وبالخروب قبر أحد ملوك نوميديا. ويظنه مؤرخو الافرنج لهذا العهد أنه قبر مصينيسا. حدثني بذلك مرسي أحد المؤرخين وأساتذة الكلية بمدينة الجزئر.
____
ـ[صورة]ـ (ش-٧) نقود الملك مصنييسا وعليه رسمه
____
١٠ - مصيبسا MICIPSA (١٤٩ - ١١٩)
مصيبسا بن مصينيسا جلس على عرش المملكة بعد ابيه. وكان اعطاه خاتمه ترشيحا منه لخلافته. وأوصاه وبقية ابنائه بمسالمة الرومان لا يعلمه من قوتهم.
ولما وصل سبيون الى قرطة ووجد مصينيسا قد توفي انتخب ثلاثة من أبنائه. فأجلس على كرسي المملكة مصيبسا وعين غولوسة قائدا عاما للجيش وعين منسشابعل (١) وزيرا للقضاء. ولم يفعل سبيون
стр. 177
بذلك سوى ما يتفق ورغبة مصينيمسا. حيث أنه هو الذي رشح مصيبسا للملك وكان يعطي رئاسة الجند لولده غولوسة منذ كان حيا.
ولما سقطت قرطاجنة في يد الرومان بقي مصيبسا على عرشه لم يضره ذلك السقوط ولم يزعجه جوار الرومان لحدوثه. ثم مات أخواه فاستقل بالملك سنة (١٤٥). واعتاض عنهما بابنيه آذر بعل وهيمصال. وكان لاخيه منستابعل ابن تلوح عليه آيات الفطانة والشجاعة يدعى يورغوطة. فأضافه إلى ولديه ونزله منزلتهما. ووجهه مرة سفيرا عنه إلى رومة.
كان مصيبسا مسالما للرومان جريا على سياسة والده ووصيته. وكان يعين رومة في حروبها. ففي سنة (١٣٣) كانت مشتغلة بحرب ضروس. فأعانها بجيش جعله تحت قيادة يوغورطة. يقول بعض المؤرخين: ولعله كان يريد من ارسال يوغووطة الى هذه الحرب هلاكه والاستراحة منه. لانه كان يخشى منه مناهضة ابنائه.
كانت مملكة مصيبسا تشمل ما بين ملوشات (١) غربا والسرت (٢) شرقا. فهي عبارة عن وطن الجزائر اليوم وبعض تراب مراكش غربا. ان قلنا- كما هو الصحيح- ان ملوشات هو ملوية. وتمتد شرقا الى تراب طرابلس لا ينقص منها إلا الولاية الرومانية الضيقة بعمالة تونس.
وقد سار هذا الملك بهذه الدولة الواسعة سيرة محمودة. ودبرها
стр. 178
تدبيرا رشيدا. فعاش البربر تحت عنايته بسعادتهم عيشا رغدا. لم يرم بهم في الحروب تلذذا بسعة النفوذ. ولا كان يعتني بشخصه ويهمل شأن أمته. فيعم الفقر ويقل الامن. ولا كان ظلوما جائرا. فيضطر الناس إلى الثورة. بل كان سياسيا حكيما وحاكما عادلا.
كان محافظا على عاصمته قرطة وعاملا لترقيتها وتحصينها. فجلب اليها أهل العلم والفن من الاجانب. وأصبحت على عهده مدينة علم وجمال ورفاهية. قال بارس في كتابه قرطة: " ويذكر المؤرخ ابيان ان مصيبسا حصنها تحصينا لا يمكن معه لاحد أن يفتحها عنوة. وجلب لها طائفة من اليونان. وزاد في تحصينها وخصبها حتى صارت يمكنها أن تجند عشرة آلاف فارس وعشرين ألف راجل. وبعد وفاته وانتصاب آذر بعل بها حاصرها يوغرطة ولم يتمكن من فتحها إلا بعد أن أضرت المجاعة بأهلها ".
وقد كان مصيبسا نفسه مكبا على العلم. فاشتغل بالعلوم اليونانية، والرومانية حتى برز فيها، وأصبح عالما مضطلعا بالفلسفة. وما أسعد أمة يحكمها ملك عالم غير متأثر بأمة أساتذته من الاجانب ولا مقدم لها على قومه.
ولما أحس بدنو أجله جمع ابنيه وابن أخيه وأوصاهم بالاتحاد في السلم والتعاون على حفط المملكة، حتى لا ينفرط عقد عزهم وتذهب دولتهم ضحية الشقاق.
وفي سنة (١١٩) أدركه حمامه بعدما أدار دولته أحسن إدارة ثلاثين سنة. وترك مملكته الواسعة في هناء واطمئنان ذات عمران مستبحر لم تنقصه الثورات الداخلية ولا عطلته الحروب الخارجية.
стр. 179
١١ - هيمصال الاول HIEMSAL ١ (١١٨)
لما توفي مصيبسا لم يأخذ ابناه وابن اخيه بوصيته. فاختلفوا وتنازعوا أمرهم بينهم. ثم اصطلحوا واقتسموا الاموال وفرقوا وحدة المملكة: أخذ يوغورطة القسم الغربي منها من صلداي الى ملوشات. واقتسم الاخوان الباقي بينهما وهو أوسع نطاقا وأوفر عمرانا.
لم يكن هذا الصلح مرضيا للمتنازعين. وانما هو ظاهري وفي الباطن كل ينوي نقضه متى أمكنه النقض. ابنا مصيبسا يريان الحق لهما في ارث عرش ابيهما، فهما يعدان ما أخذه ابن عمهما ظلما، ويتربصان به غرة لقتله أو فرصة لحربه كي يسترجعا حقهما المغصوب؛ ويوغورطة يرى أنهما جارا عليه في القسمة، فهو لم يقبلها ظاهرا إلا بنية اكتساب قوة يسمتعملها- متى سنحت الفرصة- ضد ابني عمه.
كان هيمصال أقدر من أخيه. فكان يوغورطة يخشى منه ما لا يخشى من آذر بعل. فاستعمل الحيلة للاستراحة منه: لم يكن إلا أمد قليل حتى دس يوغورطة من قتل هيمصال في مدينة ترمدة من مدن ولاية رومة الحديثة. وذلك سنة (١١٨) فلم تطل مدته حتى نتعرف سيرته في رعيته، وأعماله في العمران والحضارة وسياسته مع الرومان.
١٢ - آذر بعل ADHERBAL (١١٨ - ١١٢)
اتنصب آذر بعل ملكا بقرطة بعد وفاة والده واقتسام مملكته. وبعد أن قتل يوغورطة أخاه هجم عليه وأخرجه من عاصمته لاول معركة وقعت بينهما.
стр. 180
ذهب إذ ذاك آذر بعل الى الولاية الرومانية بأفريقية مستنجدا بواليها على ابن عمه فلم ينجده. فسار الى رومة. ولما بلغها وجد بها رسلا من قبل يوغورطة. وجههم بأموال ليستميلوا اليه بعض عظماء الرومان. أبدى آذر بعل فصاحة نادرة ومنطقا محكما في الاحتجاج لنفسه واظهار جور ابن عمه وخبثه. ولكن لم نجد عليه فصاحته عطف الرومان حيث ان ابن عمه اشتراهم بالاصفر الرنان. ولما ألح على رومة في طلب النظر في قضيته عين شيوخها عشرة من الخبراء تحت رئاسة لسيوس آبميوس ليفصلوا القضية. وكان هذا الرئيس يميل الى يوغورطة. نظر الخبراء القضية بمرآة الاغراض فأنتج بحثهم خلاف ما يريد آذر بعل. وذلك أنهم أعطوه نوميديا الاصلية، وأعطوا يوغورطة نوميدنا الغربية وذلك سنة (١١٤).
صار يوغورطة بهذا الفصل أقوى منه قبله. وصار آذر بعل أضعف من حاله سابقا. وهذا لم يخف على الخبراء ولكنهم تعمدوا اعزاز جانب يوغورطة الذي سد مجرى الحق بصرة من المدنانير.
لم يكن يوغورطة ليقنع بشيء دون الاستقلال بمملكة عمه. ولم يكن هناك ما يقف في سبيله: البربر يحبونه، وان عمه ضعيف عن مقاومته، ورومة لا يصعب عليه استمالة رجالها. ففكر في ايجاد سبيل لبلوغ أمنيته وتحقيق برنامجه. ولم يشأ أن يقدم على حرب ابن عمه لانه لا يجهل ان رومة لا تسمح له الاستقلال دون ابن عمه حيث أن سياستها تقضي عليها بالاكثار من الملوك البربريين واذكاء نار المنافسة بينهم.
رأى يوغورطة أن أحسن ما يبلغ به أمنيته التوقي من مشاغبة رومة عليه بملوك البربر. وكان يجاوره بوكوس الاول ملك موريطانيا. فسبقها اليه واستماله اليه قبل الدخول في حرب آذر بعل
стр. 181
وتقرب منه بالمصاهرة فتزوج ابنته. وبهذه الوسيلة أمن يوغورطة ناحية بوكوس.
إذ ذاك أخذ يغير على حدود مملكة آذر بعل كي يستفزه لحربه. ويتخذ ذلك سببا لحربه يقطع به معاكسة رومة له. ولكن آذر بعل تحمل تلك الغارات واصطبر لها لعجزه عن مقاومة يوغورطة وخيبته سابقا في الاستنجاد برومة. رأى يوغورطة استكانة ابن عمه فعزم على تنفيذ برنامجه وهجم عليه. واجتاز الحدود بجنود كثيرة. هنالك رأى آذر بعل لزوم الحرب. فتهيأ لها بما لديه من الجنود وخرج لملاقاة يوغورطة.
تقابل الجيشان ولم يتبارزا. وكان آذر بعل ينوي محاربة ابن عمه من الغد. ولكن يوغورطة كان أشد حزما وأمضى عزما. فأمر جنوده بالهجوم ليلا. فدارت الحرب بين الفريقين. وبعد قتال شديد انهزم آذر بعل وفر الى قرطة. فلحقه يوغورطة وحاصره بها. وكانت المدينة في غاية الحصانة بموقعها وعناية مصيبسا بتحصينها. وكان بها صناع وتجار ايطاليون. فتحزبوا لآذر بعل.
بلغ خبر هذه الحرب الى رومة فلم يرق لها صنيع يوغورطة. وأرسلت اليه في رفع الحصار والكف عن محاربة ابن عمه مع ثلاثة من النواب. فقابل يوغورطة هؤلاء النواب مظهرا لهم احترامه لرومة. ولكنه لم يمتثل نهيها واستمر محاصرا لقرطة. فأرسلت اليه رومة رسلا آخرين. وتعين الاجتماع بعوتيقة. فذهب إليها. وأوعز لجنوده بتشديد الحصار. ولما اجتمع برسل رومة اكتفى بإظهار احترامها أيضا.
دام حصار قرطة عامين وبلغت المجاعة بأهلها مبلغها وعلموا خيبة رسل رومة في المفاوضة مع يوغورطة. فرأى آذر بعل ان يفتح الكلام
стр. 182
مع ابن عمه. ففاوضه في رفع الحصار وأذعن لحكمه واستأمنه على نفسه. فأمنه ودخل المدينة. ولكنه خان العهد. فقتل ابن عمه ومن فيها من شيعته حتى الايطاليين.
وهكذا انتهت حياة هذا الملك الذي يظهر من التجائه الى رومة في كل ما يعرض له من الصعوبات انه وقدته الحضارة. فاصبح لا يريد الا استغلال جهود آبائه. وان وطنا كالوطن البريري جعلته دولة قوية كرومة نصب عينها لاستعماره لا يصلح أن يكون على رأس حكومته إلا مثل يوغورطة شجاعة حربية ودهاء سياسيا.
١٣ - يوغورطة JUGURTHA (١١٨ - ١٠٤)
يوغورطة بن منستابعل، يقول مرسيي: انه لغية. كان فارسا من أشهر فرسان البربر وقائدا من أعظم قوادهم. وقد عرف له عمه مصيبسا مقدرته وغناءه فقربه اليه وأشركه مع ولديه في شؤون الدولة. ثم عرف جرأته وخشيه على ابنيه فوجهه ذات مرة قائد جيش بعثه الى رومة اعانة لها في بعض حروبها. ورجا أن يهلك في تلك الحرب ويستريح منه.
خاطر يوغورطة بنفسه في هذه الحرب وأظهر شجاعة نادرة. وعرف كيف ينجو بنفسه من الهلاك مع المحافظة على عظمته. فأعجب به الناس كلهم في هذه الحرب. وأحبه البربر حبا شديدا. ورجع الى وطنه يحمل لقب بطل عظيم. فزاده ذلك تأثيرا على البربر. واكتسب شرفه وصيته من حيث أراد عمه حتفه.
كان هذا البطل العظيم متقمصا روح مصينيسا وعاملا على تحقيق برنامج كان ذلك السلف يعمل له. وهو الاستقلال بالوطن البربري
стр. 183
في حدود مملكة أسلافه وطرد الرومان من أفريقية نظير ما كان ينويه مصينيسا من طرد قرطاجنة. فلما توفي عمه لم ير في ابنيه أهلية لتحقيق هذا البرنامج. لانهما لم يعرفا رومة كما عرفها. فهما يخشيان سطوتها. ويريدان التمتع بلذة الملك تحت ظلها.
ابتدأ يوغورطة في تحقيق برنامجه الاستقلالي بمنازعة ابني عمه على الملك حتى اقتسموه بينهم. ثم اغتال هيمصال. وتخلص لحرب آذر بعل حتى قتله سنة (١١٢) واستقل إذ ذاك بملك سلفه. وأصبح لا يد فوق يده.
لم تكن مقاصد يوغورطة في الاستقلال بوطنه وطرد النفوذ الروماني منه واضحة للرومان. فانه كان يسترها أحيانا بالخداع السياسي وأخرى باشتراء ذمم رجالهم. فلما دخل قرطة واستأصل منها شيمة ابن عمه من البربر والايطاليين الذين هم في الواقع شيمة رومة اتضحت للرومان مقاصده وأدركوا أنه كان يسوسهم بالختل والمراوغة. فعزموا على المبادرة لحربه وعدم امهاله في هدم آماله.
لما عزمت رومة على حربه أرسل إليها ولده واثنين من خواصه لعرض طاعته. فلم يأذن شيوخها بمقابلة رسله ولا قبلوا طاعته لعلمهم أن ذلك خداع سياسي فقط لا حقيقة له.
كان بوكوس مصافيا لصهره. فلما بلغه ما آل اليه أمره مع رومة خشي أن يكون له على ولائه له حد من غضبها. فمال عنه وأظهر طاعته للرومان.
أرسلت رومة جنودها تحت قيادة بستيا. فجاء هذا القائد على طريق صقلية. ودخل في الحرب مع يوغورطة. واشتبكت القوتان
стр. 184
بجهات باجة. وانتصر بستيا في تلك المعارك انتصارات باهرة. فازداد خوف بوكوس من غضب رومة. وأرسل إليها يؤكد طاعته لها.
كان يوغورطة يعتقد- عن بصيرة- أن رجال رومة خربوا الذمم لا يمتنعون من الرشوة. فكان إذا أعجزته القوة التجأ إلى المال. فاستمال بهذا الوجه بستيا لما انتصر عليه. فتساهل معه هذا القائد في الصلح. واتفق معه على أن يأخذ منه أفيالا وخيلا وأنعاما وأموالا. وخرج يوغورطة من ورطة هذه الحرب بسلاح الرشوة. وذلك سنة (١١١).
علمت رومة بالصلح فلم ترضه. وأرسلت الى يوغورطة بالحضور ليشرح لدى مجلس شيوخها حقيقة هذا الصلح. ووجهت لسيوس كيوس اليه ليستصحبه معه. فذهب يوغورطة الى رومة ولم يمتنع عن الحضور أمام مجلس شيوخها بعد ما كان محاربا لجنودها. ولما بلغها وجد حوله دسائس شتى. ولكنه أبرع رجل يحسن العوم في مثل هذه اللجج. فتوصل الى استمالة نائب من نواب الشعب. ولما مثل بين يدي مجلس الشيوخ لم يكتف هذا النائب بالمحاماة عنه. بل أمره باحتقار التهم الموجهة اليه وعدم الاجابة عنها. وذلك لئلا يطالب بالبينة على صحة ما يقول. وهو ما لا يجده بحال.
لم يجد شيوخ رومة من استحضار يوغورطة أدنى فائدة. ولم يضره هو حضوره بل استفاد منه. وذلك أنه كان لعمه غولوسة ابن يدعى مصيفا ذهب الى رومة مطالبا بحقه في المملكة، ومشاغبا عليه. فدس له من قتله بواسطة بوملكار. ونجا من تبعته أيضا. وسهل لبوملكار طريق الفرار.
بعد ذلك أمر يوغورطة بالخروج من ايطاليا. فقال عند خروجه من رومة كلمته الخالدة: "إن رومة مدينة مباعة لمن يريد
стр. 185
اشتراها " (١) وزاد بنجاته من بطش رومة بعد ما مثل بين يديها جرأة وأصبح لا حد لاقدامه.
بقيت صدور الرومان وغرة على يوغورطة. فأرسلوا إلى ألوس- وكان قائدا بأفريقية- يأمرونه بالهجوم على يوغورطة، وأنهم لم يرتضوا الاتفاق الواقع بينه وبين بستيا. امتثل هذا القائد وهجم على يروغورطة. ولكن ذلك الهجوم أعقبه انهزام. فإن يروغورطة هجم بجنوده على ألوس وجيوشه على حين غفلة وقد كان ألوس طامعا في فتح ستول (قالمة) وأخذ ما فيها من أموال يروغورطة ومؤنه وذخائره. خاب أمل ألوس وخضع ليوغورطة خضوعا شائنا لشرف رومة: إذ أجله عشرة أيام للخروج من نوميديا، وأبقى جنده تحت الذمة. وذلك سنة (١٠٩). واعتذر لخيبة ذلك القائد بأنه كان ضعيف الرأي والوقت وقت شتاء. وارى ان ضعفه إنما هو بالقياس إلى يوغورطة، وإلا فكيف تعتده دولته لقيادة حرب ضد رجل لا تخفى عليها مهارته الحربية؟
ساء رومة انكسار قائدها وبقاء جنودها تحت ذمة من كانت ترجو أن يكون تحت ذمتها. فعين شيوخ دولتها مكان ألوس أخاه ألبينبوس. فلم يجد هذا القائد أيضا نفعا لعجزه أو جهله أو تقصيره.
بعد هذه الخيبات التي كل واحدة منها تربو على ما قبلها جد جد الدولة. فاختارت من بين رجالها رجلا مخلصا لدولته نزيها عن الرشوة عارفا بمهمته الحربية من أهل الطبقة العليا. هذا الرجل هو ميتلوس. وكان يوغورطة يعرفه ويعرف منه تلك الصفات. وكانت
стр. 186
الدولة تريد باختيارها لهذا الرجل أن تغسل عنها عار تلك الانهزامات وتحافظ على شرف عظمتها وتؤيد سمعتها الرهيبة.
نزل ميتلوس عوتيقة. فوجد الجنود قد ساءت حالتهم الأدبية وتمردوا عن الطاعة. فأخذ في تنظيمهم. وأراد يوغورطة- على معرفته به- أن يعجم عوده. فأرسل اليه يلاطفه ويداهنه. فلم يكن بضاعته هذه المرة رائجة لاخلاص ويقظة هذا الروماني. ولم يكن هو يعتقد رواجها فاستعد للحرب.
جمع يوغورطة بكل نشاط جنوده وقسمهم إلى فرسان تحت قيادته ومشاة معهم الأفيال تحت قيادة بوملكار. وكان الجيش الروماني على قسمين أيضا: أحدهما برئاسة ميتلوس، والآخر برئاسه مريوس.
في سنة (١٠٨) تقابل الجيشان بشمال تبسة، بعدما استولى ميتلوس على باجة، واشتد القتال من الجانبين. وأخيرا دارت الدائرة على يوغورطة. وشعر بعجزه عن مقاومة الرومان بالقوة. فجبر عجره ذلك بقوة دهائه. وأخذ يتقهقر بانتظام نحو الصحراء والقفر. وعلم البربر ضربا جديدا في القتال لئلا يجر عليه تقهقره انهزاما عاجلا: أوصاهم بعدم الكف عن اقلاق الرومان بالغارات من دون انقطاع، وان لا يصطفوا لهم بل يكونون جماعات متفرقة تكر إذا رأت في العدو غرة وتفر ان رأت الفر خيرا. ومن هذا الحين تعلم البربر حرب الكر والفر. وبهذا الاسلوب الحربي الجديد لم يتمكن لميتلوس أن يتمادى في انتصاراته على يوغورطة.
جبر يوغورطة انهزامه باختراع حرب، الكر والفر. وصار يتأخر نحو الصحراء، كي يبعد عدوه في القفر ثم ينقلب عليه فيشتت شمله. ولكن ميتلوس شعر بذلك. فلم يتتبعه. وبقي جيشه بشمال تبسة
стр. 187
مشتغلا بتخريب عمران البربر وافساد فلاحتهم وحصار المدن التي لم تخضع لقوتهم. وقد ثبت أهل زامة في مقاومة الرومان حتى أدرهكم يوغورطة وأجلاهم عنهم وفك حصارهم. ولم تثبت المدن التي احتلها الرومان في هذه الحرب تحت نفوذهم بل خرجت من قبضتهم.
ولما رأى ميتلوس ان قوته لا نجديه أمام دهاء يوغوطة، وان انتصاره عليه لم يجن منه أي فائدة عدل عن الهجوم واختار أن يقابل دهاء يوغورطة بالخداع وان يأخذه بسلاح الخيانة. وكان الشتاء قد حل وحال بينه وبين أعماله التخريبية. فعاد الى الولاية الرومانية. وتفرغ لتدبير مكيدة ليوغورطة. فأرسل الى قائده بوملكار يطمعه في دولة ملكه ان هو أعانه على خديعته. فحدثت بوملكار نفسه بخلافة يوغورطة في عظمته. وانخدع ليتلوس.: وطابت نفسه بخيانة ملكه ووطنه. فأخذ يشير على يوغورطة بترك الحرب وطلب المفاوضة في الصلح حتى أثر عليه وتفاوض مع الرومان. وتمت المفاوضة بالاتفاق على مواد الصلح. وأخذوا في تنفيذها. وكان منها تسليم عدد عظيم من الافيال والاموال والاسلحة، ورد الفارين من الجيش الروماني. ونفذت هذه المواد. ثم صار ميتلوس يلح على يوغورطة في زيارة مركزه. وإذ ذاك شعر بالمكيدة واتضحت له خيانة بوملكار. فمثل به وقتله. وهكذا فليكن سلم الخيانة: لا يبعد صاحبه فيه المرتقى حتى يسقط على أم رأسه من غير أن يفوز بأمنيته.
ولما خاب ميتلوس في هذه السياسة ولم يقع بشركه قنصه عاد الى الحرب. واستأنف أعمال التخريب والتدمير. فذهب الى باجة وافتتحها من جديد ومثل بأهلها.
وفي سنة (١٠٧) هجم ميتلوس على نوميديا وفر أمامه يوغورطة إلى قرطة. فلحقه وافتتحها. ففر يوغورطة الى الجنوب. ثم عاد
стр. 188
بأهله وأمواله إلى تالة. فتصحن بها. فذهب اليه ميتلوس وأخرجه منها. فلحق بالجيتوليين: وتحصن بهم. وأخذ قي تنظيمهم. وأرسل الى صهره بوكوس - وكان ميالا للرومان- يستميله اليه. ففتل له في الذروة والغارب. وخوفه استيلاء الرومان على مملكته ان هم جاوروه بنوميديا. فجلبه اليه. وجعلا موعدا للملاقاة. فالتقيا واتفقا على حرب الرومان. فقصدا بجنودهما قرطة. وبلغ الخبر ميتلوس. فخرج منها. ونزل مركزا يليق للدفاع عنها وعن سائر نوميديا.
وفي هذا الحين بلغ ميتلوس ان مريوس رفعته الأمة الى رتبة قنصل بأفريقية. وأعطي رجالا وأموالا ليتمم حرب يوغورطة. فترك الجنود على حالها. وذهب الى رومة. ولم نزل أثناء سنة (١٠٧).
جاء مريوس بطائفة من العساكر. ونزل عوتيقة. وانضافت جنوده الى الجنود التي بأفريقية من قبل. فبلغ جيشه نحو خمسين ألفا. وباشر الحرب حينا.
لم يخرج ميتلوس من أفريقية حتى أفسد بوكوس على يوغورطة فصار غير واثق بنصرته. فلما برز له مريوس لم يصطف له. بل استمر على حرب الكر والفر: يهجم بفرسان جيتوليا على الرومان حتى يصل الى مراكزهم، ثم يعود الى أماكن بعيدة قبل أن يستمدوا لمقاومته. وفي هذا الوقت كان خط الصحراء جميعه تحت طاعته. ووضع أمواله وذخائره بقفصة. فعلم بها مريوس. فذهب اليها ودخلها وأخذ تلك الأموال والذخائر وأحرق المدينة.
كان غرض مريوس أن يلجيء يوغورطة الى الناحية الغربية لتكون قرطة تحت يده ويتخذها مركزا عاما للجيش. فلما احتل قفصة نال غرضه. وانتقل يوغورطة الى الناحية الغربية. فسار مريوس اثره
стр. 189
وحاربه بالزاب والحضنة وجبالهما شمالا وغربا. حتى أنه استولى على مدينة حصينة فوق جبل عال. وهي من قلاع البربر التي يحسنون وضعها على الكهوف الصعبة المرتقى. وكان بهذه المدينة بقية أموال يوغورطة. كل هذا وبوكوس على الحياد.
لما انتقلت الحرب الى الناحية الغربية أعاد يوغورطة خطابه لبوكوس في التعاون ضد الرومان. ووعده على نصرته ثلث نوميديا. فلباه والتقيا. واجتمع باتحادهما عدد عديد من الجنود بارزا بها جنود مريوس. واشتد القتال يوما كاملا. وأحاط البربر ليلا بالرومان. وأوقدوا النيران يغنون عليها ويرقصون واثقين بانتصارهم على عدوهم. وفي الغد أخذهم تعب السهر. فهجم عليهم الرومان في هذه الحال. وفتكوا بهم فتكا ذريعا. ومن نجا من الموت ركب متن الفرار.
ذهب مريوس الى قرطة بعد هذا الانتصار. فاعترضه البربر في الطريق. وهم من جنود يوغورطة وبوكوس. وأنقسموا أربعة أقسام. ودامت المعركة بشدة ثلاثة أيام. وكانت غرب سطيف. وجاء صيلة لددا لمريوس. وأسفرت هذه الواقعة عن انتصار مريوس. فأتم سيره حتى دخل قرطة. كل هذا ولم تتم سنة (١٠٧).
لم ير بوكوس انتصارا يشجعه وهو من رجال الاستغلال من أبطال الاستقلال. فأرسل رسله الى مريوس في طلب الصلح. ولما بلغوا قرطة وجههم مريوس الى رومة ليقدموا مطلب أميرهم الى مجلس الشيوخ. ووجه صيلة رسولا إلى بوكوس. وبعد مسير صيلة خمسة أيام التقى في الطريق بفولوكس بن بوكوس الذي وجهه والده لملاقاة رسول مريوس.
لما وصل صيلة الى بوكوس وجد عنده رسولا من قبل يوغورطة.
فأجس في نفسه خيفة. ولكنه فاز بدهائه وجبن بوكوس على
стр. 190
رسول يوغورطة. واتفق هذا الرسول الروماني وذلك الملك البربري على خديعة يوغورطة. وتجدد بذلك دور ميتلوس وبوملكار. وإذا كان يوغورطة قد نجا إذ ذاك؛ قد قدر عليه أن لا ينجو هذه المرة. ولا ينفع حذر من قدر.
ابتدأ دور الخداع بمراسلة يوغورطة بطلب الاجتماع للمفاوضة في الصلح. فلم ينس دور ميتلوس وبوملكار. وأراد أن يتوثق لنفسه. فأرسل الى بوكوس يجيبه الى المفاوضة بشرط تسليم صيلة له بصفة ضمان. فتردد بوكوس أياما بين أن يسلم صيلة ليوغورطة أو يوغورطة لصيلة. وأخيرا اختار- وبئسما اختار- أن يسلم ابن جنسه وبعل ابنته للرومان ترضية لهم. فاقتطع ليوغورطة عهودا على الامان. فانخدع له. وما كان لينخدع لمن هو أدهى منه لولا المصاهرة والجنسية.
اتفق الاثنان على الاجتماع بصيلة بشرط أن يكون الجميع مجردين من السلاح. ودس صيلة عساكر مسلحة. ولما اجتمعوا انهالت تلك العساكر على يوغورطة وأوثقوه! ثم ذهبوا به الى مريوس. وذلك سنة (١٠٦).
وفي أول سنة (١٠٤) ذهب مريوس الى رومة في أبهة النصر وأمامه يوغورطة بلباسه الملوكي موثقا بالأغلال. فأودع السجن الى أن مات به من شدة الجوع وكلب البرد!.
وهكذا ختمت حياة بطل الحرب وداهية السياسة ورجل الاستقلال. شغل رومة مدة نحو سبع سنوات بحروب تعبت فيها تعبا شديدا. ولم تر منذ نزلت بأفريفية حروبا تضاهي حروب يوغورطة التي اشتهرت في عالم التاريخ القديم حتى خصت بالتأليف. ولم تحصل من خوضها لغمرات هذه الحروب على طائل سوى أخذ شخص يوغورطة بالخديعة والخيانة.
стр. 191
وكما شغل هو رومة شغلته هي أيضا عن ترقية وطنه. فان ذلك الذكاء النادر لو وجد في عمره هناء مصيبسا لأربى عليه في رفع مستوى دولته من حيث العمران والحضارة ولحصن استقلالها بأكثر مما حصن به سلفه قرطة.
ليس في انتصار رومة على يوغورطة أدنى شرف لها أو ضعة له. بل ما لها فيه إلا العار والشفار، وما له منه إلا المجد والفخار.
وقد جلب بوكوس بمصافاته للرومان تكدير حياة البربر بالقضاء على زعيم استقلالهم وتشجيع الرومان على امتلاك وطنهم. ومن نظر خاتمة يوغورطة مع صهره وجده أحق الناس بقول الشاعر العربي:
واخوان حسبتهمو دروعا ... فكانوها، ولكن للاعادي
وخلتهمو سهاما صائبات ... فكانوها، ولكن في فؤادي
____
ـ[صورة]ـ (ش-٨) نقود الملك يوغورطة. وعليها صورة بطل.
ـ[صورة]ـ (ش-٩) نقود الملك يوغورطة. وعليها رسمه.
____
стр. 192
١٤ - غودا (١٠٤ - ١٠٢)
غودا هو ابن منستابعل. وأخو يوغورطة. تولى الملك بعد اعتقاله أخيه. وذلك أن رومة لم تجسر- بعد إلقاء القبض على يوغورطة- على ابتلاع مملكته خيفة العجز عن الهضم وسوء المغبة. فأرجأت تملكها الى حين. وأخذت تمهد لذلك بتفرقة البربر على الأمراء، وأضعافهم بالفتن الداخلية التي تكثر بكثرة الأمراء.
وقد نجت في هذه السياسة. فأصبح أمراء البربر مشاركين لرومة فيما يقع بها من الفتن الداخلية، ومنقسمين على زعمائها: كل يؤيد زعيما برجاله وأمواله. فما من هول يقع برومة إلا وكان صداه بالوطن البربري حتى أن الزعيم الروماني الذي يكتب له الفوز هو الذي يكون له النجاح بأفريقية الشمالية.
اقتضت تلك السياسة أن لا تملك رومة مملكة يوغورطة ولا تدعها تحت أمير واحد. فقسمتها بين غودا وبوكوس صهره. وكانت نوميديا الاصلية نصيب غودا. وهي تنتهي غربا بصلداي. ولكنه لم يتمتع بها كثيرا إذ توفي بعد ذلك بقليل واقتسم ابناؤه مملكته.
جلس غودا على عرش نوميديا وهو شيخ كبير السن ولم تطل مدته ولا كان له في عنفوان شبابه عمل يشتهر به. ناهيك أنه لم يكن له ذكر في حروب أخيه. وهذا ما تركنا نجهل غودا ولا نعلم شيئا عن أعماله. بل ان عصره كان فاتحة عصر مظلم. قال مرسيي: "وهذا العمر كله مظلم أمام المؤرخ لفقدان الوثائق التاريخية عنه" وغاية ما علم عن غودا أنه كان رجلا ضعيف الرأي مسالما للرومان خادما لمطامعهم. ومثل هذا هو الذي تقدمه رومة للملك اضعافا للأحرار واخفاتا لصوت الوطنية.
стр. 193
١٥ - بوكوس الأول (١٠٤ - ٨٠)
بوكوس الاول كان ملكا على موريطانيا الغربية (مراكش) حوالي سنة (١١٦) ومسالما للرومان. ولما كان يوغورطة يعلم منه ذلك ويعلم من نفسه عداوته لهم أراد أن يجلبه اليه قبل الشروع في تنفيذ بزنامج عداوته. وقد نجح في ذلك فحارب به الرومان بعد ما حذره اياهم ونفخ فيه نسما من روحه. ولكن " ليس التكحل في العينين كالكحل"، فعاد أخيرا الى نصرة الرومان وأعانهم على القاء القبض على يوغورطة بالخديعة والخيانة. ولولاه ما أمكن الرومان أن ينالوا شيئا من يوغورطة. وقد ترك بفعلته تلك في تاريخه نقطة سوداء بل بحيرة حمئة. ويصعب على الاعتقاد بانه شارك الرومان في بشاعة هذه الخيانة. ويظهر لي أنه كان قليل التدبير فانطلت عليه حيل صيلة واغتر به فغر غيره. وحينما شاهد الخيانة أغضى عنها ضعفا وجبنا.
وعلى كل حال فان رومة منحته- جزاء ذلك- جزءا كبيرا من مملكة يوغورطة، وهو ما بين صلداي وملوشات، اضافة إلى مملكته القديمة. وأطلق على هذه الولاية الجديدة اسم "نوميديا الغربية" لانها كانت تحت ملك نوميديا. وعرفت نوميديا القديمة باسم "نوميديا الاصلية".
وبهذه الولاية صح ان نعد بوكوس (١) بين ملوك الوطن الجزائري. وباضافتها الى مملكته القديمة أصبح ذا ممكلة واسعة تشمل ما بين صلداي شرقا. والمحيط الاطلنتيقي غربا. ورغما من
стр. 194
هذا الانساع كله لم تكن له عزة نفس ونخوة ملك، فيترفع عن خدمة الرومان الذين لا يزيده جبنه معهم وخدمته لهم إلا طمعا في الوطن البربري وخيراته.
بعد أن فعل فعلته الاولى عززها بثانية. وذلك أنه حدث برومة شقاق بين مريوس وصيلة ففر الاول الى يرباص الذي أعانه على منافسه. فأرسل صيلة قائده بمبيوس (١) الى أفريقية بجنود كثيرة. وأعانه بوكوس بفيلق عظيم من فرسان موريطانيا تحت رئاسة غودا (قيل هو ابن بوغيد بن بوكوس وقيل حفيد بوغيد) وكان يرباص قد فر من بمبيوس. فاعترضه غودا وشتت جموعه. وأخيرا قتله.
وهكذا لم نر لبوكوس إلا اعانة للرومان على أبطال البربر الذين يأنفون من استعباد الاجنبي لهم ولقومهم.
وبعد أن ملأ صحائف حياته بمثل هذه الأعمال توفي في حدود سنة (٨٠) وترك ولدين اقتسما مملكته.
١٦ - يرباص (١٠٢ - ٨١)
اختلف في اسم هذا الملك: فمنهم من سماه يرباص، ومنهم من سماه هرتاص. وهو من أسرة يوغورطة. قال مرسيي: " والظاهر انه ابن غودا أخي يوغورطة ".
انتصب بعد وفاة غودا على نوميديا الوسطى. وكان- كبقية
стр. 195
أمراء البربر- تحت سيادة رومة: يذهب اليها، ويرسل أبناءه ليتعلموا بها. وتخلق بالاخلاق الرومانية. وصار يتكلم باللغة اللطاينية. ويحافظ على الفنون الرومانية. ويشيد بالمدن البناءات الأنيقة. ويعتني بالفلاحة.
ومع كونه تحت سيادة رومة وآخذا من أخلاق أهلها وحضارتهم كانت غايته تهيئة الأمة البربرية للاستقلال التام وطرد النفوذ الروماني من وطنها.
وفي مدته نازع صيلة مريوس على رئاسة رومة. فراى مريوس أنه عاجز عن مقاومة خصمه، وأراد أن يستعين بأمراء البربر. فوجه ولده إلى هيمصال الثاني من ملوكهم يعرض عليه حمايته وإعانته فلم يقبله، لأنه رأى نجاح صيلة برومة. فخشي عاقبة قبوله. إذ ذاك عاد الولد الى والده مريوس، وأشار عليه بالفرار. ففر الى الولاية الرومانية بأفريقية. ولكن واليها طرده. فبقي هائما بحدود نوميديا. ثم تمكن من الفرار الى قرقنة. وأخيرا أجاره يرباص. وقضى عنده شتاء سنة (٨٨).
كانت حماية يرباص لمريوس بعد اعراض هيمصال عنها سببا في انتشاب حرب بينهما انتصر فيها يرباص وطرد هيمصال من مملكته واستولى عليها. وبذلك أصبح مريوس منتصرا بأفريقية ومنهزما برومة. وكانت أتباع صيلة تأوي إلى عوتيقة. فأرسل ستة فيالق بقيادة بمبيوس لحرب مريوس. وتقابل الجيشان فانهزة مريوس، وفر يرباص بطائفة من جنوده. وكان بوكوس قد وجه كتيبة من الخيل تحت رئاسة غودا نصرة لبمبيوس. فالتقى غودا بيرباص في الطريق وشتت جنوده. ففر إلى عاصمته بولريجيا (١) وهجم بمبيوس
стр. 196
على نوميديا فحال دون انجاد أهلها لملكهم يرباص. فاضطر الى التسليم لغودا فقتله! وذلك سنة (٨١).
قد تدرك نباهة يرباص وحذقه وإخلاصه لأمته من حمايته لمريوس. ذلك أنه لم يكن يخفى عليه ضعف هذا الرجل برومة وتشرده بأفريقية. فكان تحزبه له لضرب من السياسة في صالح قومه: يريد أن يشاغب به على رومة، وان أتيح له الفوز وجد غرضه معه أكثر مما يجده مع صيلة. فإن الضعيف يرى الانتصار له مزية واحسانا، والقوي يحسبه تملقا وهوانا. وإذ لم ينجح يرباص في سياسته فعندي انه يكفيه ان مات ميتة شريفة بانتصاره لحزب ضعيف من حزبي أعداء قومه ووطنه.
وبموته انقضت الفتن الداخلية بين أمراء البربر. ومدتها سبع سنوات.
____
ـ[صورة]ـ (ش-١٤) نقود الملك يرباص وعليها رسما.
____
١٧ - هيمصال الثاني (١٠٣ - ٥٠)
هيمصال الثاني هو ابن غودا، وأخو يرباص علي الظاهر. انتصب ملكا بشرقي نوميديا بعد وفاة أبيه. ولعله كان يرى له الحق في الاستقلال بمملكة والده دون يرباص، ويترصد الفرص لضم مملكة أخيه الى ما تحت يده.
стр. 197
فلما تنازع مريوس وصيلة انتصر للثاني لعلمه بقوته ورد طلب الأول وحبس الأول وحبس ولده فلم ينج الا بتدبير إحدى جواريه. ولعله كان يرجو من تحزبه لصيلة ان يعينه على أخيه. فلما انتصر يرباص لمريوس رأى ان الوقت قد حان للاستقلال بنوميديا. فاشهر عليه حربا انجلت عن هزيمته. وأصبح صفر الكفين من الملك، وأشبه في التدبير حنيناً صاحب الخفين.
ولما قتل يرباص وسقط حزب مريوس من رومة وأفريقية معا اعادت رومة لهيمصال ملكه مضافا اليه مملكة يرباص. ثم حدث بينه وبين ماصنتة (من امراء البربر) خلاف انهياه إلى مجلس الشيوخ برومة. وكان له ولد يدعى يوبا فوجهه اليها نائبا عنه. ففاز على خصمه ومتّن الروابط بينه وبين بمبيوس.
وقد تقدم انه بموت يرباص انتهت الحروب بين امراء البربر فبقي هيمصال بمملكته هادئا مطمئنا مستعينا بابنه يوبا منشطا للفلاحة ناشرا للحضارة الرومانية محافظا على فنونها حتى توفي سنة (٥٠).
____
ـ[صورة]ـ (ش -١٥) نقود الملك هيمصال وعليها رسمه
____
١٨ - ماصنته
هو أحد ملوك البربر. كان معاصرا ليرباص وهيمصال، وعاش بعد يرباص. قال مرسيي ناقلا عن المؤرخ بول (Poulle): (ان مع
стр. 198
هذين الملكين (يرباص وهيمصال) ثالثا يدعى ماصنته. كان على ناحية سطيف. وكانوا كلهم تحت نظر رومة. وكانت غايتهم جميعا تهيئة الأمة لحكم نفسها بنفسها. وكان الجيتوليون مستقلين تحت سادات من عظمائهم".
وعليه فان حكومة هؤلاء الثلاثة لم تتناول جهة الصحراء. فالجيتوليون الذين كانوا خضعوا ليوغورطة، وحاربوا معه الرومان لم يخضعوا لهؤلاء الملوك الذين خلفوا يوغورطة. وسر ذلك- فيما أرى- انهم لم يزالوا ممتنعين عن التداخل الروماني. فخضعوا ليوغورطة لما رأوه عدوا للرومان، وابتعدوا عن خلفه لما رأوا بهم سمة الانقياد لهم.
كان ماصنتة مجاورا ليرباص ولم يبلغنا شيئ عن علاقتهما أكانت حسنة ام غير حسنة. وقد تقدم ان هذا الدور من التاريخ يعلوه قتام الخفاء. ومع ذلك يمكننا ان نحكم بانهما كانا متسالمين. وذلك يدل على ضعف نفوذ رومة لديهما. لان أثر نفوذها يظهر في التفرقة بين الملوك واشغالهم بالفتن. ويؤيد حكمنا ذلك ان التاريخ قد أعلمنا بما كان بين يرباص وهيمصال من الحروب، واعلمنا ايضا بما وقع بين هيمصال وماصنتة.
وذلك انهما لا تجاورا بعد قتل يرباص وقع بينهما خلاف. فترافعا الى مجلس الشيوخ. وذهب يوبا نائبا عن ابيه. وكان يوليوس قيصر مدافعا عن ماصنته. واشتد في دفاعه وتحمس حتى قبض يوبا من لحيته. وغضب يوبا من ذلك واسرها في نفسه. هذا ما امكننا الوقوف عليه من حديث هذا الملك.
ولم نعثر على تاريخ ولايته ولا وفاته. وغاية العلم انه كان ملكا
стр. 199
فيما بين سنتي (٨٨ و٨٩) ومحقق انه عاش بعد يرباص. وتولى الملك قبل سنة (٨٨).
١٩ - بوكوس الثاني (٨٠ - ٤٠)
كان بوكوس الاول ملكا على موريطانيا الغربية. وبعد يوغورطة اضيفت اليه موريطانيا الشرقية. وقد تسمى نوميديا الغربية. وكان له ولدان احدهما بوكوس الثاني هذا والآخر بوغيد الاول الآتي ذكره ولما توفي سنة (٨٠) اقتسم الابنان مملكته. فأخذ بوكوس الثاني موريطانيا الشرقية. وهي ما بين صلداي وملوشات. ذلك الوطن الذي اخذه ابوه بالخيانة او الجبن والبلاهة.
اتخذ بوكوس الثاني عاصمة مملكته هاته يول (شرشال). وكان - كبقية ملوك عصره- غير- بعيد عن المعارك التي تقع برومة بين الزعماء. اذ قد وجد اوليك الزعماء في الوطن البربري ما يساعد كل واحد منهم. لان مرض المنافسة الذي كان يفتك بزعماء رومة كان يجري بدماء عظماء البربر أيضا. فكل حزب برومة يجد له عاضدا بأفريقية.
افضت الزعامة برومة الى بمبيوس محارب يرباص. ونافسه يوليوس قيصر. وافضت المنافسة الى المحاربة. فانتصر قيصر برومة والاندلس.
وكان بالوطن الجزائري ثلاثة ملوك: يوبا بن هيمصال ومصانسيس وبوكوس الثاني. وكان مصانسيس متحدا مع يوبا. ويوبا هذا يبغض قيصر منذ حامى عن خصم ابيه برومة وقبضه من لحيته. فتحزب لبمبيوس. وهذا سبب نجاج البمبيين اولا في وطن البربر. فلما رأى قيصر ان ينقل الحرب الى أفريقية وعلم ان البربر بها ضده
стр. 200
كاتب بوكوس واخاه يدعوهما لنصرته بالهجوم على مملكة يوبا. وقيصر هذا ابن اخي زوجة مريوس الذي كان بوكوس الاول اعانه على يوغورطة. فكانت هذه القرابة داعية لتلبية بوكوس الثاني لطلب قيصر. يضاف اليها داعي المنافسة بين ملوك البربر.
وسنرى فيما يلي تفصيل هجوم بوكوس على مملكة يوبا وانتصار قيصر وانتحار يوبا.
ولما نجح قيصر بعد معركة طبسوس سنة (٤٦) جازى بوكوس الثاني على اعاتنه له بأن اضاف له موريطانيا السطيفية.
ومن غير شك ان هذا الملك كانت له دولة راقية. فقد كانت أوسمة له يمنحها لاهل الاعمال الكبيرة في دولته. يدل على ذلك ان الباحثين عن الآثار عثروا على وسام به صورة بوكوس الثاني راكبا فرسه، وهو مجد في عدوه، وبيمينه قضيب يسير به فرسه كيف شاء، وبشماله آلة الرمي (١) ٠
مملكة بوكوس هذا كلها مشتراة من ملوك النوميديين بخيانة ابطال الاستقلال البربري. وكما أن أباه رزأ البربر يوغورطة رزأهم هو- ومن يشابه أبه فما ظلم- يوبا.
٢٠ - يوبا الأول JUBA ١ (٥٠ - ٤٦)
يوبا الاول هو ابن هيمصال الثاني. اعتنى به والده. فارسله الى رومة حيث تعرف الى الحضارة الرومانية في منبعها. وكان له
стр. 201
شغف بالحروب. فحفظ لذلك من السقوط في مضار الحضارة، وعاش- حربيا شجاعا.
كان هذا الملك ينطوي على مثل ما انطوى عليه سلفه مصينيسا ويوغورطة من الاستقلال بالوطن البربري وطرد النفوذ الروماني منه. فاستعد لتحقيق أمنيته بتنظيم الجيوش وتدريبها. وكان بهذا الوطن شذاذ من امم مختلفة يؤجرون انفسهم في الحروب، ورجال من الرومان نفتهم الاحزاب المضادة لهم المتغلبة على أحزابهم. فاتخذ منهم يوبا جيشا منظما يكون مثالا للبربر في النظاء العسكري.
لم يلبث هذا الملك- بعد تبوإ عرش مملكته- الا قليلا ودخل في حروب طاحنة ختمت بانتحاره. وذلك ان بمبيوس صديق والده كان رئيس الجنود الرومانية التي لنظر مجلس الشيوخ، وظهر يوليوس قيصر في مظهر السيد المستبد، وحاول ان يسقط الجمهورية الرومانية، فنشبت الحرب بينه وبين بمبيوس. وقد عرفت ان كل اضطراب يقع برومة يكون صداه بأفريقية.
تغلب قيصر على بمبيوس وانتزع منه ايطاليا. ففر فاروس (احد ضباط بمبيوس) الى أفريقية ومعه جنوده. واعلن التشيع لبمبيوس واخذ في اصطناع يوبا. فلم ينس هذا الملك صداقة بمبيوس لوالده ولا عداوة قيصر له ولا اضاع عليه فرصة انشقاق الرومان لتنفيذ برنامجه الاستقلالي. ففعل فعل عمه يرباص وانتصر للحزب المغلوب بايطاليا.
وفي سنة (٤٩) وجه قيصر الى افريقية من ضباكه كريون. وكان عدوا شخصيا ليوبا. واقترح على مجلس الشيوخ ان ينتزعوا من يوبا مملكته التي ورثها من ابيه. واعلنت شيعته برومة ان يوبا عدو لجميع الرومان.
стр. 202
نزل كريون بالولاية الرومانية. ودارت بينه وبين فاروس مناوشات الجأت فاروس الى الفرار الى عوتيقة (بوشاطر) فحاصره كريون بها. وساءت حالة البمبيين. فجاء يوبا بجنود كثيرة نجدة لهم وعملا لفائدة الاستقلال البربري. ففك الحصار عن عوتيقه. وفر كريون الى احد المعاقل وتحصن به. ثم اشيع- لاخراج كريون من حصنه- انه ثارت ثورة بمملكة يوبا وانه ذاهب لاخمادها. وترويجا لهذه الاشاعة تأخر يوبا بجنوده وافياله. ولم يترك منهم الا قليلا تحت قيادة قائده صبورة. فتقدم هذا القائد بجنوده القليلة الى حصن كريون. فتسلل كريون من حصنه ببعض جنده. وكان عنده أسرى نوميديون. فايدوا له خبر ذهاب يوبا الى مملكته. والقى بنواحي مجردة بطلائع الجيش النوميدي. فهجم عليهم من غير احتراز بناء ظى اعتقاده ذهاب يوبا. وتأخر النوميديون امامه تأخرا نظاميا: يناوشونه الحرب ثم ينهزمون. وما زالوا معه كذلك حتى قربوا مكانا كمن به يوبا. وادرك كريون ومن معه التعب من جراء فعل النوميديين ذاك. فما هالهم الا احاطة جنود يوبا الكثيرة بهم من كل ناحية. وكان بجنود يوبا الفا فارس من الاسبان والغاليين. فلم يجد كريون - والحالة تلك- غير الاصطلاء بنار يوبا. فاشتد القتال. وانتهى باستئصال جنده واخذ رأسه الى يوبا. وذلك في العشرين من يونيه سنة (٤٩).
تعزز يوبا، بهذا الانتصار ورأى انه قد اتيح له ان يعلن بسيادة البربر الوطنيين على الرومان الغرباء. فعاد الى عوتيقه عاصمة الولاية الرومانية. واظهر عظمته على الرومان حتى البمبيين انفسهم. وصار كثيرا ما يقدم نفسه للسيادة عليهم وعلى جنودهم، يتخذ الجميع كآلة بيده. ويحتج لسيادته بانه هو الذي قتل كريون وجنوده،
стр. 203
ولولاه لذهب أثر البمبيين من أفريقية كما ذهب من ايطاليا. وزاد في قوة حجته وتأييد سيادته انه غني جدا وصاحب الكلمة النافذة في وطنه.
وقد بلغ من استعلائه على البمبيين ان سبيون رئيسهم جاءه يوما لابسا حلة حمراء مطرزة بالذهب- وهذه الجبة من شعار الملوك اذ ذاك- ليظهر ليوبا عظتمه. فأنف منه، وأمره يانتزاعها ولبس البياض فلم يسع سبيون الا الامتثال.
كان بمبيوس لما انهزم بايطاليا ذهب الى مصر. ولما بلغ الاسكندرية دس اليه بوثان (١) من قتله. ولكن شيعته لم يحل من عزمها موته حيث وجدت في يوبا أقوى عضد لها بأفريقية. وتلاحق اليها من عظماء هذا الحزب ميتلوس. سبيون- وهو صهر بمبيوس غير سبيون الأفريقي وسبيون الاميلي- فبلغها سنة (٤٨) ثم قاطون سنة (٤٧).
ولما دخل قاطون عوتيقه وجد سبيون وفاروس مختلفين على رئاسة الجند، كل يريدها لنفسه. ووجد يوبا مستعليا عليهما وجالسا بينهما كما هي عادة الملوك. فلم تسمح له نفسه بمشاهدة هذا المنظر المزري بجنسه. فرفع الكرسي ووضعه الى جانب سبيون بحيث يكون وسطا ويبقى يوبا طرفا. واراد بهذا الفعل إشعار يوبا بأن السيادة للرومان. ثم وحد بينسبيون وفاروس.
بعد ذلك تفرغ البمبيون لتنظيم شؤونهم. ولم يتأخر يوبا عن اعانتهم. تفاوضوا اولا فيمن يخلف بمبيوس لرئاسة حزبهم وتدبير حربهم. واتفقت كلمتهم على تقديم سبيون لهذا المنصب فتهيأ للحرب. وجمع اربعين الف جندي وخيلا كثيرة اركبهم العبيد والموالي.
стр. 204
وامدهم يوبا باربع فرق منظمة تنظيما رومانيا. فيها اثنا عشر الف جندني وخيل كثيرة. وامدهم أيضا برجال كثيرين من البوادي غير المنظمين و (١٢٠) فيلا. وتولى سبيون نفقات جميع جنود يوبا ودفع مرتباتهم.
يوبا- وإن اعان البمبيين- لم يكن مخلصا لهم. فأخذ يشير على سبيون بما يبغض الرومان الى البربر لئلا يكون لاجنبي نفوذ بوطنه على قومه. فأشار عليه بجبر سكان الولاية الرومانية على تسليم حبوبهم لتموين الجند وجبر التجار منهم على تقديم الاموال. فنفذ اشارته بصرامة حتى انه خرب لذلك مدنا كثيرة. ثم اشار عليه بتتبع المتشيعين لقيصر حتى المتهمين بالتشيع: باستئصالهم وقتل ذريتهم ونسائهم. وكان جل من بعوتيقه قيصريين. ولكن سبيون تفطن هذه المرة للدسيسة. فدافع يوبا بأن هذا عمل يغضب الرب. ولو استرسل سبيون في غفلته وعمله باشارات يوبا لثارت عليه العاصمة (عوتيقه)، واشتغل الرومان بعضهم ببعض، وتفانوا. فتبقى الولاية الرومانية ليوبا غنيمة باردة. وذلك ما كان يأمله لتحقيق غايته الاستقلالية.
بلغ الخبر الى رومة بقوة سبيون ويوبا. فدخل الرعب قلوب القيصريين. ولكن قيصر رأى ان يتمم انتصاراته بنقل الحرب الى أفريقية.
واذ قد ارتأى هذا الرأي فهو مضطر للاستنصار بملوك البربر. وقد علم ان يوبا مصانسيس ضده. فكاتب بوكوس الثاني وبوغيد الاول ليشغلا له يوبا. ووعدهما اقتسام مملكته. فكانا له على يوبا.
في منتصف اكتوبر سنة (٤٧) توجه قيصر الى أفريقية على طريق صقلية. ونزل بنواحي قليبية من عمالة تونس. وعند نزوله عثر فسقط على الارض فقبضها ونادى- خشية الطيرة التي تضعف من
стр. 205
عزائم جنده-: " أفريقية! قد قبضتك ". ونزل معه من الجنود نحو (٣٠٠٠) مشاة و (١٥٠) فارس. وتأخر بقية الجند في البحر.
لما نزل قيصر جد سبيون في تجنيد بربر الولاية الرومانية. فوجد قلوبهم منحرفة عنه لعسفه وجوره وتعديه على اموالهم. ورومان هذه الولاية متشيعون لقيصر لان عمته كانت تحت مريوس غالب يوغورطة. فلم تبق لسبيون ثقة في أهل الولاية الرومانية من بربر ورومان.
هنالك اضطر لمفاوضة يوبا على الوجه الذي يهواه. فطلب منه النجدة على ان يترك له افريقية متى انتصر ويعود بالرومان الى ايطاليا. فلم يشك يوبا في انه قد اشىرف على تحقيق غايته. فاعانه بفرسان نوميديا الذين لهم شهرة من ايام حنبعل، وبالافيال الكثيرة. وكانت جنود يوبا هي عمدة سبيون.
في نوفبر هذه السنة وقعت المعركة الاولى بين قيصر وضباط سبيون. وأحيط بقيصر فكاد يؤسر. ولكنه نجا بدهائه وسار نحو مركزه. فلحقته طائفة من فرسان نوميديا جاءت بعد المعركة. وعددها (١١٠٠) فلم يخلص منها الا بعد اللتا والتي. ورأى ان هذه المعركة على شدتها ليست من الاهمية بمكان لغيبة شخصي يوبا وسبيون عنها. فاهتم من بعدها وحصن مركزه.
كان لبمبيوس ولد صغير لحق بأفريقية. فاخذ قاطون ينفخ فيه روح الغيرة، ويستثير حميته بذكر تاريخ والده وجلائل اعماله. واشار عليه بالسير الى بوكوس حليف قيصر. فتوجه الولد اليه في الفي جندي تقلهم ثلاثون سفينة برسم الكف عن مملكة يوبا وعدم أشغاله عنهم. ولما نزل بالشاطئ وأخذ يتقدم نحو العاصمة احاط به البربر واوسعوه
стр. 206
شتما وفتكوا بمن معه. ونجا ببعض جنوده، فركب سفنه، وعاد خائبا.
وكان قيصر في حال سيئة. فاستمال رجلا ايطاليا يدعى ستيوس الى نصرته. وكاتب بوكوس واخاه بوغيد يعلمهما بأن يوبا سيذهب الى حربه ويخلو لهما وجه مملكته. ويشير عليهما بالهجوم اذ ذاك.
علم يوبا بحرج موقف قيصر. وخفي عليه ما دبره مع ابني بوكوس الاول. فلم يكتم سروره بضعف عدوه. ورأى انه قد قرب اليوم الذي يتمتع فيه بوعد سبيون. فجمع جنودا كثيرة وخيلا وفيلة. واخذ يجول بها في البوادي والناس تنضاف اليه حتى كان قريبا من المنستير (بتونس).
وفي هذه الاثناء ذهب ستيوس الى بوغيد مستعينا به. واتحد مع بوكوس. وهجما على مملكة يوبا. وفتحا قرطة بعد حصار لم تطل مدته. وفتحا أيضا حصنا (غير معلوم لدى المؤرخين) به مؤن يوبا وذخائره واسلحته. واستأصلا سكان مدينتين من مدنه. وصارا يهددان بقية مدن نوميديا وباديتها. ولا يشاهد بها الا النار والدم.
بينما يوبا في زهوه وسكره برائحة خمرة الانتصار اذ بلغه ما حل بمملكته. فتوجه في الحين وأغذ السير لادراك أهل مملكته. واخذ معه كل ما اعان به سبيون من رجال وخيل وفيلة. ولم يترك له الا ثلاثين فيلا غير مهذبة ولا مدربة.
ضعف سبيون بعد ذهاب يوبا عن مقاومة قيصر. فارسل اليه يستحثه في اللحاق به. ويؤكد له وعده السابق. فلم يجبه الى طلبه لاشتغاله بدفاع الهاجمين على مملكته. وقد يكون من غرضه ان يدع الرومان يتهالكون. ثم يرجع على الغالب منهم فيحاربه. ويطهر
стр. 207
الوطن البربري من الرومان. ولكن سبيون ألح عليه حتى رحمه. وترك قائده صبورة لمقابلة ستيوس وبوكوس.
عاد يوبا الى سبيون بألف ماش وثمانمائة فارس وثلاثين فيلا. ونزل في العشرين من دجنبر بجيشه خلف جيش سبيون. وفي التاسع والعشرين منه وقعت معركة شديدة بين المتحاربين.
وفي يناير سنة (٤٦) فر الى قيصر كثير من جنود يوبا الجيتوليين. وبلغ عددهم الفا. وسبب ميلهم الى قيصر ان ضباط هذه الفرقة كانت لآبائهم أراض انتعزتها منهم والد يوبا هيمصال. واعادها عليهم مريوس بعل عمة قيصر. ثم تتابعت عدة وقائع كانت خاتمتها واشدها واقعة طبسوس (١) في هذه الوقعة تفاقمت الاهوال واشتد القتال. وانتهت بفوز قيصر وفرار اعيان حزب بمبيوس.
ذهب يوبا بعدها الى مدينة زامة. وكان اتخذها عاصمته الثانية. ونقل اليها- لما عزم على حرب قيصر- نساءه وذريته وامواله وجمع ببطحانها حطبا كثيرا. واقسم ايمانا مغلظة: لئن غلبه قيصر ليحرقن بذلك الحطب اهل المدينة ثم اهله ونفسه. فلما بلغها اغلقوا في وجهه الابواب مخافة ان ينفذ فيهم ايمانه.
اظلمت المدنيا في وجه يوبا. وضاقت عليه الارض بما رحبت. فصنع وليمة اكثر فيها من الاكل وشرب الخمر. ثم تحامل على سيفه ليريح نفسه من عناء الدهر. فلم يستطع الثبات على ذبابة السيف لغلبة الخمر عليه. فأمر أحد عبيده بقتله فقتله!
стр. 208
وهكذا انتهت حياة يوبا بعد ما كاد يحقق غايته ويطرد الرومان من افريقية. وعلى قلة ايامه واشتغاله بالحروب كانت له دولة عظيمة وضرب السكة باسمه. وبلغ من عظمته ان صار لا يحفل بالرومان. على انه جاء بعد ما انهكت وطنه الحروب الداخلية، وتقاسمه امراء متعددون. قال بعض مؤرخي الافرنج: كان النوميديون أذ ذاك على غاية من الحضارة. وحالتهم أحسن من حالة أهل الجزائر على عهد الاحتلال الفرنسي".
بقي صبورة يحارب ستيوس وبوكوس بعد انتحار ملكه حتى قتله ستيوس في معركة من المعارك. وشاءت الاقدار ان لا يبقى بعد ملكه للهوان والصغار.
٢١ - مصانسيس MASNASSES (٥٠ - ٤٦)
مصانسيس كان ملكا على قسم سطيف من نوميديا. ولا ندري الوجه الذي ورث به الملك على هذا القسم بعد ماصنتة.
لما دخل يوبا في حرب قيصر كان هذا الملك معينا له على حربه واعلاء شأن وطنه باضعاف النفوذ الاجنبي او ازالته.
ولما انتصر قيصر على خصومه بأفريقية اقتسم مملكتي يوبا ومصانسيس على انصاره: القسم الشرقي من نوميديا جعله مستعمرة رومانية. واطلق عليه اسم "أفريقية الجديدة" او "نوميديا الحديثة" هذا القسم واقع شرقي قسنطينة. ويشمل قالمة وعنابة. ومملكة مصانسيس منحت لستيوس. وهي عبارة عن قرطة وروسفاد وشولو وميلوم وتوابعهن. ومن ههنا تعرف ان قول المؤرخين: مصانسيس ملك على قسم سطيف، مرادهم به ما يشمل هذه الولايات الاربع لا
стр. 209
خصوص موريطانيا السطيفية. ووسع في مملكة بوكوس الثاني باضافة موريطانيا السطيفية اليها. وهي ما بين مساغا وصلداي. وجازى بوغيد الاول بأن اعطاه القسم الغربي من نوميديا.
هكذا وزعت مملكتا يوبا ومصانسيس على ثلاثة اقسام: قسم جعل مستعمرة رومانية وقسم اضيف لملكي موريطانيا الغريبين لانهما ليسا نوميديين ولكنهما على كل حال بربريان. وقسم جعل وسطا بينهما جغرافيا وسياسيا وهو الذي منح لستيوس. فان هذا الرجل ليس بربريا بل هو ايطالي لكنه يعمل لنفسه لا للرومان.
وسياقة خبره انه كان جنديا وترقى الى أن صار واليا ثم عزل. فاغضبه العزل. واخذ يسعى في جمع اللصوص والمتشردين من ايطاليا واسبانيا. فكون جيشا تحت طاعته. وصار يؤجره لمن يحتاجه من الملوك في حروبهم. وكان منصور الراية. فاشتهر ذكره وطار في الآفاق صيته. فربحت تجارته. وجمع اموالا كثيرة اشترى منها سفنا. وصار يشتغل بالقرصنة يغزو المراسي وينهبها. ولم تخف مكانته على قيصر. فراسله طالبا منه اشغال يوبا عنه. ووعده ببعض مملكته. فاجاب الطلب، وقضى له بالغلب. ونال من ذلك الارب. فبقي اميرا بمملكة مصانسيس حتى اغتاله عرابيون كما سيأتي.
٢٢ - بوغيد الاول (٤٦ - ٤٤)
بوغيد الاول هو ابن بوكوس الاول. انتصب ملكا بموريطانيا الغربية بعد وفاة ابيه سنة (٨٠) واعان قيصر على يوبا. فمنحه القسم الغربي من نوميديا. وبذلك دخل بوغيد ضمن ملوك البربر في الوطن الجزائري غير انا لم نتحقق المراد بالقسم الغربي من نوميديا. وفي مرسيي: ان يوبا كان ملكا على نوميديا الشرقية والوسطى، وان مصانسيس كان
стр. 210
على قسم سطيف من نوميديا، وان القسمين الاولين جعلتا مستعمرة رومانية، وان مملكة مصانسيس منحت لستيوس، وان قسم سطيف الحق بموريطانيا الشرقية، ومراده انه اضيف لبوغيد على ما يفسره قوله في موضع آخر. واذن فقسم سطيف هو المراد من نوميديا الغربية. وفي غروت: ان بوكوس الثاني أخذ موريطانيا السطيفية.
في هذه الاقوال ضرب من الاجمال لم نجد ما يفسره من الانقال. ولكن إذا استعنا بالمفسر على المبهم سهل علينا فهم بعض ما لم نفهم. ذلك ان مستعمرة الرومان قد علمت انها تشمل قالمة وعنابة. فتكون هاتان العمالتان حد نوميديا الوسطى غربا، وان مستعمرة ستيوس قد علمت حدودها ايضا. فما بقي من نوميديا غربا قسم بين الاخوين بوكوس وبوغيد. وهو ما عبر عنه غروت بموريطانيا السطيفية. وعبر عنه مرسيي مرة بقسم سطيف، واخرى بالقسم الغربي لنوميديا. ويكون قول غروت؛ بوكوس أخذ موريطانيا السطيفية لا يعني به جميعها. هذا ما امكننا فهمه من ذلك الاجمال والاضطراب بعد العجز عن ايجاد شرحه في أي كتاب ..
كان قيصر يريد اسقاط الجمهورية. فكان الجمهوريون ضده. فبعد ما غلبوا بايطاليا ثم أفريقية ذهب من بقي منهم الى اسبانيا ومعهم من امراء البربر عرابيون ابن مصانسيس. فذهب قيصر الى حربهم. وبقي برغيد معينا له هنالك أيضا. ووقعت حروب بينه وبين الجمهوريين من شيعة بمبيوس. واخيرا انتصر عليهم في منده من بلاد اسبانيا سنة (٤٥). وتوفي بوغيد سنة (٤٤).
٢٣ - عرابيون
عرابيون هو ابن مصانسيس. لما قسم قيصر مملكتي والده ويوبا
стр. 211
على ما سبق بيانه ذهب هو الى الاندلس. وبها شيعة بمبيوس. فجمع هنالك جيشا من اللصوص واشتغل بالحرابه زمنا. ثم ازداد جيشه قوة وازداد هو مهابة. فقاتل قيصر هنالك.
وفي سنة (٤٤) توفي قيصر وبوغيد عدوا أبيه. فرأى أن الوقت مناسب لاسترجاع مملكتة والده. فعاد الى وطنه بمن معه من الجنود. وجمع اليه شيعته من النوميديين. وبعث منهم بطائفة الى بمبيوس الصغير ليعلهم حسب الانظمة الرومانية. ومن غير شك ان النوميديين استبشروا، بعوده اليهم لانهم صاروا تحت اجانب عنهم في الوطن او في الجنس والوطن جميعا.
خلف بوغيد ابنه بوكوس الثالث. ورأى عرابيون ما له من الجنود، فعزم على حرب بوكوس لينتزع منه نوميديا السطيفية (١). وكان بوكوس غربيا عن محكوميه فاستنجد بوكتافيوس المستب برومة بعد قيصر. فلم ينجده لاشتغاله بتثبيت قدمه برومة.
تحارب الملكان البربريان، فكانت الخيبة نصيب بوكوس. واسترد عرابيون منه نوميديا السطيفية. وبقي له ستيوس. فدبر له مكيدة نجح فيها فقضى على حياة هذا الايطالي المتملك على البربر. واسترجع بذلك جميع ما كان يملكه ابوه. ولكثرة الفتن برومة بين الجمهوريين والقيصريين ذهب دم ستيوس هدرا. ولم يتوجه على عرابيون من الرومان ادنى بحث او مسؤلية.
في هذه المدة كان الوالي بأفريقية القديمة كورنفسيوس. واعطيت نوميديا الحديثة لوكتافيوس. فوجه اليها عامله سيكتيوس. وطمع في الاستيلاء على أفريقية القديمة أيضا. فوقعت الحرب بين الوالي
стр. 212
والعامل. وخاطب كلاهما عرابيون مستنجدا به. فتريث في الاجابة مفكرا في أي الرجلين أوفق بسياسته. ثم رأى ان الاصلح له اجابة وكتافيوس فانضم له.
وبينما كورنفسيوس محاصر لقرطة اذ بلغه ان عرابيون انتصر لوكتافيوس. ففشل وغادر قرطة فارا الى ولايته. ولحقه عرابيون. وتلقاه سيكستيوس شرقا. فانحصر بين عدوين. وأمعن عرابيون في جنوده قتلا. فلم ينج منهم الا القليل.
دخل بعد هذا الانتصار سيكستيوس افريقية. وعاد عرابيون الى مملكته بغنائم قيّمة. وقد يكون توسع في نوميديا الحديثة. وفي سنة (٤٣) اصطلح وكتافيوس وانطونيوس. وتشكلت حكومة رومة من رؤساء ثلاثة. هذان الاثنان ولبيدس. وبقيت افريقية تحت وكتافيوس ولكنه عزل سيكستيوس وعوضه بفانغو.
وفي سنة (٤٢) اقتسم الرؤساء الثلاثة المملكة الرومانية من جديد. فاخذ انطونيوس افريقية الاصلية. واخذ وكتافيوس نوميديا والجهات الغربية. فكلف سيكستيوس بالنيابة عن انطونيوس في افريقية، وفانغو بالنيابة عن وكتافيوس في نوميديا الحديثة.
ولسوء ادارة فانغو ثارت عليه البربر وامدهم عرابيون. ولكن فانغو انتصر عليهم ففر عرابيون الى سيكستيوس. وطلب منه فانغو تسليمه فلم يسلمه. فهجم على افريقية وعاث فيها فسادا. فدافعه سيكستيوس، واعانه عرابيون والنوميديون، فكانت الهزيمة على فانغو.
وبعد هذا خدع سيكستيوس عرابيون وقتله غيلة. فمن المؤرخين من قال: قتله لانه كان قد أعان وكتافيوس على انطونيوس، ومنهم من قال: لانه كان يخشى نفوذه ويغار منه. وليس الجمع بين الامرين بمعتذر.
стр. 213
غضب فرسان نوميديا لقتل عرابيون. فذهبوا الى فانغو واغروه بسيكستيوس فتحارب هذان العاملان. ولكن فانغو غلب فقتل نفسه. واصبح سيكستيوس هو الوالي الوحيد بإفريقية الاصلية ونوميديا الحديثة. قال مرسيي: "وربما ضم اليه ما كان تحت ملك عرابيون"
كان عرابيون عاملا جريئا مفكرا داهية شجاعا مقداما صاحب آمال كبيرة: ينوي اخراج الرومان من نوميديا. ولكن لم يساعده القدر. وسلك سبيل غيره من عظماء البربر. فذهب ضحية الاستقلال قبل ان يحقق تلك الآمال. وهكذا اتخذ عظماء الومان قتل الاحرار سبيلا لترضية جشعهم في الاستعمار. وكان عرابيون خاتمة ملوك نوميديا الذين وقفوا في وجه الاستعمار الروماني واوقفوا سيره.
٢٤ - بوكوس الثالث (٤٤ - ٣٣)
بوكوس الثالث هو ابن بوغيد الاول. جلس على عرش الملك بعد وفاة ابيه. وانتزع منه عرابيون نوميديا السطيفية.
وفي سنة (٤٠) توفي بوكوس الثاني. وورثه ابنه بوغيد الثاني. وكانت الحرب بالاندلس بين وكتافيوس وانطونيوس. وكان الاول عدوا لبوكوس الثاني صديقا لبوكوس الثالث. فألح انطونيوس على بوغيد الثاني في اعانته على عدو أبيه. فذهب سنة (٣٨) الى الاندلس بجيوش كثيرة نصرة لاطونيوس. وبغيبته اختل نظام مملكته وقامت بها الثورات.
شاهد بوكوس الثالث ما حل بمملكة ابن عمه، فوثب عليها وملكها. ولما عاد بوغيد من الاندلس لم يجد سبيلا لاسترجاع ملكه، فذهب الى الاسكندرية- ومصر اذ ذاك تحت يد حليفه انطونيوس- فولاه هنالك اعمالا جليلة، وتوفي بمدينة ميطون.
اصبح بوكوس ملكا على موريطانيا الشرقية والغربية. قال اغسال:
стр. 214
"وهذه المملكة عبارة عما بين جيجل شرقا، والمحيط الاطلانتيقي غربا" ولم تتدخل رومة فيما وسع به بوكوس مملكته لمكانة من وكتافيوس. وانتقل بعد هذه التوسعة الى يول (Yol) وجعلها عاصمة ملكه. واستقر بها الى أن توفي سنة (٣٣) ولم يترك عقبا. قال مرسيي: وكانت مدته- بصفة اجمالية- مدة هناء، أو نقول: ان عصره غير متضح للمؤرخ.
كان بوكوس هذا خاتمة أسرة بوكوس الأول الذي وسع مملكته على حساب ملوك نوميديا. كما كان عرابيون خاتمة ملوك نوميديا.: وهكذا تقارب زمن انقراض هاتين الاسرتين اللتين تولتا ملك البربر حقبا. وقضى عليها التنافس.
٢٥ - يوبا الثاني (٢٥ق-٢٣م)
يوبا الثاني (١) هو ابن يوبا الاول. أخذ الى رومة بعد انتحار والده. ونشأ بها. وفي سنة (٣٠) ق. م توفي انطونيوس. وكان متزوجا بكلابطرة أخت بطليموس الثاني عشر. وله منها بنت تدعى كليوباطر سيليني. وقام وكافيوس بكفالة ابنائه فزوج هذا البنت من يوبا وولاه مصر.
وفي سنة (٢٥) ق. م أو قبلها ولاه على نوميديا بصفة امير نائب.
ولا يعلم نفوذه بقرطة والمدن المحالفة لها. والمظنون انه ضعيف لان تلك المدن المتحالفة كانت لها امتيازات على باقي مستعمرات رومة. وكان نفوذه الفعلي بنوميديا الحديثة. والظاهر انه احسن ادارتها ووطد فيها دعائم السلم. يدل لذلك ان وكتافيوس نقله فما بعد الى موريطانيا. واضاف
стр. 215
نوميديا الحديثة الى افريقية الاصلية. ووجه الدلالة ان الرومان كانوا يخشون ثورات البربر. فلا يلحقون بمستعراتهم التي تحت تصرفهم الفعلي الا الاوطان التي ذللها الحكم وعبدها التمدن حتى صارت عاجزة عن الثورات.
وكان الجيتوليون مستقلين تحت عظماء منهم، فتقرب اليهم الرومان اولا بالملاطفة. وعقدوا معهم معاهدات، وعدوهم حلفاء مستقلين. قال مرسيي: "وتلك خطوة اولى لاخضاعهم" ومع ذلك فقد كانوا كثيرا ما يهجمون على الجهات الشمالية. وفي سنتي (٢٩) و (٢١) دافعهم ضابطان رومانيان. وقهقراهم الى القفار. ووقعت بينهم وبين يوبا
عدة وقائع كانت جيوشه فيها منهزمة حتى استعان بالرومان. واذ ذاك اهتموا بهم وحاربوهم الى ان انتصروا عليهم وقطعوا جرثومة ثوراتهم سنة (٦م).
في سنة (٧١) ق. م نقل وكتافيوس يوبا من نوميديا الحديثة. واضافها الى ولاية افريقية. وجمعتا تحت وال واحد الى نظر مجلس الشيوخ. وعوضه عنها بالموريطانيتين وبعض المراكز الجيتولية.
فأصبحت له مملكة مترامية الاطراف. حدها الشرقي جيجل او بجايه، والغربي المحيط الاطلانتيقي، والجنوبي الصحراء.
نزل من مدن هذه المملكة يول، واتخذها قاعدة. وسماها قيصرية وتولى ادارتها بحسن تدبير. وكانت هذه المملكة قبل لبوكوس الثالث.
فلما توفي قدم اليها وكتافيوس نفسه. واضافها الى رومة. وبقيت تحت نفوذه مباشرة حتى نقل اليها يوبا.
يوبا اخذه يوليوس قيصر بعد واقعة طبسوس الى رومة وعمره خمس سنوات. وبعد قتل قيصر كفله وكتافيوس، فقضى صباه تحت رعايته، ورباه على احترام رومة، وقد علم اخلاصه لها. فلما كبر جعله قنطرة لنقل الجراد الروماني الى افريقية الشمالية: فولاه اولا على نوميديا.