهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن. قال ابن عمر: أما هؤلاء الثلاث فسمعتهن من رسول الله ﷺ وأخبرت أن رسول الله ﷺ قال: "ويهل أهل اليمن من يلملم" (١). [٥٢٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر قال: قام رجل من أهل المدينة بالمدينة في المسجد فقال: يا رسول الله من أين تأمرنا نهل؟ قال: يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل الشام من الجحفة، ويهل أهل نجد من قرن. قال لي نافع: ويزعمون أن النبي ﷺ قال: "ويهل أهل اليمن من يلملم". الشرح حديث الزهري عن سالم رواه البخاريّ (٢) عن أحمد، ومسلم (٣) عن حرملة بن يحيى بروايتهما عن ابن وهب عن يونس عن الزهري، وحديث عبد الله بن دينار أخرجه مسلم (٤) عن قتيبة وغيره عن إسماعيل بن جعفر عن عبد الله واللفظ: "أمر رسول الله ﷺ " وكذلك رواه الشافعي في "القديم". وحديث نافع عن ابن عمر رواه البخاريّ (٥) عن عبد الله بن

стр. 781

يوسف، ومسلم (١) عن يحيى بن يحيى بروايتهما عن مالك عن نافع، ورواه أبو داود (٢) عن القعنبي عن مالك [ورواه] (٣) الترمذي (٤) عن أحمد بن منيع عن إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر واللفظ أنه ﷺ قال: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن، وأهل اليمن من يلملم" ولم يحل توقيت يلملم إلى بلوغ وسماع من غيره. والحديث لبيان مواقيت الحج والعمرة للجائين من النواحي على قصد النسك: فميقات أهل المدينة ذو الحليفة، وقيل: أنه اسم ماء من مياه بني جشم وهو على ستة أميال، وقيل: على سبعة، وفي كتب الفقه أنه على ميل من المدينة والله أعلم. وميقات أهل الشام ومصر الجحفة وهي قرية جامعة واسمها في الأصل مهيعة، سميت الجحفة لأن السيل أجحفها وحمل أهلها وهي على ستة أميال من البحر وعلى ثمانية مراحل من المدينة. وميقات أهل نجد قرْن بسكون الراء، ويقال له: قرن المنازل وقرن أم الثعالب، وفتح بعضهم الراء منه ولم يصححه الأكثرون، وقالوا: قرن بفتح الراء اسم قبيلة من أهل اليمن. وميقات أهل اليمن يلملم وهو جبل من جبال تهامة على ليلتين من مكة، وقد يقال: له ألملم ويذكر أنه الأصل، والياء بدل من الهمزة. وقول ابن عمر: "ويزعمون أن رسول الله ﷺ قال" وفي الرواية

стр. 782

الثانية "وأخبرت" وقول نافع في الرواية الثالثة: "ويزعمون" بين أنهم كانوا قد يروون الشيء من غير تعيين الراوي وتسميته. الأصل [٥٢٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم وسعيد، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن المُهل فقال: سمعته ثم انتهى أراه يريد النبي ﷺ يقول: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة والطريق الآخر من الجحفة وأهل [المغرب] (١) ويهل أهل العراق من ذات عرق، ويهل أهل نجد من قرن، ويهل أهل اليمن من يلملم" (٢). [٥٢٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، أخبرني ابن جريج (قال) (٣): أخبرني عطاء أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل المغرب الجحفة، ولأهل المشرق ذات عرق، ولأهل نجد قرنًا، ومن سلك نجدًا من أهل اليمن وغيرهم (قرى المعاول) (٤) ولأهل اليمن يلملم (٥). [٥٢٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم وسعيد، عن ابن

стр. 783

جريج: فراجحت فيه عطاء فقلت: إن النبي ﷺ زعموا لم يوقت ذات عرقٍ ولم يكن أهل مشرق حينئذ؟ قال: كذلك سمعت أنه وقت ذات عرق أو العقيق لأهل المشرق، قال: ولم يكن عراق ولكن لأهل المشرق ولم يعزه إلى أحد دون النبي ﷺ ولكنه يأبى إلا أن النبي ﷺ وقته (١). [٥٢٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: لم يوقت رسول الله ﷺ ذات عرق ولم يكن حينئذ أهل مشرق، فوقت الناس ذات عرق. قال الشافعي: ولا أحسبه إلا كما قال طاوس والله أعلم (٢). [٥٢٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء قال: "لم يوقت رسول الله ﷺ لأهل المشرق شيئًا فاتخذ الناس بحيال قرن ذات عرق" (٣). الشرح حديث أبي الزبير عن جابر رواه مسلم في "الصحيح" (٤) عن إسحاق بن إبراهيم عن روح بن عبادة عن ابن جريج، وعن محمَّد بن حاتم وعبد بن حميد عن محمَّد بن بكر عن ابن جريج، واللفظ في هذِه الرواية: سمع جابرًا يسأل عن المهل. فقال: أحسبه رفع إلى النبي ﷺ ... وليس في "كتاب مسلم": "وأهل المغرب". والمراد من المهل: موضع الإهلال.

стр. 784

وقوله: "ثم انتهى" أي: أمسك فلم يذكر ممن سمعه، وظن الراوي أنه يريد النبي ﷺ . وقوله: "ويهل أهل المدينة من ذي الحليفة والطريق الآخر من الجحفة" يفهم أن المتوجهين من المدينة لهم طريقان يمتد أحدهما إلى ذي الحليفة فمنه يهلون، والآخر يمتد إلى الجحفة فمنها يهلون، وهذا الطريق طريق أهل الشام [والمغرب] (١) وهو يهلون جميعًا من الجحفة. وقوله: "ويهل أهل العراق من ذات عرق" قيل: العراق: شاطيء النهر والبحر، وسمي العراق عراقًا لأنه على شاطيء دجلة والفرات حتى يتصل بالبحر، وقيل: العراق: الخرز الذي في أسفل القربة، وعلى هذا فمن قائل: أنه سمي عراقًا لاستفاله عن أرض نجد، ومن قائل: لامتداده كامتداد ذلك الخرز، ومن قائل: لإحاطته بأرض العرب كإحاطة ذلك الخرز بالقربة، وقيل: سمي عراقًا لكثرة عروق الشجر فيه، وقيل: إنه معرب إيران، وذكر أن ذات عراق سميت به لأن هناك عرقًا وهو الجبل الصغير كأنه عرق جبل آخر، والعقيق: موضع قبيل ذات عرق، والإحرام منه أحب. وقول عطاء: "وقت لأهل المدينة ذا الحليفة" أي: قدر وعين، وكثيرًا ما يطلق الشافعي التأقيت ويريد التقدير. وقوله: "ومن سلك نجدًا ... إلى آخره" يريد أن غير أهل نجد إذا انتهوا إليه وسلكوه يحرمون من قرن أيضًا كأهل نجد. وقوله: "قرى المعاول" (٢) هكذا توجد النسخ "المعادل" أو

стр. 785

"المعاول" ولا أتحقق المعادل؛ فأما بالواو فيمكن حمله على ما ذكر صاحب "صحاح اللغة" أن المعاول: حي من أزد اليمن والله أعلم. ومقصود ما روي في الفصل أن أهل العلم اختلفوا في أن النبي ﷺ هل حدّ ذات عرق لأهل المشرق؟ فمنهم من قال: نعم، كما حدّ ذا الحليفة والجحفة وغيرهما، ويروى هذا عن عروة بن الزبير وبه قال عطاء كما رواه الشافعي عنه، وذكر ابن جريج في الرواية الثانية أنه قال: "راجعت عطاء فيه وحكيت له قول من يقول أن النبي ﷺ لم يوقت ذات عرق ولم يكن أهل مشرق حينئذ" أي: لم يكونوا مسلمين "ولم تفتح العراق" فقد ثبت على ما قال، وقال: سمعنا أنه وقت ذات عرق أو العقيق. وقوله: "ولم يكن عراق ولكن لأهل المشرق" كأنه أراد وإن لم تفتح العراق، لكنه وقت لمن هو من أرض العرب في ناحية الشرق. قوله: "ولم يعزه" أي: لم ينسب توقيت ذات عرق إلى أحد غير النبي ﷺ وأبى أن يكون توقيتها من جهة غيره، وعلى هذا القول ينطبق ظن من ظن أن جابرًا روى عن النبي ﷺ ، ويؤيده ما روي عن أفلح بن حميد، عن القاسم بن محمَّد، عن عائشة؛ أن النبي ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق (١). وعن محمَّد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن ابن عباس أن النبي ﷺ وقت [لأهل] (٢) المشرق العقيق (٣). وقد رواهما

стр. 786

أبو داود في "السنن". وقال آخرون: لم يوقت النبي ﷺ ، وإنما حدّ ذات عرق عمر ﵁ بعدما فتح العراق، ويدل عليه ما روي في "الصحيح" (١) عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: لما فتح هذان المصران أتوا عمر ﵁ فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ حدّ لأهل نجد قرنًا وهو جور عن طريقنا، وإن أردناه شق علينا؟ قال: فانظروا (حذوًا) (٢) من طريقكم فحدّ لهم ذات عرق. وبهذا قال طاوس وأبو الشعثاء كما رواه الشافعي عنهما، وبه أخذ حيث قال بعد قول طاوس: "ولا أحسبه إلا كما قال طاوس" وذكر في "الأم" (٣) أن جابرًا لم يسم النبي ﷺ فيجوز أن يكون سمع عمر بن الخطاب أو غيره من أصحاب النبي ﷺ ﵃، وحاول الحافظ أبو بكر البيهقي الجمع بين القولين فقال: يحتمل أن تكون الأخبار ثابتة عن رسول الله ﷺ ولم تبلغ عمر ﵁ فحدّ لهم ووافق تحديده توقيت رسول الله ﷺ . الأصل [٥٣٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرنًا، ولأهل اليمن يلملم، ثم قال رسول الله ﷺ : "هذِه المواقيت لأهلها ولكل آتٍ أتى عليها من غير أهلها ممن أراد الحج أو العمرة، ومن كان أهله من دون [ذلك] (٤) الميقات فليهل من

стр. 787

حيث ينشيء حتى يأتي ذلك على أهل مكة" (١). [٥٣١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا الثقة، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في المواقيت بمثل حديث سفيان في المواقيت (٢). [٥٣٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن القاسم بن معن، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس أنه قال: وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرنًا، ومن كان دون ذلك فمن حيث يبدأ (٣). الشرح القاسم: هو ابن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي الكوفي، قاضي الكوفة. سمع: منصورًا، وابن جريج. وروى عنه: أبو غسان مالك بن إسماعيل، وغيره (٤). وليث: هو ابن أبي سليم بن زنيم القرشي مولاهم أبو بكر، ويقال: أبو بكر الكوفي، واسم أبي سليم أنس. سمع: مجاهدًا، وطاوسًا، والشعبي. مات سنة إحدى وأربعين ومائة، وقيل: سنة اثنين (٥).

стр. 788

وحديث ابن طاوس عن أبيه مودع في "صحيح البخاريّ" (١) موصولًا روى (٢) عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن ابن طاوس، عن أبيه عن ابن عباس؛ وأخرجه البخاريّ أيضًا عن مسدد، ومسلم (٣) عن يحيى بن يحيى وقتيبة، بروايتهم جميعًا عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ . وفيه وراء بيان المواقيت بيان حكمين: أحدهما: أنه لا فرق بين أن يكون المنتهي إلى الميقات وهو على قصد النسك من أهل الناحية التي هو ميقاتها أو من غيرهم، فالمدني إذا جاء من اليمن أحرم من قرن، واليماني إذا جاء من الشام أحرم من الجحفة. والثاني: أن من كان منزله دون الميقات يحرم من منزله حتى أن المكي يحرم الحجة من نفس مكة وكذا لو أراد القرآن. وقوله: "فليهل من حيث ينشيء" يعني: السير أو نحوه، واللفظ في "كتاب البخاريّ" في رواية ابن طاوس عن أبيه: "من كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة" وفي رواية عمرو عن طاوس: "فمن كان دونهن فمن أهله حتى أن أهل مكة يهلون منها". آخر الجزء ويتلوه في الذي يليه: أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء؛ أن رسول الله ﷺ وقت المواقيت قال: " [ليستمتع] (٤) المرء بأهله وثيابه". الحمد لله حق حمده والصلاة على خير خلقه محمَّد وآله الطيبين أجمعين.

стр. 789

-[الجزء الثالث عشر من مسند إمام أئمة المسلمين وابن عم رسول رب العالمين أبي عبد الله محمَّد بن إدريس الشافعي المطلبي ﵁ وأرضاه بشرح الإِمام الكبير السعيد المجتهد العلامة، خاتم المجتهدين، حجة الإِسلام والمسلمين، أبي القاسم الرافعي جعل الله الجنة منقلبه ومثواه، فيه:]- يستمتع المرء بأهله وثيابه حتى يأتي كذا للمواقيت، رأى ابن عباس [يرد] (١) من جاوز الميقات غير محرم، حج آدم فلقيته الملائكة، ولدت أسماء بنت عميس بذي الحليفة، يغسل المحرم رأسه، إذا لم يجد نعلين لبس الخفين، لا يلبس المحرم ثوبًا مصبوغًا بزعفران، تدني المرأة عليها من جلابيبها. الرواة سوى من سبق: أسماء بنت عميس، إبراهيم بن عبد الله بن حنين، أبوه، صفوان بن يعلى بن أمية، عبد الكريم الجزري، صفية بنت أبي عبيد، مسلم بن جندب الهذلي.

стр. 790

بسما الله الرحمن الرحيم الأصل [٥٣٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء؛ أن رسول الله ﷺ لما وقت المواقيت قال: "يستمتع المرء بأهله وثيابه حتى يأتي كذا وكذا للمواقيت" (١). الشرح الحديث مرسل. واجتناب النساء والتجرد عن الثياب قبل الانتهاء إلى الميقات إن فرض بلا إحرام فلا استحباب فيه وقد يكره ذلك، وأما مع الإحرام فقد اتفقوا على جواز تقديم الإحرام على الميقات، واختلفوا في أنه هل يستحب؟ فمنهم من قال: لا يستحب بل يكره وبه قال الحسن وعطاء ومالك وأحمد، ويروى عن عمر ﵁ أنه أنكر على عمران بن الحصين إحرامه من البصرة (٢)، وعن عثمان ﵁ أنه أنكر على عبد الله بن عامر إحرامه من نيسابور (٣). والمعنى فيه أنه قد يعرض ما يفسد إحرامه لطول المدة والمسافة. ومنهم من استحب وهو ظاهر مذهب الشافعي، ويروى عن عمر وعلي أن إتمام الحج والعمرة أن يحرم الرجل بهما من دويرة أهله (٤)، وعن ابن عمر أنه أهل من بيت المقدس (٥).

стр. 791

ومن قال بكراهة تقديم الإحرام على الميقات قال: معنى حديث عطاء أنه ينبغي أن يستمتع المرء بأهله وثيابه، وقد يوجد في نسخ الكتاب "فليستمتع". ومن حكم بالاستحباب قال: المعنى أنه خفف الأمر ببيان المواقيت ليستمتع الرجل بأهله وثيابه إن شاء، وقد روي عن طاوس أنه قال: من شاء أهل من بيته، ومن شاء استمتع بثيابه حتى يأتي ميقاته (١). وفي قوله: "حتى يأتي المواقيت" ما يبين أنه لا يؤخر الإحرام عن المواقيت. الأصل [٥٣٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن [عمرو] (٢) عن أبي الشعثاء أنه رأى ابن عباس يرد من جاوز الميقات غير محرم (٣). الشرح من أتى الميقات وهو يريد الحج أو العمرة وجاوزه غير محرم فقد أساء وعليه أن يعود إلى الميقات ويحرم منه، ولذلك ردّ ابن عباس من جاوز الميقات غير محرم فإن لم يمكنه العود لخوف طريق أو لضيق الوقت أو لغيرهما أحرم ومضى على وجهه، ومهما لم يعد فعليه دم شاة، لما روي عن ابن عباس أنه قال: من نسي من نسكه شيئًا أو تركه فليهرق دمًا (٤)، وروي عن عطاء أنه قال:

стр. 792

من أخطأ أن يهل بالحج من ميقاته أو عمد ذلك فليرجع إلى ميقاته فليهل منه إلا من يحبسه أمر يعذر به من وجع أو غيره أو يخشى أن يفوته الحج إن رجع فليهرق دمًا ولا يرجع (١). وإن عاد وأحرم من الميقات سقط عنه الدم، وإن أحرم وعاد إليه محرمًا فالظاهر أنه إن عاد قبل أن يأتي بنسك فلا دم عليه؛ لأنه قطع المسافة من الميقات محرمًا وأدى المناسك بعده، وإن عاد بعد ما أتى بنسك لم يسقط الدم عنه، ومن جاوز الميقات وهو لا يريد نسكا ثم بدا له أن يحرم أحرم من حيث بدا له ولا دم عليه، وعلى ذلك حمل الشافعي ما روي عن مالك عن نافع عن ابن عمر أنه أهل من الفرع. فقال (٢): هذا عندنا والله أعلم أنه بميقاته لم يرد حجًّا ولا عمرة ثم بدا له من الفرع فأهل منه أو جاء الفرع من مكة أو غيرهما ثم بدا له الإهلال فأهل منها ولم يرجع إلى ذي الحليفة (٣). والفُرع: موضع بأعالي المدينة واسع على طريق مكة فيه [....]، (٤) للنبي ﷺ . الأصل [٥٣٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن ابن أبي لبيد، عن محمَّد بن كعب القرظي أو غيره قال: حج آدم فلقيته

стр. 793

الملائكة فقالوا: برّ نسكك آدم لقد حججنا قبلك بألفي عام (١). الشرح هذا الأثر رواه الأزرقي في "كتاب مكة" عن ابن أبي لبيد المديني واللفظ: "بر حجك" ورواه بإسناده عن محمَّد بن المنكدر قال: أول شيء عمله آدم حين هبط من السماء طاف بالبيت الحرام فلقيته الملائكة فقالوا: بر نسكك يا آدم طفنا بهذا البيت قبلك بألفي سنة. فروى أيضًا عن عثمان بن ساج، عن سعيد أن آدّم حج على رجليه سبعين حجة ماشيًا وأن الملائكة لقيته بالمأزمين فقالوا: برّ حجك يا آدم أما إنا قد حججنا البيت قبلك بألفي عام. وقوله: "برّ نسكك" يقال: برّ حجه، وبرّ الله حجه برًّا، وأبرّ الله حجه لغة في برّ، والحج المبرور: الخالص الذي لا يخالطه مأثم. وفي الأثر بيان فضل البيت، وأنه لم يزل كان مزورًا محجوجًا، وأورده الشافعي في "الأم" في باب دخول مكة بغير إرادة حج وعمرة، وقال: الناس مندوبون إلى إتيان البيت بإحرام ولم يحك لنا عن أحد من النبيين ولا الأمم الخالية أنه جاء البيت إلا حرامًا، ولم يدخل رسول الله ﷺ ما علمنا به مكة إلا حرامًا إلا في حرب الفتح (٢). الأصل [٥٣٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا الدراوردي وحاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه قال [جئنا] (٣) جابر بن عبد الله وهو يحدث عن حجة النبي ﷺ قال: "فلما كنا بذي الحليفة ولدت أسماء

стр. 794

بنت عميس فأمرها بالغسل للإحرام" (١). الشرح أسماء: هي بنت عميس بن مغنم بن تيم بن مالك بن قحافة، كانت تحت جعفر بن أبي طالب وولدت له عبد الله وعونًا ومحمدًا، فلما استشهد خلف عليها أبو بكر الصديق فولدت له محمَّد بن أبي بكر وهو الذي ولدته بذي الحليفة، ثم خلف عليها علي بن أبي طالب فولدت له يحيى بن علي ﵃، وكانت أختها زينب بنت عميس تحت حمزة بن عبد المطلب وميمونة بنت الحارث زوجة النبي ﷺ وأم الفضل بنت الحارث زوجة العباس بن عبد المطلب أختاهما من الأم. روى عن أسماء: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن صعير، وعبد الله بن شداد، وشهر بن حوشب (٢). والحديث صحيح وهو الحديث الطويل في حكايته جابر حجة النبي ﷺ أخرجه مسلم (٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم، جميعًا عن حاتم بن إسماعيل، وقال: حتى إذا أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمَّد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال: "اغتسلي واستثفري [بثوب] (٤) وأحرمي". وروى قصة ولادتها وأمر النبي ﷺ إياها بالغسل: يحيى بن

стр. 795

سعيد، عن جعفر بن محمَّد، ورواها عبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، والروايتان مخرجتان في "صحيح مسلم" (١) أيضًا. ودلالة الحديث على استحباب الغسل للنفساء ظاهرة وفي معناها الحائض، ومقصود هذا الغسل قطع الروائح الكريهة لدفع أذاها عن الناس عند اجتماعهم، واحتج به على استحباب الغسل لغيرهما بطريق الأولى؛ لأنه من أهل الطهارة وليستا من أهلها، وقد روي؛ أن النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل (٢). وقوله ﷺ في الرواية الآخرى: "اغتسلي واستثفري بثوب" يقطع وهم من يقول: لعلها ولدت خفافًا وقصرت مدة نفاسها فأمرها بالغسل بعدما طهرت. الأصل [٥٣٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه أن ابن عباس والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء، فقال ابن عباس: يغسل المحرم رأسه. وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه، فأرسلني ابن عباس إلا أبي أيوب الأنصاري فوجدته يغتسل بين القرنين وهو يستتر

стр. 796

بثوب، قال: فسلمت عليه فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله، أرسلني إليك ابن عباس يسألك كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم. قال: فوضع أبو أيوب يديه على الثوب فطأطأه حتى بدا لي رأسه ثم قال لإنسان يصب عليه: أصبب فصب على رأسه ثم حرك رأسه بيده فأقبل بهما وأدبر ثم قال: هكذا رأيته ﷺ يفعل (١). [٥٣٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء أن صفوان بن يعلى أخبره، عن أبيه يعلي بن أمية أنه قال: بينما عمر بن الخطاب يغتسل إلى بعير وأنا أستر عليه بثوب إذ قال له عمر بن الخطاب: يا يعلى اصبب على رأسي. فقلت: أمير المؤمنين أعلم. فقال عمر بن الخطاب: والله ما يزيد الماء الشعر إلا شعثًا، فسمى الله ثم أفاض على رأسه (٢). [٥٣٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ربما قال لي عمر بن الخطاب ﵁: تعالَ أباقيك في الماء أينا أطول نفسًا ونحن [محرمون (٣)] (٤).

стр. 797

الشرح إبراهيم (١) بن عبد الله بن حنين أبو إسحاق المديني مولى العباس بن عبد المطلب. سمع؛ أباه، وأبا مرة. وروى عنه: [زيد بن] (٢) أسلم، ونافع مولى ابن عمر، والزهري، والوليد بن كثير. وأبوه عبد الله. سمع: علي بن أبي طالب، وابن عباس، والمسور بن مخرمة. وروى عنه: محمَّد بن المنكدر، وأبو بكر بن حفص (٣). وصفوان بن يعلى بن أمية من حلفاء قريش. سمع: أباه يعلى وقد مرّ ذكره. وقد روى عنه: عطاء بن أبي رباح، ومحمد بن جبير (٤). وعبد الكريم: هو ابن مالك أبو سعيد الجزري الأموي مولى عثمان بن عفان، وقيل: مولى معاوية بن أبي سفيان. سمع: مجاهدًا، وعكرمة، وطاوسًا، ومقسمًا، ومحمد بن المنكدر.

стр. 798

وروى عنه: الثوري، وابن جريج، وزهير بن معاوية. مات سنة سبع وعشرين ومائة (١). وحديث مالك عن زيد بن أسلم مخرج في "الصحيحين" (٢) أخرجه البخاريّ عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن قتيبة، بروايتهما عن مالك. والأبواء: قرية من عمل الفُرْع من المدينة ذكر أن بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا، وأنها سميت بذلك لتبوء السيول بها. واحتج الشافعي بالحديث على أن المحرم يغسل رأسه في دوام الإحرام، وفيه أنهم كانوا يتحاورون في مسائل الخلاف ويراجعون غيرهم ويبحثون عما فيه من النقل. وقوله: "فوجدته يغتسل بين القرنين" هما الدعامتان من البناء أو الخشب على رأس البئر تمد عليهما الخشبة التي تدور فيها البكرة، ويقال: قرنا البئر المبنيان من الحجارة أو المدر، فأما من الخشب فيهما (٣). وفيه من الأدب التستر عند الغسل في الصحراء لئلا تقع عليه العيون، ولذلك اغتسل إلى جنب القرنين وجعل عليهما ثوبًا، وهذا كما أن من يقضي حاجته في الصحراء يتستر عن العيون، ولم يكن السلام عليه والسؤال عنه وهو مشغول بالغسل إخلالًا للأدب؛ لأن السؤال كان لائقًا بما كان [... (٤) ..] ولذلك حط الثوب الحائل ليعاين السائل ما يأتي به،

стр. 799

وفيه أنه لا بأس للمحرم بذلك الشعر وتحريك الرأس باليد وإن كان يقرب فيه احتمال النتف، وفيه أنه استعان في الغسل بمن كان يصب عليه. وقول يعلى بن أمية: "بينما عمر ﵁ يغتسل إلى (١) بعير" يعني: إلى جنب بعير يريد التستر به. وقوله: "فقلت: أمير المؤمنين أعلم" يحتمل أن يريد فقلت في نفسي، والظاهر أنه أظهر ذلك لعمر وكان يجد في نفسه شيئًا من اغتسال المحرم، فقال عمر: "والله ما يزيد الماء الشعر إلا شعثًا" أي: الماء البحت لا يزيل شعث الشعر بل يزيد فيه فلا يُمنع المحرم منه. وقوله: "أباقيك في الماء" مفاعلة من البقاء أي: أبقى وتبقى لننظر أينا أصبر على المكث، ويروى: "أما قلك" (٢) والمقل: الغمس، وعن عطاء أن ناسًا تماقلوا بين يدي عمر بن الخطاب وهو بساحل من السواحل وعمر ينظر إليهم ولم ينكر عليهم (٣). وعن مالك أنه كره أن يغيب المحرم رأسه في الماء. الأصل [٥٤٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة أنه سمع عمرو بن دينار يقول: سمعت أبا الشعثاء يقول: سمعت ابن عباس يقول: سمعت رسول الله ﷺ يخطب وهو يقول: "إذا لم يجد المحرم نعلين لبس خفين، وإذا لم يجد إزارًا لبس السراويل" (٤). [٥٤١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن الزهري، عن

стр. 800

سالم، عن أبيه أن رجلًا أتى النبي ﷺ فسأله: ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال له: "لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرانس ولا السراويل ولا الخفين إلا لمن لا يجد نعلين، فإن لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين" (١). [٥٤٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رجلًا سأل النبي ﷺ : ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا يلبس المحرم القميص ولا السراويلات ولا العمائم ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين" (٢). الشرح هذِه أحاديث صحيحة: فحديث ابن عيينة عن عمرو عن أبي الشعثاء أخرجه البخاري (٣) عن أبي نعيم، ومسلم (٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، بروايتهما عن ابن عيينة، وأخرجه البخاري أيضًا عن أبي الوليد عن شعبة عن عمرو بن دينار. وحديث الزهري عن سالم رواه البخاري (٥) عن أحمد بن يونس عن إبراهيم بن سعد عن الزهري، وأبو داود (٦) السجستاني عن أحمد بن حنبل ومسدد، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري. وحديث مالك عن نافع أخرجه البخاري (٧) عن عبد الله بن

стр. 801

يوسف، ومسلم (١) عن يحيى بن يحيى، بروايتهما عن مالك , وفي الباب عن جابر. وليس [للمحرم] (٢) بموجب هذِه الأحاديث وما في معناها لبس القميص ولا العمامة ولا السراويل ولا الخف، ولو لبس شيئًا منها من غير عذر لزمته الفدية؛ وإنما يلبس المحرم الإزار والرداء والنعلين، وإن احتاج إلى لبسها لحرٍّ أو بردٍ أو مداواةٍ عُذرَ ولزمته الفدية، أما إذا احتاج المحرم إلى الحلق لدفع الأذى يحلق ويفدي، ولو لم يجد الرداء لم يلبس القميص ولكنه يرتدي به، ولو لم يجد الإزار فله لبس السراويل، وهل من فرق بين أن يتأتى فتق السراويل وإيجاد إزار من المفتوق أو لا فرق؟ فيه وجهان للأصحاب، والظاهر أنه لا فرق لإطلاق قوله: "وإذا لم يجد الإزار لبس السراويل" وإن لم يجد نعلين لبس المكعب أو قطع الخف أسفل من الكتب ليصير كالمكعب ولبسه، ولو لبس الخفين ولم يقطعهما لزمته الفدية؛ لحديث ابن عمر: "وليقطعهما أسفل من الكعبين" وقال أحمد: لا يلزمه القطع لإطلاق خبر ابن عباس، لكن يجوز أن يكون المقصد في حديثه بيان أنه يجوز لبس الخف حينئذ في الجملة من غير التعرض لشرطه، وللأصحاب وجهان في أنه هل يجوز لبس المكعب والمقطوع مع وجدان النعلين؟ في وجه يجوز؛ لأنهما في معنى النعل، والأصح المنع لتقييد الخبر بما إذا لم يجد النعلين، وإذا جاز لبس السراويل والخفين فلا فدية؛ لأن قضية الإطلاق نفي المؤاخذة، وقد قال: "فليلبس الخفين" والسراويل يذكر ويؤنث ويجمع على سراويلات، وعن سيبويه أنه يصرف في النكرة كأنه

стр. 802

اسم واحد؛ فإن سمي به رجل لم يصرف، وقال غيره: لا يصرف في النكرة أيضًا, لأنه جمع سروال وسروالة وهو أعجمي معرب، قال الجوهري في "الصحاح" (١): والعمل على القول الأول، وسروله: ألبسه السراويل فتسرول، وحمامة مسرولة: في رجليها ريش. والبُرْنُس قيل: هو قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإِسلام، وقيل: البرنس كل ثوب رأسه ملتزق به دُرّاعةً كان أو جُبَّةً أو ممطرًا، وتبرنسَ الرجل إذا لبس البرنس، وجميع ما ذكرنا في حق الرجال؛ فأما النساء فلهن لبس القميص وغيره على ما سيأتي. الأصل [٥٤٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله ﷺ نهى أن يلبس المحرم ثوبًا مصبوغًا بزعفران أو روس، وقال: " [فمن] (٢) لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين" (٣). [٥٤٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن عمرو، عن أبي جعفر قال: أبصر عمر بن الخطاب ﵁ علي عبد الله بن جعفر [ثوبين] (٤) مضرجين وهو محرم فقال: ما هذه الثياب؟ فقال علي بن أبي طالب ﵁: ما أخال أحد يعلمنا السنة، فسكت عمر ﵁ (٥).

стр. 803

[٥٤٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر أنه سمعه يقول: لا تلبس المرأة ثياب الطيب وتلبس الثياب المعصفرة، لا أرى المعصفر طيبًا (١). الشرح عمرو: هو ابن دينار، وأبو جعفر: محمَّد بن علي الباقر، وقد سبق ذكرهما. وعبد الله: هو ابن جعفر الطيار بن أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب الهاشمي، أبو جعفر. سمع: النبي ﷺ ، وعلي بن أبي طالب. وروي عنه: سعد بن إبراهيم، وعروة بن الزبير، وغيرهما. وكانت ولادته بالحبشة، وتوفي بالمدينة سنة ثمانين (٢). وحديث مالك عن عبد الله بن دينار مودع في "الصحيحين" (٣) رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك. وإنما نهي المحرم عن لبس المصبوغ بالزعفران والورس؛ لأنهما طيبان وليس للمحرم مس الطيب واستعماله في بدنه وثيابه، ويجوز للمحرم لبس الثياب المعصفرة، والعُصفُر ليس بطيب، ورد فيه الخبر عن النبي ﷺ من رواية نافع عن ابن عمر (٤)، ويؤكده قول جابر، وعن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تلبس الثياب الموردة بالعصفر الخفيف

стр. 804

وهي محرمة (١). وقوله: "ثوبين مضرجين" يقال: ضَرَّجَت الثوب تضريجًا إذا صبغته بالحمرة وهو دون المشبّع وفوق المورد، وضرّج أنفه بالدم إذا أدماه، والمراد المصبوغ بما ليس بطيب، وكانوا يصبغون بالمغرة: وهي حجر رخو أحمر، ويقال له: المشقُ، والثوب المصبوغ به ممشّق. وقوله: "ما إخال أحد يعلمنا السنة" وفي بعض النسخ: "يعلمنا بالسنة" أحد مقطوع عما قبله، أي ما إخال الأمر هكذا، وفي بعض النسخ: "ما إخال أحدًا" بالنصب، والوجه حمل كلام علي ﵁ على الملاطفة، والمعنى أنه لا يخفى علينا أن المحرم لا يحرم عليه لبس الثوب المعصفر، ونعرف أنك من أي وجه تنهى عنه، وكان عمر ﵁ يكره لبس الثوب المصبوغ في الإحرام مخافة أن يراه الجاهل فيتوهم أن كل مصبوغ واحد فيلبس المصبوغ بالطيب، روي عن عبد الله بن عمر أن عمر رأى علي طلحة بن عبيد الله ثوبًا مصبوغًا وهو يحرم فقال له: ما هذا الثوب يا طلحة؟ فقال طلحة: يا أمير المؤمنين إنما هو مدر. فقال عمر: إنكم أيها الرهط اقتدى بكم الناس، فلو أن رجلًا جاهلًا رأى هذا الثوب [لقال] (٢): إن طلحة بن عبيد الله قد كان يلبس الثياب المصبغة في الإحرام (٣). ثُم لُبس الثياب المعصفرة وإن لم يحرم في الإحرام فقد ورد منه كراهية للرجال على الإطلاق.

стр. 805

ففي "صحيح مسلم" (١) أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: رأى عليَّ رسول الله ﷺ ثوبين معصفرين فقال: "إن هذِه من ثياب الكفار فلا تلبسها" ويروى أنه كان محرمًا حينئذ، ويروى أنه قال: أتيت أهلي وهم يسجرون تنورًا لهم فقذفت الريطة فيه، فقال النبي ﷺ لما أتيته من الغد: "ما فعلت الريطة"؟ فأخبرته فقال: "أفلا كسوتها بعض أهلك فإنه لا بأس بذلك للنساء" (٢) وعن علي ﵁ ما يوهم تخصيص الكراهة به من بين الرجال. الأصل [٥٤٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أنه كان يفتي النساء إذا أحرمن أن يقطعن الخفين حتي أخبرته صفية عن عائشة أنها تفتي النساء أن لا يقطعن، فانتهى عنه (٣). الشرح صفية: هي بنت أبي عبيد الثقفي زوجة عبد الله بن عمر بن الخطاب. سمعت: حفصة بنت عمر، وروت عن: عائشة أيضًا. روى عنها: زوجها ابن عمر (٤).

стр. 806

ويجوز للمرأة لبس القميص والسراويل والخف وغيرها بخلاف ما سبق في حق الرجال، لما روي عن ابن عمر؛ أن النبي ﷺ نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مسّ الزعفران والورس من الثياب، قال: "ولتلبس بعد ذلك ما أحبت معصفرًا أو خزًّا أو [حليًّا] (١) أو سراويل أو قميصًا أو خفًّا" (٢). وإذا لبست الخف لم يلزمها قطعه من أسفل الكعبين للأثر عن عائشة، وكان ابن عمر يفتي بخلاف ذلك فتركه لما بلغه عنها من فتواها واحتجاجها بترخيص النبي ﷺ في لبس الخفين للنساء على الإطلاق، وفي "سنن أبي داود" (٣) عن قتيبة، عن ابن أبي عدي، عن محمَّد بن إسحاق قال: ذكرته لابن شهاب فقال: حدثني سالم بن عبد الله أن عبد الله -يعني ابن عمر- كان يصنع ذلك يعني: يقطع الخفين للمرأة المحرمة، ثم حدثته صفية بنت أبي عبيد أن عائشة حدثتها؛ أن رسول الله ﷺ كان رخص للنساء في الخفين فترك ذلك. الأصل [٥٤٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: تدلي عليها من جلابيبها ولا تضرب به. قلت: وما لا تضرب به؟ فأشار لي كما تجلبب المرأة، ثم أشار إلا ما على خدها من الجلباب فقال: لا تغطيه فتضرب به على وجهها فذلك

стр. 807

الذي يبقي عليها ولكن تسدلها على وجهها كما هو مسدولًا، (ولا) (١) تقلبه ولا تضرب به ولا تعطفه (٢). الشرح مقصود الفصل أن المرأة لا تستر وجهها في الإحرام، واعلم أن الرجل لا يجوز له ستر رأسه في الإحرام، ويجوز له ستر وجهه، قال ﷺ في المحرم الذي خرّ من بعيره ومات: "خمروا وجهه ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا" (٣). وعند أبي حنيفة: لا يستر المحرم وجهه كما لا يستر رأسه، وأما المرأة فالوجه كالرأس في حق الرجل فليس لها أن تنتقب ولكن لها أن تسدل على وجهها ثوبًا متجافيًا عنه، وهذا معنى ما روي عن ابن عمر ﵁ أنه قال: "إحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرجل في رأسه" (٤)، ويروى مرفوعًا أنه ﷺ قال: "ليس على المرأة حرم إلا في وجهها" (٥) ولم يثبته الحفاظ.

стр. 808

والتستر بالسدل منقول عن عائشة ﵂ فعن مجاهد عنها أنها قالت: "كان الركبان يمرّون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ ونحن محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جازوها كشفناه" (١) وإليه يرجع معنى الأثر المروي عن ابن عباس. والجلباب اختلفوا في تفسيره فقيل: هو الخمار، وقيل: ثوب واسع دون الرداء تغطي به المرأة صدرها وظهرها، وعن ابن شميل أنه ثوب أقصر من الخمار وأعرض تغطي به المرأة رأسها، وقال صاحب "الصحاح": الجلباب: الملحفة، والمصدر الجلببة (٢). وقوله: "وما لا تضرب به؟ " يريد ما معنى قولك: لا تضرب به. وقوله: "فأشار لي كما تجلبب المرأة" أي: وصف بالإشارة جلببتها على الرأس ثم أشار إلى ما يحاذي الخدّ من الجلباب فقال: لا تغطيه، كأن المعنى أن الغطاء يثقله فيقع على الوجه. وقوله: "فتضرب به على وجهها" أي: تلقيه، قال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (٣) أي: يلقين. وقوله: "فذلك الذي يبقى عليها" يجوز أن يقرأ "يُتَّقى" أي: يخشى منه عليها، ويجوز أن يقرأ "يبقى" أي: هو الذي يوقع الجلباب على الوجه ويبقيه عليه، ولكن تبقيه مسدولًا على وجهها غير مقلوب ولا معطوف.

стр. 809

الأصل [٥٤٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد، عن ابن جريج، عن هشام بن حجير، عن طاوس قال: رأيت ابن عمر ﵁ يسعي بالبيت وقد حزم على بطنه بثوب (١). [٥٤٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي , أَبنا سعيد، عن إسماعيل بن أمية أن نافعًا أخبره أن ابن عمر لم يكن عقد الثوب عليه إنما غرز طرفيه على إزاره (٢). [٥٥٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد، عن مسلم بن (جندب) (٣) قال: جاء رجل يسأل ابن عمر وأنا معه فقال: أخالف بين طرفي ثوبي من ورائي ثم أعقده وأنا محرم؟ فقال عبد الله بن عمر: لا تعقد شيئًا (٤). [٥٥١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج؛ أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا محتزمًا بحبل أبرق فقال: "انزع الحبل مرتين" (٥). الشرح مسلم بن جندب: هو الهذلي المديني. سمع: ابن عمر، ونوفل بن إياس، وأسلم مولى عمر. وروى عنه: زيد بن أسلم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وغيرهما (٦).

стр. 810

وقوله: "يسعى بالبيت" أي يطوف، وقد يسمى الطواف سعيًا؛ لأنه عمل ولما فيه من الرمل، كما يسمى طوافًا بين الجبلين لما فيه من التردّد من أحدهما إلى الآخر. وقوله: "وقد حزم على بطنه بثوب" أي شدّه، واستدل به على أنه لا بأس بالهميان، وأبان نافع في الثاني كيفية حزمه فقال: "لم يكن عقد الثوب عليه إنما غرز طرفيه على إزاره" ويؤيده قول ابن عمر في الأثر الثالث لذلك السائل: "لا تعقد شيئًا" وذكر لهذِه الآثار أنه يحسن للمحرم أن لا يعقد رداءه ولكن يغرز طرفيه في إزاره إن شاء، وأيّد من جهة المعنى بأنه إذا عقد صار في معنى المخيط لكن لا يظهر فرق بين العقد والغرز، وأيضًا فالإزار لا بدّ له من عقد وشد فما أفرق (١) بين الرداء والإزار. والحديث الذي رواه ابن جريج منقطع، قال الحافظ أبو بكر البيهقي (٢): ورواه أيضًا ابن أبي ذئب، عن صالح بن أبي حسان، عن النبي ﷺ فيتقوى أحدهما بالآخر وبالأثر عن ابن عمر، لكن يجوز أن يكون النهي في الخبر بخصوص الحبل فإنه قد يشبه الزنار (٣)، ويجوز أن يكون لخصوص كونه أبرق أيضًا، والأبرق: الذي فيه لونان كالسواد والبياض، والبرقاء: الشاة البيضاء التي يخالط بياضها سواد. الأصل [٥٥٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد، عن ابن جريج، أبنا الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة أنها قالت: كنت عند عائشة إذ
следующие страницы →