على ما سبق بيانه ذهب هو الى الاندلس. وبها شيعة بمبيوس. فجمع هنالك جيشا من اللصوص واشتغل بالحرابه زمنا. ثم ازداد جيشه قوة وازداد هو مهابة. فقاتل قيصر هنالك.
وفي سنة (٤٤) توفي قيصر وبوغيد عدوا أبيه. فرأى أن الوقت مناسب لاسترجاع مملكتة والده. فعاد الى وطنه بمن معه من الجنود. وجمع اليه شيعته من النوميديين. وبعث منهم بطائفة الى بمبيوس الصغير ليعلهم حسب الانظمة الرومانية. ومن غير شك ان النوميديين استبشروا، بعوده اليهم لانهم صاروا تحت اجانب عنهم في الوطن او في الجنس والوطن جميعا.
خلف بوغيد ابنه بوكوس الثالث. ورأى عرابيون ما له من الجنود، فعزم على حرب بوكوس لينتزع منه نوميديا السطيفية (١). وكان بوكوس غربيا عن محكوميه فاستنجد بوكتافيوس المستب برومة بعد قيصر. فلم ينجده لاشتغاله بتثبيت قدمه برومة.
تحارب الملكان البربريان، فكانت الخيبة نصيب بوكوس. واسترد عرابيون منه نوميديا السطيفية. وبقي له ستيوس. فدبر له مكيدة نجح فيها فقضى على حياة هذا الايطالي المتملك على البربر. واسترجع بذلك جميع ما كان يملكه ابوه. ولكثرة الفتن برومة بين الجمهوريين والقيصريين ذهب دم ستيوس هدرا. ولم يتوجه على عرابيون من الرومان ادنى بحث او مسؤلية.
في هذه المدة كان الوالي بأفريقية القديمة كورنفسيوس. واعطيت نوميديا الحديثة لوكتافيوس. فوجه اليها عامله سيكتيوس. وطمع في الاستيلاء على أفريقية القديمة أيضا. فوقعت الحرب بين الوالي
стр. 212
والعامل. وخاطب كلاهما عرابيون مستنجدا به. فتريث في الاجابة مفكرا في أي الرجلين أوفق بسياسته. ثم رأى ان الاصلح له اجابة وكتافيوس فانضم له.
وبينما كورنفسيوس محاصر لقرطة اذ بلغه ان عرابيون انتصر لوكتافيوس. ففشل وغادر قرطة فارا الى ولايته. ولحقه عرابيون. وتلقاه سيكستيوس شرقا. فانحصر بين عدوين. وأمعن عرابيون في جنوده قتلا. فلم ينج منهم الا القليل.
دخل بعد هذا الانتصار سيكستيوس افريقية. وعاد عرابيون الى مملكته بغنائم قيّمة. وقد يكون توسع في نوميديا الحديثة. وفي سنة (٤٣) اصطلح وكتافيوس وانطونيوس. وتشكلت حكومة رومة من رؤساء ثلاثة. هذان الاثنان ولبيدس. وبقيت افريقية تحت وكتافيوس ولكنه عزل سيكستيوس وعوضه بفانغو.
وفي سنة (٤٢) اقتسم الرؤساء الثلاثة المملكة الرومانية من جديد. فاخذ انطونيوس افريقية الاصلية. واخذ وكتافيوس نوميديا والجهات الغربية. فكلف سيكستيوس بالنيابة عن انطونيوس في افريقية، وفانغو بالنيابة عن وكتافيوس في نوميديا الحديثة.
ولسوء ادارة فانغو ثارت عليه البربر وامدهم عرابيون. ولكن فانغو انتصر عليهم ففر عرابيون الى سيكستيوس. وطلب منه فانغو تسليمه فلم يسلمه. فهجم على افريقية وعاث فيها فسادا. فدافعه سيكستيوس، واعانه عرابيون والنوميديون، فكانت الهزيمة على فانغو.
وبعد هذا خدع سيكستيوس عرابيون وقتله غيلة. فمن المؤرخين من قال: قتله لانه كان قد أعان وكتافيوس على انطونيوس، ومنهم من قال: لانه كان يخشى نفوذه ويغار منه. وليس الجمع بين الامرين بمعتذر.
стр. 213
غضب فرسان نوميديا لقتل عرابيون. فذهبوا الى فانغو واغروه بسيكستيوس فتحارب هذان العاملان. ولكن فانغو غلب فقتل نفسه. واصبح سيكستيوس هو الوالي الوحيد بإفريقية الاصلية ونوميديا الحديثة. قال مرسيي: "وربما ضم اليه ما كان تحت ملك عرابيون"
كان عرابيون عاملا جريئا مفكرا داهية شجاعا مقداما صاحب آمال كبيرة: ينوي اخراج الرومان من نوميديا. ولكن لم يساعده القدر. وسلك سبيل غيره من عظماء البربر. فذهب ضحية الاستقلال قبل ان يحقق تلك الآمال. وهكذا اتخذ عظماء الومان قتل الاحرار سبيلا لترضية جشعهم في الاستعمار. وكان عرابيون خاتمة ملوك نوميديا الذين وقفوا في وجه الاستعمار الروماني واوقفوا سيره.
٢٤ - بوكوس الثالث (٤٤ - ٣٣)
بوكوس الثالث هو ابن بوغيد الاول. جلس على عرش الملك بعد وفاة ابيه. وانتزع منه عرابيون نوميديا السطيفية.
وفي سنة (٤٠) توفي بوكوس الثاني. وورثه ابنه بوغيد الثاني. وكانت الحرب بالاندلس بين وكتافيوس وانطونيوس. وكان الاول عدوا لبوكوس الثاني صديقا لبوكوس الثالث. فألح انطونيوس على بوغيد الثاني في اعانته على عدو أبيه. فذهب سنة (٣٨) الى الاندلس بجيوش كثيرة نصرة لاطونيوس. وبغيبته اختل نظام مملكته وقامت بها الثورات.
شاهد بوكوس الثالث ما حل بمملكة ابن عمه، فوثب عليها وملكها. ولما عاد بوغيد من الاندلس لم يجد سبيلا لاسترجاع ملكه، فذهب الى الاسكندرية- ومصر اذ ذاك تحت يد حليفه انطونيوس- فولاه هنالك اعمالا جليلة، وتوفي بمدينة ميطون.
اصبح بوكوس ملكا على موريطانيا الشرقية والغربية. قال اغسال:
стр. 214
"وهذه المملكة عبارة عما بين جيجل شرقا، والمحيط الاطلانتيقي غربا" ولم تتدخل رومة فيما وسع به بوكوس مملكته لمكانة من وكتافيوس. وانتقل بعد هذه التوسعة الى يول (Yol) وجعلها عاصمة ملكه. واستقر بها الى أن توفي سنة (٣٣) ولم يترك عقبا. قال مرسيي: وكانت مدته- بصفة اجمالية- مدة هناء، أو نقول: ان عصره غير متضح للمؤرخ.
كان بوكوس هذا خاتمة أسرة بوكوس الأول الذي وسع مملكته على حساب ملوك نوميديا. كما كان عرابيون خاتمة ملوك نوميديا.: وهكذا تقارب زمن انقراض هاتين الاسرتين اللتين تولتا ملك البربر حقبا. وقضى عليها التنافس.
٢٥ - يوبا الثاني (٢٥ق-٢٣م)
يوبا الثاني (١) هو ابن يوبا الاول. أخذ الى رومة بعد انتحار والده. ونشأ بها. وفي سنة (٣٠) ق. م توفي انطونيوس. وكان متزوجا بكلابطرة أخت بطليموس الثاني عشر. وله منها بنت تدعى كليوباطر سيليني. وقام وكافيوس بكفالة ابنائه فزوج هذا البنت من يوبا وولاه مصر.
وفي سنة (٢٥) ق. م أو قبلها ولاه على نوميديا بصفة امير نائب.
ولا يعلم نفوذه بقرطة والمدن المحالفة لها. والمظنون انه ضعيف لان تلك المدن المتحالفة كانت لها امتيازات على باقي مستعمرات رومة. وكان نفوذه الفعلي بنوميديا الحديثة. والظاهر انه احسن ادارتها ووطد فيها دعائم السلم. يدل لذلك ان وكتافيوس نقله فما بعد الى موريطانيا. واضاف
стр. 215
نوميديا الحديثة الى افريقية الاصلية. ووجه الدلالة ان الرومان كانوا يخشون ثورات البربر. فلا يلحقون بمستعراتهم التي تحت تصرفهم الفعلي الا الاوطان التي ذللها الحكم وعبدها التمدن حتى صارت عاجزة عن الثورات.
وكان الجيتوليون مستقلين تحت عظماء منهم، فتقرب اليهم الرومان اولا بالملاطفة. وعقدوا معهم معاهدات، وعدوهم حلفاء مستقلين. قال مرسيي: "وتلك خطوة اولى لاخضاعهم" ومع ذلك فقد كانوا كثيرا ما يهجمون على الجهات الشمالية. وفي سنتي (٢٩) و (٢١) دافعهم ضابطان رومانيان. وقهقراهم الى القفار. ووقعت بينهم وبين يوبا
عدة وقائع كانت جيوشه فيها منهزمة حتى استعان بالرومان. واذ ذاك اهتموا بهم وحاربوهم الى ان انتصروا عليهم وقطعوا جرثومة ثوراتهم سنة (٦م).
في سنة (٧١) ق. م نقل وكتافيوس يوبا من نوميديا الحديثة. واضافها الى ولاية افريقية. وجمعتا تحت وال واحد الى نظر مجلس الشيوخ. وعوضه عنها بالموريطانيتين وبعض المراكز الجيتولية.
فأصبحت له مملكة مترامية الاطراف. حدها الشرقي جيجل او بجايه، والغربي المحيط الاطلانتيقي، والجنوبي الصحراء.
نزل من مدن هذه المملكة يول، واتخذها قاعدة. وسماها قيصرية وتولى ادارتها بحسن تدبير. وكانت هذه المملكة قبل لبوكوس الثالث.
فلما توفي قدم اليها وكتافيوس نفسه. واضافها الى رومة. وبقيت تحت نفوذه مباشرة حتى نقل اليها يوبا.
يوبا اخذه يوليوس قيصر بعد واقعة طبسوس الى رومة وعمره خمس سنوات. وبعد قتل قيصر كفله وكتافيوس، فقضى صباه تحت رعايته، ورباه على احترام رومة، وقد علم اخلاصه لها. فلما كبر جعله قنطرة لنقل الجراد الروماني الى افريقية الشمالية: فولاه اولا على نوميديا.
стр. 216
حتى اذا نضجت ثمرتها وسهل على الرومان اجتناؤها نقله الى الموريطانيتين - وقد كاتنا تحت نفوذه ولكنه عجز عن تذليلهما- فاضعف فيها الروح الوطنية التي تلازم بساطة العيش: نشط الفلاحة فتقدمت خطوات، واعتنى بالعمران فاتسع نطاق المدن وكثرت عمارتها.
أخذ المعارف عن كبار علماء اليونان والرومان. واشتهر بالتاريخ والجغرافيا والطبيعة والنحو. وكان ذا ذوق وانتقاد للشعر والفن. وله كتب في التاريخ. منها تاريخ رومة من يوم تأسيسها الى وفاة كافله أغسطس قيصر (وهو وكتافيوس). يذكر في تلك الكتب النظم الرومانية وجزيرة العرب والسريان وليبية. ويتكلم فيها عن التصوير والتمثيل والنباتات. وكتب رسالة في اسباب فساد اللغة الاغريقية، وألف تآليف بها. وبالغ في التشيع للاغريق حتى نسب لهم عوائد قديمة بافريقية وروما. وجازوه على ذلك بتشييد هيكل له بأثينا. ونقل الحضارة الاغريقية الى عاصمته قيصرية. فجلب لها علماء ورسامين وممثلين من الاغريق. وأنشأ بها بناءات فاخرة رسم عليها تماثيل من احسن ما تنمقه يد الاغريقي.
ولم يزل يؤيد السيادة الرومانية بوطنه ويخلد ذكر كافله حيث تسمى باسمه. فدعى نفسه " كايوس يوليوس" ونسب عاصمته يول اليه فدعاها قيصرية، وشاد بها معبدا لالهه".
والخلاصة انه كان متشيعا للاغريق في العلوم والحضارة، وللرومان في الحكم والسياسة، عديم الغيرة الوطنية والاحساس القومي.
في سنة (٦) م توفيت زوجه فدفنها شرقي قيصرية. وشاد على قبرها هيكلا ضخما. وفي سنة (٢٢) م أو (٢٣) م توفي ودفن مع زوجه. ولم يزل ذلك الهيكل مشاهدا الى اليوم ويعرف بقبر المسيحية. ولكنها
стр. 217
تسمية مخالفة للحقيقة. فان سيليني لم تدن بالمسيحية ولا كان لهذا الدين اذا ذاك ظهور في هذا الوطن.
____
ـ[صورة]ـ (ش-١٦) قبر المسيحية
ـ[صورة]ـ (ش-١٧) رسم يوبا عثر عليه بشرشال. وهو محفوظ بدار الآثار هناك
стр. 218
ـ[صورة]ـ (ش-١٨) نقود الملك يوبا وعليها رسمه
ـ[صورة]ـ (ش-١٩) نقود الملك يوبا وعليها رسمه غلى اليسار ورسم زوجه غلى اليمين
____
٢٦ - بطليموس ٢٣ م - ٤٠ م
بطليموس هو ابن يوبا الثاني. سماه بهذا الاسم الاغريقي من شغفه بالاغريق. ورث عرش ابيه بعد وفاته. وكما كان اسمه غير بربري كان هو عديم الغيرة البربرية والحماس القومي. فلم يعمل كجده يوبا الاول ومن قبله من سلفه للاستقلال البربري. بل كان كأبيه يؤيد النفوذ الاجنبي ويخدم مصلحة رومة.
لم يرث بطليموس عن أبيه غير عرشه واخلاصه لرومة. ولم يرث عنه أذواقه العلمية وتدابيره الادارية. فترك أمور دولته بيد الحاشية. وانهمك في الملاهي والفجور. وبذلك وجد البربر سبيلا إلى استعادة حياتهم الحربية.
كان بنوميديا ثائر بربري يدعى تقفاريناص. فاستدعته حاشية بطليموس الى موريطانيا ووعدته الاعانة. فلبى طلبها ونقل الحرب الى تلك الناحيه.
стр. 219
نقفار يناص هذا رجل بربري تجند بالجند الروماني وبلغ رتبة ضابط معين. ثم فر الى القبائل البربرية المقيمة بجهات اوراس. وأثارهم على الرومان سنة (١٧) م. فهجموا على الجنود الرومانية في مراكزها. واتسعت ميادين الثورة من خليج طرابلس الى الحضنة.
برز لمحاربته كاملوس والي افريقية فلم يقو تتقفاريناص على مقابلته وفر الى الصحراء. واشتغل فيها بتنظيم الجنود على الطريقة الرومانية. فاتخذ الفرسان والمشاة. وفي ظرف عام تمم تنظيمه وتمرينه. فأعاد الكرة على الرومان. وهزمهم بوادي باجيدة (ساحة لمبس) فتركوا له حصونا. وغنم غنائم جليلة. فتشجع بهذا الانتصار. وذهب الى تالة (بعمالة تونس) وحاصرها. فضاعف الرومان قوتهم مضاعفة أعجزت تقفاريناص عن مقابلتها. ففر أيضا الى الصحراء. وذلك سنة (٢٠) م.
وبعد قليل ارسل الى الامبراطور طيبريوس وفدا يعرص عليه الصلح على ان يقتسم معه أراضي افريقية. فأبت للإمبراطور عظمته النزول لقبول هذا الشرط. وراءه وقاحة من تقفاريناص. فارسل الى الجيتوليين يعدهم بالعفو ان هم وضعوا السلاح. وجعل جعلا لمن يقتل تقفاريناص. فلم يجد من بطانة هذا الثائر خائنا.
وفي سنة (١٢) وجه الامبراطور لحربه القائد بليسوس (BLOESUS) وكان ذا دراية بالحرب. فقسم جيشه أقساما وراء كل قسم حصن. فمكث في مطاردة تقفاريناص عاما. وكان يهزمه كلما التقيا. ولما اعجزت تقفاريناص الحيلة ويئس من الانتصار عاد الى الصحراء ملجئه من قديم سنة (٢٢).
سر الرومان بانتصار بليسوس سرورا عظيما. ولقبوه الغازي. ولكن هذا الانتصار لم يكن حاسما للثورة. فان تقفاريناص رجل
стр. 220
لا يأبه بمعاكسة الايام. ولا تقف أمام عزيمته العقبات. ولا يفشل للنوائب والصدمات. فمكث بعيدا عن الرومان بالصحراء حتى بلغته وفاة يوبا. فجدد عزمه. وجمع جموعه. واستثار القبائل الجيتولية من جديد. وحاصر بعض المدن. فعين الرومان لحربه دولبلة (DOLABELLA). وابتدأ هذا الروماني بقتل عظماء الجيتوليين.؛ واتخذ مراكز للجنود على حدود الصحراء. وطلب من بطليموس امداده برجال البربر فأمده. وبلغ تقفاريناص مدينه توبوسبطوس (TUBUSUPTUS) - تيكلات-، فحاصرها. وبرز اليه دولبلة بعد ذلك الاستعداد فأجلاه عنها. وفر أمامه- كعادته- الى الصحراء. فلقيته الجنود المرابطة بحدودها.
هنالك توجه نحو موريطانيا اعتمادا على وعد حاشية بطليموس له بالاعانة. فأحاطت به الاعداء في الطريق. وما بلغ عوزية (سور الغزلان) حتى أدركه دولبلة. وانقض عليه ليلا فافنى جيشه وقتله! وذلك سنة (٢٤).
وهكذا انتهت حياة هذا البربري الذي يحمل بين جنبيه روحا استقلالية، وهو يعلم ما فيها من المصاعب، اذ ما كان يجهل قوة رومة ولا انتشار نفوذها بالوطن البربري. ولكنها العزائم الفولاذية تدفع باربابها الى ما وراء التأمل في العواقب. والبطولة قد تنتهي بصاحبها إلى الجنون.
سر الرومان بالقضاء على شخص تقفاريناص الذي شغلهم مدة ثماني سنين. وجازى مجلس الشيوخ بطليموس على اعانته بقضيب من عاج وحلة مطرزة بالذهب. حمل هذه الجائزة أحد الشيوخ وذهب بها الى بطليموس مكلفا من قبل زملائه بمقابلته وتهنئته باسم "ملك حبيب حليف".
стр. 221
ما أجود بطليموس! بل بئس الجود جود بطليموس: يعين الرومان على قتل بني جنسه ليملكوا أراضيهم ونفوذهم ورقاب بقية الامة، في مقابلة القاب وتحف! وبعد كيف كانت عاقبته معهم؟
في سنة (٣٩) ارسل اليه الامبراطور غليقلا (CALIGULA) يستدعيه الى رومة- وكانت بينهما خؤلة- فلبى الدعوة حينا. وذهب في هيئة عظيمة غار لها الامبراطور. وحضرا ذات يوم المرسح. فأعجب الحاضرون بثوب بطليموس الارجواني. فاغتاظ لذلك الامبراطور وزجه في السجن وقطع عنه الطعام ولم يترك له ماء غير ماء الميازيب. وانتهى به الغيظ الى أن قتله. يقول مرسيي: " أما غيرة من هيئته واما نهما في سفك الدماء واما طمعا في الحاق مملكته برومة رأسا" وسواء كان القتل لاحد تلك الاغراض أو لثلاثتها فإن غيرة الامبراطور من هيئة بطليموس وبهت العامة مما يدل على تفوق الازياء البربرية على الازياء الرومانية.
كان لنعي بطليموس أسوأ الاثر في نفوس البربر دفع بأحد مواليه المسمى أدمون الى رفع لواء الثورة وعزره الجيتوليين. ولكن الرومان تمكنوا من اخماد ثورته. فرجع الامر الى نصابه، والحقت موريطانيا برومة. وذلك سنة (٤٢) م تقريبا.
____
ـ[صورة]ـ (ش - ٢٠) رسم بطليموس عثر عليه بشرشال
стр. 222
٧ - انقراض الممالك البربرية
قد رأيت كيف نشأت الممالك البربرية العظمى على عهد قرطاجنة، وكيف تعرفت اليها رومة. وقد عجمت هاتان الدولتان القويتان عود ملوك البربر. فووجدتاه صلبا لا يلين لكل غامز ورأتا هدم أستقلالهم "دونه خرط القتاد)، فاكتفت قرطاجنة منهم بأن يكونوا معها- بحق الجوار- على رومة ذات المطامع الأشعبية. اما رومة فانها بعد ما انتصرت بمن نصرها منهم لم تنفك تتداخل في شؤونهم وأذكاء جذوة التنافس بينهم والزيادة في عددهم بتجزئة ممالكهم وشغلهم عن مهماتهم الداخلية بالاستنصار بهم في حروبها أو تقسيمهم على زعمائها المتحاربين. فقد رأيت انهم- أيام تنازع مريوس وصيلة- منهم من كان مع الاول ومنهم من كان مع الثاني. وكذلك كانوا في تحارب بمبيوس وقيصر وعراك وكتافيوس وانطونيوس.
مهما امعن الباحث في علل سقوط تلك الممالك وانعم النظر الفى ان علة العلل هي تداخل رومة في شؤونها بتلك الصفة التي ذكرنا. حتى اني عندما أريد من الفكر جولة في علل سقوط هاتيك الممالك يذهب الى البحث عن أسباب بقائها وطول أمدها. فيجد السبب الوحيد هر ثروة الوطن البربري وغناه بكثرة رجاله الاحرار أولى الشجاعة وحدة الافكار. فقضاء رومة على يوغورطة لا يعجز أن يظهر مثل يرباص ويوبا الاول وعرابيون. ولكن لكل بداية نهاية ولكل شيء جدة وبلاء. فانتهى عمر الممالك البربرية بانتهاء حياة عرابيون ووفاة بوكوس الثالث. وجاء يوبا الثاني وبطليموس بعدهما مجردين من الروح البربرية التواقة الى الاستقلال. فكان عصرهما عصر تثبيت لقدم السلطة الرومانية شمالا واقامة سد على الجهات
стр. 223
الجنوبية التي ربما تنبعت منها أشعة للحياة الاستلالية بالجهات الشمالية.
حقا ان رومة كانت تعمل لاسقاط الملك البربري، وحقا ان تداخلها هو الذي اسقطه، وحقا ان استمرار حياته- مع استمرار ذلك التداخل- امدا غير قصير مما يدعو الى العجب والتنقيب عن السبب. ولكن هل نعفي البربر من تبعة ذلك السقوط؟ وهل تستطيع رومة ان تخرب ملكهم لو لم يخربوا هم أنفسهم بيوتهم بأيديهم: وأيدي أعدائهم؟
نرجع الى الصحائف السابقة نجد فيها جواب هذين السؤالين.
ذلك أن تداخل رومة أخذ يتزايد في عصر يوغورطة واشتد بعده. وفي هذه المدة كانت ملوك البربر من أسرتين: أسرة نوميديا قديمة أسسها نرافاس، وأخرى موريطانية مبلغ علمنا عنها أنها حديثة أسسها بوكوس الاول.
ومن الاسرة الاولى كان ابطال الاستقلال البربري. ومن وجد منها مؤيدا للرومان- مثل مستنابعل وهميصال الثاني- على الاحرار من جنسه لم نجد له ضررا كبيرا ولا أثرا عميقا في هدم الملك البربري. أما الاسرة الثانية فقد كان مؤسسها بوكوس عاملا في القضاء على يوغورطة، وحفيده قتل يرباص، وابناه اعانا قيصر وتسببا في انتحار يوبا الاول.
واذن نقول: ان على البربر تبعة سقوط تلك الممالك، وهم الذين أعانوا الرومان على بلوغ غايتهم، وان زعماء هذه الطائفة المارجة هم بوكوس وعقبه. غير أنا لا نقول: أنهم تسببوا في السقوط قصدا، وأعانوا الرومان حبا فيهم وبغضا لجنسهم. ولكن نرى أن سياستهم مبنية على الجبن وخشية الرومان، والطمع في بسط
стр. 224
النفوذ وسعة السلطان. أما خوفهم من الرومان ففي غير محله: لان البربر بوطنهم ومعاقلهم الطبيعية أمنع من أن تأخذهم أمة بالقهر والغلبة. وأما طمعهم في التوسع على حساب غيرهم فانما يحققه ويستفيد منه من جمع بين القوة والدهاء والشجاعة. وهؤلاء الملوك لم يكونوا كذلك. ولذالك استغل الرومان أعداؤهم الحقيقيون جهودهم، وقضوا بهم وطرهم.
وقد جاء يوبا الثاني بعد سقوط الملك البربري- وهو من الاسرة الاولى- فكان عليه ان يعمل لتجديده وتحقيق ما كان يأمله سلفه. خصوصا وهو يعلم أن قيصر هو الذي قضى على حياة والده، وقسم مملكته يبن أعدائه، وتربى في رومة، ودرس تاريخها. ولكنه رجل انهمك في المعارف وانقطع للعلوم ووقذته الحضارة. فلم تكن له روح مصينيسا ومصيبسا التي جمعت بين العلم والمحافظة على القومية. ولذلك صار يرى لرومة فضلا عليه ان منحته بعض ما كان يرثه من أبيه. فخدمها باخلاص. وهيأ لها الوطن البربري كي يتولى ادارته بنوها من غير واسطة. فكان عصره ومدة ابنه خاتمة لذلك الملك وتتمة لذلك السقوط.
أقدم من عرفاه من ملوك بربر الجزائر نرافاس. وكان موجودا سنة (٢٣٨) ق. م. وآخرهم بطليموس المقتول سنة (٤٠) م. فكان عمر الممالك البربرية العظمى نحوا من ثلاثة قرون.
لم ننسب ملوك البربر الى قبائلهم لان الباحثين في هذا الدور من مؤرخي اليونان والرومان الذين أخذ عنهم مؤرخو الافرنج لا عناية لهم بالبحث في القبائل. وانما فعل ذلك مؤرخو العرب. وهم إنما عرفوا البربر ودونوا اخبارهم وفصلوا قبائلهم بعد الفتح على عهد الاسلام.
стр. 225
والظاهر ان القبائل التي ذكرها ابن خلدون بأسمائها وامكنتها لم تكن قريبة العهد من الفتح العربي. بل هي كذلك من قديم. وعليه يمكننا ان نقول: ان أسرة نارفاس- ومنها أكثر الملوك- من قبيلة كتامة. اما صيفاقس وبيت بوكوس فلا يمكننا نسبتتها لقبيلة من القبائل التي ذكرها ابن خلدون: لعدم تحققنا لموضع نشأتهما.
٨ - ذكر العواصم الكبرى لملوك البربر
علمت مما سبق في هذا الباب ان من ملوك البربر من استولى على جميع التراب الجزائري بل على أغلب افريقية الشمالية، ومنهم من استولى على بعضه؛ ودخل الباقي في حوزة ملك آخر، وقد بلغ أحيانا أن تقاسم هذا الوطن أربعة ملوك. لا جرم تعددت عواصمهم بتعددهم. ولكن لم نعثر- بعد البحث- الا على ما يلي من تلك العواصم:
١ - قرطة (CIRTA) .. وكانت عاصمة نرفاس وأكثر الملوك من بعده. ولا نعلم تاريخ تأسيسها. ولكن من المحقق أن البربر أسسوها على عهد الفينيقيين، وأطلقوا عليها ذلك العلم الفينيقي. ومعناه المدينة (١) فسرها كذلك اغسال.
هذه المدينة واقعة على جبل حجري مرتفع، يحيط به وادي مساغا (وادي الرمل) من أغلب جهاته ... وقد وصفها سترابون المؤرخ الروماني بأنها قلعة ممتنعة على من رامها. وذكر المؤرخ ابيان: ان
стр. 226
مصيبسا حصنها تحصينا لا يمكن معه لاحد ان يفتحها عنوة. وقال البكري: ليس يعرف أحصن منها. ويدل لذلك ان يوغورطة عكف على حصارها مدة عامين. ولولا المجاعة ما وجد سبيلا لفتحها. والوندال لم يتمكنوا من فتحها، وهم الذين فتحوا قرطاجنة ورومة. كما سيأتي.
استمرت هذه المدينة على عهد الملوك الاولين من البربر في تقدم ورقي من حيث التجارة والبناءات الانيقة والمعارف. فكثر روادها واتسع عمرانها، ثم نقصت من قيمتها وعمارتها كثرة الفتن على عهد هيمصال الثاني.
ولما منحها قيصر لستيوس أخذت في النمو. وازدهرت في العصر الروماني بكثرة السكان وسعة العمران وفنون العرفان. وفي أوائل القرن الرابع للميلاد وقعت حرب بين قسطنطين ومكسنتيوس فدخلها هذا الاخير وعاث فيها فسادا بقتل السكان وسبيهم واحراق المدينة.
وبعد ان غلبه قسطنطين جدد بناءها، وأعاد على الناس أموالهم، ونشط الفلاحة. فعادت اليها عظمتها وعمرانها. وما زالت شمسها تبزغ وتأفل. وهي لهذا العهد كثيرة المباني واسعة العمران. كل سنة تزداد سعة. ولكن ما زالت لم تبلغ حدودها التي كانت عليها في العصر الروماني.
بقي لها اسمها الفينيقي حتى جاء ستيوس فدعيت "مستعمرة ستيوس" يريدون بالمستعمرة المدينة. واطلقت عليها اعلام اخر. ولكن كلها لم تزاحم اسم قرطة ولم تبلغ شهرته. حتى جددها قسطنطين. وكانت له اخت تدعى قسسطنطان. فسمى المدينة باسمهاه وعلق من ذلك الحين هذا العلم بها. وجر ذيل النسيان على ما
стр. 227
قبله. وقد خفف العرب هذا العلم فقالوا: قسنطينة. والعامة اليوم تقول قسمطينه.
قدر لهذه العاصمة الخلود. فلم تزل منذ تأسيسها الى اليوم عاصمة مملكة أو ولاية. وذلك لحسن موقعها وأهمية مركزها. مما يدل على حذق البربر وفضل اختيارهم في وضع عواصمهم.
ولم تزل هيئتها القديمة سواء في أيام عظمتها أو في ليالي انحطاطها الى أن جاءت الدولة الفرنسية فغيرت شوارعها. ورتبت ابنيتها على غير نسقها القديم. ولم يبق الا موضع قصبتها فانه كان منذ الدور البربري القديم قصبة الملوك ودار الحكم. وبذلك ذبت قيمتها التاريخية. واحتيج في استخراج هيئتها الاولى الى جهود كبيرة. وقد رسم تلك الهيئة بارس في كتابه قرطة.
٢ - صيغة . هذه المدينة كانت عاصمة صيفاقس قبل ان ينتقل الى قرطة. وهي في ساحل تلمسان على البحر الابيض عند مصب نهر تافنا فيه، من المؤرخين من قال شرقية، ومنم من قال غربية.
وهي من مؤسسات الفينيقيين استولى عليها البربر فيما استولوا عليه من المدن الفينيقية بالسواحل. ولما استولى الرومان على موريطانيا اتخذوها مرسى من المراسي التي تنقل منها الحبوب الى رومة.
قد خربت وعفا رسمها. وذكر البكري (١) مدينة سماها أرشقول غربي مصب نهر تافنا. ووصفها بما يدل على سعتها وعظمتها. غير أنه لم يذكر- كعادته في المدن القديمة- انها أولية. فعلى ان صيغة شرقي تافنا تكون مدينة أرشقول غيرها، وعلى أنها غربية لا يبعد ان
стр. 228
تكون أرشقول مؤسسة على انقاضها. ثم وقفت في تاريخ غروت على ان أرشقول هي صيغة.
٣ - يول . هذه المدينة من المراسي الفينيقية. أسسها الفينيقيوق. ثم دخلت أيدي البربر. وأول من اتخذها من ملوكهم عاصمة بوكوس الثاني. وعلى عهد يوبا الثاني بلغت مبلغا عظيما من العمران والحضارة. بني بها المباني الجميلة والقصور الانيقة. وآثارها تدل على عظمتها، وعلى أن اليد التي شاد بها يوبا هذه المدينة يد اغريقية افريقية وليست رومانية. وقد اتخذت دار لحفظ تلك الآثار، وصنعت تماثيل على نمطها نقلت الى متاحف أخرى من متاحف الآثار.
ولغرام يوبا بكافله اغسطس قيصر نسب هذه المدينة اليه تخليدا لذكره. فسماها قيصرية. وهذا نظير ما يفعله الاروبيون اليوم، ويكثرون منه. فينسبون مدنا وشوارع وحارات الى عظمائهم. يفعلون ذلك بالاوطان التي استولوا عليها اعفاء لعظماء أهلها حتى يصبح المحكومون لهم وليس بين عينهم وفي آذانهم الا رجال غيرهم.
وتعرف هذه المدينة اليوم باسم شرشال. ولا أدري متى حدث لها هذا العلم؟ غير ان البكري ذكرها به. وهو من أهل القرن الخامس الهجري.
٤ - هبون . ذكر غروت انها عاصمة يوبا الاول. وقد اتخذها جنسريق الوندالي عاصمته قبل ان ينتقل الى قرطاجنة، ثم كانت عاصمة بعض الامراء في العصر الاسلامي.
وهي من المؤسسات الاولى للفينيقيين التي يرجع تاريخا الى
стр. 229
اواخر الالف الثاني قبل الميلاد. وقد تصرف العرب في هذا الاسم فدعوها بونة. قال البكري: "ومدينة بونة أولية. وهي مدينة أقشتين (القديس أغسطين) العالم بدين النصرانية. وهي على ساحل البحر في نشز من الارض منيع مطل على مدينة سبوس. وتسمى اليوم مدينة زاوي. وبينها وبين المدينة الحديثة نحو ثلاتة أميال. ولها مساجد وأسواق وحمام. وهي ذات ثمر وزرع. وقد سورت بونة الحديثة بعد الخمسين واربعمائة" (١).
ولكثرة شجر العناب بها أطلق عليها مدينة العناب حتى صارت تعرف اليوم بعنابة.
هذا مما وجدنا من عواصم ملوك البربر القدماء منصوصا عليه. وهناك مدن كثيرة منها ما يحتمل ان يكون عاصمة لبعضهم مثل بجاية وسطيف. ولكنا لم نجد من صرح بأن واحدة منهما كانت عاصمة لملك من الملوك. ومما لا ريب فيه أن هناك عواصم غير تلك الأربع. فاننا نجهل عاصمة يوغورطة قبل ان يفتح قرطة، ونجهل أيضا عاصمتي ماصنتة وعرابيون.
____
ـ[صورة]ـ (ش-٢٣) المدرسان: قبر بربري واسع محاط والذي منه أخذ القبر شكل الهرم
стр. 232
الباب السادس
في ذكر الرومان وحكومتهم بالجزائر
стр. 233
١ - تمهيد
الرومان أمة من اللطتين، ينسبون الى عاصمة دولتهم رومة. وهي مدينة مؤسسة وسط ايطاليا. أسسها- على ما يقول الرومان- روملوس سنة (٧٥٣) ق. م.
وايطاليا جزيرة مستطيلة. الجهة الشرقية منها عديمة السهول والمراسي، والجهة الغربية بخلافها ذات سهول وماس. وهي التي كونت تاريخ ايطاليا. أما جنوبها فقليل العمارة، اتخذه اليونان مركزا ينزلون به في سفراتهم البحرية.
وهي متوسطة في العالم القديم: واقعة بين عالم الشرق المتمدن، وعالم الغرب المتوحش.
وكان سكانها أهل حراثة وقيام على المواشي. ثم تعلموا الملاحة والتجارة من بعد. وكان بها أمم مختلفة لا صلة لها بعضها ببعض.
وعلى أيدي الرومان تكونت الوحدة الايطالية، حيث أسسوا حكومة ملوكية، اختلف في بدايتها. ودامت الى سنة (٥٠٩) ق. م ثم خلفتها الجمهورية. وفي عهدها تمكن الرومان من حماية أنفسهم فمدوا أعينهم الى غيرهم من الامم قصدا للتوسع وسعيا وراء الثروة ولذة النفوذ.
стр. 234
حاربوا قرطاجنة معلمتهم المدنية حروبا طوالا يشيب لهولها الولدان، وانتصروا عليها أخيرا بما إمتازوا به من نكث العهود وخيانة الشرف. وأخذوا في فتح البلدان واستعمار الاوطان، حتى ملكوا جل المعمور في القرنين الثاني والاول (ق. م). فبسطوا نفوذهم على افريقية الشمالية تدريجا، وعلى مصر والشام واليونان ومقدونيا وجرمانية والغاليا والأندلس.
أصبحت دولتهم سيدة العالم القديم. واقتبسوا من الامم التي استولوا عليها أصول المدينة: أساليب الحضارة وفنون العلوم. وجروا في ذلك إلى مدى بعيد، حتى أن أروبا اليوم لم تزل تقتفي أثرهم في الاستعمار، وتستمد من نظمهم وسياستهم، وتبحث عن أسباب فوزهم وعلل خيبتهم.
ولموقع وطنهم الجغرافي دخل كبير فيما بلغوه من عظمة وسعة سلطان. وبعد الجمهورية جاءت الامبراطورية. فتمكنت من حفظ سيادتها على العالم الروماني، حتى انقسمت أواخر القرن الرابع للميلاد. ومن ذلك الحين أخذت المملكة الغربية تضعف وتتلاشى حتى سقطت سنة (٤٧٦) للميلاد. وذلك بما نال أهلها من بطر النعمة وسعة السلطان. فانغمسوا في الملاذ واشتغلوا بالملاهي. فضعفوا عن القيام بأعباء الملك. وقد قال كاتب روماني: "ان انتصارات رومة هي علة سقوطها".
٢ - أصل الرومان
كانت تقطن ايطاليا في فجر التاريخ أمم مختلفة. منها الغاليا والاتروسك والاغريق واللطين. وموطن اللطين بين الاغريق والاتروسك. وكانت هذه الامة متوحشة، وأهل الجبال منها أصحاب
стр. 235
مواش، وأهل السهول فلاحون. ومن هؤلاء الفلاحين ظهرت الدولة الومانية.
وذكر ابن خلدون: ان اللطين من يافث بن نوح. وذكر في أبناء يافث يونان وماغوغ. ثم اختلف نقله في نسبة اللطين الى يونان أو ماغوغ: فنقل عن اهروشيوش مؤرخ الرومان: "ان القوط واللطين من ماغوغ" (١) ونقل عن الاسرائليين ان يونان "كان من الولد أربعة. وهم: داوود بن واليشا وكيتم وترشيش. وان كيتم من هؤلاء الاربعة هو ابو الروم: والباقي يونان" (٢) والروم عنده هم الرومان. وليس من فرق بينهما من حيث اللصل. وذكر في موضع آخر ليونان خمسة ابناء. وسماهم هكذا: " كيتم وحجيلة وترشوش ودودانم وايشاي" (٣). وفي النص الاول تحريفة يظهر صوابه من النص الثاني. ذلك انه قال أولا: داوود بن واليشا. وقضيته ان يكون أبناء يونان ثلاثة فقط. وقال ثانيا: دودانم وايشاي. فايشأي هو اليشا، ودودانم هو صواب كلمة داوود بن. وبذلك يتم عدد الابناء أربعة كما قال.
وكلمة ترشيش او ترشوش عنده قريبة من كلمة الاتروسك عند مؤوخي الافرنج. وهم يقولون: ان الاتروسك أمة مجهولة الاصل واللغة. فان صح حمل الكلمتين على أمة واحدة- كما يظهر لنا- كان الاتروسك اخوان اللطين. ويقربه الجوار. والله أعلم.
٣ - تأسيس دولة الرومان
تاريخ ابتداء الدولة الرومانية غير واضح. قال ماليت
стр. 236
والمؤرخون يعتمدون على ما كتبه تيت ليف (TITE-LIVE) الذي كان على أغسطس قيصر متصلا بآخر حياة الجمهورية.
هذا المؤرخ ينسب تأسيس الدولة الرومانية الى روملوس باني رومة. وينسب روملوس- تبعا لاساطير الوثنيين- الى الآلهة.
ويذكر في نشأته ونشأة أخيه ريموس خرافات، أضربنا عنها صفحا لبعدها عن الخيال المستحسن، وان لم يتفق مع الحقيقة.
وعد ماليت لرومة سبعة ملوك. خامسهم هو الذي أدخل الى رومة شعار ملوك الاتروسك: الجبة الحمراء والتاج والكرسي وسيف المملكة، وسادسهم هو أول من تنبه الى طبقة الصعاليك. فادخل قسما منها في الجندية. وقد كانوا كمية مهملة. وطبقة الاشراف هي التي تقوم بحميع شؤون المملكة. وسابعهم ثارث عليه الامة. فالتجأ الى المعبد، ولكنه قتل به.
وفي ابن خلدون تصريح بان رومة أسسها روملوس. ولكن الدولة مؤسسة من قبله بكثير. وعد ملوكا تقدموا روملوس. ويظهر من كلامه ان الدولة أسست أثناء الالف الثاني (ق. م). وذكر ابن كريون مؤرخ بني اسرائيل: انه جاء بعد روملوس خمسة ملوك. "أغتصب خامسهم رجلا في زوجه. فقتلت نفسها. وقتله زوجها في الهيكل" (١).
فاتفق ماليت وابن خلدون على ان آخر ملوك رومة قتل بالمعبد.
وبه انتهى الدور الملوكي. وذلك سنة ٥٠٩ (ق. م). وصار نظام رومة جمهوريا من ذلك الحين.
قال ابن خلدون عن ابن كريون: "واجمع أهل رومة على أن
стр. 237
لا يولوا عليهم ملكا. وقدموا شيوخا ثلاثمائة وعشرين. يدبرون ملكهم. فاستقام أمرهم كما يجب، الى أن تغلب قيصر"، (١). وشكل الجمهورية يتألف من قنصلين وشيوخ.
١ - القنصل: ومعناه منفذ الاحكام. ينتخب لمدة عام. وللقنصلين رئاسة الجند ومجلسي الشيوخ والشعب. ولهما النظر في القوانين وعرضها على المجلسين. وهما اللذان يقيمان الاحتفالات الدينية. فهما رئيسان في الدين والسياسة.
٢ - الشيوخ:. يختارهم القنصل من رؤساء الاسر الشريفة. ومن اختير لهذا المنصب يبقى به مدة حياته. وبيد الشيوخ السلطة على الشؤون الداخلية والسياسة الخارجية.
ومن نظام الجمهورية انه في أيام الشدة يسمي القنصلان متصرفا يمنحانه النفوذ المطلق. فينفذ أحكامه من غير مراجعة مجلس الشيوخ. ويسمي لمدة ستة أشهر فقط.
وقد اتسعت ممتلكات رومة على عهد الجمهورية. فبلغت ولايتها سبع عشر: عشر ولايات بأروبا، وخمس بآسيا، واثنين بأفريقية.
لم تكمن تقصد الجمهورية الرومانية إلى التداخل في عوائد مستعمراتها ودياتنها. وانما تقصد منها الانقياد لدولتها واداء الضرائب لبيت مالها.
ولقد كان نظام الجبايات مضرا بالمستعمرات. فقد كانت الجمهورية تسند استخلاص الضرائب الى أعيان اغنياء، يؤدون لها ماتريده. وهم يستخلصون من الأمة ما شاءوا من غير مرحمة ولا شفقة. حتى أن المعدم يقرضونه بالفائض ليأدي لهم ما يطلبونه منه. وبهذه الصفة انتزعت املاك وافتقرت أسر.
стр. 238
فشا الجور والارتشاء في جميع ولاة الرومان. واصبحت غايتهم الوحيدة هي الحصول على الثروة بأية وسيلة. ولم تتبق الوضائف مسندة الى مستحقيها. وحدثت برومة نفسها أهوال من تنافس العظماء. وصارت القوانين ضعيفة أمام ذلك كله.
ساءت من ذلك حال الامة. ولم تجد في الجمهورية ما يحسن حالها ويخفف من ويلاتها، فاجتوتها، وتواطأ على اجتوائها أهل رومة وأهالي الولايات التابعة لها.
وبينما الأمة في انتظار الفرج لهذه الازمة اذ ظهر يوليوس قيصر. وحاول تغيير شكل الحكومة بجعلها امبراطورية. فقام في وجه الجمهوريون، وانتصر عليهم بايطاليا ثم أفريقية ثم الاندلس. ولما عاد من الاندلس سنة (٤٥) ق. م سمي برومة متصرفا مستبدا مدة حياته فحارب الجمهوريين بالسياسة كما كان حاربهم بالسيف. واضعف نفوذ مجلس الشيوخ، فصار مجلس استشارة فقط. وكان عددهم سبعين في نقل ابن خلدون عن هروشيوش أو (٣٢٠) في نقله عن ابن كريون أو (٣٠٠) على ما ذكر ماليت، فاضاف اليهم. يوليوس قيصر شيوخا من أهل الولايات التابعة لرومة. فبلغ عددهم (٩٠٠).
فرحت الامة بيوليوس قيصر لحسن ادارته وكفاءة ولاته. ولكن الجمهوريين كانوا ناقمين عليه. وتمكنوا من قتله في مجلس الشيوخ نفسه سنة (٤٤) ق. م.
وكان الجمهوريون يظنون أن في ذهاب قيصر رجوع نفوذهم. ولكن الامة كرهت سياستهم، وسئمت من الفتن التي كانت على عهدهم، واستبشرت بقيصر ووجدت فيه بغيتها، فزادها قتله نفورا من الجمهوريين.
стр. 239
وكان من قواد قيصر رجل يدعى أنطونيوس، وله شهرة ومحبة في قلوب العامة، فقام على الجمهوريين، وهيج العامة ضدهم. وكان لقيصر ابن أخ (أو ابن أخت) متبنيه يدعى اكتافيوس، وكان بأثينا يتعاطى المعارف، وهو حدث شديد الحماس داهيه في السياسة، فتظاهر باللين للجمهوريين، حتى ظنوا انه يكون لهم عضدا على انطونيوس، فأخذوا ينصرونه في خطبهم، ويطعنون في انطونيوس وبعد أن توصل الى رئاسة جند كبير طلب الى الشيوخ أن يولوه قنصلا فامتنعوا.
كان انطونيوس ينتصر لقيصر كي يحل محله، فلما ظهر اكتافيوس حسده، وكادت الحرب تقع بينهما، ولكنهما اصطلحا وضما اليهما ثالثا هو لبدوس، وكان واليا على الغاليا، اقتسم هؤلاء المملكة بينهم لمدة ثلاث سنوات، ووافقت الأمة على ذلك بالانتخاب العام، وذلك سنة (٤٢) ق. م.
ثم أن انطونيوس ذهب الى مصر التي كانت له، واستهوته كليوباطر (١) فشغل بها عن الملك. وصار ينوي احداث مملكة شرقية يورثها ابناء عشيقته، وبذلك زالت ثقة الرومان منه، ولبدوس جعل رئيسا دينيا، فبقي اكتافيوس يدير مملكة رومة وحده، لا ينافسه الا انطونيوس صريع تلك الغانية وفاقد ثقة الامة.
نجح اكتافيوس في سياسته، وأراد انطونيوس الظهور عليه بالحرب، فحاربه ولكنه لم ينجح فقتل نفسه سنة (٣٠) ق. م وفعلت كليوباطر فعله (٢) فاستراح اكتافيوس من عدوه، ثم قضى على
стр. 240
الجمهورية التي عاشت خمسة قرون، وقال ابن خلدون: عاشت سبعة قرون.
في سنة ٢٧ ق. م لفظت الجمهورية النفس الاخير، وسمي اكتافيوس امبراطورا، وتلقب اغسطس، واستمرت الدولة الرومانية من عهده امبراطورية، ومعنى امبراطور صاحب الامر.
والجزائر لم يستول عليها الرومان استيلاء عسكريا الا على عهد الامبراطورية.
٤ - ديانة الرومان
للرومان آلهة عظمى عامة، وآلهة صغرى خاصة بالاسر أو المنازل، فكانوا يعبدون القوى الطبيعية والنار المقدسة والموتى من أسلافهم، وعبادة الموتى هي العبادة الخاصة بالاسر، ويعتبرونهم آلهة خير ما نشطوا لعبادتهم، وقربوا لهم القرابين، وان هم قصروا في ذلك انقلبوا آلهة شر، ويمثلون أرواحهم في الديدان، فيطعمونها الفول الاسود.
ومن آلهتهم العظمى جوبتير (كوكب المشتري)، وهو إله المطر، ومنها جونون، وهي الهة النور والزواج، ومنها منيرف، وهو إله الفطانة، ولهذه الثلاثة برومة معبد مشترك بينها، ويعتقدونها حامية رومة.
وهناك آلهة للحرب والبحر والمعادن والفلاحة والتجارة والاخلاق وغير ذلك، ويبلغ عدد آلهة الرومان مائة وستين الها.
أولئك الآلهة يستغيثون بها ويستعينونها في جميع شؤونهم. وهم أكثر الامم اعتناء بالآلهة، فقدم كان ببعض معابدهم ثلاثين الف
стр. 241
ثمثال، حتى قال أحدهم: "وطننا مملوء آلهة حتى أن وجود اله أيسر علينا من وجود رجل".
ولم يكن للديانة الرومانية حقائق واصول للعبادة، وانما كانت ذات أعمال مثل تقريب القرابين، وغايتهم في العبادة الاستعانة على النصر أو الاستعانة لتصريف المصائب.
ولم يكن لآلهتهم أولا تماثيل، ثم تأثروا بالاغريق، فصاروا يتخذون لها تماثيل في صور بشرية.
وعلى كثرة آلهتهم اضافوا اليها آلهة أخرى مما وجدوه لدى الامم التي استولوا عليها، فأخذا من آلهة المصريين وأهل آسيا الصغرى، ولم يدعوا الها من آلهة الاغريق الا عبدوه.
وكان علماء الرومان يرون ان الارباب المختلفة باختلاف الامم ليست الا مظاهر لأصل رباني عام. لذلك لم يأنفوا من عبادة آلهة الامم المغلوبة لهم، ولم يلزموها بعبادة آلهتهم. وقد اشتهر الرومان بالتسامح الديني والتساهل في شأن الآلهة.
٥ - الحياة الرومانية
كانت الحياة الرومانية - منذ عرف الرومان الى القرن الاول للميلاد- حياة بساطة لا رفاهية فيها، حتى أن من عظمائهم من كان يحرث بيده، وأكثر أثاث عظمائهم بسيط وأوانيهم من خشب.
تمكنت روح البساطة منهم فلم تتغير حالتهم حتى بعد استيلائهم على الاوطان الكثيرة الغنية بنتائجها الراقية في حضارتها. فبقوا فلاحين أو جنديين أو سياسيين لا تجارا ولا فنيين، وبقيت الصنائع والفنون بيد غيرهم من الاحرار والمماليك.
стр. 242
كان غرض الرومان من الحياة توسيع الثروة حبا في المال نفسه.
ومن كلمات كاطون أحد عظمائهم: "ان من مات والفي بدفاتر حاصلاته انه ربح أكثر مما ورث فذلك ملهم من الآلهة " (١).
ولكثرة اشغالهم وشدة عنايتهم بكسب الثروة صاروا اقل الامم حبا في الملاهي وابعدعا عن التظاهر بالعظمة.
ملابسهم كانت خشنة: يلبس الرجل السراويل وقميصا سابغا بأكمام وبغيرها. ونساؤهم يكثرون من الحلي وضروب الزينة كصبغ الشعر وطلاء الوجه، ويخرجن سافرات، ويلبس كل من الرجل والمرأة خفافا غلاظا.
وللخاصة لباس يميزهم: الشيوخ لهم قمصان ذات حواش حمراء، والقضاة لهم خفاف حمر، والاحرار لهم حلة من الملف الابيض، وهي رداء غير مربع، يبلغ طوله نحو تسعة أذرع.
ولم يزل الرومان على بساطتهم في اللباس حتى ان الامبراطور قليغولة غار من لباس بطليموس ملك موريطانيا البربري وبهت منه العامة، وافضت الغيرة الى الانتقام بالسجن ثم القتل، فمات بطليموس شهيد لبسته!
ومساكنهم كانت خشبية مطينة، ثم ترقو قليلا فبنوها بالحجارة، ولم تكن لها نوافذ لعدم معرفتهم لصناعة الزجاج. وعلى خلوها من النوافذ كانت ضيقة متقاربة، والانهج غير واسعة ولا منظمة، والنظافة قليلة، والضوء معدوم ليلا.
وكانت لهم بناءات عمومية، وهي أرفع من بناء مساكنهم.
стр. 243
لم يزل الرومان كذلك على بساطة حياتهم حتى فتحوا البلدان. واستولوا على الأمم، وأقاموا بين ظهرانيهم، وطالت معاشرتهم لهم. اذ ذاك تأثر الغالب بالمغلوب وجاراه في حياة النعيم والرفاهية. وفي الحقيقة ان المغلوب لا يؤثر في الغالب، وانما أثرت تلك الامم في الرومان لانهم مغلوبون لها في العلم والحضارة.
أخذوا عن اليونان وأهل المشرق الملابس الرقيقة. وزينوا البيوت بالتماثيل والرخام والحجارة النفيسة، وفرشوها بالزرابي. وأكثر ما تأثروا في حياتهم بالاغريق، ومع ذلك لم يأخذوا عنهم فنهم في البناء. ولم تزل آثار البناءات الرومانية دالة على فقد الذوق اللطيف للرومان، وهي تمتاز بأنها عظيمة ذات أقواس. بسيطة ليس فيها تحسين.
٦ - الرومان في افريقية
انتهت الحرب البونيقية الثالثة بالقضاء على مملكة قرطاجنة وتخريب تلك العاصمة وحلول الرومان محل القرطاجنيين، فاستولوا استيلاء فعليا على التراب الاصلي لقرطاجنة، وأطلقوا عليه اسم "مملكة الرومان بافريقية" وجعلوا على هذه المملكة أو الولاية واليا مقره عوتيقية.
وهذه الولاية عبارة عما بين وادي توسكا (ناحية طبرقة) شمالا، ومدينة تينة (جنوب صفاقس) جنوبا. وخطها الغربي من جهة نوميديا غير مستقيم فانه يمر من توسكا حتى يقترب من قفصة ثم ينحني حيث ينتهي في تينة قرب البحر. فهي عبارة عن جزء غير كبير من عمالة تونس.
ولم تكن تطمع الجمهورية الرومانية اذ ذاك في توسيع هذه
стр. 244
الولاية وبسط نفوذها الفعلي على الشمال الأفريقي، لعلمها بشجاعة البربر وحماسهم في الدفاع عن وطنهم، وجهلها بدواخل هذا الوطن، فاكتفت باعتراف ملوك البربر بالسيادة الاسمية ريثما تلين قناتهم، وتضعف شوكتهم.
وكانت، الجمهورية لما فتحت قرطاجنة بعثت عشرة من الاعيان لينظروا مع سبيون في مصير قرطاجنة، فاتفق رأيهم على هدم ما أبقاه الحريق منها فتركوها قاعا صفصفا كان لم تغن بالامس، ولعنوا باسم آلهتهم موضعها، ولكنهم بعد قليل اضطروا لتجديدها.
وذلك ان ايطاليا ضاقت باهلها بسبب استحواذ طبقة الاغنياء على أراضيها وجلب العبيد لخدمة تلك الاراضى، ويقال: ان عدد هؤلاء العبيد بلغ ثلاثة ملايين. وأصبح عدد عديد من الايطاليين لا اراضي لهم يستغلونها ولا عمل يشتغلون به، حتى انه كان برومة أكثر من اربعمائة الف لا عمل لهم غير الجولان بالازقة.
وكان كايوس انتخب للمحامات عن الشعب سنة (١٢٣) فاقترح - لرفع هذه الازمة- ارسال جاليات من أولئك الفقراء من المال والعمل الى الولايات الرومانية.
وكان روبريوس من محامي الشعب ايضا فاقترح سنة (١٢٠) ق. م، تجديد قرطاجنة وارسال طائفة من فقراء الشعب لتعميرها.
قبل الشيوخ اقتراحه، وعين كايوس لتنفيذه، فجاء الى قرطناجنة بستة آلاف ايطالي، ومكث في تجديدها ثلاثة أشهر، وحينما تم تجديدها اطلق عليها اسم "جونونيا" تبركا باسم جونون وجعلت هي حامية قرطاجنة.
وكما ان هدهم لمدينة قرطاجنة لم يذهب بها وحييت من جديد
стр. 245
كذلك تغييرهم لاسمها فان تسميتهم لم تزاحم الاسم الفينيقي، وابى الله الا أن يبقي الاسم الاول هو المعروف المشتهر.
نهضت قرطاجنة من جديد وقصدها الرومان بالهجرة، وانضموا الى بقية العساكر الرومانية التي استوطنت أفريقية، وبما انهم نسخوا القرطاجنيين وحلوا محلهم استفادوا من علاقات القرطاجنيين مع البربر، فانبثوا في مدن الولاية الأفريقية ونوميديا، وانتصبوا فيها للتجارة والصناعة، فتمكنوا بذلك في أفريقية.
٧ - استيلاء الرومان على الجزائر
بعد واقعة طبسوس سنة ٤٦ (ق. م) استعمر الرومان شرقي نوميديا واطلقوا عليها اسم أفريقية الجديدة أو نوميديا الحديثة، ومنحت نوميديا الوسطى (قرطة والمدن التابعة لها) لستيوس. واطلق عليها اسم "مستعمرة ستيوس".
ولعل الرومان أرادوا أن يجعلوا حكم شتيوس لنوميديا الوسطى دور انتقال يسهل عليه اضافتها الى مستعمراتهم من بعد، ولكن عرابيون قتل ستيوس فحرم الرومان من هذه المستعمرة. واصبحت من بعد ذهاب المملكة البربرية ولاية رومانية لها أنظمتها وادارتها، متمتعة بالاستقلال حتى أن من المؤرخين من يعبر عنها بالدولة ومنهم من يعبر عنها بالجمهوربة.
اما نوميديا الغربية (قسم سطيف) فقد بقيت بيد عرابيون البطل البربري. والظاهر ان رومة اضافتها الى مستعمراتها بعد قتله.
وأما موريطانيا الشرقية فقد بقيت بيد امراء بربريين آخرهم
стр. 246
بوكوس الثالث المتوفي سنة ٣٣ (ق. م). وبعد وفاته ألحقها الرومان بمستعمراتهم، وجعلت تحت نفوذ اكتافيوس مباشرة، وأراد ان يغرس بها الحضارة اللطينية. ولكنه خشي شدة شكيمة البربر، فلم يعجل بتنفيذ برنامجه، وتظاهر للموريطانيين باللطف والمجاملة حتى وجد رجلا من بني جنسهم ولكنه مخلص لرومة، فولاه على موريطانيا سنة ١٧ (ق. م).
هذا الرجل البربري الروماني هو يوبا الثاني الذي مهد وطنه لسادته الرومان وشجعهم على امتلاكه بعد ما حاولوا ذلك منذ أزمان، واشرأبت أعناقهم اليه فلم يقووا على تحقيق آمالهم فيه.
وهكذا لولا الخيانة الجنسية من بعض الروساء وضعف الغيرة القومية من الامراء ما حكم أجنبي وطنيا ولا ساد غريب أهليا.
في سنة (٤٢ م) بحد قتل بطليموس ألحقت موريطانية برومة نهائيا. وبذلك تم للرومان الاستيلاء على الوطن الجزائري الذي شرعوا في تحقيقه منذ سنة ٤٦ ق. م فكانت مدة سير استيلائهم ثمانية وثمانين سنة.
ومع بطء هذا السير فانه لم يكن ثابت القدم عاما على الوطن الجزائري فان الرومان لم يتقدموا لهذا العهد الى الصحراء، وخط حدودهم يقترب من البحر كلما تقدم ناحية الغرب. وتوجد داخل الحد أماكن غير خاضعة لرومة منها جمهورية المدن الخمس: قرطة، ميلوم، روسقاد، شولو، قويقلوم. ولم تدخل في فوضى الاستعمار الروماني الا منذ انحل اتحادها أواخر القرن الثالث. ومنها القبائل الخمس (القبائل) الذين كان الرومان يسمون وطنهم "جبل الحديد" (MONS FERRATUS).
ولم يتمكن الرومان من اخضاعهم الا سنة (٢٩٧). وأكثر البربر
стр. 247
الساكنين بالجبال لم يخضعوا لرومة. ومن خضع منهم لا يضيع فرصة الثورة مهما سنحت.
وخلاصة الكلام ان الرومان لم يستولوا حقيقيا على كل الوطن الجزائري رغم امتداد ايامهم به. وسترى ما ينير لك الحقيقة.
٨ - حدود حكومة الرومان بالجزائر
كان من عادة الرومان أن يحدوا ما يفتحون من البلدان اما بحدود طبيعية أو صناعية: فيحدون بالجبال والاودية أو ببناء جدران أو حفر خنادق وجعل كثبان من الرمل أو التراب خلفها. وذلك اتقاء لهجمات الهاجمين وحفظا لمستعمراتهم ان تروج بها بضائع أجنبية وهم لا يشعرون.
وقد كان حد حكومة الرومان بالجزئر في القرن الاول للميلاد يمر شمال أوراس ويجتاز سهول سطيف ومجانة الى سور الغزلان ثم يتوسع قليلا فيمر بالبرواقية وساحل شلف ويجتاز وادي ميناس الى ناحية غليزان ووادي سيك. وفي غربي وهران يقترب جدا من البحر وينتهي بمصب نهو ملوية.
وبعد حين اضطر الرومان الى تقديم الحدود جنوبا. وكانت لهم مراكز عسكرية على الحدود. وبعد سنة مائة بقليل تقدمت مراكز الحراسة إلى الجنوب، وأحاطوا جبل أوراس الممتنع عليهم بالحصون. ولم يتم لهم فتحه الا أواخر القرن الثاني.
وفي بدايه القرن الثالث كان الحد الروماني مارا جنوب أوراس وشاطئ وادي جدي الايمن ثم يصعد شمالا فيمر وسط جبال الزاب ويقطع وادي الشعير حيث القاهرة، والمظنون أنه يمر بناحية بوسعادة
стр. 248
ويشتمل على الحضنة من جهتها الغربية، ثم يذهب الى قرب سور الغزلان جنوبا، ويمر ببوغار وتيهرت وتلمسان وللامغنية.
وقد يكون للحرس الروماني نقط حربية خلف الحدود، وقد تقدموا بها في بعض الجهات الى الصحراء حتى أن منها ما كان على الاغواط بثلاثين ميلا.
ولم يدخل الرومان الصحراء الا في عمالة قسنطينة دخلوها من ناحية أوراس. أما عمالتا الجزائر ووهران فليس للرومان فيهما الا الجهات التلية المعبر عنها بموويطانيا القيصرية، وبقيت الصحراء في منجاة من تسلط الرومان. ذلك لانهم أولا ليسوا بأمة صحراوية حتى يقدروا على فتح الصحراء أو تشتد رغبتهم في فتحها، وثانيا لم تكن الجهات التلية خالصة لهم فلم يكونوا مطمئنين منها حتى يغرروا بانفسهم في الصحراء.
٩ - جند الاحتلال
اعتمدت رومة في فتح الشمال الأفريقي على ثلاثة أشياء:
١ - السياسة الملعونة: فقد كانت تذكي نار المنافسة بين ملوك البربر، وتعمل لتفرقة المملكة الواحدة بين الامراء المتنافسين، واضعاف الغيرة القومية بمحاربة ابطالها.
٢ - الاستعانة ببعض البربر ضد الآخر: فان سياستها لما راجت على بعض رجال البربر من ملوك وأمراء صاروا يخدمونها ويعينونها على اعدائها أحباء الاستقلال. وكلما أرادت رومة رجلا بربريا يخدم مصالحها لم تعدمه، لان الشعوب لا تخلو من خونة. فكان لرومة ملوك وأمراء بربريون مصافون لها أو مغترون بسياستها أو خائفون
стр. 249
من عظمتها. وقد استفادت رومة من سياستها تلك واعانة بعض البربر لها فوائد لا تقدر الجيوش الجرارة على تحقيقها، بيد أنها لم تفز بها الا بعد أزمان لان مطامعها في الجزائر ابتدأت منذ عصر مصينيسا ولم تستول عليها ذلك الاستيلاء المثقوب الا بعد بطليموس.
٣ - الجند الروماني: فان رومة مهما اضطرت للحرب جاءت بجنودها والجندي الروماني معروف باخلاص الطاعة والصبر على الاتعاب. ولم تحتج رومة في فتح الوطن البربري الى جيوش كثيرة لانها لم تجد أمامها جيشا منظما تنظيم جيشها الا في حرب زامة وحروب يوغورطة وتقفاريناص.
ولم تكن لتأمن وثورات البربر لا سيما واستيلاؤها على الوطن الجزائري غير عام ولا ثابت الاركان. فاتخذت حامية بتبسة تراقب البروقنصلية (تونس) ونوميديا (قسنطينة)، وحامية لمراقبة موريطانيا الشرقية (الجزائر ووهران) وموريطانية الغربية (مراكش).
أما حامية تبسة فتدعى "الفرقة الثالثة الاغسطية" نسبة الى اغسطس قيصر. وكان بها ستة آلاف جندي وفي رواية (٥٥٠٠) وهذه هي الفرقة الكبرى وهناك فرق أخرى مشاة وفرسان يبلغ جميعها نحو ثلاثة عشر الفا، وهذه الفرق مدد لتلك الفرقة.
وتلك الفرقة الثالثة رومانية من خيرة جنود رومة، وبها كثير من الغاليا، وبعد حين صار الرومان يعلمون البربر ويجندونهم. ومنذ الثلث الثاني من القرن الثاني استغنت رومة بجنود البربر عن جلب الجنود من الخارج الى الفرقة الثالثة، فصارت هذه الفرقة متركبة من جنود البربر وابناء قدماء الجنود الرومانية.
стр. 250
واما الفرق الصغيرة فكانت ايضا تجلب من الخارج، وبقي الامر كذلك حتى بعد دخول البربر في الفرقة الثالثة.
وفي سنة (١٢٢) نقل الامبراطور هدريان مركز الفرقة الثالثة من تبسة الى لمبس. وفي أيام ديوقلطيانس صارت لمبس قاعدة عسكرية للجنوب النوميدي.
وبطول عهد هذه الفرقة ودخول البربر فيها وكثرة الاضطرابات برومة نقصت طاعتها لرومة، وقد تعارض في امبراطورية بعض، وتؤيد بعضا. والغيت سنة (٢٣٨) وعوضت بالفرقة الثانية والعسرين.
وأما حامية الموريطانيين فكان عددها نحو خمسة عشر الفا. وهي من البربر المخلصين لرومة.
فمجموع جيش الاحتلال بتونس والجزائر ومراكش نحو (٣٤٠٠٠) ليس به من الجنود الرومانية غير نحو (٨٠٠٠).
الجنود الرومانية تحارب وقت الحرب وتشتغل بالفلاحة حين السلم. يسمح القانون الروماني للجندي بالزواج، وكانت لهم مرتبات حسنة. والمتقاعد يعطى كفايته ويسكن قرب المركز الذي كان به، ويمنح اراضي وحيوانات يقوم بخدمتها، ويعفى من الضرائب لكن بشرط أن يحل أحد من أبنائه محله.
وبهذه الطريقة أصبحت الحدود عبارة عن مستعمرات من الجند تحول دون غارات الهاجمين. وكان خط الحدود مقسما إلى أقسام كل قسم تحت حراسة ضابط.
وفي حوالي سنة (٢٠٠) اذن الامبراطور سبتمس سورس للجنود