← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 123608

التلخيص الحبير - ط أضواء السلف

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (3 279 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

باب الخصائص في النكاح وغيره وذُكرتْ في النّكاح لكونها فيه أكثر، وقد نبهت على جميع ما ذكره، وإن لم يذكر له خبرًا خاصًّا؛ لأن مضمنها النّقل المحض، إذ لا مجال للاجتهاد في ذلك، فما وجدت له دليلًا من النقل الحديثيّ ذكرتُه، وما ذكره هو من أدلة القرآن لم أتعرض له إلا إن وجدت عن المفسرين ما يخالفه، فأُشير إلى ذلك، وما لم أجد له دليلًا قلتُ: لم أجد على ذلك دليلًا. ****

стр. 2207

باب الواجبات ١٨٧٣ - قوله: والحكمة فيه زيادة الزلفى، فلم يتقرب المتقربون إلى الله بمثل أداء ما افترض عليهم. هذا طرف من حديثٍ: [٤٥٨٤]- أخرجه البخاري (١) من طريق عطاء بن يسار، عن أبي هريرة مرفوعًا: "إنَّ الله قَاَل: مَن عَادَى لِي وَلِيًّا فقدآذنتُهُ بالحرْبِ ومَا تقَرَّبَ إَلَيَّ عبدِي بِشَيءٍ أحبَّ إِليَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عليهِ ... " الحديث. فائدة نقل النووي في "زيادات الرّوضة" (٢) عن إمام الحرمين، عن بعض العلماء: أنّ ثواب الفريضة يزيد على ثواب النّافلة بسبعين درجة. قال النووي: "واستأنسوا فيه بحديثٍ". انتهى. والحديث المذكور ذكره الإِمام في "نهايته" وهو حديث سلمان مرفوعًا في شهر رمضان: "مَن تَقرَّب فيه بِخَصْلَةٍ مِن خصال الْخَيْر كَان كَمَنْ أذى فَرِيضةً فيما سِوَاه (٣)، ومن أدَّى فريضةً فيه كَان كَمَن أَدَّى سبعينَ فَرِيضةً في غَيْره". انتهى. وهو حديث ضعيف، أخرجه ابن خزيمة (٤)، وعلق القول بصحّته (٥).

стр. 2208

واعترض على استدلال الإِمام به، والظاهر أنّ ذلك من خصائص رمضان، ولهذا قال النووي: "استأنسوا". والله أعلم. ١٨٧٤ - [٤٥٨٥]- قوله: فمنها صلاة الضحى؛ روي أنه ﷺ قال: "كُتب عليَّ رَكعَتا الضُّحى وَهُما لكم سُنَّة". أحمد (١) من طريق إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة، عن ابن عباس بلفظ: "أمِرْتُ برَكَعتَي الضُّحَى ولم تُؤمَرُوا بِها، وَأُمِرْت بالأَضْحَى ولم تكْتَبْ". وإسناده ضعيف من أجل جابر الجعفي. ورواه أبو يعلى من طريق شريك بلفظ: "كُتِبَ عَلَى النّحْرُ ولم يُكْتَبْ عَلَيْكُم، وَأُمِرْتُ بصلاة الضحَى وَلَمْ تُؤمَرُوا بِهَا". ورواه البزار بلفظ: "أُمِرْتُ بِرَكعَتَي الْفَجر وَالْوِتْرِ وَلَيْسَ عَلَيْكُم". ومن طريق أبي جناب الكلبي، عن عكرمة، عنه بلفظ: "ثَلاثٌ هنّ عليَّ فرائضُ وَلَكُم تَطَوُّعٌ: [النَّحْرُ] (٢) والْوِتْرُ، وَرَكعَتَا الضحَى". ورواه الحاكم (٣) وابن عدي (٤) من هذا الوجه، ولفظه: "الأضحى" بدل: ["النحر"] (٥) و"ركعتا الفجر" بدل "الضحى". وكذلك رواه

стр. 2209

الدراقطني (١) والبيهقي (٢). ورواه ابن حبان في "الضعفاء" (٣) وابن شاهين في "ناسخه" (٤) من طريق وضاح بن يحيى، عن مندل، عن يحيى بن سعيد، عن عكرمة عنه، بلفظ: "ثلاثٌ عَلَيَّ فَريضةٌ وهُنَّ لَكم تَطوعٌ: الوِترُ، ورركعتا الْفَجْر، ورَكَعتا الضُّحَى". والوضاح ضعيف، فتلخص ضعف الحديث من جميع طرقه، ويلزم من قال به؛ أن يقول بوجوب ركعتي الفجر عليه، ولم يقولوا بذلك، وإن كان قد نقل ذلك عن بعض السلف، ووقع في كلام الآمدي وابن الحاجب. وقد ورد ما يعارضه: [٤٥٨٦]- فروى الدارقطني (٥) وابن شاهين في "ناسخه" (٦) من طريق عبد الله ابن [محرر] (٧)، عن قتادة، عن أنس مرفوعًا: "أُمِرْتُ بالوِتْرِ والأَضْحَى، ولم يُعزَمْ عليَّ". ولفظ ابن شاهين: "وَلَمْ يُفْرضْ عَليَّ". وعبد الله بن محرر متروك.

стр. 2210

فائدة اختار شيخنا شيخ الإِسلام القولَ بعدم وجوب الضحى، وأدلته ظاهرة في "الصحيحين"، منها: [٤٥٨٧]- لمسلم (١) عن عائشة: كان النبي ﷺ لا يصلي الضحى إلا أن يجيء من مغيبه. [٤٥٨٨]- وفي "الصحيحين" (٢) عنها: ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سُبْحةَ الضحى قطّ، وإني لأُسَبِّحُها. [٤٥٨٩]- وللبخاري (٣) عن ابن عمر نحوه. [٤٥٩٠]- وله (٤) عن أنس، وقيل له: هل كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى؟ قال: ما رأيته صلاها غير هذا اليوم. [٤٥٩١]- وللترمذي (٥) عن أبي سعيد: كان النبي ﷺ يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها. وقال حديث حسن. [٤٥٩٢]- ولأبي داود (٦) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: ما أخبرنا أحد أنه رأى رسول الله ﷺ صلى الضحى غير أم هانيء؛ فإنها أَخبرتْ بها يوم الفتح، ولم يَره أحدٌ صلَّاهن بعدُ.

стр. 2211

وهذا يرد على الماوردي دعواه: أنه واظب عليها بعد يوم الفتح إلى أن مات. وذكر النووي في "شرح المهذب" (١) عن بعض العلماء: أنه ﷺ كان لا يداوم على صلاة الضحى مخافةَ أن تُفرض على الأمّة فيعجزوا عنها، وكان يفعلها في بعض الأوقات. ولعله أراد بذلك: إظهارها في وقت دون وقت [ليجمع] (٢) بين كلاميه. ١٨٧٥ - [٤٥٩٣]- قوله: ومنها الأضحية؛ روي أنه ﷺ قال: "ثلاثٌ كُتِبَتْ عَليَّ ولَمْ تُكتَبْ عليكُمْ: السِّواكُ، والوِتْرُ، والأُضْحِيَةُ". لم أجده هكذا، والمختصّ بالأضحية يوجد من الحديث الذي قبله من طرق فيها ذكر الأضحى والنحر ونحو ذلك. وأما الوتر والسواك؛ فسيأتي في الحديث الذي بعده. فائدة نقل المصنِّف عن أبي العباس الرّوياني (٣): أنها لم تكن واجبة عليه. ١٨٧٦ - قوله: ومنها: الوتر، والتهجد، قال الله سبحانه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ أي زيادةً على الفرائض.

стр. 2212

[٤٥٩٤]- وعن عائشة: أن النبي ﷺ قال: "ثلاثٌ هُنَّ عَليَّ فرِيضة ولكم سنة: الْوِتْر، والسِّواك، وقِيامُ الليْلِ". أما احتجاجه بالآية؛ فسبقه إليه البيهقي (١). ووجهه: أن النّافلة لغةً الزيادةُ، وظاهر الأمر بالتّهجد الوجوب. قال إمام الحرمين: فإن قيل: النّافلة هي السنّة. قلنا: بل النّافلة هنا هي الزِّيادةُ، وقد قيل: ما يزيده العبد من تطوّعاته يُجبَر به نقصانُ مفروضاتِه، وصلاته ﷺ معصومةٌ فكان تهجده زائدًا على مفروضاته. وهكذا قال البغوي في "تفسيره" نحوه. لكن يتعقّب ذلك بأن مقتضاه: أن الرواتب التي واظب عليها كانت واجبةً في حقِّه، ولا قائل بذلك. وحكى النووي في "زياداته" (٢) عن الشيخ أبي حامد: أن الشّافعي نصّ على أنه نسخ وجوبه في حقه، كما نسخ في حق غيره، قال: وهذا هو الأصح أو الصحيح. وفي "صحيح مسلم" (٣) ما يدل عليه. انتهى. وأما الحديث الذي احتجوا به؛ فهو ضعيف جدًّا؛ لأنه من رواية موسى بن عبد الرحمن الصنعاني، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة مثله. أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٤) والبيهقي (٥) وقد قال الطبراني: إن موسى

стр. 2213

تفرّد به، وأشار النووي إلى ما أخرجه مسلم في قصة قيام الليل، فصار قيام الليل تطوّعا بعد فريضة. وفي سياقه أيضًا دلالة على أنه حين وجب لم يكن من خصائصه. واستدل غيره على عدم الوجوب أيضًا بحديث: [٤٥٩٥]- جابر الطويل في مسلم (١) في صفة الحج، ففيه: ثم أتى المزدلفة فصلى بها المغرب، والعشاء، بأذان وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا، ثم اضطجع حتّى طلع الفجر، فصلّى حين تَبَين له الصّبح. وقد نصّ الشّافعي في "الأم" على أن السنَّة تركُ التنفل بعد العشاء للبائت بمزدلفة. وقد صرّح به الماوردي وغيره. واستدل أيضًا بأنه كان يصلي التطوع في الليل على الرَّاحلة في السفر، ويصليه في الحضر جالسا. وقد استدل الشّافعي على عدم وجوب الوتر [عليه] (٢) بذلك، وقيل: كان ذلك واجبًا عليه في حال الحضر، وفي حال عدم المشقة. وهذا يحتاج إلى نقل خاصٍّ، وإن كان الحليمي، وابن عبد السلام، والقرافي قد صرحوا: بأن الوتر كان واجبًا عليه في الحضر دون السفر. وذكر النووي في "شرح المهذب" (٣) بأن من خصائصه فعل هذا الواجب من الوتر والتهجد على الراحلة. ١٨٧٧ - قوله: ومنها السواك، كان واجبا عليه للخبر.

стр. 2214

يعني به. الخبر الذي ذكرناه عن عائشة قبله، وهو واهٍ جدًّا، لا يجوز الاحتجاج به. ويمكن أن يستدل لوجوبه: [٤٥٩٦]- بحديث عبد الله بن حنظلة: أن رسول الله ﷺ أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرًا وغيرَ طاهرٍ، فلمّا شق عليه ذلك أمر بالسواك لكل صلاة (١). وفي لفظ (٢): وضع عنه الوضوء إلَّا من حَدَث. وإسناده حسن. ووجه التمسك به: أنّ الأمر للوجوب، والمشقة إنما تلزم عن الواجب، فكان الوضوء واجبا عليه أوّلًا، ثم (٣) أنسخ، (٤) إلى السواك، والوجه الذي حكاه أوضحُ. [٤٥٩٧]- وقد ورى ابن ماجه (٥) عن أبي أمامة مرفوعًا: "مَا جَاءَنِي جبريلُ إلَّا أوصانِي بالسواك حَتى لَقَد خَشيتُ أنْ يُفرَض عَلَيَّ، وعلى أُمَّتِي". وهو ضعيف (٦). [٤٥٩٨]- ولأحمد (٧) من حديث واثلة مرفوعًا: "أُمِرْتُ بالسّواكِ حتى خَشيتُ أنْ يُكْتَب عَليَّ".

стр. 2215

١٨٧٨ - قوله: كان يجب عليه إذا رأى منكرًا أن ينكر عليه، ويغيّره. اعتِرضَ: بأن كل مكلف إذا تمكن من إزالة المنكر لزمه تغييره. ويُمكن أن يحمل على أنه لا يسقط عنه للخوف؛ لثبوت العصمة، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (١) بخلاف غيره، فلو أقرّ على المنكر لاستفيد من تقريره أنّه جائز. نَبَّه على ذلك ابن الصبَّاغ. ١٨٧٩ - قوله: لأنّ الله وعده بالعصمة. يشير إلى الآية التي في المائدة، أو إلى: [٤٥٩٩]- ما رواه الترمذي (٢) عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة: كان النبي ﷺ يُحرَس، حتى نزلت: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فأخرج رأسَه من القبّة، فقال لهم: أيها الناس انصرفوا، فقد عصمني الله. واحتجّ البيهقي للمسألة بما: [٤٦٠٠]- في "الصحيحين" (٣) عن عائشة: ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمريْن إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإذا كان إثمًا كان أبعدَ النّاس منه، وما انتقم رسول الله لنفسه إلَّا أن تُنتَهك حرمةُ الله فينتقم لله. ١٨٨٠ - قوله: كان يجب عليه مصابرة العدو، وإن كثر عددهم.

стр. 2216

لم يبوب له البيهقي، وكأنّه يشير إلى: [٤٦٠١]- ما وقع في يوم أحد، فإنه أُفْرِد في اثني عشر رجلًا؛ كما رواه البخاري (١)، وفي يوم حنين [فإنه] (٢) أفرِدَ في عشرة رواه البخاري أيضًا. * قوله: كان يجب عليه قضاء دين من مات معسرا من المسلمين. تقدم في آخر "باب الضمان". ١٨٨١ - [٤٦٠٢]- قوله: وقيل: كان يجب عليه إذا رأى شيئًا يعجبه أن يقول: "لَبَّيكَ إنَّ الْعَيْشَ عَيشُ الآخرة". هذا بوب عليه البيهقي في "الخصائص" (٣). وقد روى الشّافعي (٤) عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن حميد الأعرج، عن مجاهد قال: كان النبي ﷺ يُظهر من التلبية ... فذكر الحديث، حتّى إذا كان ذات يوم والنّاس يَصرفون عنه، فكأنه أعجبه ما هو فيه، فزاد فيها: "لَبيْكَ إن الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَة". قال ابن جريج: [وأحسب] (٥) أنّ ذلك كان يوم عرفة. قلت: وليس في ذلك ما يدل على الوجوب.

стр. 2217

[تتمة] (١): مما لم يذكره الرافعي مما ادعى بعضهم وجوبه عليه: كان عليه إذا فرض الصلاة كاملة لا خلل فيها. قاله الماوردي. وكان يجب عليه أن يدفع بالتي هي أحسن. حكاه ابن القاصّ، وكذا ما بعده. قال: ومنها: أنه كلف من العلم وحده بما كلف به الناس بأجمعهم. ومنها: أنه كان يغان على قلبه فيستغفر الله ويتوب إليه في اليوم سبعين مرة. ومنها: أنه كان يؤخذ عن الدنيا عند نزول الوحي وهو مطالب بأحكامها عند الأخذ بها. ومنها: أنه كان مطالبا برؤية مشاهدة الحق، مع معاشرة (٢) الناس بالنفس والكلام. انتهى. وهذه الأمور تحتاج دعوى وجوبها إلى أدلَّةٍ، وكيف بها، فالله المستعان. ومن خصائصه في واجبات النكاح: وجوب تخيير نسائه للآية، واختلف في سبب نزولها على أقوال؟ أحدها: ما سيذكره المصنف من أنَّ الله خَيَّره بين الغَنَاء والفقر، فاختار الفقر، فأمره الله بتخيير نسائه؛ لتكون من اختارته منهن موافقةً لاختياره. وهذا يعكر عليه: أنَّ الأكثرَ من أهل العلم بالمغازي على أنَّ إيلاءَه من نسائه كان سنة تسع، وأن تخييرهن وقع بعد ذلك، وقد كان ﷺ في آخر [عمره] (٣) قد وُسِّع له في العيش بالنسبة لما كان فيه قبل ذلك، قالت عائشة: ما شبعنا

стр. 2218

من التمر حتى فتحت خيبر (١). ثانيها: أنهن تغايرن عليه، فحلف أن لا يكلمهن شهرًا، ثم أُمر بأن يخيِّرهن. حكاه الغزالي. ثالثها: أنّهن طالبنه من الحلي والثياب بما ليس عنده، فتأذى بذلك، فَأُمِر بتخييرهن. وقيل: إنّ ذلك كان بسبب طلب بعضهن منه خاتَمًا من ذهب، فأعد لها خاتمًا من فضّة وصَفَّره بالزعفران، فتسخطت. رابعها: أن الله امتحنهن بالتخيير؛ ليكون لرسوله خيرةُ النساء. خامسها: أنّ سبب نزولها قصّة مارية في بيت حفصة، أو قصّة العسل الذي شربه في بيت زينب بنت جحش. وهذا يقرب من الثاني. قوله: لأنه ﷺ آثر لنفسه الفقر والصبر عليه. وأعاده بعد في الكلام على أنّ اليسار ليس بشرطٍ في الكفاءة. ويدل عليه: [٤٦٠٣]- ما رواه النّسائي (٢) من حديث ابن عباس: إن الله تعالى خَيّره بين أن يكون عبدًا نبيًّا، وبين أن يكون ملكا، فاختار أن يكون عبدًا نبيًّا. [٤٦٠٤]- ولمسلم (٣) عن ابن عباس عن عمر، فدخلت عليه وهو مضطجع على حصير فجلست، فإذا عليه إزاره وليس عليه غيره، هاذا الحصير قد أثَّرَ في

стр. 2219

جنبه، فنظرت في خزانته وإذا بقبضة من شعير نحو الصّاع، ومثلها قرط في ناحية الغرفة، فابتدرت عيناي .... الحديث. وفيه: "أَلا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنا الآخِرَةُ، وَلَهُمْ الدُّنْيا". وأخرجاه (١) من طريق أخرى، عن ابن عباس، عن عمر، وفيه: "أُولئكَ عجلَتْ لَهم طَيِّبَاتُهم". [٤٦٠٥]- وفي "الصحيحين" (٢) عن عائشة: كان فراش رسول الله ﷺ من أُدُم، وَحشوه لِيف. [٤٦٠٦]- ومن حديثها (٣): ما شبع رسول الله ﷺ ثلاثة أيام تباعًا حتّى مضى لسبيله. وفي رواية (٤): منذ قدم المدينة من طعام بُرّ حتى قبض. [٤٦٠٧]- وفيهما (٥): عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "اللهمّ اجْعَل رِزْقَ آلِ محمَّدٍ قوتًا". فإن قيل: فما وجه استعاذته ﷺ من الفقر كما تقدم الحديث في قسم الصدقات؟ فالجواب: أن الذي استعاذ منه وكرهه فقر القلب، والذي اختاره وارتضاه طرح المال.

стр. 2220

وقال ابن عبد البر (١): الذي استعاذ منه هو الذي لا يدرك معه القوت والكفاف، ولا يستقر معه في النفس غنى؛ لأنّ الغنى عنده ﷺ غنى النّفس، وقد قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ (٢). (٣) ولم يكن غناه أكثر من ادخاره قوت سنة لنفسه وعياله، وكان الغنى محلّه في قلبه، ثقةً بربّه وكان يستعيذ من فقر منسيّ، وغنًى مطغي. وفيه دليل على أن للغنى والفقر طرفَيْن مذمومَيْن، وبهذا تجتمع الأخبار في هذا المعنى. ١٨٨٢ - [٤٦٠٨]- حديث عائشة: ما مات رسول الله ﷺ حتى أُحِلَّ له النّساء اللاتي حُظِرْنَ عليه. كذا وقع فيه. وقوله: "اللاتِي حُظِرْنَ عليه" مدرج في الحديث. قال الشّافعي (٤): أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن عائشة، قالت: ما مات رسول الله ﷺ حتى أُحِلّ له النّساء. قال الشّافعي: كأنّها تعني: اللّاتي حُظِرْن عليه في قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ (٥) الآية. وهكذا ساقه القاضي أبو الطيب عن الشّافعي. وأخرجه أحمد (٦)

стр. 2221

والترمذي (١) والنسائي (٢) من حديث سفيان دون الزيادة. ورواه الدارمي (٣) وابن خزيمة وابن حبان (٤) والحاكم (٥) والنسائي (٦) من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة بلفظ: ما توفي رسول الله حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء. [٤٦٠٩]- وروى الترمذي (٧) من طريق شهر، عن ابن عباس قال: نهى رسول الله عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات، فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية. فأحل الله فتيات المؤمنات، وامرأةً مؤمنةً إن وهبت نفسها للنبي، وحرم كل ذات دين غيرِ الإِسلام، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى قوله ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ (٨)، وحرّم ما سوى ذلك من أصناف النساء. قال: حديث حسن. ١٨٨٣ - [٤٦١٠]- حديث: لما نزلت آية التخيير بدأ بعائشة. متفق عليه (٩) من طريق الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: لما أمر

стр. 2222

رسول الله ﷺ بتخييره أزواجه بدأ بي، وقال: "إنّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلا عَلَيْكِ ألا تَعْجِلِي ... الحديث. وفيه: ثم قال: "إن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ...﴾ (١) الآية". وفيه: فإني أريد الله وَرسوله والدار الآخرة. [٤٦١١]- واتفقا (٢) على طريق مسروق عنها: خيّرنا رسولُ الله ﷺ فاخترناه، فلم يعددها علينا. وفي رواية (٣): فلم يَعُدَّ ذلك طلاقا. [٤٦١٢]- ولمسلم (٤) من حديث جابر، نحو الأول، وزاد في آخره: وأسألك لا تخبر امرأةً من نسائك بالّذي قلتُ. قال: "لا تَسْأَلْنِي امْرَأةٌ مِنهنّ إلَّا أخبرتها". وفي بعض طرقه (٥): أنّ هذا الكلام منقطع، فإنّ فيه: قال معمر: وأخبرني أيوب، قال: قالت عائشة: لا تقل إنّي اخترتك. تنبيه احتج بهذا الحديث على أن جوابهن ليس على الفور. واعترض الشيخ أبو حامد: بأنه صرّح لعائشة بالإمهال إلى مراجعة الأبوين.

стр. 2223

قال ابن الرفعة: وفي طرد ذلك في بقية أزواجه نظرٌ؛ لاحتمال أن يكون ذلك مختصًّا بعائشة؛ لميله إليها، وصغر سنِّها، فكأنه قال لها: لا تبادري بالجواب خشيةَ أن (١) تبتدر، فتختار الدنيا. وعلى هذا فلا يطرد ذلك في غيرها، انتهى. ولا يخفى ما فيه. ١٨٨٤ - قوله: وهل حرّم على رسول الله ﷺ طلاقهنّ بعد ما اختَرْنَه، كما لو رغبت عنه امرأة حرم عليه إمساكها. قلت: وهذا يحتاج إلى دليل خاص. * قوله: القسم الثاني من المحرمات: الزكاة والصدقة. تقدم ذلك في "قسم الصّدقات". ١٨٨٥ - قوله: ما كان له أن يأكل البصل والثوم والكراث، وهل كان حرامًا عليه؟ فيه وجهان، أشبههما: لا. وقوله: والأشبه إلى آخره، يؤخذ مما: [٤٦١٣]- رواه ابن خزيمة (٢) وغيره من طريق جابر بن سمرة، عن أبي أيوب، نحو ما أخرجه مسلم، وزاد: "إنّي أَستَحْيِي مِن مَلائِكَةِ الله، وَلَيْس بِمُحَرَّم". [٤٦١٤]- وللحاكم (٣) من طريق سفيان بن وهب، عن أبي أيوب، أنه أرسل

стр. 2224

إلى رسول الله ﷺ بطعام من خضرة فيه بصل، أو كراث، فلم ير فيه أثر رسول الله ﷺ فأبى أن يأكله، فقال رسول الله: "إنّي أستحيي مِنْ مَلَائِكةِ الله، وَلَيْس بِمُحَرَّم". [٤٦١٥]- ولابن خزيمة (١) من حديث أبي سعيد: لم نعد أن فتحت خيبر وقعنا في تلك البقلة: الثوم، فأكلنا أكلًا شديدًا، قال: وناس جياع، ثمّ قمنا إلى المسجد فوجَد رسولُ الله الرِّيحَ، فقال: "مَن أَكَل مِن هذه الشجَرةَ الخَبِيثَةَ فَلا يَقْرِبَنا في مَسْجِدنَا". فقال الناس: حرمت، حرمت. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "يَا أيّها النًاس، إنَّه ليس لي تَحْريمُ مَا أَحَلّ الله، ولكنها شَجرةٌ أَكْرَهُ ريحَهَا، وإنه يَأتيني أنحاءٌ (٢) مِن الملائكَة فَأكرَه أن يَشُمّوا رِيحهَا". وهذه الأحاديث تدل على أن النهي المطلق في: [٤٦١٦]- حديث ابن عمر الذي أخرجه البخاري (٣): أنه ﷺ نهى يوم خيبر عن أكل الثوم محمول على من أراد حضور المسجد. وقد زاد يزيد بن الهاد، عن نافع: أن ابن عمر كان يأكله إذا طبخ. وظاهر الأحاديث أن أكل ذلك لم يكن بحرام عليه على الإطلاق، بل في أبي داود (٤) والنسائي (٥) من حديث عائشة: أن آخر طعام أكله رسول الله ﷺ طعام فيه بصل.

стр. 2225

زاد البيهقي (١): إنّه كان مشويًّا في قِدْر. ويؤيده: [٤٦١٧]- حديث عمر، عند مسلم (٢): "فَمَنْ كَان آكِلَهُمَا لا بُدَّ فَلْيُمِتْهُمَا طبخًا". [٤٦١٨]- ولأبي داود (٣) والترمذي (٤) عن علي: نهى عن أكل الثّوم إلَّا مطبوخًا. ١٨٨٦ - [٤٦١٩]- حديث: أنه أتي بقدر فيها بقول فوجد لها ريحا، فقرّبها إلى بعض أصحابه، وقال: "كُلْ فَإِنّي أُناجِي مَن لَا تُنَاجِي". متفق عليه (٥) من حديث جابر. ١٨٨٧ - [٤٦٢٠]- حديث: كان لا يأكل متكئا. البخاري (٦) وأصحاب "السنن" (٧) عن أبي جحيفة، عن النبي ﷺ قال: "لَا آكُلُ مُتَّكِئًا".

стр. 2226

١٨٨٨ - [٤٦٢١]- حديث: "إنّما آكُلُ كمَا يَأكلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ". البيهقي في "الشعب" (١) من طريق يحيى بن أبي كثير مرسلًا. وهو في "مصنف عبد الرزاق" (٢) عن معمر، عن يحيى، ولفظه: أن النبي ﷺ قال: "آكُلُ كَما يَأكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ فَإنَّما أَنَا عبدٌ". [٤٦٢٢]- وقال البزار (٣): حدثنا أحمد بن المعلى الآدمي، حدثنا حفص بن عمار الطاحي، حدثنا مبارك بن فضالة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر بلفظ: "إنّما (٤) أَنَا عبدٌ آكُلُ كمَا يَأكُل الْعَبْد". وقال: لا نعلم يروى بإسناد متصل إلا من هذا الوجه، ولا نعلم رواه إلا ابن عمر، ولا عن عبيد الله إلا مبارك، ولا عن مبارك إلا حفص، ولا يتابع عليه. قلت: وحفص فيه مقال. [٤٦٢٣]- ووصله ابن شاهين في "ناسخه" (٥) من حديث أنس. وفيه قصة. [٤٦٢٤]- ولأبي الشيخ في "كتاب أخلاق النبي ﷺ " (٦) من حديث جابر، نحوه.

стр. 2227

[٤٦٢٥]- ومن حديث عائشة (١) وإسنادهما ضعيف. [٤٦٢٦]- ولابن شاهين (٢) من طريق عطاء بن يسار مرسلًا، نحوه. [٤٦٢٧]- وفي ابن أبي شيبة (٣) من حديث مجاهد مرسلًا أيضًا، قال: ما أكل رسول الله متكئا قط إلا مرّة، وقال: "اللهم إني عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ". [٤٦٢٨]- وقال ابن سعد (٤): أخبرنا [أبو النضر] (٥)، حدثنا أبو معشر، عن سعيد، عن عائشة: أن النبي ﷺ قال لها: "يَا عَائشَة، لَوْ شِئْتُ لسَارَتْ مَعِي جِبالُ الذَّهب، أتَانِي ملكٌ إنّ حُجْزَتَه لَتُسَاوِي الْكَعْبَةَ، فقال: إنّ رَبك يُقْرِئُكَ السلَامَ وَيقُول: لَك إن شِئْتَ كُنْتَ نَبِيًّا مَلِكًا، وإنْ شْئتَ عَبْدًا. فَأشارَ إِلَيّ جِبْريلُ أنْ ضَعْ نَفْسَكَ، فَقُلْت نَبِيًّا عَبْدًا". فكان بعد ذلك لا يأكل متّكئا، ويقول: "آكُلُ كَمَا يَأكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ". [٤٦٢٩]- وللبيهقي في "الشعب" (٦) و"الدلائل" (٧) من حديث ابن عباس في قصة، قال فيها: فما أكل النبي ﷺ بعد تلك الكلمة طعامًا متكئًا حتّى لقي الله.

стр. 2228

ورواه النسائي (١) بلفظ: (قط) بدل (حتى لقي الله). وإسناده حسن؛ فإنه من رواية بقية عن الزبيدي، وقد صرّح (٢)، ووافقه معمر عن الزهري، أخرجه عبد الرزاق (٣) أيضا. فائدة (٤) لم يثبت دليل الخصوصية في ذلك، وإنما هو أدب من الآداب، وممن صرح بأنه كان غير محرم عليه ابن شاهين في "ناسخه" (٥). تنبيه قال الخطابي (٦): المتكيء، هو الجالس معتمدًا على وِطَاء. وقال ابن الجوزي: المراد بالاتكاء على أحد الجانبين. ١٨٨٩ - قوله: ومما عدّ من المحرَّمات: الخطّ والشِّعْر. وإنما يتجه القول بتحريمها ممن يقول: إنّه كان يحسنهما. ثمّ استدل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ (٧) وبقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ (٨).

стр. 2229

وفي الاستدلال بالآية الأولى على ذلك نظر. واستدل غيره بـ: [٤٦٣٠]- حديث ابن عمر المخرّج في "الصحيح" (١) بلفظ: "إنّا أمّة أمِيّة لا نَكْتب وَلا نَحْسِب ... " الحديث. وقال البغوي في "التهذيب": [قيل] (٢): كان يحسن الخط ولا يكتب، ويحسن الشعر ولا يقوله. والأصح: أنه كان لا يحسنهما, ولكن كان يميز بين جيد الشعر ورديئه. انتهى. وادعى بعضهم: أنه صار يعلم الكتابة بعد أن كان لا يعلمها، وأن [عدم] (٣) معرفته كان بسبب المعجزة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٤)، فلما نزل القرآن، واشتهر الإِسلام وكثر المسلمون، وظهرت المعجزة، وأمن الارتياب في ذلك، عَرَف حينئذ الكتابة. وقد روى ابن أبي شيبة وغيره من طريق (٥) مجالد، عن عون بن عبد الله، عن أبيه، قال: ما مات رسول الله ﷺ حتى كتب وقرأ. قال مجالد: فذكرت ذلك للشعبي، فقال: صدق، قد سمعت أقواما يذكرون ذلك (٦). انتهى. قال: وليس في الآية ما ينافي ذلك.

стр. 2230

[٤٦٣١]- وروى ابن ماجه (١) وغيره عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت ليلةَ أُسِريَ بِي عَلى بَابِ الْجَنَّة مَكْتُوبًا: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالقَرْض بثمانيةَ عَشَر .. ". قال: والقدرة على قراءة المكتوب فرع معرفة الكتابة. وأجيب: باحتمال إقدار الله له على ذلك بغير تقدّم معرفة الكتابة، وهو أبلغ في المعجزة. وباحتمال أن يكون حذف منه شيء، والتقدير: فسألت عن المكتوب، فقيل لي: هو كذا. [٤٦٣٢]- ومن حديث محمَّد بن المهاجر، عن يونس بن ميسرة، عن أبي كبشة السّلولي، عن سهل بن الحنظلية: أن النبي ﷺ لما أمر معاوية أن يكتب للأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، قال عيينة: أتراني أذهب إلى قومي بصحيفة كصحيفة الملتمس؟ فأخذ رسول الله ﷺ الصحيفة، فنظر فيها فقال: "قَدْ كَتَب لَكَ بِهَ أَمَرنَا فِيها" (٢). قال يونس بن ميسرة أحد رواته: وَيُروى (٣) أنّ رسول الله ﷺ كَتب بعدما أُنزل عليه. ومن الحجة في ذلك ظاهرا: [٤٦٣٣]- ما أخرجه البخاري (٤) في قصة صلح الحديبية، من حديث البراء: فأخذ الكتاب فكتب: "هَذا مَا قَاضَى علَيه محمد بن عَبد الله .... " الحديث.

стр. 2231

وكذا أخرجه الإسماعيلي في "مستخرجه". وقال أبو الخطاب ابن دحية: صار بعض الناس إلى أن النبي ﷺ كَتَب، منهم أبو ذرّ الهروي، وأبو الفتح النيسابوري، وأبو الوليد الباجي، وصنَّفَ فيه كتابًا. قلت: وسبق إلى ذلك عمر بن شَبّة في "كتاب الكُتّاب" له؛ فإنه قال فيه: كتب النبي ﷺ بيده يوم الحديبية. وقال أبو بكر بن العربي في "سراجه": لما قال أبو الوليد ذلك طعنوا عليه، ورموه بالزندقة، وكان الأمير مُتَثَبِّتًا، فأحضرهم للمناظرة، فاستظهر الباجي ببعض الحجة، وطعن على من خالفه، ونسبهم إلى عدم معرفة الأصول، وقال: اكتب إلى العلماء بالآفاق، فكتب إلى إفريقية، وصقلية، وغيرهما، فجاءت الأجوبة بموافقة الباجي. ومحصَّل ما تواردوا عليه: أنّ معرفته الكتابة بعد أميَّته لا ينافي المعجزة، بل تكون معجزة أخرى؛ لأنهم بعد أن تحققوا أميّته، وعرفوا معجزته بذلك -وعليه تُنزل الآية السابقة- صار بعد ذلك يَعلم الكتابة بغير تقدم تعليم، فكانت معجزة أخرى، وعليه يُنزّل حديث البراء. انتهى. وقد ردّ أبو محمّد بن مفوِّز على أبي الوليد الباجي، وبَيَّن خطأه في هذه المسألة في تصنيف مفرد. ووقع لأبي محمد الهواري معه قصّة في منام رآه، ملَخّصه: أنّه كان يرى بما قاله الباجي، فرأى في النوم قبر النبي ﷺ ينشق ويميد، ولا يستقر، فاندهش لذلك، وقال في نفسه: لعل هذا بسبب اعتقادي (١)، قال ثمّ: عقدتُ التّوبة مع نفسي، فسكن واستقر، فلما استيقظ قصّ الرؤيا علي بن مفوّز فعبَّرها له

стр. 2232

كذلك، واستظهر بقوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ الآيات. ومحصّل ما أُجيبَ به الباجي عن ظاهر حديث البراء: أنّ القصة واحدة، والكاتب فيها كان عليّ بن أبي طالب، وقد وقع في رواية أخرى للبخاري (١) من حديث البراء أيضا بلفظ: لما صالح النبي ﷺ أهلَ الحديبية، كتب عليّ بينهم كتابًا، فكتب: "محمّد رسول الله ... ". فتحمَل الروايةُ الأولى على أن معنى قولِه: (فكتب) أي فأمر الكاتبَ، ويدل عليه رواية المسور في "الصحيح" (٢) أيضًا في هذه القصة ففيها: "والله إنِّي لرسول الله، وإن كَذَّبْتمُونِي، اكْتُبْ: مُحمّد بن عبد الله". وقد ورد في كثير من الأحاديث في "الصحيح" وغيره إطلاقُ لفظ: (كتب) بمعنى (أمر)، منها: [٤٦٣٤]- حديث ابن عباس: أنّ النبي ﷺ كتب إلى قيصر (٣). [٤٦٣٥]- وحديث: كتب إلى النجاشي (٤). [٤٦٣٦]- وحديث: كتب إلى كسرى (٥). [٤٦٣٧]- وحديث عبد الله بن عكيم: كتب إلينا رسول الله ﷺ ...

стр. 2233

وغير هذه الأحاديث، كلّها محمولة على أنّه أمر الكاتب، ويشعر بذلك هنا: قوله في بعض طرقه. لما أمتنع الكاتب أن يمحو لفظ "محمَّد رسول الله" قال له النبي ﷺ : "أَرِني" فمحاه. فإن ظاهره: أنَّه لو كان يعرف الكتابة لما احتاج إلى قوله: "أَرِني"، فكأنه أراه الموضع الّذي أبى أن يمحوه، فمحاه هو ﷺ بيده، ثُمّ ناوله لعلي فكتب بأمره: (ابن عبد الله) بدل (رسول الله). وأجاب بعضهم -على تقدير حمله على ظاهره-: أنه كتب ذلك اليومَ غيرَ عالِمٍ بالكتابة، ولا بتمييز حروفها، لكنه أخذ القلم بيده فخطّ به فإذا هو كتابة ظاهرة، على حسب المراد. وذهب إلى هذا القاضي أبو جعفر السّمناني (١). وأجاب بعضهم بأنه ليس في ظاهر الحديث إلا أنه كتب محمَّد بن عبد الله، وهذا لا يمتنع أن يكتبه الأمي، كما يكتب الملوك علامتهم وهم أميون. فصل وأما الشعر فكان نظمه محرما عليه باتفاق، لكن فرق البيهقي (٢) وغيره بين الرجز وغيره من البحور، فقالوا: يجوز له قول الرّجز دون غيره. وفيه نظر؛ فإن الأكثر على أن الرجز ضرب من الشعر، وإنما ادعى أنه ليس بشعر الأخفش وأنكره ابن القطَّاع وغيره. وإنما جَرّ البيهقي لذلك ثبوت قوله ﷺ يوم حنين: أَنَا النّبِيّ لَا كَذِبْ أَنَا ابنُ عَبدِ الْمُطَّلِبْ.

стр. 2234

فإنه من مجزوء الرّجز (١)، ولا جائز أن يكون مما تمثّل به كما سيأتي؛ لأن غيره لا يقول: أنا النبي. ويزيل عنه الإشكال أحد أمرين: إما أنه لم يقصد الشعر فخرج موزونا، وقد ادعى ابن القطّاع -وأقره النووي. الإجماعَ على أن شرط تسمية الكلام شعرًا أن يقصد له قائله، وعلى ذلك يحمل ما ورد في القرآن والسنة. وإمّا أن يكون القائل [الأول] (٢) قال: (أنت النبي لا كذب)، فلمّا تمثّل به النبي ﷺ غَيَّره. والأول أولى. هذا كله في إنشائه، [ويؤيد (٣) ما ذهب إليه البيهقي بما: [٤٦٣٨]- أخرجه ابن سعد (٤) بسند صحيح] (٥) عن معمر (٦)، عن الزهري، قال: لم يقل النبي ﷺ شيئًا من الشعر إلا شيئًا قِيل قَبله، أو يُروى عن غيره إلا هذا. وهذا يعارض: [٤٦٣٩]- ما في الصحيح (٧) عن الزهري أيضًا: لم يبلغنا أن النبي ﷺ تمثل

стр. 2235

ببيت شعر تامٍّ غيرِ هذه الأبيات. زاد ابن عائذ من وجه آخر عن الزهري: إلا الأبيات التي كان يرتجز بها، وهو ينقل اللبن لبناء المسجد. وأما إنشاده (١) متمثّلًا فجائز، ويدل عليه: [٤٦٤٠]- حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "مَا أُبَالِي شَرِبْتُ تِرْياقًا، أَوْ تَعَلّقتُ تَمِيمَةً (٢)، أو قلتُ الشّعر (٣) من قِبَل نَفْسِي" (٤). أخرجه أبو داود (٥) وغيره. فقوله: "مِن قِبَلِ نَفْسِي" احترازٌ عمّا إذا أنشده متمثلًا. وقد وقع في الأحاديث الصحيحة من ذلك: [٤٦٤١]- كقوله: "أَصْدقُ كَلِمَةٍ قَالها الشَّاعِرُ قولُ لبيد: ألَا كُلّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلٌ". متفق عليه (٦) من حديث أبي هريرة. [٤٦٤٢]- وحديث عائشة: كان النبي ﷺ يتمثّل بشعر ابن رواحة (٧).

стр. 2236

[٤٦٤٣]- وحديثها: كان رسول الله ﷺ إذا [استراب] (١) الخبر: يتمثل بقول طُرْفَة: وَيأتِيكَ بِالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ صححه الترمذي (٢). [٤٦٤٤]- وأخرجه البزار (٣) من حديث ابن عباس أيضًا. [٤٦٤٥]- وأما ما أخرجه ابن أبي حاتم (٤) وغيره من مرسل الحسن البصري: أنّه ﷺ كان يتمثل بهذا البيت: كَفَى بِالإِسْلَامِ وَالشَّيْبِ نَاهِيًا فقال له أبو بكر: كَفَى الشَّيْبُ وَالإِسْلَامُ لِلْمَرْءِ نَاهيًا فأعادها كالأول، فقال: أشهد أنك رسول الله، ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾، فهو -مع إرساله- فيه ضعيف، وهو راويه عن الحسن، علي بن زيد بن جدعان. [٤٦٤٦]- وأما ما رواه البيهقي في "الدلائل" (٥): أنه ﷺ قال للعباس بن مرداس: أنت القائل:

стр. 2237

أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعَبيدِ بَين الأَقْرَعِ وعُيَيْنَةَ. فقال (١): إنما: هو: بَينَ عُيَيْنَةَ وَالأَقْرَعِ فقال: "هُمَا سَواءٌ". فإن السهيلي قال في "الروض" (٢): إنه ﷺ قدم الأقرع على عيينة؛ لأن عيينة وقع له أنه ارتد، ولم يقع ذلك للأقرع. [٤٦٤٧]- وروى الحاكم والبيهقي (٣) والخطيب (٤) من طريق عبد الله بن مالك النحوي مؤدب القاسم بن عبيد الله، عن علي بن عمرو الأنصاري، عن بن عيينة، عن الزهري، عن عروة عن عائشة قالت: ما جمع رسول الله ﷺ بيت شعر قط إلا بيتًا واحدًا: تَفَاءَلْ بِمَا تَهْوَى يَكُنْ فَلَقَلَّمَا ... يُقَالُ لِشَيْء كَانَ إِلَّا تَحَقَّقُ قالت عائشة: لم يقل: (تحققَّا) لئلا يُعربه فيصير شعرًا. قال البيهقي: لم أكتبه إلا بهذا الإسناد، وفيه من يجهل حاله. وقال الخطيب: غريب جدًّا. والله أعلم. ١٨٩٠ - [٤٦٤٨]- قوله: كان يحرم عليه إذا لبس لأمته أن ينزعها حتى يلقى العدو.

стр. 2238

علقه البخاري (١) مختصرًا، ووصله أحمد (٢) والدارمي (٣) وغيرهما من حديث جابر: "أنه لَيس لِنَبِيّ إذا لَبِسَ لأمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتى يُقاتِل" (٤). وفيه قصة. [٤٦٤٩]- وأخرجها أصحاب "المغازي": موسى بن عقبة، عن بن شهاب، وابن إسحاق، عن شيوخه، وأبو الأسود، عن عروة. وفيه من الزيادة: "لا يَنْبَغِي لِنَبِيّ إذا أَخَذ لَأْمَةَ الْحَرْبِ واكتفى النَّاسُ بالخروج إلى العدوّ أن يَرجِع حَتّى يُقاتِل". [٤٦٥٠]- وله طريق أخرى بإسناد حسن عند البيهقي (٥) والحاكم (٦) من حديث ابن عباس. فائدة اللأْمَةُ -مهموزة ساكنة-: الدّرع، والجمع: لأْمٌ، كتمرة، وتمر. ١٨٩١ - [٤٦٥١]- حديث: "مَا يَنبغي لِنَبِي خائنةُ الأَعْيُن".

стр. 2239

أبو داود (١) والنسائي (٢) والبزار (٣) والحاكم (٤) والبيهقي (٥) من حديث سعد بن أبي وقاص في حديث فيه قصّة الّذين أمر النبي ﷺ بقتلهم يوم فتح مكة، وفيه: أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح منهم، وأن عثمان استأمن له النبي ﷺ فأبى أن يبايعه ثلاثًا، ثمّ بايعه، ثم قال لأصحابه: "أَمَا كانَ فِيكم رَجُلٌ رشيدٌ يقومُ إِلى هَذا، حَيْث رَآني كَفَفْتُ يَدِي عنه فَيَقْتُلَه؟ ". قالوا: وما يدرينا ما في نفسك يا رسول الله؟ هلا أومأت إلينا بعينك. قال: "إنّه لا يَنْبَغِي لِنَبِيّ أَنْ تَكونَ لَه خَائِنَةُ الأَعْيُنِ". إسناده صالح. [٤٦٥٢]- وروى أبو داود (٦) والترمذي (٧) والبيهقي (٨) من طريق أخرى عن أنس قال: غزوت مَع رسول الله ﷺ ، فحمل علينا المشركون، حتى رأينا خيلنا وراء ظهورنا، وفي القوم رجل يحمل علينا، فيدقنا ويحطمنا، فهزمهم الله تعالى، فقال رجل: إن عليّ نذرًا إن جاء الله بالرجل أن أضرب عنقه، فجاء الرجل تائبًا، فأمسك رسول الله لا يبايعه، فجعل الرجل الذي حلف يتصدى له، ويهابه أن يقتل الرجل، فلما رأى رسول الله أنه لا يصنع شيئًا بايعه. فقال الرجل: نذري.

стр. 2240

فقال: "إنّي لَمْ أُمْسِكْ عنه مُنْذ اليومَ إلَّا لِتُوفِي بِنَذْرِكَ". فقال يا رسول الله: ألا أومضت إلي؟ فقال: "إنّه لَيس لِنَبِيٍّ أن يُومِضَ". [٤٦٥٣]- وروى ابن سعد (١) من طريق علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، قال: أمر النبي ﷺ بقتل بن أبي سرح، وابن الزبعري، وابن خطل. فذكر القصة. قال: وكان رجل من الأنصار نذر إن رأى ابن أبي سرح أن يقتله، فذكر قصة استئمان عثمان له، وكان أخاه من الرضاعة، ثم قال رسول الله ﷺ للأنصاري: "هَلَّا وَفَّيْتَ بِنَذْرِكَ؟ " قال: يا رسول الله انتظرتك، فلم تُومض لي. فقال: "الإيمَاءُ خِيَانَةٌ، وَلَيس لِنَبِيٍّ أنْ يُومِيءَ". فائدة حكى سبط ابن الجوزي في "مرآة الزمان": أن الأنصاري عبّاد بن بِشر. ١٨٩٢ - [٤٦٥٤]- حديث: كان إذا أراد سفرا ورَّى بغيره. متفق عليه (٢) من حديث كعب بن مالك. ١٨٩٣ - قوله: وقيل -بناءً عليه-: إنه كان لا يبتديء متطوّعا إلا لزمه إتمامه. قلت: لم أر لهذا دليلًا إلا إن كان يؤخذ من حديث صلاته الركعتين بعد العصر، وقول عائشة: كان إذا عمل عملا أثبته. وفي الاستدلال بذلك نظر.

стр. 2241

١٨٩٤ - قوله عن صاحب "التلخيص" (١): إنه لم يكن له أن يَخْدَع في الحرب. مردود بما اتفق الشيخان (٢) عليه من: [٤٦٥٥]- حديث جابر: أنه ﷺ قال: "الْحَرْبُ خُدْعَةٌ". ١٨٩٥ - قوله: يجوز له أن يصلي على من عليه دين مطلقا، أو مع وجود ضامن. قال النووي: في ["زياداته" (٣)] (٤): الصواب الجزم بجوازه مع الضامن، ثم نسخ التحريم مطلقا. إلى أن قال: والأحاديث مصرِّحةٌ بذلك. انتهى. وكذا قال البيهقي (٥) كان النبي ﷺ لا يصلي على من عليه دين لا وفاء له، ثم نسخ. واحتج بما في "الصحيحين" (٦): [٤٦٥٦]- عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالمتوفى عليه الدَّيْن،

стр. 2242

فيسأل: "هَل تَرَك لِدَيْنِه مِن قَضاءٍ؟ " (١) فإن قيل: إنه ترك وفاء، صلّى عليه، وإلا فلا. فلما فتح الله عليه الفتوح قام، فقال: "أنَا أَوْلَى بالمؤْمِنينَ مِن أَنْفسِهم، فَمَنْ تُوفِّيَ وَتركَ دَيْنًا فَعَلَى وَفاؤُهُ، ومَن تَرك مالًا فَلِوَرَثَتِه". وفي الباب: [٤٦٥٧]- عن سلمة بن الأكوع عند البخاري (٢). [٤٦٥٨]- وعن أبي قتادة في أبي داود والترمذي (٣). [٤٦٥٩]- وعن ابن عمر في "الطبراني الأوسط" (٤). [٤٦٦٠]- وعن أبي أمامة وأسماء في "الكبير" (٥). [٤٦٦١]- وعن ابن عباس في "الناسخ" (٦) للحازمي. [٤٦٦٢]- وعن أبي سعيد عند البيهقي (٧). [٤٦٦٣]- وفي حديث سلمة: أن الضامن كان أبا قتادة. وفي حديث أبي سعيد: أنّ الضامن كان عليًّا. ويحمل على تعدّد القصّة. واختلف في الحكمة في ذلك، فقيل: كان تأديبا للأحياء لئلا يستأكلوا أموال الناس.

стр. 2243

وقيل: لأن صلاته تطهير للميت، وحق الآدمي ثابت فلا تطهير منه، فيتنافيان. وقيل: كانت عقوبة في أمر الدين أصلها المال، ثم نسخ التأديب بالمال وما تفرع [عنه] (١). ١٨٩٦ - [٤٦٦٤]- قوله: قال المفسرون: ذاك خاص بالنبي ﷺ ، يعني: تحريم المن ليستكثر. قلت: هو قول الضحاك بن مزاحم (٢). ورواه [ابن أبي حاتم] (٣) وغيره من طريق سفيان الثوري، عن رجل، عنه. قال: هي للنبي ﷺ خاصّة، وللنّاس (٤) موسَّع عليهم. قال: وروي عن ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وطاوس، وأبي الأحوص، وإبراهيم النخعي، وقتادة، والسدي، ومطر، والضحاك في إحدى الروايتين عنه: أن المراد لا يهدي الهديَّةَ فينتظر بمثلها. ثمّ ساق عن غيرهم أقوالًا مختلفة في المراد بذلك. ومن خصائصه في محرمات النكاح: ١٨٩٧ - [٤٦٦٥]- إمساك من كرهت نكاحه، واستشهد له بأن النبي ﷺ نكح امرأة ذات جمال، فَلُقِّنَتْ أن تقول له:

стр. 2244

أعوذ بالله منك. فلما قالت ذلك قال: "لَقَدْ اسْتَعَذْتِ بِمُعَاذٍ الْحِقِي بِأَهْلِكِ". انتهى. قال ابن الصلاح في "مشكله": هذا الحديث أصله في البخاري (١) من: حديث أبي سعيد الساعدي، دون ما فيه: أن نساءه علَّمْنَها ذلك. قال: وهذه الزّيادة باطلة، وقد رواها ابن سعد في "الطبقات" (٢) بسند ضعيف. انتهى. قلت: فيه الواقدي، وهو معروف بالضعف. ومن الوجه المذكور أخرجه الحاكم (٣) ولفظه: عن حمزة بن أبي أسيد، عن أبيه قال: تزوج رسول الله ﷺ أسماء بنت النعمان الْجَوْنِيّة، فأرسلني، فجئت بها، فقالت حفصة لعائشة: اخضبيها أنت، وأنا أمشطّها. ففعلتا، ثم قالت لها إحداهما: إنّ رسول الله ﷺ يعجبه من المرأة إذا دخلت عليه أن تقول: أعوذ بالله منك. فلما دخلت عليه، أغلق الباب، وأرخى الستر، ثم مدّ يده إليها، فقالت: أعوذ بالله منك. فقال بكمه على وجهه، فاستتر به، وقال: "عُذْتِ بِمُعَاذٍ". ثم خرج علي (٤) فقال: "يا أبا أَسِيد، أَلْحِقْهَا بِأَهْلِهَا وَمَتِّعْهَا بِرَازِقِيَّيْن". فكانت تقول: ادعوني الشقيّة. [٤٦٦٦]- وفي رواية للواقدي أيضًا منقطعة (٥): أنه دخل عليها داخلٌ من النّساء وكانت من أجمل النساء، فقالت: إنكِ من الملوك، فإن كنت تريدين أن

стр. 2245

تَحظَيْ عنده فاستعيذِي منه .. الحديث. وأصل حديث أبي أسيد عند البخاري، كما قال ابن الصلاح، وعنده (١) وعند مسلم (٢) من حديث سهل بن سعد، نحوه. وسَمّاها أميمة بنت النعمان (٣) بن شراحيل، وفي ظاهر سياقه مخالفة لسياق أبي أسيد، ويمكن الجمع بينهما، وهو أولى من دعوى التّعدد في الْجَوْنِية. [٤٦٦٧]- وللشيخين (٤) أيضًا من حديث عائشة: أن ابنة الجون لما دخلت على رسول الله ﷺ ودنا منها، قالت: أعوذ بالله منك. وسماها ابن ماجه (٥) من هذا الوجه: عمرة. ووجح ابن منده: أن اسمها أميمة. وقيل: اسمها العالية. وقيل: فاطمة. ووقع نحو هذه القصّة في النسائي (٦) وقال: إنها من بني كلاب. والحقّ أنها غيرها؛ لأنّ الجونيّه كنديّة بلا خلاف. وأما الكلبية: فهي سناء بنت سفيان بن عوف بن كعب بن عبيد بن أبي بكر بن كلاب حكاه الحاكم وغيره. ١٨٩٨ - [٤٦٦٨]- حديث: "زَوجَاتِي في الدُّنْيَا زَوْجَاتِي في الآخِرَة".
следующие страницы →