ينشط على ثلاث جبهات متكاملة هي على التوالي:
١ - جبهة التنظيم الحزبي حيث شرعت القيادة مباشرة إثر الحصول على الاعتماد، في تنصيب الخلايا والقسمات والاتحادات مستثمرة رصيد حركة أحباب البيان والحرية ومستغلة حالة السرية التي كان يمر بها حزب الشعب الجزائري. وفي يوم ١٣ أكتوبر سنة ١٩٤٦ عقد الاتحاد مؤتمراً تحضيرياً (١٥) قيم فيه سير الانتخابات ونتائجها ثم حدد استراتيجية المستقبل على ضوء الأفكار الأساسية الواردة في مشروع الدستور، وعين لجنة مديرة مكونة من السادة: عباس، فرانسيس، طالب، بويجر، وابن خداش.
٢ - الجبهة الأيديولوجية قصد ضبط منظومة الأفكار التي كانت تشكل مشروع المجتمع الجزائري كما كان يتصوره قادة الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري وفي مقدمتهم السيد فرحات عباس.
لقد استفاد السيد فرحات عباس من تجربته النضالية الخاصة واقتنع، بعد لأي، أن فكرة دمج الشعب الجزائري في الشعب الفرنسي غير قابلة للتنفيذ لأنها لم تأخذ في الاعتبار واقع الشعبين ولأن الكولون يرفضونها دفاعاً عن مصالحهم الخاصة، ويحاربها الوطنيون الجزائريون لأنها تتنافى مع مقومات الأمة وثوابتها. واستفاد، أيضاً، من تجربة العلماء والمصاليين في مجالي الفكر والنضال، واستطاع، بذكاء فائق، أن يحوصل ناتج التجربتين مركزاً على محاور أساسية هي:
أ - تحرير الجزائر من النظام القديم للسيطرة الاستعمارية أي كان نوعها، مع احترام مبدأ الجنسيات، وبتعبير آخر، بناء مستقبل البلاد على أسس الواقع والتاريخ (١٦).
ب - إقامة جمهورية جزائرية مستقلة استقلالاً ذاتياً ومتوحدة مع الجمهورية الفرنسية المتجددة، والمناهضة للاستعمار وللامبريالية. وكان يرى السيد فرحات عباس أن ذلك يأتي نتيجة منطقية لتطور التاريخ إذ يقول: "لقد استعمرت الجزائر وهذه حقيقة وفي أوساطنا زرع الاستعمار مليون أوروبي مسيحي وهذه حقيقة ثانية. وتعايش المسلمون والمسيحيون مدة أكثر من قرن وهي حقيقة ثالثة وكل هذه المعطيات هي التي أسست الجمهورية الجزائرية التي فرضت وتفرض نفسها على جميع الملاحظين" (١٧).
ج - الدولة الجزائرية يجب أن تكون متعددة المجموعات لأن السيد فرحات
стр. 107
عباس لايرى لزاماً على جميع أبناء الوطن الواحد أن يكونوا على دين واحد، وأن الجزائري المسيحي أو اليهودي يجب أن يكون أخاً للجزائري المسلم بعيداً عن كل عمليات الاستغلال والإقصاء والاستعباد (١٨).
د - التعليم الإجباري والمجاني بالنسبة لجميع أطفال الجزائر، والنضال من أجل ترقية اللغة العربية باعتبارها اللغة الوطنية والرسمية ولأنها بالنسبة للإسلام "مثل الكنيسة بالنسبة للمسيحية فالمسجد، يقول السيد فرحات عباس، لايعني شيئاً عندنا ولكن تلاوة القرآن هي كل شيء" (١٩) لأجل ذلك، يرى الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري أن الاهتمام باللغة العربية أساسي لأنه يشكل قاعدة الإيمان.
هـ - تخليص الإسلام من الواقع الذي آل إليه بفعل اعتداءات الإدارة الاستعمارية عليه، وهو واقع يصفه السيد Lechatelier مدير مجلة العالم الإسلامي بقوله: "لقد أوجدنا، في الجزائر، إسلاماً وحيداً من نوعه: الأوقاف منعدمة والمساجد خاضعة للإدارة بواسطة أئمة مأجورين، والقضاة موظفون والحج بإذن والقانون عبارة عن نتاج هجين لالتقاء الشريعة الإسلامية بالعرف الفرنسي" (٢٠).
و- إلغاء الملكية الإقطاعية والتركيز على إصلاح زراعي واسع لفائدة الخماسين المعدمين من سكان الريف ومما لاريب فيه أن هذه الفكرة مقتبسة مباشرة من البرنامج السياسي الذي كان نجم شمال أفريقيا قد صادق عليه سنة ١٩٣٣، هذا في الظاهر لكن الواقع غير ذلك لأن نصوص الاتحاد الرسمية تؤكد بما لايدع أي مجال للشك أن "الحكومة الجزائرية تضمن الملكية العقارية الإسلامية والفرنسية على حد سواء، ولايمكن أن يلجأ إلى التأميم إلا إذا كان للصالح العام في إطار القانون وبعد تعويض عادل" (٢١).
١ - الجمهورية الجزائرية علمانية، وعلى هذا الأساس فإن موقفها حيادي من جميع الأديان، وهي إذ تضمن حرية العبادة لكل مواطنيها، فإنها تخضع النظر في منازعاتهم إلى المحاكم المدنية التي تطبق القانون الفرنسي. إن هذه النقطة تتناقض مع موقف الاتحاد من الإسلام لكننا نعتقد أنها مستمدة من الرغبة في الالتزام بما جاء في النقطة الثالثة.
٢ - نبذ العنف كوسيلة لتقويض أركان الاستعمار، وحمل فرنسا على تلبية مطلب
стр. 108
الشعب الجزائري كما هو مسطور في نصوص الاتحاد، والاكتفاء، فقط، بالنضال السياسي في إطار ما يسمح به القانون الفرنسي. في هذا الإطار كتب السيد فرحات عباس يوم أول مايو ١٩٤٦: "على الرغم من جرائم الاستعمار وعلى الرغم من تجافي بعض النفوس الكريمة والتي ماتزال مكدورة، وعلى الرغم من الانتفاضات الأخيرة لنظام يحتضر، فإن الجزائر الجديدة، المتحدة بحرية مع فرنسا الجديدة، سوف ترى النور بفضل تضافر جهود الديمقراطيين الفرنسيين والمسلمين" (٢٢).
٣ - جبهة النشاط السياسي وتتميز خاصة بعمل القيادة الحثيث على إعادة الربط مع الشركاء في حركة أحباب البيان والحرية من جهة، وعلى محاولة إقناع الرأي العام الفرنسي بسلامة توجه الحزب الجديد من جهة ثانية.
وإذا كانت قيادة الاتحاد لم تجد أدنى صعوبة لاستمالة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين خاصة بعد أن تبنت أهم مطالبها وثبتت عدداً من أهدافها في النصوص الأساسية للحزب (٢٣)، فإن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للعلاقة مع حزب الشعب الجزائري وسيلته الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية.
وعلى الرغم من أن السيد الحاج مصالي بادر، أثناء أول مهرجان شعبي حضره في باريس مباشرة بعد إطلاق سراحه يوم ١١/ ٨/١٩٤٦ إلى الدعوة للاتحاد حول حزب الشعب الجزائري، فإنه لم يقدم أي اقتراح ملموس للسيدين سعدان وبومنجل اللذين قصداه في نفس المناسبة ملتمسين توضيح الفكرة (٢٤). وكان إحجام السيد مصالي مدفوعاً برغبته في عدم تجاوز موقف القيادة المؤقتة التي كانت تشرف على أجهزة الحزب أثناء غيابه والتي سبق لها أن عابت على السيد فرحات عباس وجماعته عدم التزامهم بمحتوى بيان الشعب الجزائري وبروح النشرة التي صادق عليها مؤتمر مارس سنة ١٩٤٥.
لكن الاتحاد لم يقف مكتوف الأيدي أمام ذلك التردد، واغتنم السيد فرحات عباس فرصة انعقاد المؤتمر التأسيسي في نفس اليوم الذي وصل فيه السيد مصالي إلى الجزائر فجعل المؤتمرين يصادقون على نشرة يدعون فيها إلى الاتحاد مع حزب الشعب الجزائري وأخرى يرحبون فيها بعودة الزعيم إلى أرض الوطن ويطالبون بتمكين حزبه من العودة إلى الحياة العلنية في إطار النضال الشرعي (٢٥).
وكان من الممكن أن يساعد ذلك المسعى على تقريب وجهات النظر وفتح طريق التعاون من جديد بين الجناحين الرئيسيين في الحركة الوطنية الجزائرية،
стр. 109
لكن الاستقبالات الشعبية التي لاقاها السيد الحاج مصالي حالت دون ذلك بطريقة غير مباشرة إذ جعلت الزعيم يعتقد أن حزبه هو الأقوى وأنه، والحال هذه، ليس في حاجة إلى الاتحاد مع أية قوة سياسية أخرى لربح معركة الانتخابات التشريعية التي كان قد تقرر إجراؤها بتاريخ ١٠/ ١١/١٩٤٦.
وعندما يعود الدارس اليوم إلى الحجج الذي تذرع بها حزب الشعب في ذلك الوقت ليفرض عرض الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، فإنه لا يجد لها أساساً سليماً لأن الاختلاف الإيديولوجي الذي قيل، يومها، إنه يحول دون اتحاد التشكيلتين السياسيتين لم يكن مطروحاً بفعل قبول الطرفين المشاركة في انتخابات المجلس الوطني الفرنسي. ومعلوم أن مجرد المشاركة في تلك الانتخابات تعتبر اعترافاً بالسيادة الفرنسية على الجزائر. وعلى الرغم من أننا لا نريد مناقشة هذا الموقف ولانرغب في التوقف عند الذرائع التي يستظهر بها كل جانب لتبرير إقدامه على المشاركة في الانتخابات، فإننا لا نرى بداً من التأكيد على أن رفض مصالي عرض عباس لم يكن بدافع إيديولوجي.
ولم يكتفِ الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري بتسجيل ذلك الرفض، بل إنه قرر الامتناع عن المشاركة في انتخابات المجلس الوطني الفرنسي ليس لتوجه إيديولوجي ولكن، فقط، ليترك المجال فسيحاً أمام الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية وحتى يتجنب الصراع بين قوتين سياسيتين هدفهما الأساسي هو تحرير الشعب الجزائري. في هذا الصدد كتبت " Egalité" تحت عنوان: "لن يكون هناك تنافس بين مصالي وعباس". إن مصالي ورفاقه قد أبدوا رغبتهم في خوض المعركة دون الاشتراك مع أي حزب سياسي آخر. وقد رأينا أنه ليس من حقنا الاعتراض على هذه التجربة أو الإنقاص منها خاصة وأنها شرعية تماماً ومليئة بالعبر للجميع". (٢٦).
أما فيما يتعلق بمحاولة إقناع الرأي العام الفرنسي بسلامة توجه الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، فإن السيد فرحات عباس قد جند لها وسيلتين كانتا، يومها، في منتهى الأهمية وهما: الصحافة ومنبر كل من المجلس التأسيسي ومجلس الجمهورية. ولقد كانت المهمة شاقة وتحتاج إلى كثير من المهارة السياسية والثقافية الواسعة والإيمان الراسخ بالقضية العادلة.
وعلى الرغم من ذلك، فإن ممثلي الاتحاد لم يهنوا واستطاعوا، في مناسبات عديدة، أن يقوموا بأكثر مما كان ينتظر منهم.
فعلى مستوى الصحافة، وظفت أعمدة اللسان المركزي للحزب من أجل
стр. 110
التعريف بمشروع الدستور الجزائري والدفاع عنه والعمل على تعميمه، فكرة وهدفاً، في أوساط الجماهير الشعبية ولدى الرأي العام الفرنسي بجميع مكوناته، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن الأعضاء القياديين كانوا يلجأون إلى علاقاتهم الشخصية قصد النفاذ إلى ميادين الإعلام الفرنسي.
وفيما يخص منبر المجلس التأسيسي، فإن الصراع كان مريراً بسبب نشاط غلاة الكولون الذين تمكنوا، بفضل إمكانياتهم المادية، من تعبئة جميع الأوساط السياسية الفرنسية كي تغلق جميع الأبواب في وجه نواب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، وأن إطلالة سريعة على فحوى المداولات المنشورة على أعمدة الجريدة الرسمية للجمهورية الفرنسية خلال السداسي الأخير من سنة ١٩٤٦ والسداسي الأول من عام ١٩٤٧، تكفي وحدها للتدليل على ماكان يلقاه عباس ورفاقه من معاناة للتعبير عن آرائهم المجسدة لفكرة الجمهورية الجزائرية المستقلة. فعلى سبيل المثال، فقط، نذكر أن الدكتور سعدان، في جلسة المجلس التأسيسي الثاني المنعقدة بتاريخ ٢٢/ ٠٨/١٩٤٦، قد حاول الحديث مطولاً عن الظاهرة الوطنية في الجزائر لكنه منع من ذلك بواسطة المقاطعات ووسائل الإزعاج المختلفة. وفي اليوم الموالي تدخل رئيس الجمهورية المؤقتة السيد جورج بيدو (٢٧) Georges Bidault وختم مداخلته قائلاً: "إن فرنسا ستبقى في الجزائر، لأنها فرنسا ولأنها إنسانية" (٢٨).
وبعد انتخابات المجلس الوطني الفرنسي وما تخللها من عمليات التزييف والتحليل في تفسير القوانين ابتكرت الإدارة الاستعمارية أسلوباً جديداً في التعامل مع الحركة الوطنية التي أصبحت، بالفعل، تحظى بتأييد أغلبية الشعب الجزائري، وقد تميز ذلك الأسلوب بقرار اتخذته وزارة الداخلية يلغي انتخاب أعضاء مجلس الجمهورية بواسطة الاقتراع العام، ويسند تلك المهمة الخطيرة إلى المستشارين في البلديات كاملة الصلاحيات ورؤساء الجماعات في البلديات المختلطة الذين كانوا قد انتخبوا في شهري يوليو وأغسطس (تموز/يوليو/آب/)، سنة ١٩٤٥ (٢٩).
وبما أن الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية كانت تعرف أن أولئك المنتخبين موالون، في أغلبهم للإدارة الاستعمارية، فإنها فضلت عدم تقديم مرشحين عنها للمجلس الجمهوري، الأمر الذي فسح المجال للسيد فرحات عباس فبادر إلى دخول المعركة وخرج منها منتصراً حيث انتزع حزبه أربعة مقاعد من جملة السبعة المخصصة للمجموعة الثانية. (٣٠).
стр. 111
ومن الجدير بالذكر أن ممثلي الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري لدى
مجلس الجمهورية هم الذين تولوا إثراء مشروع الدستور الذي كان قد عرض على المجلس التأسيسي الثاني بتاريخ ٠٩/ ٠٨/١٩٤٦ ثم صاغوه في شكل مشروع قانون لم يحظ إلا بأصوات أصحابه.
موقف الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري
من قانون الجزائر التنظيمي:
لقد كان لتحركات ممثلي الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري في المجلس التأسيسي الثاني وفي مجلس الجمهورية تأثير بالغ الأهمية على منتخبي المجموعة الثانية الذين استطاعوا بدورهم أن يتخلوا عن فكرة الاندماج والمساواة والمطالبة بالحقوق الاجتماعية، بل إن بعضهم مثل السيد ابن شنوف الذي صرح أمام نواب المجلس الوطني الفرنسي قائلاً: "أعترف أن الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، من بين جميع الأحزاب، هو الوحيد الذي أجاد عرض الطرح الاتحادي .. وأعترف أيضاً، أن برنامجه هو الذي قدمته للمواطنين أثناء الحملة الانتخابية إذ لم يكن لمجموعتي أفضل من تبني مقترحاته مع تعديلات طفيفة. إن هذا المشروع المتعلق ببعث الجمهورية الجزائرية هو الذي سوف أدافع عنه في إطار لجنة الشؤون الداخلية وفي سائر أشغال المجلس الوطني. وبكل راحة ضمير، أعتبر أن الجزائر قادرة، ابتداءً من اليوم، على الارتقاء إلى وضع الدولة المشاركة (المتحدة مع فرنسا). فكل مؤسسات هذه الدولة قائمة ولم يبق سوى العمل على تسييرها. (٣١).
لكن نشاط ممثلي الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري لم يحرك همم المنتخبين الجزائريين فقط، بل إنه زرع الرعب في أوساط الكولون الذين راحوا يلتفون حول غلاتهم لتهديد الحكومة الفرنسية بالتمرد على قراراتها التي قد لا تكون لصالح الجزائر الفرنسية. (٣٢).
ففي هذا الإطار، مثلاً، نشرت جريدة " Démocratie" في عددها الصادر بتاريخ ٠٩/ ٠٨/١٩٤٧ مقالاً بعنوان: " Un brelan de trait M. Depreux, Chataigneàu Aldhuy" جاء فيه على الخصوص: "ليس ثمة قوة بشرية ولا غيرها باستثناء كفن الموتى تستطيع حماية هذا الثالوث الخائن من عدالة الشعب الجزائري"، أما السيد Boyer Bance المدير السابق بالولاية العامة والكولون المسيطر على أغلبية أراضي ناحية بابا علي، فإنه وجه رسالة إلى وزير
стр. 112
الخارجية الفرنسي جاء فيها:"إذا كانت فرنسا، بالتخلي عنا، سوف تتسربل بالعار، فإننا فيما يخصنا سنكون مضطرين لمطالبة الأمم المتحدة بحقنا كشعب تخلت عنه فرنسا، ويومها سيكون عليكم أنتم وزير الشؤون الخارجية واجب تقديم الأسباب التي قد تكون دفعت فرنسا لخيانتنا". (٣٣).
وفي نفس هذا السياق التمردي، نشر رئيس مجلس العموم لعمالة الجزائر رسالة موجهة إلى باريس وعليها توقيع ثلاثة وعشرين من رفاقه جاء فيها على الخصوص:"لوأن المجلس الوطني يزود الجزائر بقانون لا يخدم مصالح الاستعمار، فإن ممثلي الأقلية الأوربية لن يترددوا في التوجه إلى غير الميتروبول" (٣٤). وفي رحاب المجلس الوطني الفرنسي تعرض النائب جاك شوفالي Jacques Chevalier إلى مشروع القانون الذي تقدم به ممثلوا الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري وتوقف طويلاً عند إجبارية تعليم اللغة العربية حيث قال: "إن جعل تعلم اللغة العربية إجباري يعني دفع المسلمين (٣٥) أكثر فأكثر إلى الإسلام، ويعني ذلك، نشر الإسلام وتمتين العلاقة مع الجامعة العربية وكل الذين يريدون استقلال الجزائر. وأخيراً، فإن ذلك يعني إدخال البربر تحت سلطة الإسلام عن طريق اللغة العربية" (٣٦).
ومما لاشك فيه أن تهديدات الكولون قد أثمرت لأن الحكومة الفرنسية جندت كل طاقاتها لاستبعاد مشروع قانون الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري وجعل المجلس الوطني الفرنسي يهتم فقط بالمشروع المقدم من قبلها وهو عبارة عن وثيقة مستمدة في أساسها من مشروع كانت حكومة Bidault قد أعدته في شهر سبتمبر ١٩٤٦ بواسطة الأستاذ Viard(٣٧) ثم لم تقدمه للمناقشة.
لقد عرف المشروع الحكومي المذكور باسم La statut de L'algérie ونحن نعربه بعبارة: قانون الجزائر التنظيمي. أما عند غيرنا فله تسميات متعددة منها: دستور الجزائر، والقانون الأساسي أو قانون الجزائر ... الخ ومهما كانت التسمية فإنه يبقى وثيقة لا يمكن القول عنها إنها جاءت بجديد للخروج من الأزمة السياسية أو لامتصاص غضب النواب الجزائريين الممثلين للمجموعتين الانتخابيتين على حد سواء، بل إن القانون جاء جامعاً وملخصاً لمحتويات المراسيم والقوانين والأمريات الاستعمارية التي فرضت على الجزائر منذ السنوات الأولى من الغزو.
وللمتمتعين في ذلك القانون الذي وقع عليه الرئيس فانسان أوريول (٣٨)، يرى أنه يشتمل على ثمانية أبواب وستين مادة، وأنه يهدف، بالدرجة الأولى،
стр. 113
إلى فصل من يسمون بالنخبة التي تتمتع بحق المواطنة عن الجماهير الشعبية التي ترغب سلطات الاستعمار في إبقائها في حالة التبعية الدائمة. لأجل ذلك فإنه لاقى معارضة مطلقة من جميع المنتخبين الجزائريين على اختلاف مشاربهم السياسية، وعلى الرغم من أنه لم يغير شيئاً من وضع المسلمين المزري، فإن ممثلي المجموعة الانتخابية الأوربية قد حاربوه بكل ما أوتوا من قوة، وعلى غرار النواب الوطنيين فإنهم رفضوا التصويت عليه.
إن إقرار القانون التنظيمي والمصادقة عليه في غياب ممثلي الشعب الجزائري قد أحدثا رد فعل عنيف لدى الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري الذي أمر مستشاريه بالاستقالة من مجلس الجمهورية وقد تم ذلك بواسطة رسالة (٣٩) تحمل تاريخ ٣١/ ٠٨/١٩٤٧ نورد نصها فيما يلي نظراً لأهميتها وعمّق ماجاء فيها من أفكار."، السيد رئيس مجلس الجمهورية، باريس". "مع كل الاحترام يشرفنا أن نحتج ضد قانون الجزائر التنظيمي الذي فرضه البرلمان الفرنسي على أغلبية السكان الجزائريين، وعلى هذا الأساس نوجه لكم استقالتنا من عضوية مجلس الجمهورية".
"وبدون الإلحاح كثيراً على المساومات التي قامت بها الأحزاب الميتروبولوليتانية في غيابنا حول هذا القانون، فإننا نلحظ عليه العيوب الثلاثة التالية:
١ - لقد صوت عليه في غياب المنتخبين المسلمين ودون أن تؤخذ في الاعتبار طموحات شعب الجزائر الشرعية. فتآمر غلاة المعمرين من جهة وتأثير رئيس حكومة سابق (٤٠) خارج البرلمان من جهة أخرى، قد حالا دون حرية سير المؤسسات الجمهورية. لقد وقع تحالف فعلي ضد الجزائريين المسلمين، وواجبنا هو التنديد بذلك.
٢ - إن إلغاء قانون الخامس أكتوبر ١٩٤٦ المجدد للقانون الصادر سنة ١٩٤٠ فيما يخص مرسوم Crémieux يخرق الدستور الذي تنص مادته ٨٢ في فقرتها الثانية على أن الأحوال الشخصية، "لا يمكن بحال من الأحوال، أن تشكل سبباً لرفض الحقوق والحريات اللصيقة بصفة المواطنة الفرنسية، أو الحد منها".
والحال أن حقوقاً مكتسبة قد سحبت من المسلمين الحاصلين على الشهادة الابتدائية لسبب حالتهم الشخصية. إنه لخرق يجب التراجع عنه خاصة إذا علمنا أن عدداً كبيراً من المنتخبات والمنتخبين
стр. 114
الأوربيين لا يقرأون ولا يكتبون.
لقد حاول السيد رئيس مجلس الوزراء أن يعطي التفسير التالي لهذا الخرق الذي تعرض له الدستور. أن هؤلاء المنتخبين المسلمين قد يكونون قد سجلوا أنفسهم في قوائم المجموعات الانتخابية الأولى فقط للمشاركة في الانتخابات التشريعية".
وإنها لمفارقة أن يرى المرء في إطار الجمهورية الفرنسية الواحدة التي لا تتجزأ تقسيماً للمنتخبين إلى مجموعتين وفقاً لجنسهم وعقائدهم الدينية. لكن وبعد وضع هذه القوائم، إذا نقل المنتخب من قائمة إلى أخرى حسب نوع الاستشارة الانتخابية، فإن ذلك يخرج من إطار القانون ليسقط في دائرة النزوات والعسف الكولونيالي.
٣ - إن الحكومة وبعض البرلمانيين قد استندوا إلى وجود ممثلين عن الجزائريين المسلمين في البرلمان الفرنسي لتجريد الجمعية الجزائرية من كل سلطة تشريعية.
إن منتخبي البيان، سواء في المجلس التأسيسي الثاني أو في مجلس الجمهورية، لم يتوقفوا، أبداً، عن التأكيد على الطابع المؤقت لذلك التمثيل. لقد شاركنا ومازلنا نشارك في البرلمان الفرنسي، ليس للمساهمة في ممارسة السيادة الفرنسية ولكن للمشاركة في إنشاء وإقامة الهيئات الاتحادية يعني البرلمانات المحلية والحكومة الفدرالية ومجلس الاتحاد. ولم يخطر في بالنا أن نعتبر نهائية عهدة البرلمان الفرنسي الممنوحة للجزائريين على سبيل الأهلية. إن دورنا ليس هو أن نشرَع للميتروبول، وبالنسبة للبيان فإن كل ذلك يعتبر مبدأً مقدساً. فالجزائري يجب أن يمارس سيادته في الجزائر وفي مجلس الاتحاد.
وباستقالتنا، فإننا نذكر بذلك المبدأ كما أننا نذكر بالطابع المؤقت للتمثيل الجزائري في البرلمان الفرنسي، وهو تمثيل يجب أن ينتهي بمجرد أن تكتسب الجمعية الجزائرية سيادتها الداخلية كاملة" (٤٠).
وقبل هذه الاستقالة، كان الدكتور سعدان قد تحدث في مجلس الجمهورية عن القانون التنظيمي فوصفه باللعب الصبياني الذي لا يمكن أن يكون إطاراً لحل معضلتي الحرية والديمقراطية اللتين يعاني منهما شعب الجزائر. وبعد أن أكد أن القانون المذكور مؤسس فقط على الكذب والغموض وهو من وضع رجال لم يتخلصوا، بعد، من التعصب الكولونيالي، والتقاليد الامبريالية التي تنمي في نفوسهم غريزة السيطرة على الآخر وتجعلهم لا يترددون في استعمال
стр. 115
القوة والعنف للاحتفاظ بمتاع الغير، ختم يقول: "إن المأساة، في هذه القضية، تتمثل في كوننا وفرنسا لا نتكلم لغة واحدة. فالحكومة الفرنسية والمجلس الوطني يشرعان لبلدنا الذي يعتبرانه مزرعة متجاهلين أنه وطن وأننا لم نعد خدماً ولا أقناناً" (٤٢).
وحول نفس القانون التنظيمي استقبل السيد فرحات عباس من طرف رئيس الحكومة الفرنسية السيد Paul Ramadier الذي كان يعتقد أن في استطاعته تغيير موقف زعيم الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري. خاصة بعد أن أطلعته مصالح المخابرات على محتوى المكالمات الهاتفية التي كان يجريها مع الجزائريين الممثلين للإدارة الاستعمارية في البرلمان الفرنسي والتي دلت في مجملها على أنه تمكن من التأثير عليهم وجعلهم، الواحد تلو الآخر، يتخلون عن قناعاتهم الأولى ويتبنون، عملياً، فكرة النضال من أجل إقامة الجمهورية الجزائرية المتحدة بمحض إرادتها مع فرنسا.
ويذكر السيد عمار نارون أن المقابلة بين عباس ورمادي لم تطل كثيراً نظراً لتمسك كل منهما بموقفه وبسبب الكراهية التي كان رئيس الحكومة يضمرها لمؤسس الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري. ولقد احتفظ التاريخ، من ذلك اللقاء القصير، بحوار ممتع يدل دلالة قاطعة على ماكان للرجلين من ثقافة واسعة وقدرة فائقة على التعبير قال عباس: إن جسم الجزائر محصور في اللباس المفروض عليه. أنه في حاجة إلى التنفس. حاولوا، إذن، أن تخيطوا له لباساً عصرياً". وبدون تردد أجاب رمادي: "أجل، سيد عباس إننا سنخيط لكم لباساً جديداً لكن تفصيله سيكون دقيقاً على الطريقة الفرنسية" (٤٣).
هكذا، إذن، ناضل ممثلوا الجزائريين على اختلاف مشاربهم ضد القانون التنظيمي لكنهم فشلوا في كل ماقاموا به من مساعي ولم يستطيعوا منع البرلمان الفرنسي من تأبيد حالة الاستبداد على الشعب الجزائري، وكان من الممكن أن يؤدي ذلك إلى يأس قيادة الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري: غير أن السيد عباس ظل وفياً لمقولة رينان التي تؤكد: "أن العالم لا يعرف فتور الهمم، بل إنه يعيد العمل المجهض إلى مالا نهاية: فكل فشل يتركه شابا نشطا ومفعماً بالانبهارات"، والتي ضمنها بيانه الموجه إلى الشبيبة الجزائرية بمناسبة الفاتح مايو ١٩٤٦ (٤٤).
لأجل ذلك فإن الاتحاد لم ير في الاستقالة من مجلس الجمهورية هزيمة كما أنّه لم يعتبر عدم التواجد في البرلمان الفرنسي خسارة، وراح ينفق طاقته في
стр. 116
مجالات أخرى مثل الربط مع الجماهير الشعبية والاستعداد لخوض المعارك الانتخابية، والعمل على إيجاد الظروف الموضوعية الملائمة لتوحيد سائر أجنحة الحركة الوطنية وفق تصوره للمجتمع الجزائري الجديد.
العمل الميداني والمعارك الانتخابية
مباشرة بعد المصادقة على القانون التنظيمي شرعت الإدارة الفرنسية في تطبيقه على الطريقة الاستعمارية: انتخابات بلدية في أكتوبر ١٩٤٧ وانتخابات الجمعية الجزائرية في أفريل ١٩٤٨ دائماً في إطار المجموعتين ووفقاً لما تتطلبه الحرية والمساواة كما يفهمها غلاة الكولون. رغم ذلك، فإن الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية والاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري قد قررا خوض تلك المعارك كل حسب ايديولوجيته.
فالاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري رأى أن الانتخابات البلدية التي تقرر إجراؤها يومي ١٩ و٢٦ أكتوبر ١٩٤٧ يجب أن يكون الإعداد لها تحت شعار الترقية الاجتماعية للشعب الجزائري ومن ثمة ينبغي إقناع المنتخبين بأن اختيارهم لممثليه يعني الدعم المطلق للنضال ضد الجهل والأمية والأمراض بجميع أنواعها وللقضاء على الأكواخ والأحياء القصديرية، ومن أجل تنمية أفضل لمجالات الحياة اليومية مع التركيز على التعليم والتربية والتكوين المهني وتوفير مختلف حاجات الغذاء.
وكانت هذه الرؤية في تناقض كلي مع تلك التي جاءت بها الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية، والتي رأى هذه الحركة، كانت ترى أن الحملة الانتخابية المذكورة يجب أن تتحول إلى تظاهرة سياسية وأيديولوجية يتم من خلالها. تجذير العداء للقانون التنظيمي الآنف الذكر إلى جانب تعميم فكرة اللجوء إلى جميع الوسائل من أجل استرجاع السيادة الجزائرية التي اغتصبتها الامبريالية الفرنسية والتي لم يتوقف الشعب الجزائري عن المقاومة بكل أنواعها في سبيل استعادتها. (٤٥).
إن هذا التباين في الموقف من الانتخابات البلدية هو الذي حال دون تحقيق: "الوحدة الوطنية والديمقراطية للدفاع عن مصالح الجزائريين"، التي نادى بها الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري مدعوماً بالحزب الشيوعي الذي كان يرى أن التركيز ينبغي أن يكون فقط على المطالب ذات الصبغة البلدية.
ومما لاشك فيه أن تجاوب الجماهير الشعبية مع الحركة من أجل انتصار
стр. 117
الحريات الديمقراطية وما نتج عن ذلك من انتصار قوائمها رغم كل العوائق والتكتلات، وقد دفع عباس وجماعته للتأمل، مرةأخرى، في الواقع الاستعماري والتأكد من أن جماهير الشعب الجزائري لم تعد قادرة على تعبئتها سوى البرامج الداعية إلى التخلص النهائي من السيطرة الأجنبية.
هذه النتيجة قد توصل إليها الحزب الشيوعي الذي لم يتردد في الاعتراف بها صراحة ضمن افتتاحية Alger Républicain الصادرة في عدد يوم ٢٤/ ١٠/١٩٤٧. حيث كتب السيد Rouzé: " لقد حققت قوائم الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية نجاحاً في عدد من النواحي: فالجماهير الشعبية التي خيبت آمالها فيما كانت تطمح إليه من حرية قد عبرت عن استيائها بتلك الطريقة ... وبديهي أن التفاعل مع برنامج الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية إنما يدل دلالة قاطعة على عمق التغيير الذي طرأ إيجابياً على فكرة الوعي الوطني في أوساط الجماهير الشعبية".
وعلى الرغم من تسجيل الهزيمة أمام منافسة الأول، فإن الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري قد حاول، منذ الإعلان عن النتائج الأولى، التظاهر بروح رياضية حيث نشر على أعمدة لسانه المركزي مقالات متعددة فيها تأكيد على أن اختيار الجماهير الشعبية يعد ترسيخاً وتثبيتاً لفكرة الوطن الجزائري التي يتطلب انتصارها النهائي تضافر جهود كل الطاقات الحية في البلاد (٤٦) ..
وإذا كانت الخطوة الأولى في طريق توحيد الطاقات الوطنية قد بدرت عن الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية، فإن قيادة الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري لم تتردد في تقديم العربون على استعدادها لتحقيق الوحدة الجدية والدائمة. أما خطوة الحركة فتمثلت في كتاب وجهه السيد الحاج مصالي في اليوم الثامن من نوفمبر إلى اللجنة المركزية للاتحاد يدعوها فيه إلى الحوار قصد إيجاد السبيل الأمثل لإخراج البلاد من دائرة السيطرة الاستعمارية، وأما عربون الاستعداد الذي قدمه الاتحاد فقد جاء في شكل نشرة صادق عليه المكتب السياسي في اليوم التاسع من نفس الشهر وضمنها عزمه كقيادة عليا على: "العمل من أجل جمهورية جزائرية ديمقراطية واجتماعية بحكومتها وبرلمانها وألوانها الوطنية" (٤٧). كانت تلك نشرة اللائحة إيذاناً ببدء الحوار بين الطرفين، ودليلاً واضحاً على أن تقارباً إيديولوجياً كبيراً قد وقع بين التشكيلتين السياسيتين اللتين أصبحتا بالفعل قادرتين على إبرام الاتفاق من أجل توحيد العمل في سبيل تقويض أركان الاستعمار وبعث الدولة الجزائرية من جديد.
стр. 118
وبالفعل، فإن المحادثات بين مندوبي التشكيلتين، قد جرت في جو يسوده كثير من الوئام والتفاهم وتوجت بتصريح مشترك مذيل ببرنامج عمل من ثلاث نقاط أساسية هي:
أ - وحدة العمل من أجل التوحيد الإيديولوجي والتنظيمي للحركة في كفاحها ضد الامبريالية.
ب - إلغاء كل أنواع الاستعمار.
ج - دستور دولة جزائرية ذات سيادة مطلقة.
أما التصريح فقد تضمن اتفاق الطرفين على ضرورة استرجاع السيادة الوطنية التي اغتصبتها الامبريالية الفرنسية، وفي نفس السياق رفض الاتحاد الفرنسي الذي يتناقض في أساسه مع ميثاق الأمم المتحدة الذي يقر لجميع الشعوب حقها في تقرير مصيرها بنفسها.
من جهة أخرى فإن الطرفين قد اتفقا على تشكيل لجنة للتنسيق تتولى متابعة تطبيق برنامج العمل وتنشط، باسم التشكيلتين، من أجل توسيع الاتحاد إلى تنظيمات أخرى تكون مستعدة للمساهمة في الحركة الواسعة الرامية إلى إقامة الجمهورية الحرة الديمقراطية والاجتماعية.
إن الذي يطلع على كل هذه النتائج الإيجابية، في واقع الأمر، لا يسعه سوى الإقرار بأن الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري قد اهتدى، عن وعي، إلى الطريق المؤدية إلى تحرير الوطن لكن ذلك لم يطل إذ أن اللجنة المركزية للاتحاد أعلنت أنها تخضع استمرار العمل الوحدوي إلى مجموعة من الشروط في مقدمتها عدم رفض التمثيل البرلماني وعدم إدانة الاتحادالفرنسي والتخلي عن دستور الدولة الجزائرية ذات السيادة المطلقة وهو ما رفضته الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية وجعل السيد الحاج مصالي يصف "الجمهورية الفدرالية" التي رفع شعارها السيد فرحات عباس بالمولود الامبريالي لأنها تترك الدفاع الوطني والشؤون الخارجية بين أيدي الامبريالية الفرنسية وتسوي مليون أوربي بعشرة ملايين من الجزائريين. (٤٨).
وفي نفس الوقت الذي كانت فيه قيادة الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري تدعو إلى الالتزام بالشروط المذكورة أعلاه كشرط أساسي لوحدة الصف الوطني، فإن السيد فرحات عباس كان يوظف أعمدة الجمهورية الجزائرية La République Algerinne" للتنديد بالحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية التي لم تأمر نوابها بالانسحاب من البرلمان الفرنسي، ولكتابة أشياء غير معقولة
стр. 119
مثل: "أن سياسة الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية تشبه العنصرية التي لا تطاق والدكتاتورية الأكثر دناءة والفاشية الجديدة ذات الحظ الصاعد" (٤٩).
المشاركة في انتخاب الجمعية الجزائرية:
هكذا، وبكل هذه السهولة، تحلل الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري من وثيقة الاتفاق الذي أبرمه مع الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية وراح يستعد لانتخابات الجمعية الجزائرية وفق البرنامج السابق المتأرجحة أهدافه بين السيادة المشروطة والجمهورية الجزائرية المتحدة مع فرنسا والرافضة في الحالتين للانفصال عن فرنسا وللاتحاد مع الحركة المصالية الداعية إلى تقويض أركان الاستعمار وبعث الدولة الجزائرية ذات السيادة المطلقة.
وعلى الرغم من أن الرأي العام الوطني، في الجزائر، كان ينتظر من التشكيليتين موقفاً موحداً لمواجهة الجبهة الاستعمارية التي بدت متماسكة للاحتفاظ بالجزائر فرنسية ولإبقاء شعبها المسلم في حالة التهميش التي تمنعه من ممارسة حقه في الحرية والسيادة، فإن الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري والحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية قد قررا مواصلة السير منفردين، ودخول المعركة الانتخابية مشتتي الصفوف وببرامج متباينة إلى أبعد الحدود.
إن مجرد المشاركة في انتخابات الجمعية الجزائرية كان يعتبر هزيمة للحركة الوطنية لما في ذلك من قبول بالعودة إلى ماقبل حركة أحباب البيان والحرية. فالمادة الثانية من القانون التنظيمي الذي أنشئت الجمعية بموجبه تؤكد إبقاء الجزائر في شكلها السابق لسنة ١٩٤٧ أي مجموعة عمالات مزودة بالشخصية المدنية والاستقلال المالي" (٥٠)، وفي المادة الواحدة والثلاثين من نفس القانون تثبيت للمجموعتين الانتخابيتين وعودة لمقاييس مشروع فيوليت من أجل تعيين المسلمين الذين يمكنهم الارتقاء إلى المجموعة الأولى أي مجموعة المواطنين الفرنسيين.
ومن جهة أخرى، فإن التشكيلتين السياسيتين الوطنيتين، إذ تقدمان على المشاركة في انتخابات الجمعيةالجزائرية، فإنهما تتنكران لموقفهما من القانون التنظيمي الذي كانتا قد رفضتاه جملة وتفصيلاً واعتبرتاه اعتداء سافراً على سيادة الشعب الجزائري (٥١). بل إن مؤتمر البليدة الذي عقده الاتحاد
стр. 120
الديمقراطي للبيان الجزائري أيام ٣ - ٤ و٥/ ١٠/١٩٤٧ لم يتردد في التنديد: "بالاتحاد الفرنسي المؤسس على الإكراه والسيادة الأحادية"، وفي إدانة القانون التنظيمي المفروض على الشعب الجزائري الذي يسعى "لإقامة جمهورية جزائرية مزودة بألوانها الوطنية وبحكومة مسؤولة أمام برلمان جزائري" (٥٢).
في هذا الجو المليء بالتناقضات وعدم الاستقرار على موقف واحد، أعد الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري قوائم مرشحيه للجمعية الجزائرية التي قال عنها السيد فرحات عباس: "إنها غير مرضية ولا غير مجدية، وسوف تكون بين أيدينا أداة لتحسين وضعنا وتسليحنا لخوض معارك أخرى" (٥٣).
لقد كانت قيادة الاتحاد، في معظمها تعتقد أن الابتعاد عن الحركة المصالية بجميع تسمياتها سيساعدها على الفوز بثقة الإدارة الاستعمارية وتفهم الحكومة الفرنسية، ومن ثمة تعطي لها فرصة إيجاد ديناميكية جديدة لصالح حل لا يخرج عن إطار الاتحاد الفرنسي لكنه يمنح الجزائر نوعاً من الاستقلال الداخلي الذي يكون محطة في طريق الاستقلال الكامل.
إن ذلك الاعتقاد لم يكن صحيحاً، لأن غلاة الكولون الذين لم يكونوا مستعدين للتعامل مع أي من أطراف الحركة الوطنية، قد تمكنوا من التغلغل بسهولة في أوساط الأغلبية الحاكمة في فرنسا، وزيادة على تجذيرهم، في تلك الأوساط، لفكرة الجزائر الفرنسية، فإنهم استطاعوا أن يكونوا ممثلين في حكومة السيد روبارت شومان Robert Schuman بواسطة واحد منهم وهو نائب قسنطينة Réné MAYER(٥٤). الذي أدت ضغوطاته إلى استبدال السيد YVES Chataigneau بالسيد مارسيل ايدموند نيجلان Marcel édmond naegelen والياً عاماً للجزائر ابتداءً من يوم ١١/ ٠٢/١٩٤٨.
لقد كان نيجلان اشتراكياً في مذهبه السياسي، لكنه بالنسبة للجزائر كان يمينياً متطرفاً يرى في استقلالها، "نهاية للإنجازات الفرنسية وتوقفاً لبناء المدارس والطرقات والمستشفيات والقامرات الهاتفية ولتحسين المحصولات كما أنه يعني رحيل معلمينا وأطبائنا ومهندسينا وحكامنا" (٥٥). وحتىلا تحدث "هذه الكارثة" فإنه شرع بمجرد تنصيبه في وضع أسس مدرسة تزييف الانتخابات التي سوف تعرف باسمه، وذلك رغم كل ماقام به من جهد ليقدم نفسه كمنقذ لتعليمات كان سابقه قد ضمنها نشرية تحمل تاريخ ٢٨/ ٠٨/١٩٤٧.
وتأمر بالقضاء على المشوشين الذين يتبين أن نشاطهم مضر، والحفاظ، من جهة أخرى، على هيبة السلطة بواسطة قمع مخالفات القانون والمس بالنظام
стр. 121
العام" (٥٦).
إن نايجلان لم يكن مخطئاً تماماً، لكنه لم يكن في مستوى ذكاء الوالي العام السابق إيف ستاتينيو الذي كاد، بفضل مرونته العجيبة، أن يقنع الجزائريين على اختلاف ميولاتهم ومستوياتهم بتعاطفه معهم في الوقت الذي توجد فيه أدلة ملموسة على محاربته للحركة الوطنية بكل الوسائل. نكتفي هنا، بالإشارة إلى تعليماته الصارمة بمنع منتخبي الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية من عقد مؤتمرهم يوم ٢٥/ ٠١/١٩٤٨، أي قبل تنحيته بأسبوعين فقط، وكذلك حملة الاعتقالات والاعتداءات على المرشحين والمقرات على حد سواء ابتداء من فاتح جانفي سنة ١٩٤٨.
مثل هذه الإجراءات التعسفية هي التي لجأ إليها السيد نيجلان لمنع تشكيلات الحركة الوطنية وحتى الشيوعيين من الفوز بمقاعد المجموعة الانتخابية الثانية في الجمعية الجزائرية. وأكثر من ذلك فإنّه جند الصحافة الاستعمارية الصادرة في الجزائر للتحذير من خطر الانتخاب على مرشحي الحركة المصالية "الذين لا يمكن إلا أن يكونوا قوة معرقلة ومعادية لكل ما هو فرنسي" (٥٧).
ولم يكتف نيجلان باضطهاد إطارات الحركة الوطنية موجهاً لهم تهمة المس بالسيادة الفرنسية والعمل على إرباك النظام العام، وإنما تجاوز ذلك إلى الأمر باعتقال المرشحين أنفسهم كما جاء في تقرير اللجنة المركزية للإعلام والتوثيق التابعة للحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية؛ ومن جهة أخرى صدرت الأوامر الصارمة إلى المصالح الإدارية بالبلديات كي لا توزع بطاقات الناخبين في المراكز التي شك في ميولات سكانها الوطنية.
وعندما بدأت عملية الاقتراع، تضاعفت إجراءات التزييف مثل إسناد الإشراف على مكاتب التصويت إلى الأوربيين فقط أو إلى من يعينون من طرفهم.
وفي بعض الحالات التي ذكرتها اللجنة المركزية للإعلام والتوفيق التابعة للحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية، فإن الإدارة الاستعمارية قد حولت عناوين المكاتب دون إخبار المواطنين، أو نقلتها إلى بيوت خاصة يغلقها أصحابها في وجه المنتخبين (٥٨). وفي كثير من الحالات وبأمر من عامل العمالة، حجبت قوائم مرشحي الحركة الوطنية ومنع ممثلوهم من الدخول إلى المكاتب للمشاركة في الرقابة القانونية (٥٩). وأحياناً، وربحاً للوقت، كانت
стр. 122
الإدارة الاستعمارية تملأ الصناديق كما تشاء أو تقيم محاضر النتائج عشية الانتخاب (٦٠)، وحيث ظهرت المقاومة أو بدت علامات الاحتجاج، فإن الولاية العامة قد لجأت إلى الجيش أو إلى سائر قوات الأمن من تقوم، كعادتها، بأعمال القمع والترهيب (٦١).
هكذا ورغم أن المنتخبين منحوا أصواتهم لمرشحي الحركة الوطنية، فإن الإدارة الاستعمارية العاملة تحت الإشراف المباشر للسيد نيجلان، قد ألغت الإرادة الشعبية وقررت بمفردها إعطاء تسعة مقاعد للحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية وثمانية للاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، بينما خصصت الباقي لعملائها الذين لم يكونوا ليفوزوا بمقعد واحد لولا إجراءات التزييف على الطريقة النايجلانية.
النضال داخل الجمعية الجزائرية:
لقد كان واضحاً منذ الإعلان عن النتائج، أن الإدارة الاستعمارية لم تكن مستعدة لتمكين الوطنيين الجزائريين من تأدية دورهم في التعبير عن إرادة منتخبيهم. وكان واضحاً، أيضاً، أن مندوبي التشكيلتين الوطنيتين لن يكتفوا، في أشغال الجمعية، بدور المتفرج السلبي. وكما كان متوقعاً، فإن الاصطدامات بدأت مع الاجتماع الأول. حدث ذلك على مرحلتين: الأولى: عندما طلب السيد فرحات عباس الكلمة ولم تعطِ له (٦٢)، فاضطر إلى مغادرة القاعة متبوعاً بمندوبي حزبه، والثانية: بمناسبة التنصيب الرسمي لمكتب الجمعية من طرف الوالي العام السيد ناجيلان. فمندوبو الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري انسحبوا من القاعة بمجرد أن بدأ النشيد الوطني الفرنسي (٦٣).
وأثناء تكوين اللجان، وبحكم العدد، أقصي مندوبو الحركة الوطنية، وبذلك أصبح وجودهم شبه صوري ومقتصراً على بعض الاحتجاجات التي يعبر عنها من حين لآخر خلال الجلسات العمومية والتي لا يكون لها أي تأثير إيجابي على سير المداولات. وحينما فشل الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري في تغيير الوضع وإقناع الأغلبية بضرورة إشراك الأقلية في أعمال اللجان، فإنه قرر يوم ١٧/ ٠٣/١٩٥٠ سحب مندوبيه في انتظار تراجع الإدارة الاستعمارية الذي لم يحدث إلا في شهر نوفمبر ١٩٥١ وبكيفية لا تكاد تذكر، فغلاة الكولون، الذين عز عليهم أن يقطعوا شعرة معاوية، وبعد أن قررت الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية سحب كل مندوبيها، وافقوا على تمكين الاتحاد الديمقراطي
стр. 123
للبيان الجزائري من المشاركة كعضو أساسي في لجنتين ليس لهما أي تأثير على حياة الشعب الجزائري (٦٤).
إن سلوكات الإدارة الاستعمارية لم تكن غريبة بل هي امتداد طبيعي للخطة
التي وضعت من أجل تزييف الانتخابات، إذ لا يعقل أن يجند الوالي العام كل إمكانيات فرنسا، في الجزائر، لإقصاء ممثلي الحركة الوطنية من الجمعية الجزائرية ثم يقبل هونفسه إشراك من وصل منهم، رغم أنفه، إلى تلك الجمعية في أعمال اللجان.
صحيح أن القانون التنظيمي، في حد ذاته، والجمعية الجزائرية التي أنشئت بموجبه يتناقضان تماماً مع طموحات الشعب الجزائري المعبر عنها بواسطة كل من التشكيلتين الوطنيتين اللتين كانتا تدركان ذلك حق الإدراك، لكن القياديين، في التشكيلتين، كانوا يريدون، من خلال المشاركة في الانتخابات، التدليل على أن الجماهير الشعبية تسير وراءهم وهي تمنحهم كل الثقة لتمثيلها. لقد كانوا، بقرارهم ذلك، سذجاً، لم يأخذوا في الحسبان موقف الإدارة الاستعمارية التي لم توجد إلا لتنفيذ إرادة غلاة الكولون.
ومن ثمة، كان عليهم أن يعلموا، مسبقاً، أن الطريق إلى قصر كارنو (٦٥) سوف تكون مسدودة أمامهم وأن المقررين، باسم الكولون، لن يمكنوهم من استعمال منبر أعد للاحتفاظ بالجزائر فرنسية.
ومن الممكن، في نظرنا، أن يكون تراجع الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري عن الخطوات التي كان قطعها في طريق توحيد الطاقة الوطنية، ناتجاً عن رغبة قيادته في تقديم تنازلات جوهرية للأوربيين الذين كانت تخيفهم فكرة الانفصال عن فرنسا وما يحيط بها من طروحات يزخر بها برنامج حزب الشعب الجزائري ... فالسيد فرحات عباس إذ تخلى فجأة، عن الدعوة إلى الجمهورية الجزائرية ذات السيادة المطلقة وعاد من جديد، إلى مشروع الاتحاد الفرنسي، لم يكن يقصد سوى طمأنة الحكومة الفرنسية وإقناع الرأي العام الفرنسي بأنه مختلف في نظرته إلى مستقبل الجزائر، عن الحاج مصالي الذي يسعى بجميع الوسائل إلى بنائه خارج دائرة النفوذ الفرنسي. ومع ذلك، فإن الكولون لم يقتنعوا بأن الاتحادالديمقراطي للبيان الجزائري يمكن أن يكون صادقاً في مواقفه، ولذلك، فإنهم وضعوه في نفس خانة الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية وراحوا يعملون على إقصائهما معاً.
وكان رد الفعل الكولونيالي درساً ثميناً بالنسبة للاتحاد الديمقراطي للبيان
стр. 124
الجزائري الذي أيقنت قيادته أن الإدارة الاستعمارية مصممة على حرمان الشعب الجزائري من ممارسة حقه في تقرير مصيره بنفسه وتأكدت أن التنازلات التي قدمتها لم تجدِ نفعاً وأن الحلول الوسطى غير مفيدة مع من يدينون بالتطرف. كل هذه الحقائق عرضت على أعضاء المؤتمر الذي انعقد بمدينة سطيف أيام ٢٥/ ٢٦/٢٧/ ٩/١٩٤٨ وبعد الدراسة المستفيضة والتحاليل المعمقة، جاءت اللائحة السياسية معبرة بوضوح عن موقف القواعد المناضلة من النقاط الهامة التالية: (٦٦).
١ - إن الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري يندد بالاتحاد الفرنسي باعتباره امتداداً للامبراطورية القديمة، ويدين نظام العسف والاستبداد المفروض على الشعب الجزائري بعد ثلاث سنوات من تحرير فرنسا، ويعلن عن استعداده للنضال حتى يحقق الشعب الجزائري طموحاته الوطنية التي تجسدها الجمهورية الجزائرية الديمقراطية والاجتماعية.
٢ - إن الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري يؤكد من جديد أن الجزائر لا يمكن فصلها عن جارتيها المغرب وتونس اللتين يربطها بهما التاريخ والجغرافيا واللغة والدين والاقتصاد.
٣ - إن الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري يحتج على جو الرعب والقمع الذي سبق الانتخابات ومايزال مفروضاً على البلاد إلى غاية اليوم، كما أنه يطالب بإلغاء الانتخابات المذكورة وبضمان حرية التصويت وتحرير جميع المعتقلين السياسيين.
وسوف يظل هذا الموقف ثابتاً لدى قيادة الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري التي راحت تبذل جهوداً معتبرة لتعبيد الطريق أمام القوى الوطنية الحية المستعدة للعمل من أجل تحرير البلاد من النير الاستعماري.
صراع الأشقاء وتدخل الحزب الشيوعي الجزائري:
لقد بدأت الجهود المذكورة تظهر في أعمال الجمعية الجزائرية حيث وجد مندوبو الحركة الوطنية أنفسهم عرضة لمناورات دنيئة تمنعهم أحياناً، من مجرد التدخل في الجلسات العمومية وتسد جميع المنافذ في وجه اقتراحاتهم. ولم يكن المندوبون الأوربيون وعملاؤهم من المسلمين يميزون، في ذلك، بين مندوبي الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري ومندوبي الحركة من أجل انتصار الحريات
стр. 125
الديمقراطية، بل إن الاعتداءات وإجراءات العسف لم تكن تحاشي أحداً، وكان مندوبو الكولون وعملاؤهم يقاطعون كل متحدث يحاول الخروج عن بيت الطاعة.
بالإضافة إلى الموقف الرافض لمساهمة مندوبي الحركة الوطنية في أعمال
الجمعية الجزائرية، وخوفاً من أن تتحقق الوحدة الفعلية بين التشكيلتين السياسيتين، شهرت الإدارة الاستعمارية سلاحها المعهود المتمثل في إذكاء نار الفتنة وزرع بذور الانقسام في صفوف الأشقاء مستعملة أوصاف الاعتدال والتطرف ومركزة على التلميح إلى إمكانية التفاهم مع ممثلي الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري باعتبارهم متحضرين ومتشبعين بالثقافة الفرنسية وقابلين لترقية الجزائر في إطار الاتحاد الفرنسي ووفقاً للخط الديمقراطي الذي لا يلغي الجالية الأوربية من الحياة السياسية.
وكان لمسعى الإدارة الاستعمارية أثر في تدهور العلاقة بين التشكيلتين السياسيتين الوطنيتين، ثم تدخل الحزب الشيوعي الجزائري ليشجع الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري على الابتعاد عن "الثوريين المزيفين" (٦٧)، والانضمام معه إلى لجنة العمل الثقافي التي يرأسها الأستاذ MANDOUZE.
وفي نفس الوقت الذي كانت فيه "الجمهورية الجزائرية" تجند أقلامها الجيدة للحط من قيمة الحاج مصالي ولتقزيم الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية ووصف قيادتها بالعجز السياسي وعدم القدرة على معالجة قضايا الشعب الجزائري وانتهاج الديماغوجية التي تقود إلى الهاوية، فإن الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري كان يوجه النداء تلو الآخر إلى الحكومة الفرنسية كي تضع حداً لتزييف الانتخابات ولسياسة الاستبداد التي يمارسها الوالي العام وسائر المصالح التي يشرف عليها في الجزائر (٦٨).
وازداد الصراع المزيف بين الأشقاء حدة بمناسبة الانتخابات الجهوية التي جرت يومي ٢٠ و٢٧ مارس ١٩٤٩. فالحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية قررت تجاوز الخلاف وعرضت على الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري تقديم قوائم مشتركة. وأمام رفض هذا الأخير أعلنت عن عدم مشاركتها، الأمر الذي جعل "الجمهورية الجزائرية"، تعنون "الامتناع انصياع"، مؤكدة أن مشاركة الاتحاد قد مكنته من أن يرفع إلى الإدارة الاستعمارية اقتراحات إيجابيةمثل:"ضرورة إلغاء البلديات المختلطة وإدانة الاندماج المبني على خرافة العمالات الثلاث، وكذلك الاتحاد الفرنسي الذي هو شكل من أشكال
стр. 126
الامبريالية الجديدة، وتزويد الجزائر بقانون تنظيمي جديد بالإضافة إلى إلغاء انتخابات الجمعية الجزائرية" (٦٩).
كل هذه الاقتراحات لم تجد طريقها إلى آذان ممثلي الكولون الذين حركوا ميكانزمات التزييف التي تم بموجبها إقصاء مرشحي الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري بكيفية يندى لها جبين كل عاقل. وعلى سبيل المثال نشرت "الجمهورية" النتائج المسجلة في بعض الدوائر فيها كثير من الغباء السياسي ومن التحدي الذي لا يعرف حدوداً (٧٠)، ومن أغرب ما نشر أن ممثل الإدارة في عين تموشنت وهو السيد عبد القادر بن شيحة حصل على جميع الأصوات المعبر عنها بما في ذلك صوت منافسه من الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري وأصوات أقاربه وأحبائه وأصدقائه: وفي مدينة تبسة، كذلك، حصل مرشح الإدارة السيد مشري علي كافة الأصوات المعبر عنها (٧١).
كانت هذه الانتخابات هي القطرة التي أفاضت الكأس والشعرة التي قصمت ظهر البعير، وكانت نتائجها سبباً كافياً لتراجع قيادة الاتحاد مواقفها السياسية وخاصة موقفها من الحركة المصالية: وساعد على تجاوز ماكان بينهما من صراع تأسيس اللجنة الجزائرية لتحضير المشاركةفي المؤتمر العالمي للسلم بتاريخ ١٩/ ٠٤/١٩٤٩. غير أن تجاوز الصراع، وحده، لم يكن كافياً للقضاء، نهائياً، على تخوف السيد فرحات عباس من تكرار تجربة "أحباب البيان والحرية".
وإذا كان الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري مدركاً لصحة النهج المتبع من طرف الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية ومقتنعاً بأن ما يجمع بين التشكيلتين أكثر بكثير مما يفرق بينهما لكنه لم يقوَ على اجتياز الخطوة الحاسمة لتحقيق الوحدة الايديولوجية لأسباب انتهازية فقط، فإنه، على العكس من ذلك، لم يجد في عروض التحالف الصادرة عن الحزب الشيوعي الجزائري مايدعو إلى التوقف عندها نظراً لما تتضمنه من تنكر للسيادة الوطنية ومن نظرة خاطئة للنضال التاريخي الذي مافتئ الشعب الجزائري يخوضه ضد الامبريالية الفرنسية منذ سنة ١٨٣٠.
لقد بدأ الحزب الشيوعي يحاول ركوب قاطرة الحركة الوطنية منذ سنة ١٩٤٦، يريد أن يكفر عن الجرائم التي شارك في ارتكابها خاصة في شهر مايو ١٩٤٥ عندما كان الحزب الشيوعي الفرنسي شريكاً قوياً في الحكم بفرنسا، وكان وزير الحرب الفرنسي الذي أمر بقنبلة الجزائريين العزل شيوعياً، يومها
стр. 127
وقف الحزب الشيوعي الجزائري موقفاً متطرفاً في العداء للحركة الوطنية عامة وللحركة المصالية بصفة خاصة.
لأجل ذلك، فإن الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية لم تكن مستعدة لتغفر له خطايا اقترفها متعمداً ومن منطلق ايديولوجي ولأجل ذلك، أيضاً، توجه إلى الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري معتقداً أن خلاف هذا الأخير مع الحركة المصالية يسهل التقارب معه، خاصة وأن السيد فرحات عباس صرح في مرات عديدة، أنه مستعد للعمل على تسوية القضية الجزائرية في إطار الاتحاد الفرنسي وبواسطة الجمهورية الجزائرية المتحدة مع فرنسا بمحض إرادتها.
فالحزب الشيوعي الذي كان يتابع معاناة مندوبي الحركة الوطنية أثناء أشغال الجمعية الجزائرية والذي استخلص، بعد تجربة طويلة، أن الإدارة الاستعمارية في الجزائر ترفض اشتراكه في الحكم وتتعامل معه تماماً كما تتعامل مع الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري والحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية اختار مطلع السداسي الثاني من سنة ١٩٤٨ لينظم حملة إعلامية واسعة يدعو، من خلالها، إلى توحيد القوى الوطنية والديموقراطية مع الطبقات الكادحة في فرنسا قصد المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإبطال انتخابات الجمعية الجزائرية (٧٢).
وإذا كانت الحركة المصالية، بجميع أجنحتها، لم تكلف نفسها حتى مجرد دراسة العروض الشيوعية لاقتناعها بتناقضها، في الأعماق، مع طموحات الشعب الجزائري، فإن الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري قد توقف، ملياً، عند أدبيات الحزب الشيوعي يفحص ويتمعن قبل أن يجزم قولاً وكتابةً أن نقاطاً أساسيةً تمنعه من الاستجابة للعروض المذكورة، ومن الممكن تعداد أهم تلك النقاط كالآتي:
١ - إن الحزب الشيوعي يتصور الجمهورية الجزائرية في إطار الاتحاد الفرنسي وعلى غرار جمهوريات الاتحاد السوفياتي (٧٣).
٢ - إن الحزب الشيوعي يرفض اللغة العربية والعروبة والإسلام (٧٤). بالإضافة إلى وحدة شمال إفريقيا.
٣ - إن الحزب الشيوعي لم يتخل عن نظريته الخاصة بالأمة الجزائرية في طور التكوين (٧٥)، ويرى أن الجزائر لا يمكن أن تكون محايدة بل لابد من التموقع "إلى جانب الحلفاء الطبيعيين، أي الاتحاد السوفياتي بقيادة
стр. 128
ستالين وخمسمائة مليون صيني والديموقراطيات الشعبية" (٧٦).
ولم يكتف الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري بذكر نقاط الاختلاف بل إنه وظف كل إمكانياته لنقدها وإبراز مواطن الضعف فيها حتى يدرك المواطن والمناضل على حد سواء لماذا تبقى نداءات الحزب الشيوعي صرخة في واد مهجور، فالامبريالية الأمريكية، في نظر قيادة الاتحاد، لا تشكل خطراً على بلدان
شمال إفريقيا ... وخلاص الجزائر غير منتظر لا من الجامعة العربية ولا من روسيا السوفيتية ولا من أمريكا" (٧٧).
ومن جهة أخرى، فإن التموقع إلى جانب الاتحاد السوفياتي يتناقض مع مصلحة الشعب الجزائري إذا أخذنا في الاعتبار الموقف الشيوعي" من تقسيم فلسطين والعمل على فصل الجزائر المسلمةعن الوطن العربي" (٧٨).
أما فيما يخص الاتحاد الفرنسي ووحدة شمال إفريقيا واللغة العربية والأمة الجزائرية، فإن نظرة الحزب الشيوعي الجزائري إليها تختلف كلية عن الرأي الذي أبداه حولها المؤتمر الذي عقده الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري بمدينة سطيف أيام ٢٥ - ٢٦ - ٢٧/ ٠٩/١٩٤٨ والذي تعرضنا له بإيجاز في الصفحات السابقة.
نحو جبهة وطنية موحدة
كان لابد من تفاعل عوامل كثيرة كي تعرف الساحة السياسية، في الجزائر، انقلاباً جذرياً، بعض هذه العوامل إيجابي من حيث منطلقاته الأيديولوجية وتأثيره الحسن على مسار الحركة الوطنية ونتائجه الخيرة بالنسبة لمستقبل الشعب الجزائري، وبعضها الآخر سلبي من حيث خلفياته السياسية وأهدافه التي رغم تباينها في الظاهر، كانت متحدة فيما يخص تعارضها بطريقة أو بأخرى مع استرجاع الجزائر سيادتها واستقلالها كاملين.
١ - العوامل الإيجابية:
أ - إن قيادة الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري التي جربت المرونة بجميع أنواعها في التعامل مع الإدارة الاستعمارية لعلها تحظى باستمالتها إلى ضرورة العمل على إنهاء النظام الاستعماري القائم في الجزائر منذ سنة ١٨٣٠، قد اقتنعت بأن الكولون يسيطرون فعلاً، على الحياة السياسية في باريس خاصة
стр. 129
فيما يتعلق بمصير الجزائر، وهم غير مستعدين للتنازل عن شيء يذكر يكون من شأنه تمكين الجزائريين من المشاركة الفعلية في تسيير شؤون البلاد، كما أنهم عازمون على استعمال جميع مالديهم من إمكانيات العنف والقمع واللجوء إلى كل أساليب التزييف لمنع الجماهير الشعبية من اختيار ممثليها الحقيقيين في جميع المجالس المنتخبة بما في ذلك الجمعية الجزائرية.
وتأكد السيد فرحات عباس، من جهة أخرى، إن الإدارة الاستعمارية لا تنظر إلى المسألة الجزائرية إلا من زاويتها التي لا ترى من خلالها غير الجزائر الفرنسية. أما كل محاولاته لاقناعها بالسير معه في طريق الاتحاد الفرنسي الذي لا يقصي أحداً، أو في سبيل إقامة جمهورية جزائرية متحدة مع فرنسا بمحض إرادتها وحيث تبقى الخارجية والدفاع من اختصاص الحكومة الفرنسية، فإنها باءت بالفشل ولم تتمكن إلا من منع التلاقي بين الأشقاء وتأخير آجال التوحيد المنتظر واللازم لتخليص الوطن من السيطرة الأجنبية.
وكان هذان الاستنتاجان كافيين ليشدد الاتحاد موقفه وليعيد النظر في برنامجه السياسي وفي علاقاته مع الحركة المصالية وحتى مع الحزب الشيوعي الذي كان السيد فرحات عباس، كغيره من مسؤولي الحركة الوطنية، ينظر إليه كتنظيم تابع للحزب الشيوعي الفرنسي ولا يتحرك إلا في إطار المخططات السوفيتية" (٧٩).
ب - إن الحركة المصالية التي كانت تعتقد أنها تستطيع وحدها تقويض أركان الاستعمار وتمكين الشعب الجزائري من استرجاع سيادته المغتصبة والتي كان قادتها يظنون أنهم يحتكرون الوطنية الحقة ويتهمون غيرهم بالعمالة للإدارة الاستعمارية وبالعجز عن الارتقاء إلى مستوى طموحات الجماهير الشعبية في الجزائر، قد اقتنعت بأن تحرير الجزائر يتطلب تضافر جهود جميع أبنائها المخلصين.
ولقد كان في أساس هذا التحويل العقيدي عددمن الأزمات التي مرت بها الحركة (٨٠)، وكثير من إجراءات العسف والاستبداد التي سلطتها الإدارة الكولونيالية على إطاراتها ومناضليها وهيآتها (٨١)، كما أن موقف الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين والحزب الشيوعي، خاصة بعد مؤتمره الخامس (٨٢). من تدابير القمع الموجه ضد المناضلين الوطنيين ومن عمليات التزييف والإحباط التي كانت الولاية العامة تتفنن في وضعها وتنفيذها، كل ذلك ساهم في إقناع السيد الحاج مصالي ورفاقه
стр. 130
بضرورة التفتح على سائر القوى الحية في البلاد قصد الاستفادة من جميع الطاقات لإرغام الحكومة الفرنسية على تلبية رغبة الشعب الجزائري في استرجاع سيادته واستقلاله.
ج - لم تعد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تكتفي بالدعوة الدينية والعمل التربوي والنشاط التعليمي، بل إن تواتر الأحداث السياسية قد فرض على قيادتها تجاوز إطار قانونها الأساسي والدخول، علناً، إلى معركة النضال ضد الوجود الاستعماري وليتمكن الجزائريون من تقرير مصيرهم بأنفسهم.
د - إن الحزب الشيوعي الفرنسي قد فقد كل أمل في استعادة مكانته في أعلى هرم السلطة الفرنسية بسبب موقف الاتحاد السوفياتي من مخطط مرشال سنة ١٩٤٧، قد أشار على الحزب الشيوعي الجزائري بإعادة النظر في مواقفه من الحركة الوطنية الجزائرية التي برهنت الانتخابات على تجذرها في أوساط الجماهير الشعبية. فعملاً بنصيحة الأخ الأكبر، وابتداءً من سنة ١٩٤٩، شرعت قيادة الحزب في الانفتاح على الإطارات الجزائرية وتخلت بالتدريج على كثير من قناعاتها حتى أصبحت، في نهاية سنة ١٩٥٠، تطالب، هي أيضاً، بجمهورية جزائرية مستقلة وبتكوين جبهة وطنية ديموقراطية لتحقيق تلك الغاية (٨٣).
٢ - العوامل السلبية:
أ - على الرغم من أن اسم السيد نايجلان قد أصبح، بالنسبة للجزائريين، رمزاً لتزييف الانتخابات، فإن تغييب إرادة الشعب الجزائري إنما تندرج في إطار استراتيجية إجمالية وضعتها الإدارة الكولونيالية وأشرف على تطبيقها، بنفس العزم والصرامة، كل الولاة بما فيهم السيدإيف شاتينيو الذي استطاع أن يصنع لنفسه مكانة الصديق والمتعاطف مع القضية الجزائرية.
ولقد أدركت كل الأحزاب السياسية، خاصة بعد انتخابات افريل سنة ١٩٤٨، أن الكولون هم الموجهون الحقيقيون لسياسة فرنسا في الجزائر: وإن هذه السياسة لا تخدم سوى مصلحة بعض غلاتهم كما جاء ذلك في وصية الرئيس Queuille للسيد روجي ليونار (٨٥) قبل التحاقه بمنصبه الجديد خلفاً للسيد نايجلان: "عليك أن تعرف أن قسنطينة هي روني ميار، والجزائر العاصمة هي بورجو، أما وهران فيحتمل أن تبقى في يد عامل العمالة مالم يقترح غلاة الكولون واحداً من بينهم" (٨٦). ولكي يوضح تعليماته أكثر، أضاف بلهجة متشددة: "أما لعباس ومصالي فقل لهما: القوة هي الفصل بيننا وبينكم" (٨٧).
стр. 131
فالإدارة الاستعمارية كانت تعرف جيداً أن جماهير الشعب الجزائري تساند الحركة الوطنية بجميع قواها، استخلصت ذلك من نتائج الانتخابات البلدية التي جرت في شهر أكتوبر سنة ١٩٤٧ والتي حققت فيها الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية فوزاً مطلقاً، وعليه فإنها أقرت التزييف وجعلت منه مؤسسة تسخرها، في جميع المستويات، لتعيين المندوبين الذين تراهم صالحين للسير في ركابها.
وعلى الرغم من أن التشكيلات السياسية الوطنية لم تبق مكتوفة الأيدي، بل لم تترك باباً إلا وطرقته للتنديد بتلك الممارسات اللامشروعة، وعلى الرغم من ارتفاع أصوات بعض المنتخبين الفرنسيين لإدانة التزييف باعتباره منافياً للأخلاق الجمهورية ومرفوضاً رفضاً باتاً في عصر المطالبة بحق الشعوب في تقرير مصيرها" (٨٨)، فإن المسؤولين الذين تعاقبوا علىولاية الجزائر، خاصة منذ شهر فيفري، سنة ١٩٤٨، (٨٩) قد جندوا كل إمكانيات الإدارة الكولونيالية لخنق أصوات الجزائريين ومنع الحركة الوطنية من ممارسة النضال السياسي بعيداً عن التفكير في وسيلة العنف الثوري.
ب - إن تزييف الانتخابات لا يتم في أجواء الأمن والهدوء والاستقرار، بل لابد للقيام به على الطريقة الفرنسية، من إجراءات القمع والإرهاب والاعتقالات التي من شأنها شل نشاط الطاقات التي تعتمدها الحركة الوطنية في تطبيق برامجها. هكذا كانت جميع الانتخابات، على كل الأصعدة، تعرف مشادات عنيفة ومواجهات دموية في كثير من الأحيان، بين قوات الجيش والشرطة والدرك الفرنسية وبين ممثلي الأحزاب الوطنية وأنصارهم من أبناء الشعب الجزائري. وبديهي، كما جاء على أعمدة "المنار" أن القوات المتقابلة غير متكافئة ومختلفة السلاح. فالقوات التحريرية لا سلاح لها إلا التقيد بالقانون والإيمان بالإرادة الشعبية والمواثيق الدولية، والقوات الرجعية مع الإدارة سلاحها عدم المبالاة بالقانون، وهي الخصم والحكم، لا تخشى عقاباً على اعتداء، ولا تؤمن بالعدل ولا بالكرامة الإنسانية ولا بالمواثيق الدولية" (٩٠).
ج - إن غلاة الكولون، بعد أن أحكموا سيطرتهم على الإدارة الاستعمارية، استطاعوا النفاذ، بالفعل، إلى أوساط الطبقة الحاكمة في فرنسا، وتمكنوا عن طريق الرشوة، من جعل أبرز عناصرها لا يؤمنون، مثلهم، إلا بوجود الجزائر الفرنسية، المشكلة نظرياً، من عمالات ثلاث، وماعدا العمل من أجل هذه الجزائر، فإن كل مسعى مرفوض شكلاً ومضموناً، ويجب أن يحارب بجميع
стр. 132
الوسائل وفي مقدمتها القمع بسائر أنواعه.
من هذا المنطلق، أصبحت باريس لا تتحرك إلا في الاتجاه الذي يحدده غلاة الكولون، وصارت محاولات الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري المعتدلة غيرمجدية تماماً مثل مساعي الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية. إذن، لم يعد هناك مايجعل التشكيلتين الوطنيتين تتأخران عن تحقيق الاتحاد الذي
بات مطلباً جماهيرياً كما تدل على ذلك الآراء المعبر عنها على أعمدة "المنار" (٩١) والصادرة عن شخصيات تنتمي إلى كل التيارات السياسية وعن غيرها من الناطقين بأسمائهم الخاصة أو بأسماء الجمعيات الخيرية والرياضية والتربوية.
كل هذه العوامل متضافرة هي التي قادت إلى تغيير الأوضاع السياسية في الجزائر وجعلت الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري يوجه نداء إلىكافة التشكيلات الوطنية يدعوها، من خلاله، إلى إقامة وحدة تعمل على تحقيق خمسة أهداف هي: (٩٢):
- إلغاء الانتخابات التي جرت يوم ١٧/ ٠٦/١٩٥١.
- التطبيق الفوري لقانون ١٩٤٧.
- تطبيق الديمقراطية في المجالس بجميع أنواعها.
- استصدار قانون يقضي بتخصيص مبلغ ١٠ مليارات فرنك لبناء المدارس والطرقات في الريف الجزائري.
ووجد النداء استجابة لدى الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين والحزب الشيوعي الجزائري.
وبعد تشاور ونقاش وقع الاتفاق يوم ٢٧/ ٠٧/١٩٥١ على تكوين لجنة تحضيرية (٩٣) لتأسيس جبهة جزائرية للدفاع عن الحرية واحترامها.
الأعمال بنتائجها:
ولم يمض سوى أسبوع واحد حتى أسفرت اللقاءات بين الأشقاء عن مؤتمر التأم في سينما دنيازاد (٩٤)، بالجزائر العاصمة دعت إليه اللجنة التحضيرية المذكورة وحضره جمع غفير من الجزائريين وبعض الجزائريات يمثلون كافة أنحاء الوطن وينتمون إلى مختلف التيارات الفكرية والسياسية. ودامت أعمال المؤتمر يوماً واحداً هو اليوم الخامس من شهر أغسطس/آب وتوجت بالإعلان عن ميلاد الجبهة الجزائرية للدفاع عن الحرية واحترامها التي يشرف عليها
стр. 133
مجلس إداري مشكل من ثلاثين عضواً (٩٥)، ويسيرها مكتب دائم من عشرة أعضاء (٩٦).
وبالإضافةإلى هذه الهيكلة صادق المؤتمرون على البرنامج المعد من قبل اللجنة التحضيرية وقوامه خمس نقاط مستوحاة في معظمها من مقترحات الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري المذكورة أعلاه (٩٧).
ويرى الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري أن الهدف من تأسيس الجبهة الجزائرية هو بالدرجة الأولى إيجاد الإطار الملائم لتوحيد الجبهة الوطنية من أجل التصدي "لمظالم الشرطة ومحركيها ولإحباط المؤامرات الحمقاء التي تعرض حياة شبابنا للخطر" (٩٨). كما أن الجبهة سوف "لن تتوقف عن العمل حتى يتحطم القمع الأعمى الذي يقهر شعبنا وحتى يتمكن الجزائريون جميعهم من التمتع بحقهم في حرية الرأي وحرية التعبير وحرية التنقل" (٩٩).
هناك من يرى (١٠٠) أن الجبهة ولدت ميتة، لكن الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري له رأي آخر على الرغم من أنه لا ينكر، في أدبياته، أنها لم تكن في المستوى اللازم لدفع عجلة التقدم في طريق القضاء على النظام الاستعماري وأنها ضمنت منذ البداية، أطرافاً متناقضة يصعب على بعضها الارتقاء إلى واقع الشعب الجزائري العربي المسلم (١٠١).
وعندما وجه السيد فرحات عباس النداء المشار إليه أعلاه، فإنه إنما كان يبغي، في مرحلة أولى، إيجاد الأرضية التي يمكن أن تقف عليها جميع التشكيلات السياسية والهيئات الاجتماعية والثقافية إلى جانب أكبر عدد ممكن من الشخصيات المستقلة، وذلك من أجل الانتقال معاً إلى المرحلة الثانية التي يكون فيها العمل على إقامة الجمهورية الجزائرية وما يتبع من مؤسسات أصبحت مألوفة لدى المواطن الجزائري. ومما لاريب فيه أن الحركة الوطنية الجزائرية قد استطاعت، رغم كل شيء، أن توظف الجبهة إلى أبعد الحدود، وتمكنت من تسخير هياكلها لتحسيس الجماهير الشعبية بمعاناة المناضلين (١٠٢).
ولتوفير المناخ الملائم لتقريب وجهات النظر السياسية عندما يكون صعباً توحيد المنطلقات الإيديولوجية.
وبالإضافة إلى النشاط المكثف في إطار الجبهة الجزائرية للدفاع عن الحرية واحترامها، فإن الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري الذي تخلص نهائياً من قناعاته الفكرية التي كانت تشده إلى الاتحاد الفرنسي، لم يدخر جهداً للإسهام في معركة توحيد الطاقات الحية المغاربية في جبهة قوية تعمل بجميع
стр. 134
الوسائل على "إنهاء النظام الاستعماري وإقامة أنظمة مبنية على السيادة والديموقراطية تحرر شعوبها سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وتضمن لجميع السكان حقوقهم وحرياتهم" (١٠٣).
لقد شارك الاتحاد مشاركة فاعلة في الاجتماع الذي عقدته الأحزاب الوطنية المغاربية في مقر إقامة الزعيم الحاج مصالي بحي شانتي الباريسي يوم
٢٨/ ٠١/١٩٥٢ قصد التشاور حول القضية التونسية، علماً بأن الاجتماع المذكور قد توجه ببيان معبرعن المساندة المطلقة للكفاح الذي يخوضه الشعب التونسي بقيادة زعيمه الأستاذ الحبيب بورقيبة. (١٠٤).
وبعد ذلك بيومين فقط، وقع السيد فرحات عباس ميثاق الجبهة المغاربية إلى جانب رفاقه زعماء الأحزاب المعبرة عن رأي شعوب شمال إفريقيا. وبموجب التوقيع على ذلك الميثاق إثر اجتماع باريس المشار إليه أعلاه، تم تأسيس "لجنة شمال إفريقيا للاتحاد والعمل" Comitéd'union et d'action nord - africain وكذلك لجنة المتابعة التي أسندت لها مهمة الإشراف على حسن تنفيذ الميثاق (١٠٥).
وهكذا، لم يتوقف الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري عن التطور والنمو السريع في الاتجاه الوطني السليم. وكلما تقدم خطوة تضاعفت الصعوبات وازدادت الإدارة الاستعمارية شراسة وحقداً على قيادته. وفي خضم التطور السياسي طفت على السطح كثير من القضايا الإيديولوجية التي ظلت تتراكم في انتظار الحلول الملائمة، وما كادت تحل سنة ١٩٥٤ حتى أصبح الصراع الإيديولوجي حقيقة ملموسة في صفوف الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري.
الأمر الذي سيمكن جبهة التحرير الوطني من الوصول، بسهولة، إلى أغلبية أنصاره ومناضليه كما سنرى ذلك في معالجتنا لفترة الكفاح المسلح.
•••
• الهوامش:
стр. 135
هوامش
стр. 136
هوامش
стр. 137
هوامش
стр. 138
هوامش
стр. 139
هوامش
стр. 140
هوامش
стр. 141
هوامش
стр. 142
الفصل الخامس:
حزب الشعب الجزائري
стр. 143
الجزائرية، وكلما كان ذلك ضرورياً، كان يشرح موقف حزبه من الواقع الاستعماري ويدعو إلى تأييد مساعيه الرامية إلى استرجاع سيادة الجزائر واستقلالها كاملين.
ونتيجة كل تلك التحركات المكثفة في تلك المدة القصيرة من الزمن، كتب بعض المؤرخين (١) أن الساسة الفرنسيين، سواء منهم الذين زاروا برازافيل أو الذين اكتفوا بمحادثات باريس، هم الذين اقنعوا زعيم حزب الشعب الجزائري بضرورة المساهمة في الحياة الانتخابية الفرنسية، لكن ذلك، بعد الدراسة المتمعنة، يبدو غير صحيح، لتناقضه مع شهادة السيد بلقاسم راجف (٢) التي ذكرها الدكتور شفيق مصباح والتي تؤكد أن قرار المشاركة في الانتخابات "قد اتخذه الأعضاء القياديون الذين كانوا متواجدين في باريس" (٣) ومهما يكن من أمر، فإن السلطات الفرنسية قد رخصت للسيد مصالي الدخول إلى الجزائر يوم ١٣/ ١٠/١٩٤٦ وهونفس اليوم الذي جرى فيه الاستفتاء حول مشروع الدستور الفرنسي (٤) الذي كان حزب الشعب الجزائري والاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري قد أعلنا عن قرارهما بمقاطعته.
وفي الجزائر، وجد الحاج مصالي غلياناً كبيراً في صفوف حزب الشعب خاصة فيما يتعلق بمن يتحمل مسؤولية الأمر باشعال فتيل الثورة (٥) والأمر المضاد الذي وصل بعض المناطق ولم يبلغ لبعضها الآخر. وكذلك فيما يخص الميل إلى الحياة الانتخابية الذي بدأ يتسرب بسرعة إلى الأوساط القيادية. وإلى جانب ذلك الغليان، وجد الزعيم أن مكانته عالية بين المناضلين ولدى جماهير الشعب في آن واحد. لأجل كل ذلك وافق على أن تعقد ندوة وطنية لإطارات الحزب دامت أعمالها ثلاثة أيام برهن خلالها رئيس الحزب على قدرة فائقة في التسيير والإقناع حتى إن الأغلبية الرافضة للدخول في الانتخابات قد تحولت، في آخر جلسة، إلى شبه إجماع على تقديم مرشحين لتمثيل الشعب الجزائري في البرلمان الفرنسي.
وعلى هامش الندوة الوطنية للإطارات، التقى كل من السيدين الحاج مصالي وفرحات عباس واقترح هذا الأخير أن تضع الحركتان الوطنيتان استراتيجية مشتركة لمواجهة الانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها يوم ١٠/ ١١/١٩٤٦، غير أن زعيم حزب الشعب رفض الاقتراح بسبب التباعد الإيديولوجي
стр. 144
بين التشكيلتين السياسيتين. ونحن نعتقد أن إثارة التباعد الإيديولوجي في ذلك الظرف بالذات لم يكن في محله لأن المشاركة في الانتخابات التشريعية الفرنسية تجعل الحزبين في مرتبة واحدة من حيث اعترافهما بسيادة فرنسا على الجزائر.
وعلى أية حال، فإن موافقة الندوة الوطنية للاطارات، على الدخول إلى معركة الانتخابات في ظل الشرعية الفرنسية لم تكن سوى تنازل بمقابل، لأن الرافضين للأسلوب الجديد الذي هو في الواقع نقيض الأسلوب الذي ظلت الحركة المصالية تتمسك به منذ نشأتها والذي هو العنف الثوري أو الكفاح المسلح، قد حصلوا على قرار الندوة بعقد مؤتمر يتولى البت النهائي في التوجهات الأساسية للحزب.
ومما لاشك فيه أن دعاة المشاركة في الانتخابات كانوا يدركون جيداً أن إرسال ممثلين عنهم إلى المجلس الوطني الفرنسي ليس هو الطريق الأسلم إلى شاطئ السيادة الوطنية. كما أنهم كانوا يعلمون أن الحياة البرلمانية عقيمة وأن "الشعب الجزائري يجب أن يعتمد على نفسه لإنجاز ثورته الوطنية" (٦) ومن جهة أخرى، فإن حزب الشعب الجزائري "لا يرى في المشاركة أو في الامتناع عن الانتخاب إلا فرصة إضافية بالنسبة للشعب الجزائري كي يبرهن على دقة تنظيمه وانضباطه ونضجه السياسي". (٧)
وبقدر ما كان الصراع شديداً بين دعاة المشاركة في الانتخابات ودعاة المقاطعة بجميع أنواعها، كان التفاف جميع الأطراف قوياً حول قرار الندوة وذلك طبقاً لمبدأ المركزية الديموقراطية وحفاظاً على وحدة الحزب. وليس أدل على قوة انضباط الإطارات القيادية من امتشاق السيد حسين لحول قلمه السيال لإقناع القواعد المناضلة بسلامة القرار بينما كان هو الوحيد الذي ظل متماسكاً بموقفه الرافض المناهض لفكرة المساهمة باعتبارها تراجعاً خطيراً في سياسة حزب الشعب الجزائري.
وتطبيقاً لقرار الندوة، وبتاريخ ٢٣/ ١٠/١٩٤٦، قدم السيد الحاج مصالي قوائم المرشحين، لكن الإدارة الاستعمارية رفضت ترشيحه شخصياً بالنسبة لدائرة العاصمة باعتباره من المحكوم عليهم قضائياً (٨)، كما أنها رفضت قائمتي وهران وسطيف (٩). وبديهي أن في مثل هذه الإجراءات التعسفية تكذيباً صارخاً للقائلين (١٠) أن الدخول إلى الانتخابات كان نتيجة اتفاق بين رئيس حزب الشعب الجزائري والسلطات الرسمية في فرنسا.
وعلى الرغم من كل المضايقات والمناورات التي لجأ إليها ممثلوا الإدارة
стр. 145
الاستعمارية، فإن مرشحي حزب الشعب الجزائري قد فازوا بنصف المقاعد التي تنافسوا عليها (١١). ذلك أنهم لم يدخلوا الانتخابات إلا في خمس دوائر فازوا فيها بخمسة مقاعد مقابل خمسة لممثلي الإدارة الاستعمارية. أما في دائرتي سطيف ووهران حيث لم يسمح لهم بالمشاركة، فإن المقاعد الخمسة المتبقية قد توزعها الشيوعيون وممثلوا الإدارة (١٢). وللتذكير، نشير إلى أن الذين ذهبوا إلى قصر البربون باسم حزب الشعب الجزائري هم: الدكتور محمد الأمين دباغين، الدكتور جمال دردور والمهندس مسعود بوقدوم عن قسنطينة والسيدان أحمد مزغنة ومحمد خيضر عن الجزائر العاصمة.
ولما أدركت السلطات الاستعمارية أن جماهير الجزائر ملتفة حول حزب الشعب الجزائري فإن وزارة الداخلية قد أصدرت قراراً يغير طريقة انتخاب أعضاء مجلس الجمهورية، وبموجب ذلك القرار ألغيت الإدارة الشعبية وأسندت مسؤولية الاختيار إلى المنتخبين البلديين وأعضاء الجماعات ورؤسائها حيث البلديات المختلطة. ولقد لجأت وزارة الداخلية إلى هذه الطريقة لكون كل أولئك المنتخبين قد وقع اختيارهم على إثر حركة مايو الثورية عندما كان معظم القياديين الوطنيين في السجون، وكان حزب الشعب الجزائري قد دعا جميع الجزائريين إلى مقاطعة الانتخابات "من أجل المحافظة على مستقبل الوطن الجزائري وللتأكيد على التمسك بسياسة التحرير الوطني وعلى الوفاء لأرواح الشهداء وللمناضلين والزعماء المعتقلين" (١٣).
وأمام هذه المناورة الاستعمارية، فضل حزب الشعب الجزائري الامتناع عن المشاركة في انتخابات مجلس الجمهورية تاركاً المكان للاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري الذي استطاع أن يفوز بأربعة مقاعد من جملة السبعة المخصصة للمجموعة الانتخابية الثانية كما أشرنا إلى ذلك في غير هذا المكان.
ولم يكن قرار مقاطعة الانتخابات مفيداً للاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري فحسب، بل إنه شكل فرصة ثمينة لقيادة حزب الشعب الجزائري وظفها، إلى أقصى الحدود، من أجل تحضير وثائق المؤتمر وإعداد الترتيبات المادية والأدبية الضرورية لنجاحه. وبالفعل، فإن الفترة الممتدة إلى غاية الخامس عشر من شباط سنة ١٩٤٧ قد تميزت بنشاط سياسي مكثف مكن القواعد المناضلة من التفاعل مع قياداتها في معالجة سائر القضايا المطروحة على الساحة السياسية في الجزائر، كما أنه أوجد أجواء من الحماس الذي كان لابد منه لمواجهة مثل ذلك الحدث الذي دعت إليه جميع التيارات - وكل منها -