← История

История · id 123660

تاريخ الجزائر في القديم والحديث

مبارك الميلي

Полный текст (878 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

بوكوس الثالث المتوفي سنة ٣٣ (ق. م). وبعد وفاته ألحقها الرومان بمستعمراتهم، وجعلت تحت نفوذ اكتافيوس مباشرة، وأراد ان يغرس بها الحضارة اللطينية. ولكنه خشي شدة شكيمة البربر، فلم يعجل بتنفيذ برنامجه، وتظاهر للموريطانيين باللطف والمجاملة حتى وجد رجلا من بني جنسهم ولكنه مخلص لرومة، فولاه على موريطانيا سنة ١٧ (ق. م). هذا الرجل البربري الروماني هو يوبا الثاني الذي مهد وطنه لسادته الرومان وشجعهم على امتلاكه بعد ما حاولوا ذلك منذ أزمان، واشرأبت أعناقهم اليه فلم يقووا على تحقيق آمالهم فيه. وهكذا لولا الخيانة الجنسية من بعض الروساء وضعف الغيرة القومية من الامراء ما حكم أجنبي وطنيا ولا ساد غريب أهليا. في سنة (٤٢ م) بحد قتل بطليموس ألحقت موريطانية برومة نهائيا. وبذلك تم للرومان الاستيلاء على الوطن الجزائري الذي شرعوا في تحقيقه منذ سنة ٤٦ ق. م فكانت مدة سير استيلائهم ثمانية وثمانين سنة. ومع بطء هذا السير فانه لم يكن ثابت القدم عاما على الوطن الجزائري فان الرومان لم يتقدموا لهذا العهد الى الصحراء، وخط حدودهم يقترب من البحر كلما تقدم ناحية الغرب. وتوجد داخل الحد أماكن غير خاضعة لرومة منها جمهورية المدن الخمس: قرطة، ميلوم، روسقاد، شولو، قويقلوم. ولم تدخل في فوضى الاستعمار الروماني الا منذ انحل اتحادها أواخر القرن الثالث. ومنها القبائل الخمس (القبائل) الذين كان الرومان يسمون وطنهم "جبل الحديد" (MONS FERRATUS). ولم يتمكن الرومان من اخضاعهم الا سنة (٢٩٧). وأكثر البربر

стр. 247

الساكنين بالجبال لم يخضعوا لرومة. ومن خضع منهم لا يضيع فرصة الثورة مهما سنحت. وخلاصة الكلام ان الرومان لم يستولوا حقيقيا على كل الوطن الجزائري رغم امتداد ايامهم به. وسترى ما ينير لك الحقيقة. ٨ - حدود حكومة الرومان بالجزائر كان من عادة الرومان أن يحدوا ما يفتحون من البلدان اما بحدود طبيعية أو صناعية: فيحدون بالجبال والاودية أو ببناء جدران أو حفر خنادق وجعل كثبان من الرمل أو التراب خلفها. وذلك اتقاء لهجمات الهاجمين وحفظا لمستعمراتهم ان تروج بها بضائع أجنبية وهم لا يشعرون. وقد كان حد حكومة الرومان بالجزئر في القرن الاول للميلاد يمر شمال أوراس ويجتاز سهول سطيف ومجانة الى سور الغزلان ثم يتوسع قليلا فيمر بالبرواقية وساحل شلف ويجتاز وادي ميناس الى ناحية غليزان ووادي سيك. وفي غربي وهران يقترب جدا من البحر وينتهي بمصب نهو ملوية. وبعد حين اضطر الرومان الى تقديم الحدود جنوبا. وكانت لهم مراكز عسكرية على الحدود. وبعد سنة مائة بقليل تقدمت مراكز الحراسة إلى الجنوب، وأحاطوا جبل أوراس الممتنع عليهم بالحصون. ولم يتم لهم فتحه الا أواخر القرن الثاني. وفي بدايه القرن الثالث كان الحد الروماني مارا جنوب أوراس وشاطئ وادي جدي الايمن ثم يصعد شمالا فيمر وسط جبال الزاب ويقطع وادي الشعير حيث القاهرة، والمظنون أنه يمر بناحية بوسعادة

стр. 248

ويشتمل على الحضنة من جهتها الغربية، ثم يذهب الى قرب سور الغزلان جنوبا، ويمر ببوغار وتيهرت وتلمسان وللامغنية. وقد يكون للحرس الروماني نقط حربية خلف الحدود، وقد تقدموا بها في بعض الجهات الى الصحراء حتى أن منها ما كان على الاغواط بثلاثين ميلا. ولم يدخل الرومان الصحراء الا في عمالة قسنطينة دخلوها من ناحية أوراس. أما عمالتا الجزائر ووهران فليس للرومان فيهما الا الجهات التلية المعبر عنها بموويطانيا القيصرية، وبقيت الصحراء في منجاة من تسلط الرومان. ذلك لانهم أولا ليسوا بأمة صحراوية حتى يقدروا على فتح الصحراء أو تشتد رغبتهم في فتحها، وثانيا لم تكن الجهات التلية خالصة لهم فلم يكونوا مطمئنين منها حتى يغرروا بانفسهم في الصحراء. ٩ - جند الاحتلال اعتمدت رومة في فتح الشمال الأفريقي على ثلاثة أشياء: ١ - السياسة الملعونة: فقد كانت تذكي نار المنافسة بين ملوك البربر، وتعمل لتفرقة المملكة الواحدة بين الامراء المتنافسين، واضعاف الغيرة القومية بمحاربة ابطالها. ٢ - الاستعانة ببعض البربر ضد الآخر: فان سياستها لما راجت على بعض رجال البربر من ملوك وأمراء صاروا يخدمونها ويعينونها على اعدائها أحباء الاستقلال. وكلما أرادت رومة رجلا بربريا يخدم مصالحها لم تعدمه، لان الشعوب لا تخلو من خونة. فكان لرومة ملوك وأمراء بربريون مصافون لها أو مغترون بسياستها أو خائفون

стр. 249

من عظمتها. وقد استفادت رومة من سياستها تلك واعانة بعض البربر لها فوائد لا تقدر الجيوش الجرارة على تحقيقها، بيد أنها لم تفز بها الا بعد أزمان لان مطامعها في الجزائر ابتدأت منذ عصر مصينيسا ولم تستول عليها ذلك الاستيلاء المثقوب الا بعد بطليموس. ٣ - الجند الروماني: فان رومة مهما اضطرت للحرب جاءت بجنودها والجندي الروماني معروف باخلاص الطاعة والصبر على الاتعاب. ولم تحتج رومة في فتح الوطن البربري الى جيوش كثيرة لانها لم تجد أمامها جيشا منظما تنظيم جيشها الا في حرب زامة وحروب يوغورطة وتقفاريناص. ولم تكن لتأمن وثورات البربر لا سيما واستيلاؤها على الوطن الجزائري غير عام ولا ثابت الاركان. فاتخذت حامية بتبسة تراقب البروقنصلية (تونس) ونوميديا (قسنطينة)، وحامية لمراقبة موريطانيا الشرقية (الجزائر ووهران) وموريطانية الغربية (مراكش). أما حامية تبسة فتدعى "الفرقة الثالثة الاغسطية" نسبة الى اغسطس قيصر. وكان بها ستة آلاف جندي وفي رواية (٥٥٠٠) وهذه هي الفرقة الكبرى وهناك فرق أخرى مشاة وفرسان يبلغ جميعها نحو ثلاثة عشر الفا، وهذه الفرق مدد لتلك الفرقة. وتلك الفرقة الثالثة رومانية من خيرة جنود رومة، وبها كثير من الغاليا، وبعد حين صار الرومان يعلمون البربر ويجندونهم. ومنذ الثلث الثاني من القرن الثاني استغنت رومة بجنود البربر عن جلب الجنود من الخارج الى الفرقة الثالثة، فصارت هذه الفرقة متركبة من جنود البربر وابناء قدماء الجنود الرومانية.

стр. 250

واما الفرق الصغيرة فكانت ايضا تجلب من الخارج، وبقي الامر كذلك حتى بعد دخول البربر في الفرقة الثالثة. وفي سنة (١٢٢) نقل الامبراطور هدريان مركز الفرقة الثالثة من تبسة الى لمبس. وفي أيام ديوقلطيانس صارت لمبس قاعدة عسكرية للجنوب النوميدي. وبطول عهد هذه الفرقة ودخول البربر فيها وكثرة الاضطرابات برومة نقصت طاعتها لرومة، وقد تعارض في امبراطورية بعض، وتؤيد بعضا. والغيت سنة (٢٣٨) وعوضت بالفرقة الثانية والعسرين. وأما حامية الموريطانيين فكان عددها نحو خمسة عشر الفا. وهي من البربر المخلصين لرومة. فمجموع جيش الاحتلال بتونس والجزائر ومراكش نحو (٣٤٠٠٠) ليس به من الجنود الرومانية غير نحو (٨٠٠٠). الجنود الرومانية تحارب وقت الحرب وتشتغل بالفلاحة حين السلم. يسمح القانون الروماني للجندي بالزواج، وكانت لهم مرتبات حسنة. والمتقاعد يعطى كفايته ويسكن قرب المركز الذي كان به، ويمنح اراضي وحيوانات يقوم بخدمتها، ويعفى من الضرائب لكن بشرط أن يحل أحد من أبنائه محله. وبهذه الطريقة أصبحت الحدود عبارة عن مستعمرات من الجند تحول دون غارات الهاجمين. وكان خط الحدود مقسما إلى أقسام كل قسم تحت حراسة ضابط. وفي حوالي سنة (٢٠٠) اذن الامبراطور سبتمس سورس للجنود

стр. 251

بالبقاء مع أزواجهم خارج المراكز العسكرية بصفة مستمرة. فصارت تلك المراكز اما مواضع لتمرين الجند واما مختزنات للسلاح والمؤن. ولحسن ذلك النظام في حفظ الحدود بقي الحد الروماني الذي بلغوه في القرن الثالث بحاله رغم الثورات المتعددة داخله. واستمر غير متأثر بما يجري داخل المملكة حتى سقط الحكم الروماني من الجزائر. ١٠ - النظام الروماني بالجزائر علمت ان استيلاء الرومان على الجزائر كان تدريجيا وغير ثابت الاركان. لذلك لم يستقر النظام الروماني بالجزائر على حال. كان ما أخذه الرومان من نوميديا- على عهد يوليوس قيصر- تحت ولاية سالوست. وبقيت نوميديا كذلك لها واليها غير والي البروقنصلية، ومن هؤلاء الولاة سكستيوس نائب اكتافيوس، واخيرا تغلب على والي البروقنصلية واضافها الى ولايته. ثم عزل على عهد اكتافيوس نفسه وجعل مكانه فانغو على نوميديا خاصة، وولي هو على البروقنصلية، فوقعت بين هذين الواليين معارك انتهت بانتصار سكستيوس وقتل فانغو نفسه. وأصبح هذا المنتصر هو الوالي الوحيد بجميع ممتلكات رومة بأفريقية. ثم في عهد امبراطورية اكتافيوس ايضا سمي يوبا الثاني على نوميديا. ثم نقل منها الى موريطانيا سنة (١٧) واضيفت نوميديا الى البروقنصلية وحعلتا تحت عامل يسميه مجلس الشيوخ. وفي سنة (٣٧م) على عهد غليقلا تركت البروقنصلية على نظامها العثيق وجعلت نوميديا ذات وحدة ادارية يرأسها ضابط عسكري في

стр. 252

رتبة عضو بمجلس الشيوخ. وهذا الوالي يخاطب رومة من غير واسطة. وهو تحت نظر الامبراطور ويلقب ليغاتوس. وفي سنة (٤٢) قسم الامبراطور قلوديوس الجزائر الى قسمين: نوميديا من طبرقة شرقا إلى مساغا غربا، وموريطانيا القيصرية من مساغا شرقا الى ملوشات غربا. وجعلت موريطانيا القيصرية تحت نظر الامبراطور يسمي بها العمال ولهم تفويض في الادارة. وكان لنائب الامبراطور بموريطانيا القيصرية مرتبا يقدر بنحو اربعين الف فرنك. وقد كان بالشمال النوميدي مدن مستقلة كما كانت جبال جرجرة ممتنعة عن الرومان. وفي سنة (٢٩٧) بعدما انحلت الصلة بين هذه الجمهوريات، وعمت بها الفوضى، وتغلب ديوقلطيانس على جبال جرجرة حدث تغيير في نظام الحكومة الرومانية بالجزائر فقسمت الى أربعة أقسام: ١ - نوميديا القرطية (وهي الشمال النوميدي) قاعدتها قرطة. ٢ - نوميديا العسكرية (وهي الجنوب النوميدي) قاعدتها لمبس. ٣ - موريطانيا السطيفية (ما بين مساغا وصلداي) قاعدتها سطيف. ٤ - موريطانيا القيصرية (ما بين صلداي وملوشات) قاعدتها قيصرية. ولما ثبتت قدم قسطنطين بامبراطورية رومة أحدث سنة (٣٢٣) تغييرا في الولايات الامبراطورية، فقسمها ثلا ثة أقسام كبرى: ولاية ايطاليا، ولاية الغاليا، ولاية المشرق. وجعل تونس

стр. 253

والجزائر تابعتين لولاية أيطاليا، وتداران من طرف واليها المقيم برومة. وهذا الوالي تحته وزراء: وزير للمالية ووزير للاملاك الدولية ووزير للحربية، وكلهم برومة ولهم نواب يمثلونهم بأفريقية: فكان للوالي يمثله قنصل افريقية، ووزير الحربية يمثله: ١ - كونت افريقية، ولم ١٦ قائدا على الجنود المرابطة بالحدود الجنوبية والفرق المتنقلة (الكونت: عين من الاعيان). ٢ - دون موريطانيا القيصرية وله ٨ قواد. وقد تكون بيد السلطة المدنية (دوق: شريف). ولم تكن هذه التقاسيم مبنية على اعتبارات جغرافية، وانما نظر فيها الى المصالح الحربية، ولذلك تغيرت حسب الظروف. وبما ان الاستيلاء الروماني لم يكن عاما فقد كانت المدن تنقسم الى قسمين: مدن تحت السلطة الفعلية للرومان، ومدن لم تتمكن منها اليد الرومانية. والاولى كانت على ثلاث درجات: ١ - مدن رومانية: هذه معتبرة كوطن روماني، أهلها يتمتعون بكل الحقوق الرومانية، ينتخبون ومعفون من الضرائب. ٢ - مدن بلدية (MUNICIPES). هذه لها كل الحقوق الرومانية ما عدا الانتخاب. ٣ - مدن لطينية: لها حرية التجارة والتملك، وليس لها حق الانتخاب والاعفاء من الضرائب، وانما هذان الحقان لخصوص المتقاعد من حكامها. والثانية كانت على ثلاثة أقسام أيضا: ١ - مدن معتبرة حليفة للرومان. ٢ - مدن حرة. ٣ - مدن معفاة من الخراج.

стр. 254

وهذه الاقسام للنوع الثاني من المدن تختلف ادارتها: فمنها ما هو محافط على شكل الادارة البونيقية لها حكام وقضاة ومجالس من الاعيان، ومنها ما هو تحت رؤساء بربريين يعينهم الامبراطور ويمنحهم رداء يدعى "رداء الولاية" وقد يعطيهم اعانات ويوجب عليهم حراسة ما بجوارهم من الحدود. وقد تسمح رومة لبعض هذه المدن بانتخاب مجالس بلدية. ورئاسة الرؤساء البربريين على بني جنسهم وراثية ويدعون اما عمالا أو أمراء، وقد يلقبون انفسهم بلقب ملك. اما المدن الرومانية فكانت تنتخب كل سنة حكامها. وهؤلاء الحكام يتصرفون في مالية البلدة ويقومون بإصلاح القناطر والطرق والبناءات العمومية ويقبضون المغارم ويسهرون على حفظ الامن العام ويقضون بين الناس. والى جانب الحكام مجلس بلدي يعينهم ويراقب أعمالهم ويشترط في العضو بهذا المجلس ان يبلغ ثروة محدودا أقلها قانونا، وان يدفع للميزانية البلدية من ماله قدرا من المال. ولا مرتب له. وأعضاء هذا المجلس ضامنون في مالية البلدة التي يتصرفون فيها. واذن فادارة المدن كانت بيد طبقة مثرية قليلة العدد. وكان نطاق أكثر البلديات واسعا جدا: بلدية هبون (بونة) كانت تمتد غرب المدينة ثلاثين ميلا، وشرقها خمسين ميلا. وكانت للامبراطور ورجال من أعيان الشيوخ أملاك واسعة مستقلة عن تراب البلديات. يقوم بحفظ تلك الاملاك وكلاء عن اربابها. والوكيل على أرض هو الحكم على من بها والقائم بحفظ الامن فيها. ولسكان تلك الاملاك نواب يختارونهم للدفاع عن حقوقهم.

стр. 255

وبهذا تعلم ان الدولة الرومانية لم تكن تتداخل في ادارة شؤون الجزائر الداخلية، ولا مكثرة من المتوظفين الذين لا فائدة فيهم غير اثقال كاهل الميزانية. بل انها تركت الدوائر البلدية وشأنها تدير أمورها بنفسها، ولم تتخذ من الموظفين الا العدد القليل للقيام بالشؤون الهامة. وكان الوالي لا يتداخل- بصفة قانونية- في شؤون المدن الرومانية الا في الخصومات المدنية الهامة والجرائم، فهو الحكم في ذلك، وله مراقبة المالية. ١١ - جمهورية المدن الخمس كانت قرطة عاصمة الملوك النوميديين منذ القرن الثالث قبل الميلاد. وقد اعتنى بها بعض أولئك الملوك فرقوها ترقية عالية. ميلوم (ميلة) وروسقاد (سكيكدة) وشولو (القل) وكويكلوم (جميلة)، هذه المدن يقول عنها المؤرخ بلين: انها كانت أولا قلاعا حربية، وأخذ عمرانها يتسع حتى أصبحت في عهد طرياناس امبراطور رومة (٩٨ - ١١٧م) شبيهة بقرطة. وكانت هذه المدن تحت الملك النوميدي. وبعد واقعة طبسوس انفصلت تلك المدن الخمس عن بقية نوميديا حيث ان يوليوس قيصر منحها لستيوس يستعمرها بجيشه المتركب من الاسبان والايطاليان. واشترط عليه أن يقطنها الرومان. وفي أوليتهم من نصره في حرب أفريقيه من الجنود. ومن ههنا سماها بعض مؤرخي الرومان "مستعمرة ستيوس". انفصل من عهد ستيوس هذا القسم الواسع الخصب من نوميديا فلم يصر مرتبطا بها في السياسة والادارة حتى أن يوبا لما ولي على نوميديا لم يعرف له نفوذ بهذا الشمال النوميدي.

стр. 256

وقد كانت قرطة هي العاصمة لهذا الشمال، وتلك المدن الاربع تابعة لها وجزء منها. ومن القرى التي كانت تابعة لقرطة في النظام والحكم: ثيدي (الخنق)، ارسقال (عين الكرمة)، مستار (عين بني زياد)، وزيلي (وجل)، صدار (عين الباي)، سيلة (سيقوس). وعلى القرى رؤساء منخرطون في سلك متوظفي قرطة، وقد استقل بعضها على عهد سبتمس سويرس وخصوصا على عهد قراقلا. وبعد استعمار الرومان لهذا الشمال النوميدي بقليل ظهرت تلك المدن الاربع بفضل انتشار العمران، وأصبحت تضاهي قرطة. وأخذت نظاما داخليا مستقلا مع بقائها متعلقة بقرطة. وكانت جميلة دون بقية المدن الاربع. بل قليلا ما تضاف اليهن. وسبب امتياز هذا الوطن عن بقية نوميديا واختصاصه بنظام صار به كمملكة مستقلة انه كان تحت رئاسة ستيوس ناصر قيصر ومغلبه على اعدائه الاقوياء الكثيرين. وسبب اتحاد قرطة وميلوم وروسقاد وشولو انه حدث خلاف بين سكان هذه المدن الاربع على بعض الاراضي أيام أغسطس قيصر. وكان القرطيون قد أعانوه على عدوه ومنافسه انطونيوس، فكانت لهم بذلك عليه يد. فلما رفعت صورة الخلاف اليه لم يشأ أن ينصف أهالي المدن الثلاث من أهالي قرطة، ولكنه أصلح بينهم وعقد لهم محالفة رباعية، وجعل لكل مدينة ادارة شؤونها الداخلية على أن يكون لقرطة فضل الاشراف على الجميع. فكل مدينة تضرب الضرائب وتجبي الغرامات وتصرفها في مصالحها، ولكن رئيس قرطة هو

стр. 257

المراقب لاعمال سائر المدن، ويساعده في بعضها مجلس بلدي، وفي بعضها مجلس من المتوظفين حيث لم يكن لها حق الانتخاب. وتدار هذه المدن المتحالفة على ايدي رجال تنقسم وظائفهم اربعة أقسام: ١ - الرجال الثلاثة (تريومفير). لهم من النفوذ ما لقناصل رومة وينتخبون لمدة سنة فاتحتها يوليه. والمترشح يعلن قبل الانتخاب مباديه، ويرأس جلسة الانتخاب من الرجال الثلاثة المنتخبين سابقا أكبرهم سنا. وهذا الرئيس ينظر في المترشحين واستيفائهم للشروط. ويعلن بقبول اجراء انتخاب المستوفي لها. ومن انتخب لا يقبل تسليمه. والرجال الثلاثة يتولون قيادة الجيوش وفصل النوازل بأنفسهم أو بمن يقيمونه نائبا عنهم، وبيدهم نظام الادارة بأسره، وكونهم ثلاثة هو الغالب. وقد يبلغ عددهم أحيانا خمسة أو سبعة أو عشرة أو خمسة عشر أو عشرين. وهم اما من أعيان الرومان أو ممن كان قنصلا برومة. ٢ - رجال الشرطة (الايديل). وظيفتهم الخاصة بهم مراقبة البناءات العمومية والحمامات الدولية ودخلها والمحافظة على نظافة الشوارع وجلب الحبوب الى المدينة وتشكيل الحفلات ومراقبة الامن بالاسواق والموازين والمكاييل وتأديب المعتدين بالجلد أو بالتغريم. ويرأس هذه الوظيفة رجلان يضع كل منهما خمسة آلاف ضمانا. ٣ - وزير المالية. يقوم باستخلاص المغارم، ويقدم لرجال الشرطة المال عند عروض داع اليه. وهو الرئيس الاعلى لادارة المالية. ولا يوجد ما يدل على انه كان ملزما بوضع ضمان عند توليته.

стр. 258

٤ - العمال. كانت وظيفتهم في بلدان الجمهورية ما عدا قرطة. وهم بمثابة الرجال الثلاثة في قرطة. والظاهر ان يكون منهم لكل مدينة واحد. وينتقل العمال في المدن الثلاث من واحدة لاخرى. وهناك متوظف غير من سبق يلقب "كورتور" (CURATUR) يسميه الامبراطور. وقوة نفوذه تابعة لقوة نفوذ الامبراطور في البلد الذي سماه فيه. ولم يكن للامبراطور قوة في هذه الجمهورية الا بعد انحلالها ومجيء البيزنطيين. فصارت وظيفته اخيرا قبض الخراج والقيام بجل الوظائف البلدية. وكما كان لسياسة هذه الجمهورية رجال كان لديانتها أيضا رجال، وهم أقسام: ١ - القائمون على الهيكل بذبح قرابينه وتقديمه لناره. واقدارهم مختلفة باختلاف عظمة الهيكل القائمين عليه. ولا يكون القائم على الهيكل الا من بيت شريف. ويعتبر هو وذريته وماله وقفا على خدمة ذلك الهيكل. ٢ - المراقبون للاعمال الدينية أينما كانت ما عدا القرابين التي هي أهم تلك الاعمال. ٣ - العرافون. يتولون افراخ الدجاخ لزجرها ومعرفة الحوادث الغيبية منها. ويتفرسون أيضا في الضحايا، نظير ما يوجد اليوم في بعض الافراد من خصوصية معرفة الحوادث بالنظر في عظام أكتاف الحيوانات. فهي من بقايا الوثنية. ٤ - المرشدون. يقومون بارشاد العامة الى رجوه عبادتها. وكل كبير أسرة يعتبر مرشدا لاسرته. وهذا في نفسه حسن، فقد قال ﷺ : "فالرجل راع على أهله وهو مسؤول عنهم".

стр. 259

ولعنايتهم بالسياسة عنايتهم بالدين كانت دار الامارة حيث هيكل الاله العظيم "جوبتير". ومكانها بموضع القصبة اليوم. وهي بذلك الموضع من لدن الملوك النوميديين. قال بارس: "وهي معمورة بالذخائر. وقد وجدت قطع رخامية تشتمل على حصر تلك الذخائر، عثر عليها عندما أراد الأتراك بناء قشلتهم (١). وقيمة هذه الذخائر مناسبة لما كانت عليه قرطة من الثروة والرفاهية". ثم أخذ في تعدادها. ولكثرتها اكتفينا بالاشارة اليها محيلين محب الاطلاع على أشخاصها على كتاب قرطة (CIRTA) وقد كان السكان في هذه الجمهورية على طبقتين: أهل الحقوق وغيرهم. الاولون هم من كانت لهم حقوق أصالة أو وراثة أو منحتهم بلديتهم ذلك تشريفا لهم أو تبناهم أهل الحقوق أصالة. والاخيرون هم الاجانب الذين استقروا بوجه نهائي بمدينة من المدن. وهناك طبقة لا حقوق لها أصلا وهم الاجانب الذين يحلون بالمدينة حلولا مؤقتا من تجار وطلبة علم وعابري سبيل. وفي كل خمس سنوات يعاد تقييد أهل الحقوق وضبط أملاكهم وتجديد النظر في المغارم. وكانت الطبقتان كلتاهما تتحملان الواجبات البلدية على السواء. وتختص الطبقة الاولى بأن عليها واجبات: ١ - القيام بالبريد والطرق ٢ - استخلاص الغرامات واداؤها. ٣ - نفقات الوفود التي توجه الى رومة. ٤ - ترميم المعابد البلدية.

стр. 260

٥ - التبرع على المشاريع البلدية، مثل التمثيل. القائمون بهذه الواجبات متمتعون بالحقوق السياسية تماما. وينتخب منهم في كل عمارة عشرة. ثم يجتمع هؤلاء المنتخبون في مجلس أعلى يكون هو الممثل للامة، فيتولى جميع شؤونها من تسمية وعزل. وأصحاب هذا المجلس أنفسهم على طبقات مرتبة حسبما يلي: ١ - طبقة الديكريون. يختارهم الحكام (الرجال الثلاثة) من أماثل المنتخبين. ٢ - طبقة العظماء. وهم من كان عضوا بمجلس الشيوخ أو قائد جيش بلغ درجة تسمح له بالركوب. ٣ - لجنة الاعضاء الخمسة. وهم من كان له مرتبة أهل الطبقة الثانية غير انه لم يكن من العظماء السادة. ٤ - العرافون. ٥ - رجال الشرطة. ٦ - أمناء المال البلدي. ويشترط فيمن يكون عضوا بهذا المجلس زيادة على كونه من أهل الحقوق: ١ - أن يكون نظيف السيرة. ٢ - أن يكون ذا مال يختلف تقديره حسب القانون الاساسي. ٣ - أن يكون عمره (٣٠) سنة ثم خفض الى (٢٥). وظيفة الديكريون يمنحه صاحب طول حياته ما دام حائزا على شروطها. وعددهم غالبا مائة وقد يزيد أو ينقص. ومنهم قسم يحافظون على الاعمال الدينية وعددهم اربعة عشر. ولكون هذه الطبقة أعلى طبقة بالمجلس لا يصح شيء من أعماله الا بحضور عدد منهم. وأعمال هذا المجلس هي:

стр. 261

١ - تسمية التوظفين على اختلاف طبقاتهم بعد انتخاب الامة. ٢ - منح لقب "مولى" (السيد) لمن كانت له أعمال جليدة اشتهر بها. ٣ - تهيئة أعضاء الوفود التي ترسل الى رومة للاعراب عن جور بعض الولاة. ٤ - تعيين من يرأس جمعية الديانات الاجنبية. ٥ - تجهيز الجيوش عند الاقتضاء. ٦ - تعيين مقادير التبرعات الدينية. ٧ - تحديد مقادير الضرائب البلدية. ٨ - تنظيم الحالة المالية. ٩ - محاسبة من كلف بشأن عام من طرف المجلس. ١٠ - تعيين لجنة تشتغل ببيان دخل المدينة وخرجها. ١١ - النظر في البناءات هدما وتعميرا. ١٢ - الامر بمطالبة من هو مدين للمدينة. ١٣ - تعيين أيام المواسم. ١٤ - الامر بالالعاب العمومية مع تكليف من يتولى تنظيمها. ١٥ - الحكم النهائي فيما يتعلق بتحرير الارقاء وأرش التعديات. ١٦ - امداد أهل الوظائف الخاصة بالنفوذ. هذا نظام جمهورية المدن الخمس السياسي والديني، قال بارس (VARS) في كتاب قرطة: "وقد كانت قرطة قرار نظام كاد يكون منفردا في امبراطورية رومة" (١). وكانت علاقة هذه الجمهورية مع امبراطورية رومة أشبه شيء بعلاقة الحامي مع المحتمي بأشرف معنى للحماية. بل عبر عنها بعضهم بمملكة. وكان مبعوثوا الامبراطور للتجول في هذه الجمهورية واستطلاع أحوالها لا يتخذون شعارا

стр. 262

يميزهم. ولم يكن للامبراطور يد في نظام هذه الجمهورية الداخلي مدة اتحادها. ولحسن هذا النظام عاش السكان تحته عيشة راضية وترقى الوطن ترقيا عظيما وارتفع شأنه في الحضارة والعمران. وتقدمت به العلوم والفنون والآداب. ونحن نثبت أبياتا قالها صائغ بقرطة لتنقش على قبره وهي باللطينية، وهاك تعريبها من غير تصرف: "أنا المستحيل علي الكلام الآن أقص عليك حياتي في هذه الابيات: تمتعت طويلا بالضوء النير وكنت "برسليوس" الصائغ بقرطة صفاء طويتي يضرب به المثل وكنت دائما صادق القول كان ما عندي للجميع ومن ذا الذي لم أشفق عليه دائم الابتسام تمليت دواما مع أحبائي في حياة مترفة وبعد وفاة العفيفة الصاحبة "فليريه" لم أجد مثلها واحتفلت- بكل احترام- مائة مرة بعيد ازديادي ولكن أتى اليوم الاخير الذي فيه تغادر الروح الجثمان البالي وهذه الكتابة التي أنت قارئها قد هيأتها أثناء حياتي لمماتي التي أتاحها لي الحظ. وطالما رافقتي ولم يهملني فاقف أثري واتل سبيلي على ما كانت عليه ثم ائتني فها انا ذا منتظرك هنا". بلغ الناس في هذه الجمهورية مبلغا عظيما من البذخ والرفاهية حتى حدثت قرى صغرى وطلبت نوعا من الاستقلال. فاعانها على

стр. 263

ذلك قياصرة رومة تفريقا للكلمة وحبا في النفوذ والاستبداد بالحكم وكان رجال الوظائف بعكس العامة ذهبت ثروتهم بسبب ما كان يثقل كاهلهم من النفقات البلدية. فوجد قياصرة رومة في بذخ العامة وفقر الموظفين سبيلا للتدخل في اشقاء هذه الجمهورية. فصاروا يفرقون كلمتها بتلبية طلبات القرى الطامحة الى الاستقلال. ويضعفون نفوذ مجلس الأمة بتعيين الموظفين القيصريين مكان من عجز من أهل الوظائف البلدية عن القيام بمأموريته لفقره حتى اضمحل المجلس ووزعت أعماله على نواب القياصرة وعمالهم. وكان انحلال الاتحاد بين المدن في القرن الثالث. فان ميلوم كانت تنازع قرطة في سيادتها وتجاريها في عظمتها حتى استقلت عنها وضمت اليها روسقاد وشولو. وآخر من تولى رئاسة هذه المدن الثلاث رجل يدعى كمودس (COMMODUS) أصله من ميلة وكان أحد الرجال الثلاثة بقرطة أيام اتحاد المدن. فلما استقلت ميلة عن قرطة وجمعت اليها تينك المدينتين تولي هذا الرجل رئاسة المدن الثلاث بميلة. بعد انحلال ذلك الاتحاد وتداخل اليد القيصرية ساءت الاحوال ونقص العمران وارتفع الامن. وما أصدق قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وبقيت قرطة لحصانتها محافظة على عظمتها حتى أن الوندال لم يقووا على فتحها. وكان بها كنيسة عظيمة للمسيحيين تخرج منها قسوس كثيرون منهم دنتوس الذي أحدث في المسيحية مذهبا نسب اليه وضاد به الكنيسة الكاثوليكية وفاز عليها في جميع التراب الجزائري.

стр. 264

بقي لقرطة اسمها واستقلالها حتى ذهب الاثنان على يد قسطنطين سنة ٣١٢. ١٢ - الحياة الرومانية بالجزائر كان بالوطن الجزائري على عهد رومة طائفة من الرومان الا أنها قليلة، ويوجد به عدد من الاجانب غير الرومان الا أنه قليل جدا. قال بيروني: يوجد بأفريقية في سنة (٢٠٠) نحو ٢٠٠ أو ٢٥٠ ألف روماني. وفي سنة (٤٠٠) تقريبا بلغ عدد الرومان نحو مليونين أو مليونين ونصف الى ثلاثة ملايين. وهذا أكثر احصائية للرومان بأفريقية". واحصاء بيروني هذا يريد به رومان طرابلس وتونس والجزائر ومراكش. ومعلوم اق الاستعمار الروماني كان بطرابلس وتونس أوسع دائرة وأثبت قدما. وكلما تقدم الى الغرب ضاق نطاقه وقل تأثيره. وإذا نقول ان حظ الجزائر من ذلك الاحصاء قليل، وهو بعمالة قسنطينة أكثر منه بعمالتي الجزائر ووهران. قرطة كان بها عدد من الايطاليان من عهد مصيبسا. ولما استولى ستيوس عليها وما يتبعها من الشمال النوميدي ترك بتلك النواحي جنودا بعضها من ايطاليا وبعضها من اسبانيا. وقد علمت ان يوليوس قيصر اشترط عليه أن يفتح أبواب مملكته في وجه الرومان ومن كان معه في حروب أفريقية. ولما اعتلى عرش رومة اكتافيوس الملقب أغسطس وجه جاليات من الرومان الى موريطانيا: بعضها الى قرطنه (تنس) وبعضها الى رسقونيا (مطيفو) وبعضها الى روصازو (أزفون) وبمفها الى صلداي (بجاية) والى أجلجي (جيجل) والى زكبار (مليانة) والى تبوسكتو (تكلات). ثم أرسل الى هذه المدن عساكر أكثرهم ايطاليون.

стр. 265

وعلى عهد قلوديوس (٤١ - ٥٤) ووسبسيان (٦٩ - ٧٩) أو نربا (٩٦ - ٩٨) تكونت جاليات أخر من قدماء الجند في "أبدوم نفوم" (المدينة الحديثة وهي وادي الدفلة) وفي مدوروس وفي سيطيفس. وقد كان أكثر الرومان بالجزائر من أبناء قدماء الجند. علمت سابقا أن الحياة الرومانية بايطاليا كانت في غاية البساطة والسذاجة: شظف في العيش وتقشف في الملبس وكد في العمل. وقد نقلنا لك- الفصل الخامس - كلمة كاطون منهم فيمن يوجد بتركته انه ربح أكثر مما ورث. وفيها ترى شدة عنايتهم بالثروة وعجز وطنهم عن الوفاء برغبتهم، حتى صار يرى هذا الرجل ان سعة الثروة المكتسبة ليس لها طريق يفضي اليها البشر بفكره، وانما ذلك الهام من الالهة خارج عن متناول العقول البشرية. ان أمة هذه حالها لجدير بها ان تترامى على الاوطان الخصبة بكل ضراوة، وخليق بها أن تجد في تلك الاوطان ليل نهار لتثأر من الثروة التي عزت عليها في وطنها. لذلك لما حل الرومان بالجزائر استولوا على كثير من الاراضي وقاموا بخدمتها أحسن قيام فمنحتهم أحسن النتائج، فراشوا بعد الفقر وبذخوا بعد الشظف وأصبحت الحياة غير الحياة. بنوا المنازل الشاهقة ووسعوا نطاق المدن التي حلوا بها. فكانت قرطة تشتمل على مدينتين: داخلية يحيط بها سور، وخارجية وهي أوسع نطاقا. ومساحتها تمتد غربا الى جنان الزيتون ومقبرة الاسلام، وجنوبا غربيا الى قشلة باردوا، وشمالا الى ضفة وادي الرمل الشمالية. قال بارس: "وذكر أبطات قديس ميلة: أنه كان ملاصقا لقرطة حارة عظيمة تدعى "موغاي". والظاهر انه المعروف اليوم بسيدي المبروك، وتمتد هذه الحارة الى ناحية المنصورة"،

стр. 266

الى ان قال: "بضواحيها نزلات متقطعة. وقد عثر على آثار بعضها بناحية الحامة). وقد مر أن ميلة والسكيكدة والقل وجميلة كانت قرى صغيرة، ثم أصبحت مدنا عظيمة. ومن القرى التي عظمت على عهد الرومان وصارت مدنا: باغاية، مسكولة (خنشلة) لمبس، تمغادي، فتيرانروم (ديانة قدماء الجند) لمصبة (بالشمال الغربي من أوراس) جميلي، باديي (بادس). والمدن التي كانت بالخط الصحراوي إنما رفع عمرانها الجند، لان الجندي الروماني إذا لم تثسغله الحرب فهو عامل نشيط. والغرض من تأسيس المدن قرب مراكز الجنود المرابطة على الحدود المحافظة على تلك المراكز وتأمينها من روعات الهجمات الصحراوية. والمدن الرومانية تنقسم خمسة أقسام: ١ - المدن البحرية وهي تجارية. ٢ - المدن العسكرية يسكنها الجنود، ولها أزقة واسعة. ٣ - المدن الفلاحية، أكثر من يسكنها البربر العملة في أراضي السادة الرومانيين. ٤ - عواصم أولية وثانوية، سكنها كبار الولاة، وبناؤها أفخم وخيراتها أكثر وعمرانها أوسع. ٥ - مدن النزهة، وهي لاصطياف الاسر العظيمة. ومن هذه المدن جميلة. قال بيروني: كانت المدن الرومانية على غاية من الرقي في الحياة والعمران. تيمغادي كان بها من السكان (٣٥) الف: وأكثر المدن يبلغ عدد سكانه نحو عشرة آلاف، أو خمسة أو ستة الى ثلاثين الفا. كل ذلك على سبيل التخمين. ولكل مدينة هيكلها

стр. 267

الوثني أو كنيستها المسيحية. ولها أسواق وحمامات. ومنها ما فيها المراسح للتمثيل والملاعب لمصارعة الحيوانات الضارية. ____ ـ[صورة]ـ (ش-١٧) مسرح تيمغاد ____ والبريد سائر بين المدن. ومواقع المدن يراعى فيها وجود الماء ومناعة المكان. المباني الرومانية ممتازة بالعظمة غير أنها خالية من الدقة وجمال الفن. وفي كل مدينة ساحة عمومية للاجتماع تدعى: "الفوروم". وكان من عادة الرومان إذا أرادوا تعمير مكان خطوا به خطين أحدهما من الشرق الى الغرب والآخر من الشمال الى الجنوب، ثم يجعلون شكلا مربعا حول نقطة التقاء الخطين، ويتخذون ذلك المربع ساحة للقرية (فوروم). ويحيطون هذه الساحة بدكاكين وأقواس جميلة. والساحة هي المحل الذي تقام فيه الحفلات وتجري به الانتخابات وتقرأ به على الأمة القرارات.

стр. 268

ومن محال الاجتماع عندهم الحمامات. ولهم عناية بها. قال بارس: "وكان بقرطة قرب دار الامارة التي هي المعبد العظيم حمامات عظمى. عرف آثارها سائح انكليزي ووصفها وذلك سنة ١٧٤٢ وماء الحمامات معدني". ومن المباني التي يعتنون بشأنها المراسح والملاعب والهياكل الدينية. قال بارس: "وكل طريق توصل الى كنيسة محفوفة بالتماثيل يمينا وشمالا، علاوة على ما في الكنيسة". وقد عبث الدهر بتلك المباني الرومانية على عظهمتها. فلم يبق منها غير خرابات أكثرها مستور بطبقات التراب. قال غروت: "ولم يزل الباحثون يستكشفون مدنا تدهش أهل القرن العشرين". ١٣ - الحياة البربرية تحت السلطة الرومانية مر بك في الباب الخامس ما ينير امامك الحياة البربرية قبل الاحتلال الروماني ويكفي للملم بسعادة البربر اذ ذاك ان تعلم أنهم مستقلون، ورومة تخطب ود ملوكهم وأمرائهم. اما بعد الاحتلال الروماني فان الحياة البربرية تختلف درجة سعادتها ودركة شقاوتها على نسبة النفوذ الامبراطوري: فالجهات التي يضعف فيها ذلك النفوذ أو ينعدم تكون سعيدة، والجهات التي يتمكن منها تكون حياة البربر بها حياة العبيد. قال بيروني: "ان الادارة الرومانية لم تكن متحدة في جميع المستعمرات ولا في أقسام أفريقية نفسها، وذلك لاختلاف أنظار القياصرة في التشريع وفيما يناسب نفوذهم على الطائفة التي تحت حكمهم".

стр. 269

انتزع الرومان من البربر جل أراضيهم وأثقلوا كاهلهم بالضرائب وأدخلوهم في الجندية ولم يحفلوا بحقوقهم الطبيعية. ١ - أما الاراضي البربرية فانها في الاصل اما مملوكة لملوك البربر واما مملوكة للشعب. فلما جاء الرومان أخذوا كل ما كان مملوكا للملوك والامراء. فاختصت الحكومة ببعضه، ووزعت بعضه على الرومان الاصليين، ومنحت بعضه قدماء الجند. وما كان مملوكا للشعب بقي لاربابه مع ضرب الخراج عليهم. ومن ثار عليهم منهم انتزعت أملاكه وتصرفت فيها الدولة بوجه من الوجوه السابقة. وبطول المدة استولى الماليون من الرومان على أراضي البربر. ومن الرومان من كانوا يكترون من البربر الى آجال، ولهم أن يجددوا عند انتهائها، وبفضل العدل الروماني كان المكتري الروماني أسعد من المالك البربري. قال بيروني: "والمالك الاهلي إنما هو عامل مجبور على العمل طبعا لا قانونا. وحالة العملة سيئة جدا لا تنصفهم الحكومة في شيء". ولكل أرض عدد من العملة يبتاعون معها. والرومان يعتبرون سادة لهم. وبطول الامد أطلق عليهم لقب "مماليك". وقال غروت: "ان الرومان ألزموا البربر بالعمل في أراضي المعمرين تحت قوانين ثقيلة". ٢ - واما الضرائب فانها من أهم مقاصد الاستعمار الروماني، وهي- وان كانت مختلفة المقادير- متحدة في كونها فادحة. وتنقسم أربعة أقسام: ١ - الاداء الشخصي: وهو واجب على الرجل والمرأة. ومقداره مختلف.

стр. 270

٢ - الاداء على العقار: وهو اما عين أو حبوب. وفي الغالب يكون العشر من حاصل الفلاحة. حتى ان الجابين يسمون العشارين. ٣ - الاداء على التجارة الخارجية: وهو واجب على السلع المنقولة من عمالة الى أخرى. ٤ - سخرة ادارية: منها تموين الجند واسكانهم. وقد تكون منها كسوة بعض رجال الشرطة. وكانت الدولة الرومانية لا تتولى استخلاص الضرائب، وانما تسندها الى أعيان يتولونها، هؤلاء المستخلصون كانوا يسمون "العشارين" تتفق معهم الدولة على مقدار يؤدونه لها من مالهم، ويجبون من الاهالي ما يشاؤون. ولهم جنود يستعينون بها على قبض الضرائب حتى انهم فيخروجهم للاستخلاص أشبه شيء بالخارج للغزو. ولقد كان ضرر العشارين بثروة الشعب فادحا جدا وأشهر أبطال الضرر الخراجي الامبراطور غلاريوس. فانه زاد في الضرائب على الاهالي. قال مرسيي: "فصار يقيد أسماءهم ذكرانهم وأناثهم وصغارهم وكبارهم، ويضبط أموالهم. واتخذ لذلك الجواسيس حتى صارت المرأة تسعى بزوجها والولد يسعى والده. فتغيرت لذلك قلوب البربر عليه. ولم يبق له صديق غير الجنود لكونهم معفيين من الضرائب". ٣ - واما التجنيد فقد كانت رومة تجند من البربر وتنقلهم خارج وطنهم: تنقل فرسان نوميديا الى أروبا الشمالية (المجر، جرماني، بلجيكا)، وتنقل المشاة الى ضفاف النيل. ترسل جنود البربر الى الخارج وتأتي الى الوطن البربري بجنود أجنبية. ومنذ أواخر القرن الثاني استغنت بجنود البربر المقيمين في أفريقية عن

стр. 271

الجلب من الخارج. وعندما تدعو الضرورة الى الاستزاد في الجيثس تطلب الحكومة من رؤساء البطون البربرية مددا نظير ما يعرف اليوم "بالقوم". ٤ - واما الحقوق فقد كان الرومان- سواء القادمون من إيطاليا أو من مستعمرات أخرى- لهم التفوق المطلق على جميع السكان، والبربر عندهم متساوون في فرض طاعة رومة عليهم واعتبارهم- كوطنهم- أداة لسعادتهم: يستغلون أرضهم الخصبة وابدانهم القوية. فكل ما كان للرومان من خدمة الاراضي للفلاحة وضخامة البناء للفخفخة والنزهة فهو على حساب الجهود البربرية. وكانت حالة البربر على عهد الجمهورية أتعس منها على عهد الامبراطورية. ذلك بأن الجمهورية كانت في آخر دورها، فالولاة إنما كانوا يعملون لانفسهم لا للدولة، فتضاعف جورهم وكثر تعديهم. وفي عهد الامبراطور طريانس (٩٨ - ١١٧) كان الولاة بأفريقية يبيعون الحق بالاثمان وفشا فيهم الجور، ذلك بأن هذا الامبراطور كان مشتغلا بحروب بعيدة عن افريقية. ضج الاهالي من سوء سيرة الولاة ورفعوا عقيرتهم بالشكوى الى رومة. وكان بها علماء أهل انصاف فأيدوهم وحكموا بأحقية مطالبهم. ولكن الحكومة لم تقض بغير عزل والي افريقية مريوس برسكوس. وفي سنة (١٩٣) تولى سبتموس سويرس أمبراطورية رومة. وهو بربري أصله من طرابلس. فاعتنى بافربقية كثيرا وترك بها آثارا لم تزل الى اليوم. وكانت حاشيته وحرسه أكثرهم أفريقيون وبالغ في الاحسان الى أبناء جنسه حتى أنهم ربما تحدثوا بلغتهم في مجلسه الامبراطوري. قال مرسيي:

стр. 272

"وترقى الأفريقيون على عهده وظهرت مواهبهم المدهشة برومة في الجندية والمحاماة. ولم يهمل البربر هذا الاحسان بل اعترفوا به، واحبوا الامبراطوس حبا جما بحيث لم تقع ثورة أيامه. ولما مات اتخذوه الها". وبعد سويرس جاء ابنه قراقلا وسار سيرته وقابله البربر بالمعروف وبقي اسمه منقوشا على الاحجار. قال مرسيي: "وفي سنة (٢١٦) أصدر قانونا بحرية البربر ومنحهم كل الحقوق التي للرومان. فصارت أفريقية ذات طبقتين فقط: الاحرار والعبيد. ولكن هذا القانون لم ينفذ. فلم يستفد منه البربر بل أضر بهم واستفادت منه الدولة الرومانية. بهذا القانون التحق البربر بالرومان في الواجبات الدولية من خراج وتجنيد، وبقوا كذي قبل في الحقوق السياسية". وهكذا القانون العادل إذا لم يجد ولاة عادلين ينفذونه انقلب أداة شر على الشعب. فعلى الأمة التي ساقها القدر إلى أن تكون تحت رحمة أمة أخرى- اذا رأت منها قوانين غير ملائمة لحياتها واستصدرت قوانين عادلة- ان تستصدر ولاة عادلين، ولا تكتفي بمراقبة الاحاكام عن مراقبة الحكام. وإذا كان لبعض الاباطرة احسان الى البربر فان أكثرهم أساءوا اليهم. ولم يكن لاساءتهم من مصدر سوى التخلق بالجور أو حب الانتقام من قوم نصروا مترشحا الى الامبراطورية رجاء عدله، فتغلب عليه منافسه. وإذا أجملنا لك في هذا الفصل سيآت الرومان اباطرتهم وولاتهم وملاكهم فان البربر يفصلون لك ذلك بما تقرأه عن ثوراتهم وما كانوا يقتحمونه لها من خسارة الانفس والاموال.

стр. 273

١٤ - الثورات بالوطن البربري ان التاريخ الجزائري على عهد الرومان مملوء ثورات وحروبا. وذلك لعدم ملائمة العنصرين: الحاكم والمحكوم بعضهما لبعض في العوائد والاخلاق، مع ما للعنصر الحاكم من التفوق والاستبداد على ابن البلاد الذي رضع الحرية من اسلاف أمجاد. لقد كان للامن وجود في العصر الروماني غير ان عمره قصير ولم يستمر سنين طوالا الا في شمال نوميديا بفضل نظامها الخاص على عهد الاتحاد القرطي. ومنذ انحل هذا الاتحاد صار الوطن الجزائري متشابها في قلة الامن وكثرة الفتن. ويمكننا أن نقسم الفتن بهذا الوطن إلى ثلاثة أقساء: قسم كان بيد ولاة رومانيين تطلعا الى الامبراطورية أو تحزبا لبعض الاباطرة على بعض، وقسم كان على أيدي الغائرين من البربر الذين لم تنلهم عاهة الاحتلال سواء خارج الحدود أو داخلها، وقسم كان على أيدي البربر الذين لم يرتضوا الحكم الروماني تطلعا للاستقلال أو تطلبا للعدل. ١ - اما القسم الاول فمنه ثورة قلديوس مصير. كان واليا على أفريقية وثار على نيرون، وقطع على رومة حبوب أفريقية، وبعد وفاة الامبراطور نيرون (٦٨) خلفه غلبا فبادر بقتل هذا الوالي واستعان عليه بوالي موريطانيا ألبنوس. وبعد تسعة أشهر من امبراطوريته قتل فخلفه أتون فكانت مدته نحو ثلاثة أشهر ثم تولى الابراطورية ويتليوس، فثار عليه ألبنوس المتقدم وجمع جنوده وقصد بها الاندلس، ولكنه قتل وخضعت جنوده للامبراطور ويتليوس. ومنه ثورة كابليان والي موريطانيا. وذلك انه في سنة (٢٣٥)

стр. 274

قتل مكسمينس الامبراطور الاكسندر سويرس وانتصب مكانه فلم يرتض ذلك رومان قرطاجنة وأعلنوا بامبراطورية واليهم غرديانوس وانضمت اليهم الفرقة الثالثة. فسار والي موريطانيا ضد غرديانوس لفائدة مكسمينس، وهجم على نوميديا بعساكر كثيرة ومنظمة غاية النظام، ودخل قرطاجنة فنهبها وعاث في أفريقية فسادا. ومنه ثورة سبيانوس والي أفريقية. وذلك انه بعد قتل مكسمينس سنة (٢٣٨) نصب مجلس الشيوخ مكانه غرديانوس الثالث حفيد الاول. فثار عليه هذا الوالي سنة (٢٤٠) ولقب نفسه امبراطورا. وكان والي موريطانيا من حزب غرديانوس. فتحارب هذان الواليان وامد غرديانوس تابعه. فانتصر والي موريطانيا وبلغ أن حاصر قرطاجنة، ولم تسلم منه الا بتسليم سبيانوس اليه. وقد قاست رومة أهوالا شديدة من جراء التنافس على العرش الامبراطوري وقضت قرنا في الفوضى (١٩٢ - ٢٧٠). والجزائر مرتبطة بها فكان لها نصيبها من تلك الاهوال والحروب في عصر الفوضى وغيره. ٢ - وأما القسم الثاني فمنه غارة برابرة المغرب على عهد انطونان (١٣٨ - ١٦١). هجم هؤلاء المغاربة على المستعمرات الرومانية وعاثوا فيها فسادا. فأهم ذلك الرومان وضعفوا عن مقاومة الغائرين حتى قدم الامبراطور انطونان نفسه الى أفريقية وتولى رآسة الجيش. وبذلك تمكنوا من رد هذه الغارة الكبرى. ومنه غارتهم على عهد كمودس (١٧٨ - ١٩٢) اذ تجدد سنة (١٨٨) وعجز رومان أفريقية عن رد تيارهم فاستغاثوا برومة. وكان هذا الامبراطور من عشاق الملاهي. فطلب من الشيوخ أن يمدوه بالمال ليذهب هو نفسه الى أفريقية. فلما أمدوه استعان به على ملاهيه،

стр. 275

وارسل الى أفريقية عوضه ضباطا. وفي سنة (١٩٠) انتهت هذه الغارة. ولولا تحصين الحدود بانشاء المدن ومرابطة الجنود لم تسترح رومة ولا يوما واحدا من غارة الغربيين والصحراويين. على أن الصحراويين (الجيتوليين) كانت رومة- علاوة على تحصين حدودها منهم- تستميلهم بأساليب سياسية. وقد تستعين بهم لذلك في بعض المهام. وكانت تحيط المدن، أسوار امتناعا من أهل موريطانيا الغربية، وتتخذ الحصون بالاكمات. ٣ - واما القسم الثالث فمنه ثورة لسيوس كييتوس، وهو رجل بربري تسمى باسم روماني. وتقلب في الجيش الروماني. حتى منحه الامبراطور طريانس الرئاسة على جند. ثم ولاه على يهود فلسطين. فخدم رومة خدمات جليلة. ثم عاد الى افريقية فثار بها. واهتمت رومة لثورته لما تعلمه من مقدرته الحربية. ولكن دارت عليه الدائرة فقبض وقتل. وبقيت الثورة من بعده ملتهبة نارها. ولم تستطع رومة اخمادها الا بعد عناء كثير. ومنه ثورة سكان جبال أوراس والجبال التي بين قرطة وسطيف، وجبل جرجرة. وكانت هذه الثورة في عصر الفوضى سنة (٢٦٥) وامتدت في كامل الوطن الجزائري. هجم هؤلاء الثائرون على المستعمرين الرومان خصوصا بجهات ميلة. وأهلكوا الحرث والنسل. ولم يتمكن الرومان من ايقافهم عند حد لكثرة الهرج برومة، اذ كانت الجنود تبيع منصب الامبراطورية لمن أغلى لها في المرتبات وقضى لها ما تبتغي من شهوات. ومنه ثورة أرديون في سنة (٢٧٠) سمي بروبس واليا عاما لجنود أفريقية فنزل قرطاجنة. وفي تلك الاثناء أثار أرديون النوميديين

стр. 276

وتوجه بهم الى البروقنصلية قاصدا قرطاجنة. فقابله بروبس وتبارزا. فقتل ذلك الوالي أرديون وحفر له قبرا كبيرا عرضه مائتا قدم تفخيما له. قال مرسيي: "والظاهر أن هذه المبارزة كانت بنواحي شق بنارية". وانهزمت جموع أرديون. ولكن الثورة لم تمت بموته. وحقد البربر على بروبس حتى انه لما ارتقى امبراطورا (٢٧٦ - ٢٨٢) وكان له أضداد كان البربر عليه مع الاضداد. وقد اشتدت ثورة القبائل الخمس سنة (٢٨٨) على عهد الامبراطور ديوقلطيانس فجعلت رومة جائزة لاورليوس على حربهم. فتمكن من اخضاعهم ولكن خضوع هؤلاء القبائل لم يكن نهائيا. وبعد أمد قصير أعادوا الثورة وهجموا على نوميديا وانتشرت ثورتهم في الجهات الشرقية. وكان ديوقلطيانس قد قسم مملكة رومة على ولاة، منهم مكسميانس وجعله على اطاليا وأفريقيا. فلما اشتدت الثورة وتفاقم هولها قدم هذا الوالي بنفسه الى أفريقية ليتولى ادارة الحرب. أرجع هذا الوالي القبائل الخمس الى مقرها بجبال جرجرة، ثم تتبعهم في رؤوس تلك الجبال ونالوا منه أشد النكال. وأخيرا انتصر عليهم ونقل بعضهم خارج وطنهم، وذلك عام (٢٩٧). وقبل هذا الحين لم يكن الرومان مستولين على وطن القبائل. ولما استولوا عليه جعلوا عاصمته بيدة (جمعة صهريج). وبعد استيلاء الرومان على وطن القبائل لم ينقطع منه رجال الاستقلال مثل فرموس وجلدون. وسترى في فصل آخر ما لهذين الزعيمين وغيرهما من عظيم الاعمال في سبيل الاستقلال. ١٥ - العمران الروماني بالجزائر علمت من الفصل الثاني عشر ان الحياة الرومانية بالوطن

стр. 277

الجزائري كانت راقية. وذلك يرجع الى عناية الرومان بالثروة ومظاهر العظمة. وقد حلوا أرضا خصبة وحكموا أمة عاملة حاذقة نشيطة. فلا جرم كانت آثارهم في العمران عظيمة. وأهم موارد الثروة بالوطن البربري الفلاحة ثم التجارة. أما الصنائع فلم تكن من موارد الثروة، وان كان الوطن لا يخلو منها. وكانت مراس معتمدة للتجارة، منها اجلجلي، صلداي، قيصرية صيغة. وصنعت الطرق داخل الوطن، وأجادوا في اتقانها وتوسيعها، الا فيما بين القرى. فقد كان بها شيء من الضيق. كانت الطرق تخترق الوطن البربري، والقوافل تقطعها للتجارة. وأكبر طريق هي التي تصل بين برقة والمحيط الأطلانطيقي. وقد كان لبعض الاباطرة يد في جعل الطرق والقناطر، منهم أدريانس والكسندر سويرس. والوطن البربري لم يكن في العصر الروماني اخصب منه اليوم وأكثر ماء. قال غسال: "بل الظاهر ان الحالة من حيث المطر مماثلة لما هي عليه اليوم، فلم تكن البحيرات التي بوسط عمالة قسنطينة أوسع منها اليوم. يدل لذلك وجود الآثار البرية بشواطئ هذه البحيرات. ولم تكن الاودية أكثر ماء منها اليوم. وفي الكتب الاغريقية روايات عن تكرر اليبس بالجزائر حتى وقعت مجاعات". وذهب بعضهم خلاف هذا ورأى ان هذا الوطن كان على عهد الرومان أخصب تربة واغزر ماء. ونحن نرى أن دعوى المماثلة غير صحيحة، وأن الفرق لم يكن بعيدا جدا اما من حيث الري فمن المحقق ان غابات الوطن كانت اذ ذاك أكثر من اليوم. وهي من أسباب الري لانها تمسك الماء عن الجريان فتروي الارض وتؤثر في الهواء برودة ما. واما من حيث طبيعة الارض فان كثرة استغلالها تضعف من قوة ترابها. وقد ذكر غسال نفسه: " ان شمال نوميديا كان من أخصب الاراضي لكثرة

стр. 278

حجر الجير به." قال: "وقد تقص هذا الحجر منه تدريجا ونقص معه حجم الحبوب". ومما يوضح لك تقارب احالة الارض في ذلك العهد وفي هذا العصر شدة العناية بجلب الماء حسبما دلت عليه آثار بأماكن متعددة. قال غسال: "وكثير من تلك الآثار وقع قبل الرومان. وانما هم حافظوا عليها وأنشاوا غيرها". وهذه الآثار منها تفجير العيون، ومنها حفر الآبار، ومنها اتخاذ المآجل، ومنها بناء السواقي ذات الحنايا، ومنها سد الاودية. قال بيروني: "ومنها بالحضنة ثلاثة سدود بواد واحد. الكبير منها يحمل نحو (١٢٠٠٠٠٠) ليترا." قال غسال: "ولم يزل الى اليوم مئات من الآبار بجنوب سطيف وشمال أوراس. ولهم قوانين دقيقة لتوزيع المياه على السكان. عثر على قانون لتوزيع المياه على سكان لمصبه (مروانة) ينص على عدد أشجار كل فلاح من زيتون وغيره، وعلى عدد ساعات السقي. ونفقة تلك الخدمات المائية اما على البلديات أو شركات أو أفراد. قال غسال: "والغرض من جلب المياه اما الشرب أو سقي أشجار الزيتون والبساتين. ولم يعتنوا بجلب المياه الى الاراضي الزراعية على احتياجها الى ذلك". وكانت آلة الفلاحة بسيطة. وهي مثل ما للجزائريين اليوم. وللفلاحين معرفة بتوزيع الحبوب على الارض حسب الصلاحية. وكان شجر الزيتون وغيره من ذوات الاثمار والفواكه كثيرا يظنه الرائي غابات. وتوجد آثار معاصر الزيت بجهات كثيرة.

стр. 279

ولقد تشارك الاغنياء والاباطرة في تنشيط الفلاحة. فكان المشتغلون بغراسة الزيتون والكروم يعفون من الضرائب سنين. ومن الاباطرة الذين اعتنوا بتنشيط الفلاحة قسطنطين. فقد أعفى آلات الفلاحة من الاداء على التجارة الخارجية، وأعفى العملة بأرض الفلاحين من الخدمات التي كانت تلزمهم بها الدولة عند العجز عن اداء الخراج، واشتد على الاغنياء الذين يريدون ان يبتلعوا بقروضهم صغار الفلاحين حتى صار يحكم بالقتل على كل مالي يريد ان يفتك من الفلاح الصغير عند العجز عن أداء الدين أرضه أو عبيده أو حيواناته أو آلاته. وقبله كان الامبراطور ادريانس (١١٧ - ١٣٨) اعتنى بأفريقية وقدم اليها بنفسه سنة (١٢٢) فنشط الاستعمار. وادخل على الوطن البربري اصلاحات جمة. واقتدى به بعض البلديات في ذلك. فأنفقت قرطة من ماليتها على جعل طريق منها الى رسقاد. وأحبته العامة. ولكثرة حسناته على أفريقية دعي "مصلح أفريقية" RESTAURATEUR de l' AFRIQUE وطبع هذ اللقب على صفحات النقود. وعلى نتائج الوطن البربري كانت رومة تعتمد في حياتها، حتى أن الوالي الذي يثور بهذا الوطن على رومة يسرع قبل كل شيء الى قطع اصدار الحبوب الى رومة. كانت رومة تجلب من أفريقية الشمالية الحبوب والزيتون والعنب والتمر والفواكه والتوابل. وتجلب ايضا الرخام والاخشاب والخيل والغزال وبعض الحيوانات المفترسة لترويضها في الملاعب والنحاس والرصاص والحديد وسبائك الفضة والتبر والعبيد السود والصوف والجلود والبقر والغنم وشمع النحل وكل مواد الحياة والرفاهية. مواد حياة رومة كانت تأتيها من أفريقية الشمالية لمدة ثمانية

стр. 280

أشهر (شتنبر- ابريل)، ومن مصر لمدة اربعة اشهر. ولما اتخذ قسطنطيين بيزنطة عاصمة لمملكته اختصت افريقية بتموين رومة، ومصر بتموين بيزنطة. ويبلغ فب بعض السنين ما تأخذه رومة من شمال افريقية (٣٤٨٠٠٠) طن. واتخذت رومة سفنا خاصة لنقل حبوب أفريقية، ومراكز لجمعها ووكلاء للقيام على اصدارها، وأعفتها من أداء التجارة الخارجية. ومن المركزا التي كانت تجمع بها الحبوب لتصدر الى رومة: وادي مجردة، تغاست، مدورس، تفيست، لمبس، ناحية سيطيفس. قال بيروني: "يحمل من هذه المراكز كل عام ما يقرب من مليوني قنطار قمحا". وما تأخذه رومة من افريقية بصفة خراج تبيعه هنالك لابنائها ثم صارت تقسمه مجانا على أهل الحاضرة والبادية. وكان عدد الذين تمونهم الجمهورية برومة (٣٢٠٠٠٠). ولما جاء يوليوس قيصر نقص من هذا العدد نصفه. وبعده جاء أغسطس فبلغ عددهم (٢٠٠٠٠٠) وفي سنة ٦٤م احترقت رومة فكان نيرون الامبراطور محتاجا الى تعزيز مالية الدولة فقطع هذا المعاش عن أهله. وبعد وفاته أعاده خلفه. وكان لتوزيع القمح قوانين خاصة مشتقة من اسمه (FRUMENTAIRE) والايطاليون اذ ذاك يستعملون القمح في معاشهم أكثر مما يستعمل اليوم. ولشدة ارتباط حياتهم بأفريقية كان عظماء رومة إذا اجتمعوا في ساحة المدينة (الفوروم) يقرن أحدهم

стр. 281

سلامه على صاحبه بقوله: "ما حدث بأفريقية؟ " (QUID NORD AFRICA) وإذا كنى الرومان عن رجل بسعة ماله قال: في مخازنه قمح أفريقية. وكانوا يقولون: أفريقية مخزن رومة (GRENIER de ROME). قد يتعجب المرء من كثرة هذه النتائج على قلة أيام السلم. وقد يعجب أيضا بفضل الرومان في العمران. ونحن لا نقف ازاء هاتين النقطتين موقف الدهش بل نعطي رأينا فيهما وللقارئ حق التعقيب: ١ - أما النقطة الاولى فنقول بازائها: حقيقة ان الاضطراب لم ينقطع مدة العصر الروماني، خصوصا بعد ظهور الديانة المسيحية، ذلك أن الفتن كانت سياسية ثم تولدت مع هذا الدين فتن دينية. غير ان الاضطراب لم يكن مستمرا بصفة تمنع أيدي العاملين في التعمير. فما وقعت فتنة شغلت رجال العمران الا أعقبها سلم يمكنهم من مباشرة أعمالهم. على أن أكثر الفتن إنما كانت بموريطانيا حيث تضيق المملكة الرومانية وتنحصر الى البحر. ونتائج الارض بهذا القسم كانت قليلة. وتلك النتائج المدهشة من زروع واشجار إنما كانت بالجهات التي تمكن منها الحكم الروماني فقلت ثوراتها. والخلاصة انه لا منافاة بين وجود الثورات وكثرة الثمرات. ٢ - واما النقطة الثانية فنقول عنها ان ذلك العمران لا يزيد في فضل الرومان بل هو عندي بعكس ذلك: يدل على جور الرومان وضعف انسانيتهم. وذلك ان تلك النتائج ان لم تكن كلها من أراض مملوكة للرومان فجلها لهم من غير شك. والاراضي الرومانية انما كان العامل فيها يد البربر اما بصفة عملة مملوكين واما بصفة فلاحين مكترين وكلاهما تحت الضغط الشديد. فأي فضل للرومان في هذا العمران؟ الارض المنتجة بربرية الاصل واليد المستنتجة بربرية

стр. 282

والرومان إنما يأكلون ويتمتعون ويمولون أهل وطنهم. واذن ففضل الرومان انما هو في جورهم بسلبهم أراضي البربر وضعف انسانيتهم بجبر صاحب الارض على العمل بها لفائدتهم. ١٦ - اللغة والآداب الرومانية بالجزائر الرومان اخوان اليونان في النسب، وتلاميذهم في العلم. فلغتهم أخت االيونانية، وأدبهم وليد الأدب الاغريقي. فكان للرومان أدبهم اللطييني، وهو لا يقصر في روعته عن آداب الامم الراقية لذلك الحين. وإذا نظرت الى سعة السلطان الروماني وتحكك ابناء رومة بالامم الشرقية الراقية وتواردهم على منهل أثينا تصورت اجماليا رقي الادب اللطيني. ولما حل الرومان بالجزائر ووجدوا أمة لها لغتها وأدبها وهي نافرة منهم سعوا في نشر لغتهم وآدابهم بما أقاموه من المسارح والنوادي وما شادوه من المدارس الابتدائية والثانوية بالقرى والمدن. وكانت قرطة ومدوروس من أشهر المدن التي يؤمها طلبة التعليم الثانوي ولكي تحمل رومة على البربر لغتها جعلتها هي اللغة الرسمية ومنعت الكتابة بغيرها. وذلك في القرن الثاني للميلاد. ومع حرص رومة على تعميم لغتها وآدابها لما في ذلك من تثبيت سلطانها لم تر من البربر اقبالا يفي بحرصها. العامة بقيت بعيدة عن اللطينية، والمتعلمون كانوا يحدون فيها صعوبة حملتهم على تغييرها بما يقرب من لهجتهم، حتى أصبحت لطينية أفريقية متميزة عن لطينية رومة. وهذا لا ينافي ان هناك رجالا من البربر نبغوا في الآداب اللطينية وكانت لهم فيها شهرة خلدت ذكرهم. كان الادب اللطيني أرقى من الادب الليبي والفينيقي، واللغة

стр. 283

اللطينية أوسع من اللغتين الاخريين، ومع ذلك فقد عاش الثلاثة بالوطن البربري، ولم تستطع اللطينية- على اتساعها ورقي أدبها- أن تتغلب على تينك اللغتين، بل كانت أقل منهما رواجا بين الطبقة السفلى من الأمة وأقل ذكرا في بعض الجهات التي لم يوقذها الاستعمار الروماني. قال بيروني: "وفي أيام القديس أغسطين - التي هي بعد الاستيلاء الحقيقي بقرون- كان الولاة الاداريون والرؤساء الدينيون يحتاجون الى ترجمان بينهم وبين البربر البادين. وكانت اللغة الفينيقية لغة الاكثرية البربرية. حتى ان العظماء الذين تخلقوا بالاخلاق الرومانية كانوا يتكلمون بها. " ومما تقدم تتضحح لك نقطتان: ١ - ان الرومان لم يؤثروا على البربر في اللغة والآداب مثل تأثير القرطاجنيين ولا قريبا منه. وذلك للفرق بين مقاصد الامتين في الشعب الجزائري. اذ القرطاجنيون مقاصدهم تجارية، والرومان مقاصدهم استعمارية بالمعنى العصري. فالبربر أقبلوا على من كانت مقاصدهم معهم حسنة، ونفروا من أصحاب المقاصد السيئة. ٢ - الذين تعلموا اللطاينية صبغوها بصبغة وطنهم وغيروها عن أصلها. وذلك دأب البربر في كل ما أخذوه من غيرهم. وبذلك حافظوا على جنسيتهم، وابتلعوا الامم التي احتلتهم وارادت ان تبتلعهم وتكثر بهم سوادها. وهي مزية لا تعرف لسواهم من الامم غير العرب. ١٧ - ديانة الرومان بالجزائر قدمنا لك ما للرومان من كثرة الالهة، وما لهم من عناية بها، وانهم أخذوا من الامم التي استولوا عليها بعض آلهتهم. وقد كان

стр. 284

علماء رومة يرون ان الارباب المختلفة باختلاف الامم ليست الا مظاهر لاصل رباني عام. ومن ههنا نشأ التسامح الديني عند الرومان. فلم يضغطوا على أي شعب استولوا عليه في ديانته ولا ألزموه بديانتهم. وانما كانوا يلزمون من تحت رايتهم بعبادة قيصر. وظاهر ان هذه العبادة سياسية لا دينية. ولذلك لم تكن لها هيئة خاصة تتحد الشعوب المحكومة لرومة على أدائها. بل كانت كل أمة أو قرية تعبده على الوجه الذي تراه عبادة. وانت تعلم ان البربر ما أتوا بشيء من باب الاختيار الا قبلوه وأخذوا منه. فكان للبربر آلهة رومانية الى جنب آلهتهم البربرية وما أخذوه عن الفينيقيين. وهكذا عاشت الديانات الثلاث بين ظهراني البربر متآخية. غير انه لا بد ان يكون- بمقتضى طبيعة البربر- طابع البربرية على الجميع. بقيت هذه الديانات في ظل التسامح المتبادل بين البربر والرومان حتى ظهرت الديانة المسيحية فتضادت معها، ولم يتسع التسامح الديني الروماني لها فعارضها، لان الاباطرة والعظماء رأوا في انتشار هذه الديانة ما يضعف عظمتهم وينقص من غلوائهم. في سنة (٣٠٣) أحدث امبراطور رومة قانونا باتخاذ بعض الايام لعبادة الآلهة الرومانية. لا يتخلف أحد عن حضور هذا اليوم المعلوم. ومراد الامبراطور مضادة المسيحية التي تنظره وأحقر انسان في امبراطوريته بعين واحدة. وتراهما في منزلة واحدة، بل تفضله لحقارته وفقره عليه لجلالته وغناه. قام بتنفيذ هذا القانون والي نوميديا فلريوس، ولم يمتثل له كثير ممن تمكنت المسيحية من قلوبهم فقضى عليهم بالقتل. ولكثرة المقتولين دعى هذا العصر عصر الشهداء.

стр. 285

١٨ - الديانة المسيحية الديانة المسيحية هي الديانة التي جاء بها عيسى المسيح ﵇. وهو عيسى بن مريم ابنة عمران. وعمران اختلف المؤرخون في سياقة نسبه، ولكنهم اتفقوا على انه يتصل بسليمان بن داود ﵉. وأم مريم اسها حنة. وأختها ايشاع (أو خالتها) كانت تحت زكريا ﵇. ومنها يحيى الذي قال فيه القرآن: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾. عمران كان كبير كهنوتية بيت المقدس. وحنة زوجه كانت من العابدات. أقاما ثلاثين سنة لا يولد لهما. فدعوا الله ونذرت حنة: ان ولدت لتجعلن ولدها حبيسا ببيت المقدس يقوم بخدمته. فولد لها مريم، ووفت بنذرها. فدفعتها الى عباد بيت المقدس. وقام بكفالتها هنالك زكريا حتى كبرت، وصارت تقوم بقسطها من خدمة البيت، واشتهرت بالتقى والفضيلة، وظهرت على يدها الخوارق كما قص ذلك القرآن في آية آل عمران: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. وما زالت على عبادتها وورعها حتى بشرتها الملائكة بأنها ستلد ابنا من غير أب يكون نبيا رسولا. فعجبت من ذلك. وأجابها الملك بأن الله يخلق ما يشاء. قدر الله أن تحمل مريم من غير زوج فارسل اليها جبريل ونفخ فيها، فحملت بعيسى. ولما ظهر بها الحمل خشيت ان تتهم في عرضها. فخرحت من بلدها وأخذها المخاض في الطريق ووضعت شرقي بيت لحم قرببا من بيت القدس. كانت ولادة عيسى في زمن اغسطس قيصر. قال ابن خلدون لاثنتين واربعين من ولايته. وهو صحيح إذا قدرنا ولايته منذ كان أحد الرجال الثلاثة.
следующие страницы →