← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123510

شرح مسند الشافعي

الرافعي

Полный текст (1 876 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ويجوز للمرأة لبس القميص والسراويل والخف وغيرها بخلاف ما سبق في حق الرجال، لما روي عن ابن عمر؛ أن النبي ﷺ نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مسّ الزعفران والورس من الثياب، قال: "ولتلبس بعد ذلك ما أحبت معصفرًا أو خزًّا أو [حليًّا] (١) أو سراويل أو قميصًا أو خفًّا" (٢). وإذا لبست الخف لم يلزمها قطعه من أسفل الكعبين للأثر عن عائشة، وكان ابن عمر يفتي بخلاف ذلك فتركه لما بلغه عنها من فتواها واحتجاجها بترخيص النبي ﷺ في لبس الخفين للنساء على الإطلاق، وفي "سنن أبي داود" (٣) عن قتيبة، عن ابن أبي عدي، عن محمَّد بن إسحاق قال: ذكرته لابن شهاب فقال: حدثني سالم بن عبد الله أن عبد الله -يعني ابن عمر- كان يصنع ذلك يعني: يقطع الخفين للمرأة المحرمة، ثم حدثته صفية بنت أبي عبيد أن عائشة حدثتها؛ أن رسول الله ﷺ كان رخص للنساء في الخفين فترك ذلك. الأصل [٥٤٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: تدلي عليها من جلابيبها ولا تضرب به. قلت: وما لا تضرب به؟ فأشار لي كما تجلبب المرأة، ثم أشار إلا ما على خدها من الجلباب فقال: لا تغطيه فتضرب به على وجهها فذلك

стр. 807

الذي يبقي عليها ولكن تسدلها على وجهها كما هو مسدولًا، (ولا) (١) تقلبه ولا تضرب به ولا تعطفه (٢). الشرح مقصود الفصل أن المرأة لا تستر وجهها في الإحرام، واعلم أن الرجل لا يجوز له ستر رأسه في الإحرام، ويجوز له ستر وجهه، قال ﷺ في المحرم الذي خرّ من بعيره ومات: "خمروا وجهه ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا" (٣). وعند أبي حنيفة: لا يستر المحرم وجهه كما لا يستر رأسه، وأما المرأة فالوجه كالرأس في حق الرجل فليس لها أن تنتقب ولكن لها أن تسدل على وجهها ثوبًا متجافيًا عنه، وهذا معنى ما روي عن ابن عمر ﵁ أنه قال: "إحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرجل في رأسه" (٤)، ويروى مرفوعًا أنه ﷺ قال: "ليس على المرأة حرم إلا في وجهها" (٥) ولم يثبته الحفاظ.

стр. 808

والتستر بالسدل منقول عن عائشة ﵂ فعن مجاهد عنها أنها قالت: "كان الركبان يمرّون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ ونحن محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جازوها كشفناه" (١) وإليه يرجع معنى الأثر المروي عن ابن عباس. والجلباب اختلفوا في تفسيره فقيل: هو الخمار، وقيل: ثوب واسع دون الرداء تغطي به المرأة صدرها وظهرها، وعن ابن شميل أنه ثوب أقصر من الخمار وأعرض تغطي به المرأة رأسها، وقال صاحب "الصحاح": الجلباب: الملحفة، والمصدر الجلببة (٢). وقوله: "وما لا تضرب به؟ " يريد ما معنى قولك: لا تضرب به. وقوله: "فأشار لي كما تجلبب المرأة" أي: وصف بالإشارة جلببتها على الرأس ثم أشار إلى ما يحاذي الخدّ من الجلباب فقال: لا تغطيه، كأن المعنى أن الغطاء يثقله فيقع على الوجه. وقوله: "فتضرب به على وجهها" أي: تلقيه، قال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (٣) أي: يلقين. وقوله: "فذلك الذي يبقى عليها" يجوز أن يقرأ "يُتَّقى" أي: يخشى منه عليها، ويجوز أن يقرأ "يبقى" أي: هو الذي يوقع الجلباب على الوجه ويبقيه عليه، ولكن تبقيه مسدولًا على وجهها غير مقلوب ولا معطوف.

стр. 809

الأصل [٥٤٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد، عن ابن جريج، عن هشام بن حجير، عن طاوس قال: رأيت ابن عمر ﵁ يسعي بالبيت وقد حزم على بطنه بثوب (١). [٥٤٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي , أَبنا سعيد، عن إسماعيل بن أمية أن نافعًا أخبره أن ابن عمر لم يكن عقد الثوب عليه إنما غرز طرفيه على إزاره (٢). [٥٥٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد، عن مسلم بن (جندب) (٣) قال: جاء رجل يسأل ابن عمر وأنا معه فقال: أخالف بين طرفي ثوبي من ورائي ثم أعقده وأنا محرم؟ فقال عبد الله بن عمر: لا تعقد شيئًا (٤). [٥٥١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج؛ أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا محتزمًا بحبل أبرق فقال: "انزع الحبل مرتين" (٥). الشرح مسلم بن جندب: هو الهذلي المديني. سمع: ابن عمر، ونوفل بن إياس، وأسلم مولى عمر. وروى عنه: زيد بن أسلم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وغيرهما (٦).

стр. 810

وقوله: "يسعى بالبيت" أي يطوف، وقد يسمى الطواف سعيًا؛ لأنه عمل ولما فيه من الرمل، كما يسمى طوافًا بين الجبلين لما فيه من التردّد من أحدهما إلى الآخر. وقوله: "وقد حزم على بطنه بثوب" أي شدّه، واستدل به على أنه لا بأس بالهميان، وأبان نافع في الثاني كيفية حزمه فقال: "لم يكن عقد الثوب عليه إنما غرز طرفيه على إزاره" ويؤيده قول ابن عمر في الأثر الثالث لذلك السائل: "لا تعقد شيئًا" وذكر لهذِه الآثار أنه يحسن للمحرم أن لا يعقد رداءه ولكن يغرز طرفيه في إزاره إن شاء، وأيّد من جهة المعنى بأنه إذا عقد صار في معنى المخيط لكن لا يظهر فرق بين العقد والغرز، وأيضًا فالإزار لا بدّ له من عقد وشد فما أفرق (١) بين الرداء والإزار. والحديث الذي رواه ابن جريج منقطع، قال الحافظ أبو بكر البيهقي (٢): ورواه أيضًا ابن أبي ذئب، عن صالح بن أبي حسان، عن النبي ﷺ فيتقوى أحدهما بالآخر وبالأثر عن ابن عمر، لكن يجوز أن يكون النهي في الخبر بخصوص الحبل فإنه قد يشبه الزنار (٣)، ويجوز أن يكون لخصوص كونه أبرق أيضًا، والأبرق: الذي فيه لونان كالسواد والبياض، والبرقاء: الشاة البيضاء التي يخالط بياضها سواد. الأصل [٥٥٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد، عن ابن جريج، أبنا الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة أنها قالت: كنت عند عائشة إذ

стр. 811

جاءتها امرأة من نساء (بني) (١) عبد الدار يقال لها: تملك، قالت لها: يا أم المؤمنين إن ابنتي فلانة حلفت لا تلبس حليّها في الموسم. فقالت عائشة: قولي لها إن أم المؤمنين تقسم عليك إلا لبست حليك كله (٢). الشرح أورد الشافعي الأثر لبيان أنه لا بأس للمحرمة بلبس العلي، ولا يلحق التحلي بالتطيب. وقوله: "إلا لبست حليك كله" يجوز تخفيف اللام من "إلا" علي معنى العرض والتحضيض، ويجوز تشديد اللام بمعنى هلّا وهو التحضيض أيضًا، وقد يراد به اللوم، وفيه أن الجائز لا يصير ممنوعًا عنه بالحلف، وأنها أقسمت عليها وإبرار المقسم مستحب علي ما ورد به الخبر (٣). وقول عائشة: "إن أم المؤمنين" يجوز أن يقال أنها أخبرته جوابًا لقول السائلة يا أم المؤمنين ويكون سبيله سبيل الحكاية، ويجوز أن يقال أنها ذكرت على وجه التحديث بالنعمة وشكرها بإظهارها، كما سمّى خالد نفسه سيف الله، وكما كتب الخلفاء من فلان أمير المؤمنين. الأصل [٥٥٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن أيوب بن موسي، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان إذا رمد وهو

стр. 812

محرم أقطر في عينيه الصبر إقطارًا، وأنه قال: يكتحل المحرم بأي كحل إذا رمد ما لم يكتحل بطيب ومن غير رمد، ابن عمر القائل (١). الشرح يجوز للمحرم الاكتحال بما لا طيب فيه كما ذكره ابن عمر وفعله عند الرمد، والإقطار كالتقطير، وهل يكره الاكتحال إذا لم يكن رمد؟ نقل عن "الإملاء" للشافعي أنه يكره، وبه قال أحمد، وعن غير "الإملاء" أنه لا بأس به، وقيل: الاكتحال بالإثمد وما فيه زينة يكره، وبالتُّوتياء (٢) الأبيض لا يكره إذ لا زينة فيه، وروي عن ابن جريج كراهية الإثمد، وقال: "إنه زينة والوقت وقت تخشع وعبادة" (٣). وقوله: "ابن عمر القائل" أي: هو الذي قال: "يكتحل المحرم ... إلى آخره" وليس ذلك من قول النبي ﷺ ولا من قول بعض الراوين. وكما يجوز تقطير الصبر في العينين يجوز أن يضمدها به، ففي "صحيح مسلم" (٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره، عن ابن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن نبيه بن وهب قال: خرجنا مع أبان بن عثمان حتى إذا كنا بمللٍ اشتكى عمر بن عبيد الله عيينه، فلما كنا بالروحاء اشتد وجعه فأرسل إلى أبان بن عثمان يسأله , فأرسل إليه أن اضمدها بالصبر فإن عثمان ﵁ حدث عن رسول ﷺ [في] (٥) الرجل إذا اشتكى عينيه وهو محرم ضمّدها بالصبر.

стр. 813

الأصل [٥٥٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم ما حرم عليكم إلا النساء والطيب (١). [٥٥٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله قال: قالت عائشة: "أنا طيبت رسول الله ﷺ ". وقال في كتاب "الإملاء": "لحله ولإحرامه". قال سالم: وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع (٢). [٥٥٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت (٣). [٥٥٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، سمعت عائشة ﵂ وبسطت يديها تقول: أنا طيبت رسول الله ﷺ بيدي هاتين لإحرامه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت (٤). [٥٥٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قال: طيبت رسول الله ﷺ بيدي هاتين لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت (٥).

стр. 814

[٥٥٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان بن عيينة، عن عثمان بن عروة قال: سمعت أبي يقول: سمعت عائشة تقول: طيبت رسول الله ﷺ لحرمه ولحلّه فقلت له: بأي الطيب؟ فقالت: بأطيب الطيب. قال عثمان: ما روى هشام هذا الحديث إلا عني (١). [٥٦٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: رأيت وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ بعد ثلاث (٢). [٥٦١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عمر بن عبد الله بن عروة، أنه سمع القاسم بن محمَّد وعروة يخبران عن عائشة أنها قالت: طيبت رسول الله ﷺ بيدي في حجّة الوداع للحل والإحرام (٣). [٥٦٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن محمَّد بن عجلان، أنه سمع عائشة بنت (٤) سعد تقول: طيبت أبي عند إحرامه بالسك (٥) والذرايرة (٦). [٥٦٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن حسن بن زيد، عن أبيه قال: رأيت ابن عباس محرمًا وإن على رأسه لمثل الرب من الغالية (٧).

стр. 815

الشرح عثمان بن عروة بن الزبير بن العوام الأسدي القرشي المديني. سمع: أباه. وروى عنه: هشام أخوه، وسفيان بن عيينة. وتوفي في خلافة أبي جعفر (١). وعطاء: هو ابن السائب بن يزيد، وقيل: السائب بن مالك أبو زيد الثقفي الكوفي. سمع: سعيد بن جبير، وغيره. وروى عنه: هشام. مات سنة ست وثلاثين [ومائة (٢)] (٣). وعمر: هو ابن عبد الله بن عروة بن الزبير بن العوام الأسدي. سمع: جده عروة، والقاسم بن محمَّد. وروي عنه: ابن جريج (٤). وعائشة: هي بنت سعد بن أبي وقاص الزهري. سمعت: أباها. وروى عنها: محمَّد بن عجلان، والجعد أو الجعيد بن عبد الرحمن. ماتت سنة سبع عشرة ومائة (٥). والحسن: هو ابن زيد بن الحسن بن علي الهاشمي. روي عن: أبيه، وعكرمة.

стр. 816

وروى عنه: محمَّد بن إسحاق، وابن أبي الزناد، ومالك (١). وأبوه زيد بن الحسن بن علي. روى عن ابن عباس (٢). وأحاديث الفصل ثابتة صحيحة، وحديث مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه مودع في "الموطأ" (٣) ورواه البخاري (٤) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم (٥) عن يحيى بن يحيى عن مالك، وحديث سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم رواه الحسن بن محمَّد بن الصباح الزعفراني وعلي بن المديني عن سفيان كما رواه الشافعي، وأخرجه البخاري (٦) من رواية علي بن المديني، وحديث سفيان عن الزهري عن عروة أخرجه مسلم (٧) عن محمَّد بن عباد المكي عن سفيان، وحديث سفيان عن عثمان بن عروة: أخرجه البخاري (٨) عن موسى عن وهيب عن هشام عن أخيه عثمان، ومسلم (٩) عن أبي كريب عن أبي أسامة عن هشام، وأخرجه أيضًا عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن سفيان عن عثمان، ويقال: ليس لعثمان في "الصحيحين" إلا هذا الحديث الواحد، وحديث إبراهيم عن الأسود: رواه البخاري (١٠) عن محمَّد بن يوسف عن سفيان عن منصور عن إبراهيم، ومسلم (١١) عن

стр. 817

قتيبة عن حماد بن زيد عن منصور، وحديث ابن جريج عن عمر بن عبد الله مخرج في "الصحيحين" (١) أيضًا. والمقصود من هذِه الأحاديث بيان شيئين: أحدهما: أنه يستحب التطيب للإحرام، ولا فرق بين أن يتطيب بما لا يبقى أثره وجرمه بعد الإحرام أو بما يبقى أثره، خلافًا لقول من كره التطيب بما يبقى جرمه وأثره؛ لقول عائشة: "رأيت وبيص الطيب في مفرق رسول الله ﷺ بعد ثلاث" يعني من إحرامه وهو مصرح به في رواية "الصحيحين" ووبيص الشيء: بريقه على أيّ لون كان، يقال: وَبَصَ يَبِصُ وبيصًا، وبصَّ يبصُّ بصيصًا في معناه. والثاني: أن الحاج إذا حصل له التحلل الأول برمي جمرة العقبة يوم النحر إن لم نجعل الحلق نسكًا، أو بالرمي والحلق أو التقصير إن جعلنا الحلق نسكًا؛ يحل له التطيب وإن لم يأت مكة ولم يطف بعد طواف الركن، وهذا هو ظاهر مذهب الشافعي ﵁، بل يستحب له التطيب لقول عائشة: "ولحلّه قبل أن يطوف بالبيت" وفيه قول: أنه لا يحل له التطيب إلا بعد التحللين كما لا تحل له النساء إلا بعد التحللين، ويروى هذا عن عمر ﵁. وفي الصيد قولان: أصحهما: أنه يحل. الثاني: وهو قول مالك: أنه لا يحلّ، وكذا حكم التطيب عنده. والأثر المذكور أولًا في الأصل عن عمر ﵁ وقد رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر، عن عمر،

стр. 818

ورواه أيضًا نافع عن ابن عمر عن عمر، ولما روي سالم قول عمر في ذلك حكى قول عائشة وتطيبيها رسول الله ﷺ وقال: "السنة أحق بالاتباع من قول عمر ﵁". وقوله: "وقال في الاملاء" يريد أنه صرح بذكر الحلّ والإحرام هناك في حكايته قولها، وأما في "الأم" فإنه قال: قالت عائشة: "طيبت رسول الله ﷺ لإحرامه" (١) ولم يرو ذكر الحلّ وهو المقصود، وهو كما يذكر بعض الحديث ويشار به إلى باقيه. وقولها: "لحلّه" أي: لصيرورته حلالًا، ثم يجوز أن يحمل على صيرورته حلالًا في الحال من بعض الوجوه، ويجوز أن يكون المعنى لإشرافه على الحلّ المطلق وقرب حاله منه، ويقال: حلّ الرجل من إحرامه وأحلّ، وأنكر الأصمعي أحلّ، وحلّ الشيء: صار حلالًا، وحلت المرأة من عدتها: صارت حلالًا للنكاح، وحلّ الهدي: بلغ الموضع [الذي] (٢) ينحر فيه، وحلّ عليه العذاب: وجب، والمستقبل فيها جميعًا: يحل بالكسر، وحلّ العقدة: فتحها، وحل في الدار حلولًا: نزل، وحلّ القوم وحل بهم والمستقبل فيها يحلُّ بالضم. وقولها في بعض الروايات: "لحرمه" أي: لإحرامه كما هو مبين في سائر الروايات، والحاء مضمومة وقد تكسر كالحاء من حلّه. والسُّكُّ: ضرب من الطيب، والرُّبُّ: الطلاء الخاثر. الأصل [٥٦٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد [بن] (٣) سالم،

стр. 819

عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁؛ أنه سئل أيشم المحرم الريحان والدهن والطيب؟ فقال: لا (١). الشرح يقال: شمَّ يشُمّ ويشِمّ، ويحرم على المحرم تطييب البدن والثوب بما الغرض الأعظم منه التطيب واتخاذ الطيب، أو يظهر فيه هذا الغرض كالمسك والعنبر والكافور والصندل (٢) والورد والياسمين والزعفران والورس، وليس من الطيب الفواكه وإن كانت لها رائحة طيبة كالسفرجل والتفاح، وكذا الأدوية كالقرنفل والدارصيني، وفي الريحان الفارسي وهو الضميران اختلاف قول الصحابة، وكذلك اختلف فيه قول الشافعي فقوله القديم: أنه لا بأس للمحرم شمّه، ويروى ذلك عن عثمان وابن عباس ﵃، والجديد: المنع، وبه قال جابر ويروى عن ابن عمر أيضًا. وقوله: "والدهن" إما أن يحمل على الدهن المطيب، أو على تدهين الرأس واللحية فهو ممنوع منه، فأما تدهين ما سوى الرأس واللحية بما ليس بمطيب فجائز، لما روي "أنه ﷺ ادّهن بزيت [غير] (٣) مقتت" (٤) أي: مطيب والتفسير في الحديث.

стр. 820

الأصل [٥٦٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه قال: كنت عند رسول الله ﷺ بالجعرانة، فأتاه رجل وعليه مقطعة -يعني: جبة- وهو متضمخ بالخلوق. فقال: يا رسول الله إني أحرمت بالعمرة وهذِه عليّ. فقال رسول الله ﷺ : "ما كنت تصنع في حجّك"؟ قال: كنت أنزع هذه المقطعة وأغسل هذا الخلوق. فقال رسول الله ﷺ : "فما كنت صانعًا في حجّك فاصنعه في عمرتك" (١). [٥٦٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إسماعيل الذي يعرف بابن علية، أخبرني عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك؛ أن النبي ﷺ نهى أن يتزعفر الرجل (٢). الشرح عبد العزيز: هو ابن صهيب البناني البصري أبو حمزة، يقال أنه مولى أنس بن مالك. روى عن: أنس، وأبي نضرة. وروى عنه: شعبة، وعبد الوارث، وابن علية، وحماد بن زيد،

стр. 821

وهشيم، وأبو عوانة (١). والحديثان مودعان في "الصحيحين": فالأول رواه البخاري (٢) عن أبي نعيم وأبي الوليد عن همام (بن يحيى) (٣) بن يحيى، ومسلم (٤) عن شيبان بن فروخ عن همام، وأخرجه مسلم أيضًا عن ابن أبي عمر عن سفيان، والثاني رواه البخاري (٥) عن مسدد عن عبد الوارث عن عبد العزيز، ومسلم (٦) عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن إسماعيل بن علية. وفي الحديث الأول دليل على أن من أحرم في مخيط ينعقد إحرامه وينبغي أن ينزعه، ويروى أنه ﷺ قال له: "اخلع عنك هذه الجبّة" (٧). ويروى "انزع واغسل أثر الخلوق أو قال: أثر الصفرة" (٨) وفيه دليل على أنه لا يلزمه أن يشقه عليه خلافًا لما روي عن إبراهيم النخعي، وأنه لا يمزق عليه خلافًا لما روي عن الشعبي، واستدل به على أن المحرم إذا لبس أو تطيب جاهلًا لا فدية عليه؛ لأن الرجل كان جاهلًا بالحكم قريب العهد بالإِسلام، ويشعر به ما في بعض الروايات أنه قال: "إني أحرمت بالعمرة وإن الناس يسخرون مني" (٩) ولم يأمره النبي ﷺ بالفدية، والناسي كالجاهل؛ وأما في الإتلافات كالحلق

стр. 822

والقلم وقتل الصيد فلا فرق بين الجاهل والناسي وغيرهما. وقوله: "فما كنت صانعًا في حجّك فاصنع في عمرتك" يريد في اجتناب المحظورات لا في أعمال النسك، وذكر الشافعي في "الأم" (١) أن من منع التطيّب للإحرام بما يبقى أثره استروح إلى هذا الحديث، فإنه أخبر الرجل عن غسل الخلوق ولم ينكر النبي ﷺ وقال: "ما كنت صانعًا في حجّك فاصنع في عمرتك" وأيضًا ففي بعض الروايات أنه قال: "انزع عنك الجبّة واغسل عنك الصفرة" وأجاب أنه ﷺ إنما أمره بغسل الخلوق؛ لأنه نهى عن التزعفر، وكذلك ترى حديث صفوان بن يعلى معقبًّا بحديث التزعفر، وبتقدير أن يكون الأمر بالغسل بما ذكره فإن ذلك كان عام الجعرانة وهو سنة ثمان وتطيب النبي ﷺ كان في حجة الإِسلام سنة عشر فيكون ذلك ناسخًا لما أمر به، وتسمية الجبة مقطعة يجوز أن يكون باعتبار أنها قطع مختلفة وهي الطهارة والبطانة والحشو. الأصل [٥٦٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم وسعيد بن سالم [عن ابن (٢) جريج]، عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يُسأل عن الرجل أيهل بالحج قبل أشهر الحج؟ فقال: لا. [٥٦٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مسلم، عن ابن جريج قال: قلت لنافع: أسمعت عبد الله بن عمر يسمي أشهر الحج؟ فقال: نعم، كان يسمي شوال وذو القعدة وذو الحجة. قلت لنافع: فإن أهلّ إنسان بالحج قبلهن؟

стр. 823

قال: لم أسمع منه في ذلك شيئًا (١). الشرح أخذ الشافعي ﵁ بظاهر المروي عن جابر وقال: لا ينعقد الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، ويروي ذلك عن ابن عباس وعطاء وعكرمة، وإذا أحرم به كان عمرة، وقيل: يتحلل بعمل عمرة، والأول ظاهر المذهب ويروى ذلك عن عطاء، وشبهه الشافعي ﵁ بما إذا أحرم بالمكتوبة قبل وقتها لا تكون صلاته مكتوبة وتكون نافلة؛ لأن الوقت وقت النافلة دون المكتوبة وهذا أحد قوليه في تلك المسألة، وفسر ابن عمر أشهر الحج بشوال وذي القعدة وذي الحجة، وتم كلام نافع عند قوله: "نعم كان يسمي" ثم ابتدأ شوال وذو القعدة أي: هي شوال وذو القعدة وذو الحجة، وهي المعنية بقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٢) ثم قيل: المعنى الحج يقع في أشهر معلومات من السنة، وقال الأكثرون: المعنى وقت الإحرام بالحج أشهر معلومات، وظاهر رواية الكتاب عن ابن عمر أن ذا الحجة كلها وقت الإحرام بالحج ويروى ذلك عن عروة بن الزبير ومالك، وفي غير هذِه الرواية: "شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة" (٣) وروي معناه عن عمر وابن مسعود وابن الزبير وهو الصحيح المشهور، وقد يطلق لفظ الجمع على الاثنين وبعض الثالث كما في

стр. 824

قوله تعالى: "فعدتهن ثلاثة قروء" (١) بل لفظ الجمع يقع على الاثنين بلا زيادة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ (٢) أن المراد عائشة وصفوان، وفي قوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ (٣) أن المراد داود وسليمان. وقال ابن الأنباري: العرب توقع الوقت الطويل على اليسير من ذلك الوقت، يقول القائل: أتيتك يوم الخميس وإتيانه يكون في ساعة واحدة من اليوم، وقتل ابن الزبير زمان الحجاج أمير وإنما قتل في يسير من ذلك الزمان. الأصل [٥٦٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش أن جابر بن عبد الله قال: ما سمى رسول الله ﷺ في تلبيته حجًّا قط ولا عمرة (٤). الشرح سعيد: هو ابن عبد الرحمن بن رقيش المديني الأسدي. سمع: أنسًا. وروى عنه: يحيى بن سعيد، ومجمع بن يعقوب، ومالك (٥). والحديث صريح في أن النبي ﷺ ما سمى في إحرامه حجًّا ولا

стр. 825

عمرة، ويوافقه ما قدمنا أنه ﷺ أحرم إحرامًا مطلقًا ينتظر القضاء، ويخالفه رواية من روى أنه أهل بالحج ومن روى أنه أهلّ بالعمرة ثم أهلّ بالحج، ومن روى أنه أهلّ بحج وعمرة وقد مرّ جميع ذلك، وينبغي للمحرم أن ينوي ويلبي، والصحيح أنه لا يكفي الاقتصار على التلبية ويكفي الاقتصار على النية، وإذا اختلفت النية والتلبية فالاعتبار بالنية حتى لو لبّى بالحج ونوى العمرة فهو معتمر والعكس بالعكس، ولو لبّى بأحدهما ونوى القرآن فهو قارن، ولو لبّى بهما ونوى أحدهما فهو محرم بما نوى، ويجوز أن يحرم إحرامًا مطلقًا ولا يقصد القرآن ولا أحدهما. وقول جابر "أن النبي ﷺ ما سمى في تلبيته حجًّا ولا عمرة" يدل علي جواز الإحرام المطلق إن كان قد أطلق كما روي أنه أحرم مطلقًا ينتظر القضاء، وإن كان قد عين نسكًا بنيته أو نوى القرآن، وفيه دليل على أن النية كافية والتلفظ ليس بواجب، وللشافعي قولان في أن إطلاق الإحرام أفضل أو التعيين؟ والأصح أن التعيين أفضل، وبه قال أبو حنيفة، وإذا عيّن فهل يستحب التلفظ بما عيّن في التلبية؟ فيه اختلاف للأصحاب، والأظهر وهو المنصوص في "الأم" أنه لا يستحب؛ لحديث جابر ولما روي عن عائشة قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر حجًّا ولا عمرة" (١). وعن نافع أن ابن عمر سمع رجلًا يقول: لبيك، فضرب في صدره، وقال: أتعلم الله ما في نفسك (٢).

стр. 826

الأصل [٥٧٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن تلبية رسول الله ﷺ : لبيك اللهم لبيك [لبيك] (١) لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. قال نافع: وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها: لبيك لبيك وسعديك، والخير في يديك لبيك، والرغباء إليك والعمل (٢). [٥٧١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا بعض أهل العلم، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ أهلّ بالتوحيد: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" (٣). [٥٧٢] قال الشافعي: وذكر عبد العزيز بن عبد الله بن الماجشون، عن عبد الله بن الفضل، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: كان من تلبية رسول الله ﷺ : "لبيك إله الحق ليبك" (٤). [٥٧٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد، عن ابن جريج، أخبرني حميد الأعرج، عن مجاهد أنه قال: كان النبي ﷺ يظهر من التلبية: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك". قال: حتى إذا كان ذات يوم والناس يصرفون عنه كأنه أعجبه

стр. 827

ما هو فيه، فزاد فيها: لبيك إن العيش عيش الآخرة. قال ابن جريج: وحسبت أن ذلك يوم عرفة (١). [٥٧٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد، عن القاسم بن معن، عن محمَّد بن عجلان عن عبد الله بن أبي سلمة أنه قال: سمع سعد بن أبي وقاص بعض بني أخيه وهو يلبي: يا ذا المعارج. فقال سعد: المعارج إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله ﷺ (٢). الشرح حميد الأعرج: هو حميد بن قيس، أبو صفوان مولى بني أسد بن عبد العزى المكي الأعرج. سمع: مجاهدًا، وعطاء، وسليمان بن عتيق. وروى عنه: مالك، والثوري، وابن عيينة. توفي في خلافة أبي العباس (٣). وحديث مالك عن نافع مودع في "الموطأ" (٤) وأخرجه البخاري (٥) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم (٦) عن يحيى بن يحيى، وأبو داود (٧) عن القعنبي، بروايتهم عن مالك، ورواه عن نافع كما رواه مالك (٨):

стр. 828

عبيد الله بن عمر، ومن روايته أخرجه أبو عبد الله ابن ماجه (١) عن علي بن محمَّد عن أبي معاوية وغيره عن عبيد الله، وأيوب والليث ومن روايتهما أخرجه أبو عيسى الترمذي (٢)، ورواه عن ابن عمر كما رواه نافع: سالم وحمزة ابنا عبد الله بن عمر. وقول نافع: "وكان عبد الله يزيد فيها: لبيك لبيك ... إلى آخر الكلمات" يسبق إلى الفهم منه أن ابن عمر ﵁ زادها من عند نفسه، وفي "جامع أبي عيسى الترمذي" ما يصرح بذلك، لكن مسلمًا روى في "الصحيح" (٣) عن حرملة بن يحيى قال: أبنا ابن وهب، أبنا يونس، عن ابن شهاب، قال: [فإن] (٤) سالم بن عبد الله بن عمر أخبرني، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يهلّ ملبّدًا يقول: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" لا يزيد على هؤلاء الكلمات، وكان عبد الله بن عمر يقول: كان عمر بن الخطاب ﵁ يهلّ بإهلال رسول الله ﷺ من هؤلاء الكلمات ويقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك والخير في يديك، لبيك والرغباء إليك والعمل. وحديث جعفر بن محمَّد عن أبيه: رواه عنه يحيى بن سعيد وابنه محمَّد بن جعفر، وأخرجه أبو داود (٥) عن أحمد بن حنبل عن يحيى. وحديث عبد العزيز، عن عبد الله بن الفضل رواه محمَّد بن عبد الله بن

стр. 829

عبد الحكم عن ابن وهب عن عبد العزيز، وأخرجه ابن ماجه (١) عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمَّد، عن وكيع، عن عبد العزيز. وحديث حميد عن مجاهد مرسل، ويقرب من مقصوده ما روي عن عكرمة عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ خطب بعرفات فلما قال: "لبيك اللهم لبيك قال: إن الخير خير الآخرة" (٢). وحديث القاسم (٣) بن معن: رواه عنه المعافى بن سليمان أيضًا، وفي الباب عن عائشة وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة ﵃. والتلبيةُ من لبيك كالتهليل من لا إله إلا الله، ولبيك في أشهر الأقوال مأخوذ من قولهم: ألبّ بالمكان إذا قام به ولزمه. ويقال: إن لبّ لغة فيه، أي: أنا مقيم على طاعتك ملازم لها. وقيل: إنه من قولهم: دار فلان تلبّ داري، أي: تحاذيها، والمعنى: أقصدك وأتوجه إليك.

стр. 830

وقيل: هو من الإلباب: وهو الطاعة والخضوع. وقيل: من قولهم: امرأة لبّة إذا اشتد حبها لولدها، أي: محبتي لك صادقة. وقيل: هو من لُبُّ الطعام ولبابُه وهو الخالص منه، أي: إخلاصي لك. وعلى اختلاف الأقوال كان ينبغي أن يقال: لبًّا لك أو إلبابًا، أي: ألب إلبابًا، إلا أنه ثنى على التأكيد والتكرير، كأنه يقول: أقيم إقامة بعد إقامة، كما يقال: حنانيك أي: رحمة بعد رحمة، والنصب على المصدر كما يقال: حمدًا لله وشكرًا، هذا قول الخليل والأكثرين، وعن يونس أن لبيك ليس تثنية لب؛ وإنما الكلمة لبّى مثل حرى، قلبت ألفه ياءً عند الإضافة إلى المضمر كما فعل بإليك وعليك ونحوهما، وأنشد سيبويه محتجًّا للقول الأول: دعوت لما نابني مسورًا ... فلبّي فلبّي يدي مسور ولو كان بمنزلة على وإلى لقال: فلبّي يدي كما تقول: على زيد إذا أظهرت الاسم. وقوله: "وسعديك" أي: ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة. وقوله: "والرغباء إليك" أي: الطلب والمسألة، والكلمة بفتح الراء والمد، وقد تضم الراء وتقصر، وعن بعض أهل اللغة أن في الكلمة لغة أخرى هي الرغبى على مثال الشكوى. وقوله: "أهلّ بالتوحيد" أي: لبّى نافيًا للشريك على الإطلاق، لا كما كان يفعله أهل الجاهلية فيقولون في تلبيتهم: لا شريك لك إلا كذا. وقوله: "كأنه أعجبه ما هو فيه فزاد فيها: لبيك إن العيش عيش

стр. 831

الآخرة" يشعر بأن الكلمة معدودة من التلبية ملحقة بلواحقها، وعلى ذلك جرى الأصحاب وقالوا: إذا رأى شيئًا يعجبه أتى بهذِه الكلمة، وسياق كلام الشافعي ﵁ في "الأم" يشعر بأنها ليست من لواحق التلبية، لكنه لما لبّى أخبر بأن العيش عيش الآخرة وقصد به كف النفس عن الرغبة في الدنيا وحملها على الرغبة في الآخرة، واستحب الشافعي أن لا يزيد على تلبية رسول الله ﷺ ويدل عليه خبر سعد حين سمع بعض بني أخيه يقول: "يا ذا المعارج" ولو زاد زائد شيئًا من تعظيم الله تعالى كما فعل ابن عمر ﵁ لم يكره، ويروى في آخر حديث جعفر بن محمَّد عن أبيه عن جابر: "والناس يزيدون ذا المعارج ونحوه من الكلام والشعبي ﷺ يسمع فلا يقول لهم شيئًا". الأصل [٥٧٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن خلاد بن السائب الأنصاري، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "أتاني جبريل ﵇ فأمرني أن آمر أصحابي أو من معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية أو بالإهلال" يريد أحدهما (١). الشرح عبد الملك بالنسب المذكور مخزومي مديني. سمع: أباه، وأبا هريرة. وروي عنه: الزهري، وابن جريج، ومحمد وعبد الله ابنا أبي بكر بن حزم، وعبد الرحمن بن حميد.

стр. 832

مات في أول خلافة هشام بن عبد الملك (١). وخلاد: هو ابن السائب بن خلاد الأنصاري من بلحارث بن الخزرج. روى عنه: عبد الملك بن أبي بكر، وعطاء بن يسار (٢). وأبوه السائب بن خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة بن امريء القيس الأنصاري من بلحارث بن الخزرج، يكنى أبا سهلة. روى عنه: ابنه خلاد بن السائب، وعطاء بن يسار. توفي سنة إحدى وتسعين كذلك حكاه أبو عبد الله بن منده عن الواقدي، وعدّ السائب وابنه خلاد معًا في الصحابة (٣). والحديث مودع في "الموطأ" (٤) وأخرجه أبو داود (٥) عن القعنبي عن مالك، والترمذي (٦) عن أحمد بن منيع عن ابن عيينة عن عبد الله بن أبي بكر وقال: إنه حديث حسن صحيح، هذا وفي كيفية روايته اختلاف كثير: فرواه مالك وابن عيينة كما قدمنا ووافقهما ابن جريج، وذكر البخاري في "التاريخ" (٧) أن موسى بن عقبة رواه عن عبد الله بن أبي لبيد، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن خلاد بن السائب، عن زيد بن خالد

стр. 833

الجهني عن النبي ﷺ ، وأن محمَّد بن يوسف رواه عن سفيان -يعني الثوري- عن عبد الله بن أبي بكر، عن خلاد بن السائب عن النبي ﷺ ، وأن قبيصة رواه عن سفيان عن عبد الله بن أبي لبيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن خلاد بن السائب عن أبيه، وعن زيد بن خالد عن النبي ﷺ . وفي الباب عن أبي بكر الصديق، وعائشة، وابن عباس، وأبي هريرة ﵃. والحديث يدل على استحباب رفع الصوت بالتلبية، ولا ينبغي أن يبالغ فيه بحيث يجهده؛ وإنما يستحب الرفع للرجال وأما النساء فإنهن يقتصرن على إسماع أنفسهن ولا يجهرن بالتلبية كما لا يجهرن بالقراءة في الصلاة، روي عن ابن عمر ﵁ أنه قال: المرأة لا ترفع صوتها بالتلبية (١)، واحتج له بقوله ﷺ : "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء" (٢). وقوله: "أن آمر أصحابي أو من معي" شك في اللفظ، ورواه ابن عيينة وغيره: "أن آمر أصحابي" بلا شك، قال الشافعي في "الأم" (٣): وفي الحديث دلالة على أن أصحابه هم الرجال دون النساء. وكأن المراد من الأصحاب الذي يجري معهم الصحبة والمخالطة. وقوله: "بالتلبية أو بالإهلال يريد أحدهما" يعني أنهما ليس أمرين

стр. 834

مختلفين وإنما تردد الراوي في أنه ذكر هذِه اللفظة أو هذِه اللفظة، يبينه ما في "سنن أبي داود" "فأمرني أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال أو قال: بالتلبية" يريد أحدهما، وفي بعض الروايات ذكر التلبية وحدها، وفي بعضها ذكر الإهلال وحده، وورد في رواية ابن وهب عن مالك: "فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية أو بالإهلال أو أحدهما" وليحمل هذا على أن بعض الرواة شك في أن من فوقه قال بالتلبية أو بالإهلال فذكر اللفظين جميعًا أو اقتصر على أحدهما، والله أعلم. الأصل [٥٧٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد، عن محمَّد بن أبي حميد، عن محمَّد بن المنكدرة أن النبي ﷺ كان يكثر من التلبية (١). [٥٧٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمرة أنه كان يلبّي راكبًا ونازلًا ومضطجعًا (٢). الشرح محمَّد بن أبي حميد أبو إبراهيم المديني الزرقي، وقد يقال له: حماد بن أبي حميد (٣).

стр. 835

وعبد الله: هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو عبد الرحمن العدوي أخو عبيد الله بن عمر. يروي عن: نافع وغيره. تكلم فيه يحيى بن سعيد، وتكلموا في محمَّد بن أبي حميد أيضًا (١). والمقصود أنه يستحب الإكثار من التلبية لما فيها من ذكر الله تعالى وإظهار شعار الإحرام، وهي عند الصعود والهبوط واضطمام الرفاق وحدوث الحوادث أفضل، روي؛ أن النبي ﷺ كان يلبي في حجته إذا لقي راكبًا، أو علا أكمة، أو هبط واديًا، وفي أدبار المكتوبة، ومن آخر الليل (٢). وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سابط قال: كان سلفنا لا يدعون التلبية عند أربع: عند اضطمام الرفاق حتى تنضم، وعند إشرافهم على الثِّنَي، وهبوطهم من بطون الأودية، وعند الصلاة إذا فرغوا منها (٣). وتستحب التلبية في المساجد كما في غيرها، وفيما سوى المسجد الحرام ومسجد منى ومسجد إبراهيم ﵇ بعرفات قولٌ: أنها لا تستحب، وإذا قلنا باستحباب التلبية فيها فيرفع الصوت. وعن مالك أنه لا يرفع الصوت بالتلبية إلا في مسجد مكة ومنى.

стр. 836

الأصل [٥٧٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد، عن صالح بن محمَّد بن زائدة، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه، عن النبي ﷺ أنه كان إذا فرغ من تلبية سأل الله رضوانه والجنة، واستعفاه برحمته من النار (١). الشرح صالح بن محمَّد بن زائدة، أبو واقد الليثي المديني. روى عن: سالم بن عبد الله وغيره. وهو متروك عند سليمان بن حرب (٢). وروى الحديث عن صالح كما رواه إبراهيم: عبد الله بن عبد الله الأموي، وعن القاسم بن محمَّد أنه كان يأمر من فرغ من التلبية أن يصلي على النبي ﷺ . واستحب الشافعي تعقيب التلبية بالصلاة على النبي ﷺ ، وأن يسأل الله تعالى الجنة ويتعوذ به من النار فإن ذلك أعظم ما يسأل ويسأل بعدها ما أحب.

стр. 837

الأصل [٥٧٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن رسول الله ﷺ مر بضباعة بنت الزبير فقال: "أما تريدين الحج"؟ فقالت: إني شاكية. فقال لها: "حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني" (١). [٥٨٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن هشام، عن أبيه قال: قالت لي عائشة: هل تستثني إذا حججت؟ فقلت لها: ماذا أقول؟ فقالت: قل اللهم الحج أردت وله عمدت، فإن يسرته فهو الحج، وإن حبسني حابس فهو عمرة (٢). الشرح ضباعة: هي بنت الزبير بن عبد المطلب كانت تحت المقداد بن الأسود. روى عنها: ابن عباس، وعائشة، وسعيد بن المسيب، والأعرج وكريمة بنت المقداد بن الأسود، وأختها أم حكيم بنت الزبير ويقال: أم [الحكم (٣)] (٤). والحديث مرسل من رواية الشافعي ولإرساله قال في "الأم": لو ثبت حديث عروة في الاستثناء لم أعده إلى غيره (٥).

стр. 838

وقد ثبت عند علماء الحديث من أوجه: فرواه عبد الجبار بن العلاء، عن سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة موصولًا، ورواه أبو أسامة حماد بن أسامة ومعمر، عن هشام عن أبيه عن عائشة، وأخرجه البخاري (١) عن عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة، ومسلم (٢) عن أبي كريب عنه، وأخرجه مسلم أيضًا عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق عن معمر عن هشام عن أبيه عن عائشة، وتروى قصة ضباعة من رواية ابن عباس وجابر وضباعة نفسها. وقوله: "أما تريدين الحج" قد يفهم ظاهره الترغيب في الحج والحث عليه، لكن في رواية عبد الجبار بن العلاء عن سفيان "أتريدين الحج؟ قالت: نعم" وفي رواية عبد الرزاق عن معمر: "دخل النبي ﷺ على ضباعة فقالت: إني أريد الحج وأنا شاكية". وللشافعي اختلاف قول في أنه يجوز أن يشترط في الإحرام أن يتحلل إذا مرض، والأصح جوازه والحديث دل عليه، وإليه ذهب عُمر، وابن مسعود، وعائشة ﵃، وخالفهم ابن عمر ﵁، وذكر الأصحاب وجهين في أنه لو قال: إن مرضت فأنا حلال هل يصير حلالًا [بنفس] (٣) المرض أم يحتاج إلى التحلل؟ والأظهر الأول، وقد يشعر به قوله: "أن محلي حيث حبستني" ثم إذا تحلل فلا هدي عليه إن كان قد شرط في إحرامه التحلل بلا هدي، وكذا إن أطلق على الأصح، وإن كان قد شرط التحلل بالهدي لزمه الهدي.

стр. 839

وقوله: "أن محلي حيث حبستني" حمل على الحبس بالمرض لتعلقه بقولها "وأنا شاكية" ولكن قول عائشة "وإن حبسني حابس" مطلق، وفيه دلالة على أنه يجوز له شرط التحلل بسائر الأعذار الطارئة كنفاد النفقة وضلال الطريق والخطأ في العدد، كما يجوز شرطه بعذر المرض؛ وأما أنه لا يجوز للمحرم التحلل بسبب المرض إذا لم يشترط فسيأتي. الأصل [٥٨١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمرة أنه خرج إلى مكة زمن الفتنة معتمرًا فقال: إن صددت عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله ﷺ . قال الشافعي: يعني أحللنا كما أحللنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية (١). [٥٨٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه أنه قال: من حبس دون البيت بمرضٍ فإنه لا يحل حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة (٢). [٥٨٣] أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه أنه قال: المحصر لا يحل حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة (٣). [٥٨٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار؛ أن ابن عمر ومروان وابن الزبير أفتوا ابن حزابة المخزومي-

стр. 840

وأنه صرع (١) ببعض طريق مكة وهو محرم- أن يتداوى بما لا بُدّ منه ويفتدي، فإذا صح اعتمر، فحل من إحرامه فكان عليه أن يحج عامًا قابلًا ويهدي (٢). الشرح ابن حزابة رجل من التابعين، وهو معبد بن وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم المخزومي (٣). وحديث ابن عمر صحيح: أخرجه البخاري (٤) عن عبد الله بن يوسف عن مالك، ومسلم (٥) عن يحيى بن يحيى عنه. والمراد من زمن الفتنة زمان مجيء أهل الشام ونزولهم على ابن الزبير محاصرين. وتفسير الشافعي لقوله: "صنعنا كما صنعنا مع رسول الله ﷺ صحيح ما مفهوم من سائر الروايات، وقد روى البخاري في "الصحيح" (٦) عن عبد الله بن محمَّد بن أسماء قال: ثنا جويرية، عن نافع أن عبيد الله بن عبد الله وسالم بن عبد الله أخبراه أنهما كلما عبد الله بن عمر ليالي نزل الجيش بابن الزبير فقالا: لا يضرك أن لا تحج العام أما تخاف أن يحال بينك وبين البيت، فقال: خرجنا مع رسول الله ﷺ فحال كفار قريش دون البيت، فنحر النبي ﷺ هديه وحلق رأسه،

стр. 841

وأشهدكم أني قد أوجبت عمرة فأنطلق فإن خلّي بيني وبين البيت طفت، وإن حيل بيني وبينه فعلت كما فعل النبي ﷺ وأنا معه، فأهل بالعمرة من ذي الحليفة ثم سار ساعة ثم قال: إنما شأنهما واحد أشهدكم أني قد أوجبت حجة مع عمرتي، فلم يحلّ منهما حتى حل يوم النحر. وفي "الصحيح" عن ابن عمر ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ معتمرين فحال كفار قريش دون البيت؛ فنحر رسول الله ﷺ بدنه وحلق رأسه (١). وقصد الشافعي بإيراد الحديث ها هنا الاحتجاج لجواز التحلل بالإحصار، وقد قال تعالى في إحصار المشركين النبي ﷺ عام الحديبية: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢) وفي "الصحيح" عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ أحصر فحلق وجامع نساءه ونحر هديه حتى اعتمر من قابل (٣). وعن جابر بن عبد الله قال: نحرنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة (٤). قال الشافعي: والحديبية بعضها من الحل وبعضها من الحرم وكان نحر رسول الله ﷺ في حد الحل منها, ولا قضاء على المحصر إذا تحلل بل حاله على ما كان عليه قبل الإحرام. وقال أبو حنيفة: يلزمه القضاء (٥). واحتج الشافعي بأنه كان مع رسول الله ﷺ عام الحديبية رجال معرفون بأسمائهم، ثم اعتمر رسول الله عمرة القضية وتخلف بعضهم، ولو لزمهم القضاء لأمرهم رسول الله ﷺ وبيّنه لهم، قال:

стр. 842

وتسميتها عمرة القضاء وعمرة القضية لقيامها مقام العمرة التي قصدها لا لوجوب القضاء (١). وقد روي عن ابن عمر أنه قال: لم تكن تلك العمرة قضاء ولكن كان شرطًا على المسلمين أن يعتمروا من قابل في الشهر الذي صدهم المشركون فيه. وعلى المحصر إذا تحلل دم شاة يريقه حيث أحصر، وفي قول ابن عمر: "إن صددت عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله ﷺ " ما يبين أن الإحصار من المسلمين في الحكم كالإحصار من المشركين، وفيما روي عن ابن عمر ﵁ "من حبس دون البيت بمرض" دلالة على أنه لا يجوز التحلل بالمرض وسائر الأعذار سوى حصر العدو، بل يقيم المريض على إحرامه، فإن زال العذر بعد فوات الحج تحلل بعمل عمرة، وبهذا قال ابن الزبير وابن عباس حيث قالا: لا حصر إلا حصر العدو (٢). وهو قول أكثر أهل العلم، وذهب آخرون إلى جواز التحلل بالمرض ونحوه؛ لما روي عن الحجاج بن عمرو الأنصاري أنه سمع النبي ﷺ يقول: "من كسر أو جرح فقد حل" (٣) والأولون ضعفوا الحديث وحملوه بتقدير الصحة على ما إذا شرط التحلل، وقالوا: لو

стр. 843

جاز التحلل بغير شرط لما احتاجت ضباعة إلى الاشتراط، ولما أمرها النبي ﷺ بذلك. وقوله في الأثر الذي بعده "المحصر لا يحل حتى يطوف بالبيت" قال الشافعي في "الأم": هو المحصر بالمرض والله أعلم (١). وقصة ابن حزابة تؤكد منع التحلل بالمرض ولها نظائر. الأصل [٥٨٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا أنس بن عياض، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ أنه قال: من أدرك ليلة النحر من الحاج فوقف بحيال عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج، ومن لم يدرك عرفة فيقف بها قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج فليأت البيت فليطف به سبعًا، ويطوف بين الصفا والمروة سبعًا، ثم ليحلق أو يقصر إن شاء، وإن كان معه هديه فلينحره قبل أن يحلق، فإذا فرغ من طوافه وسعيه فليحلق أو ليقصر ثم ليرجع إلى أهله، فإن أدركه الحج من قابل فليحج إن استطاع وليهد (حجّه) (٢)، فإن لم يجد هديًا فليصم عنه ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله (٣). [٥٨١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن يحيى بن سعيد، أخبرني سليمان بن يسارة أن أبا أيوب خرج حاجًّا حتى إذا كان (بالنازية) (٤) من طريق مكة أضلّ رواحله، وأنه قدم على عمر

стр. 844

بن الخطاب ﵁ يوم النحر فذكر ذلك له. فقال له: اصنع كما يصنع المعتمر ثم قد حللت، فإذا أدركت الحج قابل؛ حج واهد ما استيسر من الهدي (١). [٥٨٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار؛ أن هبار بن الأسود جاء وعمر ﵁ ينحر بكره (٢). الشرح هبار بن الأسود أبو الأسود القرشي المكي من بني أسد بن عبد العزى، يقال أنه أدرك النبي ﷺ . وروى عن: عمر. روى عنه: عروة بن الزبير، وسليمان بن يسار (٣). وهذِه الآثار مسوقة لبيان الحكم عند فوات الحج وفواته بفوات الوقوف بعرفة لا غير، ولذلك قال ﷺ : " [الحج] (٤) عرفات" ووقت الوقوف من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر، فمن وقف في هذا الوقت فقد أدرك الحج ومن لم يقف حتى طلع الفجر فقد فاته الحج".

стр. 845

وقول ابن عمر ﵁: "من أدرك ليلة النحر" إنما خص الليلة بالذكر لأنها الذي يقع في محل النظر والاشتباه، فأما الإدراك بالوقوف من وقت الزوال فهو مشهور واضح. وقوله: "بحيال عرفة" يجوز أن يقرأ بالجيم والباء، ويجوز أن يقرأ "بحبال عرفة" يقال: قعد حياله وبحياله أي: بإزائه. ثم لا يخفى أن المراد الحضور بها وإذا حضر في طرف منها كان بإزاء باقيها، ومن فاته الحج فعليه التحلل بعمل عمرة ولا يحسب ذلك من العمرة وعليه قضاء الحج من قابل ودم شاة، وحكم دم الفوات حكم دم التمتع في الترتيب والتقدير، وكلام ابن عمر يشتمل على جميع ذلك فإنه أمره بالطواف وبالسعي بين الجبلين وبالحلق أو التقصير وبالحج من قابل. وقوله: "وليهد حجه" أي لحجه وكأنه أراد دم الفوات فإنه يراق في الحجة المقضية على الأصح، فإن لم يجد هديًا صام عشرة أيام كالمتمتع ويوافق ذلك قصة أبي أيوب الأنصاري حيث فاته الوقوف وأتى عمر ﵁ يوم النحر. والنازيّة: عين ثرّة بين مكة والمدينة قريبة من الصفراء وهي إلى المدينة أقرب. وأما ما رواه هبار بن الأسود فإنه ذكر صدره وترك الباقي، وتمامه ما روى الشافعي في "الأم" (١) بهذا الإسناد قال: إن هبار بن الأسود جاء وعمر بن الخطاب ﵁ ينحر هديه، فقال له عمر: اذهب فطف ومن معك فانحروا هديًا إن كان معكم، ثم احلقوا أو قصروا، ثم ارجعوا فإذا كان قابل حجُّوا واهدوا، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في
следующие страницы →