← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123510

شرح مسند الشافعي

الرافعي

Полный текст (1 876 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وأشهدكم أني قد أوجبت عمرة فأنطلق فإن خلّي بيني وبين البيت طفت، وإن حيل بيني وبينه فعلت كما فعل النبي ﷺ وأنا معه، فأهل بالعمرة من ذي الحليفة ثم سار ساعة ثم قال: إنما شأنهما واحد أشهدكم أني قد أوجبت حجة مع عمرتي، فلم يحلّ منهما حتى حل يوم النحر. وفي "الصحيح" عن ابن عمر ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ معتمرين فحال كفار قريش دون البيت؛ فنحر رسول الله ﷺ بدنه وحلق رأسه (١). وقصد الشافعي بإيراد الحديث ها هنا الاحتجاج لجواز التحلل بالإحصار، وقد قال تعالى في إحصار المشركين النبي ﷺ عام الحديبية: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢) وفي "الصحيح" عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ أحصر فحلق وجامع نساءه ونحر هديه حتى اعتمر من قابل (٣). وعن جابر بن عبد الله قال: نحرنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة (٤). قال الشافعي: والحديبية بعضها من الحل وبعضها من الحرم وكان نحر رسول الله ﷺ في حد الحل منها, ولا قضاء على المحصر إذا تحلل بل حاله على ما كان عليه قبل الإحرام. وقال أبو حنيفة: يلزمه القضاء (٥). واحتج الشافعي بأنه كان مع رسول الله ﷺ عام الحديبية رجال معرفون بأسمائهم، ثم اعتمر رسول الله عمرة القضية وتخلف بعضهم، ولو لزمهم القضاء لأمرهم رسول الله ﷺ وبيّنه لهم، قال:

стр. 842

وتسميتها عمرة القضاء وعمرة القضية لقيامها مقام العمرة التي قصدها لا لوجوب القضاء (١). وقد روي عن ابن عمر أنه قال: لم تكن تلك العمرة قضاء ولكن كان شرطًا على المسلمين أن يعتمروا من قابل في الشهر الذي صدهم المشركون فيه. وعلى المحصر إذا تحلل دم شاة يريقه حيث أحصر، وفي قول ابن عمر: "إن صددت عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله ﷺ " ما يبين أن الإحصار من المسلمين في الحكم كالإحصار من المشركين، وفيما روي عن ابن عمر ﵁ "من حبس دون البيت بمرض" دلالة على أنه لا يجوز التحلل بالمرض وسائر الأعذار سوى حصر العدو، بل يقيم المريض على إحرامه، فإن زال العذر بعد فوات الحج تحلل بعمل عمرة، وبهذا قال ابن الزبير وابن عباس حيث قالا: لا حصر إلا حصر العدو (٢). وهو قول أكثر أهل العلم، وذهب آخرون إلى جواز التحلل بالمرض ونحوه؛ لما روي عن الحجاج بن عمرو الأنصاري أنه سمع النبي ﷺ يقول: "من كسر أو جرح فقد حل" (٣) والأولون ضعفوا الحديث وحملوه بتقدير الصحة على ما إذا شرط التحلل، وقالوا: لو

стр. 843

جاز التحلل بغير شرط لما احتاجت ضباعة إلى الاشتراط، ولما أمرها النبي ﷺ بذلك. وقوله في الأثر الذي بعده "المحصر لا يحل حتى يطوف بالبيت" قال الشافعي في "الأم": هو المحصر بالمرض والله أعلم (١). وقصة ابن حزابة تؤكد منع التحلل بالمرض ولها نظائر. الأصل [٥٨٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا أنس بن عياض، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ أنه قال: من أدرك ليلة النحر من الحاج فوقف بحيال عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج، ومن لم يدرك عرفة فيقف بها قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج فليأت البيت فليطف به سبعًا، ويطوف بين الصفا والمروة سبعًا، ثم ليحلق أو يقصر إن شاء، وإن كان معه هديه فلينحره قبل أن يحلق، فإذا فرغ من طوافه وسعيه فليحلق أو ليقصر ثم ليرجع إلى أهله، فإن أدركه الحج من قابل فليحج إن استطاع وليهد (حجّه) (٢)، فإن لم يجد هديًا فليصم عنه ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله (٣). [٥٨١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن يحيى بن سعيد، أخبرني سليمان بن يسارة أن أبا أيوب خرج حاجًّا حتى إذا كان (بالنازية) (٤) من طريق مكة أضلّ رواحله، وأنه قدم على عمر

стр. 844

بن الخطاب ﵁ يوم النحر فذكر ذلك له. فقال له: اصنع كما يصنع المعتمر ثم قد حللت، فإذا أدركت الحج قابل؛ حج واهد ما استيسر من الهدي (١). [٥٨٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار؛ أن هبار بن الأسود جاء وعمر ﵁ ينحر بكره (٢). الشرح هبار بن الأسود أبو الأسود القرشي المكي من بني أسد بن عبد العزى، يقال أنه أدرك النبي ﷺ . وروى عن: عمر. روى عنه: عروة بن الزبير، وسليمان بن يسار (٣). وهذِه الآثار مسوقة لبيان الحكم عند فوات الحج وفواته بفوات الوقوف بعرفة لا غير، ولذلك قال ﷺ : " [الحج] (٤) عرفات" ووقت الوقوف من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر، فمن وقف في هذا الوقت فقد أدرك الحج ومن لم يقف حتى طلع الفجر فقد فاته الحج".

стр. 845

وقول ابن عمر ﵁: "من أدرك ليلة النحر" إنما خص الليلة بالذكر لأنها الذي يقع في محل النظر والاشتباه، فأما الإدراك بالوقوف من وقت الزوال فهو مشهور واضح. وقوله: "بحيال عرفة" يجوز أن يقرأ بالجيم والباء، ويجوز أن يقرأ "بحبال عرفة" يقال: قعد حياله وبحياله أي: بإزائه. ثم لا يخفى أن المراد الحضور بها وإذا حضر في طرف منها كان بإزاء باقيها، ومن فاته الحج فعليه التحلل بعمل عمرة ولا يحسب ذلك من العمرة وعليه قضاء الحج من قابل ودم شاة، وحكم دم الفوات حكم دم التمتع في الترتيب والتقدير، وكلام ابن عمر يشتمل على جميع ذلك فإنه أمره بالطواف وبالسعي بين الجبلين وبالحلق أو التقصير وبالحج من قابل. وقوله: "وليهد حجه" أي لحجه وكأنه أراد دم الفوات فإنه يراق في الحجة المقضية على الأصح، فإن لم يجد هديًا صام عشرة أيام كالمتمتع ويوافق ذلك قصة أبي أيوب الأنصاري حيث فاته الوقوف وأتى عمر ﵁ يوم النحر. والنازيّة: عين ثرّة بين مكة والمدينة قريبة من الصفراء وهي إلى المدينة أقرب. وأما ما رواه هبار بن الأسود فإنه ذكر صدره وترك الباقي، وتمامه ما روى الشافعي في "الأم" (١) بهذا الإسناد قال: إن هبار بن الأسود جاء وعمر بن الخطاب ﵁ ينحر هديه، فقال له عمر: اذهب فطف ومن معك فانحروا هديًا إن كان معكم، ثم احلقوا أو قصروا، ثم ارجعوا فإذا كان قابل حجُّوا واهدوا، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في

стр. 846

الحج وسبعة إذا رجع. وكان هبار ومن معه قد فاتهم الوقوف. وقوله: "نحر بكره" البكر: الفتى من الإبل. الأصل [٥٨٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنه كان يغتسل لدخول مكة (١). الشرح من الأغسال المستحبة الغسل لدخول مكة ورد به الخبر والأثر، فروى البخاري في "الصحيح" (٢) عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن علية، عن أيوب عن نافع "كان ابن عمر إذا دخل أدنى الحوم أمسك عن التلبية ثم [يبيت] (٣) بذي طوى ثم يصلي به الصبح ويغتسل، ويحدث أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك" ورواه مسلم (٤) عن أبي الربيع، عن حماد، عن أيوب. ويروى الغسل لدخول مكة عن علي بن أبي طالب وعائشة ﵄. الأصل [٥٨٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج؛ أن النبي ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال: "اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابة، وزد من شَرَّفه وَكَرَّمه ممن حجه واعتمره تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًّا" (٥). [٥٩٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن

стр. 847

ابن جريج قال: حدثت عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: "ترفع الأيدي في الصلاة، وإذا رأى البيت، وعلى الصفا والمروة، وعشية عرفة، وبجمع وعند الجمرتين، وعلى الميت" (١). [٥٩١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن محمَّد بن سعيد بن المسيب، عن أبيه أنه كان حين نظر إلى البيت يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام (٢). الشرح مقسم أبو القاسم مولى عبد الله بن الحارث الهاشمي، ويقال: مولى ابن عباس. روى عنه. وروى عن مقسم: الحكم بن عتيبة، ويزيد بن أبي زياد (٣). ومحمد بن سعيد بن المسيب بن حزن القرشي المديني. سمع: أباه. وروى عنه: عبيد الله بن عمر، وابنه عمران بن محمَّد (٤). والحديث الأول منقطع ويتأكد بعض التأكد بما روي عن سفيان الثوري، عن أبي سعيد الشامي، عن مكحول قال: كان النبي ﷺ إذا

стр. 848

دخل مكة فرأى البيت رفع يديه وكبر وقال: "اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابة، وزد من حجّه أو اعتمره تكريمًا وتشريفًا وتعظيمًا وبرًّا" (١). والثاني المروي عن مقسم فيه انقطاع أيضًا فإن ابن جريج لم يسمعه من مقسم فرواه بمعناه شعيب بن إسحاق عن مقسم، ورواه محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس، وعن نافع عن ابن عمر مرة موقوفًا عليهما ومرة مرفوعًا إلى النبي ﷺ دون ذكر الميت. وقوله: "ترفع الأيدي في الصلاة" يريد المواضع التي يسن فيها رفع اليد. وقوله: "وبجمع" يعني: المزدلفة، ثم قد يوجد في الروايات: "وبجمع عند الجمرتين" والصواب "وبجمع وعند الجمرتين" بإدخال الواو بينهما، وكذلك هو في "الأم" (٢) والمراد: الجمرتان اللتان يقف إذا رمي إليهما، ويدعو دون الثالثة التي إذا رمى إليها انصرف ولم يقف. وقوله: "وعلى الميت" أي في الصلاة عليه، وقد قال برفع اليدين عند رؤية البيت جماعة منهم: ابن عمر، وابن عباس، وكرهه جماعة لما روي عن جابر ﵁ وقد سئل عن الرجل يرى البيت فيرفع يديه: "قد حججنا مع رسول الله ﷺ فلم نكن نفعله" (٣). قال الأئمة: والمثبت أولى بالاتباع من النافي، ويؤكد الرفع ما سبق من رواية مكحول، ويؤكد حديثه أيضًا الذكر المأثور عن سعيد بن

стр. 849

المسيب، وروى يحيى بن معين عن سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن طريف عن حميد بن يعقوب، سمع سعيد بن المسيب يقول: سمعت من عمر ﵁ كلمة ما بقي أحد من الناس سمعها غيري، سمعته يقول إذا رأى البيت: اللهم أنت السلام ومنك السلام فحيّنا ربنا بالسلام (١). وقال الشافعي في "الأم": أستحب إذا رأى البيت أن يقول ما حكيت، وما قال من حسن أجزأه إن شاء الله تعالى (٢). الأصل [٥٩٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة لم يلوِّ ولم يعرج (٣). الشرح قوله: "لم يلوّ ولم يعرج" يريد على شيء سوى الطواف، يقال: لوى على كذا أي: عطف وعرّج. وروى الشافعي الحديث في "القديم" فزاد في إسناده مع سعيد مسلمًا وقال في متنه: "لما قدم مكة لم يعرج حتى طاف بالبيت". والمستحب للقادم أن يعجل الطواف ولا يشتغل بشيء آخر حتى يطوف إلا أن يدخل المسجد والإمام في المكتوبة فيصليها أولًا، أو يخاف فوت فريضة أو سنة مؤكدة فيقدمها ثم يطوف، وكذا المرأة الشريفة التي لا تبرز للرجال أو الجميلة تؤخر الطواف إلى الليل؛ وإنما

стр. 850

يستحب طواف القدوم لغير المعتمر المحض، فأما المعتمر فإذا طاف للعمرة أجزأه ذلك عن طواف القدوم؛ لأنه تحية البقعة فهو كما إذا دخل المسجد وصلى الفريضة أجزأه ذلك عن التحية، والحاج والقارن إن قدما الوقوف على دخول مكة فليس في حقهما طواف قدوم أيضًا بل هو مخصوص بما إذا قدما مكة قبل الدخول. وحديث عطاء مرسل، لكنه ورد مقصوده مسندًا في سائر الروايات ففي "الصحيح" عن عروة عن عائشة "أن أول شيء بدأ به رسول الله ﷺ حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت" (١) وتمام الحديث ما رواه البخاري عن أحمد بن عيسى، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث عن محمَّد بن عبد الرحمن بن نوفل القرشي أنه سأل عروة بن الزبير فقال: قد حج النبي ﷺ فأخبرتني عائشة أن أول شيء بدأ به النبي ﷺ حين قدم أنه توضأ ثم طاف بالبيت ثم لم تكن عمرة، ثم حج أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة، ثم حج عمر مثل ذلك، ثم حج عثمان فرأيته أول شيء بدأ به الطواف ثم لم تكن عمرة، ثم معاوية وعبد الله بن عمر، ثم حججت مع أبى الزبير بن العوام فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة، ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك ثم لا تكون عمرة، ثم آخر من رأيت فعل ذلك ابن عمر ثم لم ينقضها عمرة، وهذا ابن عمر عندهم فلا يسألونه ولا أحد ممن مضى ما كانوا يبدءون بشيء حين يضعون أقدامهم من الطواف بالبيت ثم لا يحلون، وقد رأيت أمي وخالتي حين

стр. 851

تقدمان لا تبدآن بشيء أول من البيت تطوفان به، ثم إنهما لا تحلان، وقد أخبرتني أمي أنها أهلت وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة فلما مسحوا الركن حلّوا. ففيه مع حكايته فعل النبي ﷺ إطباق الصحابة بعده على رعاية طواف القدوم؛ وأما بقية مقصود الحديث فقد زعم بعضهم أن المحرم بالحج إذا طاف بالبيت وسعى يحلّ؛ لأن النبي ﷺ قال لأصحابه بعدما طافوا بالبيت وبين الجبلين: "من لم يكن معه هدي فليحلل وليجعلها عمرة" وعرض قول هذا القائل على عروة فأنكره قال: "النبي ﷺ لم يحلل حتى فرغ من أعمال الحج" وعلى هذا جرت الصحابة بعده، وقد مرّ فيما أمر به النبي ﷺ تأويل أن إحرامهم كان مبهمًا وكان النبي ﷺ ينتظر الوحي، وما قيل أنه كان لهم نقض الحج وتحويله عمرة وأن ذلك كان مخصوصًا بذلك الوقت. والله أعلم. وقوله: "ثم لم تكن عمرة" أي لم يصر النسك عمرة، ويجوز أن يقرأ: "عمرة" بالرفع ويجعل "لم تكن" بمعنى لم يحدث، وفي "صحيح مسلم": "ثم لم يكن غيره" بدل "ثم لم تكن عمرة" أي: لم يكن غير الحج، والله أعلم. وحيث شرع طواف القدوم فلو أن القادم اشتغل بشيء آخر قبل الطواف لم يفت الطواف، روي أن عليًّا ﵁ كان يأتي منزله قبل أن يطوف بالبيت.

стр. 852

الأصل [٥٩٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان بن عيينة، عن منصور، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود أنه رآه بدأ فاستلم الحجر، ثم أخذ عن يمينه فرمل ثلاثة أطواف ومشى أربعة، ثم أتى المقام فصلى خلفه ركعتين (١). [٥٩٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: يلبي المعتمر حتى يفتتح الطواف مشيًا أو غير مشيٍ (٢). الشرح منصور: هو ابن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة السلمي أبو عتاب، وقيل: ابن المعتمر بن عباد بن فرقد من بني بهتة بن سليم. سمع: أبا وائل، وإبراهيم النخعي، وأبا الضحى. وروى عنه: شعبة، والثوري، وابن عيينة، وغيرهم. توفي سنة اثنين وثلاثين ومائتين (٣). ومسروق: هو ابن الأجدع -ويقال: [ابن] (٤) عبد الرحمن والأجدع لقب، ويقال أن عمر ﵁ غير اسمه وسماه عبد الرحمن- بن مالك بن أمية بن عبد الله الهمداني الكوفي أبو عائشة.

стр. 853

سمع: ابن مسعود، وعبد الله بن عمرو، والمغيرة بن شعبة، وعائشة. وروى عنه: عبد الله بن مرة، والشعبي، وأبو الشعثاء، وأبو الضحى، وأبو وائل، وإبراهيم النخعي. توفي سنة ثلاث وستين، وقيل: سنة اثنتين (١). وحديث ابن مسعود ليس فيه تصريح بالرفع إلى النبي ﷺ والأشبه بما سيق أن مسروقًا رأى ابن مسعود يطوف كذلك، ويجوز أن يكون المعنى أن ابن مسعود رأى النبي ﷺ ، وجملة ما في الحديث وهي الابتداء بالحجر واستلامه والأخذ عن اليمين والرمل، وإقامة ركعتي الطواف مروية عن النبي ﷺ بروايات صحيحة، فعن جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ثم مشى على يمينه [فرمل] (٢) ثلاثًا ومشى أربعًا (٣). وعن جابر: رأيت رسول الله ﷺ يرمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف (٤). وعن ابن عمر عن رسول الله ﷺ ؛ أنه كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم سعى ثلاثة أطواف ومشى أربعًا، ثم يصلي سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة (٥). وأما الأثر عن ابن عباس، فقد رواه أبو العباس الأصم: يلبي

стр. 854

المعتمر حتى يفتتح الطواف مشيًا أو غير مشيٍ، وهو تصحيف منه، والصواب: مستلمًا أو غير مستلم، وكذلك هو في "الأم" (١) ويروى بالإسناد المذكور عن ابن عباس أنه قال في المعتمر: يلبّي حتى يستلم الركن (٢). ويروى: حتى يستلم الحجر. وقصد الشافعي بإيراد الأثر في هذا الموضع بيان أن الطواف يبتدأ به من الحجر إما مع الاستلام أو دونه، وفيه أن المعتمر يلبّي من أول الإحرام حتى يبتديء بالطواف فإذا ابتدأ به قطعه، وروى الأثر عطاء عن ابن عباس أيضًا (٣)، ورواه بعضهم عن عطاء عن ابن عباس مرفوعًا؛ أن النبي ﷺ كان يلبي في العمرة حتى يستلم الحجر، وفي الحج حتى يرمي الجمرة (٤). ويروى مثله عن أبي بكرة (٥) عن النبي ﷺ .

стр. 855

الأصل [٥٩٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن ابن (١) جعفر قال: رأيت ابن عباس جاء يوم التروية مسبدًّا رأسه فقبّل الركن ثم سجد عليه ثم قبله ثم سجد عليه ثلاث مرات (٢). [٥٩٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: هل رأيت [أحدًا] (٣) من أصحاب رسول الله ﷺ إذا استلموا قبلوا أيديهم؟ فقال: نعم، رأيت جابر بن عبد الله وابن عمر وأبا سعيد الخدري وأبا هريرة إذا استلموا قبلوا أيديهم. قلت: وابن عباس؟ قال: نعم، وحسبت وكثيرًا. قلت: هل تدع أنت إذا استلمت أن تقبل يدك؟ قال: فلِمَ استلمه إذًا؟ (٤). الشرح ابن جعفر: هو محمَّد بن عباد بن جعفر، وقد سبق ذكره في أول الكتاب.

стр. 856

وقد روى أبو داود الطيالسي (١) وأبو عاصم النبيل (٢) عن جعفر بن عبد الله بن عثمان القرشي قال: رأيت محمَّد بن عباد بن جعفر قبّل الحجر وسجد عليه، ثم قال: رأيت ابن عباس يقبّله ويسجد عليه، وقال ابن عباس: رأيت عمر بن الخطاب قبله وسجد عليه، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل هكذا ففعلت. ويوم التروية قيل: سمي بذلك لأن الناس [يرتوون] (٣) فيه الري من الماء بمكة، وقيل: لأنهم يروون فيه عمل حجهم ويتحدثون فيه ويتعرفونه، والتسبيد: عن الأصمعي أنه الحلق واستئصال الشعر، وعن أبي عبيد أنه ترك التدهن وغسل الرأس، وهذا أليق باليوم. وتقبيل الحجر الأسود سنة مشهورة، وقد صح عن عمر ﵁ من رواية عابس بن ربيعة النخعي عنه أنه جاء إلى الحجر فقبله، وقال: إني لأعلم أنك حجر ولا تنفع ولا تضر ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك (٤). وأما السجود عليه ففيه ما قدمناه موقوفًا ومرفوعًا، وعن عكرمة

стр. 857

عن ابن عباس قال: "رأيت النبي ﷺ يسجد على الحجر" (١). ولا يتأتى السجود على الحجر كما هو تمام السجود وهو مركّب في موضعه، فكأن المراد وضع الجبهة والخدّ عليه، وقد ورد وضع الخدّ على الركن اليماني في بعض الروايات وحمل ذلك على الأسود لأنهما جميعًا يسميان يمانيين. واستلام الحجر في الطواف محبوب وبه يفتتح، ففي "الصحيحين" (٢) عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ حين يقدم مكة يستلم الركن الأسود أول ما يطوف يخب (٣) ثلاثة أطواف من السبع. وفي قصة إسلام أبي ذر: كنت بين الكعبة وأستارها فدخل رسول الله ﷺ المسجد فبدأ بالحجر فاستلمه، ثم طاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين (٤). والاستلام افتعال من السلام وهو التحية كأنه تحيته (٥) بذلك، ويذكر أن أهل اليمن يسمون الركن الأسود المحيا؛ لأن الناس يحيونه، وقيل: هو افتعال من السِّلام -بكسر السين- وهي الحجارة، والمراد:

стр. 858

لمسه كما يقال: اكتحل من الكحل، وإذا منعت الزحمة من التقبيل وأمكنه الاستلام فيستلمه ويقبل يده بعد الاستلام كما رواه عطاء عن غير واحد من الصحابة، وفي "صحيح مسلم" (١) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي خالد الأحمر عن عبيد الله بن عمر عن نافع قال: رأيت ابن عمر استلم الحجر بيده وقبّل يده وقال: ما تركته منذ رأيت النبي ﷺ يفعله. وقوله: "وحسبت وكثيرًا" أي: وحسبته قال: وكثيرًا. الأصل [٥٩٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد، عن موسى بن عبيدة، عن محمَّد بن كعب، أن رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ كان يمسح الأركان كلها ويقول: لا ينبغي لبيت الله أن يكون شيء منه مهجورًا، وكان ابن عباس يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢). [٥٩٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: إذا وجدت على الركن زحامًا فانصرف ولا تقف (٣). [٥٩٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن منبوذ بن أبي سليمان، عن أمه أنها كانت عند عائشة زوج النبي ﷺ أم المؤمنين فدخلت عليها مولاة لها فقالت: يا أم المؤمنين طفت بالبيت سبعًا واستلمت الركن مرتين أو ثلاثًا.

стр. 859

فقالت لها: لا آجرك الله لا آجرك الله، تدافعين الرجال ألا كبّرت ومررت (١). [٦٠٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد، أخبرني موسى بن عبيدة الربذي، عن محمَّد بن كعب أن ابن عباس كان يمسح على الركن اليماني والحجر وكان ابن الزبير يمسح الأركان كلها ويقول: لا ينبغي لبيت الله أن يكون شيء منه مهجورًا، وكان ابن عباس يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢). الشرح موسى: هو ابن عبيدة بن نشيط بن عبيد بن الحارث الربذي، مولى بني عامر بن لؤي، يقال له: أبو عبد العزيز. روى عن: أخيه عبد الله بن عبيدة الربذي وغيره، وقد تكلم أحمد بن حنبل في موسى (٣). وعمر: هو [ابن] (٤) سعيد بن أبي حسين القرشي النوفلي المكي. سمع: ابن أبي مليكة. وسمع منه: الثوري، وابن المبارك، والضحاك بن مخلد (٥) ومنبوذ بن أبي سليمان، ويقال: ابن سليمان مكي.

стр. 860

روى عن: أمه، ويقال أنه مولى بني عامر بن لؤي القرشي (١). ومقصود هذه الآثار مسألتان: إحديهما: فيما يمسح ويستلم من الأركان، وقد ثبت عن ابن عمر ﵁، أن النبي ﷺ كان لا يستلم من البيت إلا الركنين اليمانين، (٢) ويروى "إلا الحجر والركن اليماني" (٣) وحديثه مودع في "الصحيحين" من طرق، وروى ابن عباس مثل ذلك وحديثه مودع في "صحيح مسلم" (٤). وعن يعلى بن أمية قال: طفت مع عمر ﵁، فلما بلغنا الركنين الغربيين قلت: ألا تستلم؟ فقال: ألم تطف مع رسول الله ﷺ ؟ قلت: بلى، قال: أفرأيته يستلم؟ قلت: لا، قال: ذلك في رسول الله أسوة حسنة (٥). وكان ابن الزبير يستلم الأركان كلها (٦). والرجل المبهم (٧) ذكره أولًا المراد منه ابن الزبير على ما هو مبين آخرًا، ويروى عن معاوية أنه كان يستلمها جميعًا أيضًا ويقول: ليس

стр. 861

شيء منها مهجور (١). والأحب عند الشافعي ما صح في رواية ابن عمر وابن عباس، قال: وترك الاستلام ليس بهجران بدليل ما بين الأركان (٢). والفرق بين الركنين اليمانيين وبين اللذين يليان الحجر أن اللذين يليان الحجر ليسا على قواعد إبراهيم على ما سيأتي. والثانية: في الاستلام عند الزحام: وإنما يؤمر بالاستلام إذا تيسر فأما إذا كان هناك زحام وكان يؤذي ويتأذى لو اشتغل بالاستلام فلا يؤمر به، روي أنه ﷺ قال لعبد الرحمن بن عوف: "وكيف صنعت يا أبا محمَّد في استلام الركن الأسود"؟ فقال عبد الرحمن: استلمت وتركت، فقال ﷺ : "أصبت" (٣). قال الشافعي: أراد استلمت في غير الزحام وتركت في الزحام. وروي أنه ﷺ قال لعمر ﵁: "يا أبا حفص إنك رجل قوي فلا تزاحم على الركن فإنك تؤذي الضعيف، ولكن إن وجدت خلوة فاستلم، وإلا فكبِّر وامض" (٤). ويوافق ذلك الأثر عن ابن عباس وعائشة ﵄.

стр. 862

وقولها: "تدافعين" أي: الناس. الأصل [٦٠١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم القداح، عن ابن جريج، عن يحيى بن عبيد مولى السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن السائب، أنه سمع النبي ﷺ (يقول) (١) فيما بين ركن بني جمح والركن الأسود: " ﴿رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ " (٢). الشرح يحيى بن عبيد يعد في أهل مكة، روى عن: أبيه، وروى عنه: ابن جريج (٣). وأبوه عبيد، روى عن: عبد الله بن السائب ويشبه أن يكون السائب المضاف إليه بأنه مولاه والد عبد الله (٤). وعبد الله: هو ابن السائب بن أبي السائب المخزومي القاري -من بني قارة- العابديّ أبو عبد الرحمن، من أصحاب النبي ﷺ . روى عنه: عبد الله بن عمرو، وابن أبي مليكة، وغيرهما. مات زمن ابن الزبير، ويقال أن كنيته أبو السائب (٥).

стр. 863

وأبوه السائب صحابي أيضًا، وهو الذي يقال أنه كان شريك النبي ﷺ ، واسم أبي السائب صيفي بن عابد بن عبد الله بن مخزوم. والحديث (١) رواه عن ابن جريج كما رواه سعيد بن سالم: أبو عاصم وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روَّاد، ورواه البخاري في "التاريخ" (٢) معلقًا كذلك، ومنهم من رواه عن سفيان عن ابن جريج عن يحيى بن عبيد عن أبيه عن السائب بن عبد الله عن النبي ﷺ ، ومنهم من رواه عن ابن جريج عن يحيى بن عبيد عن أبيه عن عبد الله بن السائب عن أبيه السائب قال: سمعت النبي ﷺ ... ، والصحيح من الروايات الأولى. وركن بني جمح: هو اليماني، وفي بعض روايات الحديث: "بين الركن اليماني والحجر". واستحب الشافعي أن يقول في رمَله: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكورًا، وأن يقول في الأشواط الأربعة: اللهم اغفر وارحم واعف عمَّا تعلم فأنت الأعز الأكرم، ربَّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (٣).

стр. 864

الأصل [٦٠٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن حنظلة، عن طاوس أنه سمعه يقول: سمعت ابن عمر يقول: أقلُّوا الكلام في الطواف فإنما أنتم في الصلاة (١). [٦٠٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء قال: طفت خلف ابن عمر وابن عباس فما سمعت واحدًا منهما متكلمًا حتى فرغ من طوافه (٢). الشرح قوله: "أقلّوا الكلام" يفهم شيئين: أحدهما: أن أصل الكلام لا يبطل الطواف، ويروى عن إبراهيم بن نافع الأعور قال: طفت مع طاوس فكلمته في الطواف وكلمني (٣)، قال الشافعي: وبلغنا أن رسول الله ﷺ تكلم في الطواف وكُلِّم (٤). والثاني: أنه يستحب أن يقل الكلام ويشتغل بتلاوة القرآن وذكر الله تعالى تعظيمًا للبيت ورجاءً للثواب، وإن ترك الكلام أصلًا وأقبل على الذكر والتلاوة كان أولى. وقوله: "فإنما أنتم في صلاة" أراد به ما روي عن عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا ومرفوعًا عن النبي ﷺ "إن الطواف بالبيت صلاة إلا أنه قد أذن فيه بالنطق، فمن استطاع أن لا ينطق إلا بخير فليفعل" (٥).

стр. 865

والمعنى فيه أنه يعتبر فيه طهارة الحدث والخبث وستر العورة كما في الصلاة. الأصل [٦٠٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير المكي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه سمعه يقول: طاف رسول الله ﷺ في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة ليراه الناس وليشرف لهم أن الناس غشوه (١). [٦٠٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ طاف بالبيت على راحلته واستلم الركن بمحجنه (٢). [٦٠٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن ابن أبي ذئب، عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ بمثله (٣). [٦٠٧] أبنا سعيد، عن ابن جريج، أخبرني عطاء؛ أن رسول الله ﷺ

стр. 866

طاف بالبيت وبالصفا والمروة راكبًا، فقلت: ولِمَ؟ قال: لا أدري، قال: (ثم) (١) نزل فصلي ركعتين (٢). [٦٠٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن الأحوص بن حكيم رأيت أنس بن مالك يطوف بين الصفا والمروة على حمار (٣). الشرح شعبة مولى عبد الله بن عباس. روى عنه: داود بن الحصين، وبكير بن الأشج، وابن أبي ذئب، وذكر البخاري في "التاريخ" أن مالك بن أنس سئل عنه فقال: ليس بثقة (٤). والأحوص هو: ابن حكيم بن عمير (الشيباني) (٥). روى عن: أبيه، وعن أنس بن مالك، وطاوس، وخالد بن معدان. وروى عنه: ابن عيينة، وعيسى بن يونس، وزهير بن معاوية (٦). وحديث أبي الزبير عن جابر رواه مسلم في "الصحيح" (٧) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن علي بن مسهر عن ابن جريج، وأبو داود (٨) عن

стр. 867

أحمد بن حنبل عن يحيى عن ابن جريج وقال: "ليراه الناس وليشرف ويسألوه فإن الناس غشوه". وحديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أخرجه البخاري (١) وأبو داود (٢) عن أحمد بن صالح عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب، ومسلم (٣) عن أبي الطاهر عن ابن وهب، وفي الباب [عن] (٤) عائشة وأبي الطفيل وصفية بنت شيبة. وفي الفصل بيان أن النبي ﷺ طاف راكبًا، وأن الطواف راكبًا جائز وإن كان الأفضل أن يطوف ماشيًا، بل أطلق الشافعي في "الأم" (٥) القول بكراهة الطواف راكبًا من غير عذر. ولمَ ركب النبي ﷺ ؟ قيل: لمرض كان به، ويروى عن عكرمة عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ قدم مكة وهو يشتكي فطاف بالبيت على راحلته، كلما أتى على الركن استلمه بمحجن معه، فلما فرغ من طوافه أناخ وصلى ركعتين (٦). وحديث جابر (٧) على أنه إنما ركب ليشرف على الناس فيسألوه ويستفتوا منه، وكانوا قد ازدحموا عليه. وقوله: "أن الناس غشوه" أي غطوه لازدحامهم، يقال: غشيت

стр. 868

العجاجة (١) القوم إذا غطتهم وعلت عليهم، والغشاوة: الغطاء، ثم يجوز أن يقرأ إن الناس بكسر الهمزة على الابتداء والأحسن أن تقرأ بالفتح ذهابًا إلى التعليل؛ أي لأن الناس غشوه، ويوافقه رواية من روى: "فإن الناس غشوه" وهذا المعنى الثاني أصح ويقويه ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: طاف النبي ﷺ في حجة الوداع حول الكعبة علي بعيره يستلم الركن كراهية أن يصرف الناس عنه (٢)، ويروى "أن يضرب بين يديه الناس" ومعناه أن الماشي إذا ازدحم عليه الناس تدعو الحاجة إلى صرف بعضهم بالضرب والزجر، وكان لا يضرب الناس بين يديه فركب لئلا يحتاج إليه. وعن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: يزعم قومك أن رسول الله ﷺ قد طاف بين الصفا والمروة على بعيره وأن ذلك سنة؟ فقال: صدقوا وكذبوا، قلت: ما صدقوا وكذبوا؟! قال: صدقوا؛ قد طاف على بعيره، وكذبوا؛ ليس بسنة إن رسول الله ﷺ كان لا يدفع عنه الناس ولا يصرفون فطاف على بعيره ليروا مكانه ولا تناله أيديهم (٣). فاختلفت الرواية عن ابن عباس وبقي حديث جابر وعائشة سليمين عن المعارض.

стр. 869

وفي حديث عبيد الله عن ابن عباس استلام الركن بالمحجن، والمِحْجَنُ: عود معقَّف الرأس يحرك الراكب به راحلته ويتناول الشيء ويجره إلى نفسه، يقال: حَجَنْتُ الشيء واحْتَجنته إذا جذبته وضممته إلى نفسك، فيستحب للراكب أن يضع ما في يده على الحجر إذا انتهى إليه في كل طوفة، أو يشير به ثم يقبل الذي في يده. وقول عطاء وقد سئل: لم ركب النبي ﷺ في طوافه وسعيه: "لا أدري" كأنه صدر عن توقف منه في أن ركوبه كان لمرض أو للزحمة على ما بيَّناه، وقد يستدل بقوله: "ثم نزل فصلى ركعتين" على وجوب ركعتي الطواف؛ لأنه لولا الوجوب لأشبه أن يصليهما على الراحلة، وكأن علته أن الزحمة عند السير أشق من الزحمة في وقت المكث والإقامة؛ لما في السَّير من تواصل الحركات وتصادم السائرين، فلعله لذلك ركب في الطواف ونزل في حالة السكون والإقامة ليؤدي الركعتين على الوجه الأفضل. ولا يخفى عليك إذا تأملت في ألفاظ الفصل أن السعي بين الصفا والمروة يسمَّى طوافًا بينهما وقد ورد به القرآن، قال الله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (١). الأصل [٦٠٩] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه؛ أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه أن يهجِّروا بالإفاضة، وأفاض في نسائه ليلًا على راحلته يستلم الركن بمحجنه -أحسبه قال: ويقبل طرف المحجن (٢).

стр. 870

الشرح التهجير: السير في الهاجرة، والهاجرة والهجير: نصف النهار، وفسر بعضهم التهجير إلى الصلاة بالتبكير إليها. واستدل الشافعي بالحديث مع إرساله على أن ركوب النبي ﷺ كان في طواف الإفاضة يوم النحر، وذكر أنه في طواف القدوم رمل ومشى لما روي؛ أنه ﷺ رمل فيه ثلاثًا ومشى أربعًا (١). وإنما يظهر هذا الاستدلال إذا قيل أن الراكب لا يزيد بتحريك الدابة، وفيه اختلاف العلماء، قال الحافظ أبو بكر البيهقي: والذي روي أنه ﷺ كان بين الصفا والمروة راكبًا فالمراد منه -والله أعلم- سعيه بعد طواف القدوم ولم يحفظ أنه طاف بين الجبلين بعد طواف الإفاضة (٢). ومن سعى بعد طواف القدوم لا يعيد السعي بعد طواف الإفاضة، ودلت الآثار على أنه مشى في بعض أعداد سعيه بعد طواف القدوم ماشيًا فلما كثر عليه الناس وازدحموا ركب في باقيه. وأما قوله: "وأفاض في نسائه ليلًا ... إلى آخره" فإن ظاهره أن النبي ﷺ طاف طواف الإفاضة ليلًا وذلك جائز؛ فإن طواف الإفاضة يدخل وقته بانتصاف ليلة النحر، لكن الثابت من فعل النبي ﷺ أنه رمى جمرة العقبة ضحوة وأتى مكة بعد ذلك وطاف، والله أعلم. الأصل [٦١٠] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد، عن ابن جريج،

стр. 871

عن ابن أبي مليكة أن عمر بن الخطاب ﵁ استلم الركن ليسعا ثم قال: لمن نبدي الآن مناكبنا ومن نرائي، قد أظهر الله الإِسلام، والله على ذلك لأسعين كما سعى (١). [٦١١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يرمُل من الحجر إلى الحجر ثم يقول: هكذا يفعل رسول الله ﷺ (٢). [٦١٢] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج عن عطاء؛ أن رسول الله ﷺ سعى في عُمره كلهن الأربع بالبيت وبالصفا والمروة إلا أنهم ردوه في الأولى والرابعة من الحديبية (٣). [٦١٣] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء؛ أن رسول الله ﷺ رمَل من سبعةٍ ثلاثة أطوافٍ خببًا ليس بينهن مشي (٤). [٦١٤] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء قال: سعى أبو بكر في حجه عام حجَّ إذ بعثه النبي ﷺ قال: ثم أبو بكر وعمر وعثمان والخلفاء هلم جرّا يسعون كذلك (٥). الشرح من الهيئات المسنونة في الطواف الرمل والاضطباع، والرَّمَل: الإسراع في المشي مع تقارب الخطى، ويقال له: الخبب أيضًا ولا

стр. 872

ينتهي ذلك إلى العدو والوثوب، والاضطباع: أن يدخل رداءه تحت منكبه الأيمن ويلقي طرفيه على منكبه الأيسر ويترك المنكب الأيمن مكشوفًا، ويقال له: التأبط أيضًا. أما استحباب الرمل فلحديث ابن عمر وفي رواية "الكتاب" اختصار، وإنما يستحب الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى؛ ففي "صحيح مسلم" من رواية عبيد الله بن عمر أخي عبد الله عن نافع عن ابن عمر قال: رمل رسول الله ﷺ من الحجر إلى الحجر ثلاثًا ومشى أربعًا (١). وعن [سريج] (٢) بن النعمان [عن] (٣) فليح عن نافع عن ابن عمر قال: سعى النبي ﷺ ثلاثة أشواط ثم مشى أربعة في الحج والعمرة (٤). وعن كثير بن فرقد عن نافع أن ابن عمر كان يخب في طوافه حين يقدم في حج أو عمرة ثلاثًا ويمشي أربعًا، قال: وكان رسول الله ﷺ يصنع ذلك (٥). وعن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله ﷺ يرمل من الحجر الأسود حتى ينتهي إليه ثلاثة أطواف (٦). وللشافعي قولان في أن الرمل يختص بطواف القدوم، أو هو مسنون في كل طواف يعقبه السعي؟ أظهرهما عند أكثر الأصحاب الثاني. وأما الاضطباع فعن يعلى بن أمية قال: رأيت النبي ﷺ يطوف

стр. 873

بالبيت مضطبعًا (١). وعن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت فاضطبعوا أرديتهم تحت آباطهم وعلى عواتقهم (٢). ولا يختص الاضطباع ببعض الأشواط بخلاف الرمل، بل يديمه إلى آخر السعي بين الصفا والمروة، وكان سبب الرمل والاضطباع في الأصل أن رسول الله ﷺ وأصحابه قدموا مكة وقد وهَّنتهم الحمى، فقال المشركون: يقدم عليكم غدًا قوم قد وهَّنتهم الحمى ولقوا منها شدة، فأمرهم النبي ﷺ بالرمل والاضطباع ليرى المشركون جلدهم. قال ابن عباس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا في الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم (٣). وإلى هذا المعنى يتوجه قول عمر ﵁: "لمن نبدي الآن مناكبنا ومن نرائي" ويروى أنه قال: ما لنا وللرمَل وإنما كنا نرائي به المشركين وقد أهلكهم الله تعالى ثم قال: شيء صنعه رسول الله ﷺ فلا نحب أن نتركه (٤).

стр. 874

وهذا معنى قوله: "والله على ذلك لأسعين كما سعى" أي: والله مع ذلك لأقتدين بسعي رسول الله ﷺ وأرمُلن كرمله. وقوله: "استلم الركن ليسعى" يمكن أن يحمل على الاستلام المسنون في آخر الطواف ويحمل على السعي بين الصفا والمروة، ويمكن أن يحمل على الاستلام المسنون في أول الطواف ويحمل السعي على الرمل، وهو الأشبه والأوفق للمراد من السعي في الآثار المذكورة في الفصل. وقول عطاء: "سعي في عُمره كلهن الأربع" أراد به ما اشتهر من اعتمار النبي ﷺ ففي "الصحيح" (١) عن قتادة قال: قلت لأنس بن مالك: كم من حجة حجها النبي ﷺ ؟ قال: حجة واحدة، واعتمر أربع عُمَر: عمرته [التي (٢) صده] المشركون عن البيت، والعمرة الثانية حين صالحوه فرجع من العام المقبل، وعمرة من الجعرانة حين قسم غنائم حنين، وعمرة مع حجته. وقوله: "إلا أنهم ردوه في الأولى الرابعة" كأنه سمَّاها أولى لتقدمها زمانًا، وهي رابعة إذا وقع العدّ من الطواف الأول، وكان قد خرج ﷺ معتمرًا فلذلك تعد عمره أربعًا إلا أنه صدَّ عن الأولى فلم يأت بأعمالها فلذلك قال عطاء: سعى منها إلا أنهم ردّوه في (الأولى) (٣)، والمراد من السعي: الإسراع في الأشواط الثلاثة وبين الجبلين في موضعه. وقوله: "رمَل من سبعة" يعني من الأشواط السبعة، والخبب

стр. 875

كالرمل كما قدمنا، يقال منه: خبَّ يخبُّ خبًّا وخببًا وخبيبًا. وقوله: "ليس بينهن مشي" فيه ما يدل على أن الثلاثة الأولى تستوعب بالرمَل، وعن الشافعي قول: أنه يترك الرمَل في كل طوفة بين الركنين اليمانيين، والظاهر الأول. قوله: "وسعى أبو بكر ... إلى آخره" أراد به الإسراع المذكور في الطواف بالبيت وبين الجبلين. وقوله: "والخلفاء هلم جرًّا" لا يريد ممن بعدهم إلى الآن كما يقال: كان ذلك عام كذا وهلم جرًّا. الأصل [٦١٥] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سعيد، عن ابن جريج، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ أنه قال: ليس على النساء سعي بالبيت ولا بين الصفا والمروة (١). الشرح عنى بالسعي الإسراع المذكور، ولا يستحب ذلك للنساء تسترًّا وتحرزًّا عن المصادمة، وروي عن عائشة ﵂ أنها رأت نساءً يسعين بالبيت فقالت: أما لكُنَّ فينا أسوة، ليس عليكن سعي (٢). وعن عطاء أنه سئل عن السعي للنساء فأنكره إنكارًا شديدًا. وفي قول ابن عمر وعائشة: "ليس على النساء سعي" ما يدل على صحة القول بأن على الرجال سعيًا، وفيه تصحيح القول بأن على المكلف الإتيان بالسنة كما أن عليه الإتيان بالواجب.

стр. 876

الأصل [٦١٦] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله [أن] (١) عبد الله بن محمَّد بن أبي بكر، أخبر عبد الله بن عمر، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "ألم تري أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم ﷺ "؟ فقلت: يا رسول الله أفلا (تردها) (٢) على قواعد إبراهيم؟ قال: "لولا حدثان قومك بالكفر لرددتها على ما كانت". قال ابن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله ﷺ ما أرى رسول الله ﷺ ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم ﷺ (٣). [٦١٧] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، أبنا هشام، عن طاوس -فيما أحسب أنه قال- عن ابن عباس أنه قال: الحجر من البيت، وقال الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وقد طاف رسول الله ﷺ من وراء الحجر (٤). [٦١٨] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، أبنا عبيد الله بن أبي يزيد، أخبرني أبي قال: أرسل عمر ﵁ إلى شيخ من بني زهرة فجئتُ معه إلى عمر وهو في الحجر، فسأله عن ولاد من ولاد الجاهلية؟ فقال الشيخ: أما النطفة فمن فلان، وأما الولد فعلى فراش فلان، فقال عمر: صدقت، ولكن رسول الله ﷺ قضى بالولد للفراش، فلما ولَّى

стр. 877

الشيخ دعاه عمر فقال: أخبرني عن بناء البيت. فقال: إن قريشًا كانت تقوّت لبناء البيت فعجزوا فتركوا بعضها في الحجر، قال له عمر: صدقت (١). الشرح عبد الله هو ابن محمَّد بن أبي بكر الصديق التيمي. سمع: عائشة. وروى عنه: سالم، ونافع مولى ابن عمر (٢). وهشام هو ابن حجير، وقد مرَّ له ذكر. وعبيد الله بن أبي يزيد: هو المكي مولى أهل مكة، وقيل: آل قارظ بن شيبة حلفاء بني زهرة. سمع: ابن عباس، ومجاهدًا، ونافع بن جبير. وروى عنه: ابن عيينة، وحماد بن زيد، وابن جريج. ومات سنة ست وعشرين ومائة (٣). وأبوه أبو يزيد. سمع: عمر بن الخطاب، وسباع بن ثابت (٤). وحديث عبد الله بن محمَّد بن أبي بكر مودع في "الموطأ" (٥). وأخرجه البخاري (٦) عن القعنبي، ومسلم (٧) عن يحيى بن يحيى

стр. 878

بروايتهما عن مالك، وروى معنى الحديث عن عائشة كما رواه عبد الله بن محمَّد بن أبي بكر: عبد الله وعروة ابنا الزبير، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، والأسود بن يزيد، واللفظ في رواية عبد الله بن الزبير: قال النبي ﷺ : "يا عائشة لولا أن قومك حديثوا عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين بابًا شرقيًّا وبابًا غربيًّا، وزدت فيه ستة أذرع من الحجر، فإن قريشًا اقتصرت بها حين بنت الكعبة" (١). وفي رواية عروة: "لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت ثم لبنيته على أساس إبراهيم، فإن قريشًا استقصرت بناءه وجعلت له خلفًا قال هشام بن عروة: يعني بابًا من خلفه يخرج منه الناس إذا دخلوا البيت من وجهه (٢). وفي رواية الأسود بن يزيد قالت عائشة: سألت النبي ﷺ عن الجَدْرِ: أمن البيت هو؟ قال: نعم. قلتُ: فلمَ لم يدخلوه البيت؟ قال: إن قومك قصرت بهم النفقة. قلتُ: فما شأن بابه مرتفعًا؟ قال: فعل ذلك قومك؛ ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، ولولا أن قومك حديث عهد بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت أن أدخل الجَدْر في البيت وأن ألصق بابه بالأرض (٣). و"الصحيح" يشتمل على هذِه الروايات.

стр. 879

والأثر عن ابن عباس رواه الحميدي (١) عن سفيان من غير تردد وذكر حسبان. وأما متن الحديث فقوله: "إن قومك" يريد قريشًا، ونسب القوم إليها لأنها منهم، وكما أن الواحد من القبيلة ينسب إليها فقد تنسب القبيلة إلى الواحد، فيقال: هم قبيلته ورهطه. وقوله: "اقتصروا عن قواعد إبراهيم" أي نقصوا منها وحبسوا عن بنائه فقنعوا بما بنوه، يقال: قصر من الشيء واقتصر واستقصر أي: نقص، وقصرتُ الشيء أقصره قصرًا: حبسته، وقصرت عن الشيء قصورًا: عجزتُ عنه فلم أبلغه، يقال: قصر السهم عن الهدف، وقصرت الشيء على كذا إذا لم تجاوزه إلا غيره، واقتصرتُ على كذا: قنعت به ولم أطلب غيره. وقوله: "لولا حدثان قومك بالكفر" أي: حداثة عهدهم به كما صرح به في رواية عروة، وهو مصدر حدّث، وحدثان السيل: أوله، ويقال: افعل كذا بحدثانه وحداثته أي: في أوله وطراءته. وفي إخبار عبد الله بن محمَّد بن أبي بكر عبد الله بن عمر بما سمع من عائشة ما يبين أن التابعين كانوا ربما حدثوا الصحابة وكان الصحابة يتعرفون منهم ما لم يبلغهم، ولما سمعه ابن عمر استنبط منه المعنى الفارق بين الركنين اليمانيين وبين اللذين يليان الحجر حيث استلمهما النبي ﷺ تبرُّكًا بأساس إبراهيم ولم يستلم الآخرين لقصورهما. وقوله: "لئن كانت عائشة سمعت هذا" يشبه أن لا يريد به الشك والتردد، بل يريد إذ سمعت أو نحوه.

стр. 880

واحتج بالحديث على أنه يجوز أن يترك ما هو المختار والأفضل خشية إنكار الناس ووقوعهم في الفتنة. وقول ابن عباس: "الحجر من البيت" يقتضي ظاهره كون جميع الحجر من البيت، وكذا ظاهر ما رواه الأسود "أنه سئل عن الجدْر: أمن البيت هو؟ قال: نعم" فالجَدْر: الجدار، وأرادت به الحجر لكن جميعه ليس من البيت، بل الذي هو من البيت قدر ستة أذرع على ما سبق في رواية ابن الزبير، وفي رواية عطاء عن ابن الزبير عن عائشة "خمسة أذرع" (١) وفي رواية عبد الله بن عبيد بن عمير عن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة عن عائشة "قريبًا من سبعة أذرع" (٢). والأشهر الستة. قال الشافعي: سمعت عددًا من أهل العلم من قريش يذكرون أنه ترك من الكعبة في الحجر نحو من ستة أذرع (٣). وعن جرير بن حازم، عن يزيد بن رومان قال: رأيتُ حين هدم ابن الزبير الكعبة بنيان إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل، فقال جرير: فقلت له: أين موضعه؟ قال: أريكه الآن، فأدخلني الحجر وقال: ها هنا مشيرًا إلى مكان فحرزت من الحجر ستة أذرع أو نحوها. واستُدل بقوله في رواية ابن الزبير: "فألزقتها بالأرض وجعلت لها بابين" على أن الناس ينبغي أن لا يحجبوا عن البيت، ويمكَّنوا من دخوله متى شاءوا، كما أن من أراد دخول الحجر الذي بعضه من البيت لا يجوز منعه منه.
следующие страницы →