← История

История · id 123656

محاضرات في تاريخ الجزائر الحديث

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (166 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أحمد بوضربة لعب دورا بارزا خلال السنوات الأولى للاحتلال، ومع ذلك فلا نعرف عن حياته إلا قليلا. وكل ما نعرفه حتى الآن هو أنه كان من حضر مدينة الجزائر الذين كانوا في الغالب تجارا ميسورين، والذين لم يكونوا على علاقة طيبة مع الحكم العثماني، ولكنهم كانوا راضين بنصيبهم منه على الأقل ظاهريا. ونعرف أيضا أنه كان قد أقام فترة من الوقت في مرسيليا مشتغلا بالتجارة. وهناك تعلم، كما يقول الفرنسيون، اللغة والعادات والتقاليد الفرنسية، وتزوج من فرنسية. وقد تورط هناك أيضا في قضية إفلاس مالي جعلته يغادر مرسيليا ويعود إلى مدينة الجزائر. ونعرف أنه حضر في الرابع من جويليه ١٨٣٠، لدى الكونت دي بورمون، قائد الجيوش الفرنسية، بصحبة حسن بن حمدان بن عثمان خوجة، وكاتب الباشا، ليفاوض على تسليم المدينة إلى الفرنسيين، مقتنعا بما أعلنوه عن أنفسهم من أنهم جاءوا محررين للجزائريين من ربقة الاضطهاد (التركي). ومنذئذ تكونت علاقة بينه وبين بورمون، فكان يثق فيه ويستشيره في شئون الجزائر الداخلية (١). وبورمون هو الذي ولاه رئاسة أول مجلس بلدي في مدينة الجزائر. وكان يأخذ برأيه في تعيين الأهالي ولا سيما الحضريين، في المناصب الجديدة. فهو الذي اقترح، كما قيل، إسناد منصب آغا العرب إلى الحضري حمدان بن أمين السكة، وهو الذي أوصى بتعيين الحاج مصطفى بن عمر بايا على التيطري، وكان يقترح سياسة فرنسا نحو باي قسنطينة وباي وهران. وقد استمر على مكانته وتأثيره عند خلفاء بورمون أيضا فقد ولاه كلوزيل إدارة أملاك مكة والمدينة، ووضع فيه برتزين ثقته. يصفه الفرنسيون بعدة أوصاف متناقضة أحيانا. فهم من ناحية يثقون

стр. 72

فيه وفي إخلاصه ولكنهم من ناحية أخرى يتهمونه بأنه كان يرأس (لجنة المغاربة) التي كانت تعمل لصالح استعادة الحكم الإسلامي في الجزائر والتي كانت على اتصال مستمر مع الباشا المخلوع (١). وقد وصفوه بأنه كان لطيف المعشر وداهية، ولكنه كان بدون مبادىء أخلاقية، وكان كثير المشاكل أكثر من كونه ماهرا عمليا. وفي عهد برتزين بدأ يلعب دورا هاما بين الأهالي، حسب رواية بعض الفرنسيين، الذين كانوا حتى ذلك الوقت يمقتونه لسوء أخلاقه وسمعته السيئة، لا سيما بعد أن ظهر اسمه عدة مرات أمام المحاكم في قضايا مالية ونحوها (٢) وقد اتهمه بعض الفرنسيين أيضا بإثارة القلق والتآمر، بل بارتكاب أعمال خطيرة (٣). أما في عهد الدوق دي روفيغو فان سهم بوضربة قد هبط، كما هبطت أسهم جميع الحضريين أمثاله. فقد رأى الدوق أن بوضربة وجماعته يشكلون خطرا على الاحتلال الفرنسي وأنهم يعملون بأقنعة مختلفة. لذلك قرر التخلص منهم بشتى الوسائل. فسجن بعضهم، وأبعد آخرين عن مدينة الجزائر. وهكذا نفيت في عهده (لجنة المغاربة) التي كان من أعضائها بوضربة، وابن أمين السكة، وابن عمر، وحمدان خوجة، وابراهيم ابن مصطفى باشا. وكان من نتيجة ذلك أن التقى هؤلاء مرة أخرى في باريس حيث لفتوا إليهم الأنظار بمظهرهم الجزائري - الأفريقي، وباتصالاتهم مع رجال الصحافة والصالونات، بل والبرلمانيين. ويهمنا أن نشير إلى أن معرفتنا بدور بوضربة في باريس غير عميقة. فقد كان على خلاف مع حمدان خوجة في السياسة التي يجب اتباعها مع

стр. 73

الفرنسيين. وقد يكون هذا الخلاف شخصيا وقد يكون سياسيا. وبوضربة يعرض بخوجة في (مذكراته) فيصفه بأنه من الذين حملوا أقلامهم لاستعمالها في الهجومات الشخصية (١). ويفخر بأنه ليس من هذا النوع وأنه ينظر إلى الأمور نظرة واقعية وأنه يتحرى الحقيقة وأنه يعمل لصالح مواطنيه، ولفرنسا في نفس الوقت. وقد ظهر بوضربة، كما ظهر خوجة، عند تكوين اللجنة الأفريقية (٧ جويليه ١٨٣٣) فكتب إليها مذكرة. كما كتب إليها خوجة مذكرة. ولكن شتان بين العملين روحا وعاطفة وهدفا. فبينما كان خوجة ثائرا على الأوضاع، غير مؤمن بالتعاون المفروض بين الفرنسيين والجزائريين، كان بوضربة ناقدا للأوضاع ولكنه قابل لها مقترحا حلولا عملية لفائدة التعاون الفرنسي- الجزائري. والمذكرة مقسمة إلى سبعة فصول تضم عناوين مثل التنظيم البلدي، وتطبيق القضاء والعدل. والتنظيمات الخاصة بالمناطق الداخلية، وإدارة المؤسسات الخيرية، وغيرها. وإلى جانب المذكرة مثل بوضربة أمام اللجنة الأفريقية وتقدم عندئذ بخلاصة أفكاره حول العلاقات الجزائرية - الفرنسية. وقد ذكرنا من قبل هذه الآراء، التي لم تكن في الواقع سوى خلاصة للمذكرة، ولذلك فلا نرى داعيا لتلخيص المذكرة هنا. ويذكر دي رينو أن اللجنة الأفريقية قد استمعت بعناية لأفكار بوضربة (٢) كما يذكر إفير أن أفكار بوضربة لم تكن كلها تمنيات مثالية (يوتوبيا)، بل إن الحكومة الفرنسية قد طبقت بعضها، ولا سيما الأفكار الخاصة بالتنظيم القضائي والإدارة البلدية (٣). ماذا فعل بوضربة بعد ١٨٣٤؟ وكيف انتهت حياته؟ هذا ما لا نستطيع الإجابة عنه حاضرا. ولعل علاقة بوضربة بالفرنسيين في بداية الاحتلال

стр. 74

ليست غريبة عن علاقة بعض الجزائريين أثناء وعند نهاية الاحتلال. فرغم (اعتداله) وتعلقه بفكرة التعاون بين الطرفين لقي جزاءه نفيا واتهاما بسوء الخلق والتآمر. ونحب أن نشير في نهاية هذا البحث إلى أن بوضربة، كخوجة، كان على إطلاع واسع بأحوال بلاده سواء في المدن أو في الريف، وسواء في إقليم الجزائر أو في بقية الأقاليم (١). وإذا كانت حياة بوضربة غامضة فان حياة حمدان خوجة كانت واضحة. فقد كان تاجرا كبيرا ومالكا غنيا من أثرياء مدينة الجزائر. كانت له أراضي في سهل متيجة وأملاكا في مدينة الجزائر. وقد ولد في أواخر القرن ١٨ من أسرة لها مكانة بارزة في الدولة. فكان عمه أمين السكة (أي مسئول المالية)، وكان والده أستاذا في الشريعة وأصول الدين ثم كاتبا من الدرجة الأولى للدولة. وقد مكنه ذلك من ثقافة عميقة ومعرفة شاملة بشئون الدولة والبلاد عامة، كما مكنه من السفر إلى المشرق وإلى أوربا والتعرف على أحوال العالم القديم (الشرق) والجديد (أوربا)، وكان ذلك في وقت دقيق يشهد تغيرات جذرية في السياسة الدولية (مؤتمر فيبنا)، وفي التفكير الإنساني نتيجة الثورة الصناعية. وعند الاحتلال كان خوجة حاضرا في مدينة الجزائر وقد لعب دورا هاما. ولكن من وراء الستار. فهو الذي، على ما قيل، كانت له اليد في الدعوة إلى اجتماع الحضر الذين طلبوا على أثره من الباشا الاستلام. وقد كان محل ثقة الباشا ولذلك أرسله إلى صهره الآغا إبراهيم ليقنعه باستئناف القتال بعد هزيمته (الآغا) في معركة أسطاويلي، وكان ابنه حسن هو الذي صحب بوضرة وكاتب الباشا للتفاوض مع بورمون على شروط التسليم. ويقال إن خوجة كان موضع ثقة بورمون الذي ولاه عضوية المجلس البلدي لمدينة الجزائر، وفي عهد كلوزيل الأول لم يكن خوجة مغضوبا عليه بعد، فكلوزيل هو الذي ولاه لجنة تقدير تعويضات الأملاك المصادرة

стр. 75

وأسند إليه دراسة طالب اليهود من فرنسا لدفع تعويضات عن القروض التي كانوا قد دفعوها إلى الكراغلة، كما أصبح خوجة، متوليا شئون المراسلة بين بومزراق، باي التيطري، وبين السلطات الفرنسية. غير أن حظوظه قد هبطت لعدة عوامل. فقد اتهمته أرملة الآغا يحيى بأخذ نقود منها لكي يمنع إرسال ابنها إلى فرنسا (١). وكان خلافه مع بوضربة قد أضر به. ويذكر بعضهم أن تدخله الملح لصالح المفتي العنابي قد أساء إليه أيضا (٢). ومن جهة أخرى تآمر ضده اليهود الذين لم يكونوا يثقون فيه. أما موقفه غير المتسامح من احتلال المساجد فقد جعله في أعين الفرنسيين من الحاقدين عليهم. وإذا كانت هذه أمور يمكن التسامح معها، فان الفرنسيين لم يكونوا ليتسامحوا معه في الدعاية الواسعة التي قالوا إنه قد نشرها بين الجزائريين عن هزيمة الفرنسيين وانتصار المسلمين في المدية. كان هذا الموقف سببا في عزله من الوظائف التي أسندت إليه والتي قال عنها بأنه قد قبلها لأنه لم يكن له الخيار. وقد وصف هو قرار العزل بأنه كان (بردا وسلاما) عليه (٣)، كان خوجة على اتصال مع الباشا حسين أثناء زيارة حسين إلى باريس سنة ١٨٣١. وكان له به علاقة عالية وسياسية أيضا (٤). وقد اختلفت آراء الفرنسيين حول خوجة. فبيشون Pichon الذي كان عندئذ المتصرف المدني، قد اعتبره رجلا قديرا، أما كلوزيل فقد

стр. 76

عزله واتهمه بالتآمر. وقد وقف اليهود، كما ذكرنا، والمسيحيون أيضا موقفا عدائيا من المواقف الواضحة التي وقفها ضد انتهاك المساجد وتأثير النفوذ اليهودي كل حساب العرب. وكان لخوجة رأي في هؤلاء أيضا. فقد كان ساخطا على كلوزيل سخطا شديدا، وكان ناقما على برتزين، خليفة كلوزيل وعلى بيشون. وإذا كنا قد عرفنا أن الدوق دي روفيغو قد وقف من الخضريين موقفا عدائيا فانه قد وقف من خوجة في أول الأمر، موقفا مختلفا. فقد أعاد إليه داره التي كان قد استقر فيها أحد الضباط، وأرسله للتفاوض مع الآغا محيي الدين بن مبارك، مرابط القليعة، وكلفه بمهمة سرية لدى الحاج أحمد باي قسنطينة. فذهب مرتين إلى قسنطينة (أوت وأكتوبر ١٨٣٢ ودامت رحلته إلى ديسمبر من نفس السنة) محاولا إقناع الباي باقتراح الدوق وهو الاعتراف بالسيادة الفرنسية ودفع جزية سنوية لفرنسا (١). ثم توترت العلاقات بينه وبين الدوق فنفاه من الجزائر. كما أن اليهودي بكري قد أغرقه في قضايا مالية شائكة جعلته يتابعها لدى مجلس الدولة في فرنسا. وفي شهر ماي ١٨٣٣ كان في باريس يدافع عن قضية الجزائر ويشرحها أمام الرأي العام الفرنسي والعالمي. وكان للضغط الذي قامت به فئة المنفيين الجزائريين في باريس الفضل في تحرك البرلمان الفرنسي وظهور اللجنة الأفريقية. وفي نفس الشهر المذكور أرسل خوجة مذكرة إلى مجلس الدولة الفرنسي عن حالة الجزائر، وفي ٣ جوان أرسل، مع ابراهيم بن مصطفى باشا،

стр. 77

مذكرة طويلة إلى المارشال سولت وزير الحربية، واقترحا فيها بعض مطالب الجزائريين مثل تكوين لجنة تحقيق. وفي ٩ جويليه أرسل خلاصة للمذكرة إلى الحكومة الفرنسية. وفي ١٠ منه أرسل خوجة نسخة من المذكرة ورسالة إلى الملك الفرنسي وناشده التدخل في الجزائر. وبعد أن تكونت اللجنة أصبح خوجة هو صوت الجزائريين الذين فوضوه ليتحدث باسمهم. ولذلك رفع في ١٦ سبتمبر رغبات الجزائريين على الملك. وقد ألح فيها على شيئين: الحرية والاستقلال والتمتع بالحقوق التي يتمتع بها الأوربيون، ثم كتب (المرآة) لتنوير الرأي العام. وكان الكتاب جاهزا تقريبا منذ جوليه غير أن خوجة لم ينشره انتظارا لتحسن الأوضاع وظهور نتائج اللجنة الأفريقية. غير أنه قرر نشره في أكتوبر، وأرسل منه نسخة مع رسالة إلى أعضاء اللجنة المذكورة (١). وينص المؤلف أن (المرآة) سيكون في جزئين يتناول في الأول الجزائر في العهد العثماني وإدارة بورمون وكلوزيل الأولى، ويتناول في الثاني إدارة برتزين وبيشون. ولكن لم يظهر منه سوى الجزء الأول. خاب أمل خوجة في اللجنة الأفريقية التي لم تحقق ما كان يريد. وقد عرضته آراؤه في (المرآة) إلى المحاكمات بدعوى التشهير بالغير، ولم يقبل له أي مطلب استئناف حتى الذي تقدم به أمام مجلس الدولة. ومن جهة أخرى عاد كلوزيل، الذي كان ساخطا عليه، حاكما عاما على الجزائر سنة ١٨٣٥ (٢). وقد أصدر كلوزيل قرارا في ٢٦ سبتمبر سنة ١٨٣٦ بطرد حسن بن حمدان خوجة من الجزائر بدعوى أنه كان من المتآمرين على فرنسا. أما ابنه الآخر، على، الذي كان قد صحبه إلى فرنسا فقد عاد إلى الجزائر خلال مارس ١٨٣٩. وأما خوجة نفسه فقد ذهب إلى اسطانبول حيث ظل

стр. 78

على اتصال بالحاج أحمد باي قسنطينة يترجم رسائله إلى التركية ويطلع السلطان على أحوال الجزائر. وهناك كتب خوجة كتابا نشره بالعربية والتركية وهو (إتحاف المنصفين والأدباء بمباحث الاحتراز من الوباء) (١). وأهداه بالشعر إلى السلطان محمود الثاني. وإذا كان (المرآة) يظهر مقدرة خوجة التاريخية والسياسية فان (إتحاف المنصفين) يظهر مقدرته العلمية والدينية. من الواضح أن خوجة يحتاج إلى أكثر من بحث، فحياته خصبة، واطلاعه واسع، وآماله عريضة، وعلاقاته كثيرة وليس ما ذكرنا عنه سوى خلاصة علاقاته وبعض الخطوط من حياته. أما آراؤه وأفكاره وأهدافه فقد تناولناها في (الحركة الوطنية الجزائرية) (٢). وعسى أن يتاح لنا الوقت لإعطائه حقه من الدراسة والعناية. والشيء الذي نريد أن نخلص إليه أنه بنهاية خوجة انتهت حركة (اللجنة المغربية) التي كانت تضم العناصر التاجرة والمثقفة والتي حاولت أن تلعب دورا خطرا بالوقوف بين عهدين عثماني وفرنسي. ولعل رومانتيكية خوجة واعتدال بوضربة وعدم وجود قاعدة شعبية قد ساهمت في تصفية هذه الحركة. ...

стр. 79

الفصل الخامس مرابطون وثوار بعد توقيع معاهدة الاستسلام بين حسين باشا والكونت دي بورمون (٥ يوليو عام ١٨٣٠) وانتهاء المقاومة الرسمية، بدأت المقاومة الشعبية التي كان على رأسها مرابطون يجمعون الساسة إلى الدين وثوار لهم أطماع دنيوية حادة. ولما كان أهل المدينة قد فظلوا السلام على الحرب وقرروا عدم الوقوف في وجه الجيش الفرنسي، فان عرب البادية من الفلاحين وعمال الأرض ورؤساء القبائل ورجال الدين قد قرروا المقاومة ومنع تقدم الجيش الفرنسي خارج المدينة. ومن الطبيعي أن يكون أول من اصطدم بالعدو، خارج المدينة، هم سكان متيجة الممتد من الساحل إلى جبال الأطلس. كان هناك حوالي اثنتى عشرة قبيلة. لكل منها رئيس أو قائد. وأهمها بنو خليل، والخشنة، والسبت، وبنو موسى. وبالإضافة إلى هذه القبائل كانت هناك مدن صغيرة منتشرة في السهل أهمها البليدة، والقليعة، وشرشال، وبوفاريك، وكان معظم السكان من المزارعين والتجار الصغار. وعندما شعرت القبائل والمدن المجاورة بالخطر تحالفت وقررت المقاومة، ومن ثم ابتدأت سلسلة من الاصطدامات مع العدو وتحولت شيئا فشيئا إلى ثورة عامة. وقد ظهر خلال هذه الثورة زعماء لعبوا دورا هاما في السنوات الأولى من الاحتلال، منهم ابن زعمون، والحاج سيدى السعدي، والحاج محيي الدين بن المبارك، ولم تكن المقاومة مقتصرة على هؤلاء العرب، بل كان هناك في بقية الإدارة العثمانية مقاومون أمثال مصطفى بومزراق، باي التيطري، وإبراهيم باي قسنطينة السابق.

стр. 80

من أوائل المقاومين ابن زعمون، والواقع أننا لا نعرف عنه إلا أشياء متفرقة غير كاملة لأن تكون صورة واضحة عن حياته وأفكاره. وقد حاول الفرنسيون دفن أخباره إلا ما كان منها مرتبطا بانتصار جيشهم. كان ابن زعمون من قبيلة فليسة وكان قد عزم على منع تقدم الجيش الفرنسي نحو البليدة فجمع عرب المنطقة وعرض عليهم القضية بما في ذلك مشروعا يضمن حريتهم ووجودهم ودينهم في مقابل الاعتراف بالسلطة الفرنسية على مدينة الجزائر. كان ذلك في الشهر الأول من الاحتلال حين علم أن بورمون كان ينوي الزحف على البليدة. لذلك كتب إلى بورمون يطلب منه عدم التقدم إلا بعد توقيع معاهدة مع العرب تنظم العلاقة مع الفرنسيين. ولكن بورمون قرر الذهاب إلى البليدة على أية حال في ٢٠ يولية، عام ١٨٣٠ على رأس جيش من حوالي ٢٠٠٠ من المشاة، وبعض مئات من الخيالة، وبعض قطع المدفعية (١). أصبح ابن زعمون صاحب نفوذ كبير في إقليم الجزائر للمقاومة الشديدة التي أبداها في وجه تقدم العدو، وكان تأثيره يزداد يوما. وفي ٢٦ نوفمبر من نفس السنة، أي أثناء إدارةكلوزيل، هاجم ابن زعمون في جيش قوي مدينة البليدة التي ترك فيها الفرنسيون حامية بقيادة العقيد رولير Rulliere. وقد دخلت قواته المدينة ودارت معركة حامية من شارع إلى شارع ومن دار إلى دار مات في جرائها عدد كبير من الحامية الفرنسية ومن السكان أيضا. وفي ٢٧ من نفس الشهر وصل كلوزيل نفسه مدينة البليدة قادما من حملته الفاشلة على مدينة المدية عاصة إقليم التيطري. وقد وجد كلوزيل مدينة البليدة (مليئة بالجثث) على حد تعبير أحد الكتاب ومن الذين قتلتهم قوات ابن زعمون خمسون فرنسيا كانوا يتولون المدفعية. ويقال إن كلوزيل قد حزن لهم كثيرا وقرر في النهاية سحب القوات الفرنسية الباقية من البليدة

стр. 81

وعدم احتلالها وعاد بجيشه إلى مدية الجزائر (١). وهذه المعركة هي التي جعلت كلوزيل يشك أيضا في ولاء آغا العرب عندئذ وهو لسيد حمدان ابن أمين السكة (٢). وكان الفشل الذي حل بالفرنسيين في المدية وفي البليدة في خريف عام ١٨٣٠ قد قوى إيمان العرب بالنصر. وقد تقوى ساعد ابن زعمون بانضمام المرابط الحاج سيدي السعدي ودعوته للناس بالجهاد وحمل السلاح. وكانت مقاومة مصطفى بومزواق تزيد أيضا في رفع الروح المعنوية. وقد توزعت هذه القوات في منطقة متيجة فكانت قوات ابن وعمون وسيدى السعدي تحارب على الجانب الأيمن لوادي الحراش أما قوات بومزراق فقد كانت تحارب في منطقة بوفاريك. وخلال صيف ١٨٣١ هاجمت قوات ابن زعمون المراكز الفرنسية الأمامية وأشعلت النيران في حصاد المزرعة النموذجية (حوش حسن باشا) قرب وادي الحواش، وهو الحصاد الأول الذي أعده الفرنسيون ليحتفلوا به بمناسبة مرور عام على وجودهم في الجزائر. وقد دار القتال عدة أيام حتى أصبحت العاصمة مهددة، مما جعل القائد العام، الجنرال برتزين، يخرج إلى المعركة بنفسه في جيش كبير يتكون من ست فرق عسكرية، وجميع الفرسان الذين لديه. وبعض المدفعية. وهاجم برتزين قوات ابن زعمون وسيدى السعدي عند مكان يسمى باسم المرابط سيدي أرزين (٣). ولكن القوات العربية عندما شاهدت ضخامة الجيش الفرنسي انسحبت إلى الجبال المجاورة ولم تشتبك مع العدو. وقد عاد برتزين إلى العاصمة ظانا أنه قد وضع حدا للثورة، ولكنه ما كاد يرجع حتى عادت القوات

стр. 82

العربية إلى الهجوم (١). ولكن ذلك لا يعني أن القوات العربية لم تعان أية هزيمة. ففي معركة بوفاريك الكبيرة خلال خريف ١٨٣١ انهزمت قوات ابن زعمون وتفرقت بسبب سوء التنظيم. وكان ابن زعمون قد غضب وتألم من سلوك جيشه خلال هذه المعركة فقرر الانسحاب إلى داره في فليسة وعدم التدخل في أي شيء. وهكذا ظل معتزلا الشئون السياسية مدة طويلة (٢). وتكاد أخبار ابن زعمون تنقطع منذئذ وقد وجدنا رفيقه سيدي السعدي ينضم إلى الأمير عبد القادر، ولكننا لا ندري ما إذا كان هو قد فعل ذلك أيضا (٣). ونحن نجد في رسائل كلوزيل (سنة ١٨٣٠) بعض الرسائل الموجهة إلى ابن زعمون ومع ذلك فان نهاية حياته ما تزال غامضة. والحاج سيدي السعدي الذي سبق ذكره كان من أسرة مرابطة من مدينة الجزائر. وكان قد حج إلى مكة مما رفعه في أعين مواطنيه. ويقال إنه كان طموحا متدينا شجاعا، ويبالغ أعداؤه فيقولون إنه كان يريد أن يخلف حسين باشا في الحكم ويطرد الفرنسيين من الجزائر. وكان سيدي السعدي قد ساهم مساهمة كبيرة في إثارة القبائل ضد فرنسا حين كان يدعو إلى الجهاد وحمل السلاح. وبعد دخول الفرنسيين مدينة الجزائر خرج منها وأقام في هذه القبائل يدعوهم إلى الثورة. وإذا كان ابن زعمون صاحب سيف فإن سيدى السعدي كان صاحب

стр. 83

فكر، لذلك كان موقفه عندئذ كموقف الشيخ الحداد من الحاج المقراني أثناء ثروة عام ١٨٧١. وبفضل دعوته وتأثيره هاجم عرب متيجة المنتشرون في الفحص (الضواحي) المزارعين الأوربيين الذين بدأوا يستقرون في السهل. وقد قتلوا منهم عددا كبيرا واضطروا الباقين إلى الفرار إلى العاصمة. وكان لهذه الأحداث أثر على الأوربيين فازدادوا خوفا وانزعاجا وغادروا مزارعهم وجلين. أما في المدينة نفسها فقد أغلق الأوربيون مؤسساتهم وبدأرا يفكرون في الرحيل إلى أوربا ببضائعهم الثمينة، وأصبحوا يعتقدون أنه من الصعب مقاومة هذه الثورة العامة. وهكذا كان يظهر أن (المستعرة الوليدة (الجزائر) كانت تشهد آخر أيامها) (١). كان الحاج السعدي يتجول بين القبائل ويدعوها إلى الثورة العامة، وكان صوته مسموعا لمكانته الدينية لأنه كان من المرابطين، وقد علم القائد العام الفرنسي بتحركات السعدي بين القبائل وانضمام كل القواد (شيوخ القبائل) إلى الثورة، ولكنه لم يقم بأي شيء في بادئ الأمر. وزاد من سخط القبائل على الفرنسيين ما ارتكبوه نحو قبيلة العوفية في ٧ أبريل عام ١٨٣٢ التي هاجموها ليلا وأعدموها عن آخرها وحاكموا وأعدموا شيخها، الربيعة، رغم براءة القبيلة (٢). بل إن أغا العرب، الحاج محيي الدين، قد انضم إلى الثورة، رغم احتفاظه بالمنصب، وترك الثوار يدعون إلى الجهاد في القليعة مقر أسرته ونشاطه. وقد قرر القائد العام القضاء على الثورة فاتهم أغا العرب بالخيانة وطلبه

стр. 84

للمحاكة، وخرج هو بالجيش الفرنسي إلى بئر خادم. ومن هناك وجه جزءا من الجيش إلى القليعة حيث أسرة الأغا محيي الدين، وإلى سوق علي، قرب بوفاريك، التي كانت مجمع الثوار. وقد اشترك في القتال الذي دار في بداية أكتوبر عام ١٨٣٢، كل من الجيش الفرنسي وفرقة (قناصة أفريقية) وفرقة (الزواف) الخاصة. وهي المعركة التي انهزم فيها الثوار وانسحبوا إلى الجبال والمدن المجاورة، واعتزل على أثرها ابن زعمون، والتحق بعدها الحاج سيدي السعدي بالأمير عبد القادر ليواصل جهاده ضد الفرنسيين (١). كما أن الأغا محيي الدين قد فر وانضم إلى الأمير عبد القادر وأصبح خليفة له في مدينة مليانة (٢). والحديث عن الثورة في العهد الأول من الاحتلال يقودنا إلى الحديث عن الآغا محيي الدين بن المبارك، مرابط مدينة القليعة. ويذكر المؤرخون الفرنسيون أنه كان للقائد الفرنسي العام، الجنال برتزين، الذي كان متوليا سنة ١٨٣١، سياسة مهادنة نحو العرب فاستنصح حضر مدينة الجزائر فنصحوه بتعيين الحاج محيي الدين بن الصغير بن سيدي علي مبارك أغا على العرب في منطقة سهل متيجة. وقد سبقه في هذا المنصب في العهد الفرنسي الآغا حمدان بن أمين السكة الذي عينه بورمون، ثم جاء كلوزيل فعزل حمدان هذا وولى مكانه فرنسيا يدعى العقيد مانديري Mendiri . ولكن برتزين الذي خلف كلوزيل أراد أن يتقرب من العرب فعين عليهم أغا منهم، ظانا أن ذلك يكفي للقضاء على الثورة والمقاومة. ويبدو أن القائد العام قد أحسن الاختيار لأن الحاج محيي الدين كان من أسرة مرابطة عريقة وذات نفوذ في القليعة وما حولها. ولكن محيي الدين لم يقبل المنصب بدون شرط. فقد تعهدت له فرنسا بمبلغ ٧٠،٠٠٠ فرنك سنويا. وتعهد

стр. 85

لها هو ببقاء العرب حيث هم بشرط أن يبقى الفرنسيون حيث هم أيضا. وبعبارة أخرى كان هذا الشرط تجميدا للأوضاع وأصبح الفرنسيون بمقتضاه محاصرين في مدية الجزائر (١). قام الآغا محيي الدين بالتزامه خلال سنة ١٨٣١ فكان كل من الطرفين ملتزما بحدوده. وكان الآغا يوصي في جميع رسائله التي يوجهها إلى القائد العام بعدم السماح لأي فرنسي أن يذهب أو يتصل بالأهالي، وكان يصر على أن يكون هو الصلة الوحيدة بين العرب والفرنسيين. ويذكر بعض المؤرخين أن مراسلاته القليلة قد أصبحت هي وسيلة الفرنسيين الوحيدة للتعرف على أحوال العرب (٢).كان الآغا محيي الدين يمتاز بالحكمة والورع والنظام. وكان العرب في المنطقة يحترمونه لأصله وشخصيته القوية. وكانت سمعته وسلطته ونظامه هي التي استطاعت أن تضع حدا للفوضى ولو إلى حين. وقد عين وعزل بعض رؤساء القبائل. فعين الحاج محمد المخفي على قبائل الخشنة خلفا لابن العمري الذي قتل أثناء الثورة، وأبقى أحمد بن أورشيف على بنى موسى، ومسعود بن عبد الواد على قبيلة السبت، وكلا الرجلين الأخيرين كان قد شارك في الثورة ضد فرنسا. وعين أيضا العربي بن موسى على بني خليل خلفا لمحمد بن الشرقي الذي تخلى عن منصبه بعد عزل حمدان بن أمين السكة من منصبه (أغا العرب). غير أن تصرفات الآغا محيي الدين المستقلة قد جردت الفرنسيين من أية صلة مع الأهالي وجعلت موقفهم سلبيا. وقد قاد ذلك إلى اتهام الأغا بأنه كان يعمل لحسابه الخاص وأنه كان يتصل بالقبائل لتشجيعها على الثورة ضد فرنسا، وأنه عندما قامت هذه الثورة العامة قد انضم إليها سرا، رغم أنه

стр. 86

كان في الظاهر يظهر الإخلاص لفرنسا ويدعى العجز عن القيام بمهمته، كان الأغا محيي الدين قد تأثر بحادثة العوفية (ربيع سنة ١٨٣٢) مثل بقية العرب، وكانت هذه واحدة من سلسلة وقائع ارتكبها الدوق دي روفيغو Rovigo القائد العام الجديد ضد الأهالي. وبدا منذئذ الخلاف بين القائد العام وبين أغا العرب الحاج محيي الدين. فأوقفه القائد العام عن عمله، وعين حمدان بن عثمان خوجة ليكون واسطة بينه وبين الآغا، وخصص له شرطة تضايقه وتتبع أخباره وتراقب أصدقاءه، وأبطل العمل بالاتفاق (العرب في مكانهم والفرنسيون في مكانهم) وقرر أن يتصل بالعرب مباشرة متجاهلا سلطة الآغا. فكانت هذه الإجراءات فاتحة عهد من الخصومة بين القائد والآغا محيي الدين (١). أرسل دي روفيغو أحد رجاله، وهو الجنرال بروسار Brossard إلى مدينة القليعة على رأس جيش كبير لمحاربة الثوار هناك ولإلقاء القبض على الآغا محيي الدين وحمله إلى مدينة الجزائر ليواجه المحاكمة. ولكن الآغا كان قد أحس بما يبيت له فلجأ إلى قبيلة بني مناد. وعندما لم يجد بروسار الآغا الذي يبحث عنه ذهب إلى أسرته وحمل اثنين منها رهينتين إلى الجزائر وهما سيدي علال وسيدي محمد، إبنا عم الآغا، وكلاهما مرابط، وكلاهما (رجل سلام وخير) ولا سيما الأخير منهما، وظلا سجينين في الجزائر إلى زمن إدارة الجنرال فوارول Voirol ، أي أكثر من سبعة شهور. ومن جهة أخرى سجن الفرنسيون مساعد الآغا، وهو المسمى حميدة الذي جاء إلى الجزائر حاملا رسالة إلى القائد العام من الآغا ولكن دي روفيغو الذي كان يشك في إخلاص الآغا احتجز مساعده وقرر محاكمته. وتذكر المصادر الفرنسية أن السيد حميدة قد أصابه خوف كبير من المحاكمة فمات

стр. 87

في سجنه (١). من بني مناد ظل الآغا محيي الدين يكتب إلى القائد العام يعلن براءته من الاتهام الموجه إليه ويشرح موقفه. وعندما لم تجد الرسائل إلى القائد العام كتب الآغا مباشرة إلى الملك الفرنسي يعبر له عن براءته وإخلاصه. كما كتب إلى وزير الحربية. منها الرسالة التي وجهها بتاريخ ٢٤ يونية عام ١٨٣٢ إلى الملك الفرنسي يخاطبه فيها باسم العرب الذين تجمعوا حوله ويطالبه بوضع حد لحكم دي روفيغو وإحلال العدل الذي وعدت به فرنسا الجزائريين (٢). ومن ذلك رسالة وجهها إلى وزير الحربية بتاريخ ٢١ أكتوبر عام ١٨٣٢ اشتكى فيها من القائد العام واتهمه بارتكاب الأخطاء والاستماع إلى أنصار عودة الحكم التركي إلى الجزائر. والعمل ضد كل ما يكتبه إليه من نصائح وآراء تخص العلاقات مع العرب (٣). وبدلا من أن يبدأ الدوق دي روفيغو عهدا جديدا من المصالحة مع العرب عمد إلى سياسة العنف نحوهم. فبعد حادثة العوفية حاول القضاء على الآغا محيي الدين بتكليف أحد المترجمين بالبحث له عن شخص يقوم باغتيال الآغا (٤). وقرر أيضا معاقبة مدينتي البليدة والقليعة على تعضيدهما للثورة بغرامه قدرها مليون ومائة ألف فرنك. كان عدد سكان القليعة لا يتجاوز ١،٥٠٠ نسمة. ولم تدفع القليعة من المبلغ سوى عشرة آلاف فرنك دفعتها أسرة ابن المبارك التي كان زعيمها في السجن

стр. 88

بالجزائر. ولم تدفع البليدة سوى ١،٤٠٠ فرنك قدمها حاكمها في عهد فوارول خليفة دي روفيغو. أراد الدوق أيضا أن ينظم الشئون العربية بنفسه ما دام لا يعترف بوساطة الآغا محيي الدين. حاول أولا أن يعين السيد أحمد بن شنعان الذي كان من قبيلة بني جاد والذي قال الفرنسيون إنه اتصل بهم عشية معركة اسطاويلي (١٩ يونية عام ١٨٣٠) (١)، خلفا للأغا محيي الدين. ولكن ابن شنعان لم يرحب به أهل المنطقة، وحين أراد من أهل البليدة أن يقبلوه حاكما عليهم رفضوه وهددوه. لذلك لجأ إلى العاصمة بعد أن أقام في البليدة بعض الوقت. وعدل الدوق عن تعيينه. لكنه قرر القيام بحملة ضد البليدة فهرب أهلها منها إلى الجبال المجاورة ودخلها الجيش الفرنسي وعاث فيها فسادا ثم رجع إلى العاصمة مكللا بالعار لا بالغار كما يقول الفرنسيون أنفسهم (٢). كما قرر الدوق تعيين رؤساء جدد على القبائل غير موالين للأغا محيي الدين. فعين على بني موسى ابن رباح، وعين على بني خليل سي حمود، وأبقى على الخشنة السيد الحاج المخفي. وقد ارتكب الدوق حادثا كان له أثر بعيد على العلاقات بين العرب والفرنسيين. فقد كان قد اتصل بتقارير تفيد أن العربي بن موسى قائد بني خليل، ومسعود بن عبد الواد قائد السبت كانا عدوين لدودين لفرنسا وأنهما كانا مستعدين لإثارة العرب ضدما. أراد الدوق أن يستدرجهما إلى الجزائر التي لم يدخلاها منذ فترة طويلة. فكتب بتاريخ ٦ أكتوبر عام ١٨٣٢ إلى أهل البليدة يطلب منهم إرسال وفد إلى الجزائر فيه القائدان المذكوران، بالإضافة إلى أشخاص آخرين. ولكن القائدين شعرا بالمكيدة فترددا في الذهاب واشترطا الأمان. أرسل الدوق إليهما الأمان عن طريق صديقهما

стр. 89

الحاج المخفي الذي لا يشكان في نيته. وجاء معهما المخفي إلى الجزائر، ولكن بمجرد وصولهما اعتقلا وقيدا مكبلين إلى السجن. وقد تأثر صديقهما المخفي لذلك واحتج وطلب من الفرنسيين اتهامه مثلهما ومد يديه إلى القيد معهما. ورغم أن كثيرا من الرسائل من القبائل قد وصلت إلى الدوق تطالب باطلاق سراح القائدين مسعود بن عبد الواد والعربي بن موسى فان الدوق لم يرضخ. وقد جاء بقضاة حاكموهما ونفذ الفرنسيون فيهما حكم الإعدام خلال فبراير عام ١٨٣٣، أي قبل حوالي شهر واحد من مغادرة الدوق الجزائر نهائيا، وقد مات في باريس خلال يونية من نفس السنة، يعاني كما يقول الذين درسوا حياته من (أزمة ضمير). أما الآغا محيي الدين، الذي كان يريد له الدوق نفس المصير، فقد شعر بالخطر فانضم إلى الأمير عبد القادر. وقد عينه هذا خليفة له على مدينة مليانة، وأصبح من المقاومين البارزين. ولكن بقية حياته ما زلنا نجهلها (١). وهناك شخصية عربية أخرى غريبة الأطوار والتصرفات في هذه الأثناء ذلك هو فرحات بن سعيد شيخ العرب في منطقة الزاب الصحراوية. كان فرحات قد عين شيخا على العرب من طرف إبراهيم باي قسنطينة السابق وعزل خصمه ابن قانة. كان شخصية طموح لا يبالي بالوسائل إذا كانت توصله إلى أهدافه. ثار سنة ١٨٢١ ولكن صدر عنه العفو وبقي نفوذه الكبير في الجنوب. وكان هناك تنافس خطير بين أسرته وأسرة بن قانة سالت من جرائه دماء غزيرة. وعندما ولي الحاج أحمد بايا على قسنطينة عزل فرحات وعين خصمه ابن قانة شيخا على العرب. وكان ابن قانة صهرا للحاج أحمد.

стр. 90

ولكن فرحات ثار واغتنم فرصة وجود الفرنسيين في الجزائر وحاول تجنيد كل العوامل للإطاحة بالحاج أحمد. تعاون فرحات أولا مع الباي إبراهيم الذي كان يحاول هو أيضا استعادة مكانته المفقودة. وعندما لم يجد في إبراهيم القوة الحقيقية التي تطيح بالحاج أحمد لجأ إلى الفرنسيين. أرسل إليهم وفدا إلى مدينة الجزائر يقترح على الدوق دي روفيغو التحالف على أن يهاجم الفرنسيون قسنطينة ويساعدهم هو (فرحات) بجيش كبير من القبائل. احتفى الدوق بالوفد وجعل منه حادثا كبيرا ولكنه رد على فرحات بجواب غامض (١). ولعله فعل ذلك لأنه كان في نفس الوقت يفاوض الحاج أحمد على الاعتراف بالسيادة الفرنسية وإبقائه في مكانه حاكما على قسنطينة. وعلى أية حال فان فرحات لم يحصل على ما كان يريد من الفرنسيين فبدأ اتصالات أخرى مع الأمير عبد القادر. وبعد مفاوضات اعترف به الأمير شيخا على العرب وأمده بالسلاح والتأييد. ويبدو أن فرحات الذي كان يحارب الحاج أحمد والفرنسيين في نفس الوقت كان يحارب من أجل قضية شخصية لا قضية وطنية، رغم أن الغبار ما زال يغطي كثيرا من الحقائق عن هذه الشخصية (٢).

стр. 91

الفصل السادس اللجنة الأفريقية هناك عدة أسباب جعلت الحكومة الفرنسية ترسل لجنة تحقيق إلى الجزائر لتعاين الوضع وتقدم تقريرا عنه يتضمن اقتراحات واضحة حول مستقبل البلاد. من ذلك: المناقشة الحادة التي جرت في البرلمان حول تخصيص ميزانية لمواصلة الحرب في الجزائر، والحملة التي قام بها بعض الجزائريين المنفيين، وخصوصا حمدان خوجة، ضد تصرفات الإدارة الفرنسية في الجزائر، وضغط الرأي العام الأوربي على فرنسا للإعلان عن موقفها الرسمي من الاحتفاظ أو التخلي عن الجزائر. وافق ملك الفرنسيين، لويس فيليب، على هذه اللجنة، التي أصبحت تعرف باسم اللجنة الأفريقية، بتارخ ٧ جويليه ١٨٣٣، بناء على تقرير قدمه إليه وزير الحربية المارشال سولت soult وقد أعلن رسميا أن هدف اللجنة هو جمع المعلومات التي تنير الحكومة عن حالة الجزائر الحاضرة وعن مستقبلها. وفي نفس الوقت قضى الملك أن ينضم أعضاء اللجنة المذكورة إلى لجنة أخرى تتكون بعد عودة اللجنة الأولى إلى فرنسا. والجدير بالذكر أن الحكومة قد أعطت إلى اللجنة (تعليمات) تتضمن النقاط التي تريد منها التعرف عليها وتطلب منها إيجاد حلول للمشاكل الهامة التي كانت تواجهها الجزائر. كما أعطتها (برنامج) عمل مفصل تسير على ضوئه. ومن السهل أن يستنتج المرء، من (التعليمات) و (البرنامج)، أن الحكومة الفرنسية كانت قد قررت مسبقا ماذا ستفعل بالجزائر وأن إرسال

стр. 92

اللجنة المذكورة ما هو إلا محاولة لإعطاء مرقفها صورة واسعة شعبية. وكان من الممكن أن تعلن الحكومة عن موقفها نحو الجزائر دون إرسال اللجنة. وصلت اللجنة إلى الجزائر بتاريخ ٢ سبتمبر ١٨٣٣. وكان رئيسها هو الجنرال بوني Bonnet وكاتبها هو السيد بيسكاتوري Piscatory النائب في البرلمان. وفي اليوم التالي استقبلت اللجنة ممثلي السلطات المدنية والعسكرية في الجزائر كما استقبلت أعضاء الغرفة التجارية ولجنة استعمار الأراضي. ومن الذين استقبلتهم أيضا وفود عن المستوطنين الفرنسيين (الكولون)، وعن التجار الأوربيين، وعن أعيان العرب الحضريين (المور)، بالإضافة إلى وفد عن يهود الجزائر. والهدف من هذه الاستقبالات هو توضيح مهمة اللجنة وتهدئة الخواطر. والملاحظ أن اللجنة تفادت التصريح بأي شيء فيه التزام أو يعرقل حرية الرأي بالنسبة لأعضائها (١). وفي ٦ من الشهر المذكور عقدت اللجنة أول جلسة عمل قسمت خلالها الأعمال حسب اختصاصات الأعضاء. ونتيجة لذلك اختص الجنرال بوني بالمسائل العسكرية، والجنرال مونفور Montfort بالطرق والقناطر، والسيد دوفال دايي D. Dailly بالبحرية، والسيد لورانس Laurence بالإدارة والتشريع والقضاء، والسيد دوبير سار D. Auberssart بالمالية والضرائب والعقارات، والسيد رينار Reynard بالتجارة والصناعة والجمارك. والسيد دي لابينسورنيير de la pinsonniére بالزراعة واستغلال الأرض (الاستعمار). ويتضح من تقسيم الأعمال اهتمام اللجنة بالمسائل التي ستقدم تقارير عنها إلى الحكومة أثر عودتها إلى فرنسا. كانت (التعليمات) التي سلمتها الحكومة إلى اللجنة تحتوي على ٢٤ صفحة

стр. 93

وفيها أسئلة كان على اللجنة أن تجيب عليها، ومنها: هل تحتفظ فرنسا بالجزائر أو تتخلى عنها، وفي كلا الحالتين ما فائدة فرنسا؟ ثم ما طريقة العمل إذا كان الاحتفاظ هو الحل المقترح، وما الوسائل التي على الحكومة استعمالها لتنفيذ الاقتراح؟ ومن جهة أخرى تقتضي التعليمات أن توضح اللجنة جميع أوجه الحالة الراهنة في الجزائر. وإلى جانب ذلك تحتوي (التعليمات) على وصف هام لحالة وطبقات السكان الجزائريين وحالة الأراضي. ونلاحظ أن (التعليمات) تميل إلى الرأي القائل بالاحتفاظ بالجرائر، وكأن مهمة اللجنة هي البحث عن وسائل الاحتفاظ بالجزائر في ضوء تجارب السنوات السابقة وليس الإجابة على ما إذا كان الاحتفاظ جائزا، أو ممكنا. وقد تنقلت اللجنة في مدينة الجزائر وضواحيها فزارت المؤسسات العامة وسهل متيجة متنقلة من الحميز (وادي الخميس) إلى البليدة. وأثناء ذلك زارت المراكز العسكرية وتنقلت في الطرق الجديدة باحثة عن المنشآت الصناعية التي قيل لها أنها كانت موجودة. وفي ١٤ من الشهر المذكور رحلت اللجنة إلى عنابة وزارت أيضا بعض مناطقها التي أصبحت بيد الفرنسيين. وفي ٤ أكتوبر ذهبت إلى مدينة وهران وتنقلت في ضواحيها، وزارت خليج أرزيو في ١٥ أكتوبر. وحاولت زيارة مستغانم ولكنها لم تنجح وفي ١٦ منه زار بعض أعضائها مدينة بجاية التي استولى عليها العفرنسيون حديثا. وأخيرا عادت اللجنة إلى مدينة الجزائر في ٢٣ أكتوبر. عقدت اللجنة بجميع أعضائها جلسة عمل في ٢٤ أكتوبر بمدينة الجزائر وبلغ عدد الجلسات التي عقدتها حوالي ٣٠ جلسة. وفي كل جلسة كانت تناقش عددا من المسائل وتستمع إلى تقارير الأعضاء الذين تولى كل منها دراسة قضية بعينها تدخل في اختصاصه. وهكذا كانت هناك تقارير عن استغلال الأراضي (الاستعمار)،وعن البحرية، وعن الحالة العسكرية وعن الأشغال العامة.

стр. 94

كانت (العلاقات مع العرب) هي موضوع جدول الأعمال في جلسة ٢٨ أكتوبر. وقد افتتح أحد الأعضاء باقتراح مناقشة الموضوع من ثلاث زوايا: (١) اتباع سياسة اللين وحسن المعاملة نحو العرب إلى أن يندمجوا في السكان الأوربيين. (٢) مواصلة الحرب ضدهم بلا هوادة إلى أن يفنوا أو يتقهقروا من المناطق التي احتلها أو سيحتلها الفرنسيون. (٣) إحلال التشريعات الفرنسية محل التشريعات المحلية بهدف إبعاد العرب تدريجيا من المناطق التي تدخل تحت السيطرة الفرنسية. ودارت المناقشة حول هذه النقاط فقال بعضهم باتباع سياسة عادلة نحو العرب لأن فرنسا قد التزمت لهم بذلك فاذا هاجروا بعد ذلك من المناطق التي تخضع للفرنسيين فذلك شأنهم. وطالب آخر باستعمال طرق تضطر العرب إلى الهجرة من المناطق المحتلة، وقال إن المعامدات التي تربطنا بالسكان يجب أن تكون (استراتيجية حرب وليست سلاما دائما) معهم (١). واعترف ثالث بجهله حالة العرب عندئذ قائلا إن المعلومات التي لدى اللجنة لا تكفي للإجابة على السؤال المطروح وهو (هل يمكن لفرنسا تكوين علاقات ودية مع العرب؟) وكان من رأي بعضهم استخدام القوة والشدة مع العرب وعزلهم عن الأسواق والمراكز الفرنسة، بينما رأى آخرون إمكانية كسب ود العرب عن طريق فتح مجال العمل في المنشآت الفرنسية. طلبت (التعليمات) إلى اللجنة أيضا الإجابة على ما إذا كان يمكن لفرنسا أن تسلك نحو العرب نفس السياسة التي اتبعها الأتراك معهم. وأثناء المناقشة قال أحد أعضاء اللجنة بأنه يجب على فرنسا أن لا تتبع نظام الأتراك لأن هذا النظام لا يتناسب جملة وتفصيلا مع التقاليد والنظم الفرنسية، فالأتراك

стр. 95

بناء على هذا الرأي، كانوا على دين وتقاليد وعادات ووجهات نظر شبيهة بالتي كانت لدى العرب، وليس كذلك الحال بالنسبة لفرنسا. وقال آخر إن نظام الأتراك القديم لا يتناسب مع ما تفكر فيه فرنسا حاليا وهو الاستعمار وإحلال جالية غربية محل السكان الأصليين. أما احتلال الأتراك للجزائر، بناء على هذا الرأي، فقد كان باسم القرصنة فقط، وليس باسم وضع نظام اجتماعي واقتصادي شأن فرنسا عندئذ. وميز بعضهم فقال إنه يمكن الاستفادة من النظام التركي في الجزائر من الوجهة العسكرية فقط، أي فرض السيطرة التركية بالقوة، وهو ما يجب في نظره، أن تستفيد منه فرنسا في علاقاتها الجديدة مع العرب. ومن النقاط التي ناقشتها اللجنة قضية جنسية المستوطنين الذين سيسمح لهم بدخول الجزائر. وكان ذلك في جلسة ٢٩ أكتوبر. وقد طرح السؤال بالكيفية الآتية: هل يسمح بدخول الجزائر للفرنسيين فقط أو يسمح لجميع الأجناس بلا تمييز؟ وإذا سمح للجميع فما الشروط التي يجب أن تتوفر في غير الفرنسيين الذين يرغبون في استيطان الجزائر؟ وبعد مناقشة طويلة قررت اللجنة حرية دخول جميع الأجناس إلى الجزائر دون تمييز الأصل، ولكن الأولوية أعطيت للمزارعين وأصحاب الحرف والمؤهلات الخاصة. كذلك ناقشت اللجنة السلطة الفرنسية في الجزائر: هل تكون سلطة عسكرية ومدنيه أو إحداهما فقط؟ وفي جلسة أول نوفر قررت اللجنة تركيز جميع السلطات الفرنسية في الجزائر. سواء كانت عسكرية أو مدنية، في سلطة عليا واحدة، وهي سلطة (الحاكم العام)، الذي اقترحت خلق منصبه. ومن القضايا المتصلة بهذا الموضوع صلة كل وزارة فرنسية بالحاكم العام في الجزائر، ثم صلاحيات الحاكم العام نفسه وصلاحيات (المجلس الإداري) الذي يساعده في مهمته. ومن رأي اللجنة أن الحاكم العام يستمد سلطانه من مجلس الوزراء الفرنسي في جميع القضايا الكلية. أما القضايا الجزئية

стр. 96

فيتلقى سلطاته فيها من كل وزارة على حدة، أي على غرار ما كان جاريا به العمل في فرنسا نفسها. وقد رأت اللجنة خلق مجلس إداري من قائد الجيش الفرنسي في الجزائر ومن المتصرف المدني والمتصرف العسكري والموظف القضائي السامي. ويترأس الحاكم العام هذا المجلس الذي لن تكون مهمته سوى استشارية بالدرجة الأولى. أما سلطات الحاكم العام فتمليها الظروف وطبقا للقضايا المطروحة. وعلى أية حال فان الحاكم العام يعمل بالتعاون مع المجلس الإداري وبالتنسيق مع الحكومة في باريس. ومن الجدير بالذكر أن اللجنة رأت تركيز السلطة الفرنسية في مدينة الجزائر بحيث تتصل جميع المناطق المحتلة بمدينة الجزائر قبل اتصالها بباريس (١). أما بخصوص النظام البلدي فقد اقترحت اللجنة بشأن الجزائر تطبيق ما كان جاريا به العمل في فرنسا نفسها قبل ١٨٣١. ومن رأيها إشراك العرب في (المجلس البلدي) بشرط أن لا يتجاوز عددهم عدد الفرنسيين فيه. واقترحت أن تكون للبلديات ميزانية خاصة. وكان من رأيها الإسراع بتنظيم المجلس البلدي في مدينة الجزائر وتنظيم المناطق المحيطة بها في بلديات ريفية. ثم عالجت اللجنة قضايا الضرائب عامة. والضريبة الخاصة بالعرب، وشئون القضاء المدني والجنائي، وحالة التجارة والجمارك، ونظام الزراعة وخطة الاستعمار المطبقة عندئذ. ومن الذين استمعت إليهم اللجنة من العرب وسجلت إجاباتهم في محضر الجلسات السيد مصطفى بن الكبابطي، الذي كان عندئذ متوليا شئون الإفتاء على المذهب المالكي. وقد استجوبه رئيس اللجنة في الجلسة الخاصة بمناقشة العدالة والقضاء. وإجابة ابن الكبابطي تناولت قضايا غير سياسية في ظاهرها كموقف التشريع الإسلامي من حقوق الرجل والمرأة ونظام الملكية، والزواج

стр. 97

والطلاق، وإجراءات الأحكام القضائية (١). عادت اللجنة الأفريقية إلى فرنسا في ٩ نوفمبر، ١٨٣٣، وقدمت تقاريرها إلى الحكومة الفرنسية مضيفة إليها اقتراحات واضحة حول مستقبل الجزائر ومستقبل فرنسا هناك. وأهم الاقتراحات هو أن اللجنة رأت ضرورة الاحتفاظ بالجزائر التي أطلقت عليها اسم (الممتلكات الفرنسية في أفريقية). وقد سبق أن لاحظنا أن ذلك هو هدف الحكومة منذ تكوين اللجنة بتزويدها (بتعليمات) و (برنامج) يحملان رغبة الحكومة في الانتهاء إلى هذه النتيجة. وفي الحال قامت الحكومة يتقديم تلك التقارير والاقتراحات إلى لجنة جديدة موسعة تشكلت بتاريخ ١٢ ديسمبر، ١٨٣٣. كانت اللجنة الجديدة تتألف من ١٩ شخصيا برئاسة الدوق ديكازيس Decazes الذي كان من أعضاء مجلس الشيوخ الفرنسي. ومن بين أعضائها كل أعضاء اللجنة الأولى والثمانية، واللجنة الثانية كالأولى تتكون من عسكريين ومدنيين مراعى فيهم الاهتمام والتخصص بالمشاكل المعروضة الناجمة عن احتلال الجزائر. وقد عقدت اللجنة جلستها الأولى في ٢٢ ديسمبر ١٨٣٣. وفي الجلسة الثانية (٥ جانفي - يناير ١٨٣٤) انتخبت كاتبها فكان السيد بيسكاتورى الذي سبقت إليه الإشارة والذي كان كاتب اللجنة الأولى. وفي جلسة ٦ جانفي وافقت على طريقة العمل وهي الاستماع أولا إلى محاضر جلسات اللجنة الأولى والاستماع أيضا إلى قراءة مختلف التقارير الملحقة بالمحاضر المذكورة. وبعد ذلك يتحدث أعضاء اللجنة الأولى عن انطباعاتهم في الجزائر. والجدير بالذكر أن اللجنة الثانية طلبت من وزير الحربية أن يمدها بجدول مفصل عن الأعمال الإدارية التي قامت بها الحكومة الفرنسية في الجزائر منذ الاحتلال. والواقع أن تعاون الحكومة مع هذه

стр. 98

اللجنة لم يكن أقل وضوحا من تعاونها مع اللجنة الأولى. وسنرى أمثلة أخرى لهذا التعاون بين الطرفين. وعلى أية حال فقد عقدت اللجنة الثانية حوالي ٥٦ جلسة. وكانت مناقشات تطول وتحتد كلما كان الموضوع عن الاحتفاظ أو التخلي عن الجزائر، أو عن استغلال الأرض (الاستعمار)، أو عن الضرائب والجمارك والتجارة. والملاحظ أن اللجنة استمعت إلى أشخاص آخرين غير أعضائها، عسكريين ومدنيين، مؤيدين ومعارضين للاحتفاظ بالجزائر، ومن الذين استمعت إليهم اللجنة عدد من الجزائريين الذين كانوا عندئذ منفيين من بلادهم. وسنذكر إجابة بعضهم في مكان آخر من هذا العمل (١). وهناك عدد من الأشخاص لم يحضروا أمام اللجنة واكتفوا بالاعتذار مثل الجنرال كلوزيل Clauzel. وفي الجلسة ١٧ أعلن الرئيس مناقشة الموضوع الهام الذي كان على اللجنة أن تبت فيه. وهو (الاحتفاظ أو التخلي) عن الجزائر، ويمكننا أن نلاحظ أنه خلال جميع المناقشات، سواء في اللجنة الأولى أو الثانية، لم تكن الآراء فقط في صالح الاحتفاظ بالجرائر ولكن كانت أيضا في صالح الاستعمار، أي استغلال الأرض والسيطرة التامة على جميع ثروات البلاد. غير أنه يجب استثناء قلة نادرة من الأصوات التي كان أصحابها يرون ضرورة التخلي التام عن الجزائر أو الاحتفاظ بها جزئيا فقط كالاحتفاظ بالمناطق الساحلية. وفي الجلسة المذكورة لخص بعضهم رأي اللجنة الأولى بخصوص هذا الموضوع في العبارات الآتية: (من الفائدة الاحتفاظ بالجزائر. الاحتفاظ بها أمر مستحسن. من الضروري الاحتفاظ بها) إذن فرأي اللجنة الأولى هو الاحتفاظ بالجزائر، ولكن درجات ذلك تمتد من الفائدة إلى الاستحسان إلى الضرورة.

стр. 99

وأثناء الجلسة التالية (٢٨ جانفي، ١٨٣٤)، التي خصصت أيضا لمناقشة نفس الموضوع، حضر المناقشة وزير البحرية بنفسه وجلس على المنصة إلى جانب رئيس اللجنة. وقد تدخل الوزير وأجاب على عدة أسئلة تتعلق بحركة الجنود في الجزائر والميزانية الضرورية سواء اتبعت فرنسا الاحتلال الجزئي أو الكلي. ونلاحظ هنا أن احتمال التخلي عن الجزائر لم يكن واردا، وأن حضور الوزير لهذه الجلسة بالذات كان تدخلا مباشرا من الحكومة لتعزيز حجة المدافعين عن مبدأ الاحتفاظ بالجزائر. وبعبارة أخرى فاللجنة لم تكن محايدة ولكنها كانت وسيلة لتنفيذ برنامج الحكومة في الجزائر. ومن الملاحظ أن اللجنة كانت تحت ضغط شديد من الخارج. فقد كانت تتصل برسائل شخصية من الذين شاركوا في الحملة ضد الجزائر، وبتقارير إضافية من وزارتي البحرية والحربية ومن السلطات الفرنسية في الجزائر، غير أننا نلاحظ غياب صوت العرب في هذا الصدد. ومن الممكن أن يكون قد كتمه (المكتب العربي) الذي أنشىء في الجزائر ليكون همزة الوصل بين العرب والسلطات الفرنسية. ومن الممكن أيضا أن تكون المطالب والعرائض العربية ما زالت في دار المحفوظات (الأرشيف) ضمن الوثائق التي لم تنشر بعد. ويظهر من مناقشات أعضاء اللجنة أنهم كانوا يحاولون إيجاد طرق الاحتفاظ بالجزائر واحتلالها كاملة واستعمارها واستغلالها، ولم يكونوا يناقشون ما إذا كان ذلك ممكنا. ونحن نجدهم قد ناقشوا ووافقوا على احتلال وهران وعنابة وبجاية، وصوتوا على ميزانية الاحتلال وعلى عدد الجنود الضروريين للحفاظ على الاحتلال. ومما يلفت النظر أن رئيس اللجنة كان كثيرا ما يقرأ الوثائق والرسائل والتقارير التي يطالب أصحاب بضرورة احتلال الجزائر والاحتفاظ بها حتى قال أحد الأعضاء أثناء المنافثة (جلسة ٧ فبراير ١٨٣٤).

стр. 100

إنه يخشى أن تلك الوثائق ستؤثر تأثيرا كبيرا على حياد اللجنة وعلى قرارها النهائي (١). ومن المطالب التي تقلها اللجنة وقرأها الرئيس على الأعضاء عريضة من مستوطني الجزائر (الكولون). والجدير بالذكر أن كلوزيل هو الذي وجهها إلى اللجنة (جلسة ٤٨)، لعله كان يقصد بها التأثير على الأعضاء كعامل من عوامل الضغط. وقد استمع الأعضاء إلى هذه العريضة (باهتمام) كبير، ولاحظوا أن الأفكار التي احتوت عليها بخصوص تطبيق السياسة الفرنسية في الجزائر والسلطة المركزية المقترحة كانت تتشابه مع مقترحات اللجنة الأولى التي تقدمت بها إلى الحكومة عند عودتها. ومن جهة أخرى تقدم مجلس بلدية مرسيليا بمطالب مشابهة إلى وزير الحربية الذي أحالها بدوره إلى اللجنة. وقد استمع إليها الأعضاء (بنفس الاهتمام) أيضا (٢). وهكذا كانت اللجنة أمام ضغوط مختلف المجموعات الفرنسية، سواء كانت في الجزائر أو في فرنسا، في الحكم أو خارجه. في إحدى الجلسات ناقشت اللجنة قضية هامة عندئذ، وهي حالة ومصير الأملاك التي احتلها الفرنسيون وسكنوها أو استعملوها في المصالح العامة دون دفع الأجور المستحقة عليها. ولتوضيح الموقف قرأ الرئيس خلال الجلسة نص الاتفاق الجزائري - الفرنسي الذي وقعه حسين باشا والكونت دي بورمون. وزيادة في بلبلة الأعضاء قرأ أحدهم ترجمة أخرى للاتفاق المذكور تختلف في بعض تعابيرها عن الترجمة الأولى التي قرأها الرئيس. ومما جاء في المناقشة أن أغلب الأتراك (الذين ضمن لهم الاتفاق حق الاحتفاظ بأملاكهم) قد بقوا في الجزائر بعد الاحتلال، ولكن بعد ستة أسابيع

стр. 101

أمر القائد العام الفرنسي بطردهم بدعوى أنهم كانوا يتآمرون لاستعادة السلطة، وقد حملوا إلى أزمير أو الاسكندرية. وكان عددهم يبلغ ١٥٠٠ شخص. أما نساؤهم وأطفالهم فقد بقوا في الجزائر. ونشير إلى أن هذه الحادثة، أي تفريق الرجال عن نسائهم وأطفالهم، قد أثارت موجة سخط شديد ضد الفرنسيين في الجزائر واستنكرها الوطنيون، أمثال حمدان خوجة في كتابه (المرآة) (١). أما بخصوص تنظيم السلطة الفرنسية في الجزائر فان اللجنة الثانية قد انتهت إلى نفس نتائج اللجنة الأولى تقريبا. فقد وافقت كالأولى على خلق منصب الحاكم العام. ودرست علاقة سلطاته بالحكومة المركزية في باريس، كما وافقت على إنشاء مجلس بلدي في مدينة الجزائر مكونا من رئيس وأربعة مساعدين، منهم يهودي ومسلم على الأقل. ومن جهة أخرى أعطت إلى الحاكم العام صلاحيات إدخال أعضاء من الجزائريين إلى المجلس البلدي المقترح متى رأى ذلك مناسبا. ومن رأي اللجنة أيضا تكوين مجلس بلدية في كل من وهران وعنابة. أما بجاية فلم تتخذ اللجنة حولها موقفا عندئذ لأن الوضع فيها كان ما يزال غير واضح ولأن السلطة الفرنسية هناك غير مستقرة (٢). ولعل موقف اللجنة من (معاهدة دي ميشال) التي وقعت بين الممثل الفرنسي والأمير عبد القادر يكشف عن نواياها الحقيقية نحو مصير الجزائر الذي كان من المفروض أن تخرج بتوصيات واضحة عنه. والجدير بالذكر أن رئيس الوزراء الفرنسي هو الذي أرسل نسخة من المعاهدة إلى اللجنة للاطلا عليها عبأ. وفي جلسة ٥١ (٧ أفريل ١٨٣٤) استمعت اللجنة إلى

стр. 102

قراءة لتلك المعامدة (باهتمام عظيم) حسبما جاء في المحضر. وفي شكرها لرئيس الوزراء على إرسال النسخة لاحظت وتأسفت له على أن المعاهدة لا تحمل دلالات واضحة عن خضوع الأمير عبد القادر لفرنسا واعترافه الرسمي الصريح بسيادتها في الجزائر. وقالت اللجنة أنها لا ترى في المعاهدة التزام الأمير بدفع جزية سنوية إلى فرنسا، لأن الجزية، بناء على رأى اللجنة، هي علامة الخضوع عند العرب. وما دام العرب لم يلتزموا بذلك فان اللجنة تخشى أن تكون هذه المعامدة مجرد خطوة أولى سيتبعها الأمير بخطوات أخرى يطلب فيها تنازلات أكثر إيجابية من فرنسا (١). أما بخصوص أملاك مكة والمدينة، التي هي مؤسسات دينية خيرية تحت إشراف وكلاء، فان اللجنة قد درستها أيضا ووافقت على بعض الاقتراحات حولها. وقد قدرت أنه من بين ٥٠٠٠ دار في مدينة الجزائر كان هناك ٢،٦٠١ ترجع إلى أملاك مكة والمدينة. وكان منها في مدينة وهران ١٤٩ دارا. وفي مدينة عنابة ٩١ دارا. وما دامت اللجنة حريصة على الموارد الاقتصادية التي تجلب دخلا وافرا للخزينة الفرنسية فقد قدرت أن تدر أملاك مكة والمدينة دخلا قدره ٤٠٠،٠٠٠ فرنك سنويا إذا وضعت تحت إدارة حكيمة. ومن المعلوم أن السلطات الفرنسية قد وضعت يدها على هذه الأملاك منذ الأسابيع الأولى للاحتلال رغم مخالفة ذلك للاتفاق المشترك ورغم استنكار الجزائريين (٢). وقد اقترحت اللجنة إبقاء نظام (بيت المال) على الأقل في الوقت الحاضر، وأوصت أن يعين الحاكم العام المسئول عن هذا النظام الذي يكون بدوره مسئولا عن كل مصاريف ومستندات (بيت المال) ولكن الإدارة الفرنسية في الجزائر هي التي تقرر كيفية وعلاقة أموال نظام (بيت المال) بالخزينة العامة.

стр. 103

والواقع أن اللجنة لم توص باحتلال المدن والسهول فقط ولكنها أوصت بجعل الجزائركلها أملاكا فرنسية (دائما وثابتا) وقد أكدت هذا الرأي في التقرير النهائي الذي قدمته إلى الحكومة. فقد جاء في هذا التقرير أن على فرنسا أن تحتفظ بالجزائر وأن لا تبقى في المدن الساحلية فقط، بل الواجب عليها جعل تلك المدن مراكز أمامية لإمداد الجيش بضرورات حملات عسكرية توسعية في داخل البلاد لإخضاع كامل البلاد للسيطرة الفرنسية. ولكن اللجنة سجلت في نفس الوقت بعض الاعترافات سواء في محاضر الجلسات أو في التقرير النهائي. فقالت إن عددا من الحضر (المور) واليهود الجزائريين قد اضطروا إلى مغادرة أملاكهم. وقد أعلنت السلطات الفرنسية عندئذ عن خلو تلك الأملاك التي عمرها بعدهم المالطيون وأسبان جزر البليار، والألمان والسويسريون الذين كانوا متجهين أولا إلى أمريكا. وبعد استقرار هؤلاء في أملاك الجزائريين (الخالية) بدأوا يشكون من الوضع الذي هم فيه وحلت الخيبة عندهم، حسب تعبير اللجنة، محل الأحلام (١). والملاحظ أن اللجنة لم تلق التبعة على السلطات الفرنسية في الجزائر التي أمرت بنفي الجزائريين وإخرجهم كرها من ديارهم، بل ألقتها على النهابين والمغامرين. واعترفت اللجنة أيضا أن المحاولات الأولى لاستعمار الأرض حول مدينة الجزائر قد باءت بالفشل لأن الفاقة والأمراض أبعدت المستوطنين الجدد عن المستعمرات، وبالإضافة إلى ذلك هناك العنف والحرب المتواصلة التي كانت تشنها القبائل المجاورة (أي في سهل متيجة) ضد الفرنسيين (٢). أما في وهران وعنابة فقدكان الأمر أسوأ. فأهل وهران قد غادروا مدينتهم منذ حل بها الفرنسيون. كما تعطلت هناك العلاقات التجارية بين العرب والفرنسيين (٣).

стр. 104

وإذا كانت العلاقة مع العرب أفضل نوعا ما في عنابة فان الجيش الفرنسي قد خسر هناك أكثر مما خسر في مدينة الجزائر نفسها. وقد لاحظ تقرير. اللجنة أن الأمل مفقود لدى أهل الجزائر، وأن طبقة الحضر قد بقيت ساخطة لأن الفرنسيين هناك لم يفوا بوعدهم. كما لاحظ أن وجود الجيش الفرنسي قد (جرح بالضرورة عادات ومصالح) الجزائريين (١). وبعد أربعين جلسة قدمت اللجنة عملها إلى الحكومة في جزئين: يتضمن الجزء الأول محتوى المناقشات حول الموضوعات الرئيسية كالاحتفاظ أو التخلي عن الجزائر، ومدى التوسع في الاحتلال ثم نظام الإدارة الذي يجب اتباعه في الجزائر. أما الجزء الثاني فيتضمن تقارير عامة عن الإدارة المدنية، والقضاء والمالية، وأخيرا محضر المناقشات المختلفة حول جميع الموضوعات التي طرحت أمام اللجنة. ورأي اللجنة في عرب الجزائر عندئذ لا يختلف عن رأي الفرنسيين في (الأهالي) عشية الثورة الجزائرية. فاللجنة حكمت أن العربي ما زال كعهده زمن ابراهيم الخليل، ومن رأيها أن عرب الجزائر لن يأخذوا عادات الأوربيين ولا تقاليدهم ولا حاجاتهم، ثم إنهم لن يختلطوا بهم أبدا. ولعل المؤرخ يقف طويلا عند هذا الحكم من الناس كانوا يخططون لمستقبل الجزائر التي ستصبح عندهم (المستعمرة الفذة). فاللجنة كانت غير متفائلة بالعلاقات بين الجزائريين والفرنسيين. وقد اكتفت بتوصية إلى فرنسا في أن تتعامل فقط مع بعض الحضر الجزائريين الذين يرضون بالبقاء في المدن المحتلة. أما الجزائريون عامة فلا يجب أن تعتمد عليهم فرنسا كمستهلكين لحضارتها، ولا سيما إنتاجها الاقتصادي. ولكن لماذا تصر فرنسا على الاحتفاظ بالجزائر؟ تجيب اللجنة عن

стр. 105

ذلك بأن الحذر والحكمة يقتضيان أن تكتفي فرنسا بما حصلت عليه من نتائج حتى الآن من الحملة ضد الجزائر. وكأن اللجنة كانت تجيب على المعارضة وأصوات الوطنيين أمثال حمدان خوجة (١)، والناقدين الأجانب أمثال الانكليزي بانيستر الذي ألف كتابا في هذا الصدد (٢) حين زعمت بأنه كان من الممكن أن تترك فرنسا حضر الجزائر يؤلفون حكومة جزائرية منها، ربما تحت حماية فرنسا أو تحت حماية إحدى الدول المجاورة للجزائر كتونس أو المغرب أو مصر. وأقرت اللجنة أنه من الحق أن الحكومة الفرنسية قد أعلنت منذ اليوم الأول للحملة أن الجيش الفرنسي سيغادر الجزائر بعد الانتقام لشرف فرنسا الوطني ومعاقبة الباشا على فعلته. ولكن اللجنة قد اعترفت بأن جميع أعمال الحكومة الفرنسية في الجزائر، وكل أقوال ممثليها، بل حتى التصويت الذي جرى أخيرا لانتخاب البرلمان، كل ذلك قد أظهر لأوربا، بناء على اللجنة، أن فرنسا عازمة على الاحتفاظ بالجرائر، فالتخلي عن الجزائر يعتبر، في نظر اللجنة، إهانة جديدة لشرف فرنس (٣). بل إن التخلي عن الجزائر سيكون صدمة لذاتية الأمة الفرنسية الشرعية وسيؤدي أيضا إلى التضحية بالتجارة وبالتوسع السياسي لفرنسا، وإلى تحطيم الآمال. وهكذا فحين جرى التصويت كانت الأصوات ١٧ لصالح الاحتفاظ بالجرائر و٢ فقط لصالح التخلي عنها. وفي التقرير النهائي للجنة بعض الإحصاءات الهامة التي لا تهم المؤرخ فقط. من ذلك أنه نص على أن سكان مدينة الجزائر قبل الاحتلال كانوا

стр. 106

يتراوحون بين ٣٥ و٤٠ ألف نسمة، واعترف التقرير أن الأتراك طردوا من البلاد وأن الجيش الفرنسي قد سكن المنازل سواء تلك التي أرغم أصحابها على التخلي عنها أو التي ما زال أصحابها فيها، وهو عمل يتنافى، حسب رأي اللجنة، مع التقاليد الإسلامية (١). ومضايقه الجنود للسكان في منازلهم اضطرت كثيرا من العرب إلى الهجرة. ولذلك فان سكان مدينة الجزائر سنة ١٨٣٤ كانوا لا يتجاوزون ٢٥،٠٠٠، منهم ٤،٠٠٠ أروبي حلوا بالجزائر بعد الاحتلال. ويذكر التقرير أيضا أن أغلب هؤلاء الأروبيين قد اشتروا الديار في مدينة الجزائر أما الباقون منهم فقد اشتروا لهم أملاكا في الضواحي. ويعترف التقرير أيضا أن المنازل الموجودة في الضواحي (وهي كثيرة لأن أغلب حضر الجزائر كانت لهم منازل خارج المدينة) قد عانت من شره الجنود الفرنسيين الذين اقتلعوا حتى الأبواب والنوافذ واستعملوها للتسخين، بل اقتلعوا الأشجار النادرة (٢). ونلاحظ أن اللجنة كانت صريحة في وصف ما ارتكبه الفرنسيون نحو الجزائريين. فقد قالت في تقريرها النهائي الذي قدم إلى الحكومة في ١٠ مارس ١٨٣٤، أن عددا من المساجد قد حطم أو حول إلى كنائس دون تعويض، وأن الجيش الفرنسي قد احتل كثيرا من المنازل الخاصة دون تعويض أيضا، وأن عددا آخر من الأملاك الخاصة قد احتل أو حطم أو استعمل في المصالح العامة دون تعويض أيضا (٣). ورغم صراحة الوصف وقساوته أحيانا فان اللجنة تغاضت عن شكاوى الجزائريين مما اعترفت هي نفسها به وأوصت بالاحتفاظ بالجزائر دون اقتراح خطة جديدة فعالة ومنصفة.

стр. 107

فنحن نجدها توصي بالدفاع عن سهل متيجة الخصيب، الذي قالت إنه يبلغ ٢٥ فرسخا مربعا، لأنه مهم للدفاع عن المدينة من ناحية، وللفواكه والخضر والحبوب التي يدرها من ناحية أخرى، ولحماية المستوطنين الجدد الذين استقروا فيه من ناحية ثالثة. وبعد أن أقرت منصب الحاكم العام الذي سيكون مسئولا عن الشئون المدنية والعسكرية بمساعدة مجلس خاص أوصت بالاستعانة بحضر الجزائر واليهود، وبتدعيم الدرك المكون من الحضر ومنظمة الزواويين (الزواف) أما منصب أغا العرب فاللجنة قد تركت الباب مفتوحا. فالذي كان يعنيها هو الكفاءة سواء كان الآغا من حضر الجزائر أو من عرب البدو أو من الفرنسيين. ومن جهة أخرى أوصت اللجنة بانشاء ميزانية خاصة للجزائر وتخفيض الجيش الفرنسي هناك إلى أن يصل إلى ٢١٠٠٠ فقط. ولكنها لم تجعل هذا التخفيض أمرا واجبا واكتفت بترك الموضوع للظروف إذا سمحت. ولكن إذا تحقق ذلك يبقى ١٢٠٠٠ للدفاع عن مدينة الجزائر. أما باقي الجيش فيستعمل في وهران وعنابة وبجاية. والجدير بالذكر أن اللجنة أوصت باستخدام الجنود الجزائريين لمساعدة الجنود الفرنسيين (١). ...

стр. 108

الفصل السابع الجزائريون أمام اللجنة الأفريقية ليس في محاضر جلسات اللجنة الأفريقية الأولى المطبوعة سوى إشارة واحدة إلى جزائري هو المفتي ابن الكبابطي الذي سبق الحديث عنه. ولم يكن حديث ابن الكبابطي عن الإدارة الضرورية في الجزائر أو علاقة مواطنيه بفرنسا وإنما كان حديثا عن الأحوال الشخصية الإسلامية التي أراد الفرنسيون الذين استجوبوه عنها أن يتأكدوا منها قبل وضع خطة جديدة لاستقرار فرنسا في الجزائر. ولعل اللجنة الأولى التي استجوبت ابن الكبابطي قد مثل أمامها غيره أيضا، ولكننا على أية حال لا نجد في محضر الجلسات المطبوع غيره. ومن الممكن أن يكون أرشيف اللجنة المخزون محتويا على أسماء أخرى من الجزائريين. وقد يساعد على هذا الاعتقاد ما نجده من أن اللجنة قد استمعت إلى (الأهالي) إلى جانب استماعها إلى العناصر الأخرى من السكان في الجزائر (١). أما اللجنة الثانية التي كان مقرها باريس فقد استمعت على الأقل إلى ثلاثة من الجزائريين صادف أن كانوا موجودين في باريس عندئذ، هم أحمد بوضربة، وحمدان بن أمين السكة، وحمدان بن عثمان خوجة (٢). وكانوا جميعا قد نفتهم السلطات الفرنسية في الجزائر. ولعل أرشيف اللجنة يحتوي على أسماء جزائرية أخرى لم تظهر في المحضر المطبوع والذي اعتمدنا عليه

стр. 109

في هذا البحث. وعلى أية حال فان هؤلاء الجزائريين قد عبروا أمام اللجنة عن آراء واضحة حول الوجود الفرنسي في الجزائر وحول العلاقات الجديدة بين مواطنيهم والفرنسيين. والملاحظ أن بوضربة كان أكثر ميلا إلى الفرنسيين، بينما كان ابن أمين السكة معتدلا. أما خوجة فان مشاعره المعادية للفرنسيين كانت واضحة رغم أنه قد عبر عنها في مناسبات أخرى أكثر صراحة مما عبر عنها أمام اللجنة فهل كان الموقف يقتضي منه الحذر؟ أحمد بوضربة شخص غريب الأطوار مغامر أكثر منه سياسيا. وهناك بعض التعريفات القصيرة به، وبمواقفه وآرائه عامة في بعض المصادر الفرنسية. ولكن الذي يعنينا هنا ليس الترجمة له بل معرفة الآراء التي عبر عنها حين مثل أمام اللجنة الثانية (١). ويجب أن نذكر أنه قد قدم، مثل خوجة، مذكرة خاصة إلى هذه اللجنة ضمنها اقتراحات واضحة عن مستقبل الجزائر، ولا سيما التنظيم الإداري. وتجدر الإشارة إلى أن أحمد بوضربة قد سبق أن فاوض الفرنسيين (دي بورمون بالذات) عن كيفية تسليم مدينة الجزائر إليهم عند نجاح الحملة، كما أنه كان حاضرا حين صيغت بنود الاتفاق الجزائري الفرنسي سنة ١٨٣٠. نصح بوضربة بأن تتبع فرنسا في الجزائر سياسة العدل الصارم نحو الجزائريين ولكن مع اللين والاعتدال، لأن ذلك هو الوسيلة الوحيدة التي تؤدي إلى نتائج طيبة. ونصح كذلك بأن تتفادى فرنسا نظام الأتراك في حكم الجزائريين الذي قال عنه إنه لا يتلاءم مع نظام الإدارة المتبع في فرنسا. ومن آرائه الجدلية حول هذا الموضوع اقتراحه بأن تعين فرنسا

стр. 110

أغا فرنسا على القبائل الجزائرية وليس أغا عربيا. (١) وبرر اقتراحه بأن الجزائريين يشكون في الآغا الذي هو منهم إذا دافع عنهم أمام الفرنسيين أما إذا كان رنسيا فانهم لا يشكون في إخلاصه إذا دافع عنهم، فهم مثلا لن يتهموه بأنه كان عميلا لبلاده بخلاف العربي. وانتقد بوضربة طريقة الاحتلال الفرنسي وقال إن أسوأ ما تميز به هو عدم اتباعه لنظام ثابت. ولا ننسى أن بوضربة كان يعبر عن هذا الرأي بعد أن نفته السلطات الفرنسية وبعد أن فشل في الوصول إلى الهدف الذي كان يعمل من أجله وهو إعادة الاعتبار إن لم يكن الحكم، إلى حضر الجزائر باعتبارهم خلفاء الأتراك في حكم الجزائر. لذلك قال بأن الاحتلال لم يحم أحدا، أي حتى الذين ساندوه أمثاله هو. فكانت النتيجة، بناء على رأيه أن الذين كانوا مع الاحتلال قد تخلوا عنه، وأن الذين كانوا سيرحبون به لم يجرؤوا على الإعلان عن شعورهم. وقد طلب بوضربة من فرنسا أن تعلن صراحة عن موقفها من القبائل التي خضعت لها، ومن تلك التي تريد الخضوع لها، ثم من تلك التي تقاوم الاحتلال. فالتردد والغموض لا يزيدان الأمور إلا تعقيدا وطلب من فرنسا أيضا أن لا تعفى الأهالي من الضرائب ولكن تفرضها عليهم بعدل، وأن تعاقب المذنبين منهم بحكمة. ولكي يسهل اندماج العرب في البيئة الفرنسية الجديدة اقترح بوضربة أيضا بعض الحلول. فطالب ببناء القرى والضيعات التي يستوطنها الفرنسيون عل أن يسمح للعرب بالاستقرار في هذه المستعمرات لأن ذلك وسيلة للتعارف بين المجموعتين ووسيلة أيضا لتعرف العرب على حضارة الفرنسيين بالإضافة إلى أن هذه الطريقة تنهي شيئا فشيئا مقاومة العرب لفرنسا.
следующие страницы →