← История

История · id 123660

تاريخ الجزائر في القديم والحديث

مبارك الميلي

Полный текст (878 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وفي سنة (٣٤٨) عقدتا اتفاقا يمنع رومة من التجارة مع أفريقية، ويحدد لها في البحر حدودا لا تتجاوزها. ولما توفي أغاثوقليس بقيت صقلية في فوضى دامت عشر سنين. وطمعت قرطاجنة خلالها باعادتها اليها. فاستدعى السرقوسيون الملك بيروس ليحفظهم منها. فلبى طلبهم. ووقعت بينه وبين قرطاجنة معارك لم ينجح فيها. فماد الى ايطاليا سنة (٢٧٦). وكانت رومة تخشى بيروس. فعقدت مع قرطاجنة محالفة دفاعية تسنلزم اعانة احدى الدولتين للاخرى في أي حرب دخلت فيها. وغرضهما الاتحاد ضد بيروس. وفي سنة (٢٧٢) توفي هذا الملك. فتنفست رومة. ونقصت لديها أهمية المحالفة. رجعت صقلية الى الفوضى بعد خروج بيروس منها. وكان بها جنود مرتزقة بعضهم من عهد أغاثوقليس، وبعضهم خلفهم بها بيروس. فانقسموا أحزابا. وعين السرقوسيون منهم ييرو رئيسا عليهم. فحارب قرطاجنة سبع سنوات. وكان أعظم الاحزاب مقيما بمسينا. ولقب هذا الحزب نفسه " جنود المريخ " وهو إله الحرب. وبلغ من عظمته أن خشيته اليونان وصقلية والرومان والقرطاجنيون. وفي سنة (٢٦٨) ساءت حالة المريخيين. ورأوا لزوم خضوعهم لرومة أو لقرطاجنة. وافترقوا لذلك فرقتين. وقدمت الطائفة المتشيعة لرومة مطلبها لمجلس الشيوخ. فقبلوه واعتمدوه سببا للدخول في محاربة قرطاجنة التي لا ترضى بتسليم صقلية. فوقعت الحرب بين الدولتين. ودامت سنين كثيرة. وهي المعروفة بالحروب البونيقية.

стр. 142

ج - الحرب البونيقية الاولى (٢٦٤ - ٢٤١) للرومان رغبة شديدة في امتلاك صقلية لقربها منهم. وللقرطاجنيين حق البقاء بها لنفس تلك العلة. ويزيدون بانهم السابقون الى استعمارها، وبأنهم مهروها دماء غزيرة، وبانهم أمة بحرية. واستظهرت رومة بطلب بعض المريخيين لحمايتها. والقول الفصل في قضية الاستعمار للقوة. فدخلت الدولتان محكمة الحرب لفض هذا المشكل. ورأت رومة عجزها البحري. فسدت هذا الخلل قبل الشروع في الحرب. وشرعت في صناعة سفن على شكل سفن قرطاجنة. وتم لها في مدة شهرين صنع (١٣٠) سفينة. ابتدأت الحرب على مسينا فدخلها الرومان. وكان الامير ييرو أولا مع قرطاجنة ثم انضم للرومان سنة (٢٦٣). ثم دحرت رومة قرطاجنة في حرب جرجنتي حتى فر القائد القرطاجني وأسر بعض جيشه وبيعوا بيع العبيد. وذلك سنة (٢٦٢). وفي سنة (٢٥٦) وقعت معركة بحرية بين الاسطولين انجلت بانهزام الاسطول قرطاجني. ودخل الرومان أثر ذلك أفريقية وحاصروا قرطاجنة. فاضطر القرطاجنيون الى طلب الصلح. فاشترط الرومان عليهم شروطا رأوا الموت دونها. فشمروا عن ساعد الجد وأخرجوا الرومان من أفريقية. وفي سنة (٢٤٢ - أو- ٢٤١) خضع الجيش القرطاجني للجيش الروماني. وكان كل من المتحاربين قد سئم الحرب. ولكن الماليين القرطاجنيين كانوا أسبق إلى طلب الصلح حرصا منهم على الثروة التي يرون في استمرار الحرب ضررا لها.

стр. 143

انعقد الصلح بين المتحاربين على شروط لفائدة رومة وهي: ١ - رد الاسرى من غير فداء. ٢ - خروج قرطاجنة من صقلية. ٣ - التزامها مسالمة ييرو. ٤ - دفعها غرامة حربية عظمى. قدرها بعض المؤرخين بعشرين مليونا فرنكا. وهي بعضها معجل وبعضها مؤجل بآجال تنتهي بعشرين سنة. والقائد القرطاجني في هذه الحرب هو أملقار برقة. وهو قائد عظيم أدى لدولته خدمات جليلة. وكان رئيس حزب وطني غرضه أن تكون قرطاجنة دولة ديموقراطية (١) ذات جيش وطني يحميها من رومة. وكان الماليون الذين همهم في ملء الخزائن لا في نثر الكنائن يرون في هذا القائد الحربي ضررا على ماليتهم فابعدوه الى اسبانيا برسم فتحها في الظاهر. ففتحها وأسس بها دولة هو رئيسها. وسمى عاصمته قرطجنة الحديثة. وتوفي سنة (٢٢٨ - أو- ٢٢٠). د - الحرب البونيقية الثانية (٢١٨ - ٢٠٢) لما توفي أملقار باسبانيا ترك جيشا منظما منقادا له كل الانقياد. فورثه ابنه حنبعل في الحكم والجيش. وكان ابن سبع وعشرين سنة. حنبعل هذا رجل عظيم اعترف له اعداؤه الرومان بالدهاء الخارق للعادة. وتعجب نابليون الاول من دهائه الحربي. ومجمل القول

стр. 144

فيه أنه عالم متبصر في الامور، ذو عزيمة ثابتة ووطنية نارية، محبوب من جيشه وكلاهما واثق بالآخر. كان يحمل حقدا حارا لرومة، وينوي تجديد عز قرطاجنة. فتوسل لاثارة الحرب بينه وبين رومة بأن هجم على مدينة باسبانيا تحت حمايتها، كما أنها هجمت قبل ذلك أثناء الصلح على جزبرتي سردانيا والكورص، واتنزعتهما من قرطاجنة. وبهجوم حنبعل انقضت أيام الصلح التي دامت اثنتين وعشرين سنة استعادت فيها كلتا الدولتين قوتها. أرسلت رومة الى قرطاجنة وفدا يطلب منها تكفير تعدي حنبعل واختيار الصلح أو الحرب. فردت اليها قرطاجنة أمر الاختيار. اختارت رومة الحرب. فكان ذلك بردا وسلاما على قلب حنبعل. فاراد أن يحاربها في عقر دارها. فاختار من جنوده خمسين ألفا بين مشاة وفرسان. وقيل مائة ألف. وتوجه الى ايطاليا وكان يريد أن يموت هو أو تموت رومة. وأكثر فرسانه نوميديون. وهم معروفون بالفروسية المبهتة. حتى أن فرسان الرومان لم يستطيعوا مقابلتهم. فترجلوا عن خيولهم. وقعت بين الفريقين معارك في ميادين كان النصر فيها لحنبعل. وهلك من الرومان آلاف مؤلفة. وطالت اقامة حنبعل بايطاليا فقل جنده وخرج عنه كثير من الامم التي أخضعها أولا لطاعته. وإذ ذاك استنجد قرطاجنة فلم تنجده جريا على عادة أعيانها من حب السلم لترويج التجارة. هنالك أرسل الى أخيه صدر بعل الذي تركه باسبانيا. فاضطر صدر بعل في طريقه الى خوض معركة قضت على أجله سنة (٢٠٧).

стр. 145

بعد ذلك تحصن حنبعل بجبال كلابر من ايطاليا. وعجز الرومان عن مقاومته بها .. فنقلوا الحرب الى افريقية بتدبير سبيون. لما رأى سبيون (١) ان ينقل الحرب الى أفريقية- كما فعل من قبله أغاثوقلس- وجد نفسه في حاجة الى استمالة النوميديين. فذهب الى أفريقية. وتمكن من عقد محالفة مع صيفاقس ملك مصيصليا ضد قرطاجنة. وبذل صدر بعل ابن جسقون جهوده لابقاء صيفاقس على ولائه لقرطاجنة فلم يفلح أولا. ثم عاد سبيون الى الاندلس. وبها مصينيسا مع صدر بعل على الرومان فاستماله أيضا. وكان عدو صيفاقس. فوجد صدر بعل بذلك سبيلا الى ايغار صدر صيفاقس على الرومان. فانتزعه منم وأعاده في صف قرطاجنة. جمع سبيون لفتح افريقية جيشا يشتمل على ثلاثين ألفا. وكان مصينيسيا اقد وقعت له حروب مع صيفاقس انهزم فيها وصار متشردا بالصحراء. فلما حل سبيون بأفريقية جاءه نجدة له. وجاء صيفاقس منتصرا لصدر بعل. ووقعت بين الفريقين معركة أولى انهزم فيها سبيون مكيدة. وأظهر رغبته في الصلح. وبينما هم في المفاوضة إذ هجم سبيون على صدر بعل ومصينيسا على صيفاقس ليلا وحرقوهم بالنار وعلوهم بالسيوف. فكانت على القرطاجينيين وقيعة شنعاء وذلك سنة (٢٠٣) وخضعت إذ ذاك قرطاجنة لسبيون طالبة منه الصلح. كل ذلك وحنبعل بايطاليا. ولما بلغه ما حل بدولته عاد الى وطنه سنة (٢٠٢).

стр. 146

لما بلغ حنبعل قرطاجنة تقوت به القاوب بعد الضعف. ولم يقبل الصلح. وعاد إلى الحرب. فوقعت بينه وبين سبيون معركة زامة. مات فيها من الرومان عدد كبير. ولكن خيالة نوميديا كانوا مع سبيون فكان الغلب له. وعاد حنبعل الى قرطاجنة آيسا من ربح الحرب راضيا بالصلح. وكانت معركة زامة هذه خاتمة الحرب البونيقية الثانية، عقد المتحاربان بعدها هدنة الى ثلاثة أشهر. ثم اتفقوا سنة (٢٠١). على مواد الصلح الآتية: ١ - سراح الاسرى الررمان من غير فداء. ٢ - تسليم قرطاجنة في جميع أفيالها للرومان. ٣ - تسليمها لهم جميع سفنها إلا عشرا. ٤ - يبقى لها تحت يدها من التراب ما عدا الجزر. ٥ - تدفع لهم غرامة مالية. قدرها ابن خلدون بثلاثة آلاف قنطار من الفضة (١) وقدرها غيره من مؤرخي الافرنج بأربعة وخمسين مليونا فرنكا، وهي منجَمَة:.قال مرسيي على عشر سنوات، وقال ماليت على خمسين سنة. ٦ - تعترف بسلطنة مصينيسا على مصيليا، وقاعدته قرطة، وتتعهد بأن لا تحاربه. ٧ - لا تجند جندا إلا برخصة من رومة. ٨ - لتنفيذ هذه المواد تأخذ رومة مائة من أبناء قرطاجنة رهنا. تم الصلح على هذا الوجه. وأخذ سبيون خمسمائة سفينة أحرقها بميناء قرطاجنة. ورد عليه أربعة آلاف أسير. وعاد الى رومة ظافرا منصورا.

стр. 147

أما حنبعل فانه عاد الى قرطاجنة وهو يرجو أن يأتي يوم تقبل فيه رومة شروطا كالتي قبلتها اليوم قرطاجنة. وظهرت طلائع الفوضى بقرطاجنة. واتهم حنبعل بالتقصير في فتح رومة فحاكم عليه بالقتل. ولكنه استمال الجند وقلب النظام وأصبح هو الآمر الثاهي. وذلك سنة (١٩٥) وأخذ في رتق ما فتقته الحرب. فدرب الجنود ونشط الفلاحة. ولم يرق ذلك للرومان فبعثوا اليه بالكف عن تلك النهضة التي تعيد لقرطاجنة شبابها، وتخشى منها رومة خرابها. ولم يستمع اليهم حنبعل على كثرة الحاحهم. ولا أعياهم اعراضه عن موافقتهم عزموا على اغتياله بمساعدة أرباب الاموال التي استحوذت على قلوب أصحابها فلم تبق بها منفذا لحب الوطن. وإذ ذاك أيس حنبعل من خدمة أمته بقرطاجنة. ففر الى الشام ونزل على ملك السريان " أنطيوكيس " وأراد أن يشغل رومة ويخدم وطنه من الخارج. فطلب من ذلك الملك المدد لمحاربة رومة في المشرق. فأمده. وأخيرا أيس من أن تكون لهذه المحاولات ثمرة. فسم نفسه سنة (١٨٣). وهكذا انتهت حياة هذا البطل العظيم والقائد الكبير الذي لم يهزمه غير الخائنين من قومه عبدة المنفعة الشخصية. فمضى ولسان حاله ينشد: أنا لولا أن لي من أمتي ... خاذلا ما بت أشكو النوبا هـ - الحرب البونيقية الثالثة (١٤٩ - ١٤٦) خرجت قرطاجنة من الحرب الثانية على تلك الصفة القاضية عليها بالموت. ولكنها أمة تجارية نشيطة فتحسنت حالها وانتعشت. وكان مصينيسا يقلقها بغاراته على حدودها. وقام بها ثلاثة أحزاب: حزب مالي غرضه السلم ومداراة رومة، وحزب وطني غرضه تأييد

стр. 148

سيادة قرطاجنة بالجيش والحرب، وحزب بربري غرضه الاحتماء من رومة بالخضوع لمصينيسا. ولو قدر لهذا الحزب الاخير النجاح ما رأى الجزائريون وجوه الرومان وفخفختهم. لم يكف مصينيسا عن ازعاج قرطاجنة. فرفعت عقيرتها مرارا بالشكوى منه الى رومة التي لم يخف عليها تعدي مصينيمسا. وأخيرا خشيت رومة أن يستولي مصينيسا على قرطاجنة، ويقطع آمالها في امتلاك أفريقية. فوجهت الى أفريقية ثلاثة من الخبراء للبحث في قضية قرطاجنة مع مصينيسا وانصافها منه. فلما بلغوها ورأوا حسن حال قرطاجنة عدلوا عن انصافها خشية أن تعود الى قوتها وتحتفظ بسيادتها على وطن همهم في امتلاكه. حتى أن أحد الخبراء المدعو قاطون CATON لما عاد الى رومة حمل معه تينات طرية من شجرتها ودخل بها مجلس الشيوخ قائلا: "ان الارض التي تنبت هذه الثمرة ليس بينها وبين رومة الا مسير ثلاثة أيام، ومن كلامه أيضا: " ان رأيي ان نهدم قرطاجنة" ولم يزل يكرر هذا المعنى في خطبه. وبعد قليل أصبحت رومة تلفق أسبابا واهية لتبرير حرب قرطاجنة. أدركت قرطاجنة جور أولئك الخبراء وعرفت أنه لا ينصفها غير قوتها. فكانت للحزب الوطني فرصة لم يضيعها. إذ قام من رجاله جسقون ونظم جيشا جعله تحت امارة أريو برزان حفيد صيفاقس عدو مصينيسا. واخرج حزب مصينيسا من قرطاجنة سنة (١٥٢) فاحتج مصينيسا على ذلك أمام قرطاجنة ورومة. وأخيرا هجم على الحدود فخرج اليه صدر بعل في جيش كثير. وانتهت المعركة بفوز مصينيسا. وذلك سنة (١٥٠). بلغ خبر هذه الحرب الى رومة فاعتمدتها سببا لحرب قرطاجنة بدعوى أنها نقضت الفصل السادس من مواد الصلح السابق. وشرعت

стр. 149

في تجهيز جيوشها للدخول في الحرب البونيقية الثالثة. وما أجدرها أن تسمى حرب التين! في سنة (١٤٩) وجهت رومة جيشا الى أفريقية. ولما نزل بصقلية جاءته رسل قرطاجنة معترفين بالجناية على الصلح مع أنهم كانوا مدافعين لا هاجمين. وقدم أولئك الرسل لضباط الجيش (٣٠٠) من أعيان قومهم رهنا. ولكن الجيش سار لطيته وكان عدده ثمانين ألفا. ولما نزل بتراب قرطاجنة طلب منها- تكفيرا عن جناية نقض الصلح! - تسليم جميع المواد الحربية وآلات الصناعة. فلبت الطلب! وكان مما استلمه الجيش الروماني مائتا ألف درع، وثلاثة آلاف مقلاع، عدا المراكب وغيرها. وبعد استلام ما طلبه الجيش الروماني أولا طلب ثانيا منها أن تتخلى له عن خمسة عشر ميلا من ترابها. فطلبت تأجيل الجواب عن ذلك الى شهر. ووافقها الجيش على هذا الطلب لاعتقاده أنها عاجزة عن أي مقاومة. أثار هذا السلوك الممقوت والخداع الخبيث حمية القرطاجنيين. فهاجموا وثاروا في وجوه الذين مكنوا الرومان من قوتهم. وجمعوا عشرين ألف جندي تحت قيادة صدر بعل. وتهيأ السكان أجمعون للدفاع عن المدينة. وكان عددهم سبعمائة ألف. وخرج صدر بعل بجيشه من المدينة ليتمكن من تموينها. واستعد الباقون للحصار تحت رئاسة حفيد مصينيسا المسمي صدر بعل. ونهضوا أثناء ذلك الشهر للعمل بنشاط غريب حتى أنهم هدموا الديار ليأخذوا أخشابها ويصنعوا منها السفن وآلاتها وحلقت النساء شعورهن ليفتل منها الحبال. وعندما تم الامد جاء الجيش الروماني ليدخل المدينة فوجدها على غاية الحصانة. وتحرج موقفه. ثم فشا فيه المرض والعصيان. وكان القرطاجنيون بخلاف ذلك تزداد حرارتهم الوطنية بطول الحصار.

стр. 150

ولم يجد الرومان مساعدة من مصينيسا الذي لزم انحياد رجاء أن يستفيد من ضعف الدولتن كلتيهما. مكث القرطاجنيون في انحصار عامين. واشتد عليهم تحت رئاسة سبيون الأميلي اذ حفر خندقا أحاط بالمدينة، وأقام سدا بينها وبين المرسى، وطارد الجيش القرطاجني المقيم خارج المدينة. وبذلك انقطعت عن المحصورين مادة التموين. وذلك سنه (١٤٧). وحاول المحصورون النفوذ الى المرسى باتخاذ نفق تحت الجبل. فشعر بهم المحاصرون وردوهم إلى الحصار فاستمروا فيه متزودين بالصبر. لما حكم سبيون حصار قرطاجنة وقطع عنها المؤنة برا وبحرا عزم على فتحها. فقصد مكانا ليدخل منه على غرة من أهلها. ففطن به صدر بعل حفيد مصينيسا وصده بايقاد النيران في وجهه. وأخيرا دخل سبيون المدينة من ناحية المرسى. فشد عليه السكان شدة عنيفة. وأرسلوا عليه كل ما لديهم من مهلكات ومحرقات. ولكنه صبر لها وفتك بمن ساقه القدر اليه من شيوخ ونساء وصبية وأحرق كل ما مر به. ودامت الحال على شدتها ستة أيام بلياليها. والتجأ الممحصورون الى هضبة برسة. وهم مع ذلك لا يسلمون قدما إلا بحقها. وكثرت الأموات حتى صاروا يرمونها من طريقهم بالمذاري. وكان المحصورون بجبل برسة (١) ثلاثين ألفا. فلما أيسوا من النجاة ونفذ ما لديهم من وسائل الدفاع ومعدات الحصار أسلموا أنفسهم- ومعهم صدر بعل- لسبيون على أن يحفظ لهم أرواحهم. وكانت زوج صدر بعل أقوى منه جأشا فربأت بنفسها عن أن تحتمل

стр. 151

منة سبيون. فأوقدت النار بمعبدهم وألقت نفسها فيها. وفعل فعلها ألف قرطاجني. وذلك سنة (١٤٦). وانتهت الحروب البونيقية بفتح قرطاجنة التي خلد البونيقيون بدفاعهم عنها لانفسهم كل الفخر والشرف وللرومان الغادرين كل خزي وعار. وانه لفتح فتح على الجزائريين كل النوائب والمصائب وسد عليهم طريق الاحسان السامي فلم يروه إلا بعد ثمانية قرون عندما جاءهم العرب اخوان الفينيقيين يحملون لهم دينا فطريا وأحكاما عادلة وحضارة طاهرة. عندما تم فضح قرطاجنة احتفلت رومة بآلهتها وقربت لها القرابين. ثم وجهت عشرة من أعيانها لينظروا مع سبيون في مصير قرطاجنة. فحملتهم الكراهية والبغضاء لمؤسسيها رجال العمران على اختيار هدمها وتخريبها ففعلوا وبئس ما صنعوا. ولعنوا مكانها. وأخذوا من تراب حكومة قرطاجنة قطعة ضيقة أضافوها الى مستعمراتهم وأطلقوا عليها اسم " مملكة الومان في أفريقية " وجعلوا لها واليا مقره عوتيقة.

стр. 152

الباب الرابع في ذكر البربر على عهد قرطاجنة وجمهورية رومة

стр. 153

١ - علاقات البربر مع القرطاجنيين ليس لقرطاجنة مطامع استعمارية- بالمعنى العصري- في بربر الجزائر. فلم تكن تخدعهم بالوعود الكاذبة أو تمنيهم الاماني الباطلة. فتتظاهر- وهي تسر حسوا في ارتغاء- بأنها جاءت لخيرهم، وانها تحكمهم ريثما يصيرون قادرين على ادارة شؤونهم، رشداء في تصرفهم، ثم تقلع عنهم، وتنفض يدها من التحكم عليهم متى بلغوا تلك الغاية. وقد عاب على قرطاجنة هذا الخلق السامي ستيفان اغسال ونقل كلامه بيروني. وهاك ترجمته: رومة ملكت أوطانا شاسعة ومع ذلك عرفت كيف تحفط سيادتها: فالمكان الذي تنتصر فيه تحصنه بالجنود، وتمني المحكومين بأنها تدعهم وشأنهم متى رشدوا. وقرطانجة بعكس ذلك: متى ملكت ناحية لم تحصن مركزها فيها، ولم تعد أهلها بالاقلاع عنهم يوما ما. الى أن قال: فلو شاءت قرطاجنة ان تكون من أفريقية دولة ثابتة لسهل الامر عليها. ولكنها فرطت في الاستثمار والاستغلال. وان عيب على قرطاجنة تفريطها في استغلال البربر فإنما يعيب عليها ذلك أهل المطامع الاستعمارية. اما من لم تدنس عقولهم تلك المطامع فإنهم لا يرون عيبا على قرطاجنة ان لم تكن ذات خداع سياسي. بل يعترفوق بفضل أعمالها العمرانية وما أحسنت به الى بربر الجزائر من جلب البضائع لوطنهم وتعليمهم الحرف والصنائع.

стр. 154

وقد كانت تستميل الرؤساء والامراء بالاموال وتتقرب اليهم بالمصاهرة، لا لأن تخدعهم في استقلالهم بل ليكفوا عنها هجومات قومهم ورعاياهم أو تستعين بهم في حروبها. أملقار برقة أعظم قواد قرطاجنة وعد نارفاس من رؤساء البربر بابنته لاعانته له على اخماد ثورة المرتزقة، وحنبعل الشهير كانت له ابنة أخ تزوجت من اصالساس بن نارفاس، وصفر نيسب الشهيرة بنت صدر بعل كانت تحت صيفاقس، ومصينيسا كانت له بنت تزوجت باحد سراة قرطاجنة وكان منها صدر بعل حامل راية الدفاع عن المحصورين بقرطاجنة. وكان لقرطاجنة منذ أواخر القرن الخامس (ق. م) جنود مرتزقة من نوميديا وموريطانيا. والنوميديون هم الذين أعانوا حنبعل بأوربا. وإليهم يرجع الفضل في انتصاراته الكثيرة الباهرة. وكانت بين قرطاجنة وبعض أمراء البربر بالوطن الجزائري معاهدات تقضي بإعانة أولئك الامراء لقرطاجنة أيام الحرب. فانت ترى أن بين قرطاجنة وبربر الجزائر روابط بالمصاهرة والمعاهدة، واختلاط في الجندية. ٢ - الحضارة القرطاجنية بالجزائر كان البربر قد اجتازوا العصر الحجري وعرفوا الزراعة قبل تأسيس قرطانجه. ولكنهم استفادوا من القرطاجنيين فوائد كثيرة وجليلة بحيث يصدق عليهم أنهم تلاميذهم في العمران والحضارة. كان شجر الكروم والزيتون بأرض البربر من النباتات الطبيعية ولم يهتدوا الى وجه استثماره. فلما جاورهم القرطاجنيون أخذوا

стр. 155

عنهم صناعة عصر العنب للخمر وحب الزيتون للزيت. وكانوا قد عرفوا الفلاحة. فاستفادوا من القرطاجنيين ضروبا أخر من البذور لم تكن بوطنهم، وأخذوا عنهم أيضا آلة لدرس الحبوب. ولم تكن للبربر دراية بالغراسة. فاستفادوا من القرطاجنيين غراسة الاشجار على اختلافها. وتعلموا منهم تربية الحيوانات. وعرفوا منهم المعادن فاستخرجوها. من ذلك النحاس. استخرجوه قبل الفتح الروماني. ويظن بعض الباحثين أن ذلك كان بناحية تنس. وتعلموا منهم صنع الرصاص والحلي ونحت الحجارة النفيسة. ولم ترج صناعة الحديد بين البربر إلا على يد القرطاجنيين (١). وتعلموا منهم صناعة الاواني المطلية وفنهم في البناء. فكانوا يبنون القباب على شكل الاهرام. وعرفوا الفن الاغريقي أيضا في البناء. ولكن بواسطة القرطاجنيين. وقد عثر الباحثون في الوطن الجزائري على اطلال من بناءات البربر حكوا فيها الفن الفينيقي. وكثيرا ما يجدون أطلالا مركبة من الفنين الفينيقي والاغريقي. وليس لقرطاجنة من حيث أنها حكومة يد في انتشار هذه الحضارة لأنها كانت في نواح لم تكن لقرطاجنة عليها سلطة. وانما كان انتشارها ناشئا عن أسباب مرجعها الى ما كان بين الامتين من الروابط. وهاك أهمها: ١ - المدن البونيقية: ذلك أن البربر كانوا يقصدون تلك المدن

стр. 156

يشترون منها بضائع بونيقية ويشاهدون بها حضارة بونيقية. فينقلونها داخل وطنهم باختيارهم. وما أسرع البربري الى الاخذ بالجميل إذا لم يكن مبغضا لأهله. ٢ - الجنود المرتزقة: ذلك أن قرطاجنة كان لها من البربر جنود مرتزقة. وهؤلاء الجنود يختلطون بالبونيقيين ويتأثرون بحضارتهم. فبعد أن يقضوا بينهم زمنا يعودون إلى أوطانهم ناشرين لتلك الحضارة. ٣ - أمراء البربر: ذلك أن الكثير من أمراء البربر ولوعا بترقية وطنهم. فكانوا يقتبسون من جيرانهم البونيقيين ما يبلغون به أمنيتهم. فيأخذون من مدنيتهم وحضارتهم أمثلة صالحة ينشرونها بين رعاياهم بهمة وعناية، ويسيون بها في مساكنهم واداراتهم شوطا بعيدا. والناس- كما قيل- على دين ملوكهم. ولكون البربر هم الذين جلبوا الى وطنهم الحضارة القرطاجنية ونشروها بينهم باختيارهم لم تسقط هذه الحضارة بسقوط قرطاجنة بل عاشت في العصر الروماني، ولم يضرها جوار الحضارة الرومانية. قال بيروني: بدلا من أن يقضي الرومان على حضارة قرطاجنة نشروها ومدوا في عمرها، مع عدم المناسبة بين الفينيقيين والرومان أصلا وحضارة. ولكن طول مكث الفينيقيين بأفريقية غرس حضارتهم في نفوس البربر غرسا لا يزول بزوال ملكها. حتى أن الرومان لما صاروا يملكون وينشرون حضارتهم لم يفهم ذلك البربر إلا أنها حضارة قرطاجنية. ولم يزل ذلك من أفكارهم إلا الفتح العربي. فكان عمر هذه الحضارة (١٧) قرنا. هذا كلام بيروني سقناه لما فيه من الشهادات العادلة. وفيه

стр. 157

سبب لانتشار حضارة قرطاجنة بين البربر وطول أمدها غير الاسباب التي قدمنا. ولكن ما قدمناه هي الاسباب الحقيقية أما طول المكث وحده فغير كاف. وسنرى ان طول مكث الرومان لم يتسبب عنه بقاء حضارتهم بعد ذهاب سيادتهم، ولم ينتج عنه انتشارها حتى أيام سيطرتهم. بل في كلام بيروني هذا ما يغني في رد ما جعله سببا لبقاء حضارة قرطاجنة عن انتظار ما يأتي في آخر الباب التالي. ٣ - تأثير قرطاجنة على البربر في الخط واللغة كانت للبربر حروف هجائية كما كانت لهم لغة. ولكنها لم تكن لغة آداب وعلم. فلما خالطوا الفينيقيين تأثروا بلغتهم ومالوا الى خطهم. حتى صاروا بقرطبة لا يتكلمون بغير الفينيقية. وأصبحت هي اللغة الرسمية بدواوين الحكومة على عهد مصينيسا فمن بعده من الملوك. وظهر ذلك على نقودهم الدولية التي عاشت بعيش دولتهم الى أواسط القرن الاول للميلاد. وعلى أيدي الملوك والامراء انتشرت هذه اللغة بين العامه خصوصا في الجهات التي تجاور مملكة قرطاجنة. ولم تزل حية بنواحي قالمة وبونة إلى أيام القديس أغسطين. غير أنها لم تكن إذ ذاك لغة مدرسية، والبلغاء يترفعون عنها ويتظاهرون بجهلها، وانما هي لغة البوادي الذين كانوا يجهلون اللغة اللطينية الى ذلك العهد. فكان الرومان يحتاجون في ذلك الحين الى مترجم عارف بالفينيقية عندما يضطرون الى مخاطبة البداة من البربر. وقد وجدت كتابات بقالمة ونواحيها وقسنطينة وميلة على قبور بهذه اللغة. ويرجع تاريخ هذه الكتابات الى ما بعد سقوط قرطانجة.

стр. 158

ومن اللغة الاعلام. وقد اتخذ البربر لبعض مدنهم أعلاما فينيقية. ومن ملوك نوميديا من سمي أبناءه باعلام فينيقية. فقد كان لمصينيسيا ابن يدعى منستبعل وابن آخر يدعى آذر بعل. واقتفت السوقة أثر الملوك في ذلك قرونا. ويوجد بجهات سطيف وجبل أوراس وسور الغزلان كتابات بحروف لطينية لاعلام فينيقية. منها نمفامو، صدر بعل، بريق بعل، بو ملكار، مع أن هذه الجهاث لم تدخلها قرطاجنة قط. فأنت ترى أن اللغه الفينيقية عاشت بالجزائر بعد قرطاجنة قرونا، ولم تقض عليها أو تذهب بأغلبيتها لغة الامم التي جاءت بعد القرطاجنيين، الى أن جاء العرب فقضت لغتهم على هذه اللغة. قال يبروني: اتفق المؤرخون على أنه لا يمكن معرفة ما بقي من آثار هذه اللغة لانها لغة سامية وقد دخلت عليها أختها العربية وحلت محلها. هذا وان انتشار الفينيقية بتلك الدرجة ودوام عمرها قرونا لا يفيدان أن اللسان البربري حفظها كما هي. بل لا بد أن تكون قد تغيرت وامتزجت بالبربرية. وهذا وجه آخر عندي لعدم امكان معرفة ما بقي من آثارها. ٤ - تأثير قرطاجنة على البربر في العقيدة كانت للبربر ديانتهم التي لا تختلف عن ديانات الامم القديمة الوثنية الا من حيث تفاصيل العبادات وتماثيل المعبودات وأسماؤها التي هي من توابع اللغات. ولما جاورهم القرطاجنيون تأثروا بهم في عقيدهم وقلدوهم في

стр. 159

كثير من طرائق عبادتهم وغيروا بعض ما ورثوه عن أسلافهم بما شاهدوه عند جيراهم. عبد الفينيقيون إله البربر "أمون" لكن حسب تقاليدهم وبعد تسميته "بعلهمون" وبعد صنع تماتيل له غير تمثالي التيس والكبش. فقلدهم البربر في تلك التماثيل أيضا وشادوا- اجلالا لبعلهمون- تماثيل بقرطة وميلة وقالمة. وعبدوا من آلهة الفينيقيين " استارتي" و"جليست ". ومن الآلهة التي بقي اسمها الى ما بعد الاستيلاء الروماني "بليدير " ومعناه الرب العظيم. وكان معبودا بسيقوس وجوار قالمه. قال اغسال: " وثم آلهة فينيقية تحت حجاب اللغة الفينيقية ". ولم تزل ديانة الفينببقيين التي أدمجها البربر مع ديانتهم حتى جاءت وثنية الرومان فتعاشر الثلاث ثم ظهر الدين المسيحي فتدثر به جانب من البربر مستبطنا لوثنيته الملفقة من الوثنيات الثلاث وبقي أكثرهم وثنيا صريحا حتى جاء الدين الاسلامي على ايدي فاتحي أفريقية من العرب فقضى على الجميع. على أنه لم تزل الى اليوم عوائد متخذة عقائد لا تتفق مع روح الدين الاسلامي، ويبعد أن تكون من بقايا الوثنية الاولى، فان الاسلام قد تمكن من قلوب البربر حتى ان تلك العقائد الفاسدة إنما عاشت بينهم لاحتمائها بالاسلام وتسترها بجداره، فلو وجد من العلماء المخلصين لدينيهم وقومهم عدد كاف لحمل العامة على الثقة بما يقولون، وأخذوا في رفع الستار عن فساد تلك العقائد لنفض مسلموا اليوم أيديهم منها، ولكن ما لم يكن اليوم فعسى أن يوجد غدا. ان رحمة الله قريب من المحسنين. وقد اتضح لك من هذا الفصل وما قبله ان القرطاجنيين أثروا في البربر تأثيرا بعيد الاثر، لا يحوي تاريخهم نظيرا له إلا ما كان

стр. 160

من تأثير العرب في العصر الاسلامي. وسر ذلك ان البربر يأنفون من يعبث باستقلالهم ويتذرع الى ذلك بوسائل الخداع السياسي والنفاق الاستعماري. وإذا أنفوا من أمة هذه خلالها رفضوا مدنيتها وهجروا أخلاقها وعقائدها. والفينيقيون كالعرب من الجنس السامي جنس الصراحة الصادقة والكلمة الثابتة. فلذلك أثروا في البربر ذلك التأثير ونفذوا الى قلوبهم فغيروا من أخلاقهم وعوائدهم ولغتهم وعقائدهم. ٥ - نشوء الممالك البربرية العظمى إذا ألقى المرء نظرة على خريطة الجزائر الطبيعية ألفاها ذات أقسام مختلفة: جبال وهضاب وحقول وصحار. ولاهل كل قسم من هذه الاقسام طبائع وعادات يختلف بعضها عن بعض تبعا لاختلاف الامكنة. ولكنهم لم يكونوا من الاختلاف بحيث لا يتعارفون ولا يتحاملون. فقد كان بالوطن الجزائري طرق تخترقه وتربط بين هاتيك الاقسام، وتسهل المواصلة بين السكان. ففي كل عام ينتقل أهل الصحراء بمواشيهم الى التل- كما هي الحالة اليوم- وتقع المعاملة بين الفريقين: يأخذ التلي الصوف والتمر، والصحراوي الحبوب. وبذلك تكونت علاقات بين الشعوب الجزائرية منذ أقدم العصور التاريخية، وتأسست منهم ممالك كبرى ذات نظام وعمران وحضارة. صيفاقس من ملوك البربر استطاع أن يجند (٦٠) ألفا لمحاربة سبيون الأفريقي، ويوبا الاول جمع لحرب قيصر (٣٠) ألفا راجلا و (٢٠) ألفا فارسا. وفي القرن الثاني (ق. م) كان مصينيسا

стр. 161

ومصيبسا ويوغورطا ملوكا على ما بين طرابلس ومراكش، وقد يمتد حكم بعضهم الى المحيط الاطلانتيقي. وقد بلغ من عظمة ملوك البربر أن كانوا احدى العوامل في سقوط قرطاجنة، وغصت بهم رومة رغم اتساع بلعومها لكثير من الاوطان. وقد كان هؤلاء الملوك يحبون الاستبداد بالسلطة والاستقلال بالإرادة والادارة، لذلك أسلموا قرطاجنة للسقوط وقاوموا رومة حينا من الدهر. ولملوك البربر نواب في مختلف الجهات يسمون ملوكا أيضا. ويرسلون للمدن عمالا. ومن المدن ما منحوها الاستقلال، ونظمت حسب نظام المدن القرطاجنية، وكان لها قضاة كقضاة مدن قرطاجنة الذين يعرفون بالاشفاط SUFFETE. ومنحت تلك المدن حق ضرب النقود، فكتبت عليها باللسان الفينيقي. والحكومات البربرية وراثية محصورة في بيوت منهم سواء في ذلك الملوك ونوابهم. وقد كان بقرطة تجار وعملة من الاغريق والايطاليين. وكان نطاق العمران متسعا. ولكن شمال قرطة كان أوفر حظا. فكانت المدن بتلك الناحية كثيرة عامرة. وتوجد مدن عامرة أيضا وهي في الجنوب منها تفيست، وقد بلغ من عمرانها وكثرة سكانها أنها في سنة (٢٥٠) ق. م تمكنت من اعطاء ثلاثين ألفا من رجالها رهنا على الطاعة لقائد قرطاجني. وانتشرت الفلاحة على يد مصينيسا. وكثيرا ما مون ملوك نوميديا جنود الرومان بالقمح والشعير في حروبهم بالمشرق أو باسبانيا أو بجزيرة دانيا.

стр. 162

ولم تزل الجزائر من ذلك الحين صالحة للفلاحة وتربية الحيوانات التي تكلم عليها سالوست. والعمارة الفلاحية كانت تمتد الى حد الجزائر الغربي. وكانت مصيصيليا أغنى من مصيليا رجالا ونتائج أرض. وكان البربر يفتخرون بكثرة النسل. قال اغسال: " ويرون أفريقية أكثر من غيرها في ولادة التوأم " ومراده بأفريقية ما يشمل الجزائر. ولم يزل هذا الخلق الى اليوم بزواوة. قال أبو يعلى الزواوي: ومن عادات زواوة أنهم " يقلدون المرأة التي أَذْكَرَتْ نوعا من الحلي خاصا بالجبهة " (١). وبتقدم العمران تقدمت الحضارة. قال اغسال: "ولم يكن جميع من تحت هؤلاء الملوك متوحشين؛ فقد شيدت المباني العجيبة من منازل وصوامع وقصور وقباب ومعابد. كل ذلك على نمط الفن الفينيقي أو الفن الأفريقي المركب من الفنين الفينيقي والاغريقي. ٦ - ذكر بعض رؤساء البربر لم تظهر بالوطن البربري دول عظام وملوك فخام إلا عندما أخذ الطمع الاشعبي يدفع رومة لامتلاك وطنهم، واصطدمت بقرطاجنة. فحينما دب الهرم في دولة قرطاجنة ونخرت أعظمها من حروب اليونان والرومان أراد البربر أن يحفظوا استقلالهم فكان منهم ملوك سنرى أخبارهم فيما يلي هذا الفصل. واستغناء البربر أولا عن تأسيس دولة ثم التجاؤهم ثانيا يظهر سره فيما أجاب به النعمان بن المنذر كسرى وقد عاب أمامه العرب

стр. 163

بعيون منها عدم انقيادهم لرجل يسوسهم. وهذا جوابه: " وأما تركهم الانقياد لرجل يسوسهم ويجمعهم فانما يفعل ذلك من يفعله من الامم إذا آنست من نفسها ضعفا وتخوفت نهوض عدوها اليها بالزحف ". حقا حفط البربر استقلالهم بتأسيس تلك الممالك مدة. وقد كانوا ينجحون في اقصاء عدوهم لولا انقسامهم على رؤساء وامراء كل يحارب الآخر. ولا أضر على الامم من الحروب الداخلية والتهالك على الرياسه. قبل ظهور الملوك العظام كان لعشائر البربر رؤساء هم نواة الملك الذي عظم من بعدهم. ونحن نذكر من أولئك الرؤساء ما اهتدينا الى خبره، ثم نقفي بذكر الملوك العظام الذين قلما تجود بهم الايام. ١ - مطوس: كان زعيم العساكر المرتزقة التي ثارت على قرطاجنة سنة ٢٣٨ (ق. م). وذلك أن قرطاجنة كان لها من العساكر المرتزقة عشرون ألفا عجزت عن أداء أرزاقها بعد خروجها من الحرب البونيقية الاولى على ذلك الوجه المضر بها. فلم تعذرها تلك العساكر وثارت مطالبة بأرزاقها. فمنحت كل واحد دينارا (صرفه مجهول) فلم يرضهم ذلك. فوجهت لهم ضابطا يدعى حنون فعجز عن مقاومتهم. ثم عينت لكسر شوكتهم أملقار القائد العظيم (١).

стр. 164

٢ - نارفاس كان ملكا بمصيليا. ولما اشتدت ثورة العساكر المرتزقة وحاصروا عدة مدت منها بنزرت وعين أملقار لحربهم رأى أنه لا يقوى عليهم إلا بمساعدة نارفاس. فاستماله ووعده بابنته. فاعانه وتمكن بذلك أملقار من محاربة الثوار. أخمد أولا ثورتهم فجددوها وبلغوا أن حاصروا قرطاجنة. فتمكن لأملقار أن يدافع طائفة منهم حتى حصرها بين جبلين. ولما ضعفت استأمنت له لكنه استأصلها عن آخرها. وبقي مطوس بمن معه محاصرا لقرطاجنة. فضاعف القرطاجنيون قوتهم حتى غلبوا مطوس وجنده. ٣ - غولة: هو ابن نارفاس خلف أباه على ملك مصيليا. وكانت عاصمته قرطة. فجري على سياسة والده من مصادقة قرطاجنة الى أن توفي سنة (٢٠٦) ق. م. ٤ - اصالساس: هو ابن نارفاس أيضا. خلف أخاه على ملكه في عاصمته. وكان معه مصينيسا بصفة أمير. وبعد قليل توفي وترك ولدين هما: قولوسا، لكومسيس. ٥ - قولوسا: كان هو الاكبر سنا فانتصب مكان أبيه حسب نظامهم في ارث العرش. وثار عليه ثائر من الاسرة المالكة. لكنه - حسب القانون الوراثي- لاحق له في الولاية. ويدعى هذا الثائر مزوطيل. نشبت الحرب بين الملك والثائر وجموعهما. وانتهت بهلاك قولوسا. ٦ - لكومسيس: بعد أن فاز مزوطيل تنازل عن الملك لمن له الحق فيه وهو لكومسيس. وانتصب وكيلا عنه وكافلا له. فكان تنازله اسميا. وفي الواقع هو الملك. كان من الواجب على قرطاجنة ان تتداخل في هذه الثورة لفائدة من له الحق في الولاية. لكنها وقفت موقف المتفرج. وكان مصينيسا

стр. 165

ابن غولة بالاندلس مع القرطاجنيين في حرب الرومان. فلما بلغه خبر مزوطيل واعراض قرطاجنة عن ثورته خرج من الاندلس مغاضبا للقرطاجنيين ومحالفا للرومان. قصد مصيليا ليطرد من عرشها مزوطيل ويتسلم هو مقاليد الحكم. فمر بمصيصيليا مملكة عدوه صيفاقس في شرذمة من الجند. وبلغه أن مزوطيل ذاهب لزيارة صيفاقس. فكمن له في بعض السبل وانقض عليه وعلى من معه. وتقاتلا حينا وحكمت المعركة لمصينيسا. ففر مزوطيل بمن بقي من جنده. واستقر مصينيسا بعرش آبائه ملوك مصيليا. ٧ - صيفاقس (٢٣٠ - ٢٠٢) ق. م صيفاقس من أعظم ملوك البربر. كان ملكا على مصيصيليا. وعاصمته صيغة، كان هذا الملك معاصرا لغولة. ومن أخلاق ملوك البربر التنافس والتخاذل والاستعانة بالاجنبي. ولولا ذلك لكان الوطن البربري أمنع على مريد اغتصابه من عقاب الجو. ولهذا السبب كان هذان الملكان مختلفين: غولة حليف للقرطاجنبين، وصيفاقس حليف للرومان. وفي سنة (٢١٣) أرسل اليه الرومان ضباطا يعلمون جنوده. وسار صيفاقس ضد غولة. فوقعت الحرب بينهما. وكان رئيس جيش غولة هو ابنه مصينيسا. وعمره إذ ذاك سبع عشرة سنة. فائتمر مصينيسا وأخرج صيفاقس من عاصمته صيغة. فذهب الى موريطانيا الغربية وجمع من أهلها جيشا ساقه لحرب مصينيسا. فعادت عليه الكرة أيضا. وذلك سنة (٢١٢). بعد انتصار مصينيسا صارت مملكة غولة تمتد الى ملوشات

стр. 166

غربا. فكان بذلك ملكا على مصيليا ومصيصيليا. وكان صدر بعل القرطاجني بالاندلس فجاء مددا لمصينيسا على صيفاقس. وبعد الانتصار عاد اليها بجيوش كثيرة تحت قيادة مصينيسا. ولما توفي غولة واعقبته ثورة مزوطيل ولم تتداخل فيها قرطاجنة غضب مصينيسا وخالف قرطاجنة وحالف رومة. كانت قرطاجنة تخطب ود صيفاقس وهو معرض عنها. ولعل تغافلها عن ثورة مزوطيل التي فيها فائدة صيفاقس كان بقصد استمالته. ولكنها خسرت بهذه السياسة صداقة مصينيسا. وإذ كان مصينيسا مع الرومان خالفهم القرطاجنيون الى استمالة صيفاقس. فكانت عليهم هذه المرة سهلة. وكان لصدر بعل بنت شهيرة تدعى "صفو نيسب" وعد بها مصينيسا فلما أيس من مناصرته عدل عن مصاهرته وزوجها من صيفاقس عدو مصينيسا. اتخذ القائد القرطاجني هذه الوسيلة شفيعا له في صداقة صيفاقس فنجح. وكيف لا ينجح بمثل هذه الشفاعة التي يقول فيها الفرزدق: لَيْسَ الشَّفِيعُ الَّذِي يَأْتِيكَ مُتَّزِراً ... مِثْلَ الشَّفِيعِ الَّذِي يَأْتِيكَ عُرْيَانَا صدق صيفاقس في صداقته لقرطاجنة. وابتدأ عمله بمحاربة مصينيسا الذي اتنصب بقرطة ملكا على مصيليا. فانتصر عليه وانتزع منه أغلب مملكته. ففر مصينيسا واعتصم ببعض الجبال. وذلك سنة (٢٠٥) ومن معتصمه صار يغير على تراب قرطاجنة فأقلقها. وإذ ذاك رغبت من صيفاقس أن ينهي قضية مصينيسا انهاء حاسما. فلباها وأرسل جيشا تحت قيادة بوكار. فشد الخناق على مصينيسا وفتك

стр. 167

برجاله ولحقته هو جراحات عميقة أعجزته عن أي مقاومة. فرمى بنفسه في واد ونجا الى الضفة الاخرى. وذلك ناحية قليبية من التراب التونسي. بعد هذه الخيبة آوى الى مغارة بسفح جبل ريثما يلتئم جرحه، ويستعيد قواه. وذاع أنه توفي. ولكنه كان يسعى سرا في جمع الجنود. وبعد استراحته ظهر لاهل مصيليا. فسرتهم رؤيته وابتهجوا بوجوده، فانجدوه. وبعد قليل جمع (٦٠٠٠) من المشاة و (٤١٠٠) من الفرسان. ولم يكن صيفاقس بغافل عنه فجمع جموعه الكثيرة وقسمها جيشين أحدهما برئاسته والآخر بقيادة ابنه فرمينة. وكان مصينيسا بالجبال التي بين قرطة وهبون. فقصده صيفاقس. واصطدمت الجيوش وحمي وطيس الحرب. وأسفرت عن نجاح صيفاقس وهزيمة مصينيسا. ففر الى بلاد السرت الاصغر (قابس). إذ ذاك استقل صيفاقس بملك مصيليا ومصيصيليا بعدما كان استقل بهما غولة. وهكذا المدنيا اقبال وادبار. اتسع نطاق مملكة صيفاقس فاتخذ قرطة عاصمته سنة (٢٠٤) وبينما هو متمتع بملكه العريض ومصينيسا شريد في الجبال والفيافي إذ نزل سبيون الأفريقي بجموعه في أفريقية، فلاح بذلك بارق الامل لمصينيسا. وجاء بمن كان في صحبته نجدة لسبيون. هنالك أرسل صدر بعل بن جسقون الى صهره وحليفه صيفاقس فجاءه بستين ألفا مقاتلا ونزل في مركز خاص ولم يختلط بصدر بعل. نشبت الحرب بين القرطاجنيين والرومان. فأظهر سبيون الانهزام مكيدة وخاطب محاربيه في الصلح. وبينما هم يتفاوضون إذا بسبيون دخل بين الجيشين المتحالفين وحال دون اتصالهما بعضهما ببعض.

стр. 168

وفي الليل هجم هو مع قومه على صدر بعل، ومصينيسا في رهطه على صيفاقس. وأحرقا عساكر العدو بالنيران ومن بقي عن النار ألحقته السيوف. فكانت على القرطاجنيين وأنصارهم وقيعة كبرى وذلك سنة (٢٠٣). شجع هذا الانتصار سبيون على فتح قرطاجنة. ولكن لم يرد أن يورط نفسه فيه قبل استئصال أنصارها من البربر. فجهز جيشا لحرب صيفاقس بقيادة مصينيسا. فالتقى الملكان البربريان بجموعهما. فكبا بصيفاقص جواده في المعركة فأخذه مصينيسا أسيرا. وذهب به الى قرطة واحتال لدخولها فدخلها. وأتى صفو نيسب وأراد التزوج بها. فلم يرق ذلك لسبيون خشية أن تستميله عنه الى قومها. ولكنها أنهت الخلاف بينهما بقتل نفسها! وبعث بصيفاقس الى رومة. ومات بها سجينا سنة (٢٠١) وهكذا ختمت سعادته بالسيادة (١) وبسطته في السلطة. فمات سجينا بعيدا عن الاهل والولد. وذلك مآل سياسته في منافسته لابن وطنه، واستعانته عليه بالرومان أولا. ويسرني- وأيم الله- أن تكون هذه عاقبة كل من سعى في جلب الاجنبي الى وطنه ليتقوى به على منافسه من أبناء جنسه. ____ ـ[صورة]ـ (ش - ٥) نقود صيفاقس. وعليها رسمه وكلمة صيفاقص ملك

стр. 169

٨ - فرمينة (٢٠١ - ١٥٨) فرمينة هو ابن صيفاقس. قسمت رومة مملكة والده بينه وبين مصينيسا. وأعطته هو مصيصيليا مملكة والده الاصلية. فرمينة ابن عدو الرومان ووارثه في أحقاده وضغائنه، ومع ذلك يعطونه مصيصيليا ولا يزيدونها لمصينيسا صديقهم ونصيرهم. قد يكون هذا شيئا عجابا. ولكن لا عجب مع السياسة. ولا صداقة ولا عداوة فيها. لو بسط مصينيسا نفوذه على مصيليا ومصيصيليا لكان ذلك مما يضر بنفوذ الرومان ويضعف من آمالهم في أفريقية. وليس في وجود أميرين بربريين ما يخشى منه ذلك. لانهما إذا لم يكونا جميعا تحت نفوذهم فلا أقل من واحد يخلص لهم طمعا في الانتقام من الآخر. ولم أعثر على ما ينير لي حياة هذا الملك وما قام به أيام ملكه من الاعمال. ولا عثرت على نهاية ملكه سوى أن بعض المؤرخين ذكر أن مصينيسا استقل بمصيليا ومصيصيليا سنة (١٥٨) فيظهر أن تلك السنة هي التي انقضى فيها ملك فرمينة إذ لا يعرف بعده ملك على مصيصيليا قبل مصينيسا. وهكذا بعدما عثر جد صيفاقس بعثار جواده وأخذ منه الدهر ما كان من طريف عزه وتلاده لم يكن لخلفه صيت ولا سمع له حسيس أو صوت. ____ ـ[صورة]ـ (ش-٦) نقود فرمينة. وعليها رسمه وكلمة فرمينة ملك ____

стр. 170

٩ - مصينيسميا (٢٠١ - ١٤٩) مصينيسا بن غولة بن نارفاس. ربي بقرطاجنة. وكان سلفه حليفا لدولتها. فخاض مع القرطاجنيين حروبهم مع الرومان بالاندلس. وقائد الرومان بالاندلس سبيون الأفريقي. وقد شاهد ما لمصينيسيا من القدرة الحربية. فصار يخاطبه في ولاء رومة. واتفق أن وقع مصيفا ابن أخي مصينيسا أسيرا بيد سبيون سنة (٢٠٧) فسرحه تقربا من عمه. كل هذا ومصينيسا محافظ على ولائه لقرطاجنة. وفي سنة (٢٠٦) توفي غولة وأعقبته ثورة مزوطيل. فلم تحافط قرطاجنة على أمواله ومملكته. وذلك استخفافا بمصينيسا الذي لولا اشتغاله بخدمتها لم يقع ما وقع بمملكته. فغضب لذلك واضطر لمحالفة الرومان. رجع مصينيسا من الاندلس ومر بموريطانيا وطلب من ملكها بوكار شرذمة من الرجال لحمايته في طريقه. فأمده مصانعة. وأغذ السير حتى دخل وطنه. فهرع إليه أنصاره. وبدخوله وطنه دخل في حرب قريبه مزوطيل والملك الصوري لكومسيس. فكان النصر حليفه وفر ابن عمه لكومسيس الى صيفاقس فأمده وأعاد الحرب ثانية. فعادت عليه الهزيمة. وبعد أن رأى مصينيسا عجز ابن عمه عن الحرب رق له وقربه وأشركه في الحكم. فجمع بذلك شمل أسرته وأعرب عن دهائه وحكمته. لم يكن صيفاقس ولا القرطاجنيون ليرضوا بوجود مصينيسا على رأس حكومة مصيليا. ولم يجدوا سبيلا لاخذه من ناحية التفرقة والمشاغبة عليه برجل من عشيرته. لانه سد هذا الثلم بالتساهل مع

стр. 171

ابن عمه. فرأوا أن يبادروا اليه قبل استفحال أمره. فجمع له صيفاقس الجموع وحاربه مرارا حتى أخرجه من مصيليا والتجأ الى السرت الاصغر. أخرج صيفاقس مصينيسا من عاصمته كما أخرجه هو قبل ذلك بنحو ثماني سنوات. واشتغل بالسرت في طائفة من أصحابه بشن الغارات في تلك الجهات الى أن جاء سبيون الى أفريقية فانضم له وحارب معه حتى سقط صيفاقس في يده وعاد منصورا ودخل قرطة عاصمة سلفه. واعترف له الرومانا بالسيادة على مصيليا. ومنحت مصيصيليا لفرمينة. وفي سنة (١٥٨) استقل بملك مصيليا ومصيصيليا كما كان والده أستقل بهما قبل. اتسحت من ذلك الحين مملكته وصارت تشمل ما بين طرابلس ومراكش خلا ما كان من التراب النونسي تحت قرطاجنة. وبقي على محالفته لرومة. فكان يمينها في حروبها خلف البحار بالرجال والافيال والحبوب، يرسلها مع أبنائه ليتعرفوا الى الرومان ويقفوا على طبائعهم في وطنهم وسياستهم في عاصمتهم. وكان شيوخ رومة يجازونه على اعاناته المادية بهدايا شرفية من تيجان ذهبية وقضبان عاجية وكراسي عاجية، وعلائل مطرزة بالذهب وحلل. وكما كان يعينها تلك الاعانات كان يعترف بسيادتها ويقول: " ان رومة هي المملكة الحقيقية. وليس لي من مملكتي الا الاستغلال ". وكل هذا منه مصانعة وخداع اقتضته السياسة. أما غايته الحقيقية فهي الاستقلال بملك أفريقية الشمالية والقضاء على القرطاجنيين وطرد المطامع الرومانية. وقد أدرك الرومان منه هذه الغاية فاستخدموه في اضعاف قرطاجنة عدوهم القوية. ولما فتحوا

стр. 172

مقدونيا طلب مصينيسا من شيوخ رومة الاذن في زيارة عاصمتهم ليقدم قربانا للالهة " جوبيتر " (كوكب المشتري). فلم يرضوا ذلك الطلب- أظن لأسرار سياسية- وأجابوه بأن بوطنه آلهة فليتقرب لها ان شاء. كانت اعانة مصينيسا لرومة على ضربين: إعانات خارج أفريقية غرضه بها مخادعة رومة بابداء صداقته لها، واعانات بأفريقية غرضه بها اضعاف قرطاجنة كي يتمكن من تنفيذ برنامجه الاستقلالي. فأعانها في حرب زامة التي كانت للرومان على القرطاجنيين. ووقع بينهما ذلك الصلح الذي اشتمل على المادة السادسة لفائدة مصينيسا. ومن ذلك الحين أخذ في تنفيذ برنامجه. واستعد له بتنظيم الجيش وتنشيط الفلاحة والتجارة. وصار يتقدم نحو قرطاجنة ويختزل من أراضيها. فرفعت شكواها منه الى رومة. وكررتها مرارا. فكانت رومة تغضي عن الاجابة أحيانا، وتعد على قرطاجنة مساعدة حنبعل لامير الشام أخرى. وأخيرا وجهت ثلاثة من الخبراء لينظروا في قضية قرطاجنة ومصينيسا. فلم ينصفوها وأبقوا له ما ملك من أراضيها. وما زال مصينيسا على غاراته في تراب قرطاجنة. وهي تكرر شكواها منه لرومة حتى استمعت لها ووجهت ثلاثة خبراء أيضا. وكانوا يريدون تأدييد قرطاجنة لانهم يخشون من استفحال سلطان مصينيسا والقضاء على مطامعهم في أفريقية اذ كانوا لا تخفى عليهم غاية. وكانوا يظنون قرطاجنة في حالة بؤس وضعف بحيث لا يخشون جانبها. فلما نزلوا بها وشاهدوا حسن حالتها خلاف ما كانوا يظنون رأوا أن انصافها يعزز قوتها. وذلك مما يدفعها في المستقبل لتجديد الحرب مع دولتهم. فعدلوا عن قصدهم وتركوا ما كان على ما كان. إذ ذاك عزمت قرطاجنة على أن تنصف نفسها بنفسها. فسعت

стр. 173

في لم شعثها. وأخرجت من عاصمتها شيعة مصينيسا الذين كانوا يدعون الى حماية التراب القرطاجني من الرومان بالدخول في طاعته والاستظلال برايته. غضب مصينيسا من طرد حزبه. وأرسل الى قرطاجنة اثنين من أولاده احتجاجا على ذلك. فقوبلا بكل ازدراء وامتهان. إذ ذاك أرسل ولده غولوسة الى رومة مخبرا لدولتها بما صنعت قرطاحنة. فأرسلت رومة اليها تهددها بالحرب ان هي نقضت اليوم ما أبرمته بالامس. لم تحفل قرطاجنة بهذا التهديد. ولم يترقب مصينيسا ما يكون من رومة. فهجم على الحدود. وخرج اليه صدر بعل بخمسة وعشرين ألفا من المشاة وأربعة آلاف فارس. فاقتتل الفريقان. وبرق لصدر بعل بارق الانتصار أولا. ثم استحر القتال. ولم يتبين غالب من مغلوب. فاراد صدر بعل أن يخاطب- وهو قوي- عدوه في الصلح. فأجابه مصينيسا بطلب رد الاسرى. فامتنع من ذلك. وعاد الفريقان للقتال. فانجلت المعارك عن هزيمة صدر بعل. فطلب الصلح من جديد. وتم على الصفة الآتية: ١ - رد الاسرى من غير فداء. ٢ - اعادة المنفيين من حزبه لقرطاجنة. ٣ - غرامة حربية مقدارها خمسمائة حمل من الفضة في مدة خمسين سنة. ٤ - وضع السلاح. عاد القرطاجنيون بعد ذلك الى عاصمتهم. وبينما هم سائرون اذ هجم عليهم غولوسة. ففتك بهم فتكا ذريعا. وذلك سنة (١٥٠).

стр. 174

بلغ خبر هذه الحرب الى رومة. فادعت على قرطاجنة اما لم تحترم مواد الصلح الواقع بعد حرب زامة. حيث تمهدت إذ ذاك أن لا تحارب مصينيسا. ووجدت بذلك وجها لفتح حرب عليها. تلك الحرب التي انتهت بتدمير قرطاجنفوذوبان القرطاجنيين في غيرهم. لزم مصينيسا في هذه الحرب البونيقية الاخيرة الحياد. فلم يعن الرومان. وهو الذي كان يعينهم في حروبهم خلف البحار. ذلك أنه كان يأمل أن يكون هو المالك لقرطاجنة تتميما لبرنامجه في الاستقلال بشمال أفريقية. فان لم يحصل ذلك عاجلا فجوار قرطاجنة السلمية الضعيفة خير له ولجنسه من جوار الرومان الحربيين الاقوياء. في سنة (١٤٩) أحس مصينيسا بدنو أجله. فأرسل الى سبيون الاميلي- الذي سيكون فاتح قرطاجنة- ليوصيه على أولاده. فتوفي قبل وصوله. كان مصينيسا ملكا عظيما ذا سياسة ودهاء وادارة ونظام وعناية بالفلاحة والتجارة، صبورا على الشدائد ثابت العزيمة، خاض غمرات الاهوال ولجج الخطوب بقوة جنان ورباطة جأش، حتى تغلب على أعدائه وأورث بنيه ملكا ثابتا ونفوذا عريضا. كان لا يفرط في حظه من الملاذ ان ابتسم له الدهر، ولكن مع يقظة وحذر، فلا يغفل عن أحوال مملكته خوفا من تدبير ثورة. وكان له أسطول وجنود منظمة وسكة مطبوعة باسمه. وتلاث آية الاستقلال. اذ لو كان تحت الرومان لكانت السكة باسمهم. تعلم الفينيقية أيام كان بقرطاجنة في صباه. فكان ولوعا بها. واتخذها لغته الرسمية ونشرها في مملكته. ومع ذلك لم يكن

стр. 175

أيام ملكه ميالا إلى الفينيقيين ولا متساهلا معهم في استقلاله. بل كان يراهم شامة سوداء في أديم مملكته. فلذلك حاربهم وطمع فيما تحت تصرفهم. وهكذا فليكن حب الجنس. فلا يستبدل الحر بجنسه جنسا تعلم لغته وآدابه. وانما عليه أن ينشر ما راق له من آداب تلك اللغة بين قومه مع المحافظة على جنسيته. كان هذا الملك حلو الفكاهة رقيق القلب مع الصبيان مر الجد شديدا على من يمس استقلاله، متقشفا في نفسه متأنفا في مظاهر ملكه، فقد اتخذ بدار المملكة الخدم والحشم والخيل، ليبهر العامة حتى لا تطمع في خلع طاعته. وكان قوي البنية: ولد له وهو في سن (٨٦) وتولى رئاسة الجند والحرب وهو في سن (٨٨) ومات بعد ما جاوز المائة. وقيل بلغ من العمر (٨٩). وعلى رواية انه حارب صيفاقس سنة (٢١٢) وعمره آنذاك سبع عشرة سنة فتكون ولادته سنة (٢٢٨) ويكون عمره (٧٩) فقط. واختلف في سنة ولايتة أيضا: فقيل سنة (٢٠١) وقيل سنة (٢٠٧). والظاهر ان صاحب الرواية الثانية اعتمد بما كان من ولايته قبل سقوط صيفاقس. ولكن من المتفق عليه بين صاحبي الروايتين أن مصينيسا لم يرجع من الاندلس إلا سنة (٢٠٦). وهي السنة التي جلس فيها على عرش قرطة حتى شرده صيفاقس. والخلاصة أن جمهور المؤرخين اتفقوا على مدحه ووصفه بالعظمة واستحقاقه للملك. قال بيروني عن فرنال: " أن مصينيسا لم يعن الرومان إلا بقصد اسقاط قرطاجنة عدوته القريبة. ولو قدر له أن يعيش أكثر مما عاش خمسين سنة لحارب الرومان أيضا مثل ما فعل يوغووطة".

стр. 176

وبالخروب قبر أحد ملوك نوميديا. ويظنه مؤرخو الافرنج لهذا العهد أنه قبر مصينيسا. حدثني بذلك مرسي أحد المؤرخين وأساتذة الكلية بمدينة الجزئر. ____ ـ[صورة]ـ (ش-٧) نقود الملك مصنييسا وعليه رسمه ____ ١٠ - مصيبسا MICIPSA (١٤٩ - ١١٩) مصيبسا بن مصينيسا جلس على عرش المملكة بعد ابيه. وكان اعطاه خاتمه ترشيحا منه لخلافته. وأوصاه وبقية ابنائه بمسالمة الرومان لا يعلمه من قوتهم. ولما وصل سبيون الى قرطة ووجد مصينيسا قد توفي انتخب ثلاثة من أبنائه. فأجلس على كرسي المملكة مصيبسا وعين غولوسة قائدا عاما للجيش وعين منسشابعل (١) وزيرا للقضاء. ولم يفعل سبيون

стр. 177

بذلك سوى ما يتفق ورغبة مصينيمسا. حيث أنه هو الذي رشح مصيبسا للملك وكان يعطي رئاسة الجند لولده غولوسة منذ كان حيا. ولما سقطت قرطاجنة في يد الرومان بقي مصيبسا على عرشه لم يضره ذلك السقوط ولم يزعجه جوار الرومان لحدوثه. ثم مات أخواه فاستقل بالملك سنة (١٤٥). واعتاض عنهما بابنيه آذر بعل وهيمصال. وكان لاخيه منستابعل ابن تلوح عليه آيات الفطانة والشجاعة يدعى يورغوطة. فأضافه إلى ولديه ونزله منزلتهما. ووجهه مرة سفيرا عنه إلى رومة. كان مصيبسا مسالما للرومان جريا على سياسة والده ووصيته. وكان يعين رومة في حروبها. ففي سنة (١٣٣) كانت مشتغلة بحرب ضروس. فأعانها بجيش جعله تحت قيادة يوغورطة. يقول بعض المؤرخين: ولعله كان يريد من ارسال يوغووطة الى هذه الحرب هلاكه والاستراحة منه. لانه كان يخشى منه مناهضة ابنائه. كانت مملكة مصيبسا تشمل ما بين ملوشات (١) غربا والسرت (٢) شرقا. فهي عبارة عن وطن الجزائر اليوم وبعض تراب مراكش غربا. ان قلنا- كما هو الصحيح- ان ملوشات هو ملوية. وتمتد شرقا الى تراب طرابلس لا ينقص منها إلا الولاية الرومانية الضيقة بعمالة تونس. وقد سار هذا الملك بهذه الدولة الواسعة سيرة محمودة. ودبرها

стр. 178

تدبيرا رشيدا. فعاش البربر تحت عنايته بسعادتهم عيشا رغدا. لم يرم بهم في الحروب تلذذا بسعة النفوذ. ولا كان يعتني بشخصه ويهمل شأن أمته. فيعم الفقر ويقل الامن. ولا كان ظلوما جائرا. فيضطر الناس إلى الثورة. بل كان سياسيا حكيما وحاكما عادلا. كان محافظا على عاصمته قرطة وعاملا لترقيتها وتحصينها. فجلب اليها أهل العلم والفن من الاجانب. وأصبحت على عهده مدينة علم وجمال ورفاهية. قال بارس في كتابه قرطة: " ويذكر المؤرخ ابيان ان مصيبسا حصنها تحصينا لا يمكن معه لاحد أن يفتحها عنوة. وجلب لها طائفة من اليونان. وزاد في تحصينها وخصبها حتى صارت يمكنها أن تجند عشرة آلاف فارس وعشرين ألف راجل. وبعد وفاته وانتصاب آذر بعل بها حاصرها يوغرطة ولم يتمكن من فتحها إلا بعد أن أضرت المجاعة بأهلها ". وقد كان مصيبسا نفسه مكبا على العلم. فاشتغل بالعلوم اليونانية، والرومانية حتى برز فيها، وأصبح عالما مضطلعا بالفلسفة. وما أسعد أمة يحكمها ملك عالم غير متأثر بأمة أساتذته من الاجانب ولا مقدم لها على قومه. ولما أحس بدنو أجله جمع ابنيه وابن أخيه وأوصاهم بالاتحاد في السلم والتعاون على حفط المملكة، حتى لا ينفرط عقد عزهم وتذهب دولتهم ضحية الشقاق. وفي سنة (١١٩) أدركه حمامه بعدما أدار دولته أحسن إدارة ثلاثين سنة. وترك مملكته الواسعة في هناء واطمئنان ذات عمران مستبحر لم تنقصه الثورات الداخلية ولا عطلته الحروب الخارجية.

стр. 179

١١ - هيمصال الاول HIEMSAL ١ (١١٨) لما توفي مصيبسا لم يأخذ ابناه وابن اخيه بوصيته. فاختلفوا وتنازعوا أمرهم بينهم. ثم اصطلحوا واقتسموا الاموال وفرقوا وحدة المملكة: أخذ يوغورطة القسم الغربي منها من صلداي الى ملوشات. واقتسم الاخوان الباقي بينهما وهو أوسع نطاقا وأوفر عمرانا. لم يكن هذا الصلح مرضيا للمتنازعين. وانما هو ظاهري وفي الباطن كل ينوي نقضه متى أمكنه النقض. ابنا مصيبسا يريان الحق لهما في ارث عرش ابيهما، فهما يعدان ما أخذه ابن عمهما ظلما، ويتربصان به غرة لقتله أو فرصة لحربه كي يسترجعا حقهما المغصوب؛ ويوغورطة يرى أنهما جارا عليه في القسمة، فهو لم يقبلها ظاهرا إلا بنية اكتساب قوة يسمتعملها- متى سنحت الفرصة- ضد ابني عمه. كان هيمصال أقدر من أخيه. فكان يوغورطة يخشى منه ما لا يخشى من آذر بعل. فاستعمل الحيلة للاستراحة منه: لم يكن إلا أمد قليل حتى دس يوغورطة من قتل هيمصال في مدينة ترمدة من مدن ولاية رومة الحديثة. وذلك سنة (١١٨) فلم تطل مدته حتى نتعرف سيرته في رعيته، وأعماله في العمران والحضارة وسياسته مع الرومان. ١٢ - آذر بعل ADHERBAL (١١٨ - ١١٢) اتنصب آذر بعل ملكا بقرطة بعد وفاة والده واقتسام مملكته. وبعد أن قتل يوغورطة أخاه هجم عليه وأخرجه من عاصمته لاول معركة وقعت بينهما.

стр. 180

ذهب إذ ذاك آذر بعل الى الولاية الرومانية بأفريقية مستنجدا بواليها على ابن عمه فلم ينجده. فسار الى رومة. ولما بلغها وجد بها رسلا من قبل يوغورطة. وجههم بأموال ليستميلوا اليه بعض عظماء الرومان. أبدى آذر بعل فصاحة نادرة ومنطقا محكما في الاحتجاج لنفسه واظهار جور ابن عمه وخبثه. ولكن لم نجد عليه فصاحته عطف الرومان حيث ان ابن عمه اشتراهم بالاصفر الرنان. ولما ألح على رومة في طلب النظر في قضيته عين شيوخها عشرة من الخبراء تحت رئاسة لسيوس آبميوس ليفصلوا القضية. وكان هذا الرئيس يميل الى يوغورطة. نظر الخبراء القضية بمرآة الاغراض فأنتج بحثهم خلاف ما يريد آذر بعل. وذلك أنهم أعطوه نوميديا الاصلية، وأعطوا يوغورطة نوميدنا الغربية وذلك سنة (١١٤). صار يوغورطة بهذا الفصل أقوى منه قبله. وصار آذر بعل أضعف من حاله سابقا. وهذا لم يخف على الخبراء ولكنهم تعمدوا اعزاز جانب يوغورطة الذي سد مجرى الحق بصرة من المدنانير. لم يكن يوغورطة ليقنع بشيء دون الاستقلال بمملكة عمه. ولم يكن هناك ما يقف في سبيله: البربر يحبونه، وان عمه ضعيف عن مقاومته، ورومة لا يصعب عليه استمالة رجالها. ففكر في ايجاد سبيل لبلوغ أمنيته وتحقيق برنامجه. ولم يشأ أن يقدم على حرب ابن عمه لانه لا يجهل ان رومة لا تسمح له الاستقلال دون ابن عمه حيث أن سياستها تقضي عليها بالاكثار من الملوك البربريين واذكاء نار المنافسة بينهم. رأى يوغورطة أن أحسن ما يبلغ به أمنيته التوقي من مشاغبة رومة عليه بملوك البربر. وكان يجاوره بوكوس الاول ملك موريطانيا. فسبقها اليه واستماله اليه قبل الدخول في حرب آذر بعل
следующие страницы →