الأشعري ﵁ وأبي مجلز وحميد الأعرج. وحكي عن سعيد بن المسيب أنه كان ينام مرارًا مضطجعًا ينتظر الصلاة ثم يصلي ولا يعيد (١).
مغ ج ١ ص ١٦٢، ١٦٥. بداية ج ١ ص ٤٩، القرطبي ج ٥ ص ٢٢١.
باب في الوضوء من غسل الميت
مسألة (٦٧) أكثر الفقهاء على أنه لا ضوء من غسل الميت (٢). وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي.
وقال إسحاق بن راهويه وإبراهيم النخعي: فيه الوضوء. وروي ذلك عن ابن عُمَرَ وابن عباس وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم، وروي عن أحمد ما يحتمل القولين.
مغ ج ١ ص ١٨٤.
باب في الردة عن الإسلام هل تنقض الوضوء ؟
مسألة (٦٨) جمهور العلماء على أن الردة لا تنقض الوضوء. وهو مذهب الشافعي.
وقال الأوزاعي وأحمد وأبو ثور وأبو داود: تنقض (٣).
مج ج٢ ص ٦٢.
باب في الشك في الحدث هل ينقض الوضوء ؟
مسألة (٦٩) جمهور العلماء على أن من تيقَّن الطهارة وشك في الحدث فإنه لا وضوء عليه ويبنى على يقينه وسواء كان هذا الشك داخل الصلاة أو خارجها، وبه يقول الثوري وأهل العراق والأوزاعي والشافعي. وهو مذهب أحمد ﵀.
وحكى الماوردي وغيره عن الحسن البصري أنه إن شكَّ وهو في الصلاة فلا وضوء عليه وإن كان في غيرها لزمه الوضوء. وهو وجه لبعض الأصحاب في المذهب الشافعي حكاه المتولي والرافعي.
وعن مالك ثلاث روايات: إحداها كقول الحسن، والثانية يلزمه الوضوء بكل حال والثالثة: يُستحب. حكاها النووي عنه وحكى بعضها الماوردي وابن قدامة.
стр. 72
مج ج٢ ص ٦٥، مغ ج ١ ص ١٩٣، الحاوي ج ١ ص ٢٠٧.
باب في الوضوء من قص الشارب وتقليم الظفر ونحوه
مسألة (٧٠) جمهور العلماء على أن قصَّ الشارب وتقليم الظفر ونتف الإبط لا ينقض شيءٌ من ذلك الوضوء، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد.
وحُكي عن مجاهد والحكم وحماد خلاف ذلك.
مغ ج ١ ص ١٩٦.
باب في القهقهة في الصلاة هل تنقض الوضوء (١)
مسألة (٧١) جمهور العلماء من التابعين ومن بعدهم على أن القهقهة في الصلاة لا تبطل الوضوء، وبه قال من الصحابة عبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله وأبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهم. وروى البيهقي عن أبي الزناد قال: أدركت من فقهائنا الذين ينتهي إلى قولهم سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمَّد وأبا بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن ثابت وعبد الله بن عبيد الله بن عتبة وسليمان بن يسار ومشيخةٍ جلة سواهم يقولون: الضحك في الصلاة ينقضها ولا ينقض الوضوء.
قال البيهقي: وروينا نحوه عن عطاء والشعبي والزهري. وحكاه الماوردي عن مالك وأحمد وإسحاق. وحكاه غيره عن محكول وأبي ثور وداود.
وقال الحسن البصري وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: القهقهة تبطل الوضوء والصلاة، وعن الأوزاعي روايتان كالمذهبين. والله تعالى أعلم (٢).
مج ج٢ ص ٦١ بداية ج ١ ص ٥٥.
стр. 73
باب في لمس المرأة من فوق حائل. وهل فيه وضوء ؟
مسألة (٧٢) جمهور أهل العلم على أن من مسَّ امرأة من فوق حائل فإن وضوءه لا يَنتقض وسواء مسَّ بشهوةٍ أو بغير شهوةٍ وبه قال الشافعي وهو مذهب أحمد ومقتضى مذهب أبي حنيفة وصاحبيه (١).
وقال مالك والليث يَنتقض إن كان ثوبًا رقيقًا. وكذلك قال ربيعة إذا غمزها من وراء ثوب رقيق لشهوةٍ. قال المروزي: لا نعلم أحدًا قال ذلك غير مالك والليث (٢).
مغ ج ١ ص ١٩١.
باب في الوضوء من لمس المرأة
مسألة (٧٣) أكثر من بلغنا (٣) قوله من أهل العلم على أن لمس المرأة في الجملة يؤثِّر في صحة الوضوء. ثمَّ اختلف هؤلاء في اللمس الناقض للوضوء.
فذهبت طائفة كثيرة إلى أن اللمس ينقض الوضوء بإطلاق بشهوة أو بغير شهوة بقصد أو بغير قصد ما دام اللمس من غير حائل. روي هذا عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم. وبه يقول زيد بن أسلم ومكحول والشعبي والنخعي وعطاء بن السائب والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري ورييعة وسعيد بن عبد العزيز والأوزاعي في إحدى الروايتين عنه. وبه يقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه، وقال الأوزاعي في رواية: لا يَنْتقِضُ إلا أن يلمس بأحد أعضاء الوضوء. وذهبت طائفة إلى أن اللمس الناقض للوضوء هو أن يكون عن مباشرة فاحشة (يعني
стр. 74
كثيرة بأن يكونا متجردين) مع انتشار الذَّكَرِ. وبه يقول أبو حنيفة وصاحبه أبو يوسف (١).
وقالت طائفة ذاتُ عددٍ: إنما ينقض إذا كان عن شهوة قبلةً كان أو غير ذلك. وبه يقول مالك والليث وإسحاق والحكم وحماد. وروي هذا عن رييعة والثوري والشعبي والنخعي وأحمد في روايةِ، ولا فرق عند مالك وربيعة في روايةٍ عنهما إن لمس بحائل أو بغير حائل وعن عبد الملك بن الماجشون أن من تعمد مس امرأته بيده لملاعبةٍ فليتوضأ، التذَّ أو لم يلتذ.
وقال داود الظاهري: لا ينقض اللمس إلا بالعمد وخالفه ابنه في هذا وقال: لا يَنْتَقِضُ الوضوء باللمس مطلقًا. وبه قالت طائفة من السلف. روي هذا عن عليٍّ وابن عباسٍ رضي الله تعالى عنهم. وروي كذلك عن عطاء بن أبي رباح وطاوس والحسن ومسروق والثوري. وبه قال محمَّد بن الحسن صاحب أبي حنيفة رحمهم الله تعالى جميعًا. وفي المسألة أقوال أُخَرُ.
قلت: وبين القائلين بالنقض في الجملة خلاف في النقض في لمس المحارم والزوجات والصغيرات والكبيرات وفي الفرق بين اللامس وبين الملموس. وهي مسألة يطول ذكرها اكتفينا بذكر أهم معالمها وبالله التوفيق.
مج ج٢ ص ٣٠، مغ ج ١ ص ١٨٦، الحاوي ج ١ ص ١٨٣، الحجةج ١ ص ٦٥،
قرطبي ج ٥ ص ٢٢٤، المدونة ج ١ ص ١٣، إعلاء السنن ج ١ ص ٩٤.
* * *
стр. 75
فصل في ما يمتنع على المحدث فعله (ما يحرم بالحدث) (١)
باب في مس المصحف وحمله للمحدث
مسألة (٧٤) جمهور العلماء على أن مسَّ المصحف وحمله لا يجوز للمحدث.
روي عدم جواز مس المصحف للمحدث عن ابن عمر ﵁ والحسن وعطاء وطاوس والشعبي والقاسم بن محمَّد، وبه يقول مالك وأبو حنيفة وسائر أصحاب الرأي والشافعي وأحمد. قال الموفق: ولا نعلم لهم مخالفًا إلا داود فأنه أباح مسَّه.
وروي عن الحكم وحماد: يجوز مسه وحمله. وروي عنهما جواز مسه بظهر الكف دون بطنه (٢). مج ج ٢ ص ٧٤، مغ ج ١ ص ١٣٧، بداية ج ١ ص ٥٦.
* * *
стр. 76
فصل في أحكام الاستطابة والاستنجاء (التخلي)
باب في الاستنجاء من البول والغائط ونحوهما لمريد الصلاة
مسألة (٧٥) جمهور العلماء على أن الاستنجاء من البول والغائط وكل خارج من أحد السبيلين نجسٍ ملوثٍ واجب، وهو شرط في صحة الصلاة. وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وداود ومالك في روايةٍ.
وقال أبو حنيفة: هو سنَّهَ. وهو رواية عن مالك. وحكاه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والعبدري وغيرهم عن المزني، وجعل أبو حنيفة هذا أصلًا في النجاسات فما كان منها قدر درهم بغليٍّ (١) عفى عنه، وإن زاد فلا. وكذا عنده ﵀ في الاستنجاء إن زاد الخارج على درهم وجب وتعيَّنْ الماء ولا يجزيه الحجر ولا يجب عنده الاستنجاء بالحجر.
وحكي عن ابن سيرين فيمن صلى بقوم ولم يستنج. قال: لا أعلم به بأسًا. حكاه الموفق عنه ووجَّهه بما يتفق مع الجمهور أو بما يقتضي أنه سنة غير واجبٍ (٢).
مج ج ٢ ص ٩٨، مغ ج ١ ص ١٤١.
باب في الاستنجاء بغير (٣) الأحجار
مسألة (٧٦) أكثر أهل العلم على أنه يجوز الاستنجاء بغير الحجر إذا قام مقام الحجر في الإنقاء. وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد في روايةٍ.
وقال أحمد في روايةٍ وداود: لا يجزئ إلا الحجر (٤)، وهو اختيار أبي بكر
стр. 77
عبد العزيز من الحنابلة.
مغ ج ١ ص١٤٧.
باب في التخيير في الاستنجاء بين الماء والحجر
مسألة (٧٧) ذهبت الجماهير من العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى أنه يجوز الاقتصار في الاستنجاء على الماء ويجوز الاقتصار على الأحجار. والأفضل أن يجمع بينهما، وإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل، ولا فرق في الجواز -أعني الاقتصار على الأحجار- بين وجود الماء وبين عدمه، ولا فرق بين الحاضر والمسافر والصحيح والمريض. وبهذا الذي قلنا قال فقهاء الأمصار.
وحكى ابن المنذر عن سعد بن أبي وقاص وحذيفة وعبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهم أنهم كانوا لا يرون الاستنجاء بالماء. وعن سعيد بن المسيب قال: ما يفعل ذلك إلا النساء.
وقال عطاء: غسل الدبر محدث.
وحكى الموفق عن الحسن البصري أنه كان لا يستنجى بالماء. وقال: وكان ابن عمر لا يستنجى بالماء ثمَّ فعله، وقال لنافع: جربناه فوجدناه صالحًا. قال الموفق: وهو مذهب رافع بن خديج، وروي عن حذيفة القولان جميعًا (١).
مج ج ٢ ص ١٠٤، مغ ج ١ ص ١٤٢.
باب في الاستنجاء بالنجس وبالروث وبالعظام
مسألة (٧٨) جمهور العلماء على أنه لا يجوز الإستنجاء بالنجس ولا بالروث ولا بالعظام، وبه قال الثوري والشافعي وإسحاق. وهو مذهب أحمد.
وذهب أبو حنيفة إلى جوازه بالروث وبالعظام. حكاه عنه الموفق وعنه في الروث النووي.
قال الموفق: وأباح مالك الاستنجاء بالطاهر منهما (٢).
стр. 78
قلت: وبجواز الاستنجاء بالعظام قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن.
قال ابن رشد: وشذَّ الطبري فأجاز الإستنجاء بكل طاهر ونجس (١).
مج ج ٢ ص ١١٨، مغ ج ١ ص ١٤٨.
باب في النهي عن الاستنجاء باليمين
مسألة (٧٩) أكثر العلماء على أن النهي عن الاستنجاء باليمن هو نهي تأديب وتنزيه فلو استنجى بيمينه أجزأه. حكاه عن أكثر العلماء النووي نقلًا عن الخطابي.
وقال بعض أهل الظاهر: هو نهي تحريم ولا يجزؤه، وهو وجه لبعض الأصحاب في المذهب الشافعي (٢).
مج ج ٢ ص ١١٢، مغ ج ١ ص ١٤٥.
باب في استقبال القبلة أثناء التخلي في الفضاء
مسألة (٨٠) أكثر أهل العلم على عدم جواز استقبال القبلة أثناء التبول أو التغوط في الفضاء، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد.
وقال عروة بن الزبير وربيعة وداود: يجوز استقبالها واستدبارها في الفضاء وفي البنيان (٣).
مغ ج ١ ص ١٥٣.
* * *
стр. 79
فصل في ما يوجب الغسل (الحدث الأكبر)
باب فيما يوجب الغسل من الإيلاج (١)
مسألة (٨١) جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على أن الإيلاج في فرج المرأة ودبرها ودبر الرجل ودبر البهيمة وفرجها الحيَّة والميتة بالنسبة للمرأة سواء.
أقول: كل ذلك موجب للغسل وإن لم يصاحبه نزول منيٍ.
وقال داود: لا يجب الغسل بالإيلاج إلا إذا صاحبه نزول المنى. وحكى ذلك عن الأعمش. وبقول داود قال من الصحابة عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب وأبَي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهم، ثمَّ منهم من رجع عنه إلى قول الجمهور، ومنهم من لم يرجع (٢).
وقال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى-: لا يجب الغسل بالإيلاج في البهيمة ولا في المرأة
стр. 80
الميتة (١)
مج ج٢ ص ١٣٧، مغ ج٢ ص ٢٠٣، الحاوي ج ١ ص ٢٠٨، بداية ج ١ ص ٦٥، تحفة ج ١ ص ٢٧، قرطبي ج ٥ ص ٢٠٥.
باب فيمن أحسَّ بنزول المني إثر شهوة فمنعه من النزول
مسألة (٨٢) مذهب العلماء كافة إلا ما سنذكره عن أحمد أن من أحسَّ بانتقال المنى ونزولٍ إثر شهوةٍ لتقبيل ونحوه فأمسك ذكره فلم يخرج منه في الحال شيءٌ ولا علم خروجه بعد ذلك فلا غسل عليه، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين.
وقال أحمد في روايةٍ وهي الأشهر عنه: يجب عليه الغسل.
مج ج ٢ ص ١٤٢، مغ ج ١ ص ١٩٨.
باب في التطهر من أثر المذي في الذَكَرِ والأنثيين
مسألة (٨٣) جمهور العلماء على أن الرجل إذا أمذى فإنه يجب عليه غسل موضع النجاسة الذي أصابه المذيُ، وأما غسل باقي الذَّكَرِ إذا لم يصبه المذيُ وكذا الأنثييان (الخصيتان) إذا لم يصبهما المذي فلا يجب في شيءٌ من ذلك غسله بالماء ولكن يُستحب، وبه يقول أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد في إحدى الروايات، وهو مذهب الشافعي رحمهم الله تعالى.
وقال مالك وأحمد في روايةٍ: يجب غسل كل الذكر.
وقال أحمد في رواية: يجب غسل كل الذكر والأنثيين (٢).
مج ج ٢ ص ١٤٧، مغ ج ١ ص ١٦٣.
стр. 81
باب في الكافر إذا أسلم ولم يجنب حال كفره. هل عليه غسلُ ؟
مسألة (٨٤) أكثر العلماء على أن الكافر إذا أسلم ولم يكن قد أجنب في الكفر استحب له أن يغتسل ولا يجب عليه، وسواء في هذا الكافر الأصلي والمرتد والذمي والحربي. حكى هذا القول عن أكثر العلماء الخطابي وغيره، ونقله عنه النووي، وبه قال أبو حنيفة ﵀، وهو مذهب الشافعي.
وقال مالك وأحمد وأبو ثور: يلزمه الغسل، واختاره ابن المنذر والخطابي (١).
مج ج ٢ ص ١٥٦.
* * *
стр. 82
فصل فيما يحرم بالجنابة (١)
باب في الوضوء للجنب إذا أراد النوم
مسألة (٨٥) أكثر السلف -أو كثير منهم- على أنه يكره (٢) للجنب النوم قبل أن يتوضأ، والجمهور على استحباب الوضوء للجنب إذا أراد النوم، ولا يجب عند الجمهور هذا ولا الوضوء كذلك للجنب إذا أراد الأكل أو الشرب أو معاودة الجماع، وممن قال بكراهية النوم للجنب قبل الوضوء: عليّ بن أبي طالب وابن عباس وأبو سعيد الخدري وشداد بن أوس وعائشة رضي الله تعالى عنهم، وهو قول الحسن البصري وعطاء والنخعي ومالك وأحمد وإسحاق. حكاه عنهم ابن المنذر واختاره.
قال ابن المنذر: وقال سعيد بن المسيب وأصحاب الرأي: هو بالخيار، نقل ذلك عن ابن المنذر: النووي، وحكى ابن رشد عن أهل الظاهر أنهم أوجبوا الوضوء للجنب إذا أراد أن ينام.
مج ج ٢ ص ١٦٢، بداية ج ١ ص ٥٧، ٥٨، نيل ج ١ ص ٢٧٠.
باب في قراءة القرآن للجنب
مسألة (٨٦) أكثر العلماء على أن قراءة القرآن حرام للجنب والحائض قليلها وكثيرها حتى بعض آية، حكاه الخطابي وغيره عن أكثر العلماء، وهو محكي عن عمر بن الخطاب وعلي وجابر رضي الله تعالى عنهم والحسن والزهري والنخعي وقتادة. وأحمد وإسحاق، وهو مذهب الشافعي.
وقال مالك: يقرأ الجنب الآيات اليسيرة للتعوُّذ. وفي الحائض روايتان عنه إحداهما: تقرأ، والثانية: لا تقرأ.
وقال أبو حنيفة: يقرأ الجنب بعض آيةٍ، ولا يقرأ آية كاملة، وعنه رواية كمذهب الجمهور (٣).
стр. 83
وقال داود: يجوز للجنب والحائض قراءة كل القرآن، وروي هذا عن ابن عباس ﵄، وروي كذلك عن سعيد بن المسيب (١). قال النووي: قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما: واختاره ابن المنذر.
مج ج ٢ ص ١٦٢، بداية ج ١ ص ٦٨، تحفة ج ١ ص ٣٢.
باب في دخول المسجد والمكث فيه للجنب
مسألة (٨٧) جمهور العلماء على أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد وسواء توضَّأ أم لم يتوضَّأ. وممن روي عنه حرمة المكث في المسجد ولو توضأ: عبد الله بن مسعود وابن عباس رضي الله تعالى عنهم وسعيد بن المسيب والحسن البصري وسعيد ابن جبير وعمرو بن دينار ومالك وأبو حنيفة وأصحابه والثوري وإسحاق بن راهويه. وهو مذهب الشافعي.
وقال أحمد: يحرم المكث على الجنب بدون وضوء، فإذا توضأ جاز له المكث.
وقال المزني وداود وابن المنذر: يجوز للجنب المكث في المسجد مطلقًا، وحكاه الشيخ أبو حامد عن زيد بن أسلم (٢).
قلت: وأما العبور فيجوز عند الشافعي بحاجة وبغير حاجةٍ خلافًا لأحمد، وحُكي عن سفيان الثوري وأبي حنيفة وأصحابه وإسحاق بن راهويه أنه لا يجوز له العبور إلا إذا لم يكن له بدُّ، فيتوضأ ويمرُّ (٣). مج ج ٢ ص ١٦٣, مغ ج ١ ص ١٣٦، نيل ج ١ ص ٢٨٨.
* * *
стр. 84
فصل في صفة الغسل وأحكامه
باب في الوضوء قبل الغسل
مسألة (٨٨) جمهور العلماء بل عامتهم على أن الوضوء لمريد الاغتسال من الجنابة سنَّة مستحبة ولا يجب، وحكى ابن جرير الطبري وابن عبد البر الإجماع في هذه المسألة.
نقله عن الطبري النوويُّ، وعن ابن عبد البر ابن قدامة (١).
وقال أبو ثور وداود: هو واجب (٢).
مج ج ٢ ص ١٨٩, بداية ج ١ ص ٦٢.
باب في المرأة تنقض ضفائرها للغسل
مسألة (٨٩) جمهور العلماء على أن المرأة إذا أرادت أن تغتسل للجنابة أو للحيض (يعني لطهرها من الحيض) وكان لها ضفائر، فلا يجب عليها أن تنقض ضفائر شعر رأسها إن كان الماء يصل إلى أصول شعرها بغير نقضٍ، وإلا تعينَّ النقض إن لم يصل الماء إلى أصول الشعر إلا به، وبه يقول الشافعي.
وحُكي عن النخعي أنه لابد من النقض مطلقًا.
وحكى ابن المنذر عن الحسن وطاوس أنه يجب النقض في الحيض، ولا يجب في الجنابة وبه قال أحمد مع اختلاف بين أصحابه هل هو واجبٌ أم مستحبٌّ؟ (٣).
стр. 85
مج ج ٢ ص ١٩٠، مغ ج ١ ص ٢٢٥، ٢٢٦.
باب في اغتسال الرجل بفضل طهور المرأة
مسألة (٩٠) جمهور العلماء على أنه يجوز للرجل أن يتطهر بفضل طهور المرأة سواء خلت به أم لا, ولا كراهة في ذلك، وبه يقول أبو حنيفة ومالك والشافعي.
وقال أحمد وداود: لا يجوز إذا خلت به، ويجوز إذا اغتسلا معًا، ورُوي هذا عن عبد الله بن سرجس والحسن البصري، ورُوي عن أحمد كمذهب الجمهور.
ورُوي عن ابن المسيب والحسن كراهة التطهر بفضل المرأة مطلقا (١).
مج ج ٢ ص ١٩٤، مغ ج ١ ص ٩٤، الحاوي ج ١ ص ٢٣١.
باب في اغتسال المرء عُرْيانًا إذا كان خاليًا
مسألة (٩١) جماهير العلماء على جواز اغتسال المرء عريانًا مكشوف العورة إذا كان خاليًا لا يراه أحد ممن لا يجوز له النظر إلى عورته، حكاه عن الجماهير القاضي عياض. ونهى عن ذلك ابن أبي ليلى، حكاه عنه القاضي عياض (٢).
قلت: نُقل ذلك كله عن القاضي عياض النوويُّ رحمهما الله تعالى.
مج ج ٢ ص ٢٠٠.
باب في المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل
مسألة (٩٢) جمهور العلماء على أن المضمضة والاستنشاق سنَّتان في الوضوء والغسل، ولا يشترطان لصحتهما، وبه قال الحسن البصري والزهري والحكم وقتادة وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك والليث والأوزاعي والشافعي، ورُوي هذا عن عطاء وحماد وأحمد، حكاه عن أكثر هؤلاء ابن المنذر.
وذهبت طائفة إلى أنهما واجبان في الوضوء والغسل وشرطان لصحتهما، وبه يقول ابن أبي ليلى وإسحاق وأحمد في المشهور عنه وعطاء في روايةٍ.
وقالت طائفة بوجوبها في الغسل دون الوضوء، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري.
стр. 86
وقال آخرون: الاستنشاق واجب في الوضوء والغسل دون المضمضمة، وإليه ذهب أبو ثور وأبو عبيد وداود وأحمد في روايةٍ. قال ابن المنذر: وبه أقول (١).
مج ج ١ ص ٣٧٣، ج ٢ ص ٢٠٠.
باب في اجتماع موجبين للغسل كحيض وجنابة
مسألة (٩٣) أكثر أهل العلم على أنه إذا اجتمع موجبان للغسل كحيض وجنابةٍ فإنَّ غسلًا واحدًا يكفي، وبه قال عطاء وأبو الزناد وربيعة ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي، وهو مذهب أحمد.
ورُوي عن الحسن والنخعي في الحائض تطهر وقد كانت جنبًا أن عليها غسلين.
مغ ج ١ ص ٢٢٠.
باب في الموالاة والترتيب بين أعضاء الوضوء في الغسل
مسألة (٩٤) جمهور العلماء على أنه لا تجب المولاة في الغسل، ولا يجب على المغتسل أن يرتب بين أعضاء الوضوء في بدنه، وبه قال أحمد.
وقال رييعة فيمن ترك ذلك أن عليه أن يعيد الغسل، وبه قال الليث.
قال الموفق (ابن قدامة): واختلف فيه عن مالك (٢) وفيه وجه لأصحاب الشافعي.
مغ ج ١ ص ٢٢٠.
باب في قدر الماء الذي يجزئ في الغسل والوضوء
مسألة (٩٥) أكثر أهل العلم على أنه لا توقيت في قدر الماء الذي يجزئ في الوضوء والغسل، القليل في ذلك والكثير (٣) سواء إذا استوعب المتوضئ أعضاء وضوئه
стр. 87
والمغتسل بدنه كله، وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، قال مالك: وقد كان بعض من مضى يتوضأ بثلث المدِّ (١).
وحُكي عن أبي حنيفة ﵀ أنه لا يجزئ ما دون مم الصالح في الغسل وما دون المدِّ في الوضوء. مج ج ١ ص ٢٢٣.
* * *
стр. 88
فصل في التيم وأحكامه
باب في النية للتيمم
مسألة (٩٦) جمهور العلماء على أن التيمم لا يصح إلا بنيةٍ، وبه قال ربيعة ومالك والليث والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر، وهو مذهب أحمد.
وحُكِيَ عن الأوزاعي والحسن بن صالح أنه يصح بغير نيةٍ، وبه قال زفر.
مغ ج ١ ص ٢٥٣، بداية ج ١ ص ٨٩.
باب في التيمم لعذر الماء البارد يخشى من الضرر
مسألة (٩٧) أكثر أهل العلم على أن واجد الماء البارد الذي يخشى منه الضرر ولا يستطيع تسخينه، فإنه يجوز له التيمم. وبه قال مالك (١) وأبو حنيفة والشافعي وأحمد.
وقال عطاء والحسن: يغتسل وإن مات لم يجعل الله له عذرًا، قال الموفق ابن قدامة ﵀: ومقتضى قول ابن مسعود أنه لا يتيمم؛ فإنه قال: لو رخصنا لهم في هذا لأوشك أحدهم إذا برد عليه الماء أن يتيمم ويدعه.
مغ ج ١ ص ٢٦٥، بداية ج ١ ص ٨٧.
باب في التيمم عن الجنابة
مسألة (٩٨) جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على جواز التيمم عن الجنابة، رُوي هذا عن عليّ بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري وعمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهم، وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري والشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق وابن المنذر وغيرهم.
وذهب عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما فيما رُوي عنهما وإبراهيم النخعي إلى أن التيمم لا يجوز إلا عن الحدث الأصغر فقط، وحُكي أن عمر وعبد الله بن مسعود رجعا إلى قول الجماعة؛ قاله ابن الصباغ وغيره وجزم به القرطبي (٢).
стр. 89
مج ج ٢ ص ٢١٠، ج ١ ص ٢٦١، قرطبي ج ٦ ص ١٠٣. الحاوي ج ١ ص ٢٤٩، بداية ج ١ ص ٨٥، نيل ج ١ ص ٣٢٢.
باب في الجنب والحائض تطهر يتيممان لفقد الماء ثم يجدانه
مسألة (٩٩) مذهب العلماء كافة إلا من سنذكره أن الجنب والحائض إذا طهرت إذا تيممًا لفقد الماء ثمَّ قدرًا على استحمال الماء لزمهما أن يغتسلا.
وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن التابعي: لا يلزمهما.
مج ج ٢ ص ٢١١، الحاوي ج ١ ص ٢٥٢، نيل ج ١ ص ٣٢٢.
باب في التيمم عن النجاسة
مسألة (١٠٠) جمهور العلماء على أن التيمم عن النجاسة لا يجوز وهو مذهب الشافعي.
وأجازه أحمد -رحمه الله تعالى-، واختلف أصحابه في وجوب إعادة هذه الصلاة.
وقال ابن المنذر: كان الثوري والأوزاعي وأبو ثور يقولون: يمسح موضع النجاسة بتراب ويصلي، وقال أبو ثور فيما حكاه عنه ابن المنذر: وهو مذهب الشافعي؛ قال ابن المنذر: والمعروف من قول الشافعي بمصر: أن التيمم لا يجزئ عن نجاسة.
مج ج ٢ ص ٢١٢، مغ ج ١ ص ٢٧٤.
باب في التيمم. كيف هي صفته ؟
مسألة (١٠١) أكثر العلماء على أن الواجب في التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين، وهو مذهب الشافعي -رحمه الله تعالى-، وبه قال من الصحابة عليُّ بن أبي طالب وابن عمر رضي الله تعالى عنهم، وهو قول الحسن البصري والشعبي وسالم بن عبد الله ومالك والليث والثوري وأصحاب الرأي وعبد العزيز بن أبي سلمة.
وحكى الماورديُّ وغيره عن ابن سيرين أنه لا يجزئه إلا ثلاث ضربات: ضربة لوجهه، وضربة لكفيه، وضربةٌ لذراعيه.
ونقل القرطبي عن ابن عبد البر أنه حكى عن ابن أبي ليلى والحسن بن حييٍّ أنه (يعني التيمم) ضربتان يمسح بكل ضربةٍ وجهه وذراعيه ومرفقيه. قال ابن عبد البر: ولم يقل بذلك أَحَدٌ من أهل العلم غيرهما.
стр. 90
وقال عطاء ومكحول والأوزاعي وأحمد وإسحاق: الواجب ضربة واحدةٌ للوجه والكفين. حكاه ابن المنذر عنهم وقال: وبه أقول. وبقول أحمد وإسحاق قال داود، وحكاه الخطابي عن عامة أصحاب الحديث (١).
مج ج ٢ ص ٢١٣، بداية ج ١ ص ٩٣.
باب في حد مسح اليدين في التيمم
مسألة (١٠٢) أكثر العلماء على أن الواجب في مسح اليدين في التيمم هو المسحُ إلى المرفقين، ولا يجب أكثر من ذلك ولا يجزئ أقل من ذلك، وهو قول ابن عمر وجابر رضي الله تعالى عنهم، وبه يقول سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن البصري وابن سيرين ومالك والليث وأبو حنيفة وصاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن وسفيان الثوري، وهو مذهب الشافعي رحمهم الله تعالى جميعًا.
وقال عطاء ومكحول والأوزاعي وأحمد وإسحاق: الواجب مسحهما إلى الكفين.
ورُوي هذا عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله تعالى عنهم، وبه قال عكرمة، ورواه أبو ثور عن الشافعي في القديم من مذهبه وردَّه الماورديُّ.
وحكى الماورديُّ وغيره عن الزهري أنه يجب مسحهما إلى الإبطين، ووهَّنَ النوويُ هذه الحكاية لقول الخطابي: لم يختلف العلماء في أنه لا يجب مسح ما وراء المرفقين (٢).
مج ج ٢ ص ٢١٣، بداية ج ١ ص ٩١.
باب في صفة الصعيد الطيب الذي يجزئ في التيمم
مسألة (١٠٣) أكثر الفقهاء على أنه لا يجزئ في التيمم إلا التراب، حكاه عنهم الأزهري والقاضي أبو الطيب، وهو قول الشافعي وأحمد وداود وابن المنذر. وبه يقول
стр. 91
أبو يوسف يعقوب القاضي صاحب أبي حنيفة في قوله الأخير الذي استقرَّ عليه.
وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن ومالك: يجوز بكل أجزاء الأرض حتى بصخرةٍ مغسولةٍ.
وقال بعض أصحاب مالك: يجوز بكل ما اتصل بالأرض كالخشب والثلج وغيرهما.
قلت: قد ذكر ابن القاسم في المدونة أن مالكًا أوْسَعَ على الرجل لا يجد إلا الثلج أن يتيمم عليه. وأما الملح فثلاثة أقوال لأصحاب مالك: أحدها يجوز، والثاني: لا. والثالث وهو عندهم أشهرها: أنه إن كان مصنوعًا لم يجز التيمم به، وإلا جاز.
قلت: ويجوز عندهم (أصحاب مالك) التيمم بالمعادن كلها إلا الذهب والفضة، وبالجواهر بشرط أن تبقى في محالها ولا تنتقل فتصير في أيدي الناس أموالًا.
وقال الأوزاعي والثوري: يجوز بالثلج وكل ما على الأرض (١).
مج ج ٢ ص ٢١٥، ٢١٦.
باب في التيمم بالتراب النجس
مسألة (١٠٤) مذهب العلماء كافةً إلا من سنذكره أنه لا يجوز التيمم بالتراب النجس.
وانفرد الأوزاعي -رحمه الله تعالى- فجوَّزه بتراب المقابر (٢).
مج ج ٢ ص ٢١٩، مغ ج ٢ ص ٢٦٠.
باب في التيمم بتراب الأرض السبخة (المالحة)
مسألة (١٠٥) جمهور العلماء على جواز التيمم بتراب الأرض السبخة، وهو التراب الذي فيه ملوحة ولا ينبت (٣).
стр. 92
وحكى الماورديّ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وإسحاق عدم الجواز. وكذا حكى هذا القرطبي (١).
مج ج٢ ص ٢٢١، قرطبي ج ٥ ص ٢٣٨.
باب في التيمم هل يرفع الحدث ؟
مسألة (١٠٦) جماهير العلماء على أن التيمم لا يرفع حدثًا، لا أصغر ولا أكبر وبه يقول الشافعي -رحمه الله تعالى- (٢).
وقال داود الظاهري والكرخي الحنفي وبعض المالكية يرفعه. وحُكي هذا كذلك عن أبي حنيفة (٣).
قلت: وحكاه القرطبي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن (أعني القول بأن التيمم يرفع الحدث) رواه عنه ابن حرملة وابن جريج وغيرهما (٤).
وحكى الماورديُّ عن أبي ثور أنه يجوز أن يجمع بالتيمم الواحد بين الفوائت من الصلوات، وبه يقول محمَّد بن الحسن (٥).
مج ج ٢ ص ٢٢٤، مغ ج ١ ص ٢٥٣.
стр. 93
باب في الاستيعاب في التيمم
مسألة (١٠٧) أكثر العلماء على أنه يجب إيصال التراب إلى جميع البشرة الظاهرة من الوجه والشعر الظاهر عليه. حكاه عنهم العبدريّ.
وعن أبي حنيفة روايات. إحداها: كمذهب الأكثرين، ذكرها الكرخي في مختصره، والثانية: إن ترك قدر درهم منه لم يجزه ودونه يجزيه، والثالثة: إن ترك دون ربع الوجه أجزأه وإلا فلا. حكاه الطحاوي عنه وعن أبي يوسف وزفر.
وحكى ابن المنذر عن سليمان بن داود الظاهري أنه جعله كمسح الرأس (١).
مج ج ٢ ص ٢٤١.
باب في التيمم للفريضة قبل دخول وقتها
مسألة (١٠٨) جمهور العلماء على أن التيمم للمكتوبة (الفريضة من الصلاة) لا يجوز إلا بعد دخول وقتها، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وداود.
وقال أبو حنيفة: يجوز قبل دخول الوقت، وبه قال أهل الظاهر وابن شعبان من أصحاب مالك. حكاه عنهم ابن رشد (٢).
مج ج ٢ ص ٢٤٥.
باب في التيمم بوجود الماء لخوف فوات وقت الصلاة
مسألة (١٠٩) جمهور أهل العلم منهم مالك والشافعي على أنه لا يجوز التيمم مع وجود ماء يقدر على استعماله ولا يحتاج إليه لعطش ونحوه، وسواء خاف خروج وقت الصلاة لو توضأ أم لا، والفرائض وصلاة العيد والجنازة في ذلك سواء.
وذهبت طائفة إلى أنه يجوز له التيمم إذا خاف لو اشتغل بالوضوء خروج وقت الصلاة. ثمَّ يتوضأ بعد ذلك ويعيد الصلاة، وهو قول الأوزاعي والثوري، وبه قال مالك في رواية. وهو وجه شاذ في المذهب الشافعي. حكى هذا القول عن هؤلاء
стр. 94
العبدريُّ (١).
وقال أبو حنيفة: يجوز التيمم لصلاة العيد والجنازة مع وجود الماء إذا خاف فوتهما.
وحُكي هذا عن الزهري والأوزاعي والثوري وإسحاق وأحمد في روايةٍ عنه، وبه قال إبراهيم النخعي ويحيى الأنصاري والحسن البصري وسعد بن إبراهيم والليث وأصحاب الرأي.
وقال الشعبي: في من خاف فوت الجنازة إذا توضأ؛ يصلي عليها من غير وضوء ولا تيمم؛ لأنها لا ركوع فيها ولا سجود، وإنما هي دعاءٌ فأشبهت الدعاء في غير الصلاة (٢). وحُكي مثل ذلك عن داود وابن جرير الطبري.
مج ج ٢ ص ٢٤٦، مغ ج ١ ص ٢٦٨، قرطبي ج ٦ ص ٩٩.
باب في شراء الماء للوضوء بأكثر من ثمن مثله. هل يجب؟ أم يجزؤه التيمم ؟
مسألة (١١٠) جماهير العلماء من السلف والخلف على أن من فقد الماء ثم وجده يباع بأكثر من ثمن مثله، فإنه لا يجب عليه شراؤه وجاز له أن يتيمم. وهو مذهب الشافعي، وقال الثوري وأبو حنيفة: يلزمه شراؤه بالغبن اليسير.
وقال مالك في الجنُبِ لا يجد الماء إلا بثمن: إن كان قليل الدراهم رأيت أن يتيمم، وإن كان موسعًا عليه يقدر رأيت أن يشتري ما لم يكثر عليه في الثمن، فإن رفعوا عليه في الثمن تيمم وصلَّى. رواه عنه ابن القاسم.
стр. 95
وقال الحسن البصري: يلزمه شراؤه بكل ماله (١)
مج ج٢ ص ٢٥٧.
باب فيمن عدم الماء أول الوقت ورجى حصول الماء قبل خروج الوقت يصلى أم يؤخر ؟
مسألة (١١١) أكثر العلماء على أن عادم الماء بعد طلبه إن ظن وجوده بعد ذلك راجيًا له قبل خروج الوقت فالأفضل في حقه أن ينتظر ويؤخر الصلاة لحين ظنه، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد، وبه قال الشافعي مرةً.
وقال الشافعي في أصح القولين عنه باتفاق أهل المذهب: تقديم الصلاة أفضل (٢).
مج ج ٢ ص ٢٦٥.
باب فيمن وجد ماء لا يكفي لتمام طهارته هل يتوضأ به أم يتيمم
مسألة (١١٢) أكثر العلماء على أن من وجد ماءً لا يكفيه إلا لبعض طهارته من وضوءٍ أو غُسْلٍ فإنه لا يجب عليه استعمال هذا القدر من الماء في بعض طهارته، وحسبه أن يتيمم فقط، وهذا مذهب مالك (٣) وأبي حنيفة وسفيان الثوري والأوزاعي والمزني وابن المنذر والشافعي في أحد قوليه وأحمد في إحدى الروايتين، وهو قول الحسن والزهري وحماد.
وذهب الشافعي في أصحِّ قوليه وأحمد في رواية وكذا داود وعطاء والحسن بن صالح ومعمر بن راشد فيما حكاه عنهم ابن الصباغ إلى أنه يجب عليه أن يستعمل ما وجد من الماء لما يمكنه من طهارة، ثم يتيمم عن الباقي (٤).
стр. 96
مج ج ٢ ص ٢٧١، قرطبي ج ٥ ص ٢٣٠.
باب في التيمم للمرض اليسير هل يجوز ؟
مسألة (١١٣) مذهب العلماء كافةً إلا ما سنحكيه عن البعض أن المرض اليسير الذي لا يُخْشَى معه باستعمال الماء تَلَفٌ أو مرضٌ مخوف ولا إبطاء برء (شفاء) ولا زيادة ألم فهذا ونحوه لا يجوز بسببه التيمم.
وحُكي عن بعض أصحاب مالك وأهل الظاهر أنه يجوز (١).
مج ج ٢ ص ٢٨٨.
باب في صفة المرض الذي يجوز له التيمم
مسألة (١١٤) أكثر العلماء وجمهورهم على أن المرض إذا كان يُخشى باستعمال الماء معه إبطاء برءٍ، أو زيادة ألمٍ، أو زيادة مرضٌ؛ فهو مرضٌ؛ مانعٌ من استعمال الماء ومبيحٌ للتيمم. رُوي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد وعكرمة وطاوس والنخعي وقتادة، وبه يقول مالك وأبو حنيفة والشافعي في أصحِّ قوليه وأحمد في إحدى الروايتين وداود.
وذهبت طائفة إلى عدم جواز التيمم بنحو ما ذكرنا، وبه قال عطاء والحسن وأحمد في روايةٍ.
وقال مالك وداود فيما حُكي عنه: يجوز التيمم لمطلق المرض (٢).
مج ج ٢ ص ٢٩٠. مغ ج ١ ص ٢٦١، الحاوي ج ١ ص ٢٦٩، بداية ج ١ ص ٨٧.
باب في كم يصلي بالتيمم الواحد من الفرائض ؟
مسألة (١١٥) أكثر العلماء على أنه لا يجوز أن يصلي بالتيمم الواحد أكثر من فريضة واحدةٍ، وهو قول عليّ بن أبي طالبٍ وابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم، وإليه ذهب الشعبي والنخعي وقتادة وربيعة ويحيى الأنصاري ومالك والليث وأحمد في روايةٍ وإسحاق، حكاه عنهم ابن المنذر، وهو مذهب الشافعي.
стр. 97
وحكى ابن المنذر عن ابن المسيب والحسن البصري والزهري وأبي حنيفة ويزيد بن هارون أنه يصلِّي به فرائض ما لم يُحْدِثْ، وأشار إلى هذا أحمد. قال ابن المنذر: ورُوي هذا القول عن ابن عباس وأبي جعفر. قال النووي: وبه قال المزني وداود.
قلت: وهو قول محمَّد بن الحسن.
وحكى ابن المنذر عن أبي ثور أنه يصلي به فوائت، ولا يصلي به فريضة أخرى بعد خروج الوقت.
قلت: ومذهب مالك الذي رواه عنه ابن القاسم في المدونة أنه يصلي مكتوبتين (فريضتين) بتيمم واحد ولا نافلة ومكتوبة بتيمم واحدٍ إلا أن تكون نافلةً بعد مكتوبة (١) فلا بأس بذلك، وإن تيمم فصلى مكتوبة ثمّ ذكر مكتوبةً أخرى كان نسيها فليتيمم لها أيضًا ولا يجزئه ذلك التيمم لهذة الصلاة (٢).
مج ج٢ ص ٢٩٧، ٢٩٨.
باب في المتيمم يجد الماء قبل شروعه في الصلاة
مسألة (١١٦) جمهور أهل العلم بل عامتهم على أن من تيمم ثمَّ وجد الماء قبل شروعه في الصلاة فإن تيممه قد بطل ولزمه الوضوء، ضاق الوقت -أعني وقت الصلاة- أو اتسع، وسواء وجد الماء أثناء تيممه أو بعد فراغه منه (٣).
وحكي القاضي عبد الوهاب المالكي التفريق بين ضيق الوقت وسعته فيصحُّ في الأول ويصلي به بخلاف الثاني.
وحُكي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن التابعي أنه إذا وجد الماء بعد فراغه من التيمم فتيممه صحيح وجاز له أن يصلِّي به (٤).
стр. 98
مج ج٢ ص ٣٠٦، بداية ج ١ ص ٩٥.
باب في التيمم في الحضر والإعادة للصلاة لمن وجد الماء داخل الوقت
مسألة (١١٧) جمهور العلماء على أن من فقد الماء في الحضر واستوفى شروط إباحة التيمم فله أن يتيمم ويصلِّي ثمَّ يعيد صلاته تلك إن وجد الماء داخل الوقت.
هذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة في روايةٍ.
قلت: وهو الصحيح عنه -رحمه الله تعالى- (١).
وذهب أبو حنيفة في روايةٍ عنه إلى أنه لا يصلِّي حتى يجد الماء.
قلت: والصحيح أنه قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن أو مذهبهما.
وذهب مالك والثوري والأوزاعي والمزني والطحاوي إلى أنه يصلِّي بالتيمم ولا يعيد. وبه قال أحمد في روايةٍ، والشافعي في قولٍ (٢).
قلت: وقال مالك مرة كقول الجمهور (٣).
مج ج ٢ ص ٣١٠.
باب في المسافر يصلي بتيممه ثمَّ يجد الماء. هل يعيد صلاته ؟
مسألة (١١٨) جمهور العلماء من السَّلف والخلف على أن المسافر إذا صلى بتيممه ثمَّ وجد الماء، فإنه لا يجب عليه أن يعيد صلاته سواء وجد الماء في الوقت أم خارجه. وبه قال الشعبي والنخعي وأبو سلمة بن عبد الرحمن ومالك وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وابن المنذر والمزني، وهو الصحيح من مذهب الشافعي -رحمه الله تعالى-. وحكى ابن المنذر وغيره عن طاوس وعطاء والقاسم بن محمَّد ومكحول وابن سيرين والزهري وربيعة أنهم قالوا: إذا وجد الماء في الوقت لزمه الإعادة، واستحبَّه الأوزاعي ولم يوجبه.
وحكى صاحب التحفة عن مالك أنه يعيد. قلت: الذي نصَّ عليه مالك في المسافر يجد
стр. 99
الماء في الوقت بعد أن صلَّى بتيممه أنه لا يعيد، رواه ابن القاسم عنه (١)
مج ج ٢ ص٣١٠، تحفة ج ١ ص ٤٥.
باب في المسافر المتيمم يجد الماء اثناء صلاته
مسألة (١١٩) أكثر العلماء فيما حكاه البغوي على أنَّ من وجد الماء أثناء صلاة السفر وكان قد تيمم لها بطلت صلاته، وبه قال سفيان الثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن والمزني، وهو قول أحمد في أصحِّ الروايتين عنه، وهو اختيار ابن سريج، قال أبو حنيفة: إلا أن تكون صلاة العيدين أو الجنازة فلا تبطل، أو كان الذي وجده من الماء سؤر ما يكره كالحمار فلا تبطل صلاة المتيمم بوجدانه.
وقال مالك (٢) وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وداود وأحمد في رواية: لا تبطل، وهو المشهور من مذهب الشافعي (٣).
مج ج ٢ ص ٣١٩، ٣٢٠.
باب في صلاة فاقد الطهورين (٤) ومن حُبِسَ في حَشٍّ (مكان نجس) ولا ماء فيه ولا تراب
стр. 100
فصل في المسح على الجبائر والعصائب
باب في المسح على الجبيرة تكون في مواضع الطهارة هل يُشترط معه التيمم ؟
مسألة (١٢٠) جمهور الفقهاء على أن الجبيرة إذا كانت في مواضع أعضاء الطهارة كاليد والرجل فإنه يكفي المسح عليها (الجبيرة) مع غسل الصحيح الباقي من العضو ولا يلزم التيمم، وهو قول أحمد والشافعي في قديم مذهبه وصححه الشيخ أبو حامد الإسفراييني والجرجاني والروياني في كتابه الحلية (١).
وقال الشافعي في الجديد: يلزمه التيمم، وهو نصه ﵀ في الأم والبويطي والكبير، وجزم النووي بأنه أصحُّ الطريقين لأصحاب الشافعي (٢).
مج ج ٢ ص ٣٢٨.
باب في الماسح على الجبيرة هل يعيد صلاته بعد برئه ؟
مسألة (١٢١) جمهور العلماء على أن من مسح على الجبيرة أو العصابة وغسل الصحيح من أعضاء الطهارة أو الصحيح الباقي منها فليس عليه أن يعيد صلاته التي صلاها مدة مسحه على جبيرته. قال الموفق: وممن رأى المسح على العصائب: ابن عمر وعبيد بن عمير وعطاء، وأجاز المسح على الجبائر: الحسن والنخعي ومالك
стр. 101
وإسحاق والمزني وأبو ثور.
واختلف أصحاب الشافعي في هذه المسألة اختلافًا شديدًا في أصل حكاية المسألة ومختصره أن المعتمد كما ذكره النووي أنه إن وضع الجبيرة على طهر (يعني كماسح الخفِّ) فلا إعادة وإلا وجبت (١).
مج ج ٢ ص ٣٢٨.
باب في المتيمم يخلع عِمَامَتَهُ أَوْ خفَّه. هل يبطل تيممه بذلك ؟
مسألة (١٢٢) مذهب العلماء كافة إلا من سنذكره أن المتيمم إذا خلع ما لبسه من خف أو عمامة فإن تيممه لا ييطل.
وقال أحمد في رواية حكاها عنه العبدري والموفق ابن قدامة: يبطل تيممه.
مج ج ٢ ص ٣٢٩، مغ ج ١ ص ٢٧٣.
* * *
стр. 102
موسوعة مسائل الجمهور في الفقه الإسلامي
كتاب الحيض
стр. 103
كتاب الحيض
فصل فيما يمتنع على الحائض (١)
باب في المرأة الحائض تتوضأ وقت الصلاة وتجلس وتسبِّح هل قال بذلك أحد ؟
مسألة (١٣٣) جمهور العلماء من السَّلف والخلف على أن الحائض ليس عليها وضوء ولا تسبيح، ولا ذِكْرٌ في أوقات الصلاة المكتوبة ولا في غيرها.
وممن قال بهذا الأوزاعي ومالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه. حكاه عنهم ابن جرير الطبري، وهو مذهب الشافعية. حكاه عنهم النووي.
وحُكي عن الحسن البصري أنه قال: تَطَّهرُ وتسبح، وعن أبي جعفر قال لنا: مُرْ نساء الحُيَّض أن يتوضأن في وقت الصلاة، ويجلسن ويذكرن الله ويسبحن.
قلت: وحمل النووي قولهما على الاستحباب دون الوجوب، وقال: أما استحباب التسبيح فلا بأس به، وإن كان لا أصل له على هذا الوجه المخصوص.
مج ج ٢ ص ٣٣٨.
باب في الوضوء للحائض
مسألة (١٣٤) جمهور العلماء بل عامتهم على أن الوضوء من الحائض لا يصحُّ.
وشذَّ الحسن البصري وأبو جعفر فاعتدَّا بوضوئها (٢).
مج ج ٢ ص ٣٣٨.
стр. 104
باب في قراءة القرآن ومسه للحائض
مسألة (١٢٥) جمهور العلماء على تحريم قراءة القرآن للحائض وكذلك مَسُّهُ. وهو قول عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم، وبه قال الحسن البصري وقتادة وعطاء وأبو العالية والنخعي وسعيد بن جبير والزهري وإسحاق وأبو ثور والشافعي في المشهور من مذهبه وهو إحدى الروايتين عن مالك وأبي حنيفة وأحمد رحمهم الله تعالى.
وذهب داود إلى الجواز، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد في الرواية الثانية عنهم (١).
مج ج ٢ ص ٣٤٠.
باب في وطء الحائض (٢) هل فيه كفارة؟
مسألة (١٢٦) أكثر العلماء على أن وطء الحائض ليس فيه كفارة، ويستوي في ذلك العامد والمخطئ والذاكر والناسي والعالم والجاهل، وإنما عليه التوبة والاستغفار، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما وأحمد في رواية, وحكاه ابن المنذر عن عطاء وابن أبي مليكة والشعبي والنخعي ومكحول والزهري وأيوب السختياني وأبي الزناد وربيعة وحماد بن أبي سليمان وسفيان الثوري والليث بن سعد والشافعي في المشهور من مذهبه.
وذهبت طائفة إلى وجوب الكفّارة على الزوج خاصةً على خلافٍ بينهم في صفة الكفَّارة وشرط وجوبها، فذهب جمع إلى أنها دينار أو نصفه على اختلاف الحالّ منهم ابن عباس وقتادة والأوزاعي وأحمد في رواية وإسحاق. حكاه ابن المنذر.
وذهب الحسن البصري في المشهور عنه إلى أن عليه ما على المجامع في رمضان.
وحكى ابنُ جرير الطبري عنه (عن الحسن) قال: يعتق رقبةً، أو يهدي بدنةً، أو يطعم عشرين صاعًا.
وذهب سعيد بن جبير فيما حُكي عنه إلى أن عليه عتق رقبةِ (٣).
مج ج ٢ ص ٣٤٣، ٣٤٤. مغ ج ١ ص ٣٥١، بداية ج ١ ص٨٠، الحاوي ج ٩ ص ٣١٥.
стр. 105
باب في مباشرة الحائض فيما دون الفرج
مسألة (١٢٧) أكثر العلماء على تحريم مباشرة الحائض فيما دون الفرج بين السرة والركبة وأن ما سوى ذلك من فوق السرَّة أو تحت الركبة جائزٌ، وبه يقول أبو حنيفة ومالك والشافعي في المنصوص عنه في كثير من كتبه وهو الأصحُّ عند جمهور أصحابه.
وحكاه ابن المنذر عن سعيد بن المسيب وطاوس وشريح وعطاء وسليمان بن يسار وقتادة. وحكاه القرطبي عن الأوزاعي كذلك ونسبه إلى جماعة عظيمة من العلماء.
وذهب إلى جواز مباشرة الحائض فيما دون الفرج طائفة كثيرة منهم عكرمة ومجاهد والشعبي وإبراهيم النخعي والحكم وسفيان الثوري والأوزاعي ومحمد بن الحسن وأحمد وأصبغ من أصحاب مالك وأبو ثور وإسحاق بن راهويه وابن المنذر وداود. حكاه عنهم العبدريُّ وغيره، وهؤلاء رحمهم الله تعالى قالوا: إنما يجتنب موضع الدم وحسب وهو الفرج.
وانفرد ابن عباس فيما حكاه القرطبي فقال: يجتنب الرجل فراش زوجه ما دامت حائضًا، وحكى كذلك هذا عن عبيدة السلماني، حكاه عنه القرطبي والماورديُّ (١).
مج ج ٢ ص ٣٤٦، الحاوي ج ١ ص ٣٨٠.
باب في المنع من وطء الحائض حتى تتطهر
مسألة (١٢٨) جمهور العلماء على أن الحائض إذا طهرت من حيضها فإنه لا يجوز وطؤها حتى تتطهَّر بغسل إذا وُجد الماء، أو بتيمم إذا تعذر استعماله لفقدٍ أو غيرهء هكذا حكاه الإِمام الماورديّ عن الجمهور، وهو مذهب الشافعي. وحكاه ابن المنذر عن سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار والزهري وربيعة ومالك والثوري والليث بن سعد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي ثور.
وقال ابن المنذر: وروينا بإسنادٍ فيه مقالٌ عن طاوس وعطاء ومجاهد أنهم قالوا: إن أدرك الزوجَ الشبقُ أمَرَها أن تتوضأ ثمَّ أصابها إن شاء.
قال ابن المنذر: وأصحُّ من هذا عن عطاء ومجاهد موافقة القول الأول. قال ﵀: ولا يثبت عن طاوس خلاف قول سالم. قال ابن المنذر: فإذا بطل أن يصحَّ عن هؤلاء قولٌ ثانٍ كان القول الأول كالإجماع.
стр. 106
قلت: لا يثبت في المسألة إجماعٌ. قال الإِمام النووي: وقال أبو حنيفة: إن انقطع دمها لأكثر الحيض -وهو عشرة أيام عنده- حل الوطءُ في الحال، وإن انقطع دمها لأقلِّه لم يحل حتى تغتسل أو تتيمم، فإن تيممت ولم تُصَلِّ لم يحل الوطء حتى يمضي وقت الصلاة.
قلت: حل وطء الحائض إذا انقطع عنها الدم لأكثر الحيض ثابت عن أبي حنيفة -رحمه الله تعالى- (١).
وقال داود الظاهري: إذا غسلت فرجها حلّ الوطء.
وحُكي عن مالك تحريم الوطء إذا تيممت عند فقد الماء.
قلت: وهذا القول صحيح عن مالك في رواية ابن القاسم عنه (٢).
قال النووي: هكذا نقل أصحابنا وغيرهم هذا الخلاف مطلقًا كما ذكرته، وقال ابن جرير: أجمعوا على تحريم الوطء حتى تغسل فرجها، وإنما الخلاف بعد غسله.
قلت: هذا كلام النووي بحروفه -رحمه الله تعالى- (٣).
مج ج ٢ ص ٣٤٨، مغ ج ١ ص ٣٥٣، الحاوي ج ١ ص ٣٨٦، بداية ج ١ ص ٧٨، القرطبي ج٣ ص ٨٨.
باب في وطء المستحاضة
مسألة (١٢٩) أكثر العلماء على جواز وطء المستحاضة في الزمن المحكوم بأنه طهرٌ وإن كان الدم جاريًا، وهو مذهب الشافعي، وحكاه ابن المنذر في الإشراف عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وسعيد بن المسيب والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير وقتادة وحماد بن أبي سليمان وبكر بن عبد الله المزني والأوزاعي ومالك ابن أنس وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه وأبي ثور. قال ابن المنذر: وبه أقول.
وحُكي عن عائشة رضي الله تعالى عنها وإبراهيم النخعي والحكم ومحمد بن سيرين
стр. 107
المنع من ذلك. وقال النووي نقلًا عن البيهقي وغيره أن نقل المنع عن عائشة ليس بصحيح عنها، بل هو قول الشعبي أدرجه بعض الرواة في حديثها.
وقال أحمد: لا يجوز الوطء إلا أن يخاف زوجها العنت (١).
مج ج ٢ ص ٣٥١، مغ ج ١ ص ٣٥٣، بداية ج ١ ص ٨٤، قرطبي ج ٣ ص ٨٦.
باب في أقل الحيض وأكثره
مسألة (١٣٠) أكثر العلماء على أن المرأة لو رأت الدم ساعة وانقطع لا يكون حيضًا.
وادَّعى ابن جرير الإجماع في ذلك، ونازعه النووي بأن أقل الحيض عند مالك دفعة واحدة فقط.
قلت: واختلف العلماء في ما سوى ذلك، فالمشهور في المذهب الشافعي أنْ أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يومًا. قال ابن المنذر: وبه قال عطاء وأحمد وأبو ثور.
وقال الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام. قال: وبلغني عن نساء الماجشون أنهن كن يحضن سبع عشرة.
قال أحمد: أكثر ما سمعناه سبع عشرة.
قال ابن المنذر: وقالت طائفة: ليس لأقل الحيض ولا لأكثره حد بالأيام بل الحيض إقبال الدم المنفصل عن دم الاستحاضة، والطهرُ إدباره.
قال الإِمام النووي: وحكى أصحابنا عن أبي يوسف أقل الحيض يومان وأكثره الثالث.
وعن مالك، لا حدَّ لأقلِّه وقد يكون دفقة واحدة.
وحكى الماورديُّ عن مالك ثلاث روايات في أكثر الحيض. إحداها: خمسة عشر والثانية: سبعة عشر. والثالثة: غير محدود (٢).
وعن مكحول أكثره سبعة أيام. مج ج ٢ ص ٣٥٨.
стр. 108
باب في أقل الطهر
مسألة (١٣١) أكثر العلماء فيما حكاه الماورديُّ على أن أقل الطهر خمسة عشر يومًا، وبه قال الثوري، وقال أبو ثور: وذلك مما لا يختلفون فيه فيما نعلم وهو رواية عن مالك، وحكاه عن الجمهور العيني في شرح البخاري.
قال العبدريّ: واختلف أصحاب مالك في أقلِّ الطهر فروى ابن القاسم أنه غير محدود وأنه ما يكون مثله طهرًا في العادة.
وروى عبد الملك بن الماجشون أنه خمسة أيام، وقال سحنون: ثمانية أيام، وقال غيره: عشرة أيام، وقال محمَّد بن سلمة: خمسة عشر، وهو الذي يعتمده أصحابه البغداديون.
وقال ابن المنذر: وأنكر أحمد وإسحاق التحديد في الطهر.
وقال أحمد: الطهر بين الحيضتين على ما يكون.
وقال إسحاق: توقيتهم الطهر بخمسة عشر باطل.
قال النووي: وقال أحمد في رواية الأثرم وأبي طالب: أقلُّ الطهر ثلاثة عشر يومًا (١).
مج ج ٢ ص ٣٥٩، الكافي ج ١ ص ١٨٦.
باب في الحامل. هل تحيض ؟
مسألة (١٣٢) جمهور العلماء من التابعين ومن بعدهم على أن الحامل لا تحيض، وأن ما تراه من الدم أثناء حملها هو دم فساد. حكاه الموفق عن الجمهور ونقله النووي عن أكثر العلماء منهم سعيد بن المسيب وعطاء والحسن وجابر بن زيد وعكرمة ومحمد بن المنكدر والشعبي ومكحول والزهري وحماد والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأبو عبيد وأبو ثور وأبو يوسف وأحمد والحكم وابن المنذر. وبه قال الشافعي في القديم.
وذهب الشافعي في الجديد وقتادة ومالك والليث إلى أن الحامل تحيض (٢). قلت:
стр. 109
وحكاه ابن وهب عن الزهري وربيعة ويحيى بن سعيد وابن أبي سلمة ورواه عن عائشة ﵂ بسندٍ فيه مقال (١).
مج ج ٢ ص ٣٦٣، مغ ج ١ ص ٣٧١.
باب في الصفرة والكدرة
مسألة (١٣٣) أكثر الفقهاء على أن الصفرة والكدرة في زمن إمكان الحيض حيضٌ، ولا نظر للعادة، وأنها في غير زمن الإمكان لا تكون حيضًا. وبه قال رييعة ومالك وسفيان والأوزاعي وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وأحمد وإسحاق. حكاه عنهم صاحب الشامل، وحكاه عن أكثر الفقهاء العبدريُّ.
وخالف البغويُّ العبدريَّ في نقله، فحكى أن أكثر الفقهاء يقيدون كون الصفرة والكدرة حيضًا بأن تكون في زمن الحيض المعتاد فإن ظهرتا في غير زمن الحيض المعتاد فلا تكونان حيضًا، وحكاه البغوي عن سعيد بن المسيب وعطاء والثوري والأوزاعي وأحمد، وحكاه الموفق عن يحيى الأنصاري وعبد الرحمن بن مهدي والشافعي وآخرين ممن ذكرهم البغوي وغيره.
قلت: والصحيح المعتمد من مذهب الشافعي هو القول الأول.
وقال أبو يوسف: الصفرة حيض، والكدرة ليست بحيض إلا أن يتقدمها دم، وحكاه الماوردي عن محمَّد بن الحسن، والصحيح ما نقلناه عنه أولًا.
وقال أبو ثور: إن تقدَّمها دم فهما حيضٌ وإلا فلا، وهو اختيار ابن المنذر (٢).
مج ج ٢ ص ٣٧٠.
باب في المستحاضة كم مرة تغتسل ؟
مسألة (١٣٤) جمهور العلماء من السَّلف والخلف على أن المستحاضة لا يجب عليها إلا غسلٌ واحدٌ عند انقطاع حيضها وأن طهارتها للصلاة ليست إلا الوضوء.
وهذا مذهب عليّ بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعائشة
стр. 110
رضي الله تعالى عنهم، وبه قال عروة بن الزبير وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو حنيفة ومالك (١) والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى.
ورُوي عن ابن عمر وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم وعطاء بن أبي رباح أنهم قالوا: يجب عليها الغسل لكل صلاة. ورُوي هذا أيضًا عن علي وابن عباس.
ورُوي عن عائشة أنها قالت: تغتسل كل يومٍ غسلًا واحدًا.
وقال سعيد بن المسيب والحسن البصري فيما روى عنهما: تغتسل من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر دائمًا.
مج ج ٢ ص ٤٩٠، مغ ج ١ ص ٣٧٤، بداية ج ١ ص ٨٠.
* * *