← История

История · id 123660

تاريخ الجزائر في القديم والحديث

مبارك الميلي

Полный текст (878 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٤ - الكسب: كان البربر من قديم يكسبون الغنم والبقر والخيل الغنم والبقر لنتاجها وألبانها وغير ذلك من فوائدها، والخيل لركوبها اما للصيد واللهو واما للحرب والغزو. واشتهر في الفروسية بربر نوميديا. وخيلهم كانت قصيرة سريعة العدو. تصلح لاستطلاع احوال العدو ورد الفارين من الجيش. يلبس الفارس منهم لباسا خفيفا ويحمل سلاحا خفيفا ايضا، ويعتلي صهوة فرسه من غير سرج ولا لجام. وانما يمسك بيد. قضيبا من خشب يصرف به الفرس طوع ارادته. وهذا دليل على حذقهم في سياسة الخيل ومهارتم في تربيتها. ـ[صورة]ـ ش- ١ - (رسم فارس نوميدي)

стр. 107

ومن مكاسبهم الابل وهي معروفة قديما بآسيا. ولكنها لم تدخل الوطن البربري الا حوالي سنة ٦٦ (ق. م) قال ابن خلدون: وهي من مكاسب أهل النجعة منهم شان العرب. وكانت لهم معرفة بالصناعات المعدنية وزراعة الحبوب، فكانوا يزرعون الفول. قال بيروني: ويظهر ان أصله من ارض البربر. ويزرعون الشعير، وهو أكثر فلاحتهم، والقمح وحبوبا أخرى. قال بيروني: ولا نعلم أهذه الحبوب محلية ام مجلوبة؟ وكان بوطنهم العنب والزيتون، ولكنه طبيعي غير مغروس. وصنعوا من المعادن ما كانوا يصنعونه من الحجارة وبذلك سقطت الصناعة الحجرية الا بدواخل الوطن فقد عاشت وترقت حتى صارت في غاية الاتقان. واتفقت كلمة من وقفنا على كلامهم من المؤرخين ان البربر لم يتعلموا الغراسة الا من الفينيقيين. اما الفلاحة واستخراج المعادن فقد قال اغسال: ان البربر تعلموهما من قدماء المصريين وسكان جزر البحر الابيض المتوسط. كانوا اولا يقتنون مصنوعات هذه الامم ويستوردونها ثم تولوا صناعتها بانفسهم. ٧ - نظام المجتمع البربري كان البربر مقتنعين- منذ نزلوا ليبية- في حياتهم بما منحتهم الطبيعة من خصب اراضيهم التي كانت - على كثرتهم ووفور عدد قبائلهم- تفي بحاجتهم وحاجة حيواناتهم. فلم يكن لهم من غرض في استعمار وطن آخر، ولا بلغ بهم الجشع ان يسفكوا دماء محترمة، ويصبغوا بلونها القاني ترابا تنبسط نفوسهم من بعد للتمتع فوقه بخيراته وجهود ابنائه المظلومين. وانما كانت تقع منهم بعضهم على بعض هجومات

стр. 108

اما لصيانة حرمة انتهكت واما لدالة الشرف حيث يكون منهم ذو عزة بعشيرته فيريد ان يفرض سيادته على جيرانه. وهي سيادة ادبية شرفية غير مشوبة بطمع في مغرم او انتزاع ارض. لذلك لم يكن لهم في القديم ملوك عظام ودول فخام وانما كان منهم امراء على قبائل وسادات على عشائر. وكانت السلطة المنزلية بيد الرجل ولذلك كانت انسابهم تابعة لآبائهم لا لامهاتهم، وروى هيرودوتس (١) - على ما ذكر الكعاك- ان نظام الامومة كان أيضا حالة من حالات المجتمع البربري. تكون السلطة فيه للام، والاب غير معترف به شرعا والابناء تابعون لخالهم في الميراث، وعى هذه الرواية يكون البربر اسبق الامم الى الاعتراف بحرية المرأة. ويؤيدها ان ابن خلدون ذكر قبائل منهم تنتسب الى امهاتها. وذكر رين قبائل عبر عنها بأولاد امهاتهم. وقد بقي أثر ذلك اليوم عند "اليقاشين"، فانهم اذا حسبوا لمريض او غيره توصلا للغيب عدوا حروف اسمه واسم امه دون أبيه. وكذلك إذا رقوا لاحد رقيتهم كتبوا بها اسمه واسم امه لا ابيه. ونحن- إذا أيدنا وجود نظام الامومة قديما- لا نريد انه عام بين البربر بل خاص ببعض الاوساط ونظام الابوة هو الغالب. قال مرسيي: " ومن غير شك ان لكل قبيلة قوانين تخضع لها. ولم يزل أثرها الى اليوم في وطن القبائل ". وقال أغسال ويؤخذ من الكتابات الحجرية الاثرية ان فراعنة مصر كانت لهم علاقات بالليبيين وكان الليبيون ينتهزون فرصة ضعف الفراعنة ليغيروا على سواحل النيل ويملؤا ايديهم من الغنائم. واحيانا يكونون

стр. 109

جندا مرتزقين لدى الفراعنة. وفي القرن الرابع عشر والثالث عشر (ق. م) كادوا يستولون على مصر. هذا كلام أغسال. وهو- وان كان تاريخه خاصا بالجزائر- لا يصح حمل كلامه هذا على الجزائريين. وان كانت الجزائر من ليبية. وانما يصدق على البربر المجاورين لمصر. اما بربر الجزائر فان لهم من وطنهم ما يغنيهم عن مزاحمة القبط على النيل. لذلك عاشوا دهورا متمتعين بلذة البساطة في مجتمعهم اغنياء عن النظام الدولي، اذ لا تحتاج إليه الا امة اضطرها ضيق عيشها الى تعدي بعضها على بعض او التوسع على حساب أمة أخرى. عاش بربر الجزائر ما شاء الله ان يعيشوا في راحة من تحمل عبء الملوك ودالتهم، اعزاء عن الخنوع لشهوات الامراء وجبروتهم حتى الجأتهم حروب قرطاجنة مع رومة الى تجشم مرارات النظام الدولي. ايقظتهم تلك الحروب الى أن من الامم ما لها مطامع في استعباد غيرها. فضخموا ملكهم ووحدوا امارتهم كي يحفظوا وطنهم من عاديات عشاق الزعامة العامة والسيادة السامة. وكان منهم اذ ذاك ملوك سنأتي- ان شاء الله- فيما بعد على تفصيل حياتهم وبيان اعمالهم الجليلة بقدر ما تسمح به المادة التي بأيدينا. ٨ - لغة البربر وكتابتهم البربر يسمون لغتهم " تماشغت " ولهم لهجات مختلفة. ففي ابن خلدون: ان زناتة منهم لها رطانة خاصة بها. ونرى اليوم فرقا بين لغة زواوه احدى بطون ضريسة، ولغة مصاب (مزاب) من زناتة وغيرهم. اما أصلها فهو تابع لاصل الناطقين بها. ويقول بيروني: انها غريبة مجهولة الاصل، كما ان البربري نفسه مجهول النسب.

стр. 110

والصواب خلاف ما يقول فقد قدمنا ما عليه محققو المؤرخين من ان البربر جنس حامي. ووطنهم الثاني (ليبية) ساكنهم به طوائف من أمم مختلفة. واذن فاللغة البربرية حامية الاصل مشوبة بعدة ألفاظ من الفينيقية وغيرها من لغات الامم التي جاورتهم او استولت عليهم. والبربرية تخالف اللغات السامية في انها يسوغ فيها الابتداء بالساكن واجتماع الساكنين فاكثر وتقديم المضاف اليه على المضاف. وتوجد فيها كلمات مركبة تركيبا مزجيا وليست اعلاما. وقد ينقلب فيها الفعل اسما والاسم فعلا. ولا كذلك اللغات السامية. يقول رين: ان اللغة العربية واللغة الفرنسية استعارتا الفاظا من البربرية. وسرد تلك الالفاظ التي يدعى اصالتها في البربرية. وهو ان كان يريد ذلك في العصور الاخيرة فلا منازعة، وان كان يدعي ذلك في القديم فلا انازعه في ذلك بالنسبة الى اللغة الفرنسية فقد يساعده التاريخ على ذلك لان بربر نوميديا مكثوا مع حنبعل القرطاجني سنين بالغاليا وغيرها من جنوب أروبا، واختلطوا بهم في جيش قرطاجنة أيضا واللغات اذ ذاك ضيقة تحتاج الى النقل فلا يبعد ان يكون قدماء فرنسا أخذوا من البربرية. اما العربية فبعيدة جدا عن البربرية. ولا يعلم في التاريخ وقوع اختلاط بين هاتين الامتين الا ما كان من غزو افريقش لليبية (١). ولكن ذلك لا يؤيد دعوى رين لان المغلوب هو الذي ينقل عن الغالب. على ان علماء العربية تكلموا في الدخيل واعتنوا بتمييزه حتى خصه بعضهم بالتأليف. ولم يذكروا منه كلمة بربرية.

стр. 111

ان من الالفاظ التي ذكرها رين بربرية نقلت الى العربية ما هو عربي حقيقة. فان كان موجودا في البربرية فهو دخيل فيها بعكس دعواه وتكون تلك الالفاظ موروثة عن قبيلتي كتامة وصنهاجة العربيتين. كانت اللغة البربرية- كغيرها- ساذجة بسيطة ثم تطورت مع الزمان وتأثرت بما كان يجاورها من اللغات الراقية. وخصوصا الفينيقية. وكان لها ادبها وبلاغتها والفت بها التآليف العلمية قبل الاسلام وبعده. وكان للبربر خط خاص بهم، وحروفه تمثل شيئا من اشياء الكون مثل الشمس والهلال والبرق. وتدل على معنى موافق اما لصفة ذلك الشيء مثل السرعة للبرق واما لفائدته مثل الحرارة للشمس. كان هذا الخط في القديم يتركب من عشرة حروف يسمونها "تيفيناغ " ومعنى هذه اللفظة الحروف المنزلة من عند الاله، لانهم كانوا يعتقدون انها ليست من وضع البشر. ويتركب من خمسة اشكال يسمونها " تد باكين " ومعناه: الدليل على العمل والتوسع. ويعتقدون انها من وضع البشر. حروف تيفيناغ هي التي تفيد المعاني، وحروف تيدباكين اما لضبط تلك الحروف او توكيد معنى حرف منها. وكانت حروف الامم قديما مثل الاغريق واللطين عشرة ايضا. وذلك ان الانسان يخترع على قدر حاجته. وفي بدء عهده بالحياة كانت دائرة افكاره ضيقة، والمعاني التي يعبر عنها قليلة. فكانت هذه الحروف - على قلتها- وافية بحاجته.

стр. 112

وهذه صورة حروف تيفيناغ القديمة مفسرة بما يوافقها أو يقاربها من الحروف العربية: ـ[رموز]ـ ن ل م ر س ي ت ر د ج ب وهناك حروف احدث منها وهي: ـ[رموز]ـ ز مخرجه بين ز (و) س ث ش وقد يكتب هكذا وهذه صورة حروف تيد باكين: ١. هذه الشكلة حركة. والاكثر ان تكون فتحة. ٢: هذه الشكلة واو مد غالبا. ٣.: هذه الشكلة تؤكد معنى حرف الجيم. ٤:: هذه الشكلة لا نظير لها في العربية. ٥:: هذه الشكلة حرف هجائي وحركة معا. ولا نظير لها في

стр. 113

العربية وتوجد غير ما سبق حروف احدث من تلك تختلف باختلاف القبائل معنى ومخرجا. ومن حروف تيفيناغ ما تصرفوا فيه من بعد، كما ان تلك الاشكال صيروها من بعد كحروف هجائية. وترتيب الحروف الهجائية في الوضع مجهول لم يهتد اليه الباحثون من طريق النقل، وانما ظنوا انها كانت ترتب حسب معانيها. ويقول رين: المظنون ان اللطينيين أخذوا حروفهم عن البربر لانهم يسمون حروفهم الهجائية " المنتا " وحروف ل، م، ن،! هي الاولى في الحروف البربرية. وليس للبربر في القديم نظام في الكتابة: يكتبون من اليمين الى اليسار، ومن اليسار الى اليمين، ومن أعلى الى اسفل، ومن اسفل الى أعلى. ولما جاء العرب أثروا بنظامهم وصاروا يكتبون من اليمين الى اليسار. وبطول المدة نسي المختلطون بهم الحروف البربرية وصاروا يكتبون لغتهم بحروف عربية. ولم تعش حروفهم الا بين الملثمين في مجاهل الصحراء فانهم لم يزالوا يكتبون بها الى هذا العهد. ٩ - المعتقد البربري كان قدماء البربر يعتقدون وجود اله يسمونه " عمون " ولكن يرون انه ليس له وجود مستقل، وانما هو روح تحل ببعض الكائنات مثل الشمس والقمر والرعد والبرق وغيرها. لذلك كانوا يعبدون تلك المظاهر وهي ترجع الى ثلاثة أصول: ١ - الكواكب: كانوا يعبدون منها الشمس والقمر. ويمثلون الشمس بقرني الثور. وقد يتخذون لقرصها تمثالا يضعونه على رأس صورة تيس كما دلت على ذلك الآثار. ٢ - الحيوانات: كانوا يعبدون منها الثور وهو في المنزلة الاولى

стр. 114

من الاهمية، والكبش، وهو في الدرجة الثانية. ويعبدون سواهما الافعى والبوم والحمام والطاووس والسلحفاة والضفدع والقرد والهر. ٣ - الروحانيات: كانوا يعتقدون وجود ارواح كالجن في بعض العناصر الطبيعية كالعيون والاحجار والاشجار فيعبدونها ويتوسلون بها الى نيل ما عجزت عنه قواهم البشرية. قال البكري في خاتمة كتابه المغرب: "وبنو ورسيفان من البربر إذا ارادوا الحرب تقربوا بذبح بقرة سوداء للشماريخ. وهي عندهم الشياطين- ويقولون: هذا ذبح للشماريخ. ويفتحون اوعيتهم في تلك الليلة من الطعام والعلف. فلا يكون لها وكاء ولا سداد. ويقولون: هذا طعام وعلف للشماريخ، فإذا غدوا للقتال توقفوا حتى يروا زوابع الريح. فيقولون قد جاءت الشماريخ اولياؤكم لنصرتكم. فيحملون عند ذلك. فينتصرون بزعمهم ويقولون: ان ذاك لا يخطيهم (١) ". ونظير ما ذكره البكري ما هو موجود اليوم من ان الناس إذا عز طيهم المطر في فصلي الربيع والخريف لم يستسقوا الاستسقاء الشرعي بل يتقربون بذبح البقر او غيره من الانعام لقبر من القبور التي يعتقدون صلاح صاحبها بالسماع من اسلافهم العوام، ويطعمون الطعام. ويسمون ذلك "زردة سيدي فلان ... " فإذا اغاثم الله بالمطر نسبوا ذلك لبركة ذلك السيد وانه رضي عنهم. وكثير من عقائد الاقدمين الوثنيين لم تزل رائجة بين الجهال البسطاء وعوام المتعلمين. وانما صبغت بلون آخر. ان عبادة الكواكب والحيوانات والروحانيات امر شائع بين الامم المتقدمة، وقدر مشترك بين الوثنيين، وانما يختلفون في تفاصيل المعبودات وكيفيات العبادات.

стр. 115

ونحن نجهل- لفقدان المصادر التاريخية- نظام ديانة البربر وشعائر عبادتهم على وجه التفصيل. ولكن من المحقق انهم كانوا- كغيرهم- يتقربون الى آلهتهم بالقاء انفسهم في النار. والوطن البربري- كما قدمنا- معمور بأمم مختلفة ولغته مزيجة من لهجات. فديانته، كذلك مركبة من عدة ديانات. ومنها ما يشبه ديانة قدماء المصريين. ومنها ما أخذوه عن الفينيقيين ومنها ما نقلوه عن الرومان وكلها ديانات وثنية. وكانت بينهم طائفة اسرائيلية غير وثنية. ولكن نظام معابدها- كما قدمنا- مخالف لنظام يهود المشرق. ومع انفعال البربر بديانات الامم المجاورة لهم فهم يحافظون على روح عقائدهم الاولى ولا يرفضون منها الا قليلا. ولا يعرف التاريخ دينا غيَّر العقائد وابتعد بها عن الوثنية واعتمد على العقل مثل الدين الاسلامي ومع ذلك لم يطهر البربر من كل ما كانوا عليه. ولكن ما دامت مصادر الدين باقية ومنابعه صافية فليس الذنب ذنب العامة، بل الوزر كل الوزر على كاهل العلماء الجبناء والمدعين للصلاح من الجهلاء.

стр. 116

أفريقية (لامبيز)

стр. 117

الحفرة (قسنطينة)

стр. 118

الباب الثالث في ذكر الفينيقيين

стр. 119

تمهيد الفينيقيون قوم منسوبون الى وطنهم فينيقيا، وهي قطعة من الشام ضيقة مستطيلة على سيف البحر، يفصلها عن بقية الشام جبل لبنان. وهم أمة قليلة جدا ولكنها عملت في التاريخ القديم اعمالا جليلة جدا. كانوا بطبيعة وطنهم بحريين تجاريين، فربطوا بين الامم القديمة مواصلات ونشروا بذلك حضارات. وهم أول أمة أجنبية دخلت مصر جاءوها قبل اليونان وكانت لهم حارة معروفة باسمهم في مدينة منفيس (١) قاعدة الأسر العشر الاولى من الفراعنة. وعقدوا مع اولئك الفراعنة اتفاقا تجاريا يسمح لهم بنقل البضائع من مصر للاتجار بها في جزر البحر الابيض المتوسط وشواطئه ليبية واسبانيا. فاصبحوا يشقون بمراكبهم هذا البحر وينقلون الى من حوله حضارات المشرق وهم أول من انقذ الامم الاوروبية من الهمجية. كانت لهم بفينيقيا مراس عظيمة أشتهرت بالبحربة والتجارة منها عراد وبيبلوس وبيروت وصيدا وصور. وأسسو باسبانيا وليبية مراكز صارت تعظم كلما نقص عمران مدن فينيقيا بمزاحمة الامم لهم هنالك ومحاربة الملوك اياهم. وجد الفينيقيون بليبية ضالتهم المنشودة من البحرية والتجارة والاشتغال بوسائل العمران في سلم وأمن. فظلوا على ذلك حتى دخلوا مع اليونان في الحرب على صقلية، ثم الرومان بصقلية وأفريقية. وانتهت تلك الحروب المشؤومة بتخريب عاصمتهم قرطاجنفوذهاب ملكهم وتلاشي أمتهم. فذابوا في غيرهم وعفا رسمهم ولم يبق منهم الا اسمهم

стр. 120

وجلائل اعمالهم التي كلها حسنات للبشرية عامة وللبربر خاصة، وليس بهم من عيب سوى عفتهم عن الدماء وبعد طبيعتهم عن الحروب. ١ - أصل الفينيقيبين الفينيقيون أمة سامية من ولد كنعان بن عمليق بن لاوذ بن سام ابن نوح ﵇. كانوا كبقية الكنعانيين- بجزيرة العرب على الخليج الفارسي وانتقلوا إلى الشام مع اخوانهم من كنعان واختصوا بفينيقيا وصار الشام يقال له ارض كنعان. قال ابن خلدون: ومؤرخو بني اسرائيل يقولون ان الكنعانيين الذين كانوا بالشام هم من كنعان بن حام وان العمالقة من ولد العيص ابن اسحاق ابن ابراهيم (ص) وقال في سياق أبناء حام: ومنهم كنعان باتفاق. فيستفاد منه ان كنعان الذي ينسبه العرب الى عمليق غير كنعان ابن حام، وان الخلاف بين مؤرخي العرب والاسرائيليين إنما هو في نسب كنعانيي الشام: هل هم من كنعان بن عمليق ام من كنعان ابن حام؟ ويظهر من كلامه في موضع آخر انه يؤيد قول مؤرخي بني اسرائيل حيث قال في الكلام على أبناء كنعان بن حام: ان منه أمة كانت بالشام " وانتقلوا عندما غلبهم عليه يوشع الى افريقية فاقاموا بها " ومنه أمة كانت ببيت المقدس " وهربوا امام داوود ﵇ حين غلبهم عليه الى افريقية والمغرب واقاموا بها والظاهر ان البربر من هؤلاء المنتقلين اولا وآخرا. الا ان المحققين من نسابتهم على انهم من ولد مازيغ بن كنعان، فلعل مازيغ ينتسب الى هؤلاء (١) ".

стр. 121

واذا ايد ابن خلدون قول مؤرخي بني اسرائيل في كنعانيي الشام فان الفينيقيين ليسوا منهم بل هم ساميون من غير نزاع. غير ان ما استظهره من انتساب البربر الى تينك القبيلتين ليس بظاهر وقد مر في الباب الثاني (٢، ٣) ما يغني عن التعرض هنا لبطلان استظهاره. والخلاصة ان الفينيقيين اخوان العرب في نسبهم وجيرانهم الاقدمون في وطنهم. ٢ - الفينيقيون بالجزائر الفينيقيون أمة تجارية لا شأن لها بالحروب. وقد كانوا ايام ازدهار مدينة صيدا متوجهين في تجارهم الى المشرق، واستعمروا فيه - استعمارا تجاريا - جزيرة قبرص وجزر بحر هيجاي. وخاضوا البحر الاسود وبلغوا القفقاس. وفي القرن الثالث عشر (ق. م) سقطت مدينة صيدا بهجوم الفلستينيين (١) عليها لغنم ثروتها. فورثنها مدينة صور في سعة العمران وعظمة التجارة. وزاحم اليونان الفينيقيين في المشرق فالتفتوا الى البحر الابيض والمغرب بسفنهم التجارية وأسسوا بجزره مراكز تجارية بصقلية ومالطة وسردانيا والجزائر الشرقية (٢) وبلغوا اسبانيا وأسسوا بها مدينة قادس. صار الفينيقيون يترددون ببضائعهم بين الشام والاندلس. يقطعون مضيق جبل طارق مقتربين من سواحل ليبية حتى أذا بلغوا صقلية ابعدوا عن الساحل الأفريقي.

стр. 122

وكانت تجارتهم مع الليبيين مقايضة: يأخذون منهم الانعام والاصواف والجلود وريش النعام والعاج ويدفعون لهم عوض ذلك اقمشة مصبوغة بالحمرة واسلحة وخمرا واواني من الزجاج والطين. وللاتجار مع الليبيين أسسوا بسواحلهم مراكز يستريحون بها من عناء السفر ويتزودون منها ويصلحون سفنهم. وقد راعوا في موقع مراكزهم أمرين: الامتناع ممن يريدهم بسوء، والتمكن من نقل بضائعهم بسهولة. فنزلوا لذلك الجزر القريبة من الساحل الليبي، والربى الساحلية، وما قرب من مصب الاودية في البحر. ومن هذه المراكز حضرموت (سوسة)، عويتقة (بو شاطر). وهما بايالة تونس، ومنها هبون (بونة)، اجلجي (جيجل)، صلداي (بجاية)، وهذه بالوطن الجزائري. ومن المراكز المنسوبة لهم أيضا عوزية. ويقولون انها سور الغزلان وقد غلط اغسال القائلين بذلك مستندا الى انها في دواخل الوطن الجزائري، ولم يعرف في التاريخ بلوغ الفينيقيين الى تلك النواحي. وعليه فان صح ان عوزية هي سور الغزلان فهي من مؤسسات البربر. وان صحت نسبتها للفينيقيين لم تكن هي سور الغزلان بل مدينة أخرى على السواحل لا ندري مكانها. ويقال أن مؤسسات الفينيقيين بالساحل الليبي بلغت ثلاثمائة مركز. وهو احصاء قريب من المعقول لان السفن كثيرا ما تحتاج الى الاصلاح وسيرها بطئ. فاهلها مضطرون الى الاستراحة والاستعداد للسفر بعد السير الكثير والمسافة القليلة. وقد يؤسسون مركزا ثم، يبدوا لهم ما هو اوفق منه فينتقلون اليه. وبذلك تتقارب المراكز وتكثر. وقد تحول بعض هذه المراكز من بعد الى مدن ذات فحوص واسعة أو ضيقة. وكثير منها سقط وعفا رسمه.

стр. 123

قال اغسال: " وليس بين دفتي التاريخ ما يرشدنا الى تعيين الوقت الذي وجدت فيه تلك المؤسسات بالضبط. والظاهر انها كانت قبل انتهاء القرن الثاني عشر (ق. م) " ٣ - تأسيس قرطاجنة كانت صور (العاصمة الثانية للفينيقيين) بلغت مبلغا عظيما من العمران. وكان بها على عهد داوود وسليمان ﵉ ملك يدعى حيرام. سالَم هذا الملك الملكين النبيين، وحسَّن علاقاته معهما. وبعد وفاته تأسس بها حزب من عملة الشعب واصبح يشاغب طبقة الاعيان حتى تغلب عليهم ففروا إلى ليبية وأسسوا بها مدينة قرطاجنة. وبعد أمد قليل من تأسيسها بلغت من العظمة والقوة ان صارت تهدد صور نفسها واصبحت هي الحامية للفينيقيين بليبية وصقلية واسبانيا. وكان اليونان قد أخذوا عن الفينيقيين التمدن فانقلبوا عليهم وقادوهم في التجارة حتى اخرجوا من بحر ايجه، وهددوا مراكزهم بالمغرب فلما نأسست قرطاجنة ثأرت منهم وطردتهم من المغرب. أسست قرطاجنة على الخليج التونسي قريبا من البحر بحيث تصيب سورها أمواجه. ولحسن موقعها حازت السيادة التجارية، فأمها الفينيقيون من الشام، والبربر جيرانها الاقربون، وغيرهم من الامم، فاستبحر عمرانها وكثرت مبانيها وسكانها، واختلف في تقدير عدد السكان من (١٣٠٠٠٠) إلى (٧٠٠٠٠٠) وبلغت اوج عزها في القرن الرابع الى اواخر الثالث (ق. م) ومتوسط سكانها اذ ذاك نحو (٣٠٠٠٠٠). اصبحت قرطاجنة عاصمة الفينيقيين ومعقل عزهم وحصن سعادتهم

стр. 124

ثم كانت مقبرة عظمتهم ومدفن مجدهم بما جرته عليها حروبها مع الجمهورية الرومانية التي انتهت بتخريبها سنة (١٤٦) ق. م. يقال: ان اسم قرطاجنة بالفينيقية " قرت حدشت " ومعنى هذا العلم: القرية الحديثة. اما تاريخ تأسيسها وتعيين مؤسسها فقضية كثر حولها الخلاف واضطربت فيها الروايات، ذكر البكري: " ان الذي بنى قرطاجنة ديدون الملك زمن داوود ﵇ " (١) وعليه يكون مؤسسها رجلاً وتأسيسها في القرن الحادي عشر (ق. م) لان داوود كان بين سنتي (١٠٥٥ - ١٠١٤) وفي ابن خلدون- نقلا عن المورخ الروماني هروشيوش-: ان بناءها كان على يد ديدن بن أليثا، وانه من نسل عيصو بن اسحا. ومن المؤرخين من يقول أسسها الطبقة العليا من الفينيقيين. واكثرهم على أن التأسيس كان سنة (٨١٤) وقيل سنة (٨١٣) وقيل سنة (٨٨٠)، على أن المؤسس امرأة تدعى " عليسة ديدون "، وعليسة علمها الشخصي، وديدون وصف لها معناه الفارة. وسياقة خبرها: انها من بيت ملك وتزوجت بكاهن مشهور، ولها أخ. ولما توفي ابوهما ورثا ملكه. فعدا اخوها على زوجها وقتله طمعا في كنوزه النفيسة وامواله الطائلة. ولكن عليسة احتفظت باموال زوجها وفرت بها الى ليبية فاشترت من البربر مكان قرطاجنة وأسستها. ٤ - ممتلكات قرطاجنة بالجزائر عرفت ان الفينيقيين امة تجارية بحرية، فلم يحملها على دخول

стр. 125

المغرب الطمع في انتزاعه من يد أهله والاستبداد عليهم في وطنهم. ولذلك لم تملك منه غير السواحل اللازمة لحياة بحريتها. وأسست بها مدنا لترويج بضائعها بين الاهالي. واقامت حينا من الدهر جارة للبربر تستخدمهم في مدنها بأجور يرضونها. وتستألف امراءهم بالأموال خوفا من غاراتهم. ولما تأسست قرطاجنة اقتطع الفينيقيون من داخل الوطن البربري قطعة استوطنوها ودخل اهلها تحت طاعتهم. واطلق على هذا القسم اسم " ليبيا فينيقيا " وعرف الفينيقيون الذين به باسم البونيقيين. ومن مدن الفينيقين بالساحل الجزائري: هبون (بونة)، روسفاد (السكيكدة)، شولو (القل)، اجلجلي (جيجل)، صلداي (بجاية) روسوقورو (تاقصبت او دلس او تقزيزن)، رسجونيا (مطيفو)، اقسيوم (الجزائر)، تباسا، يول (شرشال)، صيعة (ارشقول على الظاهر). ولم يتجاوز البونيقيون السواحل الى دواخل الجزائر الا في الجهة الشرقية حيث كانت نوميديا الشرقية تحت حمايتهم- باشرف معنى الحماية- ومن مدن هذا القسم: تغاست- Thagaste (سوق اهراس) مدوروس- Madoure - (مداوروش)، تيفيست- Thèvesté -" تبسة". ولهذا القسم الداخل تحت أشراف قرطاجنة حدود تفصله عن ليبيا فينيقيا وتلك الحدود خنادق تعرف بالخنادق الفينيقية. وبلغت حماية قرطاجنة في الشمال الشرقي لنوميديا الى رأس بوقرعون "ناحية القل" وجهة ميلة. ومن المحقق ان قرطاجنة لم تدخل تبسة " بالجنوب الشرقي النوميدي" الا سنة ٢٥٠ (ق. م) ولم تبق بها الا خمسين سنة.

стр. 126

وبما ان الحماية القرطاجنية لم تكن مصحوبة باحتلال عسكري يفرض على المحتمين طاعة الحامي، ويحمل لالحاقهم بمستعمراته- استطاع النوميديون طرد البونيقيين بعد من وطنهم والتمتع بالاستقلال والتنفس في هواء غير مشوب بجراثيم السيادة الاجنبية. ولا يعلم تاريخ زوال السيادة القرطاجنية عن نوميديا بالضبط. ولكن من المحقق ان مدوروس كانت اواخر القرن الثالث (ق. م) تحت تصرف صيفاقس البربري. ومنذ سنة (١٤٩) ق. م لم تبق لقرطاجنة يد على نوميديا وجميع السواحل والشواطئ الجزائرية. ودخلت المدن الفينيقية بتلك الجهات في حوزة ملوك البربر وبقي لها اسمها الفينيقي الى ان خربت. وهذا خلاف ما نراه في عصر المدنية الغربية من تغيير دولها لاسم بعض المدن التي استولت عليها، وابداله باسم عظيم من عظمائها قد يكون لم يدخل تلك المدينة المنسوبة اليه او لم يسمع بها فضلا عن ان يعمل بها عملا يبرر نسبتها اليه. اما تسمية الانهج والشوارع بهذا الوجه من التسمية فمن المألوف الذي ينبو الذهن عند مشاهدته عن التفكير في وجه المناسبة بين الاسم والمسمى. وهكذا يفعل الذين يحبون ان يحمدوا بما لم يفعلوا. ٥ - اللغة الفينيقية وخطها سترى في الباب التالي تأثير الفينيقيين على البربر في اللغة فمن المناسب ان نقدم ههنا البحث عنها: الفينيقيون أمة سامية، فلغتهم كذلك سامية، اخت العربية والمبرانية وبما انهم تجاريون لم تكن لغتهم اهة ادب وانما كانت لغة علم.

стр. 127

ولما انتقل الفينيقيون الى ليبية دخلت لغتهم مفردات من اللغة الليبية فازدادت ثروة، ولكنها تغيرت-طبعا- عن أصلها فلقيت بالبونيقية. وقد اضمحل الفينيقيون وماتت من بعدهم لغتهم. وما بقي منها باللسان البربري دخلت عليه العربية من بعد فتعذر تمييزه. ولكون هذه الأمة تجارية يلزمها ان تتعلم الكتابة والحساب، فتعلمت عن السريانيين الحساب وأخذت عن المصريين حروف الهجاء واستعملتها في لغتها بعد ما هذبتها وقربتها للفهم. كانت الحروف المصرية فيها صعوبة من حيث ان منها ما يدل على كلمة، ومنها ما يدل على جزء كلمة، ومنها ما يدل على حرف واحد. وفيها حروف مختلفة المعنى متحدة المخرج. فازال الفينيقيون منها تلك الصعوبة وصيروها بسيطة سهلة التناول. اختار الفينيقيون من الحروف المصرية اثنين وعشرين حرفا لكل حرف مخرج. ثم قلدهم فيها الاغريق فمن بعدهم من الامم. وقسموها الى حروف هجائية واشكال للضبط. ولما دخل هذا الخط ليبية مع اصحابه ووجد امامه الخط الليبي تأثر به وتغير عن اصله فسمي الخط البونيقي. وقد ألف بهذا الخط وتلك اللغة تآليف في الفلاحة والملاحة والاسفار منها رحلة حنون الذي ارتحل حول افريقية وبلغ شواطىء غينيا ومنها رحلة عملقون الذي بلغ سواحل انكلترا، ومنها كتاب ماغون في الفلاحة الذي اخذه اليونان والرومان الى لغتهم واعتمدوه خصوصا في تنمية النباتات بافريقية. وللبونيقيين غير هذه الكتب بلغتهم وخطهم ضاعت بضياع ملكهم. ولم يبق منها الا نتف مترجمة ومبعثرة في كتب اللطينيين واكثرها ضاع

стр. 128

في حرقي قرطاجنة، فضاع بذلك على الباحث الخط البونيقي واللغة البونيقية معا. وتلك عاقبة ذهاب مميزات هذه الأمة ومشخصات وجودها. ٦ - الديانة الفينيقية كان الفينيقيون وثنيين يعبدون الشمس والقمر. الشمس يتخذون لها تمثالا يدعى "بعلا" والقمر يتخذون له تمثالا يسمونه "استارتي" أو " بعليت" (مؤنث بعل). وكانوا يقيمون لهذين الالهين تمثالين بكل مدينة من مدنهم. والشمس عندهم اله السماء والارض، يرونه غضوبا شديد الانتقام فيتوسلون لرضاه بتقريب القرابين له. وقد تكون تلك القرابين أناسي واكثر ما تكون من أبناء الملوك وسراة الامة. يحضرون القربان البشري امام التمثال ومعهم آلات الطرب يغنون عليها، ثم يلقونه في النار المقدسة التي تجعل لذلك التمثال، وقد تكون أم هذا القربان حاضرة تنظر اليه من غير جزع يلحقها. والاله يمثلونه تارة بثور، واخرى برجل، واخرى برجل رأسه رأس ثور. والقمر لديهم اله الحب والجمال، يتصرف في كل ما يحدث وما يفنى ولذلك يعبدونه تارة بالفرح واخرى بالحزن. وكانوا يمثلون القمر بصورة امرأة بيدها حمامة وعلى رأسها من شعرها صورة هلال. ولهم غير هذين الالهين آلهة اخرى ولها شبه قوي بآلهة الكلدان. وقد أخذوا عن غيرهم في الديانة. ولما نزلوا ليبية تأثروا بعقائد البربر.

стр. 129

وأخذوا الههم "عمون" وسموه بعلهمون وعبدوه حسب تقاليدهم، وصنعوا له تماثيل أخرى. ____ ـ[صورة]ـ ش٢ رسم الاله بعلهمون ____ وكانت لهم أعياد يحتفلون فيها بآلهتهم، ويقربون لها القرابين من البشر والبقر والغنم والديكة ومما يتقربون به أيضا الصيام. وإذا كان البربر أثروا على الفينيقيين في المعتقد فان هؤلاء أثروا عليهم في ذلك أيضا، وسترى ذلك في الباب التالي ان شاء الله. ونحن نرى للعامة اليوم عقائد لها اشبه ببعض عقائد البونيقيين ولكن يبعد ان تكون موروثة عنهم لقدم العهد جدا ووجود الدين الاسلامي. وانما الجهل باصول الدين يجر في كل عصر الى التمسك باوهام وخيالات

стр. 130

قد تتشابه مع تباعد الاعصار. وإذا كان مرجع الديانة الى الخيالات كانت من قبيل الشعر، والشعر- كما قيل- ميدان والشعراء فرسان فقد يقع الخاطر على الخاطر كما يقع الحافر على الحافر. ٧ - نظام الدولة القرطاجنية الدولة بنظامها الاداري والسياسي، فقوتها وضعفها وقدرتها وعجزها على حسب ذلك النظام ودرجة احاكامه واتقانه. ولم يكن للفينيقيين بفينيقيا دولة تجمع تحتها مدنهم وتتخذ من بنيها جيشا حربيا تهاجم به الضعفة او تدافع به الاعداء. بل كانت مدنهم هنالك مستقلة بعضها عن بعض يحكم تلك المدن رؤساء يعرفون بالاشفاظ (القضاة). ولما تأسست قرطاجنة قامت بها دولة عظيمة ذات دستور، ان لم يكن احسن دساتير ذلك العصر فهو من احسنها. ناهيك ان ارسطو الفيلسوف اليوناني واضع علم المنطق اعجب به واثنى عليه. وقد ادرك هذا الفيلسوف قرطاجنة في ايام عظمتها اذ كان في القرن الرابع (ق. م). لم تكن قرطاجنة شاذة عن الدول المعاصرة لها في تقسيم الأمة الى طبقتين: السراة والسوقة. بل كانت مثلها في ذلك واشتهر بها من طبقة السراة أسرتان: الماغونيون والحنونيون، ومن طبقة السوقة البرقيون. (١) شكل الحكومة: كانت حكومة قرطاجنة جمهورية على رأسها أسرتان تدير احداهما الجندية وسائر الشئون الحربية، وتقوم الاخرى بالعمل والاقتصاد وسائر وجوه العمران. وللحكومة مجلسان: احدهما مجلس القدماء او الشيوخ به (٢٨)

стр. 131

عضوا منتخبا من طرف الامة. ويشترط في عضو هذا المجلس ان يكون من الاسر الاصيلة في البونيقية. فهو متركب من الاعيان ويؤازره ارباب رؤوس الاموال واصحاب التجارة والصناعة والفلاحة. وهو مجلس ارستقراطي (١) يؤيد نفوذ الطبقة العليا من الأمة على الصعاليك منها ومتوسطي الحال. ثانيهما مجلس السوقة: يتألف من صغار الماليين تجارهم ومزارعيهم ومن العملة واصحاب الحرف، ونفوذه ضعيف. وقد يكون وجوده صوريا. فان الحكومات الارستوقراطية لا تنظر الى افراد الشعب الذين قعدت بهم قلة ذات اليد عن الظهور في مظهر النعمة والترف الا بعين الاستخفاف، ولا تراهم الا آلة مسخرة لقضاء مصالح المترفين وتوفير سعادتهم. فوجود العملة ومن في درجتهم- عندها- ليس وجودا مستقلا وانما هو تكميل لوجود الاعيان والمثرين. والى ذينك المجلسين مجلس القضاء يدعى " مجلس المائة والاربعة" وقضاته من الاشراف. ويعبر عنهم " الاشفاط "- وهي قريبة من الاسباط- وقوتهم التنفيذية مستمدة من ذينك المجلسين. (٢) - الجيش: اتخذت قرطاجنة جيشا ولكن لم تقصد به استعباد المستضعفين وترويع الآمنين والاستحواذ على ثروة اراضي الجانين على المدنية بكونهم عزلا من الصواعق المحرقة. بل كان قصدها هو حفظ حريتها التجارية. لانها امة كان شغلها ركوب متون البحار لترويج البضائع وربط الصلات بين الامم شرقا وغربا ونقل حضارات بعضها الى بعض. وقد عارضها في سبيلها تلاميذها من اليونان والرومان. وارادوا صدها عن وجهتها بالقوة العسكرية. فاضطرت الى اتخاذ

стр. 132

جيش لحماية تجارتها. فهو جيش لحفظ الحرية لا لسلبها وجبر الضعيف على الرضا بالعبودية. لم يتجاوز جيش قرطاجنة خمسين الفا اكثرها من البربر والاسبان ويمدها زيادة على ذلك ايام الحرب بجنود كثيرة امراء البربر الذين تربطهم بها معاهدات. وينقسم هذا الجيش الى ثلاثة أقسام: ١ - الجنود القرطاجنية وهم قليلون وغير حربيين. ٢ - الجنود المرتزقة: وهم من امم مختلفة. من اسبانيا مشاة، ومن الجزائر الشرقية رماة، ومن الغاليا والكورص وايطالية وصقلية. ٣ - الجنود الليبية والنوميدية. والاولون مشاة مجبورون على التجنيد. لان ليبية (١) وطنهم كانت في قبضة قرطاجنة وتحت نفوذها الفعلي. والاخيرون فرسان متطوعون. لان وطنهم نوميديا لم يكن تحت سيطرة قرطاجنة. وكلا الجندين الليبي والنوميدي صبار على الشدائد شجاع مقدام له سلاح خفيف: نبل وخنجر وترس من جلد. وليس له سيف ولا مغفر ولا درع. وهذا القسم الثالث هو الذي كون تاريخ قرطاجنة الحربي. خصوصا الجند النوميدي. فلولاه ما ذاقت قرطاجنة لذة الفوز والانتصار، ولا هدد حنبعل رومة ورام فتحها. لذلك كان للنوميديين ميزة لم تكن لبقية الجيش القرطاجني. وكانوا لا يسمحون لها بالتقصير في حقوقهم. وقد ثاروا عليها مرارا لعجزها عن أداء واجباتهم.

стр. 133

كان للجيش القرطاجني روساء وقواد من أسرة البرقيين. واشتهر منهم عدة قواد باسم هملقار. ومنهم حنبعل وصدربعل وغيرهم ممن خلدت ذكرهم حروب صقلية والحروب البونيقية. ٣ - الاسطول. كان لقرطاجنة أسطول لا تضاهيه أساطيل الدول الاخرى. والبحرية هي العمل الخاص للفينيقيين. وقد دامت لهم السيادة البحرية من غير منازع امدا طويلا. كانت سفنهم فلكا كبيرة. وفي كل جانب منها مقاذيف. وإذا ساعدهم الرياح استعانوا بالشراع. وسفنهم نوعان: تجارية وحربية. اما التجارية فحيزومها مستدير. ____ ـ[صورة]ـ ش- ٣ رسم سفينية فينيقية تجارية ____ وقد خاضوا بها قبل قرطاجنة وبعدها عباب البحر الابيض على طوله، والبحر الاسود حتى بلغوا القفقاس، والمحيط الاطلانتيكي حتى بلغوا انكلترا من جهة وأغادير من اخرى. كانوا يبعدون السير وليس لهم بوصلة لعدم اختراعها اذ ذاك. فكانوا يهتدون في سيرهم ليلا بنجمة القطب الشمالي. واكثر مسيرهم بالنهار: ولا يبعدون قن الشاطئ. فإذا أمسى المساء استكنوا بخليج. وقد ينزلون الى البر ويسحبون مراكبهم في الرمل. فإذا أصبح الصباح استأنفوا سيرهم محاذين للشاطئ.

стр. 134

وكانوا يحملون في سفراتهم الى كل أمة البضائع التي تروج بها. يستبدلونها بما لتلك الأمة من البضائع. ويتنقلون على هذه الصفة من وطن الى آخر. حتى انهم احيانا لا يرجعون الى وطنهم الا بعد سنين. وقد كان البحر الابيض المتوسط تحت نفوذ قرطاجنة. أسست على شواطئه المراسي من خليج طرابلس شرقا الى المحيط الاطلانتيقي غربا. وكان لها على هذا المحيط مراس أيضا الى قرب أغادير. واما المراكب الحربية فهي معقربة الصدر. وكان لقرطاجنة قبل استفحال امرها سفن ضعيفة من نوع السفينة ذات الخمسين مقذافا. ثم أخذت تترقى في سلم العظمة حتى بلغ اسطولها مائة سفينة. فيها من العملة أربعة وعشرون الفا غير من يحمل السلاح. وقد كانت السفن الحربية على أنواع: سفن ذات ثلاثة صفوف من المقاذيف، وذات اربعة صفوف، وذات خمسة. وهذه الانواع الثلاثة كثيرة. وهناك انواع ثلاثة أخرى قليلة الاستعمال. وهي ذوات (٦، ٧، ٩) ____ ـ[صورة]ـ ش- ٤ رسم سفينة فينيقيه حربيه ____

стр. 135

وجعلت قرطاجنة لصناعة السفن دورا يعمل فيها عملة من المحتلين والمحتمين. ٨ - العمل القرطاجني في العمران والحضارة علمت ان الفينيقيين أمة كثيرة الاسفار في البرور والبحار لكسب الثروة بالاتجار .. فلم تكن لها حضارة خاصة بها. ولكن اليها يرجع الفضل في نقل حضارات الامم بعضها الى بعض بما تروجه بينها من البضائع المختلفة. آثارهم تدل على تقليدهم للمصريين في بناء البيوت وحفر القبور. فان قبور الفينيقيين وجدت بالجبال مثل قبور قدماء المصريين. وبيوتهم مبنية بالحجارة، ولها سوار تتصل بالسقف من غير قوس، وخطوط أساساتها مستقيمة. واكثر اعمال الفينيقيين في التجارة والفلاحة وبعض الصناعات. وكانوا إذا نزلوا أرضا عرفوا فوائدها الخاصة فاعتنوا باستثمارها. وارض ليبية ارض فلاحة فاعتنوا فيها بالملاحة علاوة على التجارة والبحرية. وقد جعلت قرطاجنة في نظام دولتها اسرتين: احداهما للحرب والاخرى للعمل. وكانت أسرة العمل هي أسرة ماغون. ماغون مؤسس هذه الاسرة كان بين سنتي ٥٥٠ - ٥٠٠ (ق. م) والف كتابا حافلا في الفلاحة. تكلم فيه على الفلاحة وتربية الحيوان من خيل وبغال وبقر وحمام ودجاج ونحل وغير ذلك. ولأهمية هذا الكتاب لم تستغن عنه رومة رغم عداوتها للبونيقيين وتخريبها لقرطاجنة. فاهتم شيوخ رومة به واستدعوا له مترجمين ترجموه الى اللطينية.

стр. 136

ومن حكمهم الفلاحية: " يجب ان تكون الارض اضعف من الفلاح. لانه إذا اراد ان يقاومها فتغلبت عليه حطمته". وقد اتخذوا للدراس آلة وعمموا نشر الحبوب المعروفة بالوطن البربري وجلبوا له بذورا أخرى مثل الكتان لم تكن معروفة به من قبل. وكان بليبية (بالمعنى العام) أشجار ذات ثمار الا انها طبيعيه. فاعتنى البونيقيون بغراستها وجلبوا ضروبا أخرى من الاشجار منها النخيل والتين والزيتون والرمان والجوز واللوز والكرم. وزرعوا البقول والخضر حوالي المدن. وعصروا الزيتون والخمور وهم أول من روج الخمر بين البربر. واول من افادهم الغراسة. ازدهى الوطن على عهدهم بحقول الحبوب والخضر وجنات النخيل والاعناب وبساتين التين والزيتون وضروب الفواكه. وقد شارك في هذه الاعمال العمرانية كل الطبقات البونيقية: ارباب الاموال الواسعة يقتطعون الاراضي الشاسعة ويبنون بها القصور وليقضوا بها بعض فصول العام. وصغار الفلاحين يشتغلون بما حوالي المدن من الاراضي الصالحة فيعمرونها على نسبة مقدرتهم المالية. وسوى عناية القرطاجنيين بالفلاحة وتربية المواشي كانوا يعتنون باستخراج المعادن من حديد ونحاس ورصاص وغيرها. ويصنعون منها الآلات وضروب الزينة من حلي واقراط. وكانوا ينحتون الحجارة النفيسة. واخذوا عن المصريين صناعة الزجاج فاتقنوها وصنعوا منها الاواني الرفيعة ولونوها بالوان قوس قزح. وكانت لهم يد في الحياكة والصباغة ودباغة الجلود. وكان لهم من الصناعات الدقيقة النقش على الصخور والخشب، ونحت الدمي وغيرها من العاج والعظام. وقطروا العطور. وركبوا الادوية.

стр. 137

٩ - الحروب القرطاجنية جاورت قرطاجنة البربر واحسنت جوارهم بما كانت تنقل الى وطنهم من حضارات الامم. وما كانت تنشره بينهم من جهود ابنائها التجارية والفلاحية والصناعية وغيرها. وكان في استطاعتها ان تكون من شمال أفريقية دولة عظيمة ثابتة الاركان بسلاحي الترغيب والترهيب. كما فعل من بعدها الرومان. وكانت هي أقوى منهم واقرب. ولكن الجنس السامي- وخصوصا الفينيقيين أسمى من ان يكون سفاكا للدماء غدارا بالوعود. حاولت قرطاجنة ان تتوسع في وطن البربر. ولكن من غير اراقة دماء غزيرة. فتوسعت حيث لم تجد معارضة حربية قوية. واكتفت بربط الصلات حيث وجدت صلابة. وقد رأت من صلابة نوميديا انها لا تخضع الا بعد اهوال وحروب طوال. فلم تتعنت في فتحها نعنت الرومان من بعد. واكتفت باستجلاب مودة اهلها كي تستعين بهم عند الاقتضاء. فنظمت من فرسانهم جيشا كان له الاثر المحمود في حروبها. وليس لقرطاجنة حروب مذكورة مع البربر الا ما كان من ثورة الجند والانتصار لاعدائها الرومان. والمذكور من حروب قرطاجنة هي حروبها مع اليونان بصقلية، وحروبها من بعد مع الرومان. ولم يكن البربر بعداء عن هذه الحروب خصوصا النوميديين. بل كانوا يخوضون لججها لفائدة قرطاجنة. وقد ينقسمون الى مناصر لها ونصير لاعدائها. ونحن نقص خبر هذه الحروب بايجاز لانها لم يقع منها بالوطن

стр. 138

الجزائري الا القليل. فعلاقتها بتاريخ الجزائر من هذه الجهة من حيث وجود اليد النوميدية فيها ومن حيث ان عاقبتها مجيئ الرومان مكان قرطاجنة واستيلاؤهم على الجزائر. نقتصر في هذه الفصول على أهم حوادث تلك الحروب. وفي الباب التالي- ان شاء الله- نبسط ما كان منها بالوطن الجزائري. تعرف حروب قرطاجنة مع اليونان بحروب صقلية، وحروبها مع الرومان بالحروب البونيقية. أ - حروب صقلية (٥٣٦ - ٣٠٦) ق. م وقعت هذه الحروب بين اليونان وقرطاجنة. ودامت سنين كثيرة تتخللها هدنات قصيرة الاجل. ١ - في سنة (٥٣٦) وضعت قرطاجنة قدمها بصقلية بقصد فتحها. وارسلت اليها جنودا كثيرة بقيادة عملقرض بن ماغون. فانهزم اولئك الجنود انهزاما فادحا. وذلك حوالي سنة (٤٨٠). ولكن قرطاجنة لم تفشل من هذا الانهزام، ووالت حروبها. وفي آخر القرن الخامس فتحت نحو ثلث صقلية بقيادتي حنبل وحملقون من أسرة حنون. وختمت المعارك الاولى بعقد هدنة بين قرطاجنة ودونيس امير سرقوسة وذلك سنة (٤٠٤). ٢ - في سنة (٣٩٩) هجم دونيس على بعض مستعمرات قرطاجنة بصقلية. فارسلت اليه جيشا بحريا بقيادة حملقون. فبلغ الجيش سرقوسة. وحاصرها بحرا. واغرق سفنها، وذلك عام (٣٩٦) وفي العام التالي عاد حملقون الى صقلية بجنود كثيرة. واستولى على اكثر جزرها. وانتهى الى سرقوسة وحاصرها واصبح النصر منه على قاب قوسين، ولكن لم يساعده القدر، فأصاب المرض جنوده، ووجد

стр. 139

دونيس الفرصة متأتية. فانقض على جنود حملقوق. وهزمهم برا وبحرا. وانتهى الدور الثاني لهذه الحروب بعد اتفاق بين المتحاربين يقضي بخروج قرطاجنة من جميع جزر صقلية. اضطرت قرطاجنة الى هذا الاتفاق لما كان بوطنها من ثورات البربر التي صيرت قرطاجنة في أضيق حال. ٣ - انجلت عن قرطاجنة أزمة الثورة. فعادت الى حرب صقلية. ووجهت اليها جيشا بقيادة ماغون. فطالت الحرب بين الفريقين. وتوفي ماغون. فخلفه ابنه ماغون. ثم توفي دونيس سنة (٣٦٣) وخلفه ابنه وسميه ايضا. واخيرا ظن ماغون الثاني انه مغلوب ففر الى قرطاجنة وقتل نفسه اتقاء من تعذيب دولته له. ولا اعجب من حال من يفر من الموت الشريف وهو مظنون ويقتل نفسه بعد ما جر لدولته عارا لانهزام. وبعد ماغون في سنة (٣٤٠) وجهت قرطاجنة جنودا اخرى لصقلية بقيادتي حنبعل وهملكار. فانهزموا ايضا على كثرتهم. وتم الدور الثالث بعد اتفاق بين المتحاربين لفائدة صقلية. وذلك سنة (٣٣٨). ٤ - كان رجل يدعى أغاثوقليس من بيت وضيع. ولكنه قوي الإرادة طموح الى المعالي. فانتهز فرصة وجود هملكار بصقلية. واستعان به على ان يكون ملكا بسرقوسة. فاعانه بعد ما حلف له ايمانا على مسالمته لقرطاجنة. وانتصب ملكا بسرقوسة سنة (٣١٩). وبعد وفاة هملكار رأى أغاثوكليس أنه في حل من ايمانه. فهجم على ما تحت يد قرطاجنة بصقلية. فوجهت اليه جيشا جرارا يقوده هملكار بن جسقون. وانتصرت عليه انتصارا غزيرا. وتقدم الجيش الى سرقوسة فحاصرها. ورأى أغاثوقليس موقفه حرجا. فتخلص بنقل الحرب الى أفريقية. بعد ما حرض السرقوسيين على الثبات ودبر مكيدة ابعد بها سفن قرطاجنة عن مرسى سرقوسة وركب اسطوله

стр. 140

وتوجه الى أفريقية. شعر به الاسطول القرطاجني فتبعه. ولكن لم يدركه. قضى أغاثوقليس في سيره ستة ايام. ونزل بأفريقية. واحرق أسطوله لئلا يطمع جيشه في العودة الى صقلية. وذلك سنة (٣١٠) وهكذا سيفعل طارق بن زياد بعد عشرة قرون. بقي هملكار محاصرا لسرقوسة وفي سنة (٣٠٩) الزمه السرقوسيون برفع الحصار عن مدينتهم. وفي العام التالي حاول الاستيلاء على سرقوسة، فلم ينجح. وأسره الاغريقيون، ومات معذبا. أما أغاثوقليس فانه نجح في افريقية وخضعت له مدن كثيرة، وبلغ ابواب قرطاجنة وشدد عليها الحصار. ولما رأى أغاثوقليس انه تمكنت قدمه بأفريقية ارتحل عنها سنة (٣٠٦) الى صقلية. وترك ولده بافريقية. فتنفس القرطاجنيون وصاروا يحاصرون الاغريق في المدن التي احتلوها. فعاد أغاثوقليس. ولكن النصر لا يكون دائما حليف الفاتح. فذاق مرارة سوء الحظ في هذا العود. وعاد الى صقلية يتعثر في اذيال الخيبة. ومكن سلطته بسرقوسة. وتوفى سنة (٢٨٩). وبارتحال أغاثوقايس عن أفريقية للمرة الاولى انتهت حروب صقلية. ب - الحروب البونيقية قرطاجنة دولة بحرية لها أسطول عظيم. وأبناؤها قليلو الغناء في الحرب. فكانت تعتمد في حروبها على الاجانب. ورومة دولة برية لا اسطول لها. ولكن لها من أبنائها جيش قوي الايمان بمحبة الوطن. ولذلك كان النجاح في الحروب البونيقية للثانية على الاولى. ابتدأ النزاع بين هاتين الدولتين على البحر الابيض المتوسط.

стр. 141

وفي سنة (٣٤٨) عقدتا اتفاقا يمنع رومة من التجارة مع أفريقية، ويحدد لها في البحر حدودا لا تتجاوزها. ولما توفي أغاثوقليس بقيت صقلية في فوضى دامت عشر سنين. وطمعت قرطاجنة خلالها باعادتها اليها. فاستدعى السرقوسيون الملك بيروس ليحفظهم منها. فلبى طلبهم. ووقعت بينه وبين قرطاجنة معارك لم ينجح فيها. فماد الى ايطاليا سنة (٢٧٦). وكانت رومة تخشى بيروس. فعقدت مع قرطاجنة محالفة دفاعية تسنلزم اعانة احدى الدولتين للاخرى في أي حرب دخلت فيها. وغرضهما الاتحاد ضد بيروس. وفي سنة (٢٧٢) توفي هذا الملك. فتنفست رومة. ونقصت لديها أهمية المحالفة. رجعت صقلية الى الفوضى بعد خروج بيروس منها. وكان بها جنود مرتزقة بعضهم من عهد أغاثوقليس، وبعضهم خلفهم بها بيروس. فانقسموا أحزابا. وعين السرقوسيون منهم ييرو رئيسا عليهم. فحارب قرطاجنة سبع سنوات. وكان أعظم الاحزاب مقيما بمسينا. ولقب هذا الحزب نفسه " جنود المريخ " وهو إله الحرب. وبلغ من عظمته أن خشيته اليونان وصقلية والرومان والقرطاجنيون. وفي سنة (٢٦٨) ساءت حالة المريخيين. ورأوا لزوم خضوعهم لرومة أو لقرطاجنة. وافترقوا لذلك فرقتين. وقدمت الطائفة المتشيعة لرومة مطلبها لمجلس الشيوخ. فقبلوه واعتمدوه سببا للدخول في محاربة قرطاجنة التي لا ترضى بتسليم صقلية. فوقعت الحرب بين الدولتين. ودامت سنين كثيرة. وهي المعروفة بالحروب البونيقية.

стр. 142

ج - الحرب البونيقية الاولى (٢٦٤ - ٢٤١) للرومان رغبة شديدة في امتلاك صقلية لقربها منهم. وللقرطاجنيين حق البقاء بها لنفس تلك العلة. ويزيدون بانهم السابقون الى استعمارها، وبأنهم مهروها دماء غزيرة، وبانهم أمة بحرية. واستظهرت رومة بطلب بعض المريخيين لحمايتها. والقول الفصل في قضية الاستعمار للقوة. فدخلت الدولتان محكمة الحرب لفض هذا المشكل. ورأت رومة عجزها البحري. فسدت هذا الخلل قبل الشروع في الحرب. وشرعت في صناعة سفن على شكل سفن قرطاجنة. وتم لها في مدة شهرين صنع (١٣٠) سفينة. ابتدأت الحرب على مسينا فدخلها الرومان. وكان الامير ييرو أولا مع قرطاجنة ثم انضم للرومان سنة (٢٦٣). ثم دحرت رومة قرطاجنة في حرب جرجنتي حتى فر القائد القرطاجني وأسر بعض جيشه وبيعوا بيع العبيد. وذلك سنة (٢٦٢). وفي سنة (٢٥٦) وقعت معركة بحرية بين الاسطولين انجلت بانهزام الاسطول قرطاجني. ودخل الرومان أثر ذلك أفريقية وحاصروا قرطاجنة. فاضطر القرطاجنيون الى طلب الصلح. فاشترط الرومان عليهم شروطا رأوا الموت دونها. فشمروا عن ساعد الجد وأخرجوا الرومان من أفريقية. وفي سنة (٢٤٢ - أو- ٢٤١) خضع الجيش القرطاجني للجيش الروماني. وكان كل من المتحاربين قد سئم الحرب. ولكن الماليين القرطاجنيين كانوا أسبق إلى طلب الصلح حرصا منهم على الثروة التي يرون في استمرار الحرب ضررا لها.

стр. 143

انعقد الصلح بين المتحاربين على شروط لفائدة رومة وهي: ١ - رد الاسرى من غير فداء. ٢ - خروج قرطاجنة من صقلية. ٣ - التزامها مسالمة ييرو. ٤ - دفعها غرامة حربية عظمى. قدرها بعض المؤرخين بعشرين مليونا فرنكا. وهي بعضها معجل وبعضها مؤجل بآجال تنتهي بعشرين سنة. والقائد القرطاجني في هذه الحرب هو أملقار برقة. وهو قائد عظيم أدى لدولته خدمات جليلة. وكان رئيس حزب وطني غرضه أن تكون قرطاجنة دولة ديموقراطية (١) ذات جيش وطني يحميها من رومة. وكان الماليون الذين همهم في ملء الخزائن لا في نثر الكنائن يرون في هذا القائد الحربي ضررا على ماليتهم فابعدوه الى اسبانيا برسم فتحها في الظاهر. ففتحها وأسس بها دولة هو رئيسها. وسمى عاصمته قرطجنة الحديثة. وتوفي سنة (٢٢٨ - أو- ٢٢٠). د - الحرب البونيقية الثانية (٢١٨ - ٢٠٢) لما توفي أملقار باسبانيا ترك جيشا منظما منقادا له كل الانقياد. فورثه ابنه حنبعل في الحكم والجيش. وكان ابن سبع وعشرين سنة. حنبعل هذا رجل عظيم اعترف له اعداؤه الرومان بالدهاء الخارق للعادة. وتعجب نابليون الاول من دهائه الحربي. ومجمل القول

стр. 144

فيه أنه عالم متبصر في الامور، ذو عزيمة ثابتة ووطنية نارية، محبوب من جيشه وكلاهما واثق بالآخر. كان يحمل حقدا حارا لرومة، وينوي تجديد عز قرطاجنة. فتوسل لاثارة الحرب بينه وبين رومة بأن هجم على مدينة باسبانيا تحت حمايتها، كما أنها هجمت قبل ذلك أثناء الصلح على جزبرتي سردانيا والكورص، واتنزعتهما من قرطاجنة. وبهجوم حنبعل انقضت أيام الصلح التي دامت اثنتين وعشرين سنة استعادت فيها كلتا الدولتين قوتها. أرسلت رومة الى قرطاجنة وفدا يطلب منها تكفير تعدي حنبعل واختيار الصلح أو الحرب. فردت اليها قرطاجنة أمر الاختيار. اختارت رومة الحرب. فكان ذلك بردا وسلاما على قلب حنبعل. فاراد أن يحاربها في عقر دارها. فاختار من جنوده خمسين ألفا بين مشاة وفرسان. وقيل مائة ألف. وتوجه الى ايطاليا وكان يريد أن يموت هو أو تموت رومة. وأكثر فرسانه نوميديون. وهم معروفون بالفروسية المبهتة. حتى أن فرسان الرومان لم يستطيعوا مقابلتهم. فترجلوا عن خيولهم. وقعت بين الفريقين معارك في ميادين كان النصر فيها لحنبعل. وهلك من الرومان آلاف مؤلفة. وطالت اقامة حنبعل بايطاليا فقل جنده وخرج عنه كثير من الامم التي أخضعها أولا لطاعته. وإذ ذاك استنجد قرطاجنة فلم تنجده جريا على عادة أعيانها من حب السلم لترويج التجارة. هنالك أرسل الى أخيه صدر بعل الذي تركه باسبانيا. فاضطر صدر بعل في طريقه الى خوض معركة قضت على أجله سنة (٢٠٧).

стр. 145

بعد ذلك تحصن حنبعل بجبال كلابر من ايطاليا. وعجز الرومان عن مقاومته بها .. فنقلوا الحرب الى افريقية بتدبير سبيون. لما رأى سبيون (١) ان ينقل الحرب الى أفريقية- كما فعل من قبله أغاثوقلس- وجد نفسه في حاجة الى استمالة النوميديين. فذهب الى أفريقية. وتمكن من عقد محالفة مع صيفاقس ملك مصيصليا ضد قرطاجنة. وبذل صدر بعل ابن جسقون جهوده لابقاء صيفاقس على ولائه لقرطاجنة فلم يفلح أولا. ثم عاد سبيون الى الاندلس. وبها مصينيسا مع صدر بعل على الرومان فاستماله أيضا. وكان عدو صيفاقس. فوجد صدر بعل بذلك سبيلا الى ايغار صدر صيفاقس على الرومان. فانتزعه منم وأعاده في صف قرطاجنة. جمع سبيون لفتح افريقية جيشا يشتمل على ثلاثين ألفا. وكان مصينيسيا اقد وقعت له حروب مع صيفاقس انهزم فيها وصار متشردا بالصحراء. فلما حل سبيون بأفريقية جاءه نجدة له. وجاء صيفاقس منتصرا لصدر بعل. ووقعت بين الفريقين معركة أولى انهزم فيها سبيون مكيدة. وأظهر رغبته في الصلح. وبينما هم في المفاوضة إذ هجم سبيون على صدر بعل ومصينيسا على صيفاقس ليلا وحرقوهم بالنار وعلوهم بالسيوف. فكانت على القرطاجينيين وقيعة شنعاء وذلك سنة (٢٠٣) وخضعت إذ ذاك قرطاجنة لسبيون طالبة منه الصلح. كل ذلك وحنبعل بايطاليا. ولما بلغه ما حل بدولته عاد الى وطنه سنة (٢٠٢).
следующие страницы →