٣ - الروم في أفريقية
كان يستنيان امبراطور القسطنطينية ينظر الى المملكة الغربية التي زال منها حكم الرومان نظر الوارث المستحق، ويتحين الفرص لاسترجاعها، وضمها إلى الامبراطورية الشرقية. فكان لذلك يتداخل في شؤون الوندال بأفريقية، وكان سروره عظيما يوم أعلن هلدريق سيادته بها، وكان كذلك استياء الوندال عظيما، أفضى الى اسقاط ملكهم واجلاس جلمير مكانه. وقد عجم يستنيان عود جلمير بالكتابة، فوجده صلبا. فاراد أن يهشمه بالكتيبة لا بالكتابة.
كان يستنيان في حرب مع الفرس دام أمدها خمس سنوات. ولما أجابه جلمير ذلك الجواب اصطلح مع الفرس على أن يؤدي لهم غرامة مبلغها أحد عشر مليونا من الفرنك، وأخذ يتهيأ لحرب الوندال.
اشترى يستنيان حرب الوندال بذلك الثمن. وانه لزهيد بالنظر لخيرات افريقية. ولكن وزراءه استصعبوا قبض متباعهم لبعده عن العاصمة وشجاعة حماته من الوندال. وكادوا يردونه عن عزمه. غير أن بعض أساقفة الارثذوكس الذين يودون انقاذ اخوانهم من الاضطهاد الوندالي شجعه على الغزو، وتنبأ له بالفوز والنصر. واتفق أن كانت طرابلس وصقلية ثائرتين على الوندال. وطلب رئيسا الثورة بهما اعانة هذا الامبراطور على أن يسهلا له طريق الاستيلاء على أفريقية. فزاد ذلك في نشاط يستنيان، ومضى على عزمه.
وكان من رجال البلاط الامبراطوري رجل يدعى بليسير، له نفوذ بالجيش. فاختاره الامبراطور لقيادة حرب أفريقية. وفوض له في اختيار الضباط. وصدر له الامر بركوب البحر.
стр. 352
في صائفة سنة (٥٣٣) ركب بليسير البحر بجيش يشتمل على خمسة عشر الفا ثلثهم فرسان، في أسطول يتركب من خمسمائة سفينة. وركبت معه زوجه وكاتبه المؤرخ بروكوب. وحضر ركوبهم الامبراطور نفسه، وأحد الاساقفة، وزودهم بالدعاء.
سار الاسطول الى أن أرسى بصقلية. فنزل الجيش للاستراحة والتزود والاستعلام عن أحوال الوندال. وذهب بروكوب الى سرقوسة ليأتي مخدومه بارشادات. فعاد اليه يحمل هذه البيانات:
١ - الجنود الوندالية بسردانيا تحارب عاملها الثائر.
٢ - جلمير نازل بالبيزاصين (جنوب تونس).
٣ - الوندال لا علم لهم بمجيء الجيش الرومي.
بعدئذ ارتحل بليسير بجيشه، وأرسى بخليج قابس في يوليه.
وأخذ يتنقل مع الساحل البحري، ففتح لبتيس وحضرموت. وارسل الى سراة الوندال باسم الامبراطور: اني لم آت محاربا للامة الوندالية. وانما جئت محاربا لشخص جلمير الذي اغتصب الملك من يد هلدريق!
ولما علم جلمير بنزول الروم بأفريقية جمع جموعه لحربهم. وكانت بين الفريقين معارك لم تفل من عزم جلمير وان كان وقعها عليه شديدا. وأخيرا ذهب الى جبل بابوة (PAPPUA) (١) فتلقاه أهله البربر بالترحاب، وادخلوه مدينتهم ميدينس (MIDENOS).
نزل بهذه المدينة طمعا في أن يجد سبيلا في الذهاب الى الاندلس. وارسل إلى ملك القوط بهاثوديس ليوجه له مراكب. فلباه. ولكن القدر أبى على جلمير الا أن يقع بيد أعدائه. فحوصر بتلك المدينة ثلاثة أشهر. ولما أيس من اللحاق بالاندلس طلب من
стр. 353
بليسير الامان. فامنه. وسلم نفسه اليه. فذهب به الى القسطنطينية. وذلك سنة (٥٣٤).
٤ - الروم بالجزائر
بعد فرار جلمير الى جبل بابوة توجه بليسير الى بونة فاحتلها. وبعث بمن فيها من الوندال الى قرطاجنة. ثم وجه جندا عن طريق البحر الى قيصرية. فاستولى عليها. وبلغ ذلك الجند سبتة ففتحها أيضا. وأصدر يستنيان أمرا يقول فيه: "لا بد أن ندافع عن الخاضعين الينا، ونصل بحدودنا الى حيث وصلت الجمهورية الرومانية" ولكنه حلم لذيذ جعلته يقظة البربر من أضغاث الاحلام، وأمل حال دون تحقيقه تمسك البربر باستقلالهم وقدرتهم على حماية أنفسهم.
جد الروم في الاستيلاء على الجزائر. ولكن لم يكن لهم في أول الامر غير السيادة الاسمية في جهات قسنطينة وسهول سبيوس وأعالي مجردة. ولحفظ تلك السيادة جعلوا على هذا القسم خطا من الحصون، أهم مراكزه قسنطينة وقالمة.
وفي سنة (٥٣٩) فتحوا أوراس الحضنة ووطن سطيف. ولكن لم تثبت قدمهم بأوراس. فاكتفوا باتخاذ حصون قوية شماله. وذهب خط الحدود من هذا الشمال مغربا فمر بضبنة وزابي، ثم انحنى شمالا مشتملا على سطيف.
وبقية الوطن الجزائري لم يحتل منه الروم غير بعض المراسي. منها رسقوناي وتبازا وقيصرية وقرطنة. ولم يبلغوا هذه المراسي الا من طريق البحر. وقد ضيق البربر عليهم فيها تضييقا شديدا. فعاشوا بها عيشة بؤس. وأحاطوها بأسوار لم تزل آثارها حتى
стр. 354
اليوم. وهي تدل على نقصان مساحتها بالنسبة لما كانت عليه عصر الرومان.
وقد قسم الروم جزائرهم الى قسمين: نوميديا، وهي الجهات الشرقية من الوطن الجزائري، ومورطانية الثانية، وهي تلك المراسي التي ليس لهم حولها أي سلطة. وجعلوا لكل من القسمين رئسا. وبعد مدة أضيفت موريطانيا الى عمالة سطيف.
وقد سلك يستنيان سبيل الرومان. فأسكن الجنود على خط الحدود ومنحهم الاراضي لاستعمارها. وقد علم ان هذا وحده غير كاف لحفظ ما استولى عليه جيشه. فاستمال بعض رؤساء القبائل بأن جعل لهم أرزاقا سنوية، ومنحهم القابا شرفية، وأنعم عليهم بالاوسمة. واحتاط لبقائهم في خدمته بأن أغرى بينهم العداوة والبغضاء.: وغمرهم بتأثيرات رؤساء الدين. وأخذ من قبائلهم رجالا رهائن. وجعلهم تحت اشراف قواده من الروم، فمن رأوا منه انحرافا عن الطاعة قطعوا عنه كل ما كان يناله من دولتهم.
قال اغسال: "ومع هذا كله لم يكن السلم مستمرا. فكثيرا ما اجتاز البربر الحصون الرومية. وعاثوا في البوادي فسادا. واتقاء من هذه الغارات اتخذ المعمرون حصونا ممتنعه بباديتهم".
٥ - أمراء البربر في العصر الرومي
قد علمت ما استولى عليه الروم من وطن الجزائر وأنه أقل بكثير مما بقي بأيد البربر غير محتل. وتوجد خارج تلك الحدود امارات عظمى للبربر، منها امارة قرب تيهرت. تركت آثارا تدل على عظمتها، منها ثلاثة عشر هرما يسميها العرب اليوم الجدار، يبلغ ارتفاع أكبرها أكثر من تسعين ذراعا. وهي قبور لبعض الأسر البربرية.
стр. 355
من أمراء البربر في هذا العصر مصيناس. كان على موريطانيا. ويلقب نفسه: "ملك القبائل الموريطانية والرومان" والمراد من الرومان الباقون بموريطانيا بعد ذهاب سلطتهم من أفريقية. وهذا اللقب يدل على عظمة صاحبه حيث ان الرومان خاضعون له واخوانهم من الروم بجوارهم، اذ لو وجدوا سبيلا للشغب عليه والاحتماء بالروم لفعلوا جادين.
ومنهم أرثياس. كان على غربي أوراس الى الحضنة.
ومنهم بيداس. كان على جبل أوراس.
ومنهم قطزيناس. كان على شرقي أوراس.
هؤلاء الامراء كانوا مستقلين بنواحيهم. ووحدوا القبائل التي تحت سلطانهم وردوا لها قوتها الحربية لما ضعفت السلطة الوندالية. واسترجع البربر على عهدهم كثيرا من الاراضي التي كان الرومان استولوا عليها. وصار شعارهم: "أرض البربر للبربر".
قال مرسيي: وقد وصف تجديد الوطنية البربرية لكروا (LA CROIX) وهو كاتب بليغ. فقال: "الرومان ذلك الجنس القوي الحاذق العظيم في التمدن وقوة الفتوح، لم يكن في وقت من الاوقات امتزج بالبربر امتزاجا حقيقيا. بربر السهول والمدن وما قاربها اختلطوا حقيقة بالرومان. ولكن بربر الصحراء والجبال لم يبلغ شيء من تأثيرات الرومان اليهم. بعد سبعة قرون من ابتداء تسلط الرومان على أفريقية وجدت الجنس البربري كما كان قبل ذلك التسلط. ثوار القرن السادس الذين حاربهم البيزنطيون في أوراس وايدوغ والبيزاصين كانوا مماثلين لاسلافهم الذين مر عليهم ستة قرون، وحاربوا الرومان تحت يوغورطة: طبائع متحدة وأعمال متماثلة وكراهية واحدة للاجنبي ومحبة واحدة للحرية وصفة واحدة في الحرب .. هذه
стр. 356
الامة لم تتبدل عن حالها الاولى، ولا يخرق سياج طبائعها أي أثر خارجي .. العدد الكثير الذي حارب يستنيان بعد ذهاب الوندال، واستحالة استيلاء البيزنطيين على ملك أسلافهم الرومان، يدلان على أن أكثر البربر لا يمكن نفوذ شيء الى طباعهم" (١).
أجاد الكاتب حقا في وصف الوطنية البربرية، ولكنه أخطأ في جعله وطنيتهم قد منعتهم من نفوذ شيء الى طباعهم. فان تاريخهم ما تقدم منه وما يأتي يدل على أنهم يقبلون الرقي والحضارة لكن إذا لم يصحبهما صغار.
٦ - حروب الروم والبربر
بعد ذهاب بليسير بجلمير الى القسطنطينية بقي على رئاسة أفريقية الرومية سليمان الخصي. وما كاد بليسير يركب البحر حتى أسرع البربر الى الثورة. فحاربوا الروم. واستولوا على جميع مراكز الجند الرومي بدواخل الوطن.
قطزيناس تقدم الى البيزاصين. وسرح له سليمان الجنود فحاصرهم بكهف هنالك. واستأصلهم. ثم خرج سليمان نفسه سنة (٣٥) فهزم قطزيناس. وعاد الى قرطاجنة. فعاد البربر الى الثورة وخرج اليهم ثانية. فوجدهم متحصنين بجبل بورغؤن (المظنون أنه جبل بوغانم) فأخرجهم من حصنهم وهزمهم.
وفي هذا الحين كان بيداس ومصيناس يجولان بنوميديا وينهبانها بجموعها. والتحق ببيداس بعض البربر المنهنرمين بالبيزاصين مستصرخين به. وأصبح موقف سليمان في أحرج ما يكون. ولكن
стр. 357
طبيعة البربر في الانقسام وتخاذل الرؤساء نفست عليه قليلا اذ تطوع بعضهم لسليمان بالدلالة على طرق الوطن لتتبع بيداس. فخرج سليمان يطلبه حتى بلغ جبل اصبيديس (جبل شلية) ولكنه لم يظفر به ولم يبصره. وكان وقت الشتاء قريبا والمؤونة غير كافية للاقامة. فعاد الى قرطاجنة.
دخلت سنة (٣٦) وخرج فصل الشتاء. فتجهز سليمان في فصل الربيع لحرب بيداس. ولكن جنوده كانت قليلة الانقياد. فلما شق عليها تتبع هذا الامير في جباله شقت عصا الطاعة في وجه سليمان وعزمت على قتله، فما وسعه الا النجاة بنفسه. فأغذ السير الى قرطاجنة. ومنها ذهب الى صقلية- وبها بليسير - فأعمله بما جرى. فركب بليسير البحر الى قرطاجنة لاخضاع الجنود. وثارت بعده جنوده هنالك، فعاد سريعا الى صقلية. وبقيت افريقية الرومية بعده في فوضى عامة.
كانت تلك الجنود الثائرة بأفريقية متحدة تحت رئيس يدعى ستوزاس. وارسل يستنيان جرمان واليا. فحارب ستوزاس. وبينما هو فار أمامه الى ناحية بها بيداس وأرثياس طمعا في نصرتهما إذا بهذين الاميرين قد نزلا على جنوده واستأصلاها. ففر إلى موريطانيا. وكانت هذه المعركة بمكان يدعى "سلاص فاتاري" قال مرسيي: وهو اما نواحي تيفاش واما جنوب قسنطينة.
وفي سنة (٣٩) عزل جرمان وعين مكانه سليمان الخصي. فجعل حرب أوراس نصب عينيه. وكان على بربر البيزاصين أمير منهم يدعى اتتلاس. فاستماله سليمان وجعل له عطاء سنويا. وفي ربيع سنة (٤٠) أرسل أحد ضباطه لفتح أوراس. وخرج هو بأثره. ولما بصر هذا الضابط بالعدو لم يقف لحظة عن الفرار الى باغاية. فادركه البربر.
стр. 358
وحاصروه بما. وأرسلوا عليها الماء كي يغرق من بها. ولكن سليمان أدرك ضابطه ففك عنه الحصار.
بعد ذلك تتبع سليمان البربر في جبال أوراس طامعا في ادراك بيداس. وكان هذا الامير ذهب الى مدينة زربولة. فلحقه سليمان. وحاصره بها. واستطاع بيداس ان ينفلت من الحصار فذهب الى مدينة ثمار. وتحصن بها. وكانت ممتنعة. فحاصرها سليمان مدة حتى فتحها. وجرح بيداس في دفاعه عنها. ونجا الى موريطانيا.
بانتقال بيداس من أوراس استطاع الروم أن يجوسوا خلاله. وغنموا أموالا طائلة لاميره. ثم ذهب سليمان الى بلاد الزاب يخضع البربر لدولته. وبلغ المسيلة. وكانت تدعى زابي. فجددها. وسماها يستنيانة تخليدا لذكر امبراطوره.
وبعد جولته عاد الى قرطاجنة. وقدر له الهلاك على يد حليفة انتلاس. فقتل على ايدي جنود هذا الامير بنواحي تبسة سنة (٤٥).
بعد هلاك سليمان جاء ولاة ضعفاء عن حماية ما تحت أيديهم من البربر. فكانت مدتهم حروبا بينهم وبين ملوك البربر المتحدين تارة والمتخاذلين أخرى. وقام البربر بعدة غارات على روم نوميديا وغيرها.
وفي سنة (٤٦) جاء يوحنا طرغلطا واليا على أفريقيا. وجعل حرب انتلاس أهم أعماله. واستعان عليه بقطزيناس وبيداس وافسدياس (هو أحد أمراء البربر بنواحي أوراس) فأعانوه. كما كان سليمان استعان بانتلاس على بيداس. وبعد ما اشتدت الحرب بين انتلاس وطرغليطا انجلت بخضوع الامير البربري سنة (٤٨).
عد الروم هذا الفوز انتصارا باهرا. ولكنهم لم ينصروا على البربر الا بالبربر. وهم يعدون البربر كلهم أعداء لهم سواء المحارب
стр. 359
والمحالف. ولذلك قتلوا الامير قطزيناس غدرا سنة (٦٣) رغم كونه حليفا لهم. وقام أبناؤه مطالبين بدمه، ورفعوا لواء الحرب على الروم.
استمرت غارات البربر على الروم. وعجز الولاة عن ايقافها عند حد. حتى جاء جناديوس. فحاربهم وافتك منهم بعض ما كان استولوا عليه من الاراضي. ولكنهم لم يزالوا في غاراتهم حتى انهم سنة (٩٧) بلغوا أبواب قرطاجنة وحاصروها.
والخلاصة ان تاريخ الروم. بأفريقية كله حروب. أكثرها للبربر.
أما علة كثرة الحروب فهي تشبع البربر من مبدأ الاستقلال، وطمع الروم في ارث الرومان من غير نظر الى الظروف، وجور ولاتهم فيما تحت نفوذهم. واما سبب نجاح البربر في الاكثر فذلك لضيق نطاق التراب الرومي، وعجز كثير من الولاة في السياسة والحرب، وتمرد الجنود على قوادها.
٧ - البناءات والاستحكامات الرومية بالجزائر
قد رأيت ضيق نطاق ما استولى عليه الروم من الجزائر وعجز ولاتهم امام تعدد غارات البربر. وذلك مما يحرج موقف الروم ويجعل حياتهم في خطر. فأنشأوا لاتقائه الاسوار الحصينة خلف المدن، وبني الفلاحون بباديتهم الحصون المنيعة، وشيدت حصون على خطوط الحدود والطرق التي يمكن ان يفضى البربر منها الى التراب الرومي. وقام بتلك البناءات والاستحكامات بجلها سليمان الخصي، وببعضها معمرو الروم انفسهم.
ومن المدن الكبرى التي أحيطت بالاسوار قرطنة وقيصرية وسطيف وميلة وتمغاد وقصر الصبيحي وقالمة ومدوروش وتبسة.
стр. 360
ومنها ما لم يزل سوره قائما حتى اليوم. ويبلغ ارتفاع بعض الاسوار عشرين ذراعا وعرضه ست أذرع.
وقد أخذ الروم مواد الاسوار والحصون مما وجدوه من رخام وحجارة منحوتة وغيرها من بقايا مدن الرومان التي ضربها الوندال أو البربر. وإذا كان الوندال والبربر قد خربوا مدن الاحياء فان الروم لم يقفوا في تحصين مركزهم عند أخذ مواد المدن الخربة بل تعدوها الى نبش القبور وتخريب مدن الموتى لاخذ ما فيها من مواد صالحة للبناء.
وللروم من البناءات سوى الاسوار والحصون تشييد الكنائس. وليس لهم من البناءات العمومية غيرها. قال اغسال: "وهي مبنية بمواد مختلفة ومزينة بلا ذوق ولا فن".
وقد حافظ الروم- علاوة على ما أنشأوه- على ما بقي من آثار الرومان لم ينله الخراب. ورمموا منه ما وجدوه منثلما. وكل ذلك إنما قاموا به لحفط راحتهم. ولكن لم ينالوا بغيتهم، ولم تصد استحكاماتهم البربر عن غاراتهم. قال اغسال: "وآثار البيزنطيين الباقية بنوميديا- ما عدا التحاصين- تدل على بؤس شديد".
٨ - الحالة الدينية في العهد الرومي
علمت سابقا ان الاسرائليين كانت لهم هجرات الى الشمال الأفريقي قبل الميلاد وبعده. وقد جاء الوندال- وهم أمة حربية- فالفوا بهذا الوطن الاسرائليين- وهم أمة تجارية- فقربوهم، واستعانوا بهم على استدرار خيرات الوطن. فاستحوذ الاسرائليون على التجارة، وراشوا، وكثر عددهم. واتفقوا مع الوندال على كراهية الارثذوكس وإذايتهم.
стр. 361
ولما جاء الروم وجدوا أنفسهم في ضيق مع الاسرائليين. فكان قوادهم يرهقونهم على الدخول في المسيحية ويبدلون بيعهم كنائس. وزال على الارثذوكس ما نالهم في الدور الوندالي، وأصبحوا معتزين دون سواهم من الموسويين والدنويين والاريويين.
وفي سنة (٥٣٥) انتزعت الدولة الرومية من هذه الفرق جميع أملاكها، وأعدمتها حماية الشريعة، وحجرت عليها العمل بمذاهبها، وعزلتها مما كان لها من مناصب. كل ذلك جريا خلف داعي التعصب المذهبي.
واعترف يستنيان رسميا للكنيسة الارثذوكسية بحق مراقبة المدن وادارة العمالات. فلم تقف عند حد مراقبة الولاة وأهل الوظائف السياسية، بل صارت تأمرهم، وتتداخل في جميع الشؤون الدولية سياسية كانت أو مالية أو ادارية أو حربية. فكان من الاساقفة والقسوس من يشتغلون ببناء استحكامات حربية. وصار البابا برومة يرسل أوامره للقواد والولاة. قال اغسال: " وغمرت قوة الكنيسة قوات جميع المتوظفين".
تحت هذا الاستبداد الكنسي دخل بعض الموسويين في المسيحية لمجرد منافع مادية. والمادة عند الاسرائليين قبل الدين والجنس. ولكن مدة ارتدادهم لم تطل حيث ان السلطة الرومية ادركها الضعف قريبا. فعادوا الى دينهم الذي دخل فيه بعض القبائل البربرية ايضا. ورجعت قبائل اخرى من البربر الى الوثنية.
هكذا كان الوطن الجزائري في العصر الرومي يشتمل على أديان ومذاهب كلها متعادية متنافرة. فكانت من أقوى عوامل الخراب في هذا الدور، ولها أثرها السيء في الفوضى وفقد الامن. وانها لكذلك حتى جاء الاسلام على أيدي الفاتحين من العرب. فنظم ما اختل، ووحد ما تفرق، واستقر بالقلوب الاستقرار النهائي.
стр. 362
٩ - الحالة الاجتماعية بالجزائر
قد رأيت ان ما استولى عليه الروم من الوطن الجزائري قليل وان أكثره بقي تحت أمراء عديدين من البربر. وقد عم الشقاء والبؤس في هذا الدور كل الوطن الجزائري سواء الذي كان منه لنظر الروم، والذي كان لنظر البربر.
اما ما كان تحت الروم فان من عوامل بؤسه ما يأتي:
١ - تكرر غارات البربر غير الخاضعين للروم، وتعنت هؤلاء الروم في دفاعهم.
٢ - اذكاء نار الخلافات الدينية بتعصب الدولة لمذهب على سائر المذاهب. قال بيروني: "ولم يكن من غاية للحروب الدينية التي تهيج الاحقاد وتطيل أمد الفوضى الا ايجاد فرصة للنهب، وشفاء الغليل يقتل العدو".
٣ - جور الولاة الرومانيين. قال بيروني: " واتفق المؤرخون ان سياسة البيزنطيين مع الاهالي سيئة" وقد أرهق هولاء الولاة الاهالي بالضرائب الفادحة. وزاد في فداحتها جور المستخلصين لها. وعلاوة على ذلك كله كانت الجنود تماطل بأعطيتها، فتستخلصها من الاهالي.
وقد تكونت الفوضى وعمت من ذلك البؤس ومن فقد الاخلاص سواء من الجنود لرؤسائهم أو من الرؤساء لدولتهم. قال بيروني: "في ابتداء القرن السابع لم تبق ادارة ولا هيئة اجتماعية. وبلغت الفوضى السياسية غايتها".
وقد نشأ عن هذه الفوضى ظلمة في تاريخ هذا الدور. قال اغسال: "ان الآثار الكتابية صارت قليلة جدا حتى انه ليخيل للباحث كأن كابوسا عاما حل بهذا الوطن".
стр. 363
واما ما كان تحت تصرف البربر فان من عوامل بؤسه تمسك الامراء باستقلالهم من غير أن يكونوا متحدين ولا ذوي نظام دولي. أما عدم اتحادهم فهو خلق قديم فيهم، وهو سبب نجاح أولي المطامع من الامم في وطنهم. وأما فقدهم النظام الدولي بعد ما كانت لهم دول قبل الميلاد فذلك أنهم بعدما تعلموا من الفينيقيين الحياة النظامية ووسائل العمران والرقي جاء الرومان فأخذوا على أنفسهم تجهيل البربر ما تعلموه. ابتدأوا بهدم استقلالهم وقتل عظمائهم، ثم حرموهم من جميع الحقوق السياسية. وكانت سياستهم سياسة تنفير فلم يقبل البربر على حضارتهم. فلم يذهبوا حتى أنسوا البربر ما أخذوه عن الفينيقيين من غير ان يعوضوهم شيئا ينفعهم في حياتهم الاجتماعية. ولما جاء الوندال وكانت وطأتهم عليهم خفيفة وهم أمة حربية لم يستفد البربر منهم غير الحياة الحربية. فعملوا للاستقلال من غير نظام. ولما جاء الروم أرادوا أن ينزعوا منهم استقلالهم. فدافعوا دونه. ووقعت بينهم حروب مبيدة. قال بيروني: "ويصعب ان يحيط مؤرخ بحروب البربر مدة الاستيلاء البيزنطي".
ولولا ان الرومان هم الذين افقدوا البربر الحياة النظامية لكانت حروبهم مع الروم عائدة عليهم بالسعادة وعلى وطنهم بالعمران والرقي. ولكنهم- وقد فقدوا كل نظام- لم يجنوا منها غير الشقاء وخراب الوطن وعموم الفوضى.
وإذا علمت ان الروم لم يعملوا فيما تحت تصرفهم الا لاشقاء أهاليه، وان أمراء البربر عاجزون عن اسعاد امتهم امكنك ان تحكم عن بينة بأن العصر الرومي كان كله جوائح نزلت بالوطن الجزائري فأنهكت الحياة الاجتماعية أيما انهاك.
قال بيروني: "القرن الرابع الذي سقطت فيه حكومة رومة
стр. 364
والقرن الخامس الذي استولى فيه الوندال والقرن السادس الذي مكن فيه البيزنطيون نفوذهم بأفريقية- هذه القرون كانت قرون أهوال وحروب مبيدة" ثم قال: "وقد كانت هذه القرون علة في مرض أفريقية مرضا اجتماعيا واقتصاديا. ذهبت الفنون الجميلة، وعطلت الاراضي الفلاحية، وتنوسيت الاساليب العلمية، وتكاثرت اللصوصية حتى صار الناس يفزعون الى الغابات ويختفون بالشعاب، وتعطلت التجارة، وخشي الناس المجاعة" وقال مرسيي: "كان المؤرخ يروكوب لما نزل أفريقية مع بليسير دهش من عمرانها ونشاط تجارتها ونفاق أسواقها وسعادة فلاحتها. ولكن بعد عشرين عاما لم يبق شيء من ذلك، وعم الخراب جميع أفريقية. ويقال ان الحرب وحكومة يستنيان خسرتا أفريقية في خمسة ملايين من الانفس".
ومن ههنا تعلم ان ما اشتهر به الوندال من التخريب ليس شيئا يذكر أمام تخريب الروم. فان الوندال مكثوا أكثر من قرن ولم يبلغوا في التخريب وقتل الانفس ما بلغه الروم في عشرين عاما.
والخلاصة ان الحياة الاجتماعية بالجزائر على عهد الروم بلغت من الانحطاط والتقهقر والشقاء ما لم تبلغه في دور من أدوار تاريخها.
١٠ - السلطة الرومية وانقراضها من الجزائر
قال اغسال: "السلطة البيزنطية بافريقية غير معلومة. وانما توجد قوانين تذكر مستعمرين ومستعبدين عائشين ببعض الاراضي. وكبار ملاكي الرومان الذين ضعفوا في دور الوندال نجهل ان تكون أملا كهم عادت اليهم في هذا الدور. والظاهر عدم عودها".
والذي جعل السلطة الرومية غامضة هو ضعفها. ولعلك لا تتوقف
стр. 365
بعد قراءة ما تقدم في الحكم بضعفها منذ نشأتها في المهد الى حين وضعها في اللحد. ومنشأ ضعفها أولا بعدها عن مركز الامبراطورية. ذلك البعد الذي جعل الاباطرة لا يستطيعون امدادها بالقوة، والذي جرأ الولاة على الجور والاستبداد. وثانيا مقاومة البربر لها من غير انقطاع وفوزهم عليها في كثير من البقاع.
ولم يأت من الولاة من هو ذو قيمة ادارية وحربية غير اربعة:
١ - بليسير. وغاية عمله انه قضى على الوندال.
٢ - سليمان. وغاية عمله انه فتح أوراس ووسع حكومة الروم بالجزائر وشاد البناءات. ثم مات مصطليا بنار الثورة. وعاد توسعه في وطن الجزائر ضررا على الروم لان البربر لم ينفكوا يهاجمونهم.
٣ - يوحنا طرغليطا. بقي يدير حكومة الروم عشرين سنة لم يجن فيها غير اخضاع أنتلاس.
٤ - جناديوس. وهذا استرجع بعض المدن التي افتكها البربر من الروم. ولكن البربر حاصروه سنة (٩٧) بقرطاجنة. ولم ينج من الحصار الا بطلب الصلح منهم ثم غدر بهم.
ومع ضعف سلطان الروم وضيق نطاق نفوذهم وعدم كفاية ولاتهم واخلاصهم كانوا مشتدين على من تحت سلطانهم من البربر. قال بيروني: "ومن المحقق ان الولاة البيزنطيين كانوا قساة اصحاب طمع".
ولقد زاد في ضعف السلطة الرومية بالجزائر ضعف مركز الامبراطورية. فقد توفي يستنيان سنة (٥٦٥) وخلفه اباطرة ليست لهم عظمته وشغلوا عن أفريقية بحروب الفرس وغيرهم. وفي سنة (٦٠٢) دخل فوقاص القسطنطينية بجنود من الدنوب. وقتل الامبراطور موريس. وانتصب مكانه.
стр. 366
وفي هذا الحين كان الوالي بافريقية يدعى جرجير (GREGOIRE) وقائد الجيش يدعى هرقل. فثار القائد على فوقاص سنة (٦٠٨) وقطع عنه القمح الذي كانت العاصمة تستورده من أفريقية. فخاطبه البيزنطيون في الانتقال الى القسطنطينية على ان يعينوه على استلام العرش من يد غاصبه. وكان كبير السن. فاجابهم على ان يوجه ابنه مكانه. ونافسه جرجير. فأرسل كلاهما ولده المسمى باسمه. وبما أن هرقل هو قائد الجيوش كان الاسطول تحت قبضته. فسير ابنه بحرا. وسير جرجير ابنه برا. فسبق هرقل بن هرقل. وقتل فوقاص. وجلس على العرش. ولما خاب جرجير فيما كان يأمله من تبوأ عرش القسطنطينية أعلن انفصال افريقية عنها، واستقل بها. وجعل عاصمته سبيطلة.
بقي جرجير على رأس هاته الدولة التي لم تكن لها قوة وهي مرتبطة بالامبراطورية فكيف تحصل لها وهي مستقلة عنها وفي غير وطنها.
وفي سنة (٦٤٧) هجم العرب على هذه الدويلة. فقضوا عليها لاول هجومهم. وقتلوا جرجير. واحتلوا عاصمته. ومن ذلك الحين انقرضت السلطة الرومية من الشمال الأفريقي بعد ما لبثت (١١٣) سنة.
كان انقراضها بهذه السهولة لانها لم تكن ثابتة الاركان، فقد سبق أنها عاشت في حروب واضطرابات. وان سلطة هذه حالها لا تلفت النظر الى ما تركته من علوم وصنائع وفنون وأنظمة وعمران. بل انها لا تترك الا ما يناسبها من جهل وفوضى. فلم ينتج عنها غير خراب الاذهان والاوطان.
والخلاصة ان البربر عادوا في العصر الرومي الى حياة الوحشية والهمجية تحت رؤساء لا دراية لهم بغير الحرب والسلب.
стр. 367
ولعل الروم لو كانوا في هذا العصر لقالوا: اننا جئنا لننقذ البربر من الهمجية وننشر بينهم المدنية اللطينية. ولئن سألناهم عما بلغ اليه البربر من الوحشية والفوضى بعد قرن لاجابونا بأن البربري وحشي الاخلاق ثوري بطبعه. لا يقبل التعليم ولا يحسن النقل عن جاره الرومي. ولعلهم ينقطعون عن الجواب إذا قلنا لهم: هذه الامة قد أحسنت النقل عن الفينيقيين. فبلغت بذلك أوج العز. وشادت دولا عظمى. وبعد مدة من القرون نقول لهم أيضا: ها هي تلك الامة قد استفادت من العرب. وأحسنت النقل عنهم. وعاد لها عزها. فشادت ممالك عظمى كما شادتها من قبل.
____
ـ[صورة]ـ مدوروش
стр. 368
فهرست
стр. 369
_________
........................................................... صفحة
стр. 370
_________
........................................................... صفحة
стр. 371
انتاج
دار الغرب الإسلامي
بيروت- لبنان
стр. 372
مبارك بن محمد الميلي
تاريخ الجزائر في القديم والحديث
تقديم وتصحيح
محمد الميلي
الجزء الثاني
المؤسسة الوطنية للكتاب
стр. 373
تاريخ الجزائر في القديم والحديث
стр. 374
مبارك بن محمد الميلي
ـ[تاريخ الجزائر في القديم والحديث]ـ
تقديم وتصحيح محمد الميلي
الجزء الثاني
المؤسسة الوطنية للكتاب
стр. 375
الرقم التسلسلي
تاريخ الجزائر
T١ et T٢
٣ è ٢١٤.٨٩.٠١.٠٩
стр. 376
الكتاب الثاني
في العصر العربي
стр. 377
غزا العرب الشمال الافريقي. وفتحوه. وأسسوا به امارة عربية تابعة للخلافة الشرقية. واخضعوا البربر لامارتهم حينا من الدهر. ثم اخذوا كعادتهم يسترجعون قوتهم الحربية ويعملون للاستقلال. فاقتطعوا من تلك الامارة جانبا من الوطن الجزائري أسسوا به دولة مستقلة. هي الدولة الرستمية. ثم جاء ادريس الاكبر الى المغرب الاقصى. وأسس به دولة مستقلة امتدت الى النواحي المغربية من الجزائر. ثم استقل بنو الاغلب بتونس من غير ان يقطعوا صلتهم بالخلافة. وكان شرقي الجزائر تابعا لهم. ثم جاءت الدولة العبيدية فقضت على هذه الدول الثلاث. وفي عهدها شغل البربر أهم مناصب الحكومة. وبلغوا اخيرا أن قطعوا صلتهم بالعبيديين واستقلوا بالحكم.
في القرن الخامس الهجري انقطع سلطان العرب على الجزائر.
وقد كاد جنسهم ينقطع تبعا لسلطانهم لولا نزوح الهلاليين. وأبى الله الا ان يستوطن العرب شمال افريقية. ويبقوا جيرانا للبربر اخوانهم في الدين. والدين أمتن رابطة.
هذا الدور كله نطلق عليه اسم العصر العربي، وان كان أكثره عربيا بربريا، نظرا الى ان الادارة العليا بيد العرب في جميعه ما عدا الدولة الرستمية. فهو عصر عربي حقيقة في أوله وتغليبا في باقيه. وبهذا الاعتبار اشتمل هذا العصر على ستة أبواب:
ـ[الباب الاول: في غزو العرب لافريقية وتأسيس امارتهم بها]ـ
ـ[الباب الثاني: في الدولة الرستمية]ـ
ـ[الباب الثالث: في الدولة الادريسية]ـ
ـ[الباب الرابع: في الدولة الاغلبية]ـ
ـ[الباب الخامس: في الدولة العبيدية]ـ
ـ[الباب السادس: في نزوح الهلاليين الى افريقية الشمالية]ـ
стр. 378
الباب الأول
في غزو العرب لافريقية وتأسيس امارتهم فيها
стр. 379
١ - جزيرة العرب
جزيرة العرب هي الوطن الذي اختص العرب به واختص بهم.
فلا يوجدون بغيره الا وهم منتقلون منه، ولا يوجد به غيرهم الا وهو طارئي عليهم من وطن آخر.
هذا الوطن واقع في الطرف المغربي من آسيا. يحده شمالا الشام، وشرقا العراق والخليج الفارسي، وجنوبا المحيط الهندي، وغربا بحر القلزم (البحر الاحمر).
ومن هذا التحديد تعلم أن اطلاق الجزيرة عليه غير منظور فيه الى الاصطلاح الجغرافي: اذ الجزيرة عند الجغرافيين ما أحاط به الماء من جميع جهاته. وجزيرة العرب انما أحاط بها الماء من أغلب جهاتها. فهي شبه جزيرة في عرف الجغرافيين.
وبجزيرة العرب سلسلة جبال موازية لبحر القلزم. تقطعها من الشمال الى الجنوب وتنتهي بالمحيط الهندي.
وتنقسم الجزيرة الى أقسام:
١ - اليمن جنوبا. ويشمل حضرموت ومهرة والشحر وعمان. ومن أشهر مدنه صنعاء وعدن وظفار. ومن مدنه التاريخية مدينة أوفير. وهي تبعد عن عدن شرقا (٤٠٠) ميل. ورد ذكرها في التوراة. وعفا رسمها. فلم تكتشف الا في هذه السنة (١٣٤٦هـ).
стр. 380
٢ - تهامه. وهي غرب الجزيرة على بحر القلزم بين اليمن والحجاز.
٣ - الحجاز. وهو يلي تهامة شمالا على البحر. ومن مدنه الطائف ومكة وجدة والمدينة. وهو القسم الذي يشتمل على المشاعر الدينية للعرب في جاهليتهم، ولهم ولغيرهم من المسلمين بعد الاسلام.
٤ - نجد. في وسط الجزيرة. وهو هضبة فسيحة تربط بين بقية أقسام الوطن العربي: العراق شرقا، واليمن جنوبا، والحجاز غربا، والشام شمالا.
٥ - اليمامة. وهي بين نجد واليمن.
هذه الاقسام منها ما فيه الصحاري القاحلة والاراضي الخصبة الصالحة لضروب كثيرة من الحبوب والاشجار، وعليها مراس غنية باللؤلؤ والعقيق. وفيها معادن الذهب والنحاس والحديد وغيرهن.
٢ - العرب قبل الاسلام
العرب أوضح الامم نسبا وأبعدها عن الامتزاج والاختلاط. اتفقت الكلمة وأجمعت الآراء على أنهم من سام بن نوح. نزحوا من العراق الى جزيرتهم في أعصر متفاوتة ومتناهية في القدم. واتخذوها موطنا حفظوا به أنسابهم من الاختلاط، وحافظوا عليها من الاندماج المفضى الى الاضمحلال.
وهم شعوب وقبائل تجمعها ثلاث طبقات:
١ - العرب البائدة. وهي الطبقة المتناهية في القدم. سميت كذلك اما لبيود أخبارها وانقطاع الصلة بيننا وبين تاريخها. واما لبيود قبائلها وفناء أعقابها بذوبانهم فيمن بعدهم من أجيال العرب.
стр. 381
وكلا المعنيين صادق في الجملة: فان من هذه الطبقة من علمت أخباره ولو على سبيل الاجمال، ومنها من لم ينقطع عقبه.
ومن قبائل هذه الطبقة طسم وجديس وعاد وثمود ومدين وعمليق.
٢ - العرب العاربة. سموا كذلك لاصالتهم في العربية. وجذم هذه الطبقة قحطان. وأشهر قبائلها وأجمعها لبطونهم قبيلتا كهلان وحمير.
٣ - العرب المستعربة. وهم بنو اسماعيل الطارئون على القحطانيين. سموا كذلك لانهم عبرانيون، واستعربوا بمخالطة العرب العاربة. وهم شعوب وقبائل يجمعها أصل عدنان المنتهي في نسبه الى اسماعيل. وأجمع قبائلهم وأشهرها مضر وربيعة واياد وانمار. ومن مضر قبيلة قريش.
ونحن نرى أن أول أساس للحياة البشرية هي الحياة الدينية التي تستمد من الرسل والانبياء. فتكون في قرب عهدها بالرسل المستمدة منهم صحيحة. ثم تتغير بطول العهد، بالمغالاة والابتعاد حتى تنحرف عن أصلها وتصبح وثنية.
ولم يخرج العرب عن هذه السنة الكونية. فانحرفوا عن الدين الحق، وتنكبوا الصراط السوي. فأرسل الله في قبيلة عاد منهم هودا، وفي ثمود صالحا، وفي مدين شعيبا. وذلك في أوقات مختلفة. فآمن من آمن منهم، وهلك من كفر. وبادت تلك الاديان ببيود أممها. وكان في الحجاز إسماعيل بن ابراهيم ﵉. فانتشرت على يده ديانة ابراهيم الخليل (ص) في العرب العاربة والمستعربة. وجاء بعض الاسرائليين بديانة موسى (ص) الى الجزيرة. فاعتنقها بعض العرب. ثم بعد ظهور المسيحية أخذ بها بعض القبائل منهم.
стр. 382
ولم يزل جل العرب على ديانة ابراهيم (ص) غير أنهم أحدثوا فيها أحداثا وابتدعوا فيها بدعا. فصاروا يعبدون الاصنام والاوثان والطواغيت. وقد يعبدون الارواح كالجن والملائكة.
قال السهيلي: "يقال لكل صنم من حجر أو غيره صنم. ولا يقال وثن الا لما كان من غير صخرة كالنحاس ونحوه" (١) وقال ابن هشام عن الطواغيت: "وهي بيوت تعظيمها كتعظيم الكعبة: لها سدنة وحجاب، وتهدي اليها كما تهدي للكعبة، وتطوف بها لطوافها بها، وتنحر عندها. وهي تعرف فضل الكعبة عليها: لانها كانت قد عرفت أنها بيت ابراهيم الخليل ومسجده " (٢) وأصل عبادة العرب للاصنام أن أهل مكة كانوا لا يظعن منهم ظاعن الا حمل معه حجرا من الحرم تبركا به. وحينما يقيم يضعه ويطوف به طوافه بالكعبة. وبطول العهد صاروا يعبدون ما أعجبهم من الحجارة. وذكر السهيلي وجها آخر في أصل دخول الوثنية الى العرب. وهو لا يتعارض مع ما سبق. قال: "وقد ذكر البخاري عن ابن عباس: قال صارت الاوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد. وهي أسماء قوم صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا أوحى الشيطان الى قومهم: ان انصبوا في مجالسهم التي كانوا يجلسونها انصابا، وسموها بأسمائهم. ففعلوا. فلم تعبد، حتى اذا هلك أولئك وتنوسخ العلم عبدت " (٣).
وقد بقيت للعرب بقايا من شريعة ابراهيم (ص) كتعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة والوقوف على عرفة والمزدلفة وهدي البدن، مع ادخالهم في ذلك ما ليس منه. قال ابن هشام: "فكانت
стр. 383
كنانة وقريش اذا أهلوا قالوا: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، الا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. فيوحدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده. يقول الله ﵎ لمحمد ﷺ : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (١).
هذه الوثنية التي كان عليها العرب مع اعترافهم بوحدانية الله واقرار بعضهم بالبعث وكونهم يقولون- كما جاء في القرآن-: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ - هذه الوثنية هي التي لم يرضها منهم الاله جل وعلا، وأرسل اليهم رسوله ﷺ ليمحوها من قلوبهم ويذهب أثرها من بين أعينهم. وفي اسلام كثير منا ما يشبه هذه الوثنية، غير ان الاسلام لما كان أصله محفوظا بحفظ القرآن وضبط الحديث لا يحتاج في تجديده الى نبوة جديدة وانما يحتاج الى احياء أصله والتقاضي اليه والتراضي به حكما.
ولقد كان لهؤلاء العرب ملوك فخام ودول عظام. اشتهر من دولهم ثلاث: دولة التبابعة ودولة المناذرة ودولة الغساسنة. والدولة الاولى أسست في الالف الثاني قبل الميلاد. فان المؤرخين يذكرون منها ملوكا كثيرين قبل بلقيس التي كانت في زمن سليمان ﵇ ابن داوود ﵇. وهي مؤسسة على أنقاض دوله قحطان التي كانت قبل الميلاد بنحو ألفي سنة. فهي أقدمهن عهدا وأكثرهن حضارة وأبقاهن أثرا وأوسعهن ملكا. كان منها بعد بلقيس شمريرعش حوالي المائة الثامنة (ق. م) ودخل أرض فارس. وخرب مدينة الصغد خلف نهر جيجون. وبنى مدينة هنالك سميت باسمه. وهي المعروفة اليوم بسمرقند. وقد وجد في بعض قصورها النهدمة
стр. 384
عمود مكتوب عليه بالحميرية: "هذا ما بناه شمريرعش لسيدة شمس".
دولتا المناذرة والغساسنة كانتا شمالا، ودولة التبابعة كانت جنوبا. ومعلوم أن الدول لا تقام الا بالعلوم والصناعات خصوصا وقد دلت الآثار على عظمة تلك الدول. قال صاحبا الوسيط: "واذن تكون هندسة ارواء الارض وعمارة المدن والحساب والطب والبيطرة والزراعة ونحوها معروفة في الجنوب والشمال، مدونة في الكتب، وان لم يحفظ لنا الدهر صورا منها. أما البدو منهم وان كانوا أميين يمقتون الصناعات وينتقصون أهلها فلا غنى لهم عن تجربة ترشدهم الى ما ينفعهم في بواديهم المقفرة ومجاهلهم الطامسة: ليعلموا ما به تصح أنفسهم وانعامهم وتستطلع خفايا أمورهم وتدون فيه مفاخرهم، وليعرفوا متى تجود السماء، وبم يتميز الاقرباء من البعداء. فكسبهم ذلك علم النجوم والطب الضروري والانساب والاخبار ووصف الارض والفراسة والعيافة والقيافة والكهانة والعرافة والزجر وقرض الشعر " (١).
قالا: واشتهر منهم في علم النجوم بنو حارثة بن كلب وبنو مرة ابن همام الشيباني، وفي الطب الحارثة بن كلدة الثقفي وابن حذيم التيمي، وفي الانساب دغفل بن حنظلة الشيباني وزيد بن الكيس النمري وابن لسان الحمرة، وفي القيافة بنو مدلج وبنو لهب، وفي الكهانة شق أنمار وسطيح الذئبي وطريفة الخير وسلمى الهمدانية، وفي العرافة الابلق الاسدي عراف نجد، ورباح ابن عجلة عراف اليمامة، وفي الزجر بنو لهب وأبو ذؤيب الهذلي ومرة الاسدي. أما الشعر فقد اشتهر فيه كثيرون معروفة أخبارهم في كتب الادب.
стр. 385
٣ - العرب بعد الاسلام
قد رأيت أن العرب قبل الاسلام كانت لهم دول شمالا وجنوبا. أما قلب الجزيرة فكان تحت امراء ورؤساء عديدين. فلم تكن لهم وحدة سياسية، وقد كادوا يفقدون استقلالهم قبيل الاسلام: اذ استولى الفرس على اليمن، وكان المناذرة تحت حمايتهم، والغساسنة تحت حماية الروم البيزنطيين.
وكانوا من حيث الدين أيضا على أديان مختلفة. فكانت الفوضى شاملة للوجهتين الدينية والسياسية.
والامم غير العرب ليسوا بأسعد منهم في هاتين الوجهتين، بل ان العالم كله أمسى في فوضى عامة لا يبصر في ظلامها الدامس سبيلا للرقي والكمالات البشرية. يشهد بذلك التاريخ الصادق.
وقد امتاز العرب عن غيرهم من أهل عصرهم بالاخلاق الفاضلة مثل الصدق والوفاء وحماية الجار الى غير ذلك مما لا يسعنا تتبعه وامتازوا أيضا بقربهم من الفطرة. فكانت أذهانهم صافية وعقولهم راجحة.
كان العالم في حاجة شديدة الى نور يهديه سبل الكمال، وصيحة عظيمة توقظه وتلفت نظره نحو ذلك النور. وكان العرب - كما قلنا- أقرب من غيرهم الى الفطرة وأقوم أخلاقا. فكانوا أهلا لان يبدو من جزيرتهم ذلك النور، وان يكون صاحب الصيحة رجلا منهم قد عرفوا فضله على رجالهم وفضل عشيرته وقبيلته على عشائرهم وقبائلهم.
هذا الرجل هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي. رجل أمي نشأ بين قوم أميين. وكان المثل الاعلى عندهم في
стр. 386
الاخلاق الفاضلة من صدق ووفاء عهد وأمانة ورأفة بالضعفاء واحسان الى عموم الناس. ناهيك أنه كان له عبد يدعى زيد بن حارثة، ولم يكن أبوه حارثة عالما بمكانه حتى عرف انه في مكة. فقصده هو وعم زيد. وطلبا الحربه محمد ان يسرح ولدهما يذهبان به معهما. فاحالهما على اختيار زيد للاقامة معه أو الذهاب معهما. فقالا له: لقد انصفتنا. وجاء زيد فاختار ربه على أبيه.
هذا الرجل الامي الكامل في بشريته لم يجلس الى العلماء ولا صاحب زعيما من الزعماء ولا خرج من بين قومه الى أي بلدة سوى أنه سافر مرتين الى الشام، الاولى كان فيها صبيا ابن اثنتي عشرة سنة، تعلق بعمه وكافله ابي طالب عند خروجه اليه، فاستصحبه، والثانية كان فيها فتى قد عرف فضله وأمانته، فرغبت اليه خديجة في أن يذهب ببضاعتها الى الشام تاجرا. ففعل.
لسنا نريد ان نشرح حياة هذا الرجل قبل ان يبلغ الاربعين شرحا وافيا. ولكنا نريد ان نعلم أنه عاش في تلك المدة كرجل أمي سوى ما كان عليه من خلق عظيم.
ولما بلغ الاربعين من عمره اصطفاه الله وعهد اليه بمهمة القيام باصلاح المجتمع البشري من جميع مناحيه. تلك المهمة التي لم يقم بها أحد قبله، ولا يستطيع أن يقوم بها أحد بعده ولو قرأ في أعلى مدارس الفلسفة وعاش أكثر من قرن قضاه بحثا ودرسا عمليا. وبذلك كان محمد ﷺ أفضل الخلائق على الاطلاق.
كانت الفوضى اذ ذاك بالغة منتهاها. فكانت دعوته بالغة منتهى التوحيد، اذ دعا الناس الى عبادة اله واحد، والعمل بشريعة واحدة جامعة بين الوحدتين الدينية والسياسية، شاملة للسعادتين الدنوية والاخروية.
стр. 387
قضى في نشر دعوته بمكة ثلاث عشرة سنة قاسى فيها من كبراء قومه وسفهائهم ما لا يحتمله الا من خلقه الله وهيأه لان يكون أفضل الخلق أجمعين. ثم هاجر الى يثرب حيث كان له أنصار. فأقام بها عشر سنوات، أكمل فيها برنامج دعوته، وقضى على معانديه بالسنان بعدما أفحمهم بالحجة والبرهان. فصار العرب يدخلون في دين الله أفواجا حتى لم يبق بجزيرة العرب غير من يدين بالاسلام.
هذا الاسلام الذي جاء به محمد ﷺ هو الدين الجامع للفضائل الباطنية والظاهرية، الدال على طرق السعادتين الدنوية والاخروية. فكان خاتمة الاديان وأداة الكمال لنوع الانسان.
دعا الناس عامة الى الاعتقاد باله واحد. وحرض مجيبيه على التسامح مع أهل بقية الاديان ومعاملتهم بالجميل والاحسان. جاء في سورة الانعام: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وجاء في سورة الممتحنة: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وقال ﷺ : «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ يَدِهِ وَلِسَانِهِ».
هذا الدين على موافقته للفطرة وفضله على البشرية عمل لتشويهه ومحوه أناس سرا تحت ظله. حتى اذا تم لهم صرف العامة من أهله عن صراطه السوي قام من بعدهم بمحاربته جهرا وصاروا يضعون على حسابه القواعد الفلسفية. واليك كلمة واحدة في هذا الموضوع ننقلها عن سلامة موسى أحد متجردي العصر وملحدي
стр. 388
مصر. قال: "وعند ظهور الآلهة وانتظام العبادة ازداد الكهنة قوة وجمدت نواهي الطبو. فتقيد فكر الانسان. انما يجب أن نذكر ان الآلهة القديمة لم تكن في قوة آلهة الاديان الحاضرة لانها لم تكن قادرة على كل شيء كما يعتقد الآن المسيحي أو المسلم في إلهه. فكان بين الانسان وربه مجال للفكر في جملة موضوعات لا يستطيع أهل الاديان الحاضرة ان يفكروا فيها ما لم يتناقضوا مع ما ذكرته الآلهه" (١).
خلاصة كلامه هذا تفضيل الوثنية على الوحدانية اعتمادا على تلك الشبهة التي لبس بها على بسطاء العقول ممن يفزعون الى الاخذ بالجديد من الافكار مطلقا فزع النساء الى الجديد من الازياء.
نظرته هذه نظرة خيالية لا تتفق ومفعول الديانة الاسلامية وفضلها على البشرية جمعاء كما ينطبق تاريخها أيام عظمتها. وعلاوة عن كون هذه الفلسفة النظرية تدحضها الفلسفة العملية نزيد دحض هذه الشبهة من الوجهة النظرية أيضا: ان الوثنيين يعتقدون في آلهتهم المتعددة القدرة على كل شيء مثل ما يعتقد المسلم في إلهه الواحد، غير أن الآلهة الوثنية ليس لعبادتها نظام ولا لمرضاتها سبيل مقرر انتهاجها، وهذا الاله الواحد عبادته مضبوطة وأوامره مقررة. وهو يأمر البشر بالنظر في ماضيهم لاصلاح مستقبلهم، وأن نظام هذا الكون واحد: ما كان علة لانحطاط الماضين فهو علة انحطاط الآتين، وما كان سببا لرفعة أولئك فهو سبب لرفعة أولاء " سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا".
كل هذا لا يخفى حتى على سلامة موسى واضرابه. ولكن هي
стр. 389
الاهواء ودعاية الكيد للاسلام عامة والعرب خاصة (١).
وان عذلت في هذا الاستطراد القصير فسيعذرني من رأى تحامل هؤلاء الرهاط على الاسلام والعرب متسترين بالفلسفة النظرية متجاهلين الحقائق الواقعية.
اعتز العرب بهذا الدين واتحدت كلمتهم واستجدت قوتهم. فعظمت دولتهم وتمكنت في قلوب الاعداء هيبتهم. فأخذوا يفتحون البلدان ويستولون على الاوطان بسرعة ليس لها في تاريخ البشر مثيل. وليس ذلك بتقدمهم على الامم الاخرى في الفنون الحربية
стр. 390
واختراعهم الاسلحة القاضية على النفوس المخربة للعمران. وانما بعدل أمرائهم واخلاص جيوشهم وكفاءة قوادهم. وهذه ميزات لا توجد في محاربيهم. اختصوا بها: لبعدهم عن النعيم والترف الموجبين للراحة وسآمة مقارعة الخطوب، ولكونهم متدينين بدين مهذب للنفوس ومعتقدين باله واحد مطلع على القلوب لا تخفى عليه خيانة خائن ولا جور جائر.
ومما يدلك على شدة تأثير الاسلام في العرب وسرعته وفضله في تطهير القلوب وانارة العقول اتفاقهم بعد وفاة النبي ﷺ على تقديم أبي بكر لخلافته واسراعهم لذلك، وهم الذين كانوا لا يدينون لاحد بالطاعة، وكل يرى نفسه أميرا. هؤلاء صاروا يخضعون لرجل واحد ليس له سلف في الملك والامارة، ويحسنون انتخابه واختياره. وان أرقى أمة اليوم في العلم وأعرقها في الحضارة لم تزل تفتك بها الاغراض الشخصية في الانتخابات العمومية.
ومن كلام أبي بكر الدال على فضله وكفاءته خطبته التي خطبها في اليوم الثاني لخلافته. قال- بعد أن حمد الله وأثنى عليه-: "أيها الناس! قد وليت عليكم ولست بخيركم. فان أحسنت فأعينوني، وان أسأت فقوموني. الصدق أمانة والكذب خيانة. والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه، والقوي ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق ان شاء الله تعالى. لا يدع أحد منكم الجهاد فانه لا يدعه قوم الا ضربهم الله بالذل. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فاذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم".
ومن كلامه الدال على عدله وحسن سياسته وصيته لجيشه الذي وجهه الى الشام. قال: "عليكم بتقوى الله في السر والعلانية. واذا قدمتم على جندكم (يخاطب القواد) فأحسنوا صحبتهم وأبدأوهم