← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 123608

التلخيص الحبير - ط أضواء السلف

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (3 279 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (مقدمة المصنف) رب يسر وأعن بفضلك يا كريم (١) الحَمْدُ لله مُخْرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحَيّ، العلم بما تُخْفِي الصُّدُور وتبديه من كل شي، أحمده على نعمه، وأعوذ به في أداء شكرها من المطل واللي، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي هدانا إلى الرُّشد على رغم أنف أهل الغَيّ وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله الذي أباح له الفي، وأظل أمته من ظل هديه بأوسع في صلى الله عليه وعلى آله وصحبه من كل قبيلة وحي. أمّا بعد، فقد وَقَفْتُ على تخريج أحاديث "شرح الوجيز" للإمام أبي القاسم الرّافعي شَكَرَ اللهُ سَعْيه، لجماعة من المتأخرين؛ منهم: القاضي عزّ الدّين ابن جماعة، والإمام أبو أمامة ابن النقّاش والعلامة سراج الدّين عمر بن علي الأنصاري، والمفتي بدر الدين محمَّد بن عبد الله الزّركشي، وعند كلّ منهم ما ليس عند الآخر من الفوائد والزَّوَائد، وَأَوْسَعها عبارة وأخلصها إشارة كتاب شيخنا سراج الدّين، إلا أنّه أطاله بالتّكرار فجاء في سبع مجلّدات، ثمّ رأيته لَخَّصه في مجلَّدةٍ لطيفةٍ أخلّ فيها بكثيرٍ من مقاصد المطوّل وتنبيهاته، فرأيت

стр. 107

تلخيصه في قدر ثلث حجمه مع الالتزام بنحصيل مقاصده، فمنّ الله بذلك ثمّ تتبعت عليه الفوائد الزوائد من تخاريج المذكورين معه، ومن تخريج "أحاديث الهداية" في فقه الحنفية للإمام جمال الدين الزيلعي؛ لأنه ينبّه فيه على ما يحتجّ به مخالفوه. وأرجو الله إن تمّ هذا التّتبع أن يكون حاويًا لجلِّ ما يَستدل به الفقهاءُ في مصنّفاتهم في الفروع، وهذا مقصِد جليل. والله تعالى المسئُول أن ينفعنا بما علّمنا، ويعلّمنا ما ينفعنا، وأن يزيدنا علمًا وأن يعيذنا من حال أهل النار، وله الحمد على كلّ حال. * * * *

стр. 108

(١) كتاب الطهارة

стр. 109

باب الماء الطاهر ١ - [١]- حديث البحر: "هُو الطّهور ماؤه". مالك (١) والشافعي عنه (٢)، والأربعة (٣) وابن خزيمة (٤) وابن حبان (٥) وابن الجارود (٦) والحاكم (٧) والدّارَقطني (٨) والبيهقيُّ (٩)، وصَححَه البخاري فيما حكاه عنه الترمذي (١٠). وتعقّبه ابن عبد البر (١١) بأنه لو كان صحيحًا عنده لأخرجه في "صحيحه".

стр. 110

وهذا مردود؛ لأنه لم يلتزم الاستيعاب (١). ثمّ حكم ابن عبد البر مع ذلك بصحّته لتلقّي العلماء له بالقبول، فردّه من حيث الإِسناد، وقَبِلَه من حيث المعنى، وقد حكم بصحّة جملةٍ من الأحاديث لا تبلغ درجة هذا ولا تقاربه. ورجّح ابن منده صحّته، وصَحَّحَه أيضًا ابن المنذر، وأبو محمّد البغوي (٢)، ومداره على صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة، عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله -صلي الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله- ﷺ ، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله- ﷺ : "هو الطّهُورُ ماؤُه، الحِلُّ مَيتَتُه". رواه عنه مالك وأبو أويس (٣)، قال الشّافعي (٤): في إسناد هذا الحديث من لا أعرفه.

стр. 111

قال البيهقي (١): يحتمل أن يريد سعيد بن سلمة أو المغيرة أو [كليهما] (٢). قلت: لم ينفرد به سعيد عن المغيرة؛ فقد رواه عنه يحيى بن سعيد الأنصاري إلا أنّه اختلف عليه فيه، والاضطراب منه، فرواه ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن رجل من أهل المغرب يقال له: المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة: أن ناسا من بني مدلج أتوا رسول الله- ﷺ فذكره. وقيل: عنه، عن المغيرة، عن رجل من بني مدلج. وقيل: عن يحيى، عن المغيرة، عن أبيه (٣) /. وقيل: عن يحيى، عن المغيرة بن عبد الله، أو عبد الله بن المغيرة. وقيل عن يحيي، عن عبد الله بن المغيرة، عن أبيه، عن رجل من بني مدلج، اسمه عبد الله مرفوعًا. وقيل: عن يحيى، عن عبد الله بن المغيرة، عن أبي بردة مرفوعًا. وقيل: عن المغيرة عن عبد الله المدلجي. ذكرها الدّارَقطني وقال: أشبهها بالصواب قول مالك ومن تابعه (٤). وقال ابن حبان: من قال فيه: عن المغيرة، عن أبيه، فقد وهم، والصّواب عن المغيرة، عن أبي هريرة. وأمّا حال المغيرة؛ فقد روى الآجرّي، عن أبي داود أنّه قال: المغيرة بن

стр. 112

أبي بردة معروف. وقال ابن عبد البر (١): وجدت اسمه في "مغازي موسى ابن نصير". وقال ابن عبد الحكم (٢): اجتمع عليه أهل إفريقية [أن يؤمروه] (٣) بعد قتل يزيد ابن أبي مسلم فأبى. انتهى. ووثقه النسائي (٤)، فعلم بهذا غلط من زعم أنّه مجهول لا يعرف. وأمّا سعيد بن سلمة؛ فقد تابع صفوان بن سليم على روايته له عنه: الجلاحُ أبو كثير رواه عنه اللّيث بن سعد وعمرو بن الحارث وغيرهما، ومن طريق اللّيث رواه أحمد (٥) والحاكم (٦) والبيهقيُّ (٧) عنه وسياقه أتم، قال: كنا عند

стр. 113

رسول الله- ﷺ يوما فجاءه صياد فقال: يا رسول الله إنا ننطلق في البحر نريد الصيد، فيحمل أحدنا معه الإداوة، وهو يرجو أن يأخذ الصيد قريبا فربما وجده كذلك، وربما لم يجد الصّيد، حتى يبلغ من البحر مكانا لم يظن أن يبلغه فلعله يحتلم أو يتوضأ، فإن اغتسل أوتوضأ بهذا الماء فلعل أحدنا يهلكه العطش، فهل ترى في ماء البحر أن نغتسل به أو نتوضأ به إذا خفنا ذلك؟ فزعم أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم - قال: "اغْتَسِلوا منه، وتوضَّؤوا بِه؛ فإنّه الطَّهُورُ ماؤُه، الْحِلُّ مَيْتَتُه". قلت: ورواه عن مالك مختصرًا للقصّة أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (١) عن حمّاد بن خالد، عن مالك بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم - البحر: "هو الطّهُور ماؤه، الحلّ مَيْتَتُه". وهذا أشبه بسياق صاحب الكتاب. وفي الباب: [٢]- عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ سئل عن ماء البحر؟ فقال: "هو الطّهور مَاؤُه الحلّ مَيْتتُه". رواه أحمد (٢) وابن ماجه (٣) وابن حبان (٤) والدّارَقطنىّ (٥) والحاكم (٦) من

стр. 114

طريق عُبيد الله بن مقسم عنه. قال أبو علي بن السكن: حديث جابر أصحّ ما روي في هذا الباب. ورواه الطّبراني في "الكبير" (١) والدّارَقطنيّ (٢) والحاكم (٣) من حديث المعافى بن عمران، عن ابن جُريج، عن أبي الزُّبير، عن جابر. وإسناده حسن ليس فيه إلا ما يخشى من التّدليس (٤). [٣]- ورواه الدّارَقطني (٥) والحاكم (٦) من حديث موسى بن سلمة، عن ابن عباس، قال: سئل رسول الله -صلي الله عليه وسلم - عن ماء البحر؟ فقال: "مَاءُ الْبَحْرِ طَهُور". ورواته ثقات لكن صحَّحَ الدّارَقطني وقفه (٧). [٤]- ورواه ابن ماجه (٨) من حديث يحيى بن بكير عن الليث عن جعفر بن ربيعة [عن بكر بن سوادة] (٩)، عن مسلم بن مخشى (١٠)، عن ابن الفِرَاسي قال:

стр. 115

كنت أصيد، وكانت لي قربة أجعل فيها ماء، وإني توضأت بماء البحر، فذكرت ذلك لرسول الله -صلي الله عليه وسلم - فقال: "هُو الطّهُور ماؤُه، الحلُّ مَيتتُه". قال الترمذي (١): سألت محمدًا عنه، فقال: هذا مرسل؛ لم يدرك ابن الفراسي النبي ﷺ ، والفراسي له صحبة (٢). قلت: فعلى هذا كأنه سقط من الرِّواية: عن "أبيه"، أو أن قوله: "بن" زيادة، فقد ذكر البخاري أن مسلم بن مخشى لم يدرك الفراسي نفسه، وإنما يروي عن ابنه، وأن الابن ليست له صحبة، وقد رواه البيهقي (٣) من طريق شيخ شيخ ابن ماجه يحيى بن بكير عن الليث عن جعفر بن ربيعة عن مسلم بن مخشي أنّه حدَّثه: أن الفراسي قال: كنت أصيد. . . . فهذا السياق مجوَّد، وهو على رأي البخاريّ مرسل (٤). [٥]- وروى الدّارَقطني (٥) والحاكم (٦) من/ (٧) حديث عمرو بن شُعيب عن

стр. 116

أبيه عن جده: أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم - قال: "مَيْتةُ الْبحْرِ حلالٌ وماؤُه طَهُور". وهو من طريق المثنى، عن عمرو. والمثنى (١) ضعيف. ووقع في رواية الحاكم: "الأوزاعي" بدل "المثنى" وهو غير محفوظ. [٦]- ورواه الدّارَقطني (٢) والحاكم (٣) من حديث علي بن أبي طالب، من طريق أهل البيت (٤). وفي إسناده من لا يعرف. [٧]- وروى الدّارَقطني (٥) من طريق عمرو بن دينار، عن عبد الرحمن بن أبي هريرة (٦)، أنّه سأل ابن عمر: آكل ما طفا على الماء؟ قال: إنّ طافيه ميتة (٧). وقال النبي ﷺ : "إنّ مَاءَهُ طَهُورٌ، وميتته حلُّ".

стр. 117

[٨]- ورواه الدّارَقطني (١) من حديث أبي بكر الصديق، وفي إسناده عبد العزيز بن أبي ثابت وهو ضعيف (٢)، وصحح الدّارَقطني وقفه (٣) وكذا ابن حبان في "الضعفاء" (٤). تنبيه وقع في بعض الطرق التي ذكرها الدّارَقطني: أنّ اسم السّائل عبد الله المدلجي وكذا ساقه ابن بشكوال بإسناده (٥). وأورده الطّبراني فيمن اسمه عبد، وتبعه أبو موسى فقال: عبد أبو زمعة البلوي الّذي سأل النبي ﷺ عن ماء البحر. قال ابن منيع: بلغني أنّ اسمه عبد، وقيل: اسمه عبيد -بالتصغير-. وقال السّمعاني في "الأنساب" (٦): اسمه العربي. وغلط في ذلك، وإنما العربي وصفٌ له، وهو ملّاح السفينة.

стр. 118

قال أبو موسى (١): وأورده ابن مَنده (٢) فيمن اسمه عركى، والعركى هو الملاح وليس هو اسمًا. والله أعلم. وقال الحميدي: قال الشَّافعي: هذا الحديث نصف علم الطّهارة. ٢ - [٩]-حديث: أنّه ﷺ توضأ من بئر بضاعة. الشَّافعي (٣) وأحمد (٤) وأصحاب "السنن" (٥) والدّارَقطنيّ (٦) والحاكم (٧) والبيهقيُّ (٨) من حديث أبي سعيد الخدري قال: قيل: يا رسول الله- ﷺ أتتوضأ من

стр. 119

بئر بضاعة، وهي بئر يُلْقَى فيها الْحِيَضُ ولحومُ الكلاب والنتن؟ فقال رسول الله- ﷺ : "إنّ الماءَ طَهُوز لا يُنَجِّسه شىءٌ". لفظ الترمذي، وقال: حديث حسن، وقد جوده أبو أسامة (١). وصَحَّحَه أحمد ابن حنبل (٢) ويحعى بن معين (٣) وأبو محمَّد ابن حزم ونقل ابن الجوزي (٤) أن الدّارَقطني قال: إنّه ليس بثابن. ولم نر ذلك في "العلل" له ولا في "السنن" (٥). وقد ذكر في "العلل" (٦) الاختلاف فيه على ابن إسحاق وغيره، وقال في آخر الكلام عليه: وأحسنها إسنادا رواية الوليد بن كثير عن محمَّد بن كعب -يعني عن عبد الله بن عبد الرحمن بن رافع، عن أبي سعيد. وأعله ابن القطّان (٧) بجهالة راويه عن أبي سعيد، واختلاف الرُّواة في اسمه واسم أبيه. قال ابن القطّان (٨): وله طريق أحسن من هذه.

стр. 120

[١٠]- قال قاسم بن أصبغ في "مصنفه" (١): حدثنا محمّد بن وضاح، حدثنا عبد الصمد بن أبي سكينة الحلبي بحلب، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد، قال: قالوا: يا رسول الله -صلي الله عليه وسلم -إنّك تتوضأ من بئر بُضاعة وفيها ما ينجى النّاس، والمحايض والخبث! فقال رسول الله- ﷺ : "الماءُ لا يُنَجِّسه شيءٌ". وقال محمّد بن عبد الملك بن أبيمن في "مستخرجه على سنن أبي داود": حدثنا محمّد بن وضاح به. قال ابن وضاح: لقيت ابن أبي سكينة بحلب فذكره. وقال قاسم بن أصبغ: هذا من أحسن شيء في بئر بضاعة. وقال ابن حزم (٢): عبد الصمد ثقة مشهور. قال قاسم: ويروى عن سهل بن سعد في بئر بضاعة من طرق هذا خيرها. وقال ابن منده في حديث أبي سعيد هذا: إسناد مشهور. قلت: ابن أبي سكينة الذي زعم ابن حزم أنّه مشهور، قال ابن عبد البر وغير واحد: إنّه مجهول. ولم نجد عنه راويًا إلا محمَّد بن وَضَّاح. تنبيه قوله: "أتتوضأ" - بنائين مثناتين من فوق- خطاب للنّبي ﷺ . قال الشَّافعي: كانت بئر بضاعة كبيرة واسعة وكيان يطرح فيها من/ (٣) الأنجاس

стр. 121

ما لا يغيّر لها لونًا ولا طعمًا ولا يظهر له ريح، فقيل للنبي ﷺ : تتوضأ من بئر بضاعة وهي يُطرح فيها كذا وكذا؟ فقال مجيبًا: "الماءُ لا يُنَجِّسه شَيْءٌ". قلت: وأصرحُ من ذلك ما رواه النّسائي (١) بلفظ: مررت بالنّبي ﷺ -وهو يتوضّأ من بئر بضاعة، فقلت: أتتوضأ منها وهي يطرح فيها ما يكره من النتن؟ فقال: "إنّ الماءَ لا يُنجّسه شَيءٌ". وقد وقع مصرَّحًا به في رواية قاسم بن أصبغ في حديث سهل بن سعد أيضًا، وهذا أشبه بسياق صاحب الكتاب. ٣ - قوله: وكان ماء هذه البئر كنقاعة الحناء. هذا الوصف لهذه البئر، لم أجد له أصلًا. قلت: ذكره ابن المنذر فقال: ويروى: أن النبي ﷺ توضأ من بئر كأن ماءه نقاعة الحناء. فلعلّ هذا معتمد الرافعي فينظر إسناده من كتابه الكبير انتهى. وقد ذكره ابن الجوزي في "تلقينه" (٢): أنّه ﷺ توضأ من غديرٍ ماؤه كنقاعة الحنّاء. وكذا ذكره ابن دقيق العيد فيما علّقه على "فروع ابن الحاجب". وفي الجملة لم يرد ذلك في بئر بضاعة، وقد جزم الشّافعي (٣) بأنّ بئر بضاعة كانت لا تتغير بإلقاء ما يلقى فيها من النّجاسات؛ لكثرة مائها.

стр. 122

وروى أبو داود عن قَيِّمِها ما يراجع منه (١). وروى الطحاوي (٢) عن الواقدي: أنّها كانت سيحا تجري، ثمّ أطال في ذلك وقد خالفه البلاذري في "تاريخه" فروى عن إبراهيم بن غياث، عن الواقدي قال: تكون بئر بضاعة سبعأبي سبع وعيونها كثيرة فهي لا تنزح. ٤ - [١١]- حديث: روي أنّه ﷺ قال: "خَلَق الله الماءَ طَهُورًا لا يُنجّسه شيءٌ إلَاّ ما غَيَّر طَعْمَة أو رِيحَه". لم أجده هكذا، وقد تقدم في حديث أبي سعيد بلفظ: "إنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُه شَيْءٌ" وليس فيه: (خلق الله) ولا الاستثناء. وفي الباب كذلك: [١٢]- عن جابر بلفظ: "إنَّ الماءَ لايُنَجَّسُه شيءٌ" وفيه قصة.

стр. 123

رواه ابن ماجه (١) وفي إسناده أبو سفيان طريف بن شهاب، وهو ضعيف متروك، وقد اختلف فيه على شريك الراوي عنه (٢). [١٣]-وعن ابن عباس ﵁ بلفظ: "الماء لا ينجِّسُه شيءٌ". رواه أحمد (٣) وابن خزيمة (٤) وابن حبان (٥). ورواه أصحاب السّنن (٦) بلفظ: "إنّ الماءَ لا يجنُب" وفيه قصة. وقال الحازمي: لا يعرف مجوَّدًا إلا من حديث سماك بن حرب، عن عكرمة وسماك مختلف فيه (٧)، وقد احتج به مسلم (٨). [١٤]- وعن سهل بن سعد، رواه الدّارَقطني (٩).

стр. 124

[١٥]- وعن عائشة، بلفظ: "إنّ الماء لا يُنَجِّسه شيءٌ" رواه الطّبراني في "الأوسط" (١) وأبو يعلى (٢) والبزار (٣) وأبو علي بن السّكن في "صحاحه"، من حديث شريك. ورواه أحمد (٤) من طريق أخرى صحيحة، لكنه موقوف. وفي "المصنف" (٥) والدّارَقطنّى (٦) من طريق داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب قال: أنزل الله الماء طهورًا لا ينجِّسه شيء. [٦]- وأمّا الاستثناء فرواه الدّارَقطني (٧) من حديث ثوبان بلفظ: "الماءُ طَهور لايُنَجّسه شيء إلَاّ ما غَلَب على ريحِه أو طَعْمِه". وفيه رِشدين بن سعد، وهو متروك (٨).

стр. 125

وقال ابن يونس (١): كان رجلًا صالحًا لا شكّ في فضله، أدركته غفلة الصالحين فخلَّط في الحديث. [٧]- وعن أبي أمامة مثله. رواه ابن ماجه (٢) والطبراني (٣) وفيه رشدين أيضًا. ورواه البيهقي (٤) بلفظ: "إنّ الماء طاهرٌ إلَاّ إنْ تَغَيَّر ريحه أو طَعْمُه أو لونُه بنجاسةٍ تَحْدُثُ فِيه". أورده من طريق عطية بن بقية، عن أبيه، عن ثور، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة. وفيه تعقب على من زعم أنّ رِشدين بن سعد تفرّد بوصله (٥). ورواه الطحاوي (٦) والدّارَقطنيّ (٧) من طريق راشد بن سعد مرسلًا بلفظ: "الماءُ لا ينجِّسه شيءٌ إلَاّ مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ أوْ طَعْمِهِ". زاد الطّحاوي: ". . . أو لَوْنِه". وصحّح أبو حاتم (٨) إرساله. قال

стр. 126

الدّارَقطني في "العلل" (١): هذا الحديث يرويه رشدين بن سعد، عن معاوية ابن صالح، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة. وخالفه الأحوص/ (٢) بن حكيم؛ فروإه عن راشد بن سعد مرسلًا. وقال أبو أسامة عن الأحوص عن راشد قوله. قال الدّارَقطني: ولا يثبت هذا الحديث. وقال الشّافعي (٣): ما قلتُ من أنّه إذا تغير طعم الماء [أو] ريحه [أو] (٤) لونه كان نجسا، يُروَى عن النبي ﷺ من وجه لا يُثبِت أهلُ الحديث مثله، وهو قول العامّة لا أعلم بينهم خلافًا. وقال النّووي (٥): اتفق المحدّثون على تضعيفه. وقال ابن المنذر (٦): أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيّرت له طعمًا أو لونًا أو ريحًا فهو نجس. ٥ - قوله: نصّ الشّارع على الطعم والرِّيح، وقاس الشَّافعي اللّون عليهما. هذا الكلام تَبع فيه صاحبَ "المهذب" (٧)، وكذا قاله الرّوياني في "البحر"، وكأنّهما لم يقفا على الرِّواية التي فيها ذِكْر اللّون، ولا يقال: لعلّهما ترسماها

стр. 127

لضعفها؛ لأنّهما لو راعيا الضّعف لتركا الحديثَ جملةً؛ فقد قدمنا عن صاحب [المذهب] (١) أنّه لا يثبت، ونصّ مع ذلك فيه على اللّون في نفس الخبر. ٦ - قوله: وحمل الشَّافعي الخبر على الكبير؛ لأنه ورد في بئر بضاعة وكان ماؤها كثيرًاً. وهذا مصير منه إلى أن هذا الحديث ورد في بئر بضاعة، وليس كذلك، نعم صدر الحديث كما قدمناه -دون قوله: "خلق الله"- هو في حديث بئر بضاعة. وأمّا الاستثناء الذي هو موضع الحجة منه فلا، والرّافعي كأنّه تبع الغزَّالي في هذه المقالة؛ فإنّه قال في "المستصفى" (٢): لأنه ﷺ لما سئل عن بئر بضاعة؟ قال: "خَلَق الله الماءَ طَهُورًا لا يُنَجَّسه شَيءٌ إلَاّ مَا غَيَّر لونَه أو طَعْمَه أوريحَه". وكلامه متعقَّب لما ذكرناه، وقد تبعه ابن الحاجب في "المختصر" (٣) في الكلام على العام، وهو خطأ. والله الموفِّق تنبيه وقع لابن الرّفعة أشدّ من هذا الوهم؛ فإنّه عزا هذا الاستثناء إلى رواية أبي داود، فقال ورواية أبي داود: "خلق الله الماءَ طَهُورًا لا يُنَجِّسه إلا مَا غَيَّر طَعْمَه أو رِيحه" ووهم في ذلك فليس هذا في "سنن أبي داود" أصلًا.

стр. 128

فائدة أهمل الرّافعي الاستدلال على أنّ الماء لا تُسْلَب طهوريته بالتّغيّر اليسير، بنحو الزّعفران والدّقيق: [١٨]-وعند ابن خزيمة (١) والنسّائي (٢) من حديث أم هاني: أنّ رسول الله- ﷺ اغتسل هو وميمونة من إناء واحد من قصعة فيها أثر العجين. وفي الباب: [١٩]- حديث الزُّبير في غسل النّبي ﷺ وجهه من الدّم الذي أصابه بأحد بماء آجن أي متغَيِّر. رواه البيهقي (٣). (٤). ٧ - [٢٠]- حديث: "إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُليتَينِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا". الشَّافعي (٥) وأحمد (٦) والأربعة (٧) وابن خزيمة (٨) وابن حبّان (٩)

стр. 129

والحاكم (١) والدّارَقطنيّ (٢) والبيهقيُّ (٣) من حديث عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن أبيه، ولفظ أبي داود: سئل رسول الله- ﷺ عن الماء وما ينوبه من السّباع والدّواب؟ فقال رسول الله -صلي الله عليه وسلم -: "إذًا كَانَ الماء قُلَّتين لم يَحْمِل الخَبَثَ". ولفظ الحاكم فقال: "إذًا كَانَ الْمَاءُ قُلّتين لم يُنَجِّسْه شيءٌ". وفي رواية لأبي داود (٤) وابن ماجه (٥): " فإنّه لا يَنْجُس". قال الحاكم: صحيحٌ على شرطهما، وقد احتجّا بجميع رواته (٦). وقال ابن مَنده: إسناده على شرط مسلم. ومداره على الوليد بن كثير. فقيل: عنه، عن محمّد بن جعفر بن الزُّبير. وقيل: عنه، عن محمّد بن عباد ابن جعفر. وتارة: عن عُبيد الله بن عبد الله بن عمر. وتارة: عن عبد الله بن عبد الله بن عمر. والجواب: أن هذا/ (٧) ليس اضطرابًا قادحا؛ فإنه-على تقدير أن يكون

стр. 130

الجميع محفوظًا- انتقالٌ من ثقة إلى ثقة، وعند التحقيق: الصّواب أنّه عند (١) الوليد بن كثير، عن محمّد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر -المكبر-، وعن محمّد بن جعفر بن الزُّبير، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عمر - المصغر-، ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهم. وقد رواه جماعة عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير على الوجهين. وله طريق ثالثة رواها الحاكم وغيره من طريق حمّاد سلمة، عن عاصم بن المنذر، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه. وسئل ابن معين عن هذه الطريق، فقال: إسنادها جيد، قيل له: فإن ابن علية لم يرفعه؟ فقال: وإن لم يحفظه ابن علية فالحديث جيد الإِسناد. وقال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢): ما ذهب إليه الشّافعي من حديث القلتين مذهب ضعيف من جهة النظر، غير ثابت من جهة الأثر؛ لأنه حديث تكلم فيه جماعة من أهل العلم، ولأن القلتين لم يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع. وقال في "الاستذكار" (٣): حديث معلول رده إسماعيل القاضي وتكلم فيه. وقال الطحاوي (٤): إنما لم نقل به؛ لأن مقدار القلتين لم يثبت. وقال ابن دقيق العيد (٥): هذا الحديث قد صحّحه بعضهم، وهو صحيحٌ على

стр. 131

طريقة الفقهاء؛ لأنّه وإن كان مضطرب الإِسناد مختلفأبي بعض ألفاظه فإنّه يجاب عنها بجواب صحيح، [فإنه] (١) أيمكن الجمع بين الرِّوايات، ولكني تركته؛ لأنه لم يثبت عندنا بطريق استقلالي يجب الرجوع إليه شرعًا تعيين مقدار القلتين. قلت: كأنه يشير إلى: [٢١]- ما رواه ابن عدي (٢) من حديث ابن عمر "إذَا بَلَغ الماءُ قُلَّتَيْن من قِلال هَجَر لَم يُنَجِّسه شَيءٌ". وفي إسناده المغيرة بن صقلاب، وهو منكر الحديث. قال النفيلي (٣): لم يكن مؤتمنا على الحديث. وقال ابن عدي (٤): لا يتابَع على عامَّة حديثه. وأمّا ما اعتمده الشّافعي في ذلك فهو ما ذكره في "الأم" (٥) و"المختصر" (٦) بعد أن روى حديث ابن عمر قال: [٢٢]- أخبرنا مسلم بن خالد الزّنجي، عن ابن جُريج -بإسناد لا يحضرني ذكره- أنّ رسول الله -صلي الله عليه وسلم - قال: "إذًا كَانَ الماءُ قُلَّتَيْن لَمْ يَحْمِلْ نَجَسًا". وقال في الحديث: "بقِلَالِ هَجَر". قال ابن جُريج: ورأيت قِلالَ هَجَر فالقُلّة تَسَع قِرْبَتَيْن أو قِرْبَتَيْن وشيئًا.

стр. 132

قال الشَّافعي (١): فالاحتياط أن تكون القُلّة قِرْبَتَيْن ونصفًا؛ فإذا كان الماء خمس قِرَب لم يحمل نَجَسأبي جرّ كان أو غيره، وقِرَبُ الحجاز كبار، فلا يكون الماء الذي لا يحمل النجاسة إلا بقِرَب كبار. انتهى كلامه. وفيه مباحث: الأول: في تبيين الإِسناد الذي لم يحضر الشَّافعي ذكره. والثاني: في كونه متَّصلًا أم لا. والثالث: في كون التقييد بقِلال هَجَر في المرفوع. والرابع: في ثبوت كون القِرْبة كبيرةً لاصغيرةً. الخامس: في ثبوت التّقدير للقُلّة بالزّيادة على القِرْبَتَيْن. فالأوّل: في بيان الإِسناد، وهو [٢٣]- ما رواه الحاكم أبو أحمد، والبيهقيُّ (٢) وغيرهما من طريق أبي قُرّة موسى بن طارق، عن ابن جُريج، قال: أخبرني محمّد، أنّ يحيى بن عُقيل أخبره أنّ يحيى بن يعمر أخبره: أن النبي ﷺ قال: "إذَا كَانَ الماءُ قُلَتَّيْنِ لَمْ يَحْمِلْ نَجَسًا ولا بَأْسًا". قال: فقلت ليحيى بن عقيل أيّ قِلَال؟ قال: قِلَال هَجَر. قال محمّد: رأيت قِلالَ هَجَر فأظنّ كلّ قلّة تأخذ قربتين. وقال الدّارَقطني (٣): حدثنا أبو بكر النيسابوري، حدثنا أبو حميد المصيصي حدّثنا حجاج، عن ابن جُريج، مثله.

стр. 133

وقال في آخره: قال: فقلت ليحى بن عقيل: قلال هجر؟ قال: قلال هَجَر. قال فأظنّ أنّ كل قُلّة تأخذ قِرْبتين. قال الحاكم أبو أحمد: محمّد، شيخ ابن جُريج هو محمّد بن يحيى، له رواية عن يحيى بن أبي كثير أيضًا. قلت: وكيف ما كان فهو مجهول. الثّاني: في بيان كون الإِسناد متّصلًا أم لا، وقد ظهر أنّه مرسل؛ لأنّ/ (١) يحيى بن يعمر تابعي، ويحتمل أن يكون سمعه من ابن عمر؛ لأنّه معروف من حديثه، وإن كان غيره من الصّحابة رواه، لكن يحيى بن يعمر معروف بالحمل عن ابن عمر. وقد اختُلف فيه على ابن جُريج [٢٤]- رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢) عنه، قال: حُدِّثْت أنّ النبي ﷺ قال: "إذًا كَانَ الماءُ قُلتَيْن لَمْ يَحْمِلْ نَجَسأولا بَأْسًا". قال ابن جُريج: زعموا أنّها قلال هَجَر. قال عبد الرزاق: قال ابن جُريج: قال الّذي أخبرني عن القلال: فرأيتُ قِلالَ هَجَر بعدُ فأظنّ أن كل قُلَّة تأخذ قِرْبتين. البحث الثالث: في كون التّقييد بقِلال هَجَر ليس في الحديث المرفوع، وهو كذلك إلا في الرِّواية التي تقدّمت قبلُ من رواية المغيرة بن صقلاب. وقد تقدّم

стр. 134

أنّه غير صحيحٌ. لكن أصحاب الشَّافعي قَوَّوْا كونَ المراد قِلالَ هَجَر بكثرة استعمال العرب لها في أشعارهم، كما قال أبو عبيد في "كتاب الطهور" (١). وكذلك ورد التّقييد بها في الحديث الصحيح. قال البيهقي: قِلالُ هَجَر كانت مشهورةٌ عندهم ولهذا شبّه رسول الله -صلي الله عليه وسلم - ما رأى ليلةَ المعراج من نبق سدرة المنتهى: "فَإذَا وَرَقُها مِثْلَ آذانِ الفِيَلَةِ، وإذا نَبقها مِثْلَ قِلال هَجَر". انتهى (٢). فان قيل: أيّ ملازمة بين هذا التّشبيه وبين ذكر القُلَّة في حدّ الماء (٣)؟

стр. 135

فالجواب: أنّ التقييد بها في حديث المعراج دالٌّ على أنّها كانت معلومةً عندهم، بحيث يُضرَب بها المثل في الكِبر، كما أنّ التّقييد إذا أُطلق إنما ينصرف إلى التّقييد المعهود. وقال الأزهري: القِلال مختلفة في قُرى العرب، وقلالُ هَجَر أكبرها. وقال الخطّابي (١): قلالُ هَجَر مشهورة الصَّنْعة، معلومةُ المقدار. والقُلّة لفظ مشترك، وبعد صرفها إلى أحد معلوماتها وهي الأواني تبقى متردِّدة بين الكبار والصّغار، والدليل على أنها من الكبار جعل الشّارع الحدّ [مقدَّرًا] (٢) بعدد، فدل على أنَّه أشار إلى أكبرها؛ لأنّه لا فائدة في تقديره بقلّتين صغيرتين مع القدرة على تقديره بواحدةٍ كبيرة. والله أعلم. وقد تَبَيَّن بهذا محصَّلُ البحث الرّابع. والبحث الخامس: في ثبوت كون القلة تزيد على قربتين. وقد طعن في ذلك ابن المنذر من الشّافعية، وإسماعيل القاضي من المالكية بما محصّله أنّه أمر مبني على ظنّ بعض الرُّواة، والظنّ ليس بواجب قبولُه، ولا سيّما من مثل محمّد بن يحيى المجهول؛ ولهذا لم يتفق السَّلف وفقهاء الأمصار على الأخذ بذلك التّحديد فقال بعضهم: القلّة تقع على الكوز والجرّة كبرت أو صغرت. وقيل: القُلَّة مأخوذة من استقلّ فلان بحمله وأقلّه إذا أطاقه وحمله، وإنما سُمّيت الكيزان قلالًا؛ لأنّها تقل بالأيدي. وقيل: مأخوذة من قلّة الجبل وهي أعلاه.

стр. 136

فإن قيل: الأولى الأخذ بما ذكره راوي الحديث؛ لأنه أعرف بما روى. قلنا: لم تتفق الرُّواة على ذلك؛ فقد روى الدّارَقطني (١) بسندٍ صحيح، عن عاصم بن المنذر -أحد رواة هذا الحديث-أنّه قال: القِلال هي الخوابي العظام. قال إسحاق بن راهويه: الخابية تَسَعُ ثلاثَ قِرَب. وعن إبراهيم قال: القلّتان الجرّتان الكبيرتان. وعن الأوزاعي قال: القلّة ما تقله اليد أي ترفعه. وأخرج البيهقي (٢) من طريق ابن إسحاق قال: القُلَّة الجرَّة التي يُسْتَقَى فيها الماء والدورق. ومال أبو عبيد في "كتاب الطهور" (٣) إلى تفسير عاصم بن المنذر، وهو أولى. وروى عليّ بن الجعد، عن مجاهد (٤) قال: القُلَّتان الجرَّتان. ولم يُقيَّدهما بالكبر. وعن عبد الرحمن بن مهدي ووكيع (٥) ويحيى بن آدم (٦) مثلَه، رواه ابن المنذر (٧)./ (٨)

стр. 137

تنبيه قوله: "ينوبه"، هو بالنون، أي يَرِدُ عليه نَوْبَةً بَعد أخرى. وحكى الدّارَقطني أن ابن المبارك صحفه فقال: يثوبه بالثاء المثلثة. تنبيه آخر قوله: "لم يحمل الخبث" معناه: لم يَنجس بوقوع النجاسة فيه، كما فسّره في الرِّواية الأخرى التي رواها أبو داود (١)، وابن حبان (٢)، وغيرهما: "إذَا بَلغ الماءُ قُلَّتَيْن لم ينجس". والتقدير: لا يقبل النجاسة، بل يدفعها عن نفسه، ولو كان المعنى أنّه يَضْعُفُ عن حمله لم يكن للتّقييد بالقلَّتين معنى؛ فإن ما دونهما أولى بذلك. وقيل: معناه: لا يقبل حكم النجاسة، كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (٣) أي لم يقبلوا حكمها. ٨ - [٢٥]-حديث عائشة: أن النبي ﷺ نهاها عن التّشميس وقال: " إنّه يُورِثُ الْبَرَص". الدّارَقطني (٤) وابن عدي في "الكامل" (٥) وأبو نعيم في "الطب"،

стр. 138

والبيهقيُّ (١) من طريق خالد بن إسماعيل، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنها، دخل على رسول الله -صلي الله عليه وسلم - وقد سَخَّنْتُ ماء في الشمس، فقال: "لا تَفْعَلِي يَا حُمَيْرَاء؛ فإنَّه يُورِثُ الْبَرَص" .. وخالد قال ابن عدي (٢): كان يَضع الحديث. وتابعه وهب بن وهب أبو البختري، عن هشام، قال (٣): ووهب أشرّ من خالد. وتابعهما الهيثم بن عدي، عن هشام، رواه الدّارَقطني (٤). والهيثم كذّبه يحيى بن معين (٥). وتابعهم محمَّد بن مروان السُّدّي، وهو متروك، أخرجه الطّبراني في "الأوسط" (٦) من طريقه، وقال: لم يروه عن هشام إلا محمّد بن مروان. كذا قال! فَوَهم. ورواه الدّارَقطني في "غرائب مالك"، من طريق ابن وهب، عن مالك، عن هشام، وقال: هذا باطلٌ عن ابن وهب، وعن مالك أيضًا، ومن دون ابن وهب ضعفاء. واشتدّ إنكار البيهقي على الشّيخ أبي محمَّد الجويني في عزوه هذا الحديث لرواية مالك.

стр. 139

والعجب من ابن الصّباغ (١) كيف أورده في "الشامل" جازمًا به فقال: روى مالك عن هشام، وهذا القدر هو الذي أنكره البيهقي على الشّيخ أبي محمّد. ورواه الدّارَقطني (٢) من طريق عمرو بن محمّد الأعسم، عن فليح، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: نهى رسول الله- ﷺ أن نتوضأ بالماء المشمَّس أو نغتسل به، وقال: " إنّه يُورِثُ الْبَرَص". قال الدّارَقطني: عمرو بن محمد منكر الحديث، ولا يصحّ عن الزهري. وقال ابن حبان (٣): كان يضع الحديث. تنبيه وقع لمحمد بن معن الدمشقي، في كلامه على "المهذّب" عزوُ هذا الحديث عن عائشة إلى "سنن أبي داود" والترمذي، وهو غَلط قبيح. ٩ - [٢٦]- حديث ابن عباس "مَن اغْتَسَلَ بِالْمُشَمَّسِ فَأَصَابَه وَضْحٌ، فَلا يَلُومَنَّ إلَاّ نَفْسَه". رويناه في الجزء الخامس من "مشيخة قاضي المرستان" (٤) من طريق عمر بن

стр. 140

صبح، عن مقاتل، عن الضحاك، عنه بهذا. وزاد: "وَمَنِ احتجم يومَ الأربعاء أو السَّبن فأصابه داءٌ فلا يلومَنّ إلا نفسَه، ومن بَال في مُستَنْقَع موضع وضوئِه فأصابه وَسواسٌ فلا يَلُومَن إلا نفسَه، ومن تَعَرَّى في غير كِنٍّ فَخُسف به فلا يَلُومن إلا نفسَه، ومن نام وفي يده غَمَرُ الطّعام فأصابه لَمَمٌ فلا يَلومَنَّ إلا نفسَه، ومن نام بعد العصر فاختُلِس عقلُه فلا يلُومنّ إلا نفسه، ومن شَبَّكَ في صلاته فأصابه زَحِير فلا يَلومَن إلَاّ نفسَه". وعمر بن صبح كذاب. والضحاك لم يلق ابن عباس. وفي الباب: [٢٧]- عن أنس، رواه العقيلي (١) بلفظ: "لا تَغتسلوا بالماءِ الذِي يُسَخَّن في الشَّمس، فإنّه يُعدي من الْبَرَص". وفيه سوادة الكوفي وهو مجهول (٢). ورواه الدّارَقطني في "الأفراد" (٣) من حديث زكري ابن حكيم، عن الشعبي، عن أنس. وزكريا ضعيف (٤). والرّاوي عنه أيوب بن سليمان، وهو مجهول. وأورده ابن الجوزي في "الموضوعات " (٥).

стр. 141

وقال البيهقي في المعرفة (١): لا يثبت البنة. وقال العقيلي (٢): لا يصحّ فيه حديث مسنَد. وإنما هو شيءٌ روي من قول عمر. ١٠ - [٢٨]- حديث: إنّ الصّحابة تطَهّروا بالماء المسخَّن بين يدي رسول الله -صلي الله عليه وسلم - ولم ينكر عليهم. هذا الخبر؛ قال المحبّ الطبري: لم أره في غير الرّافعي. انتهى. وقد وقع ذلك لبعض الصحابة فيما رواه الطبراني في "الكبير" (٣) والحسن ابن سفيان في مسنده وأبو نعيم في المعرفة (٤) والبيهقيُّ (٥) من طريق الأسلع بن شريك قال كنت أرحل ناقة رسول الله- ﷺ فأصابنني جنابة في ليلة باردة، وأراد رسول الله- ﷺ الرّحلة فكرهت أن أرَحِّل ناقتَه وأنا جُنب، وخشيت أن أَغتسل بالماء البارد فأموت، أو أمرض، فأمرت رجلًا من الأنصار يرحِّلُها، ووضعت أحجارًا فأسخنت بها ماءً فاغتسلت، ثمّ لحقت برسول الله- ﷺ فذكرت ذلك له، فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ إلى ﴿غَفُورًا﴾. والهيثم بن زريق الرّاوي له عن أبيه، عن الأسلع هو وأبوه مجهولان، والعلاء

стр. 142

ابن الفضل المنقري راويه عن الهيثم فيه ضعف، وقد قيل: إنّه تفرد به. وقد روي عن جماعة من الصحابة فِعْلُ ذلك، فمن ذلك عن عمر. رواه أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (١) عن الدراوردي عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أن عمر كانت له قمقمة يسخّن فيها الماء. ورواه عبد الرزاق (٢) عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أن عمر كان يغتسل بالحميم. وعلّقه البخاري (٣). ورواه الدّارَقطني (٤) وصَحَّحَه. وعن ابن عمر روى عبد الرزاق أيضًا (٥) عن معمر، عن أيوب، عن نافع: أنّ ابن عمر كان يتوضأ بالماء الحميم. وعن ابن عباس، رواه أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (٦) عن محمّد بن بشر، عن محمد بن عمرو، حدثنا أبو سلمة، قال: قال ابن عباس: إنا نتوضأ بالحميم وقد أُغْلِي على النّار. وروى عبد الرّزاق (٧) بسندٍ صحيحٌ عنه، قال: لا بأس أن يغتسل بالحميم ويتوضّا منه.

стр. 143

وروى ابن أبي شيبة (١) وأبو عبيد (٢) عن سلمة بن الأكوع: أنه كان يسخِّن الماء يتوضأ به. إسناده صحيح. ١١ - [٢٩]- حديث عمر: أنّه كره الماء المشمَّس وقال: " إنّه يُورِثُ الْبَرص". الشّافعي (٣) عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن صدقة بن عبد الله، عن أبي الزُّبير عن جابر عن عمر به. وصدقة ضعيف، وأكثر أهل الحديث على تضعيف ابن أبي يحيى (٤)، لكن الشّافعي كان يقول: إنّه صدوق هان كان مبتدعًا (٥). وأطلق النّسائي أنّه كان يضع الحديث. وقال إبراهيم بن سعد (٦): كنا نسميه ونحن نطلب الحديث خرافة. وقال العجلي (٧): كان قدريا معتزليا رافضيا كل بدعة فيه، وكان من أحفظ الناس، لكنه غير ثقة.

стр. 144

وقال ابن عدي (١): نظرت في حديثه فلم أجد فيه منكرا، وله أحاديث كثيرة. وقال الساجي (٢): لم يخرج الشّافعي عن إبراهيم حديثا في فرض، إنما جعله شاهدا. قلت: وفي هذا نظر، والظاهر من حال الشّافعي أمَّه كان يحتج به مطلقًا، وكم من أصل أصله الشّافعي لا يوجد إلا من رواية إبراهيم. وقال محمد بن سحنون: لا أعلم بين الأئمة اختلافا في إبطال الحجة به. وفي الجملة؛ فإن الشّافعي لم يثبت عنده الجرح فيه فلذلك اعتمده، والله أعلم. ولحديث عمر الموقوف هذا طريق/ (٣) أخرى، رواها الدّارَقطني (٤) من حديث إسماعيل بن عياش، حدثني صفوان بن عمرو، عن حسان بن أزهر، عن عمر قال: لا تغتسلوا بالماء المشفس؛ فإنّه يورث البرص. وإسماعيل صدوق فيما روى عن الشاميين (٥)، ومع ذلك فلم ينفرد؛ بل تابعه عليه أبو المغيرة، عن صفوان، أخرجه ابن حئان في "الثقات" (٦) في ترجمة حسان.

стр. 145

١٢. قوله: إن الشرع أمر بالتعفير في ولوغ الكلب. سيأتي الكلام عليه - إن شاء الله تعالى بعد قليل. ١٣ - [٣٠]- قوله: وسؤره نجس. يعني الكلب. لورد الأمر با لإراقة في خبر الولوغ. قلت: ورد الأمر بالإراقة فيما رواه مسلم (١) من حديث الأعمش، عن أبي صالح وأبي رزين، عن أبي هريوة، قال: قال: رسول الله- ﷺ : "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ في إِنَاء أَحَدِكُم فَلْيُرِقْه ثمّ لْيَغْسِلْه سَبعَ مَرَّات". [قال النسائي (٢): لم يذكر: (فَلْيُرِقْه) غير عَلي بن مسهر. وقال ابن مَنده: تفرّد بذكر الإراقة فيه علي بن مسهر، ولا يعرف عن النبي ﷺ بوجهٍ من الوجوه إلَاّ من روايته. وقال الدّارَقطني (٣): إسناده حسن رواته كلهم ثقات. وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (٤) من طريقه، ولفظه: "فَلْيُهْرِقْه"] (٥).
следующие страницы →