← История

История · id 123660

تاريخ الجزائر في القديم والحديث

مبارك الميلي

Полный текст (878 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

سلامه على صاحبه بقوله: "ما حدث بأفريقية؟ " (QUID NORD AFRICA) وإذا كنى الرومان عن رجل بسعة ماله قال: في مخازنه قمح أفريقية. وكانوا يقولون: أفريقية مخزن رومة (GRENIER de ROME). قد يتعجب المرء من كثرة هذه النتائج على قلة أيام السلم. وقد يعجب أيضا بفضل الرومان في العمران. ونحن لا نقف ازاء هاتين النقطتين موقف الدهش بل نعطي رأينا فيهما وللقارئ حق التعقيب: ١ - أما النقطة الاولى فنقول بازائها: حقيقة ان الاضطراب لم ينقطع مدة العصر الروماني، خصوصا بعد ظهور الديانة المسيحية، ذلك أن الفتن كانت سياسية ثم تولدت مع هذا الدين فتن دينية. غير ان الاضطراب لم يكن مستمرا بصفة تمنع أيدي العاملين في التعمير. فما وقعت فتنة شغلت رجال العمران الا أعقبها سلم يمكنهم من مباشرة أعمالهم. على أن أكثر الفتن إنما كانت بموريطانيا حيث تضيق المملكة الرومانية وتنحصر الى البحر. ونتائج الارض بهذا القسم كانت قليلة. وتلك النتائج المدهشة من زروع واشجار إنما كانت بالجهات التي تمكن منها الحكم الروماني فقلت ثوراتها. والخلاصة انه لا منافاة بين وجود الثورات وكثرة الثمرات. ٢ - واما النقطة الثانية فنقول عنها ان ذلك العمران لا يزيد في فضل الرومان بل هو عندي بعكس ذلك: يدل على جور الرومان وضعف انسانيتهم. وذلك ان تلك النتائج ان لم تكن كلها من أراض مملوكة للرومان فجلها لهم من غير شك. والاراضي الرومانية انما كان العامل فيها يد البربر اما بصفة عملة مملوكين واما بصفة فلاحين مكترين وكلاهما تحت الضغط الشديد. فأي فضل للرومان في هذا العمران؟ الارض المنتجة بربرية الاصل واليد المستنتجة بربرية

стр. 282

والرومان إنما يأكلون ويتمتعون ويمولون أهل وطنهم. واذن ففضل الرومان انما هو في جورهم بسلبهم أراضي البربر وضعف انسانيتهم بجبر صاحب الارض على العمل بها لفائدتهم. ١٦ - اللغة والآداب الرومانية بالجزائر الرومان اخوان اليونان في النسب، وتلاميذهم في العلم. فلغتهم أخت االيونانية، وأدبهم وليد الأدب الاغريقي. فكان للرومان أدبهم اللطييني، وهو لا يقصر في روعته عن آداب الامم الراقية لذلك الحين. وإذا نظرت الى سعة السلطان الروماني وتحكك ابناء رومة بالامم الشرقية الراقية وتواردهم على منهل أثينا تصورت اجماليا رقي الادب اللطيني. ولما حل الرومان بالجزائر ووجدوا أمة لها لغتها وأدبها وهي نافرة منهم سعوا في نشر لغتهم وآدابهم بما أقاموه من المسارح والنوادي وما شادوه من المدارس الابتدائية والثانوية بالقرى والمدن. وكانت قرطة ومدوروس من أشهر المدن التي يؤمها طلبة التعليم الثانوي ولكي تحمل رومة على البربر لغتها جعلتها هي اللغة الرسمية ومنعت الكتابة بغيرها. وذلك في القرن الثاني للميلاد. ومع حرص رومة على تعميم لغتها وآدابها لما في ذلك من تثبيت سلطانها لم تر من البربر اقبالا يفي بحرصها. العامة بقيت بعيدة عن اللطينية، والمتعلمون كانوا يحدون فيها صعوبة حملتهم على تغييرها بما يقرب من لهجتهم، حتى أصبحت لطينية أفريقية متميزة عن لطينية رومة. وهذا لا ينافي ان هناك رجالا من البربر نبغوا في الآداب اللطينية وكانت لهم فيها شهرة خلدت ذكرهم. كان الادب اللطيني أرقى من الادب الليبي والفينيقي، واللغة

стр. 283

اللطينية أوسع من اللغتين الاخريين، ومع ذلك فقد عاش الثلاثة بالوطن البربري، ولم تستطع اللطينية- على اتساعها ورقي أدبها- أن تتغلب على تينك اللغتين، بل كانت أقل منهما رواجا بين الطبقة السفلى من الأمة وأقل ذكرا في بعض الجهات التي لم يوقذها الاستعمار الروماني. قال بيروني: "وفي أيام القديس أغسطين - التي هي بعد الاستيلاء الحقيقي بقرون- كان الولاة الاداريون والرؤساء الدينيون يحتاجون الى ترجمان بينهم وبين البربر البادين. وكانت اللغة الفينيقية لغة الاكثرية البربرية. حتى ان العظماء الذين تخلقوا بالاخلاق الرومانية كانوا يتكلمون بها. " ومما تقدم تتضحح لك نقطتان: ١ - ان الرومان لم يؤثروا على البربر في اللغة والآداب مثل تأثير القرطاجنيين ولا قريبا منه. وذلك للفرق بين مقاصد الامتين في الشعب الجزائري. اذ القرطاجنيون مقاصدهم تجارية، والرومان مقاصدهم استعمارية بالمعنى العصري. فالبربر أقبلوا على من كانت مقاصدهم معهم حسنة، ونفروا من أصحاب المقاصد السيئة. ٢ - الذين تعلموا اللطاينية صبغوها بصبغة وطنهم وغيروها عن أصلها. وذلك دأب البربر في كل ما أخذوه من غيرهم. وبذلك حافظوا على جنسيتهم، وابتلعوا الامم التي احتلتهم وارادت ان تبتلعهم وتكثر بهم سوادها. وهي مزية لا تعرف لسواهم من الامم غير العرب. ١٧ - ديانة الرومان بالجزائر قدمنا لك ما للرومان من كثرة الالهة، وما لهم من عناية بها، وانهم أخذوا من الامم التي استولوا عليها بعض آلهتهم. وقد كان

стр. 284

علماء رومة يرون ان الارباب المختلفة باختلاف الامم ليست الا مظاهر لاصل رباني عام. ومن ههنا نشأ التسامح الديني عند الرومان. فلم يضغطوا على أي شعب استولوا عليه في ديانته ولا ألزموه بديانتهم. وانما كانوا يلزمون من تحت رايتهم بعبادة قيصر. وظاهر ان هذه العبادة سياسية لا دينية. ولذلك لم تكن لها هيئة خاصة تتحد الشعوب المحكومة لرومة على أدائها. بل كانت كل أمة أو قرية تعبده على الوجه الذي تراه عبادة. وانت تعلم ان البربر ما أتوا بشيء من باب الاختيار الا قبلوه وأخذوا منه. فكان للبربر آلهة رومانية الى جنب آلهتهم البربرية وما أخذوه عن الفينيقيين. وهكذا عاشت الديانات الثلاث بين ظهراني البربر متآخية. غير انه لا بد ان يكون- بمقتضى طبيعة البربر- طابع البربرية على الجميع. بقيت هذه الديانات في ظل التسامح المتبادل بين البربر والرومان حتى ظهرت الديانة المسيحية فتضادت معها، ولم يتسع التسامح الديني الروماني لها فعارضها، لان الاباطرة والعظماء رأوا في انتشار هذه الديانة ما يضعف عظمتهم وينقص من غلوائهم. في سنة (٣٠٣) أحدث امبراطور رومة قانونا باتخاذ بعض الايام لعبادة الآلهة الرومانية. لا يتخلف أحد عن حضور هذا اليوم المعلوم. ومراد الامبراطور مضادة المسيحية التي تنظره وأحقر انسان في امبراطوريته بعين واحدة. وتراهما في منزلة واحدة، بل تفضله لحقارته وفقره عليه لجلالته وغناه. قام بتنفيذ هذا القانون والي نوميديا فلريوس، ولم يمتثل له كثير ممن تمكنت المسيحية من قلوبهم فقضى عليهم بالقتل. ولكثرة المقتولين دعى هذا العصر عصر الشهداء.

стр. 285

١٨ - الديانة المسيحية الديانة المسيحية هي الديانة التي جاء بها عيسى المسيح ﵇. وهو عيسى بن مريم ابنة عمران. وعمران اختلف المؤرخون في سياقة نسبه، ولكنهم اتفقوا على انه يتصل بسليمان بن داود ﵉. وأم مريم اسها حنة. وأختها ايشاع (أو خالتها) كانت تحت زكريا ﵇. ومنها يحيى الذي قال فيه القرآن: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾. عمران كان كبير كهنوتية بيت المقدس. وحنة زوجه كانت من العابدات. أقاما ثلاثين سنة لا يولد لهما. فدعوا الله ونذرت حنة: ان ولدت لتجعلن ولدها حبيسا ببيت المقدس يقوم بخدمته. فولد لها مريم، ووفت بنذرها. فدفعتها الى عباد بيت المقدس. وقام بكفالتها هنالك زكريا حتى كبرت، وصارت تقوم بقسطها من خدمة البيت، واشتهرت بالتقى والفضيلة، وظهرت على يدها الخوارق كما قص ذلك القرآن في آية آل عمران: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. وما زالت على عبادتها وورعها حتى بشرتها الملائكة بأنها ستلد ابنا من غير أب يكون نبيا رسولا. فعجبت من ذلك. وأجابها الملك بأن الله يخلق ما يشاء. قدر الله أن تحمل مريم من غير زوج فارسل اليها جبريل ونفخ فيها، فحملت بعيسى. ولما ظهر بها الحمل خشيت ان تتهم في عرضها. فخرحت من بلدها وأخذها المخاض في الطريق ووضعت شرقي بيت لحم قرببا من بيت القدس. كانت ولادة عيسى في زمن اغسطس قيصر. قال ابن خلدون لاثنتين واربعين من ولايته. وهو صحيح إذا قدرنا ولايته منذ كان أحد الرجال الثلاثة.

стр. 286

ولادة عيسى من غير أب أمر خارق للعادة حقيقة ولكن الله على كل شيء قدير. وقد أزال القرآن الغرابة في ولادة عيسى بأن آدم أغرب منه. وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾. كبر عيسى وظهرت على يده الخوارق منذ صباه- كما في القرآن- من ابراء الأكمه والأبرص واحياء الموتى وخلق الطير من الطين. ونزل عليه الانجيل ودعا الى طاعة الله واشتهر ذكره. هنالك خافه رؤساء اليهود على دينهم فتآمروا على قتله. وبحثوا عنه فدلهم عليه أحد أصحابه. فقصدوا موضعه. والقى الله شبهه على أحد اليهود فقتلوه وصلبوه معتقدين انه عيسى ﵇. وكان لعيسى من الحواريين (الاصحاب) اثنا عشر وهم: سمعان بطرس، أخوه انداورس، يعقوب بن زيدي، أخوه يوحنا، فليبس، برتلوماوس، توما، متى العشار. يعقوب بن حلفا، تداوس، سمعان القناني، يهوذا الاسخريوطي. ذهب الحواريون بعد رفع عيسى وافترقوا في النواحي لبث دنه. وكان منهم بطرس برومة، وهنالك كتب الانجيل بالرومية ونسبه إلى تلميذه مرقس. وكتب متى انجيله بالعبرانية في بيت المقدس. ونقله يوحنا بن زيدي الى الرومية وكتب لوقا انجيله بالرومية. كل ذلك على عهد قلوديوس. وكان نقل يوحنا ببعض جزر ايطاليا على عهد طريانس. وكان بين هذه الاناجيل اختلاف بالزيادة والنقص، وقد يقع بينها التناقض. وذلك من عدم جمع الانجيل في أيام من أنزل عليه وتدوينه باللغة التي أنزل بها. فكتب كل من الحواريين ما حضره من غير أن يجتمعوا. وبطرس كبيرهم كتب انجيله بالرومية. ومعلوم ان ذلك ترجمة قد يخطئ صاحبها.

стр. 287

ومن ههنا اشتمل الدين المسيحي على أصول تخالف الدين الاسلامي مع أن مصدرهما واحد. وعقيدتنا ان دين الله واحد لا يختلف في روحه وحقيقته باخلاف الازمان، وانما تختلف صوره ومظاهره. وقد ذكر الاستاذ الامام محمد عبده أصول الدين المسيحي ملخصا لها في ستة: ١ - الخوارق. ٢ - سلطة الرؤساء الدينيين. ٣ - ترك الدنيا. ٤ - الايمان بغير المعقول. ٥ - ان الكتب المقدسة حاوية كل ما يحتاج اليه البشر في المعاش والمعاد. ٦ - التفريق بين المسيحيين وغيرهم حتى الاقربين. وقد شرح هذه الاصول مستشهدا عليها بكلام الاناجيل. ثم بين سوء نتائجها. ونحن نكتفي بالاشارة الى ذلك محيلين محب البسط والبيان على كتاب الاستاذ: "الاسلام والنصرانية مع العلم والمدنية". وقد ذكر ابن خلدون طبقات الرؤساء الدينيين الذين لهم السلطة على العامة، ولقب كل طبقة وهاك بيانها: ١ - البترك: رئيس الملة وخليفة المسيح. والاساقفة يسمونه أبا. والقسوس يسمون الاساقفة أبا. فوقع الاشتراك في اسم الاب، فاطلق على البترك اسم البابا. ومعناه أبو الآباء. وكان البابا يطلق على بترك الاسكندرية. ثم صار يطلق على بترك رومة الى يومنا

стр. 288

هذا. واختص صاحب رومة بهذا اللقب لانها مركز بطرس كبير الحواريين. ٢ - الأسقف: نائب البترك. ٣ - القسيس: القراء. ٤ - الجاثليق: صاحب الصلاة. ٥ - الشمامسة: قومة المسجد. ٦ - الراهب: المنقطع للعبادة بدير (خلوة). ٧ - المطران: القاضي وقد لقيت المسيحية في طريقها اضطهادات. وحدث بين رؤسائها اختلافات. ولبثت على ذلك حتى تعززت بتمسيح قسطنطين في القرن الرابع للميلاد. هنالك ارتفع عنها الاضطهاد وقل الخلاف. لانه مهما ظهرت قولة الا اجتمع الاساقفة والبتاركة عليها وتناظروا في شأنها وقرروا رأي الاغلبية ولعنوا خلافه. ومن مذاهب النصرانية مذهب دوناتوس بنوميديا في بداية القرن الرابع. ومنها مذهب أريوس. وكان أيضا في القرن الرابع لعهد قسطنطين. قال ابن خلدون: واستقرت الكنائس أخيرا على ثلاثة مذاهب: يعقوبية وملكية ونسطورية. وليس من غرضنا شرح هذه المذاهب. فلنقتصر على الاشارة اليها. ١٩ - الديانة المسيحية بالجزائر تأسست الكنيسة المسيحية بقرطاجنة أوان تأسست برومة. وذلك بعد رفع عيسى (ص) وتفرق أصحابه في الجهات. واختلف هل كان تأسيسها على يد أحد الحواريين؟ فمن

стр. 289

المؤرخين من جزم بنفي دخول الحواريين الى الشمال الافريقي. ونسب نشر خبر الكنيسة بهذا الوطن اما الى تجار شرقيين لوجود الواصلة بين الشرق وقرطاجنة، واما الى الرومان الذين تمسحوا وقدموا افريقية. ومن المؤرخين من أثبت دخول بعض الحواريين الى افريقية نقل البكري عن اسحق بن عبد الملك الملشوني انه قال: "لم يدخل افريقية نبي قط. واول من دخلها بالايمان حواي عيسى بن مريم ﵉" (١). وفي ابن خلدون أن الذي دخل افريقية من الحواريين فليبس. وقال القيرواني: اسمه متى العشار. وابن خلدون ذكر متى العشار، وانه أرسل الى أرض السودان والحبشة. ومراد ابن خلدون بافريقية وطن تونس. وكيفما كان الحال فان انتشار المسيحية بافريقية مقارن لانتشاره

стр. 290

بايطاليا. وانتشاره كان بمساعدة اليهود الافريقيين واللغة اللطينية التي هي اللسان الرسمي للكنيسة. وقد كان لليهود هجرات الى الوطن البربري أولاها على عهد الفينيقيين جلبوهم عندما أسسوا المراكز التجارية بشاطىء البحر الابيض لفضل حذق اليهود بالتجارة. وثانيتها بعد هلاك الاسكندر على عهد بطليموس صاحب مصر، اذ حاصر هذا الملك بيت القدس وشرد اليهود منها فانتقل بعضهم الى الشمال الافريقي وذلك سنة (٣٢٠) ق. م. وثالثتها على عهد الامبراطور ادريانس اذ نقل الى المغرب بعضهم من بيت المقدس وبعضهم من برقة. لبثت المسيحية بافريقية تحت جناح من الظلام لا يعلم لها تاريخ حتى بداية القرن الرابع. والمعلوم عنها في هذه المدة كلها هي احاديث الاضطهاد، وانعقاد مجمعين للأساقفة احدها أواخر القرن الثاني اشتمل على سبعين أسقفا من افريقية ونوميديا والثاني سنة (٢٤٠) حضره تسعون أسقفا. وجدت الطبقة المستعلية في تعاليم هذا الدين ما ينافي كبرياءها وجورها واستعبادها للضعفاء فعارضته. واستعمل الاباطرة قوتهم في اخفات صوته واعتدوا على المتمسكين به حتى أن من سلم منهم من القتل لا يسلم من السجن. وكان سبتموس سويرس أشد الاباطرة وطأة على المسيحيين. وقد قابل رؤساء الكنيسة تلك الاعتداءات بكل شجاعة وثبات. وكان رجال من البربر وقفوا حياتهم لنشر هذا الدين ومات منهم عظماء في سبيله. لم يزل رجال هذا الدين يقاسون الاضطهادات الامبراطورية- وقليل من الاباطرة من خلاهم ودينهم مثل نربا (٩٦ - ٩٨) حتى ظهر

стр. 291

الامبراطور قسطنطين فأحسن الى الكنيسة ومنحها الحرية ثم تمسح هو نفسه. تعززت الكنيسة بهذا الناصر العظيم. ولكنها انتقلت من الاضطهادات الخارجية إلى الفتن الداخلية، اذ حدث بين رجالها اضطرابات أفضت الى انقسامها على حزبين متنافسين متباغضين. وذلك ان من المسيحيين من لم يتحمل الاضطهادات وارتد عن دينه. ومن بين المرتدين بعض الاساقفة. وفي عصر ديوقلطيانس طلبت منهم الحكومة تسليم الكتب المقدسة. فخشي كثير من الاساقفة أن يقتلوا فشحوا بأنفسهم وجادوا بدينهم وكتبه. ومنهم بنوميديا أساقفة قرطة وتجيست (عين البرج جنوب قسنطينة) ومصكولة (خنشلة) وقالمة. في سنة (٣٠٥) مات اسقف قرطة بولوس. فاجتمع الاساقفة للنظر فيمن يخلفه فكان سلفانوس. وهو من المتهمين بتسليم الكتب المقدسة. فلم يرضه كثير. وأخذ الخلاف يتسع بين المسيحيين ويشتد من ذلك الحين. وفي سنة (٣١١) مات اسقف قرطاجنة فاجتمعوا للنظر فيمن يخلفه فكان سيسليان. ولم يرضه كثير من الاساقفة. وأخذت الدعاية تتمشى ضده، حتى بلغ عدد أضداده من الاساقفة سبعين يرأسهم سوغندوس إلى أسقف تجيست. ثم اجتمع هؤلاء الاساقفة وطلبوا من سيسليان المثول أمامهم لاتهامهم له بانه من المقصرين في جانب شهداء الاضطهادات. فامتنع من الحضور. فسجلوا امتناعه واطلقوا عليه لقب (TRADITEUR) واعتبروا منصبه شاغرا فسموا مكانه بقرطاجنة مجورينوس من حزبهم.

стр. 292

سنة (٣١٦) مات مجورينوس وسمي مكانه دونتوس. وكان أسقفا بباغاية. وقد نظم مذهب هذا الحزب حتى نسب اليه. واستعان بسميه دونتوس أسقف الديار السود (قرية شمال أوراس اندثرت). أخذ هذا المذهب ينتشر بقوة وسرعة في نوميديا وموريطانيا. وقاومته الحكومة فلم تظفر به. وابتدأ قسطنطين مقاومته في مهده فجمع الاساقفة مرتين كانت النتيجة فيهما ضد دونتوس. وأخيرا قابلهم بالقوة واشتد عليهم فلم ينل منهم. وفي نواحي سنة (٣٢٦) توفي سيسليان فاجتمع بقرطاجنة من أساقفة الحزبين ٢٧٠ واصطلحوا. وقد كانوا قبل ذلك متنافسين كل حزب يريد التغلب على الآخر. ويتوسل الى ذلك بالاكثار من الاساقفة. وفي سنه (٣٣٠) بلغ من كثرة اتباع دونتوس ان استحوذوا على جميع الكنائس، حتى طلب اسقف قرطة زيزيوس احداث كنيسة للارثوذوكس. وفي سنة (٣٤٠) تجددت الفتن بين حزبي الكنيسة. ومات قبل ذلك قسطنطين (٣٣٧) وخلفه ابناؤه الثلاثة كل بناحية. وكان قسطنط احدهم على ايطاليا وأفريقية. وكان ناصر الارثوذوكس. فوجه جنوده لحرب اتباع دونتوس. واقتتلت جنود الامبراطور وهؤلاء الاتباع. فاتنصر الامبراطور واخذ اتباع دونتوس بالقتل والنفي. وبعد سنين ثأر الدونتسيون من الارثوذوكس. وذلك ان قسطنيوس أحد أبناء قسطنطين استقل بالملك بعد وفاة أخويه. وفي سنة (٣٦٠) ظهر يليانس المرتد، ونازع قسطنطيوس السلطة. وأراد فتح أفريقية، فامتنعت عليه. وكان الارثذوكس مع قسطنطيوس، فلما توفي هذا الامبراطور خلا الجو ليليانس المرتد، وانتقم من الارثذوكس فسلط عليهم الدونتسيين، ففتكوا بهم فتكا ذريعا، ولم

стр. 293

يسلم منهم حتى النساء والصبيان. وفي سنة (٣٧٢) ثار فرموس البربري بوطن القبائل وشغل الرومان ثلاث سنوات. كان الدنتسيون من أنصاره في تلك الثورة. ولما أيس من النجاح وقتل نفسه انتقم الرومان من حزب دونتوس وساموهم سوء العذاب. وفي سنة (٣٩٥) ثار جلدون أخو فرموس على الرومان ونصره اتباع دونتيوس وفتك بالارثذوكس. ولما قبض عليه انتحر. وحنق الرومان على الدونتسيين، فجاروا عليهم واستعبدوهم. انتشر مذهب دونتوس بنوميديا وموريطانيا (الوطن الجزائري) وحاز الاغلبية على الارثذوكس. وهاك بيان مراكز أساقفة الفريقين بمدن هذا الوطن: في سنة (٤١١) كان عدد المراكز مائة وسبعة وثمانين منها (٨٧) دونتيسية، (٣٤) كاثوليكية، (٦٦) للفريقين. ومهما كثر عدد أساقفة حزب بناحية آذوا أتباع الحزب الآخر بالسلب والسرقة وهدم المعابد. وقد بلغ من تباغض الاحزاب المسيحية ان قال فيهم اميان مارسلان- وقد عاش قريبا من أوائل القرن الخامس-: "ان العداوة بين المذاهب المسيحية أشد من عداوة السبع للانسان". ولم تقف الكنيسة عند هذا الحد من الانقسام. بل ان اتباع دوتنوس أنفسهم انشقوا طائفتين: طائفة متساهلة مع بقية المسيحيين والاغنياء، وأخرى متشددة مع المسيحيين ومتعمقة في الزهد تكره الاغنياء. وكان مركز الطائفة الثانية بتمغادي، وهي تتركب من العبيد المماليك الصعاليك، وقد أخذت على نفسها العمل لتحقيق المساواة بين الافراد في الفقر. فصارت تجوب البلاد وتطوف في البوادي لنهب الاغنياء وافساد الاموال. ورؤساء مذهب دونتوس يعدوت ثوارا على الحكومة. ولذلك أقبل بربر الجزائر على هذا المذهب

стр. 294

لما كانت تنطوي نفوسهم عليه من كراهية السلطة الاجنبية. ولذلك أعانوا فرموس وجلدون في ثورتهما، وكانت الحكومة دائما ضدهم. وأصدر الامبراطور هونريوس سنة (٤١٠) أوامر في التشديد عليهم، ولكثرتهم لم يستطع تنفيذها. ولما أعياه أمرهم أمر باجتماع شيوخ الدين سنة (٤١١) فانعقد المجلس بقرطاجنة، وحضره من اساقفة الكاثوليك والدونتيس ٢٨٦ فحكم رئيس الجلسة على الدونتيسيين ولكنهم لم يحفلوا بذلك الحكم. فأصدر الامبراطور أمره بالتشديد عليهم وسلب حقوقهم والتضييق على حريتهم. قال مؤرخ المسيحية بأفريقية الاب مسناج: "لما عجز البربر عن طرد الرومان من وطنهم اكتفوا باظهار الكراهية لهم. فامتنعوا من لغتهم ومذهبهم. فان شعبا لا يتعلم لغة المستولي عيه يعد ثائرا خصوصا إذا أضاف إلى ذلك مخالفته له في المعتقد. ويقول بعض المؤرخين: ان البربر ما دخلوا أولا في المسيحمة الا لكون الرومان وثنيين. فلما أقبل الرومان عليها خالفهم البربر وأسسوا لانفسهم مذهبا جديدا". ٢٠ - المسيحية والوثنية بالجزائر لم تتجارز المسيحية بالجزائر حدود المملكة الروماية، ولم تنتشر داخل تلك الحدود الا على نسبة انتشار اللطينية، فكانت الاغلبية للوثنية، وما كان من كثرة الاساقفة ومراكزها بمدن نوميديا وموريطانيا فانما نشأ عن تنافس حزبي الكنيسة لا عن كثرة اتباع المسيحية. وقد رأيت أن مذهب دونتوس هو مذهب الاغلبية المسيحية بالجزائر وذلك لانه مذهب ظاهره ديني وباطنه سياسي يؤيد السيادة الوطنية. ومن ههنا كانت كراهية أتباعه للارثذوكس الذين ينصرون الرومان ويؤيدون السيادة الاجنبية.

стр. 295

ولان غاية اتباع دونتوس سياسية لم يتمكن الدين من تحويل طبائعهم وعاداتهم وعباداتهم. وكذلك كثير من الارثذوكس لم يكن الدين ليفضي الى قلوبهم. وقد كان القديس أغسطين يخطب في المسيحيين ويرشدهم الى المسيحية الصرفة. قال الاب مسناج: "اذ كان في عصره أكثر المسيحيين لم تزل بين جنوبهم عقائد وثنية: يأتون الكنائس ويعبدون فيها آلهة وثنية، ويذهبون أيضا إلى الهياكل الوثنية" - وقال أيضا: "فجر القرن الخامس هو أزهر عصر للديانة المسيحية بافريقية، ومع ذلك فانه لم يصل الى قلوب معتنقيه من البربر، وانما كان شعارا ظاهريا، وفي حقيقة الامر لم يزالوا على وثنيتهم". وكان عصر قسطنطين عصر الحرية الدينية فارتفعت عن المسيحية الاضطهادات وصار كل من المسيحيين والوثنيين يأتون أعمالهم بحرية تامة. ثم تأثرت المسيحية من الوثنية وأصبحت تضطهدها: في عصر قسطنط سنة (٣٤١) منعت القرابين، وفي أيامه أيضا سنة (٣٤٦) أغلقت الهياكل الوثنية وشدد في منع القرابين حتى هدد فاعلها بالقتل. وفي سنة (٣٨٠) لم يعترف امبراطور رومة غراطيانس بشيخ الديانة الوثنية. ثم صادر سنة (٣٨٢) املاك الهياكل، ونزع لشيوخ الوثنية امتيازهم، وأزال من مجلس الشيوخ تمثال الهة النصر. وفي سنة (٣٩٩) أمر هنوريوس بابطال عبادة الاصنام وهدم معابدها. وامتعض الوثنيون- وكانوا كثيرين- لهذا الامر. ولم تجد الوثنية حريتها الا في زمن يوليانس المرتد (٣٦١ - ٣٦٣). كان هذا الامبراطور قد تعلم بأثينا. وبعد امبراطوريته فتح داره للحكماء والفلاسفة، فنبذ المسيحية، وبذلك سمي المرتد، ومنح الوثنيين حريتهم. واشتد على المسيحيين لانهم كانوا في نصرة خصمه قسطنطيوس ما عدا الدونتسيين.

стр. 296

قال الاب مسناج: وقد استبشر بانتصاره للوثنية بربر أفريقية الشمالية: ولقبوه "محيي القرابين". وأظهرت مدن كثيرة استبشارها بذلك. وبعث مجلس بلدية تمغادي الى يوليانس تهانيهم في مجالس اخرى. وقد كان أكثر الولاة بنوميديا وموريطانيا وأغلب المتوظفين بالمجالس البلدية في أوائل القرن الخامس مسيحيين. قال الاب مسناج: "ومداوروش كانت كلها وثنية. وهي العاصمة العلمية لوطن أغسطين. ووجدت آثار هياكل وثنية من القرن الخامس، تدل على عظمتها. في حين ان الكنائس اذ ذاك في غاية الفقر". وقد تقدم ان الديانة المسيحية لم تتجاوز حدود المملكة الرومانية. وقد قسم الاب مسناج هذه المملكة الى ثلاثة أقسام: ١ - مدن رومانية، كانت الاغلبية فيها مسيحية، ولكنها ممزوجة بالعقائد الوثنية. ٢ - بوادي رومانية لم يتمكن بها نفوذ الرومان. كانت الاغلبية فيها للوثنية. ٣ - جهات غير خاضعة للرومان. هذه لا أثر للمسيحية بها. وقد اتضح ان الاغلبية الساحقة بالجزائر في جانب الوثنية، وان الاقلية المسيحية لم تكن خالصة، وان جلها من اتباع دونتوس الذين يرمون الى غرض سياسي. وقد عاشت المسيحية على أقليتها وعدم خلوصها وتعدد مذاهبها الى أن جاء الاسلام فقضى على الجميع بسرعته المدهشة. ٢١ - ذكر بعض رجال البربر في الدور الروماني قد رأيت ما كان البربر من رجال عظماء وملوك كبراء قبل أن يصابوا بكابوس الاحتلال الروماني. وقد ظهر منهم بعد ذلك الاحتلال

стр. 297

أيضا رجال في العلم وفضلاء في الدين وعظماء في السياسة ونحن نذكر لك ما وقفنا عليه من أسماء الجميع، وان كنا نأسف لفقدان تراجم حياة كثير منهم: ١ - فمن رجال العلم الذين كانت لهم شهرة فرنطونس. كان أستاذ الامبراطور مرقس أوراليوس. وله سمعة بين جميع الطبقات في الفن الهندسي، وهو مولود بقرطة. ومنهم أبوليوس. قال بيروني: "هو من أكمل الرجال وأعظمهم فائدة في عصره. وأحسن وصف له وأصدقه أن تقول: هو رجل مخترع مؤسس لمباد كثيرة". وكان قبل القديس أغسطين وأصله من مداوروش. ٢ - ومن رجال الدين نمفانيو، مغجيس، لسيتة، سناييس. هؤلاء من أهل القرن الثالث الذين اضطهدوا في سبيل الدين وقتلوا شهداء. ومنهم دونتوس مؤسس المذهب المنسوب اليه. وسميه أسقف الديار السود. وكان بقالمة ومصكولة (خنشلة) اسقفان كلاهما يدعى دونتوس. وكانا عصر تسليم الكتب المقدسة. ومنهم أبطات أسقف ميلة. كان في عصر القديس اغسطين. وأعانه في حملته على المسيحيين المتهتكين. وترك تآليف ذات أهمية. وأهمها كتب في تاريخ مذهب دونتوس. ومنهم القديس أغسطين. ولد اغسطين بتغاست وتعلم بمدوروش ثم انتقل إلى قرطاجنة ثم ذهب الى ميلان بايطاليا ثم عاد الى مسقط رأسه سنة (٣٨٨). ونزل دار أبيه وجعلها ديرا يتعبد به. وفي سنة (٣٩١) سمي قسا بهبون، ومنح ارضا خارج المدينة ليبني بها ديرا،

стр. 298

ثم سمي اسقفا، واتخذ داره نفسها ديرا. وقد اشتهر هذا الدير وتخرج منه نحو عشرة أساقف. منهم البيوس بتغاست، وسفروس سمي بميلة سنة (٣٩٦)، وفرتونتوس سمي بقسنطينة سنة (٤٠٢)، وبوسديوس سمي بقالمة سنة (٣٩٧) وهو مؤرخ حياة اغسطين وافوديوس بأزليس (وجل) في حدود سنة (٤٠٠)، ونفاتوس بسطيفي قبل سنة (٤١١). ويقال ان أول من أحدث الاديرة بأفريقية القديس أغسطين، وكان من حزب الارثذوكس (سلفي) وانتصب للدفاع عن المسيحية. فرد على أدباء عصره الزارين عليها بكتاب سماه "مدينه الله" ومما جاء فيه في ماقام اثبات الاله قوله: "اني متحقق وجودي. ولا أخشى أن يقال اني غالط في ذلك. لان الغلط دليل الوجود" (١). وارشد مسيحي ذلك الوقت الذين انحرفوا عن الدين وانغمسوا في الملاهي والخمور حتى كانوا يتعاطونها في المجامع الدينية. واشتد في حماسه الديني عليهم حتى عزم مسيحيو قرطاجنة على الفتك به. ومن أقواله في سبيل الارشاد: "ان الشهداء ترتجف قلوبهم من زجاجاتكم وآلات طبخكم واصطباحكم". وناظر أصحاب دونتوس بالحجة وأغلق باب السباب الذي لا تخلو منه مناظرتهم سابقا وفتح باب النقد النزيه. قال بيروني: "وهو أخطب خطيب لطيني وأكبر مفكري كل زمان". عاش القديس أغسطين حتى فتح الوندال. وحوصر ببونة في جملة المحصورين. وتمكن له الفرار فلم يرضه لنفسه ومنصبه. وبقي مع المحصورين إلى أن أدركه أجله سنة (٤٣٠).

стр. 299

٣ - ومن رجال السياسة لسيوس كييتوس وأرديون. وقد ذكرا سابقا. ومنهم فرموس وجلدون. وقد أخرنا ذكرهما الى هذا الفصل لان أنصارهما كانوا من حزب دونتوس. فرأينا ان نذكرهما بعد الكلام على ذلك الحزب. كان رجل بربري يدعى نوبال ملكا على القبائل الخمس. وتوفي في عشرة السبعين من القرن الرابع، وترك أولادا، وهم: فرموس، جلدون، مسيزال، ديوس، صلمسيس، زامة وكلهم مسيحيون. وفي سنة (٣٧٢) ثار فرموس على الرومان بجبال جرجرة. وأعانه أهل الموريطانيتين واتباع دونتوس. فجمع من الجنود نحو عشرين ألفا ذهب بها الى قيصرية فحاصرها ثم افتتحها وحرقها. وامتدت الثورة بنوميديا. وأراد والي قرطاجنة مقاومتها بالحرب فانهزم. ونادى البربر بفرموس ملكا. بلغ خبر هذه الثورة الشاملة للوطن الجزائري مسامع الامبراطور والنتنيانس، فوجه جندا تحت رئاسة ثأودوسيوس فنزل هذا القائد جيجل وتوجه منها الى سطيف سنة (٣٧٣). والتحق به جلدون ومعه جنده ليعينه على أخيه! وكان مع فرموس أخواه مسيزال وديوس. ولكنه رأى نفسه ضعيفا عن الحرب فراسل ثأودوسيوس في الصلح فلم يقبل، وتحاربا. وبعد معركتين أعاد فرموس طلب الصلح فقبل ثأودوسيوس. وانعقد الصلح بينهما على الصفة الآتية: ١ - اهداء مدينة الجزائر (اقسيوم) لثأودوسيوس. ٢ - تنازل فرموس عن تاجه. ٣ - أداء مال كثير لثأودوسيوس. ٤ - اعطاء رجال رهنا لتنفيذ مواد الصلح.

стр. 300

ذهب ثأودوسيوس بعد الصلح الى قيصرية ليجددها وأخذ أعوان فرموس بها بالقتل والجلد. وحاول فرموس تجديد الثورة فلم يفلح. ولما أيس خرج مشرقا لينجو بنفسه. فراصده الرومان، فعاد الى وطنه وأوقد نار الثورة من جديد، وجمع نحو عشرين الفا هزم بها ثأودوسيوس ففر في جناح الظلام وجمع عساكره بعيون بسام. واشتد غيظه على من لم يثبت منهم في المعركة فقتل فريقا وحرق آخرين بالنار. وجمع الباقين بسطيف ونظمهم تنظيما حسنا. كان رجل بربري يدعى اغماسن رئيسا لقبيلة تقطن جنوب جرجرة. وكان هذا الرئيس قد أعان بقبيلته فرموس. في سنة (٣٧٥) ذهب ثأودوسيوس الى تلك القبيلة وأرشى رئيسها ليقبض له على فرموس. فلم يخف على فرموس ضعفه وعجزه فانتحر، ولم يجد اغماسن الا جثته فوجهها على بعير لثأودوسيوس. قد يكون اغماسن خائنا لفرموس لما عرف به رؤساء البربر من التخاذل. والظاهر عندي انه غير خائن، بل هو سياسي حاذق لانه علم عجز فرموس وضعف قبيلته عن المقاومة وان الرومان سينتقمون منه ومن قبيلته، فقبل رشوة ثأودوسيوس ليكون له فضل على الرومان فيأمن على نفسه وقبيلته. فرموس من رجال البربر المعدودين. وقد مازجه شيء من الخلق الروماني فكان محبا للرفاهية متمتعا بالملذات كأنه قيصر. ومع ذلك قاسى في سبيل الاستقلال البربري أهوال الحروب ثلاث سنين. فرموس وتقفاريناص ويوغورطة ومصينيسا رجال متشابهون في الجلد ومقارعة الاهوال وعدم الخضوع للعدو وقوة الرجاء في النصر. ومن لم يفلح مات شهيدا في سبيل الاستقلال.

стр. 301

هكذا انتهت حياة فرموس أما أخوه جلدون فقد بقيت العلائق حسنة بينه وبين ثأودوسيوس، والمكاتبة سائرة بينهما. وكانت له بنت تدعى "صلفينة" ربيت مع أبناء ثأودوسيوس. وتولى هو خطبتها لبعض قرابته فزوجها أبوها، وأصبحت بالقسطنطينية. وتقوت بذلك العلاقة بين الزعيم البربري والامبراطور الروماني. وفي سنة (٣٨٧) سمي جلدون رئيسا أعظم على فيلقين رومانيين وفي سنة (٣٩٥) توفي ثأودوسيوس. واقتسم مملكته ابناه ارقاديوس على الجهات الشرقية قاعدته القسطنطينية وهنوريوس على الجهات الغربية قاعدته رومة. هنالك تبين ان جلدون لم يكن محبا للرومان رغم حظوته عند أمبراطورهم. وأعلن الحرب على هنوريوس. وقطع عن رومة ما كانت تستورده من حبوب أفريقية. وعطله بقرطاجنة. تهيأ وزير هنوريوس الى حرب جلدون وتهيأ الدونتسيون لنصرة جلدون. وشقي الكاثوليك اذ ذاك لانهم من دعاة السادة الاجنبية. وفي هذا الحين ذهب مسيزال الى ايطاليا ولم يعلم مراده فظنه جلدون يتجسس عليه للرومان، فقتل له ولدين، وتظاهر بخضوعه للامبراطور. وجد وزير هنوريوس في قتل ولدي مسيزال أحسن فرصة للانتقام من جلدون. فكلف مسيزال بحربه وأعطاه خمسة آلاف جندي. وكان لجلدون من الجنود سبعوق ألفا. وتقابل الاخوان بجيوشهما نواحي تبسة. وأعجب جلدون بكثرته فلم ينظم جيشه وخفي عليه ان النظام هو القوة. فانهزم جمعه وفر هو قاصدا

стр. 302

القسطنطينية. فأدركه شيعة أخيه بطبرقة، وجاؤوا به اليه فاودعه السجن. فعجل جلدون أيام نحسه وانتحر بعدما ملك اثنى عشر عاما. بعد انتحار جلدون وجهت رومة الى قرطاجنة واليا ليحوز لها أملاك جلدون وأبيه من أراض وأموال وذخائر. وكانت كثيرة جدا خصص لادارتها نائب خاص. هكذا انتهت حياة جلدون، أما مسيزال فانه أعاد أفريقية تحت السيادة الرومانية. ثم توجه الى ميلان بايطاليا طمعا في ان يعطى منصب أخيه جلدون جزاء انتقامه من جنسه لقتل ولديه وخدماته للرومان. ولكن وزير هنوريوس لم يجازه جزاء العاملين المخلصين بل جزاء الخائنين السافلين فقتله غريقا في الماء وهو ينظر اليه. وقد أصاب هذا الوزير في قتل مسيزال وجه الصواب في خدمة دولته. فانه لو منح هذا البربري مطلوبه لسلك سبيل جلدون. بل انه سبق جلدون الى كراهية الرومان اذ كان في صف أخيه فرموس. ٢٢ - سقوط حكومة الرومان بالجزائر ابتدأت علاقة الرومان بالجزائر منذ سنة (٢١٣ ق. م) على عهد صيفاقس وتعرفوا بالتراب الجزائري منذ سنة (١٠٤) بعد يوغورطة. وتصرفوا في التراب النوميدي منذ سنة (٤٦ ق. م) بعد يوبا الاول. وتم لهم الاستيلاء على الوطن الجزائري سنة (٤٢م) بعد بطليموس. فكانت المدة بين ابتداء علاقتهم بالجزائر واستيلائهم عليها خمسا وخمسين ومائتين من السنين. وفي سنة (٤٣٠) انهدم سلطانهم على ايدي الوندال، فكانت مدة حكومتهم بالجزائر ثمانية وثمانين وثلاثمائة من السنين. ولم تكن هذه المدة- على طولها- كافية لتثبيت قدم حكومة الرومان بالجزائر. فان البربر ما انفكوا خلال هذه المدة يعربون عن

стр. 303

كراهيتهم للرومان بالقول والفعل. فمن أقوالهم المأثورة في ذلك: "نقبل رومة في أفريقية بشرط ان تضيفنا اليها" ومن أفعالهم كثرة ثوراتهم التي لم تنحسم مادتها من عصر تقفاريناص الى عصر جلدون. وقد ظلت جهات محافظة على استقلالها وسط الحكومة الرومانية وهي جبال أوراس وجرجرة ووانشريس، وقد كانت هذه الجهات هي مادة تلقيح الحركة الاستقلالية. ومن وصايا بعض السياسيين الرومانيين: "لا تتم طاعة أية أمة ما دامت حولها أمم غير مطيعة. وإذا أردت ان تحمل أمة على الاستعباد فانزع من بين عينيها منظر الحرية". وقد عد بعض المؤرخين من الاغلاط الرومانية تركهم لهذه الجهات استقلالها. وعندي ان هذا يعد من الرومان عجزا لا غلطا. فانهم ما كانوا ليمنوا على البربر بمساواتهم لهم في الحقوق فكيف يتركون لبعضهم استقلالهم لو وجدوا الى ذلك سبيلا؟ وإذا بحثت عن علة سقوط حكومة الرومان بالجزائر فلن تجد لذلك غير ضعف الحاكم ونفور المحكوم منه. اما ضعف الحاكم فهو ضعف مادي وأدبي. وأما نفور المحكوم فبعضه ناشئ من الطبيعة البربرية وبعضه من معاملة الرومان. ونحن الآن نوضح هذه النقط بايجاز: أ- ضعف الرومان المادي: ظهر هذا الضعف في السلطة المركزية والجندية والعمران. ١ - اما السلطة المركزية فقد كانت تنتابها بين آونة وأخرى - علاوة على الحروب الخارجية- الفتن الداخلية الناشئة من تنافس العظماء على عرش الامبراطورية. وامتاز عصر ما بين سنتي (١٩٢ - ٢٧٠) بتداخل الجنود في اسناد الامبراطورية لمن وافق هواهم حتى عرف بعصر الفوضى. وبلغ من التلاعب بها أن انتقل مركز

стр. 304

السلطة من رومة الى قرطاجنة سنة (٢٣٧) على عهد غرديانس الاكبر، وبقي سرير الملك شاغرا بعد سنة (٢٥١) مدة عامين. وفي عصر ديوقلطيانس بلغ من عجز السلطة المركزية أن قسمت الممالك الرومانية أربعة أقسام على رأس كل قسم متصرف مطلق. وما زال سرير الامبراطورية يطفو ويرسب حتى جلس عليه ولنتنياس الثالث سنة (٤٢٣) وكان غلاما ابن ست سنوات، فقامت أمه مقامه. وكان بونيفاس واليا عاما بأفريقية حاذقا في ادارته مخلصا لدولته. وله منافس يدعى ايتيوس، وهو قائد عام. فأوغر عليه صدر بلاصيدية أم الامبراطور الصبي، وروج عليها انه عازم على الاستقلال، وقال لها: ارسلي اليه ليحضر لديك، فان امتنع فتلك آية صدقي. وأرسل اليه أن الامبراطورة تريد قتلك. فلما أرسلت اليه لم يحضر، واذ ذاك ايقنت صدق ايتيوس، فعزلته سنة (٤٢٧) فرفض عزلها. ووجهت اليه الجنود، فهزمها. ودخل الوالي والامبراطورة في حرب، ولما خشي الغلب راسل الوندال في الاعانة على أن يمنحهم من وادي مساغا الى آخر ما يملك الرومان بالشمال الأفريقي غربا. فصادف ذلك هوى في نفوس الوندال ولبوا مسرعين. ٢ - واما الجندية فأخذ شأنها يضعف منذ امبراطورية سبتموس سويرس اذ أذن للجنود المرابطة على الحدود بالاقامة مع أزواجهم خارج المراكز الرباطية بصفة مستمرة، حتى أصبحت تلك المراكز اما مختزنات للسلاح والمؤن واما ساحات لتمرين الجند. وفي سنة (٢٣٧) انتصب غرديانس الاكبر امبراطورا بقرطاجنة باعانة الفرقة الثالثة. فلما انتصر عليه مكسمينوس انتقم منها. قال مرسي: "وربما قضى عليها لمساعدتها غرديانس".

стр. 305

وكما كان لبعض الاباطرة يد في ضعف القوة العسكرية بالجزائر كان للزمان أيضا يد في ذلك. فان الجنود بطول اقامتها في هذا الوطن ومنح الاراضي لها عشقت الحياة الفلاحية، وأصبحت تنافس الاغنياء في تعمير الحقول وتشييد القصور، فابتعدت بذلك عن الصفات الجندية. ٣ - واما العمران فقد كان لضعفه سببان: أحدهما تطلع الاعضاء البلديين لمجلس الشيوخ، وبعد تسنمهم لذلك المنصب تقل عنايتهم بالشؤون البلدية، ويعفون من الاداء على أملاكهم الواسعة. وثانيهما النزاع الواقع بين المذاهب المسيحية. وقد مر ان من المسيحيين طائفة كانت تجوب البوادي لنسف العمران واعدام الطبقة المثرية من البلاد. ب- واما ضعف الرومان الادبي فذلك انهم وجدوا بالجزائر أرضا طيبة التربة ويدا ناشطة في العمل، فاستغلوهما جميعا. وبلغوا بهما أقصى درجات البذخ والنعيم، فانغمسوا في الملاهي والملذات، حتى ان الديانة المسيحية- على ما فيها من تهذيب للنفوس وتزهيد في الدنيا- لم تصدهم عن ذلك وقد حدث أسقف قرطاجنة القديس قبريان (٢٤٨ - ٢٥٨) عن أكثر أساقفة عصره بانهم كانوا سراقا منهمكين في اللذائذ مرابين الى غير ذلك من الصفات الذميمة. وقد جاهد القديس اغسطين في تقويم الاخلاق جهادا أكبر ولكن الامر قد أدبر وفساد الاخلاق عم وانتشر فلم يكن لكلامه بالنفوس كبير أثر وإذا ذهبت أخلاف أمة فبشرها بالزوال إِنَّمَا الْأُمَمُ الْأَخْلَاقُ مَا بَقِيَتْ ... فَإِنْ هُمُو ذَهَبَتْ أَخْلَاقُهُمْ ذَهَبُوا ج- واما نفور البربر الطبيعي فان هذا الجنس سقيت طينته بماء الحرية وعجنت بيد الشدة وجفت بريح الثورة، فليس في وسعه

стр. 306

ان يخضع للسيادة الاجنبية مهما طال أمدها عليه، وامتدت عروقها بوطنه، وكثرت سكاكين حضارتها لتقليم أظفار بدويته، وفيما سقناه من أحاديث الثورات البربريه ما يغني عن الاسهاب في بيان هذه الحقائق. د- واما نفور البربر الكسبي فقد رأيت ما كان للرومان عليهم من التفوق والاستعباد. الامر الذي كان يلقح دائما نفورهم الطبيعي. ولا أزيدك في انارة هذه الحقيقة عما تقدم غير كلمة واحدة أنقلها عن بيروني، وهي لا تخرج في معناها عما سبق. قال هذا البحاثة: "والاماكن التي كان للرومان بها سلطة حقيقية وقدم راسخة لا يعامل البربري فيها الا للاتتفاع منه". هذه أصول علل سقوط حكومة الرومان بالجزائر. وقد أكثر المؤرخون في هذا الموضوع من الابحاث والاستنتاجات. وقد لخصنا لك في هذا الفصل زبدة أقوالهم الصحيحة، وأعرضنا عن تتبع ما كان لهم من أقوال ساقطة وأفكار سقيمة خشية الاطالة من غير كبير فائدة. والمطلع على كلامهم يرى فيه غرضين واضحين: أحدهما حمل القارئ على الاعتقاد بعظمة الرومان الى درجة أن يدهش من سقوط استعمارهم، وثانيهما تحذير قومهم من الفرنسيين من الوقوع فيما وقع فيه الرومان. وكلا هذين خارج عن غرضنا من تاريخ الجزائر. ٢٣ - الحضارة الرومانية والبربر كانت لبعض الاباطرة عناية بغرس الحضارة الرومانية بالجزائر. وأشدهم عناية بذلك ادريانس وسبتموس سويرس وقسطنطين. ويقول بعض المؤرخين: ان الرومان أكملوا حضارتهم بالجزائر حتى أصبحت لا فرق بينها وبين حضارة رومة. ويستدل لذلك بانه زمن طريانس

стр. 307

صار من يحكم عليه بالنفي من رومة يمنع من افريقية لما بين الوطنيين من المشابهة في الحياة والرفاهية. ونحن لا ننازع في وجود حضارة رومانية بالجزائر شبيهة بحضارة رومة. وانما نبحث عن هذه الحضارة هل كانت خاصة بالرومان أم أن البربر أقبلوا عليها؟ اختلفت أقوال الباحثين من المؤرخين ازاء هذه النقطة وانقسموا ثلاث فرق: ١ - فرقة تقول: كل ما كان بافريقية الشمالية من بناءات وفلاحة وسائر وجوه العمران انما كان من البربر، أخذوا الاساليب عن الرومان وعمروا لانفسهم. وزعيم هذه الفرقة هو لويس بيرتران. ومما قاله بيرتران: ان البربر أقبلوا على الحضارة الرومانية أكثر مما أرادت منهم رومة: وان افريقية اللطينية لم تزل قائمة الى يومنا هذا، لم ينسخ ظلها نور الاسلام اذ أنه أنما أتاها بدين ولم يأتها بحضارة، وانه لم تقع معارضة بين البربر والرومان مع كون السيادة للرومان لا سياسيا ولا دينيا ولا اقتصاديا. وهذه أقوال سخيفة. وقد تعرض يبروني لردها. أما أنا فلا أطيل الفصل بنقض أمثال هذه الاقوال، وكونها صادرة عن فكر لويس بيرتران كاف لسقوطها. وإذا كنت تجهل هذا الرجل- رغم كونه رئيس المجمع العلمي الفرنسي- فهو الذي قال فيه أحد الكتاب الفرنسيين وأجاد:، إذا أردت الحقيقة في كلام بيرتران تجدها في نقيض ما يقول". ٢ - وفرقة تقول: ان الحضارة الرومانية بالجزائر مركبة من أيدي واذهان الرومان والبربر، وان العنصرين كانا مشتركين في الاحساسات الدينية والسياسية والفوائد الاقتصادية، وان رومة تداخلت في أخلاق البربر فغيرتها تغييرا معتبرا.

стр. 308

والتاريخ الصادق يشهد لخلاف هذا الرأي أيضا: فان البربر- وان عملوا في تكوين الحضارة الرومانية بوطنهم - انما كانوا بصفة عملة مجبورين. والذين لم تستطع يد الرومان ان تنالهم بالقهر لم يعملوا شيئا في هذه الحضارة. وقد رأيت أن البربر كانوا دائما خلاف الرومان في الدين وثائرين على سياستهم، وانهم كانوا محرومين من الفوائد الاقتصادية، وان اخلاقهم لم تزل بحالها فان أكثر القائمين بالثورات كانوا ممن عرفوا الحضارة الرومانية واخذوا منها ما لا يضر بقوميتهم. ٣ - وفرقة- منها مرسيي وفرنال- تقول: ان البربر لم يقبلوا على الحضارة الرومانية، وانها ذهبت بذهاب سلطانهم. وهاك أهم حجج هذه الفرقة: ١ - مدة وجود الرومان بافريقية- على طولها- لم تنقطع الثورات، ولم يفتأ البربر فيها مدافعين عن ديارهم وعوائدهم، ولم توجد أية قوة تنزع من قلوبهم حب التمتع بالاستقلال. ٢ - لم يوجد من البربر من أعان الرومان، وما كان من مسيزال فانما كان انتقاما من أخيه الذي قتل له ولدين لا حبا في الرومان. ويوضح لك ذلك انه كان حارب الرومان مع أخيه فرموس، وانهم لم يجازوه على أعانته لهم على جلدون جزاء المعين المخلص. ٣ - عدم انتشار اللغة اللطينية بين البربر حتى آخر عصر الدور الروماني اذ كان عصر القديس أغسطين الولاة الاداريون والرؤساء الدينيون يحتاجون الى ترجمان بينهم وبين البربر. ٤ - لم يبق من مدنية رومة غير الخرابات والاحجار المنقوشة، ولو أثرت رومة في البربر حقيقة لبقي من حضارتها أشياء أخر غير الخرابات.

стр. 309

وهذه الفرقة هي ذات القول الصحيح والحجة القويمة، هي التي صدقت التاريخ ولم تتأثر بدعاية ممجدي الرومان ومكبري شأنهم. قال بيروني: ويمكن اسناد سقوط الحضارة الرومانية بأفريقية الى ثلاثة أسباب: ١ - فساد الاخلاق الرومانية، وذلك لكثرة الملاهي والمنتزهات. ٢ - نقص الرومان الذين بيدهم تسيير الحضارة، وذلك ان كثرة الملاهي تضعف اليد العاملة فيقل الفلاحون والنوتيون وغيرهم. ٣ - وجود الديانة المسيحية، وذلك بما حدث فيها من الاحزاب المتباغضة. قال بيروني: "والسبب الحقيقي لسقوط الحضارة اللطينية من افريقية هو عدم استقلالها استقلالا يحفظ بقاءها بعد سقوط رومة" وفي هذا الكلام شيء من الابهام. فان أراد من الاستقلال استقلال الرومان العاملين على نشرها سياسيا واداريا فهذا لا يكفي لحفظها من السقوط لان الجنس الاصلي بهذا الوطن غير مقبل عليها اقبالا يحفظها بعد الرومان. فان قال: ان الرومان لو استقلوا بأفريقية لبقيت لهم سلطتهم وحضارتهم، ولم يضرهم ما يصيب الامبراطورية برومة قلنا ان سلوكهم مع الجنس الاصلي لا يضمن بقاء سلطتهم. بل لو استقلوا عن رومة لتعجل سقوطها. وهذا بونيفاس لما أراد الاستقلال احتاج الى الاستعانة بالوندال. على ان للدول مثل الاشخاص أعمارا تنتهي بانتهاء آجالها طالت أو قصرت. وان أراد من استقلال الحضارة اللطينية بأفريقية الشمالية ان تكون بيد الجنس البربري فصحيح ان تبقى بعد سقوط رومة كما بقيت حضارة قرطاجنة بعد سقوطها. ولكن الرومان ليس غرضهم من

стр. 310

الاستيلاء على الشمال الأفريقي نشر حضارتهم به حتى يتخذوا الوسائل اللازمة لقبول البربر اياها. وانما كان غرضهم توسيع دائرة نفوذ رومة، وتوزيع ابنائها على المستعمرات لكسب الثروة التي عزت عليهم بوطنهم، وجلب نتائج تلك المستعمرات الى ايطاليا القاحلة. واذن نقول: ان السبب الحقيقي لسقوط الحضارة اللطينية بالجزائر هو عدم اقبال البربر عليها، وليس عدم اقبالهم عليها لآفة في طباعهم. فانهم أقبلوا على حضارة قرطاجنة قبلها. وبقوا محافظين عليها حتى جاءهم العرب بحضارة سامية حديثة جرت ذيل النسيان على حضارة سامية قديمة. وعدم اقبالهم على حضارة رومة يرجع الى الاسباب الآتية: ١ - ترفع الرومان عن مخالطتهم. قال بيروني: "وكان الرومان لا يخرجون عن وظيفتهم السياسية والادارية، ويترفعون عن مخالطة البربر. ومن البربر من كانوا يتجنسون بالجنسية الرومانية، ولكنهم يجدون- بعد تجنسهم- الرومان متمسكين بترفعهم عن مخالطتهم". ٢ - سياسة الضغط التي سلكها الرومان مع البربر، وذلك بانتزاع اراضيهم وسلب حقوقهم وجبرهم على العمل في أرضهم لفائدة غيرهم. فالبربر الذين تحت الاستعباد الروماني ذهبت مواهبهم في خدمة الرومان، والذين سلموا من ذلك الاستعباد نفروا من كل شيء روماني. ٣ - اهمال الرومان للبربر، فلم يعتنوا ببث الاخلاق الفاضلة بينهم وتحويل عوائدهم. اذ كان غرضهم من الاستيلاء الفوز بنتائج الوطن وخيراته. ومن ههنا نعلم ان البربر لم يمتزجوا بالرومان ويندمجوا فيهم. ولكن لا ننكر وجود شواذ وقذتهم الحضارة الرومانية وتأثروا بساداتهم

стр. 311

في لغتهم وآدابهم ونظام حياتهم. غير ان ذلك لا يعد شيئا بالنظر لطول اقامة الرومان بينهم. بل ان طول اقامتهم بالوطن البربري أثر فيهم أنفسهم حتى صاروا متميزين عن اخوانهم برومة. والخلاصة ان استيلاء رومة على الجزائر إنما أفاد الرومان ولم يفد البربر لا علميا ولا أخلاقيا ولا اقتصاديا الا عرضا. بل انه بعكس ذلك أضر بهم. ولولا ازعاج رومة لهم واسقاطها لدولهم لكان يكفيهم ما أخذوه عن قرطاجنة. وفي مواهبهم الفطرية ما يهيؤهم لترقيته. فان البربر من أغنى الامم رجالا في صفاء الاذهان وقوة الجنان. ٢٤ - ذكر اباطرة رومة مدة الاستيلاء على الجزائر لم تزل رومة منذ تأسيسها عاصمة الدولة الرومانية الى أن جاء قسطنطين فاختار ان ينقل سرير الملك الى بيزنطة. فانتقل اليها سنة (٣٣٠) وكان له ثلاثة أبناء اقتسموا المملكة الرومانية بعد وفاته. ثم مات منهم اثنان فاستقل الثالث بالمملكة. ولم تزل المملكة الرومانية بين انقسام واجتماع حتى سنة (٣٩٥) حيث تم في هذه السنة انفصال العاصمة الشرقية عن العاصمة الغربية. والجزائر لم تزل تابعة لرومة العاصمة الغربية الا سنة واحدة تبعت فيها القسطنطينية العاصمة الشرقية. وهاك اسماء أباطرة هذه المملكة في جدول استخرجته من ابن خلدون (٢: ١٩٩ - ٢١٦) وقبل ان أرسم لك الجدول أقدم بين يديك ملاحظات: ١ - ذكر ابن خلدون اختلافا في أسماء بعض الاباطرة ومدتهم.

стр. 312

ونحن نقتصر من ذلك على ما كان متحدا أو قريبا مما في كتب الافرنج. لان ذلك التاريخ الهام قد عبثت به الايام فكثر فيه التحريف خصوصا في الاعلام. ٢ - اقتصر ابن خلدون على ذكر مدة أولئك الاباطرة. ونحن نتمم الجدول ببيان ابتداء ولاية كل واحد منهم ونهايتها بالتاريخ الميلادي مأخوذا من كتب الافرفج. وما يوجد من اختلاف في مدة ولاية بعض الاباطرة بين ابن خلدون وغيره فذلك مما لا تخلو منه التواريخ. ٣ - قد يكون ما نثبته عن ابن خلدون من الاعلام بعيدا عما في غيره. فننبه عليه في تعاليق. وقد يظهر لنا ان ما فيه محرف أو مصحف فلا نثبته في الاصل ولا نهمل التنبيه عليه في التعاليق. وقد يكون بعض التعاليق لفائدة تاريخية.

стр. 313

جدول الأباطرة

стр. 314

_________ الامبراطور ........... مدته ................. ولايته .......... نهايته .......... تعليق

стр. 315

_________ الامبراطور ........... مدته ........... ولايته .......... نهايته .......... تعليق

стр. 316

ـ[صورة]ـ شكل (٢٤) الممر والقوس الذي نسب إلى طريانس بنيت هذه الابنية في عهد طريانس

стр. 317

ـ[صورة]ـ شكل (٢٥) موزاييك "الجميلة"

стр. 318

ـ[صورة]ـ شكل (٢٦) الصيد: لوحة تمثل حمام فينوس

стр. 319

الباب السابع في ذكرى الوندال ومدل امرهم

стр. 320

١ - تمهيد القوط (ويقال لهم أيضا: الغوث- LES GOTHS) أمة شديدة البأس صعبة المراس. قال ابن خلدون: " كانوا يعرفون في الزمن القديم بالسيسيين، نسبة الى الارض التي كانوا يعمرونها بالمشرق، فيما بين الفرس واليونان" (١) قال: وكانت لهم حروب مع الملوك السريانيين من لدن عهد ابراهيم الخليل ﵇ (كان أواخر الالف الثالث قبل الميلاد) ثم مع الفرس ثم قهرهم الاسكندر المقدوني وأخضعهم فيمن أخضع من الامم. ومن ذلك الحين اختلطوا بالروم واليونان. هذا ملخص كلامه. وقال غروت: كانوا في القرن الثالث (ق. م) على شواطئ بحر البلطيق. ثم انتشروا في جنوب جرمانيا وتعددت شعوبهم فاشتهرت منها شعوب هيرول) HERULES) وسويف (SUEVES) والان (ALAINS) وبرغند (BURGONDE) ووندال (VANDALES) قال: وفي النصف الثاني من القرن الثالث للميلاد تغلبوا على بلاد مقدونيا وبلاد الاغريق. وانتشروا على ضفاف نهر الدنوب (٢) بعضهم جنوبه، ويسمون القوط الشرقيين، وبعضهم شماله، ويسمون القوط الغربيين.
следующие страницы →