← История

История · id 123660

تاريخ الجزائر في القديم والحديث

مبارك الميلي

Полный текст (878 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ـ[صورة]ـ شكل (٢٤) الممر والقوس الذي نسب إلى طريانس بنيت هذه الابنية في عهد طريانس

стр. 317

ـ[صورة]ـ شكل (٢٥) موزاييك "الجميلة"

стр. 318

ـ[صورة]ـ شكل (٢٦) الصيد: لوحة تمثل حمام فينوس

стр. 319

الباب السابع في ذكرى الوندال ومدل امرهم

стр. 320

١ - تمهيد القوط (ويقال لهم أيضا: الغوث- LES GOTHS) أمة شديدة البأس صعبة المراس. قال ابن خلدون: " كانوا يعرفون في الزمن القديم بالسيسيين، نسبة الى الارض التي كانوا يعمرونها بالمشرق، فيما بين الفرس واليونان" (١) قال: وكانت لهم حروب مع الملوك السريانيين من لدن عهد ابراهيم الخليل ﵇ (كان أواخر الالف الثالث قبل الميلاد) ثم مع الفرس ثم قهرهم الاسكندر المقدوني وأخضعهم فيمن أخضع من الامم. ومن ذلك الحين اختلطوا بالروم واليونان. هذا ملخص كلامه. وقال غروت: كانوا في القرن الثالث (ق. م) على شواطئ بحر البلطيق. ثم انتشروا في جنوب جرمانيا وتعددت شعوبهم فاشتهرت منها شعوب هيرول) HERULES) وسويف (SUEVES) والان (ALAINS) وبرغند (BURGONDE) ووندال (VANDALES) قال: وفي النصف الثاني من القرن الثالث للميلاد تغلبوا على بلاد مقدونيا وبلاد الاغريق. وانتشروا على ضفاف نهر الدنوب (٢) بعضهم جنوبه، ويسمون القوط الشرقيين، وبعضهم شماله، ويسمون القوط الغربيين.

стр. 321

وفي سنة (٣٧٦) على عهد الامبراطور واليس هجم الهون من التتر على القوط الشرقيين. فاجتازوا نهر الدنوب. والتحقوا باخوانهم الغربيين. وهجم الجميع على المملكة الرومانية. واستوطنوا تراقية باذن من الأمبراطور واليس. ومن هذا الحين انفتحت لهم الطرق في المملكة الرومانية ففي سنة (٣٨٢) كلفهم ثأودوسيوس وزير ولنتنيانس الثاني بحراسة مجار نهر الدنوب، وملكهم ولايتين هنالك، ولما ولى ابنه هنوريوس على رومة، وكان صغير السن، استوزر له ستيليقون الوندالي. وكان هذا الوزير متزوجا من بنات أباطرة الرومان. وفي أيام وزارته اجتازت طوائف من القوط حدود ايطاليا. فكلفه هنوريوس بحربهم. فجهز الجيوش، وكانت جنود مرابطة على نهر الرين لحفظ الحدود، فاستدعاها، واستعان بها على حرب تلك الطوائف. انتصر ستيليقون في حربه، ولكن حدود ايطاليا من ناحية الرين بقيت من غير حراسة، فاجتاز بها من شعوب القوط السويف والألان والوندال، وانتشروا بالغاليا. وذلك أول يناير سنة (٤٠٧). وكان ألريك (١) قد حارب بقومه من القوط الغربيين أرقاديوس أمبراطور القسطنطينية. وتم بينهم الصلح على ان يمنح الامبراطور ألريك ولاية اليريا (٢). ولما اصطلح مع امبراطور الشرق أخذ في الغارات على المملكة الغربية، ودافعه ستيليقون. ولما أعياه أمره عرض عليه رئاسة الجند الروماني على أن يكف غارات القوط. وكان من الرومان من لم يرض سياسة ستيليقون فقتلوه سنة (٤٠٨). غضب ألريك لقتل ستيليقون. فتقدم الى رومة. وحاصرها

стр. 322

حصارا قضى على حياة خلق كثير من أهلها. وأخيرا أفرج عنها عوض غرامة كبيرة أخذها. ثم عاد اليها سنة (٤٠٩) فخضعت له. وتداخل في شأن الامبراطورية. فأسقط هنوريوس لانه لم يسند اليه رئاسة الجند. ونصب مكانه شخصا يدعى اتال. ثم نزل هنوريوس على رغبته. فأعاد عليه كرسيه وعزل اتال. وما زال ألريك على عظمته حتى طمع في فتح أفريقية سنة (٤١٠) ولكن الزوابع اغرقت اسطوله. فعاد الى ايطاليا وتوفي سنة (٤١١). وكان لالريك صهر يدعى اتولف. فقربه هنوريوس وزوجه أخته بلاسيدية وسماه بطريقا. كل ذلك ليعينه على ابعاد أمم القوط من ايطاليا. فانتقل اتولف بالقوط الغربيين الى الغاليا. وكان بها السويف والألان والوندال. فأخرجهم منها الى اسبانيا. وفي سنة (٤١٥) قتل اتولف وخلفه في ملكه وليا. فتوسع في اسبانيا، وأخرج الوندال الى نواحي غرناطة وجيان من الجنوب الاسباني. فاستقروا بذلك القسم. ونسب اليهم. فصار يدعى "وندلوسيا" وقد صقلته العرب فغيرته الى كلمة اندلس. ٢ - أصل الوندال قد رأيت من سياقة تاريخ الوندال عند الافرنج انهم شعب من القوط. وذكر ابن خلدون ان القوط من ماغوغ ابن يافث. ورواية الافرنج هذه هي الصحيحة عندي لما فيها من الشرح والبيان لاحوال الوندال الى ان استقروا باندلس. وذلك يدل على فضل اطلاعهم في هذه المسألة. فيترجح الاخذ بروايتهم. وهناك روايتان أخريان حكاهما ابن خلدون: الاولى انهم من الاغريق. وهم أيضا من يافث. وهاك عبارته:

стр. 323

"ولحق بالاندلس ثلاث طوائف من الغريقيين فاقتسموا ملكها. وهم الابيون والشوانيون والفنداش. وباسم فندلس سميت الاندلس" (١) وعبر عن هؤلاء الطوائف بالطوالع. الرواية الثانية حكاها بقوله: "وقد يقال ان هؤلاء الطوالع كلهم من ولد طوال بن يافث، وليسوا من الغريقيين". وفي كلتا روايتيه نظر: أما الاولى فيبطلها ان الرومان كانوا يطلقون على الوندال وغيرهم من أمم القوط اسم المتوحشين. ولم يعهد منهم هذا اطلاق في الاغريق. كيف وهم اساتذتهم في العلوم والحضارة؟ ولعل منشأ الوهم في هذه الرواية ما ذكره ابن خلدون نفسه من ان القوط اختلطوا بالروم واليونان منذ عهد الاسكندر. فاختلط على صاحب الرواية بعض شعوب القوط بشعوب الاغريق. واما الثانية فقد أشار الى ضعفها بقوله وقد يقال. ووجه سقوطها ان أبناء قطوبال استوطنوا الاندلس بعد الطوفان على ما ذكره في موضع آخر، وتقدمت الاشارة اليه في الباب الثاني. وهؤلاء الطوالع إنما نزلوا الاندلس أوائل القرن الخامس للميلاد كما تقدم في سياقة تاريخ الافرنج. وتدل عليه أخبار ابن خلدون. ومما يرشح الاخذ برواية الافرنج أن أسماء الطوالع عند ابن خلدون قريبة من أسماء الشعوب التي صرح الافرنج أنهم من القوط: فالفندلس هم الوندال، والابيون يظهر أنهم ألان صحفت النون باء، والشوانيون يظهر أنهم السويف، ووضع الشين مكان السين من الشائع، فابن خلدون نفسه عبر عن الوندال مرة باسم فندلش وأخرى

стр. 324

باسم فندلس، والفاء عربت باء فيما يظهر ولكنها صحفت في الطبع نونا، وكثيرا ما يعرب ابن خلدون حرف (V) باء. والخلاصة ان الوندال شعبة من القوط يدل على ذلك سياقة تاريخهم، واتحادهم في الاخلاق حتى أطلق الرومان على الجميع اسم المتوحشين، واتحادهم ايضا في الدين واللغة. وقد بقي اسم القوط لبعض شعوب هذه الامة. وهم الذين أسسوا دولتهم بالغاليا الى أن سقطت سنة (٥٠٧) وانتقلت الى الاندلس وبقيت هنالك الى ان قضى عليها طارق بن زياد وموسى ابن نصير سنة (٧١١). أما الوندال فانهم أسسوا دولتهم بأفريقية وبقوا بها حتى قضى عليهم الروم البيزنطيون. ٣ - ديانة الوندال كان الوندال- كبقية القوط- وثنيين يعبدون الشمس والقمر والارض وغيرهن من آلهتهم حتى بلغتهم دعوة المسيحية أواخر القرن الرابع للميلاد. كانت المسيحية قد انقسم أتباعها الى مذاهب متنافرة متباغضة. ومن بين تلك المذاهب مذهب أريوس. وكان أريوس هذا لعهد ديوقلطيانس وأدرك دولة قسطنطين. قال ابن خلدون: وهو كبير تلامذة ماربطرس بطرك الاسكندرية. وكان كثير المخالفة له. فسخطه وطرده. وقال في موضع آخر: "وكان يذهب الى حدوث الابن - عيسى ﵇ وانه إنما خلق الخلق بتفويض الاب اليه في ذلك" ولعل المراد من الخلق ما جاء في سورة المائدة من قوله تعالى:

стр. 325

﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ واذن تكون عقيدة أريوس في عيسى مثل عقيدة الاسلام. بعد وفاة ماربطرس انتصب اسكندروس مكانه بطركا. فأشاد بكفر أريوس. وكتب بذلك الى جميع النواحي. فبلغ الخبر قسطنطين. فاخضر أسكندروس وأريوس في أساقفة آخرين. وتناظروا أمامه. فمال الى أسكندروس. واذن له أن يشيد بكفر أريوس. وما أقبح تداخل القوة المادية في القوة الفكرية! وما أعجز فؤسها عن ايجاد قبر يعفي وجودها! حاول أسكندروس ان يعفي مقالة أريوس فانتشرت على الرغم منه ومن قسطنطين حتى أن كثيرا من الملوك أخذوا بها وانتصروا لها. قال ابن خلدون: "وغلبت تلك المقالة على أهل قسطنطينة وانطاكية ومصر والاسكندرية". بلغت االمسيحية في أواسط القرن الرابع إلى القوط على يد أتباع أريوس. وكان الوندال منهم كلهم أريويين. ويقيمون مراسم ديانتهم باللغة القوطية لا باللطينية. وكانوا على غاية من التعصب لمذهبهم حتى ان جل ما يجده المؤرخ من أحاديث الوندال بأفريقية هي اضطهاداتهم للارثذوكس. ومما زاد في تعصبهم واضطهادهم لغيرهم ان ملوك الارثذوكس في نواح أخرى كانوا يعذبون الاريويين أيضا. فكان الوندال ينتقمون لاخوانهم في الدين من أعدائهم الذين تحت سلطانهم. وليست يد السياسة ببعيدة عن تلك الاضطهادات. ٤ - استيلاء الوندال على الجزائر ظهرت أمة الهون من التتر وأمم القوط بأروبا. وأخذت تلك الامم تنقص الامبراطورية الرومانية من أطرافها حتى بلغوا قلبها،

стр. 326

وصاروا يتحكمون في تنصيب الامبراطور. فأصابت أروبا والمملكة الرومانية منهم جوائح الفتن وارتفع الامن وذهب العمران. والجزائر- كبقية الشمال الأفريقي- كانت في هرج من أجل تنافس الاحزاب المسيحية وثورات بعض المتطلعين الى الاستقلال من البربر والرومان. ولكنها لم تزل أحسن حالا من أروبا وانعم بالا منها. ولما استقر الوندال بالاندلس اتخذوا سفنا لخوض لجج البحر الابيض المتوسط. فكانوا ينظرون الى شمال أفريقية من كتب. ومع علمهم بضعف رومة وجرأتهم على ولاياتها بأروبا لم يجرأوا على افريقة. فبقوا ينتظرون سنوح الفرصة لهم بفتحها، حتى وجدوا في الكونت بونيفاس تحقيقا لأمانيهم وانجازا لآمالهم. في سنة (٤٢٢) سمي بونيفاس واليا على أفريقية. وفي سنة (٤٢٣) توفي هنوريوس، وتطلع الى خلافته أناس، ووقعت رومة لذلك في هرج، وكانت بيلاسيدية أخت هنوريوس بالقسطنطينية، ومعها ولدها من قسطانس قائد هنوريوس. تزوجته بعد قتل اتولف. وتداخل امبراطور القسطنطينية ثأدوسيوس بن ارقاديوس أخي هنوريوس في عرش رومة. فنصب به ابن عمته بلاسيدية باسم ولنتنيانس الثالث تحت كفالة أمه. وذلك سنة (٤٢٤). لما أفضى الامر الى بلاسيدية فوضت لبونيفاس في التصرف. فخدم دولته خدمة صادقة، وصار من عظماء الحكومة. فحسده لذلك بعض منافسيه. وقام بدور السعاية به مع بلاسيدية قائد عام يدعى ايتيوس. وأخذ يدس عليه الدسائس معها حتى أصغت اليه وعزلت بونيفاس من ولايته سنة (٤٢٧). كانت المصلحة الشخصية أغلب على بونيفاس من المصلحة العامة.

стр. 327

فلم يمتثل أمر العزل، ولم يبال بما يصيب دولته من شغبه عليها وهي على فراش الاحتضار. وصممت الامبراطورة على عزله. وعززت أمرها بالقوة العسكرية. فحاربها بونيفاس، وهزم جنودها. فعادت لحربه في السنة التالية. ووجد هو موقفه حرجا، البربر أهل الوطن ضده، ودولته تحاربه، وارادته أبت من الامتثال للعزل. فأراد أن يستعين على الخلاص من الازمة بالاجنبي. فاستنجد الوندال على أن يمنحهم غرب المملكة الرومانية بأفريقية الى وادي مساغا، ويسلموا له في شرق هذه المملكة، يبقى به مستقلا (١) فأسرع الوندال الاجابة. وفي سنة (٤٢٩) نزل الوندال والسويف والألان وغيرهم من أمم القوط بموريطانيا الطنجية. وأنبثوا في الوطن البربري كالجراد المنتشر. قال مرسيي: "وكان عددهم ثمانين ألفا المقاتلون منهم خمسون ألفا". وفي هذه المدة كان القديس أغسطين يسعى في الصلح بين بونيفاس والامبراطورة. فأدركت أخيرا غلطها وتحققت الدسيسة. فرضيت عنه وأعادت عليه منصبه، ولكن بعد نزول الوندال بموريطانيا. ولما عاد بونيفاس الى منصبه ندم على اتفاقه مع الوندال فأرسل اليهم أن عودوا الى الاندلس، واخرجوا من المملكة الرومانية! فلم يسرع الوندال الى اجابته هذه المرة، بل تمادوا في سيرهم. وعدوا أمر بونيفاس هذا ناقضا لاقفاقهم معه. فلم يقفوا عند حد وادي مساغا، وتعدوه الى نوميديا. وصدق على سياسة بونيفاس معهم المثل العربي: "لَا هَنَكِ أَنْقَيْتِ وَلَا مَاءَكِ أَبْقَيْتِ".

стр. 328

ولما رأى بونيفاس تقدم الوندال في الوطن تهيأ لحربهم، وجمع جموعه. فالتقى الفريقان قرب قالمة. ودارت الدائرة على بونيفاس، ففر الى بونة، وتحصن بها. وذلك سنة (٤٣٠). وبعد فراره قسم الوندال جنودهم قسمين: قسما تركوه للاستيلاء على نوميديا، وآخر وجهوه لحصار بونة. فكان الاول يفتح مدن نوميديا بمساعدة اتباع دونتوس، ويبطش بالارثذوكس، وكان الثاني يجمع جثث القتلى في خنادق حول المدينة ليفرق من منظرها المحصورون. وفي سنة (٣١) أرسلت بيلاسيدية نجدة الى بونيفاس تشجع بها، وخرج لقتال الوندال. ولكنه انهزم أمامهم. فدخلوا المدينة، ونهبوها، وحرقوها. وايس بونيفاس من المقاومة، فترك الوطن لفاتحيه، وذهب الى الامبراطورة، فأكرمته، ورفعت منزلته، ولم تؤاخذه على خسارة وطن هو حياة رومة لعلمها بأن لها يدا في ذلك باصغائها للوشاة. وبفتح بونة وذهاب بونيفاس تم للوندال فتح الوطن الجزائري (موريطانيا ونوميديا) وذلك في مدة عامين. ويجب ههنا أن نتذكر سير الاستيلاء الروماني على الجزائر. فقد تقدم أنهم تعرفوا الى هذا الوطن سنة (٢١٣) ق. م وشرعوا في تحقيق استيلائهم عليه من سنة (٤٦) ق. م الى سنة (٤٢) للميلاد. أما الوندال فلم تتقدم لهم معرفة به، ولم يمكثوا في فتحه غير عامين. وهذا مما يبعث على البحث في سبب الفرق الكبير بين سير الاستيلاءين. لا يصح أن ترجع سرعة الاحتلال الثاني وبطء الاول الى تفوق الوندال على الرومان في السياسة والجندية. فان الواقع يشهد

стр. 329

لخلاف ذلك. فلنبحث عن العلة في غير القوة الحربية والحنكة السياسية. يقول بعض المؤرخين: أن الذي سهل على الوندال احتلال الوطن البربري وقرب أمده هو اتفاقهم والبربر طبعا ودينا. ذلك بأن طبع الجميع حب الثورات وهدم الحضارات، ودين الجميع كان على خلاف دين الرومان الارثذوكس. وليس ذاك عندي بصحيح. فان البربر إنما كانت ثوراتهم حبا في الاستقلال وتطهير هوائهم من سموم الانفاس الاجنبية، وكانوا أكثرهم وثنيين والمسيحيون منهم كانوا غير متفقين مذهبا مع الوندال. ومن المؤرخين من يعترف بوجود فروق بين البربر والوندال من شأنها ان توجد الكراهية والبغضاء بين الامتين. وهذه الفروق هي: اللغة، القوانين، الاخلاق، العوائد، اللون. ويعلل هذا المؤرخ سرعة احتلال الوندال بأمرين: انتشار الفوضى في الوطن، وحسن سياسة القائد الوندالي. وليس هذا بصحيح عندي أيضا. أما الفوضى البربرية فانما هي من حيث فقد أمير عام يلتفون حوله، لان الرجال الذين يصلحون لذلك قد قضت عليهم رومة، ولا يمنع ذلك من وجود رؤساء على عشائر يقومون بالدفاع عن وطنهم وتعطيل سير الوندال به، وأما حسن سياسة القائد الوندالي فليست هي التي استمالت اليه البربر، وانما نفعته في جمع كلمة من تحت رايته من قومه وتثبيت قدم دولته بعد الاحتلال. وعندي أن لا سبب لسرعة احتلال الوندال غير مساعدة البربر لهم. وعلة مساعدتهم أنهم كانوا ينفرون من سلطة رومة، ويعشقون الاستقلال. وقد حاولوا مرارا أن يبلغوا مرادهم من طرد الرومان

стр. 330

والاستقلال بوطنهم فلم ينجحوا. فلما وجدوا في الوندال نصيرا على طرد الرومان أعانوهم مكتفين بهذا الشطر من غايتهم، اذ رأوا أنهم عاجزون عن الشطر الآخر وهو الاستقلال. فاستبدلوا احتلالا باحتلال، تحقيقا لاحد المقصدين، وتلك قاعدة ارتكاب أخف الضررين. ٥ - تأسيس حكومة الوندال استولى الوندال على نوميديا وما يليها غربا. واتخذوا بونة عاصمة مملكتهم. وأيست رومة من ارجاع ذلك الوطن بالحرب، لما كانت عليه من الاختلال والانحلال. ورأى الامبراطور أن يحافظ على ما بقي له من تراب أفريقية. فارسل رسولا الى جنسريق قائد الوندال وملكهم، ليفاوضه في الصلح. وفي سنة (٣٥) تم الاتفاق بين الفريقين حسبما يلي: ١ - يدفع أمير الوندال لامبراطور رومة غرامة سنوية. ٢ - لا يتجاوز ملكه حدود نوميديا شرقا. ٣ - يعطي ولده هنريق رهنا على الوفاء. ٤ - يعمل بهذه المعاهدة لمدة ثلاثين سنة. قضت هذه المعاهدة ببقاء حق امبراطور رومة في الجزائر وقبول جنسريق لان يكون تحت سيادته. فأظهر له حسن الولاء، وحافظ على مواد المعاهدة. وبعد اربع سنوات وثق الامبراطور باخلاصه، فسرح له ولده. وذلك ما كان ينتظره جنسريق لتوسيع مملكته بفتح البروقنصلية (تونس). لم يبق لجنسريق بعد رجوع ولده ما يحمله على احترام المعاهدة. واتفق ان كان الرومان اذ ذاك مشتغلين بحرب القوط. فلم يهمل هذه

стр. 331

الفرصة. وذهب إلى قرطاجنة، ففتحها من غير عناء. واستولى على البروقنصلية. وتم له بذلك الاستيلاء على تونس والجزائر ومراكش وذلك سنة (٤٣٩). لم يستطع ولنتنيانس الثالث أن ينتقم من جنسريق لتعديه على المعاهدة. وقديما عد الرومان مدافعة القرطاجنيين لهجوم مصينيسا خرقا لمعاهدة (٢٠١) ق. م وهكذا ترى القوي يعد مدافعة الضعيف عن حقه تعديا، والضعيف يداس حقه فيتظاهر بالحلم والسماح. رأى ولتننيانس ضعفه أمام قوة جنسريق. فلم يحتج بالمعاهدة التي بينهما. واكتفى بتجديد معاهدة أخرى معه. فوقع الاتفاق بينهما بقرطاجنة سنة (٤٢) على ان يسلم الامبراطور للامير من سرت شرقا الى تبسة وشق بنارية وباجة غربا، ويسلم الامير للامبراطور بقية نوميديا وجميع أقسام موريطانيا. قضت هذه المعاهدة بعود الجزائر الى السلطة الرومانية. ولكنها سلطة ضعيفة، وقصيرة العمر، اذ قضى عليها جنسريق سنة (٥٥) وما قبل هذه المعاهدة الا بنية القضاء عليها، حيث أنه استبدل وطنا هادئا غنيا لسلامته من جوائح الثورات بوطن قضى على عمرانه تعدد الفتن وأنهكه تهاطل الارزاء والمحن. في سنة (٤٥٠) توفيت بلاسيدية. وبقيت المملكة بيد ابنها ولنتنيانس. فعبث بها عبثا كبيرا. وأخيرا قتل سنة (٥٤) وانتصب قاتله مكانه. وزاد ذلك في اضطراب أحوال رومة. وكان جنسريق يراقب أحوال أروبا. فرأى في اختلال رومة ما شجعه على غزوها. فجهز جيوشه من الوندال والبربر. وقصدها ففتحها سنة (٥٥) من غير عناء ولا تعب. وسرح جنوده فيها للنهب اربعة عشر يوما. ثم عاد الى قرطاجنة ظافرا منصورا يحمل غنائم جليلة واسارى من أعيان الرومان.

стр. 332

من ذلك الحين انتهت بقايا سيادة الرومان على شمال افريقية. واستقل به الوندال. وعدوا أنفسهم سادة هذا الوطن. فكانوا يؤرخون بايام ملوكهم. ولم يقبل الملوك القابا تشريفية من رومة لئلا يعدوا كموظفين رومانيين، وصاروا يرسمون صورهم على النقود. وكانت المملكة الشرقية القوية تنظر الى أختها أو أمها المملكة الغربية بعين الحنان والشفقة. فأراد أمبراطورها ان يتداخل في شؤون الوندال تارة لفائدة رومة وأخرى لفائدة الارثذوكس. ولكن ملوك الوندال كانوا يرفضون تداخله بكل شمم. والخلاصة ان جنسريق كان في بداية استيلائه يتظاهر باحترام دولة الرومان. وبعد رجوعه من رومة رفع غشاء السيادة الرومانية. وبقي يلين القول لامبراطور القسطنطينية لقوته. فلما جاء خلفاؤه تمموا استقلالهم، وطهروه من شائبة أي تداخل أجنبي. وقد علمت ان استيلاءهم على الجزائر فيما بين سنتي (٣٠ - ٤٢) كان تحت سيادة الرومان الاسمية. وعادت الجزائر الى الرومان من سنة (٤٢) الى سنة (٤٥٥) ومن هذه السنة استقل الوندال بالجزائر وغيرها. وجعلوا عاصمتهم قرطاجنة. ٦ - نظام دولة الوندال بعدما استقر جنسريق ببونة أخذ ينظم شؤونه ويستأصل جرثومة الخلاف عليه. كان له أخ يدعى غندريك، وكان هو رئيس الوندال بالاندلس. فقتله هنالك، وأودع زوجته وابناءه السجن. فلما حل ببونة قتل الجميع، وتتبع شيعة أخيه حتى أخضعهم. واعتنى بالجندية والبحرية. فاتخذ جيشا من الوندال والبربر يشتمل على ثمانين فرقة. وكان يستميل البربر، ويتقي كل ما من شأنه ان يثيرهم عليه.

стр. 333

وإذا اضطر لمحاربتهم لم يحاربهم الا بالوندال الحقيقيين، لانهم أكثر اخلاصا له، وأشد قوة على الحرب. وكان يمنح الجيش من الغنائم. واتخذ اسطولا عظيما خاض به عباب البحر الابيض المتوسط، وملك به أهم جزره، وأدهش به الايطاليين. قال مرسيي: وقد وجد في هذا الاسطول فائدتين: الغنائم التي كان يجلبها بالقرصنة، وتمرين الجنود على الحرب. وأرى فائدة ثالثة وهي اشغال البربر من جيشه بالقرصنة حتى لا يثوروا عليه. وقد غفل خلفاؤه عن هذه الفائدة، فلم يجدوا في البربر السلم التي وجدها هو. وبعد ان دخل جنسريق قرطاجنة وثبتت قدمه هنالك بمعاهدة سنة (٤٢) اتخذ الوطن التونسي وطنا ونداليا. فقسم ادارته الى خمس عمالات، وقسم أراضيه بين ولديه هنريق وجنصون، والجنود، ومعمري الوندال. وابقى بعض الاراضي للاهالي. أما الوطن الجزائري فلم يدخل عليه بعد عوده اليه أي تغيير اداري ولا استعماري. بل ابقى لساكنيه نظامهم القديم وولاتهم ومجالسهم البلدية وشرائعهم الذاتية، وانما اتخذ به مراكز للجنود وكان يرسل اليه احيانا بعض أعيان دولته لاستطلاع الحالتين: السياسية والعسكرية، ولم ينتزع منهم أملاكهم، الا ما كان من املاك الدولة الرومانية فانه صار الى ملوك. الوندال، وعليه وكلاء وبه خدمة فلاحون، ولم تتغير حالة الضرائب ايضا الا في المدة التي عادت فيها الجزائر الى الرومان فان الامبراطور أصدر أمرا سنة (٤٥) باسقاط سبعة أثمان الغرامة عن الاهالي. وكان رؤساء البربر منقادين لملك الوندال، ويمدون جيشه برجالهم. ووجد أتباع دونتوس في الوندال أعظم نصير فثأروا من

стр. 334

الارثذوكس. وفي أيام هنريق استعملوا قوانين ضد الارثذوكس هي نفس القوانين التي شرعها بعض أباطرة رومة للارثذوكس لينفذوها على الدونويين ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. والخلاصة أن الوندال لم يحدثوا أي تغيير بالوطن الجزائري الا ما كان من قلة عددهم به بالنسبة الى ما كان به من الرومان، ولم يلحق سكانه منهم أي اضطهاد الا من كانوا أرثذوكس وهم أقل القليل كما سبق. ٧ - ملوك الوندال وسياستهم اعتلى عرش مملكة الوندال بأفريقية ستة ملوك في مدة تزيد على مائة سنة. ١ - جنسريق (٤٢٩ - ٧٧): هو الذي تولى قيادة الجيش الذي ساقه لفتح افريقية. وأسس بها دولة الوندال. كان من أعظم ملوك افريقية وانفذهم رأيا وأبعدهم نظرا، سياسيا ماهرا وحربيا حاذقا. لا يحارب الا حيث يرى فائدته في الحرب. ولذلك عقد معاهدتين مع أمبراطور رومة. ولما تيسرت له الحرب لم يبال بالمعاهدتين. وان رأى أنه عاجز عن الحرب توقاها واستعان بدهائه. فقد جمع له مجريان (الذي تولى الامبراطورية برومة سنة ٤٥٧) بقرطجنة سنة (٥٨) ثلاثمائة سفينة ليحاربه بها ويسترجع منه أفريقية. فرأى هذا الملك أنه عاجز عن صده بالقوة، فارسل الجواسيس الى معسكر العدو وكان به جنود من القوط. فاستمال الجواسيس هؤلاء القوطيون، وأغرقوا السفن بمكانها. ونجا بهذا الدهاء جنسريق من شر حرب لا قبل له بها. وكان امبراطور القسطنطينية يحاول اضعاف الوندال. فأرسل جيشا بريا وآخر بحريا

стр. 335

لحرب جنسريق. ورأى هذا الملك عجزه فصار يناوشهم القتال، ويبث فيهم الجواسيس، ويسعى في تفرقتهم. فتم له الفوز. واكتفى الجيشان من الغنيمة بالاياب. فعادا الى القسطنطينية سنة (٧٠). وفي سنة (٤٧٦) (١) عقد معاهدة مع امبراطوري الشرق والغرب على ان لا يحارب أحد منهما مملكته ويعترفا بانه ملك أفريقية. وهكذا ظل منصورا في كل مواقفه حتى أدركه حمامه. ٢ - هنريق (٤٧٧ - ٨٤): انتصب مكان أبيه. ولكن لم يخلفه في تدبيره ودهائه. فقد كان ضعيف السياسة شديد القسوة سفاكا للدماء. ولم ينج من بطشه حتى أقاربه وحاشيته. ويكفي أن نسوق حكاية واحدة عن أسقف قرطاجنة الاريوي ذهب اليه ليعظه ويرقق قلبه. فجازاه بأن حرقه أمام الناس؟ ولسوء سياسته انسلخ عنه أكثر الجهات. وانحصرت دولته في السواحل وبعض دواخل الوطن. ٣ - غندامند (٤٨٤ - ٩٦): هو ابن جنصون. انتصب مكان عمه. ووجد الدولة في خطر من جراء سياسة عمه. فحاول ان ينهض بها، ويكبح جماح الثوار. فلم يأت بشيء. وكان كسلفه مشتدا على الارثذوكس. فأدرك ما في ذلك منن ضرر بالسياسة، ورجع عن شدته، وأعاد المنفيين منهم، ورجع اليهم أملاكهم. ٤ - تراسمند (٤٩٦ - ٥٢٣): انتصب مكان أخيه. واشتد على الارثذوكس. وحسن علائقه مع القوط. وتزوج بأخت ملكهم. ٥ - هلدريق (٥٢٣ - ٣١): هو ابن هنريق. انتصب مكان ابن

стр. 336

عمه. وكان حييا محبا للسلم. وخالف سياسة اسلافه: فرفع الاضطهادات عن الارثذوكس، وأعلن بدخول دولته تحت سيادة يستنيان امبراطور القسطنطينية، وصار يرسم على نقوده صورة هذا الامبراطور، وقطع علائقه مع القوط بقتل أخت ملكهم زوجة تراسمند لانها سعت في تدبير ثورة ضده. ولم يرتض الوندال سياسته هاته، فثاروا عليه، وأودعوه السجن، فلم يزل به حتى قتل سنة (٣٣). ٦ - جلمير (٥٣١ - ٥٣٤): هو حفيد جنصون. كان في دولة هلدريق رئيسا للجنود ومكلفا بحرب بربر الغرب. وله تأثير على الجنود. فكانوا يحبونه. ولما رأى انحراف الوندال عن ملكهم داخل جنوده في الثورة عليه. فأجابوه بالامتثال. فثار عليه، وأودعه السجن، وانتصب مكانه. بلغ خبر هذه الثورة يستنيان، فامتعض لها. وارسل الى جلمير: ان سرح هلدريق، واعد له كرسيه. فكان جواب هذه الرسالة التشديد على هلدريق حتى لا يعد جلمير مثله خاضعا ليستنيان. ولما رأى الامبراطور اصرار جلمير على سياسته ارسل اليه ثانية: ليسرح هلدريق، وليأذن له في الالتحاق به. وان لم يفعل فالحرب. فأجابه جلمير عن هذه الرسالة بقوله: "اني لم أتول الملك بالقهر .. وهلدريق كان صاحب دسائس في الاسرة. وحنق الوندال كلهم عليه هو الذي أسقطه. فبقي الكرسي شاغرا فجلست عليه بوجه شرعي، لاني أكبر الاسرة". وقال جوابا عن تهدده له بالحرب: "الملك الحكيم هو الذي يشتغل بحكومته. ولا يمد طرفه الى ما هو خارج حدودها. ولا يتداخل في شؤون الدول الاخرى. وإذا أردت قطع ما بيننا من المعاهدات فاني معذور في مقابلتك بالمثل".

стр. 337

كان هذا الجواب قاطعا لآمال يستنيان في أن يفيد صديقه هلدريق بالمكاتبة. ولم يبق له الا الاعراض عنه أو الحرب. وهي أنسب بعظمته. فتجهز لحرب الوندال بأفريقية. وانتهت الحرب بخضوع جلمير الى قائد الروم البيزنطيين. فذهب به هذا القائد الى القسطنطينية. ومنحه يستنيان أرضا بالاناضول قضى بها بقية حياته. ٨ - اعمال الوندال الوندال أمة حربية متعصبة لمذهبها. فلم يشتغلوا بأفريقية الا بالغزوات البحرية، والاضطهادات للارثذوكس. ولم يفيدوا الوطن لا بعلم ولا بصناعة. بل كانوا سببا في نقص عمرانه وعلة لخرابه ومادة لاذكاء نار الثورات به. جنسريق مؤسس دولتهم والمعدود من أمهر السياسيين أمر بنسف عمران أقسام موريطانيا وافساد سبلها عندما بلغه ان مجريان جمع جموعه بقرطجنة، وقاصد لحربه على طريق المغرب. وكان مشتدا على الارثذوكس، حتى انه سنة (٣٧) طلب منهم الدخول في مذهب أريوس. وأغلق كنائس من لم يلبوا طلبه منهم ونفاهم. وهنريق جمع في سنة (٨٣) أساقفة وقسوسا وشمامسة من الارثذوكس، بلغ عددهم ٤٩٧٦ وحشرهم في شق بنارية، وسيقوا من هنالك الى مجزرة الصحراء. وطلب اليه بعض أساقفة الارثذوكس انهاء اضطهادهم بعقد مجمع في أفريقية، يستدعى اليه كل من له رتبة في الكنيسة من جميع أنحاء العالم. فأجابه بقوله: "أني أحب ذلك. لكن بشرط أن تضع العالم كله تحت سيطرتي". وغندامد اشتد أيضا على الارثذوكس أولا. وفي سنة (٨٧) عفا عنهم.

стр. 338

وتراسمند جرى على سياسة سلفه في العفو عنهم. ولكنه كان يستميلهم الى مذهبه بمنافع يمنحهم اياها. ولم يساعدهم على نظام كنيستهم، ونفى من الاساقفة من لم يخضعوا لاوامره. وهلدريق أوصاه سلفه بالرفق بالارثذوكس. فجرى على وصيته. وفي سنة (٥٢٤) عقد مجمعا بقرطاجنة رجاء ايجاد سبل للمفاهمة والموافقة والموافقة بين المذهبين. فانفصل المجمع على استحالة توافقهما. والخلاصة أن أعمال الوندال كانت منحصرة في تخريب حصون الرومان، وامتلاك ما كانوا اخذوه عن البربر من الاراضي بجميع الشمال الأفريقي، واضطهاد الارثذوكس الروماني النزعة بنفي أساقفتهم واغلاق كنائسهم وانتزاع أملاكهم. وقد ساموهم سوء العذاب: يحرقون رجالهم ونساءهم بالنار، أو يمثلون بهم بقطع الاعضاء أو الضرب بالسياط. وتاريخهم حافل بتفاصيل وقائع الاضطهادات واعمال التخريب. ولكن لا تخلو تلك الاحاديث من المبالغات. على ان اجمال ذلك أنسب بنا من بيانه، لكون أكثره خارجا عن موضوع تاريخنا، وأغلب مسيحيي الجزائر كانوا دونويين فنجوا من تلك الاضطهادات، بل كانوا شركاء الوندال في التعدي على الارثذوكس وادالهم الله منهم. ٩ - ثورات البربر قد علمت انه لم يكن للوندال بالوطن الجزائري غير مراكز عسكرية قليلة وأراض دولية الفلاحون بها من البربر. فكان عدد الوندال به قليلا، وسلطتهم على أهله ضعيفة. وإذا كان الرومان على قوتهم الحربية والاستعمارية وطول أمدهم لم يقطعوا ثورات البربر

стр. 339

فان الوندال أعجز من أن يغمدوا سيوف أولئك الابطال الا في جسد سلطتهم. كان جنسريق يحملهم على الهدوء بعاملي الترغيب والترهيب. فقد كان معينا بالجندية التي يخشون بطشها، وكان يشركهم مع جنوده في غزواته وغنائهما، حتى في فتح رومة وما عاد به منها من النفائس. وبهذه السياسة شغلهم عن تدبير الثورات، ورغبهم في السلم. فكانت افريقية الشمالية على عهده في راحة من الثورات لم تعرفها في غير عصره. ووجد البربر اذ ذاك الفرصة لاسترجاع قوتهم الحربية، لكنهم لم يستعملوها ضده ولم يهملوها بعد وفاته. جاء بعده هنريق الذي لم يكن كأبيه، فلم يعامله البربر مثله. وثاروا عليه سنة (٨٣) بعد جمع الارثذوكس بشق نارية وتشريدهم في الصحراء. امتدت الثورة من جبل راشد وجبال أوراس وجرجرة وما بينهما الى طرابلس. وهجم الثوار على الجهات الشمالية. قال مرسيي: كان هؤلاء الثوار منضمين من عهد جنسريق. وانضم اليهم ضباط من الارثذوكس الممتحنين. وقد دافعهم هنريق. فعجز عن اخماد ثورتهم. وانحصرت مملكة الوندال في السواحل وبعض الجهات الداخلية. وجاء غندامند فلم يستطع ان يقف حرية البربر. وتقدم الجيتوليون على عهده الى ناحية قفتة. وفي عمر تراسمند تقدم البربر في لم شعثهم واستعدادهم للثورة. وفي عصر هلدريق انتصر البربر على قائده أومير، وأخذوا بذلك حريتهم. وكانت محاولات الوندال لاخضاعهم تذهب هباء. كانت ثورات البربر ناشئة عن سوء سياسة خلفاء جنسريق لانهم

стр. 340

أهملوا الجندية وفرطوا في الاسطول. فلم ير البربر تلك القوة التي كانوا يخشونها، ولم يجدوا تلك الغنائم التي كانوا يجرونها. وقرب نجاح تلك الثورات أن الوندال كانوا خربوا أسوار المدن خوفا من أن يتحصن بها الرومان. فلم يجد الثوار حاجزا يقف سير ثورتهم. في عهد خلفاء جنسريق استولى البربر على أكثر تراب الموريطانيتين. ونزل بربر أوراس الى سهول نوميديا. وخربوا بها المدن الزاهرة التي كانت تحت حماية الفرقة الثالثة الاوغسطية. وهي: تفيست، باغاية، تمغادي، لمبس. وبلغوا قريبا من قسنطينة. قال اغسال: "حقا ان البربر أنفسهم كانوا يكنسون الوندال. لولا ان الاغريق هم الذين تحملوا بهذه الخدمة" (١). ١٠ - انتهاء دولة الوندال في سنة (٥٣٣) قدم الروم البيزانطيون إلى افريقية لحرب جلمير. وفي شتنبر تلك السنة فتحوا قرطاجنة. وبقي جلمير خارجها يجمع الوندال والبربر ليعيد عليهم الحرب. وفي منتصف دجنبر آخر السنة عادت الحرب بين الفريقين وانتصر فيها الروم. ففر جلمير الى بعض الجبال متحصنا. وحماه البربر بمدينتهم ميدينس. فحاصرها الروم ثلاثة أشهر ولم يقووا على فتحها. واخيرا طلب جلمير الامان لنفسه من الروم. فأمنوه واستسلم لهم. وذلك سنة (٥٣٤) واستسلامه انتهت دولة الوندال التي تأسست بالجزائر سنة (٤٣٠) فكانت مدتها ١٠٤ ولم يضبط ابن خلدون ذلك. فقال: انها كانت نحوا من ثمانين سنة.

стр. 341

وبسقوط ملكهم ذهب من أفريقية كل شيء وندالي. قال مرسيي: " بعد ستة أشهر من مجيء البيزنطيين لم تبق أفريقية وندالية. الامر الذي يدل على ان استيلاءهم لم يتمكن منها. وذلك أنهم بعد ما فتحوها فتحا سريعا مدوا أعينهم الى جهات أخرى. فاشتغلوا بالفتح واطفاء الثورات. ولم يستعمروا الارض وينشروا المدنية. ولم يمتزجوا بالمعمرين من الرومان ولا اتخذوا روابط مع البربر. وبهذا ذهب أثرهم بأثر فقد ملكهم. أما رجالهم فقد ذهب أكثرهم في الحرب. وانتقل بعضهم مع جلمير الى المشرق ودخلوا تحت العلم البيزنطي. وانتقل آخرون الى جهات أخرى. وبقي منهم قليل بأفريقية. ولكن لم يكن لهذا الباقي تأثير بها. لانهم أمة حربية ذهب جندها وملكها. ولم يبق لهم بعد دولتهم الا ذكرهم السيء. وكل فتح لم يرتكز على الاستعمار يذهب أثره بذهاب دولته". وقال بيروني: "لا يوجد دليل على ان الوندال حكموا نوميديا كلها. إنما كان سلطانهم حقيقيا على الشواطيء الساحلية. وهو أشبه شيء باستيلاء الاسبان في القرن السادس عشر" وبعد ان ذكر كلاما نظير ما قدمنا عن مرسيي قال: " ويقول بعض المؤرخين: ان الوندال أخذوا شيئا من الحضارة الرومانية. وأعانوا الفلاحة. وجلبوا المياه. واخترعوا صناعة أسلحة. وهم أمة متعصبة للغتها وآدابها لا تسمح لها نفسها بتعلم اللغات الاجنبية وآدابها. ومع ذلك فان لجنسريق ابن أخ كان متضلعا في اللغة اللطينية وعلوم رومة. وشهد كثير من المؤرخين بأن تراسمند كان أعلم أهل أفريقية، وكان يحب المحاورة باللسان اللطيني في المسائل الإلهية والفلسفية مع رجال الكنيسة. وألف باللغة اللطينية كتابا يؤيد فيه مذهب أريوس، أظهر فيه بلاغة في الانشاء ومقدرة في المنطق. والوندال- وان كانوا أقل حضارة من الرومان- استفادوا من مماستهم، ونقلوا عنهم في أمد

стр. 342

قليل عوائد. وهذا مما يؤيد كفاءتهم وأهليتهم للفنون والادب. وقد نظم جلمير أيام حضارة قصائد بديعة. ولم يبق شيء مما كتبه الوندال حتى أن أسلحتهم ذهبت، ولم تعش بعد القرون الوسطى (١). ولم يبق من لغتهم الا بعض كلمات وأعلام شخصية. وهذا الفناء التام هو الذي جرأ من بعدهم على لعنهم وتشويه سمعتهم. ولا يعقل أن تدوم حكومة قرنا كاملا ولا غرض لها الا الهدم. بل لا بد ان تكون لها حسنات. ويظهر أنها هدمت أكثر مما شادت". هذا كلام بيروني نقلناه بطوله لانه اشتهر أن الأمة الوندالية أمة متوحشة هدامة للحضارات شأنها الغزو والسلب والنهب. فلكيلا يظن ان ذلك حقيقة تاريخية لا نزاع فيها نقلنا كلام المؤرخ مرسيي المؤيد لهذه النظرية ثم كلام البحاثة بيروني المناقض لها والمبين لسبب هذه السمعة السيئة. ونحن نميل الى الرأي الثاني لاعتداله وتدعيمه بالادلة المعقولة. بخلاف أصحاب الرأي الاول فقد بالغوا في ذم الوندال. وقد بين بيروني سبب اقدامهم على هذا التحامل بكون الوندال فنوا فناء تاما. أما سبب تحاملهم فلأن هذه الأمة كانت حاربت الملكة الغربية، وأسست دولتها على حسابها. ثم حاربت المملكة الشرقية احتفاظا بسلطانها فلم تفلح. فمحاربتها لهاتين المملكتين الشقيقتين ووقوع عصرها بين دوريهما سبب قوي لذلك التحامل. وسواء صح الرأي الاول أم الثاني فان بربر الجزائر لم يستفيدوا من الوندال لا علما ولا صناعة ولا أخلاقا ولا نظاما، لان سلطتهم

стр. 343

عليهم كانت على ضعفها غير شاملة لجميعهم. وقد رأيت أنهم كانوا في أيام جنسريق أيام شباب الدولة متهيئين للثورة. فلم يغب عن الوجود حتى أعلنوها. على أن البربر ليس غرضهم من تسهيل طرق الاستيلاء للوندال أن يفيدوهم في شيئ غير طرد الرومان. وقد نالوا هذا الغرض. وبزوال الضغط الروماني استطاعوا ان يجددوا قوتم الحربية ويستعيدوا حياتهم الاستقلالية. هذا ما قصدوه من استبدال الوندال بالرومان. وهذا ما استفادوه منهم وبلغوا منه غايتهم. حتى أنه - كما سبق- لو لم يعجل الروم البيزنطيون بقدومهم الى أفريقية لاستطاع البربر وحدهم ان يقضوا على الوندال ويستقلوا بوطنهه.

стр. 344

ـ[صورة]ـ شكل (٢٧) الجدار: القسم الاول عبارة عن سطح وغرفة مخصصة للعبادة.

стр. 345

ـ[صورة]ـ شكل (٢٨) - الجدار: الجبل الاخضر

стр. 346

الباب الثامن في ذكرى دولة الروم

стр. 347

١ - تمهيد تأسست الدولة الرومانية بايطاليا. تلك الجزيرة المتوسطة بين عالمي الشرق والغرب. فلما أخذت تعظم صارت تتوسع في هذين العالمين. وملكت فيهما من الاوطان ما صير رومة عاجزة عن القيام بادارتها. كان ذلك العجز ناشئا أولا عن كثرة المستعمرات، وثانيا عن محاولة بعض الامم المغلوبة للاستقلال، وثالثا عن هجمات أمم القوط وغيرهم، ورابعا عن تنافس عظماء الرومان على الرئاسة والاقتتال من أجلها. وقد حاول كثير من الاباطرة رفع ذلك العجز باشراك بعض قرابتهم أو عظماء قوادهم معهم في الحكم والادارة. وكان الامبراطور ديوقلطيانس قد أشرك معه مكسيمانس، واقتسما ادارة الامبراطورية، ثم أشرك معه غلاريوس وقسطنطيوس خلورس. فصارت الامبراطورية إلى أربعة أقسام. أحدها بلاد غاليا واسبانيا وابريطانيا. وكان على هذا القسم خلورس. ثم اعتزل الملك كل من ديوقلطيانس ومكسميانس. واتخذ غلاريوس معه شريكين، أحدهما مكسمينوس والآخر ليقينيوس. وفي خلورس. فقام مقامه ابنه قسطنطين. وثار بايطاليا على غلاريوس مكسنتيوس ابن مكسميانس.

стр. 348

وفي سنة (٣١١) توفي غلاريوس. واقتسم شريكاه مملكته. وتحالف مكسمينوس ومكسنتيوس، واتحد ليقينيوس وقسطنطين. ونشبت الحرب بين الفريقين. وانتهت بفوز قسطنطين وحليفه. فدخل رومة. وذلك سنة (٣١٢) واختص بالجهات الغربية، وأخذ حليفه الجهات الشرقية. ثم نشبت الحرب بين هذين الحليفين. فانتصر قسطنطين، وقتل حليفه بالامس وخصمه اليوم. وذلك سنة (٣٢٤). بعد هذا الانتصار أصبح قسطنطين الامبراطور الوحيد لجميع المملكة الرومانية. وفي سنة (٣٣٠) نقل مقر الحكومة الى الشرق. وجعل عاصمته بيزنطة. وبقيت المملكة الرومانية ذات وحدة، غير أن اعتيادها للانقسام واحداث عاصمة ثانية فيها فتحا لها بابا إلى الانقسام والانفصال. فلما أفضت الامبراطورية الى ثأودوسيوس قسم المملكة بين ولديه: ارقاديوس، جعله على العاصمة الشرقية، وهنوريوس، جعله على العاصمة الغربية. ثم توفي هو سنة (٣٩٥) فاستقل كل من الولدين بناحيته، وتم الانفصال بين العاصمتين. وأخذت الاولى في الصعود، والثانية في السقوط. هذه المملكة الشرقية هي التي يدعو العرب أهلها من الاغريق واللطين بالروم. ويطلقون اسم الرومان على أهل المملكة الغربية. بعد أن بلغ الروم قوة عظيمة صاروا يحاولون استرجاع كل الممالك التي خرجت عن رومة، ويرون لانفسهم الحق في تراثها. فاشتبكوا لذلك مع الوندال بافريقية، والقوط بالاندلس، وغيرهم. وكانت لذلك حروب ضررها بالبشرية غير يسير. وقد بلغ من عظمة الروم أن صارت لا يدانيها في العظمة غير دولة الفرس. وكانت بين هاتين الدولتين العظيمتين حروب ذات أهوال وخطوب.

стр. 349

وبقي الروم في عظمة سلطان الى أن ظهر الاسلام وجمع كلمة العرب ونظم قوتهم. فاخذوا يفتحون البلدان ويستولون على الاوطان. فانتزعوا من الروم غرو دولتهم من أوطان الشام ومصر وافريقية الشمالية. أمست دولة الروم بعد ان أخذ منها العرب زهرتها تذبل وتتدلى، حتى ظهر آل عثمان من الاتراك، وضايقوها فيما بقي لها، وصاروا يستولون على مدنها. وجاء محمد الفاتح منهم، فقضى على البقية الباقية منها بفتحه القسطنطينية سنة (٨٥٧هـ - ١٤٥٣م). ٢ - بيزنطة عرفت ان الغرب يطلقون اسم الروم على أهل المملكة الشرقية من اللطين والاغريق. والافرنج يطلقون على هؤلاء الروم اسم البيزنطيين. وذلك نسبة الى عاصمة دولتهم مدينة بيزنطة. وهي مدينة قديمة ذات موقع ممتاز لتوسطها بين قارتي آسيا وأووبا، ووقوعها على مضيق البوسفور الواصل بين البحر الاسود وبحر مرمرة المتصل بالبحر الابيض المتوسط. وقد ذكر ابن خلدون بيزنطة مرة باسم بوزنطية وأخرى بلفظ بيزنطية. وقال: انها بنيت في الثانية والخمسين من ملك منشا بن حزقياهو. وهاك عبارته: "وفي تاسعة وثلاثين من ملكه ملك سنجاريف الصغير مملكة الموصل. قاله ابن العميد. وفي الثانية والخمسين بنيت بوزنطية، بناها بورس الملك. وهي التي جددها قسطنطين، وسماها باسمه" (١).

стр. 350

وسنجاريف الصغير هذا هو ابن سنجاريف الذي دعاه ابن خلدون بهذا العلم. ويظهر من سياقة تاريخه انه المعروف عند غيره باسم سيناخريب (SENNACHERIB) والاختلاف قد يكون من أصل النقل. وقد يكون من تصحيف النساخ للخاء جيما وللباء فاء. وسياقة حديث سنجاريف الصغير تقتضي انه المعروف في غير ابن خلدون باسم اسرحدون. وهو قد تولى الملك سنة (٦٨١) ق. م فتكون هذه السنة في التاسعة والثلاثين من ملك منشا، والثانية والخمسون من ملكه توافق سنة (٦٨٨). فتكون بيزنطة أسست في هذه السنة. وبعد ان استولى الرومان على البلاد الاغريقية لم يتنبه أباطرتهم لاهمية موقع بيزنطة، حتى جاء قسطنطين، فتنبه لذلك، وانتقل اليها سنه (٣٣٠هـ). وكان انتقاله لها لغرضين: ديني وسياسي. أما الديني فلأنه تنصر، وكانت رومة لا يزال عظماؤها وثنيين. فهو لا يستطيع أن يؤيد ديانته بينهم. ويضر بنفوذه ان هو قام فيها بحماية المسيحية. فابتعد عنهم الى بيزنطة، واتخذها مهدا صالحا لنمو المسيحية. وأما الغرض السياسي فلأن الفرس كانوا يهددون دولته من ناحية الفرات، وأمم القوط يهددونها من ناحية الدانوب. فنزل تلك المدينة المتوسطة بين ذينك النهرين ليراقب حركات الاعداء ويرد غاراتهم. ولما انتقل اليها أخذ في تعميرها على مثال رومة، ونسبها اليه. فصارت تدعى القسطنطينية. ثم لما فتحها محمد الثاني من آل عثمان صارت تدعى اسلامبول. ومعنى ذلك مدينة الاسلام. وقد غير هذا العلم الى لفظ اصطنبول.

стр. 351

٣ - الروم في أفريقية كان يستنيان امبراطور القسطنطينية ينظر الى المملكة الغربية التي زال منها حكم الرومان نظر الوارث المستحق، ويتحين الفرص لاسترجاعها، وضمها إلى الامبراطورية الشرقية. فكان لذلك يتداخل في شؤون الوندال بأفريقية، وكان سروره عظيما يوم أعلن هلدريق سيادته بها، وكان كذلك استياء الوندال عظيما، أفضى الى اسقاط ملكهم واجلاس جلمير مكانه. وقد عجم يستنيان عود جلمير بالكتابة، فوجده صلبا. فاراد أن يهشمه بالكتيبة لا بالكتابة. كان يستنيان في حرب مع الفرس دام أمدها خمس سنوات. ولما أجابه جلمير ذلك الجواب اصطلح مع الفرس على أن يؤدي لهم غرامة مبلغها أحد عشر مليونا من الفرنك، وأخذ يتهيأ لحرب الوندال. اشترى يستنيان حرب الوندال بذلك الثمن. وانه لزهيد بالنظر لخيرات افريقية. ولكن وزراءه استصعبوا قبض متباعهم لبعده عن العاصمة وشجاعة حماته من الوندال. وكادوا يردونه عن عزمه. غير أن بعض أساقفة الارثذوكس الذين يودون انقاذ اخوانهم من الاضطهاد الوندالي شجعه على الغزو، وتنبأ له بالفوز والنصر. واتفق أن كانت طرابلس وصقلية ثائرتين على الوندال. وطلب رئيسا الثورة بهما اعانة هذا الامبراطور على أن يسهلا له طريق الاستيلاء على أفريقية. فزاد ذلك في نشاط يستنيان، ومضى على عزمه. وكان من رجال البلاط الامبراطوري رجل يدعى بليسير، له نفوذ بالجيش. فاختاره الامبراطور لقيادة حرب أفريقية. وفوض له في اختيار الضباط. وصدر له الامر بركوب البحر.

стр. 352

في صائفة سنة (٥٣٣) ركب بليسير البحر بجيش يشتمل على خمسة عشر الفا ثلثهم فرسان، في أسطول يتركب من خمسمائة سفينة. وركبت معه زوجه وكاتبه المؤرخ بروكوب. وحضر ركوبهم الامبراطور نفسه، وأحد الاساقفة، وزودهم بالدعاء. سار الاسطول الى أن أرسى بصقلية. فنزل الجيش للاستراحة والتزود والاستعلام عن أحوال الوندال. وذهب بروكوب الى سرقوسة ليأتي مخدومه بارشادات. فعاد اليه يحمل هذه البيانات: ١ - الجنود الوندالية بسردانيا تحارب عاملها الثائر. ٢ - جلمير نازل بالبيزاصين (جنوب تونس). ٣ - الوندال لا علم لهم بمجيء الجيش الرومي. بعدئذ ارتحل بليسير بجيشه، وأرسى بخليج قابس في يوليه. وأخذ يتنقل مع الساحل البحري، ففتح لبتيس وحضرموت. وارسل الى سراة الوندال باسم الامبراطور: اني لم آت محاربا للامة الوندالية. وانما جئت محاربا لشخص جلمير الذي اغتصب الملك من يد هلدريق! ولما علم جلمير بنزول الروم بأفريقية جمع جموعه لحربهم. وكانت بين الفريقين معارك لم تفل من عزم جلمير وان كان وقعها عليه شديدا. وأخيرا ذهب الى جبل بابوة (PAPPUA) (١) فتلقاه أهله البربر بالترحاب، وادخلوه مدينتهم ميدينس (MIDENOS). نزل بهذه المدينة طمعا في أن يجد سبيلا في الذهاب الى الاندلس. وارسل إلى ملك القوط بهاثوديس ليوجه له مراكب. فلباه. ولكن القدر أبى على جلمير الا أن يقع بيد أعدائه. فحوصر بتلك المدينة ثلاثة أشهر. ولما أيس من اللحاق بالاندلس طلب من

стр. 353

بليسير الامان. فامنه. وسلم نفسه اليه. فذهب به الى القسطنطينية. وذلك سنة (٥٣٤). ٤ - الروم بالجزائر بعد فرار جلمير الى جبل بابوة توجه بليسير الى بونة فاحتلها. وبعث بمن فيها من الوندال الى قرطاجنة. ثم وجه جندا عن طريق البحر الى قيصرية. فاستولى عليها. وبلغ ذلك الجند سبتة ففتحها أيضا. وأصدر يستنيان أمرا يقول فيه: "لا بد أن ندافع عن الخاضعين الينا، ونصل بحدودنا الى حيث وصلت الجمهورية الرومانية" ولكنه حلم لذيذ جعلته يقظة البربر من أضغاث الاحلام، وأمل حال دون تحقيقه تمسك البربر باستقلالهم وقدرتهم على حماية أنفسهم. جد الروم في الاستيلاء على الجزائر. ولكن لم يكن لهم في أول الامر غير السيادة الاسمية في جهات قسنطينة وسهول سبيوس وأعالي مجردة. ولحفظ تلك السيادة جعلوا على هذا القسم خطا من الحصون، أهم مراكزه قسنطينة وقالمة. وفي سنة (٥٣٩) فتحوا أوراس الحضنة ووطن سطيف. ولكن لم تثبت قدمهم بأوراس. فاكتفوا باتخاذ حصون قوية شماله. وذهب خط الحدود من هذا الشمال مغربا فمر بضبنة وزابي، ثم انحنى شمالا مشتملا على سطيف. وبقية الوطن الجزائري لم يحتل منه الروم غير بعض المراسي. منها رسقوناي وتبازا وقيصرية وقرطنة. ولم يبلغوا هذه المراسي الا من طريق البحر. وقد ضيق البربر عليهم فيها تضييقا شديدا. فعاشوا بها عيشة بؤس. وأحاطوها بأسوار لم تزل آثارها حتى

стр. 354

اليوم. وهي تدل على نقصان مساحتها بالنسبة لما كانت عليه عصر الرومان. وقد قسم الروم جزائرهم الى قسمين: نوميديا، وهي الجهات الشرقية من الوطن الجزائري، ومورطانية الثانية، وهي تلك المراسي التي ليس لهم حولها أي سلطة. وجعلوا لكل من القسمين رئسا. وبعد مدة أضيفت موريطانيا الى عمالة سطيف. وقد سلك يستنيان سبيل الرومان. فأسكن الجنود على خط الحدود ومنحهم الاراضي لاستعمارها. وقد علم ان هذا وحده غير كاف لحفظ ما استولى عليه جيشه. فاستمال بعض رؤساء القبائل بأن جعل لهم أرزاقا سنوية، ومنحهم القابا شرفية، وأنعم عليهم بالاوسمة. واحتاط لبقائهم في خدمته بأن أغرى بينهم العداوة والبغضاء.: وغمرهم بتأثيرات رؤساء الدين. وأخذ من قبائلهم رجالا رهائن. وجعلهم تحت اشراف قواده من الروم، فمن رأوا منه انحرافا عن الطاعة قطعوا عنه كل ما كان يناله من دولتهم. قال اغسال: "ومع هذا كله لم يكن السلم مستمرا. فكثيرا ما اجتاز البربر الحصون الرومية. وعاثوا في البوادي فسادا. واتقاء من هذه الغارات اتخذ المعمرون حصونا ممتنعه بباديتهم". ٥ - أمراء البربر في العصر الرومي قد علمت ما استولى عليه الروم من وطن الجزائر وأنه أقل بكثير مما بقي بأيد البربر غير محتل. وتوجد خارج تلك الحدود امارات عظمى للبربر، منها امارة قرب تيهرت. تركت آثارا تدل على عظمتها، منها ثلاثة عشر هرما يسميها العرب اليوم الجدار، يبلغ ارتفاع أكبرها أكثر من تسعين ذراعا. وهي قبور لبعض الأسر البربرية.

стр. 355

من أمراء البربر في هذا العصر مصيناس. كان على موريطانيا. ويلقب نفسه: "ملك القبائل الموريطانية والرومان" والمراد من الرومان الباقون بموريطانيا بعد ذهاب سلطتهم من أفريقية. وهذا اللقب يدل على عظمة صاحبه حيث ان الرومان خاضعون له واخوانهم من الروم بجوارهم، اذ لو وجدوا سبيلا للشغب عليه والاحتماء بالروم لفعلوا جادين. ومنهم أرثياس. كان على غربي أوراس الى الحضنة. ومنهم بيداس. كان على جبل أوراس. ومنهم قطزيناس. كان على شرقي أوراس. هؤلاء الامراء كانوا مستقلين بنواحيهم. ووحدوا القبائل التي تحت سلطانهم وردوا لها قوتها الحربية لما ضعفت السلطة الوندالية. واسترجع البربر على عهدهم كثيرا من الاراضي التي كان الرومان استولوا عليها. وصار شعارهم: "أرض البربر للبربر". قال مرسيي: وقد وصف تجديد الوطنية البربرية لكروا (LA CROIX) وهو كاتب بليغ. فقال: "الرومان ذلك الجنس القوي الحاذق العظيم في التمدن وقوة الفتوح، لم يكن في وقت من الاوقات امتزج بالبربر امتزاجا حقيقيا. بربر السهول والمدن وما قاربها اختلطوا حقيقة بالرومان. ولكن بربر الصحراء والجبال لم يبلغ شيء من تأثيرات الرومان اليهم. بعد سبعة قرون من ابتداء تسلط الرومان على أفريقية وجدت الجنس البربري كما كان قبل ذلك التسلط. ثوار القرن السادس الذين حاربهم البيزنطيون في أوراس وايدوغ والبيزاصين كانوا مماثلين لاسلافهم الذين مر عليهم ستة قرون، وحاربوا الرومان تحت يوغورطة: طبائع متحدة وأعمال متماثلة وكراهية واحدة للاجنبي ومحبة واحدة للحرية وصفة واحدة في الحرب .. هذه
следующие страницы →