الاخلاق الفاضلة من صدق ووفاء عهد وأمانة ورأفة بالضعفاء واحسان الى عموم الناس. ناهيك أنه كان له عبد يدعى زيد بن حارثة، ولم يكن أبوه حارثة عالما بمكانه حتى عرف انه في مكة. فقصده هو وعم زيد. وطلبا الحربه محمد ان يسرح ولدهما يذهبان به معهما. فاحالهما على اختيار زيد للاقامة معه أو الذهاب معهما. فقالا له: لقد انصفتنا. وجاء زيد فاختار ربه على أبيه.
هذا الرجل الامي الكامل في بشريته لم يجلس الى العلماء ولا صاحب زعيما من الزعماء ولا خرج من بين قومه الى أي بلدة سوى أنه سافر مرتين الى الشام، الاولى كان فيها صبيا ابن اثنتي عشرة سنة، تعلق بعمه وكافله ابي طالب عند خروجه اليه، فاستصحبه، والثانية كان فيها فتى قد عرف فضله وأمانته، فرغبت اليه خديجة في أن يذهب ببضاعتها الى الشام تاجرا. ففعل.
لسنا نريد ان نشرح حياة هذا الرجل قبل ان يبلغ الاربعين شرحا وافيا. ولكنا نريد ان نعلم أنه عاش في تلك المدة كرجل أمي سوى ما كان عليه من خلق عظيم.
ولما بلغ الاربعين من عمره اصطفاه الله وعهد اليه بمهمة القيام باصلاح المجتمع البشري من جميع مناحيه. تلك المهمة التي لم يقم بها أحد قبله، ولا يستطيع أن يقوم بها أحد بعده ولو قرأ في أعلى مدارس الفلسفة وعاش أكثر من قرن قضاه بحثا ودرسا عمليا. وبذلك كان محمد ﷺ أفضل الخلائق على الاطلاق.
كانت الفوضى اذ ذاك بالغة منتهاها. فكانت دعوته بالغة منتهى التوحيد، اذ دعا الناس الى عبادة اله واحد، والعمل بشريعة واحدة جامعة بين الوحدتين الدينية والسياسية، شاملة للسعادتين الدنوية والاخروية.
стр. 387
قضى في نشر دعوته بمكة ثلاث عشرة سنة قاسى فيها من كبراء قومه وسفهائهم ما لا يحتمله الا من خلقه الله وهيأه لان يكون أفضل الخلق أجمعين. ثم هاجر الى يثرب حيث كان له أنصار. فأقام بها عشر سنوات، أكمل فيها برنامج دعوته، وقضى على معانديه بالسنان بعدما أفحمهم بالحجة والبرهان. فصار العرب يدخلون في دين الله أفواجا حتى لم يبق بجزيرة العرب غير من يدين بالاسلام.
هذا الاسلام الذي جاء به محمد ﷺ هو الدين الجامع للفضائل الباطنية والظاهرية، الدال على طرق السعادتين الدنوية والاخروية. فكان خاتمة الاديان وأداة الكمال لنوع الانسان.
دعا الناس عامة الى الاعتقاد باله واحد. وحرض مجيبيه على التسامح مع أهل بقية الاديان ومعاملتهم بالجميل والاحسان. جاء في سورة الانعام: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وجاء في سورة الممتحنة: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وقال ﷺ : «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ يَدِهِ وَلِسَانِهِ».
هذا الدين على موافقته للفطرة وفضله على البشرية عمل لتشويهه ومحوه أناس سرا تحت ظله. حتى اذا تم لهم صرف العامة من أهله عن صراطه السوي قام من بعدهم بمحاربته جهرا وصاروا يضعون على حسابه القواعد الفلسفية. واليك كلمة واحدة في هذا الموضوع ننقلها عن سلامة موسى أحد متجردي العصر وملحدي
стр. 388
مصر. قال: "وعند ظهور الآلهة وانتظام العبادة ازداد الكهنة قوة وجمدت نواهي الطبو. فتقيد فكر الانسان. انما يجب أن نذكر ان الآلهة القديمة لم تكن في قوة آلهة الاديان الحاضرة لانها لم تكن قادرة على كل شيء كما يعتقد الآن المسيحي أو المسلم في إلهه. فكان بين الانسان وربه مجال للفكر في جملة موضوعات لا يستطيع أهل الاديان الحاضرة ان يفكروا فيها ما لم يتناقضوا مع ما ذكرته الآلهه" (١).
خلاصة كلامه هذا تفضيل الوثنية على الوحدانية اعتمادا على تلك الشبهة التي لبس بها على بسطاء العقول ممن يفزعون الى الاخذ بالجديد من الافكار مطلقا فزع النساء الى الجديد من الازياء.
نظرته هذه نظرة خيالية لا تتفق ومفعول الديانة الاسلامية وفضلها على البشرية جمعاء كما ينطبق تاريخها أيام عظمتها. وعلاوة عن كون هذه الفلسفة النظرية تدحضها الفلسفة العملية نزيد دحض هذه الشبهة من الوجهة النظرية أيضا: ان الوثنيين يعتقدون في آلهتهم المتعددة القدرة على كل شيء مثل ما يعتقد المسلم في إلهه الواحد، غير أن الآلهة الوثنية ليس لعبادتها نظام ولا لمرضاتها سبيل مقرر انتهاجها، وهذا الاله الواحد عبادته مضبوطة وأوامره مقررة. وهو يأمر البشر بالنظر في ماضيهم لاصلاح مستقبلهم، وأن نظام هذا الكون واحد: ما كان علة لانحطاط الماضين فهو علة انحطاط الآتين، وما كان سببا لرفعة أولئك فهو سبب لرفعة أولاء " سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا".
كل هذا لا يخفى حتى على سلامة موسى واضرابه. ولكن هي
стр. 389
الاهواء ودعاية الكيد للاسلام عامة والعرب خاصة (١).
وان عذلت في هذا الاستطراد القصير فسيعذرني من رأى تحامل هؤلاء الرهاط على الاسلام والعرب متسترين بالفلسفة النظرية متجاهلين الحقائق الواقعية.
اعتز العرب بهذا الدين واتحدت كلمتهم واستجدت قوتهم. فعظمت دولتهم وتمكنت في قلوب الاعداء هيبتهم. فأخذوا يفتحون البلدان ويستولون على الاوطان بسرعة ليس لها في تاريخ البشر مثيل. وليس ذلك بتقدمهم على الامم الاخرى في الفنون الحربية
стр. 390
واختراعهم الاسلحة القاضية على النفوس المخربة للعمران. وانما بعدل أمرائهم واخلاص جيوشهم وكفاءة قوادهم. وهذه ميزات لا توجد في محاربيهم. اختصوا بها: لبعدهم عن النعيم والترف الموجبين للراحة وسآمة مقارعة الخطوب، ولكونهم متدينين بدين مهذب للنفوس ومعتقدين باله واحد مطلع على القلوب لا تخفى عليه خيانة خائن ولا جور جائر.
ومما يدلك على شدة تأثير الاسلام في العرب وسرعته وفضله في تطهير القلوب وانارة العقول اتفاقهم بعد وفاة النبي ﷺ على تقديم أبي بكر لخلافته واسراعهم لذلك، وهم الذين كانوا لا يدينون لاحد بالطاعة، وكل يرى نفسه أميرا. هؤلاء صاروا يخضعون لرجل واحد ليس له سلف في الملك والامارة، ويحسنون انتخابه واختياره. وان أرقى أمة اليوم في العلم وأعرقها في الحضارة لم تزل تفتك بها الاغراض الشخصية في الانتخابات العمومية.
ومن كلام أبي بكر الدال على فضله وكفاءته خطبته التي خطبها في اليوم الثاني لخلافته. قال- بعد أن حمد الله وأثنى عليه-: "أيها الناس! قد وليت عليكم ولست بخيركم. فان أحسنت فأعينوني، وان أسأت فقوموني. الصدق أمانة والكذب خيانة. والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه، والقوي ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق ان شاء الله تعالى. لا يدع أحد منكم الجهاد فانه لا يدعه قوم الا ضربهم الله بالذل. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فاذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم".
ومن كلامه الدال على عدله وحسن سياسته وصيته لجيشه الذي وجهه الى الشام. قال: "عليكم بتقوى الله في السر والعلانية. واذا قدمتم على جندكم (يخاطب القواد) فأحسنوا صحبتهم وأبدأوهم
стр. 391
بالخير. واذا وعظتموهم فأوجزوا فان كثير الكلام ينسي بعضه بعضا. واصلحوا أنفسكم يصلح لكم الناس. وصلوا الصلوات في أوقاتها باتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها. واذا قدم عليكم رسل الاعداء فاكرموهم، وأقللوا لبثهم حتى يخرجوا من عسكركم وهم جاهلون به. وأكثروا حرسكم، وبددرهم في عسكركم، وأكثروا مفاجأتهم بمحارسهم بغير علم تهم بكم، فمن وجدتموه غفل عن محرسه فأحسنوا ادبه وعاقبوه. وستجدون أقواما حبسوا أنة سهم في الصوامع فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له".
ولما احتضر دعا بعض الصحابة منهم عثمان وطلحة وعبد الرحمن ابن عوف. وأعلمهم برأيه في استخلاف عمر. فاستحسنوه. ودعا عثمان ليكتب العهد. وأملى عليه: "بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عهد به أبو بكر خليفة محمد رسول الله ﷺ عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة، في الحال التي يؤمن فيها الكافر ويوقن فيها الفاجر: اني استعملت عليكم عمر بن الخطاب. ولم آل لكم خيرا. فان صبر وعدل فذلك علمي به ورأيي فيه، وان جار وبذل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت، ولكل امرىء ما اكتسب. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون".
نكتفي بهذه النتف من كلام أبي بكر عن بقية خطبه وخطب بقية الخلفاء وعظماء القواد، اذ لا يتسع المقام لذلك ولا لتتبع سيرهم وأعمالهم ولا لشرح فضل الاسلام في نهضة العرب وعظمتهم وتكوين مدنية اساسها العقل الصحيح وأثرها سعادة البشر عامة.
٤ - العرب في افريقية
في عصر عمر بن الخطاب ﵁ فتح العرب الشام ومصر وطرابلس. وفي عصر عثمان (ض) دخلوا افريقية.
стр. 392
في سنة (٢٧هـ-٦٤٧م) صدر الامر من الخليقة لوالي مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري بالهجوم على افريقية. فقدمها بعشرين ألفا. وكان في جيشه من وجوه الصحابة أهل الشجاعة والدهاء مثل عبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عباس وعقبة بن نافع. فخرج اليهم جرجير صاحب سبيطلة بمائة وعشرين الفا من الروم والبربر. والتقى الجمعان على مسافة يوم وليلة من سبيطلة. فاستعر القتال بين الفريقين. وانتهت المعركة بقتل جرجير وانهزام جيشه.
وبعد هذا الانتصار المشجع المرعب دخل العرب سبيطلة، وانتشروا في البسائط والسهول، يشنون الغارات على الروم والبربر. وبلغوا في غاراتهم قفصة، وفتحوا قصر الاجم صلحا.
وبعد سنة وثلاثة أشهر أقامها الجيش العربي بافريقية طلب أهلها الصلح، وتحملوا لعبد الله بن أبي سرح بمال عظيم قبل انجلاء العرب عنهم. فقبل المال. وعاد الى مصر يحمل غنائم جليلة.
بلغ هرقل امبراطور القسطنطينية خبر انهزام الروم والبربر، وما تحملوه من المال لابن أبي سرح. فغضب عليهم، ونقم منهم تسليم ذلك المال للعرب. فامرهم أن يؤدوا له من المال مثل ما أدوه للعرب. ووجه بطريقا لتنفيذ هذا الامر. فلما نزل البطريق بقرطاجنة وأعلمهم أمر الامبراطور حنقوا عليه وقالوا: الواجب في هذه الحال اعانتنا لا تغريمنا. وأصر البطريق على تنفيذ أمر الامبراطور. فأفضى الجدال الى القتال، وانتصر البطريق عليهم. وخلع ملكهم الذي نصبوه مكان جرجير. فذهب الى الشام مستنصرا بالعرب.
قضى البربر والروم ثمانية عشرة سنة بعد انجلاء العرب عنهم في الفوضى. وشغل العرب عن العود الى غزوهم بما كان من شأن
стр. 393
الثورة على سياسة عثمان (ض) ثم قتله الذي نشأت عنه حروب علي (ض) مع عائشة (ض) ثم معاوية (ض).
افضت الخلافة الى معاوية بن أبي سفيان (ض) فطلب منه ملك افريقية المخلوع ان يعينه على استرجاع منصبه. فوجه معه جيشا عربيا بقيادة معاوية بن حديج السكوني الكندي الصحابي " ولما بلغوا الاسكندرية توفي الملك المخلوع، ومضى الجيش لطيته.
كان مجيء معاوية سنة (٤٥هـ - ٦٦٥م) في عشرة آلاف، فيها من عظماء العرب أمثال عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الملك بن مروان. وخرج البطريق لملاقاتهم في ثلاثين ألفا. فانهزم عند قصر الاجم. وفتحت سوسة وبنزرت وجربة، وغزيت صقلية. واتخذ معاوبة آبارا للجيش بمكان القيروان.
وفي سنة (٤٦ أو ٤٧هـ) استقدم الخليفة معاوية بن حديج، وولاه على مصر وافريقية. ثم انتزع منه افريقية. ثم عزله عن ولاية مصر سنة (٥٠).
وبعد معاوية ارسل الخليفة الى افريقية عقبة بن نافع الفهري. قيل سنة (٤٦) وقيل سنة (٥٠) وفي كتب الافرنج: انه جاء سنة (٦٦٨ م) غازيا ثم سمي واليا عليها سنة (٦٦٩ م). ولعل هذه الرواية تقرب الجمع بين روايتي مؤرخي العرب، فيكون مجيئه سنة (٤٦) أو بعدها بقليل بصفة أمير جيش، وفي سنة (٥٠) الموافقة لسنة (٦٦٩ م) سمي واليا.
اشتغل عقبة باخضاع البربر والروم لولايته، وتثبيت قدم العرب بافريقية. فأسس مدينة القيروان سنة (٥٠) (٦٧٠م) بمواد من الخرابات الرومانية. ثم عزله معاوية. وولى على مصر وافريقية معا مسلمة بن مخلد.
стр. 394
٥ - العرب في الجزائر
في سنة (٥٠) عزل الخليفة والي مصر معاوية بن حديج. وولى مكانه مسلمة بن مخلد الانصاري. وجمع له بين ولايتي مصر وافريقية.
وفي سنة (٥٥)(٦٧٥) م استعمل مسلمة على افريقية مولاه أبا المهاجر دينارا. فقدمها واساء عزل عقبة. وخرب مدينته القيروان. وأسس أخرى قربها. وأخد يغزو ويفتح.
وكان من ملوك البربر ملك يدعى كسيلة. قد جمع جموعه بالمغرب الاوسط، وزحف بها لقتال المسلمين. فخرخ اليه ابو المهاجر، وهزمه حول تلمسان. قال غروت: "بوادي اسر" (١) وظفر به. فاعتصم بالاسلام. فاتسبقاه. وقربه. قال الزياني: وتوجه أبو المهاجر لغزو البربر. فبلغ تلمسان. ونزل على تحتها. فسميت به الآن. وقال ابن خلدون: "وبه سميت عيون ابي المهاجر قريبا منها" (٢).
قال الزياني ما ملخصه: أن أبا المهاجر بعد عوده من غزو المغرب الاوسط خرب القيروان. وأسس أخرى أنزل بها حامية المسلمين. وأقام هنالك الى أن بلغته وفاة معاوية. وفي غروت: انه نقل مركز الولاية الى ميلة. ولم أقف على هذه الرواية في غيره. ويظهر أن رواية الزياني أصح.
ولما أفضت الخلافة الى يزيد بن معاوية أعاد عقبة الى ولاية
стр. 395
افريقية. فقدمها سنة (٦٢)(٦٨١) م وانتقم من ابي المهاجر. فاعتقله. ونكب صاحبه كسيلة. وخرب مدينته. وعمر القيروان من جديد. ثم أخذ في غزو الروم والبربر.
بلغ مدينة باغاية. والتقى هنالك بجموع البربر والروم. قال البكري: "فدارت بينهم حروب عظيمة. وكانت الدبرة فيها على أهل باغاية. فهزمهم عقبة بن نافع. وقتلهم قتلا ذريعا. ولجأ فلهم الى الحصن. وغنم منهم خيلا لم يروا في مغازيهم أصلب ولا أسرع منها، من نتاج خيل أوراس. فرحل عنهم عقبة. ولم يقم عليهم كراهة ان يشتغل بهم عن غيرهم " (١).
ومنها توجه الى لمبس (تازولت). واشتد دفاع الروم والبربر عنها. وكان النصر حليف العرب. ثم سار الى الزاب. وسأل عن أعظم مدنه. فقيل له: مدينة أربة (٢) فقصدها. وبلغها عشية. ومن الغد هجم عليها. وكان البربر قد هابوه والتجأوا الى حصونهم. فلما هجم عليهم دافعوه. واستعر القتال بين الفريقين. ثم انجلى عن
стр. 396
هزيمة البربر. وتركوا قتلى كثيرين. ومن أربه سار الى تيهرت. وانتصر بها على جموع البربر والروم. ومنها توجه الى المغرب الاقصى. فجاس خلاله بسرعته المدهشة حتى بلغ المحيط الاطلانتيقي. ثم قفل راجعا الى القيروان. واذن لجيوشه في اللحاق بها.
وكان أبو المهاجر في اعتقاله مصاحبا لعقبة في غزواته هاته ومعه أيضا كسيلة. وكان يستهينه. قال ابن خلدون: "يقال انه كان يحاصره في كل يوم، ويأمره بسلخ الغنم اذا ذبحت لمطبخه" (١).
أبو المهاجر- وان كان بينه وبين عقبة حزازات شخصية- لم يكن ليخون دينه ودولته. فأخذ يشير على عقبة باصطناع كسيلة، ويوقظه الى سوء سياسته، ويذكره بسيرة رسول الله ﷺ مع جبابرة العرب واستئلافه لهم. كل ذلك لم يلين من سورة عقبة، فلم يقلع عن سياسته.
ولما انتهى الى مدينة طبنة صرف الجنود الى القيروان. ولم يبق الا في طائفة قليلة ثقة بانتصاراته على البربر، واستخفافا بشأن كسيلة. وسار في تلك البقية قاصدا تهودا لينزل بها الحامية.
علم كسيلة بقلة من بقي مع عقبة فأرسل الى الروم والبربر يعلمهم بذلك. وأرسل أيضا الى الكاهنة صاحبة جبل أوراس. فأقبلوا في جموع عظيمة. وأحاطوا بشرذمة عقبة. فلما رأى كثرتهم وقلته علم أنه مستشهد لا محالة. فسرح أبا المهاجر وقال له: الحق بالقيروان، فقم بأمر المسلمين. وأنا أغتنم الشهادة. وكان أبو المهاجر تتيسر له النجاة لما بينه وبين كسيلة من المودة. ولكنه أبى أن يرجع سالما ويهلك عقبة. فأجابه بقوله: وأنا أغتنمها ايضا. هكذا كان
стр. 397
أسلافنا، اذا كان بينهم أشياء شخصية لا يذكرونها وقت الشدة، ويتناسونها أمام الصالح العام.
لما أحاط البربر والروم بأصحاب عقبة نزلوا عن خيولهم وكسروا أجفان سيوفهم استطابة للموت على الاسر، وحبا في الموت الشريف، وكراهية للحياة اذا كان فيها ذل وهوان. فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم. وكانوا زهاء ثلاثمائة من الصحابة وكبار التابعين.
قال ابن خلدون: "واجداث الصحابة ﵃ أولئك الشهداء عقبة وأصحابه بمكانهم ذلك من أرض الزاب لهذا العهد. وقد جعل على قبر عقبة اسنمة، ثم جصص واتخذ عليه مسجد عرف باسمه. وهو في عداد المزارات ومظان البركة. بل هو أشرف مزور من الاجدات في بقاع الارض لما توفر فيه من عدد الشهداء من الصحابة والتابعين الذين لا يبلغ أحد مد احدهم ولا نصيفه " (١) ومسجد عقبة هو المسجد الجامع للقرية التي تعرف لعهدنا هذا باسم سيدي عقبة. وضريحه داخل المسجد.
وظاهر كلام ابن خلدون ان عقبة صحابي. وهو ليس كذلك. وانما ولد في عصر النبي ﷺ فقط ولذلك يقولون فيه: صحابي بالمولد. فاطلاق الصحابي عليه توسع. وصريح كلامه ان تلك القطعة من وطن الجزائر أشرف بقعة تزار يريد شكير البقاع التي عرفت للانبياء. وكلامه هذا صحيح. فللجزائر مفخرة لا ينازعها فيها وطن آخر بضمها لاجساد أولئك العظماء في الدين والتاريخ، عظماء في الدين لانهم من أهل القرنين المفضلين على ما بعدهما من القرون، وقد ماتوا شهداء، واليهم يرجع الفضل في اسلامنا الذي نعده أنفس شيء أخذه الاسلاف عن أمثالهم، وأعز تراث تركه لنا
стр. 398
الاجداد الامجاد، وعظماء في التاريخ لانهم جاسوا خلال الشمال الافريقي من تونس الى سوس الاقصى في ظرف ثلاثة أعوام- على ما في الزياني- من غير معرفة بهذا الوطن ولا مساعدة من أهله.
وان عقبة بن نافع لجدير بأن يخص بالتأليف فانه من أعظم أبطال التاريخ، غزا الروم بحرا من مصر. وافتتح غذامس وذهب منها الى ودان ففزان. وانتهى الى السودان وفتح كورامنه. كل هذا قبل أن يشرع في حرب افريقية. وان من نظر الى ابعاده في الغزو وانتصاره على العدو مع تماثل السلاح وفقد وسائل النقل والاطلاع اذ لم تكن لهم آلات هذا العصر وخرائط الجغرافية- من نظر الى ذلك مع تلك الحال أكبر عقبة ايما اكبار، وأكبر تغافلنا عن تاريخ عظمائنا، الامر الذي جرأ كثيرا من خونة التاريخ أو الجاهلين به المتطفلين عليه على تشويه ماضينا ودوس حاضرنا.
٦ - الجزائر تحت ملوك البربر
البربر بعد قضاء الرومان على دولهم الكبرى بقوا يتطلبون الاستقلال حتى نالوا منه حظا وافرا على عهدي الوندال والروم. لكن لم يكونوا دولا عظمى كسابق عهدهم. وانما كانوا طوائف تحت ملوك متعددين، قد مر ذكرهم.
ولما جاء العرب وجدوا أمامهم دويلة جرجير. فقضوا عليها بسهولة، وانضم الروم الى البربر. وصاروا يدا واحدة على العرب. وهؤلاء ملوك البربر الذين عرفوا في بداية الفتح العربي:
١ - صولات بن وزمار. كان أميرا على قبيلة مغراوة. وأسلم في عهد عثمان بن عفان (ض) قيل وفد عليه مهاجرا، وقيل أسيرا،
стр. 399
أسره عبد الله بن ابي سرح. وعقد له عثمان على قومه. وبقي لعقبة ملك في العصر العربي.
٢ - ستردير بن رومي. كان أميرا على قبيلة أوربة. قال ابن خلدون: "ولي عليهم مدة ثلاث وسبعين سنة. وأدرك الفتح الاسلامي. ومات سنة احدى وسبعين" (١).
٣ - كسيلة بن لزم. كان على قبيلة أوربة. قال ابن خلدون: "وولي عليهم من بعده (يعني ستردير) كسيلة بن لزم الاوربي. فكان أميرا على البرانس كلهم. ولما نزل أبو المهاجر تلمسان سنة خمس وخمسين كان كسيلة ابن لزم مرتادا بالمغرب الاقصى في جموعه من أوربة وغيرهم. فظفر به أبو المهاجر وعرض عليه الاسلام. فأسلم. واستنقذه وأحسن اليه وصحبه " (٢).
وقال غروت: "اتفقت كلمة البربر على قبول رئاسة كسيلة. وكان الوطن تحته مستقلا تماما. وهذه أول مرة اتحدف فيها البربر تحت ملك واحد".
ولم يزل كسيلة على الاسلام في صحبة أبي المهاجر حتى قدم عقبة ونقم منه تلك الصحبة وامتهنه. فضغن عليه وأسرها في نفسه حتى أمكنته الفرصة. فحشد له جموع البربر والروم. فاحتشدوا. واستشهد عقبة وأبو المهاجر وغيرهما. قال ابن خلدون: "وأسر من الصحابة يومئذ محمد بن أوس الانصاري ويزيد بن خلف العبسي ونفر معهم. ففداهم بن مصاد صاحب قفصة" (٣).
стр. 400
بعد هذه الوقعة الغريبة- وهكذا كل ما يتعلق بعقبة غريب- اجتمع الى كسيلة جميع من في المغرب من بربر وروم. فزحف بهم الى القيروان. وكان بها زهير بن قيس البلوي. تركه عقبة خليفة عنه بها. فلما بلغه خبر عقبة وزحف كسيلة اعتزم القتال. فخالفه حنش بن عبد الله الصنعاني واتبعه الناس. فلم يسع زهير الا متابعتهم. فارتحلوا من القيروان. وبقي زهير ببرقة ينتظر مدد الخليفة.
دخل كسيلة القيروان. والفى بها بقايا من العرب ثقلوا عن الارتحال. فأمنهم. وأقام بها أميرا على المغرب خمس سنوات. اشتغل أثناءها بتعمير ما خربته الحروب من الوطن. وكان حبل الخلافة في هذه المدة مضطربا بما كان من ثورة عبد الله بن الزبير التي أستمرت الى زمن عبد الملك وثورات غيرها.
ولما قضى عبد الملك بن مروان على الثورات أرسل سنة ٦٧ المدد الى زهير بمكانه من برقة. فزحف الى القيروان في آلاف من العرب. وخرخ له كسيلة في جموعه والتقى الجمعان بنواحي القيروان. ووقعت بينهما معارك شديدة. حكمت أخيرا بفوز العرب. وقتل فيها كسيلة وكثير من أشراف البربر ورجالاتهم.
بعد هذه المعركة الفاصلة تتبع زهير البربر حتى وادي ملوية. وقد ظن أنه قلم أظفار البربر نهائيا. وذلك غلط وقع فيه قبله عقبة. فحسب ان الامن قد استتب. فزهد في الامارة. وارتحل من القيروان مشرقا. فاستشهد ببرقة مقاتلا للروم.
٤ - دهيا بنت ينفاق الشهيرة باسم الكاهنة. كانت أميرة على جراوه من زنانة بجبل أوراس. قال ابن خلدون: "وكان لها بنون ثلاثة ورثوا رئاسة قومهم عن سلفهم، وربوا في حجرها. فاستبدت عليهم وعلى قومهم بهم وبما كان لها من الكهانة والمعرفة بغيب أحوالهم وعواقب أمورهم. فاتتهت اليها رئاستهم. وملكت عليهم خمسا
стр. 401
وثلاثين سنة. وعاشت ١٢٧ سنة. وكان قتل عقبة بن نافع في البسيط قبلة جبل أوراس باغرائها" (١).
ولما غادر زهير القيروان واستشهد ببرقة أمر عبد الملك بن مروان عامله بمصر حسان بن النعمان الغساني بفتح افريقية. قال البكري: "فخرج اليها في المحرم سنة ثمان وستين " (٢) وكان الروم بعد تخريب سبيطلة يلتجئون الى قرطاجنة. فقصدها حسان وفتحها عنوة ثم خربها. وقضى بذلك على الروم. ولم يبق أمامه الا البربر. فسأل عن مكان الشوكة منهم. فدل على الكاهنة بجبل أوراس. فتوجه اليها.
بلغ الخبر الكاهنة. فذهبت الى باغاية. وهدمت أسوارها خشية ان يفتحها حسان ويتحصن بها. وسارت من هناك الى مسكيانة. وكانت لها بها حصون. فالتقت بجيوش حسان. وتقابل الجمعان. على وادي مسكيانة. فاقتتلوا قتالا شديدا. وحكمت المعركة للكاهنة. فهزمت العرب وسارت في أثرهم حتى أدخلتهم تراب طرابلس. وأسرت منهم نحو ثمانين. فسرحتهم سوى خالد بن يزيد القيسي فانها أبقته لديها وتبنته.
أصبحت الكاهنة بعد هذا الانتصار ملكة على ما بين السرت والمحيط الاطلانتيقي. قال غروت: "وجعلت عاصمتها تيسدروس".
ومع اتساع ملكها هذا وانتصارها لم تزل رهبة العرب من قلبها ولم تشك في أنهم سيعودون لحربها. وظنت أنهم مثل الرومان: انما
стр. 402
يحاربون لتين المغرب وخيراته. فقطعت أملهم- على ظنها- بأن أمرت بتخريب المدن والحصون ونسف العمران. وقالت لقومها: نحن انما نريد المزارع والمراعي. ولا شأن لنا بما عدا ذلك. فعلت هذا من جهة. واتخذت يدا عند العرب من جهة أخرى بتسريح أسراهم والاحسان الى خالد. فاحتاطت لنفسها وقومها من حهتين. ولكنها لم تفهم غرض العرب من غزو افريقية. فكان أمرها ذلك خاليا من الحاكمة. فقد أفسدت عليها البربر بذلك. وصاروا مضمرين نصرة حسان عليها ان هو عاد لحربها.
حسان بعد هزم الكاهنة له أقام ببرقة بأمر من عبد الملك منتضظرا انجاده. وكان عبد الملك في شغل عن ذلك بفتن داخلية. وفي سنة (٧٤) جاء المدد الى حسان فخرج من برقة لغزو الكاهنة. وكان على علم بتضعضع مركزها بما كان بينه وبين خالد من الصلة السرية.
تلقاه البربر وبقايا الروم هذه المرة بوجه غير الاول. فبذلوا له طاعتهم. وأمدوه بالاموال. وأدركت الكاهنة خذلان الامة لها. فتحصنت بعاصمتها. وقضت بها ستة أشهر تحت الحصار. ثم غادرتها من نفق. وناوشت العرب القتال من غير ثبات لعدم ثقتها بالبربر.
قال غروت: "بعد أن أيست الكاهنة من النصر ورأت خذلان البربر واليونان لها أرادت الانتقام منهم. فأرسلت الى حسان تعرض عليه اسلامها واسلام من بقي تحت أمرها، والوقوف في صفه. ووجهت ذلك مع ولديها. فلم يقبل حسان. وأسر الولدين. واذ ذاك تأخرت الى أوراس. وكانت لها بنت تدعى مشوشة، قد أعدت لها ملجأ هنالك بمكان يدعى جفة. وتمكنت بذلك من دفاع العرب مرارا. ولكنهم دخلوا أخيرا ملجأها. ففرت. وقتلت في طريق فرارها
стр. 403
عند بئر تدعى بئر العطر ثم اطلق عليها بئر الكاهنة. وذلك سنة ٧٠٥ م".
وفي كلامه هذا نقطتان غير مسلمتين: أولاهما ان مورخي العرب لم يذكروا أسر حسان للولدين. بل ذكروا انه عقد لهما على قومهما بعد والدتهما. وهذا هو الصحيح الموافق لما عرف عن العرب جاهلية واسلاما من عدم الاساءة الى الرسول، والموافق ايضا لما عرف به حسان من الحنكة السياسية، اذ لو فعل ذلك لنفر منه البربر. ثانيتهما ان غيره ذكر ان قومها دعوها الى الاسلام لما أيقنوا بهلاكها فامتنعت منه وامتنعت من الفرار أيضا. ومن كلامها في هذا الشأن ما في تاريخ دول الاسلام: "انما الملكة من تعرف كيف تموت" (١) وفي موجز الكعاك من خطابها لقومها: "الفرار عار وسبة في وجه أمتي. والتي قادت البربر والروم ضد العرب يجب ان تموت موت الملكات". ولا شك ان طلبها الاسلام طمعا في النجاة لا عن ايمان انما هو نوع من الفرار. ويؤيد عدم طلبها للاسلام انها لو فعلت ما قاتلها حسان. وكل من له المام ضعيف بتاريخ الاسلام يعلم ان العرب لا يقاتلون الا بعد ان يعرضوا على محاربيهم الاسلام أو الجزية. فكيف يعقل رفض حسان لاسلام الكاهنة وهو انما يحارب لتلك الغاية؟
والخلاصة أن رواية غروت فيها طعن في أعظم رجل من فاتحي المغرب، وهو طعن باطل. وفيها تنقيص لملكة عظيمة من البربر. وهو باطل أيضا. وكل من ينظر التاريخ بعين الحقيقة يراها درة في جيد تاريخ المرأة لما كانت عليه من حسن التدبير وشدة البأس وصدق الدفاع عن الوطن والثبات على المبدأ.
стр. 404
٧ - الفتح العربي
بعد قتل الكاهنة دخل حسان جبل أوراس. وخضع له البربر. فعقد لاكبر ابني الكاهنة على جبل أوراس وقومه جراوة. وجند من البربر اثني عشر الفا لا يفارقونه في جميع مواقفه الحربية. وذلك كي يأمن ثورتهم، ويستعين بشجاعتهم.
وبعد فتح جبل أوراس عاد حسان الى القيروان. ووجه همه الى الادارة والحربية. فدون الدواوين. وكتب الخراج. وضرب الجزية على من أقام على المسيحية. ثم أنشأ بتونس دارا لصناعة المراكب البحرية والآلات الحربية.
وعلى يدي حسان تم الفتح العربي حربيا وسياسيا ودينيا، فاستتب الامن. واقبل الناس على شؤونهم. ولكن الغلطة التي غلطها معاوية بن أبي سفيان (ض) باضافة المغرب الى ولاية مصر ما زالت تفتك بالمغرب، وتهدم ما بنته جهود الفاتحين. كان عقبة بن نافع قد وضع أساس الفتح العربي بالمغرب. وبينما هو مشتغل بتكميله اذ أضاف معاوية المغرب الى والي مصر مسلمة بن مخلد. وكانت نتائج هذه الاضافة عزل عقبة، واستحكام العداوة بينه وبين أبي المهاجر، وصاحبه كسيلة. الامر الذي أفضى الى قتله. ولم يزل المغرب تابعا لمصر. فلما تمم حسان الفتح، وعمم الامن عزله والي مصر. فارتحل الى المشرق. واستخلف مكانه أحد عظماء الجند. ولكن لم تكن له كفاءة حسان. فاضطرب حبل الامن. وكثرت الفتن. وخلت أكثر البلاد. وكادت جهود حسان تذهب هباء، لولا ان تداركها الله بمجيء موسى بن نصير.
لما حل هذا الوالي بالقيروان أخذ في اخضاع البربر من جديد. ففرق البعوث في النواحي. وافتتح طبنة من جديد. وارسل أحد
стр. 405
قواده بشر بن ارطاة الى مجانة فافتتحها. وافتتح قلعة حولها. فأضيفت اليه. وسميت قلعة بشر.
بلغ موسى في غزواته بحرا جزيرة ميورقة، وبرا السوس الادنى. قال بيروني: "كان موسى فاتحا عظيما. أخضع قسنطينة الثائرة والمغرب الاقصى وتافيلالت ودرعة وسوس. وجند تسعة عشر الفا من البربر. وأسس طنجة. وجعلها قاعدة الشمال المغربي. وجعل لها حامية ذات سبعة عشر الفا ما بين عرب وبربر"، وكان العامل عليها من قبله طارق بن زياد الليثي.
ولما ثبت الفتح بالمغرب أمر طارقا بغزو الاندلس. فتوجه اليها سنة ٩٢ في جيشين أحدهما تحت رئاسته، نزل به الجبل المعروف باسمه الى اليوم، والآخر تحت رئاسة طريف إن مالك النخعي، ونزل مكانا سمي به أيضا. ولما اجتازوا البحر كسر طارق المراكب كي لا يطمح في الفرار ضعفة الصبر من الجيش. وخطب فيهم خطبته الشهيرة التي ضاعفت شجاعتهم واقدامهم.
قد وضع عقبة في ولايته الاولى أساس الفتح العربي بتأسيس عاصمة المغرب. وجاء حسان فرفع البنيان وأحكم بناء الاركان. وجاء موسى فوضع السقف وحفظ هذا الصرح من عوامل الضعف، ولولا غلطات الخلفاء وجهل الامراء بدواخل الوطن وطبائع أهله وجهل البربر بغرض الفاتحين ما بقي العرب في تشييد صرح الفتح نحو من اربعين عاما. ومع ذلك فهو فتح سريع لم يكتم مؤرخو الافرنج تعجبهم منه.
بحث الافرنج عن سر هذه السرعة العجيبة فوجدوها فيما كان عليه الوطن البربري من عموم الفوضى منذ اواخر العصر الروماني. وليس ذلك بصحيح. وقد قدمنا بحثنا في التعليل بالفوضى في الفصل
стр. 406
الرابع من الباب السابع. ولوكانت الفوضى تفيد الفاتح سرعة الفتح فلم تفد الروم البيزنطيين بمعشار عشر ما أفادت العرب؟ وهل هذه الفوضى التي قربت للعرب فتح المغرب موجودة بصفتها لدى الفرس أيضا وغيرهم من أهل الشام ومصر والاندلس وبقية الاوطان التي سار فيها الفتح العربي سير الشمس غير أنه ليس سريع الافول؟
لسنا ننكر ان البربر كانوا في فوضى، ولا نخصهم بها. ولكنا لا نراها صالحة لان تكون سببا لسرعة الفتح. أما السبب في نظري فهو ان العرب لم يحملهم على غزو الامم كسب ثروة ولا استعباد ضعيف. وانما كانوا يريدون نشر الاسلام بصدق واخلاص. فكانوا يعرضونه على محاربيهم اولا. فان أجابوا صاروا مساوين للعرب في جميع الحقوق. لا سيد ولا مسود ولا غالب ولا مغلوب. وان امتنعوا عرضوا عليهم الجزية. فان قبلوها حفظوا بها حقوقهم الذاتية وعقائدهم وعوائدهم تحت العدل الاسلامي. وهذا السبب أراه عاما في سرعة الفتح العربي لجميع الاوطان.
٨ - البربر والاسلام
علمت سابقا أنه كان بالمغرب ثلاث ديانات: الوثنية والموسوية والمسيحية، وان المسيحية ذات مذاهب ثلاثة متباينة: الارثذوكس شيعة الرومان والاريويين من الوندال، والدونويين من بربر الجزائر.
وان كان لاصحاب تلك الديانات والمذاهب شيء من التعاليم الموروثة والتقاليد الجامدة فقد قضت عليها الفوضى من جهة والسلطة البيزنطية من جهة أخرى، ولم تبق هيئة دينية الا في كنائس الارثذوكس لما لهم من السلطان والصلة بالبابا.
стр. 407
وقد أخذ الاسلام يظهر بالمغرب بين البربر لاول ما غزاهم العرب. فقد أسلم صولات بن وزمار أحد ملوكهم على يد الخليفة الثالث. وسرحه لقومه. ولا شك انه قد عمل لنشر الاسلام بينهم لما عاد اليهم.
وفي ولاية عقبة بن نافع الاولى التي وضع فيها أساس الفتح العربي كان الاسلام منتشرا جدا. قال ابن خلدون: "فدخل افريقية. وانضاف اليه مسلمة البربر. فكبر جمعه .. ودخل أكثر البربر في الاسلام، واتسعت خطة المسلمين. ورسخ الدين " (١).
وفي ولاية ابي المهاجر اسلم كسيلة من ملوكهم. وكاد الاسلام يعم المغرب أجمع في ولاية عقبة الثانية لولا اساءته لكسيلة. تلك الاساءة التي انتجت قتله ووقف سير الفتح العربي.
ولما فتح حسان جبل أوراس أسلم أهله، واتخذ منهم جيشا اسلاميا. ولما فتح موسى بن نصير طنجة عام (٨٨) ولى عليها طارق بن زياد. وأنزل معه آلافا من العرب والبربر. وأمر العرب أن يعلموا اخوانهم البربر القرآن وفقه الدين.
واذا كان من البربر من قبل الاسلام عن علم واعتقاد راسخ فان جمهورهم انما قبلوه لما رأوا من قوة الجند العربي، وأنه لا يسلم من سيوفهم الا من أسلم أو دفع الجزية. فاختاروا الاسلام لما فيه من عز. وأنفوا من الجزية لما فيها من صغار. ولذلك كانوا اذا جاءتهم جنود العرب أسلموا، واذا رجعت عنهم ارتدوا. ويروى عن ابن أبي زيدانة قال: ارتد البربر اثتني عشرة مرة.
ولما فتح الاندلس وثبتت قدم الامارة العربية بالمغرب وخالط البربر العرب ثبتوا على الدين. ثم لما أرسل الخليفة عمر بن عبد العزيز
стр. 408
اسماعيل بن عبيد الله واليا على المغرب ارسل معه عشرة من التابعين يعلمون البربر الدين ولغته. فعم الاسلام البربر. ولم يقف دون قلوبهم.
وقد أختارت بقايا الرومان والروم بالمغرب البقاء على المسيحية وقبول الجزية. فترك لهم العرب حريتهم الدينية. وقال غروت: "والباقون على المسيحية جبرهم عمر بن عبد العزيز سنة (٧١٩) على الاسلام أو الخروج من المغرب. فهاجر كثير منهم الى أروبا. ولكن أكثرهم أسلموا. ولم يبق بالمغرب مسيحي غير المعتصمين بشواهق الجبال. وهؤلاء بطول المدة أسلموا. وحسن اسلامهم".
وظاهر ان المعتصمين بشواهق الجبال من البربر، والمهاجرين الى أروبا من غيرهم. وما يظهر منكلام غروت من ان الاسلام عم جميع أهل المغرب على عهد عمر بن عبد العزيز صحيح تؤيده أقوال مؤرخي العرب والافرنج. وما صرح به من نقض ذلك الخليفة لحكم الجزية غير صحيح: اذ لم يذكره احد من مؤرخي العرب. بل كلهم مجمعون على انه كان ذا عدل ووقوف عند احكام الشريعة الاسلامية. فلا يعقل أن يخالفها في حكم من أوضح أحكامها، فلا يقبل الجزية من مسيحي. بل انه يقبلها ويحترم أهلها. وقد سمى العرب أهل الجزية ذميين، نسبة الى الذمة التي هي عهد يستوجب مضيعة الذم. وهم معروفون قبل الاسلام وبعده بالمحافظة على العهود. والظاهر ان هجرة المسيحيين اذ ذاك انما كانت منهم اختيارا. رأوا انتشار الاسلام ورسوخه بهذا الوطن، ففروا الى حيث يأمنون على ذريتهم سريان الاسلام اليهم.
كان البربر أولا يظنون ان هذا الدين آلة بيد العرب يخضعون به الامم لسلطانهم، ويفرض طاعة العرب على من سواهم. فكانوا
стр. 409
اذا ثاروا على العرب ثاروا سياسيا ودينيا. وفي خلفة عمر بن عبد العزيز فقهوه حق الفقه، وأدركوا أنه أداة سعادة للبشر عامة، وليس من تلازم بين العرب والاسلام. فأذعنوا له اذعانا أورثوه أعقابهم الى الابد. وصاروا اذا ثاروا على العرب ثاروا سياسيا فقط.
ان ظهور الاسلام بالمغرب لاول غزو العرب له، وانتشاره من بعد، وتمكنه من قلوب البربر في أمد قليل- لشيء عجاب في تاريخ البربر. فقد رأيناهم قبل متساهلين في المعتقد لا يصعب عليهم الانتقال من وثنية لاخرى أو ديانة سماوية لغيرها. واليوم رأيناهم ثابتين على الاسلام ثبوتا لا يضعفه مرور المئات من الاعوام.
يسند بيروني سرعة اقبال البربر على الاسلام الى ثلاثة أسباب:
١ - تساهل البربر في المعتقد.
٢ - بساطة العقيدة الاسلامية.
٣ - انتشار الفوضى الى درجة لم تبق معها فكرة قارة تعارض فكرة الاسلام.
ولعل هذه الاسباب ترجع الى الاعتذار عن انهزام المسيحية أمام الاسلام. والسبب الاول حجة للاسلام حيث ان البربر المعروفين بالتساهل الديني ثبتوا على هذا الدين القرون العديدة، رغم عواصف الجهل وزوابع الفتن الكاثوليكية والبروتستانية. والسبب الثاني صحيح في نفسه. ولكن لوكان عدم اقبال البربر على المسيحية لكونها معقدة العقيدة لكانوا يفهمونها بطول المدة. فقد عاشت بينهم قريبا من سبعة قرون لا مزاحم لها. والسبب الثالث اعتراف بضعف المسيحية بهذا الوطن، وانها على طول أمدها لم توجد به فكرة قارة.
أما غروت فقد علل سرعة اسلام البربر بما يرجع الى ثلاثة أشياء:
стр. 410
١ - تساهل البربر في المعتقد. وقد علمت أنه لا ينتج ثباتهم على الاسلام.
٢ - امتياز الاسلام على غيره باشياء عددها. وقد قارب في هذا.
٣ - اشتماله على حقوق فيها منافع للبربر. وهذا انما يصلح ايضا بالنظر لاسلامهم أولا.
والسبب الوحيد عندي لاقبال البربر على الاسلام بسهولة قربهم من الفطرة وتعشقهم للحرية وحاجتهم الى الرقي الاجتماعي. والاسلام دين الفطرة دين الحرية الصادقة دين الرقي الشريف.
٩ - الفتح العربي والحضارات القديمة
حضارة أي أمة بما فيها من عقائد وعوائد وأخلاق ومعارف انما تسري لامة أخرى وتثبت فيها على نسبة سريان لغتها بين أفراد تلك الامة الاخرى وثبوتها في أجيالها، لا على نسبة سلطانها وقوتها الحربية ونفوذها السياسي. وفيما تقدم من حياة الحضارة القرطاجنية بلغتها الى الفتح العربي، وذهاب حضارة الرومان بأثر ذهاب سلطانهم لعدم انتشار لغتهم- دليل كاف على صحة نظرنا هذا.
ولما جاء العرب الى المغرب كان انتشار لغتهم به مسايرا لجنودهم. فما فتحت قطعة منه حربيا الا انتشرت بها لغتهم. وكان لديوع حضارتهم بين البربر نفس السرعة التي كانت لفتوحهم. قال اغسال. " وقد انتشرت العربية بين البربر بسرعة" ولذلك قضوا أيضا بسرعة على حضارات الامم السابقة. وحلت حضارتهم من البربر مكانا لم يكن حل من قبل ولا يحل من بعد.
قال اغسال: "هذا القطر الذي تقاتل عليه الشرق والغرب،
стр. 411
والذي ترك به كل طابعه، والذي اختلط فيه الرومان والروم ليغرسوا به المسيحية اللطينية- أصبح من هذا الحين (يعني الفتح العربي) كله شرقيا. وانقضى بذالك عصر الاتحاد اللطيني الذي كان حول البحر الابيض" (١).
هذه الشهادة من اغسال الاختصاصي في التاريخ القديم ندفع بها في وجوه المتفيهقين المتطفلين على التاريخ الزاعمين أن الجزائر وبقية افريقية الشمالية وطن غربي لا صلة له بالشرق أصلا. وهاك شهادة أخرى من هذا المؤرخ عن علم وبحث. قال أثر ما تقدم: "البربر كانوا يثورون على العرب اما انفة من أداء الخراج واما طمعا في الاستقلال. وغرضهم اخرج العرب من وطنهم. وقد استطاعوا أن يؤسسوا دويلات أو دولا من طرابلس الى الاندلس. ومع ذلك لم يفكروا ولا يوما واحدا في رفض لغة العرب وديانتهم والرجوح الى اللغة اللطينية والدين المسيحي. فبقي مؤلفوهم في التوحيد والفقه والتاريخ يكتبون تآليفهم باللغة العربية. وملوكهم شادوا قصورهم على الفن العربي. وصارت بعض القبائل البربرية تلفق انسابا تتصل بها من العرب. ولم يبق من حضارة الرومان والبيزنطيين غير خرابات عظيمة وتذاكير للقوة الرومية".
هكذا كان تأثير العرب على البربر بعيد الاثر حتى انتهى الى الانساب. ولذلك قال بيروني في وجوه تمييز العرب من البربر - وصدق فيما قال: "من انتسب الى البربر أو تكلم بلغتهم فلا شك أنه بربري. ومن انتسب الى العرب أو تكلم بلغتهم فلا يجزم بانه عربي " وهذا التأثير السريع العميق الخالد لا تجد له نظيرا في تاريخ البربر.
стр. 412
قال بيروني: "احتار كل المؤرخين من سرعة تأثير العرب على البربر في ديانتهم وعاداتهم واخلاقهم. ويوجه ذلك بعضهم بأن العرب والفينيقيين متقاربون في اللغة، ومتحدون في الاصل الذي ينشأ عنه تقارب في الطبائع " ومراده أن الفينيقيين أثروا في البربر. وبقي تأثيرهم ذلك الى أن جاء أخوانهم العرب فلحقوه. وهذا غير صحيح على اطلاقه. فانا مع اعترافنا بمحافظة البربر على ما أخذوه من قرطاجنة لا نعتقد أن البربر صاروا فنيقيين: ليست بينهم وبين العرب فوارق شديدة في مناحي حياتهم. فهم- وان أخذوا حظا وافرا من حياة البونيقيين- قد صبغوه بالصبغة البربرية، وابتعدوا به عن أصله". وهذا ما لا ينكره بيروني ولا غيره. واذن فان الفينيقيين ليست لهم يد فيما لان للعرب من تأثير على البربر. اللهم الا ما كان من قبل اللغة فلا ننكره بل نقول كما قال اغسال: ان بقاء الفينيقية بألسنة البربر سهل عليهم تعلم العربية. ولا نكبر هذه المساعدة أيضا: فانه لا يعقل أن تبقى البونيقية بألسنة البربر تلك القرون من غير ابتعاد عن أصلها.
والوجه عندي أن العرب هم الذين كونوا أسباب الانقلاب السريع الغريب من غير مساعدة خارجية. ذلك أنهم لم يأتوا الى هذا الوطن لغرض سياسي أو تجاري أو استعماري. وانما أتوا لنشر مبدأ فيه سعادة البشر في الحياتين. وأيدوا صدقهم في قصدهم بقسطهم. فأقبل البربر على ذلك المبدا وهو الاسلام. ولم ينفروا أولا من العرب لعدلهم. ثم لما رأوا آثار الجور أخذت تبدو منهم قلبوا لهم ظهر المجن. وبقوا متمسكين بحضاراتهم وديانتهم. وهذا الوجه تجده أيضا في كل الاوطان التي كان للعرب بها سلطان.
وقبل أن نختم هذا الفصل ننبه القارىء الى أن العرب لم يهدموا في فتحهم المغرب غير صروح الخرافات ومعاقل الفوضى. أما
стр. 413
ما كان للفاتحين قبلهم من أعمال العمران فلم يخربوا منه شيئا. أما أعمال الرومان فقد قال عنها بيروني: "ولم يتحد البربر والوندال الا في تخريب افريقية والقضاء على عمرانها الذي لم يبق منه الا آثار تشهد بعظمته " وأما أعمال الوندال والروم فقد قال في شأنها أيضا: "وقد ذهبت أعمال الوندال والبيزنطيين من نفسها لعدم اتقانها. ولم يكن للعرب يد في هدمها".
ولم نعلم من تخريب للعرب الا ما كان من تخريب حسان لقرطاجنة. ولكن لم يخربها على ساكنيها من صبية ونساء وشيوخ. وانما خربها بعدما خرج أهلها منها لئلا يعودوا للتحصن بها. ولكن أين هذا من تخريب الرومان لها؟ وأين هذا مما يفعله الاروبيون اليوم بالامم الضعيفة؟ لم أدر كيف يغتر بعض الجزائريين بدعاية الملوثين لسمعة العرب بمثل هذه الاختلافات وهم يقرأون حقائق عن تخريب أولئك المعمرين ووحشية أولئك المحتكرين للمدنية؟
١٠ - العرب والبربر بعد الفتح
أصبح العرب بعد الاسلام أعظم دول العالم فتوحا. ولكنهم يمتازون عن الفاتحين سواهم ممن تقدم أو تأخر بأنهم لم يفتحوا وطنا لامتصاص خيراته ولا لسلب حرية أهله. بل كان غرضهم الوحيد نشر الاسلام الذي رأوا فيه سعادتهم. فاحبوا أن يعمموا نشره ما استطاعوا كي تعم السعادة. ولميزتهم هاته عن بقية الامم الفاتحة كان فتحهم ممتازا عن سائر الفتوحات.
لما فتح العرب المغرب اختلطوا بالبربر وامتزجوا بعضهم ببعض من غير اندماج. فتصاهروا وتساكنوا في المدن والضواحي. ولم يكن للعرب تفوق على البربر في جميع الحقوق، الا ما كان من الولاية
стр. 414
العامة فانها كانت بأيدي العرب لخبرتهم بالشؤون الدولية. ولم تسند للبربر لعراقتهم في الفوضى وحدوث عهدهم بالنظام. ومع ذلك فان العرب قد أقروا بعض رؤساء البربر على رئاستهم.
ولقد ساس العرب البربر سياسة الاخاء والحرية والمساواة حقا. فتركوا لهم أراضيهم ولم يثقلوا كاهلهم بالضرائب. حتى ان مالية ولاية المغرب كانت غير كافية، وتمدها ولاية مصر بمائة الف دينار كل عام. ولما بويع المنصور العباسي أرسل الى عبد الرحمن بن حبيب الفهري، وكان متغلبا على المغرب، يدعوه الى الطاعة. فلباه عبد الرحمن. وبعث اليه بهدية فيها بزاة وكلاب وذهب قليل. واعتذر له عن ضعف هديتة بأن المغرب اليوم بلاد اسلامية لا سبي فيها. ولعلك لم تنس ان ايطاليا كانت تأخذ من المغرب مؤونة ثمانية أشهر. فقابل بين السلطتين: الرومانية والعربية.
وقد أدرك البربر فضل السلطة العربية. فأخذوا يخدمون دولتهم باخلاص. ودخلوا الجندية لاول الفتح على عهد حسان. وكانت لهم اليد الطولى في فتح الاندلس على عهد موسى بن نصير. وظلوا مغتبطين بالسياسة العربية الى أن أخذ الجور يبدو من بعض الولاة. فذكروا هواهم الدفين. وشرعوا يعملون لاستقلالهم بوطنهم وطرد النفوذ العربي منه مع المحافظة على ما أخذوه عن العرب من دين ولغة وحضارة.
في سنة (١٠٢) كان الوالي على المغرب يزيد بن أبي مسلم. فأراد أن يأخذ من البربر الجزية وهم مسلمون. فبادروا بقتله لشهر من ولايته. ونصبوا مكانه أحد الولاة السابقين. قيل محمد بن يزيد، وقيل اسماعيل بن عبيد الله. وكتبوا الى الخليفة يزيد بن عبد الملك بالطاعة والعذر. فقبل عذرهم وأقر الامير الذي نصبوه.
стр. 415
وفي سنة (١١٤) ولي على المغرب عبيد الله بن الحبحاب. وتوسع في الفتوحات برا وبحرا. ونصب عماله في الجهات. فكان بعضهم يجور على البربر. فثار أهل المغرب الاقصى على عاملهم بطنجة. وقتلوه من غير أن يشتكوا به الى أميره. فرأى عبيد الله بن الحبحاب ان هذا ثورة على الدولة نفسها. فأرسل اليهم الجنود. وتقاتلوا بأحواز طنجة. ثم تحاجزوا. واجتمع البربر من بعد على رئيسهم خالد بن حميد الزناتي. فأرسل اليه ابن الحبحاب الجنود بقيادة خالد ابن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري. والتقى الجمعان على وادي شلف. فقتل خالد وجماعة من وجوه العرب. وانهزم الجيش العربي. وسميت الوقعة وقعة الاشراف.
بلغ الخبر الخليفة هشام بن عبد الملك. فاستضعف بن الحبحاب وعزله. وأرسل الى المغرب كلثوم بن عياض القشيري. فدخله في سبعين الف مقاتلا. وكان بتلمسان حبيب بن أبي عبيدة أبو خالد المقتول مواقفا للبربر. فلحق به كلثوم. وزحف الجميع لقتال البربر. فكانت الغلبة لهم أيضا. وقتل كلثوم وحبيب. وتفرق جيثسهما أيادي سبا.
ولما بلغ خبر هذه الخيبة الى هشام وجه الى المغرب حنظلة بن صفوان الكلبي. فقاتل الثوار وانتصر عليهم. وسكن المغرب أيامه، لكن سكونا موقتا.
وبينما البربر يعملون لاسترداد استقلالهم اذ بالعرب يختلفون ويتقاتلون فيما بينهم على مرأى ومسمع من البربر. وابتدأ دور هذه الرواية حبيب وكلثوم. فان كلثوم لما نزل القيروان أساء الى أهلها. فشكوه الى حبيب وهو بتلمسان. فكتب اليه حبيب ينهاه ويتوعده. فأصرها في نفسه. وذهب لقتال البربر مارا بتلمسان. فابتدأ بقتال
стр. 416
حبيب. فتقاتلا. ثم اصطلحا واتفقا جميعا على حرب الثوار من البربر. وبعد استشهاد حبيب فر ولده عبد الرحمن الى الاندلس.
وفي سنة (١٢٦) عاد عبد الرحمن بن حبيب الى المغرب. ونزل بتونس. ودعا أهالها الى طاعته. فلبوه. وبلغ ذلك حنظلة. فتعفف عن اراقة الدماء. وتحرج من تفريق الكلمة. فأرسل طائفة من وجوه الجند الى عبد الرحمن يدعونه الى الطاعة. فأوثقهم في الحديد. وذهب بهم ليفتح القيروان. وأرسل الى أوليائهم يحذرهم قتاله، ويهددهم بقتل من تحت يده ان هم حاربوه. فأشفقوا على أشرافهم وأمسكوا عن القتال. ولما رأى حنظلة عناد عبد الرحمن وعدم مبالاته بالوحدة العربية ترك له القيروان. وعاد الى المشرق سنة (١٢٧).
ضبط عبد الرحمن المغرب. وقاتل ثوار البربر وانتصر عليهم. وزحف سنة (١٣٥) الى جموع من البربر بنواحي تلمسان. فظفر بهم. وغزا صقلية وسردانيا. وكتب الجزية على أهلهما. ولكن انقسام العرب ما زال يفتك بهم. فقد ثار عليه أخوه الياس بن حبيب. وقتله سنة (١٣٧) واستولى على المغرب مكانه. ونجا الى تونس ولد لعبد الرحمن اسمه حبيب. فثار على عمه. وقتله سنة (١٣٨). وكان عبد الوارث بن حبيب مظاهرا لاخيه الياس. فلما قتله- جيب طلب عمه عبد الوارث هذا. ففر منه الى ورفجومة من افخاذ نفزاوة احدى بطون لواتة. واستجار بهم. فأجاروه. وذهب حبيب لقتالهم. فهزموه. واحتلوا القيرواق. ثم قتلوه سنة (١٤٠).
واستولى على القيروان عبد الملك بن أبي الحعد الورفجومي. وسار في العرب سيرة العسف والظلم. فافترقوا في النواحي. وشاع خبرهم في الآفاق. وكان بنواحي طرابلس ابو الخطاب عبد الاعلى ابن السمح من وجوه العرب. فقام على وفجومة منكرا لعسفها.
стр. 417
وانتصر عليها. وملك القيروان. واصبح المغرب خارجا عن قبضة الخليفة بالمشرق.
وفي سنة (١٤٤) وجه المنصور العباسي محمد بن الاشعث الخزاعي واليا على المغرب. فقاتل ابا الخطاب. وقتله. وملك القيروان. ولكن ثورات البربر لم تنقطع. وأشدها ما كانت أيام عمر بن حفص من آل أبي صفرة. فقد ذهب هذا الوالي لادارة سور بطبنة قاعدة الزاب. فحاصره البربر بها في جموع لا تحصى. وكان من رؤسائهم أبو قرة اليفرني في أربعين ألفا، وعبد الرحمن بن رستم في خمسة عشر ألفا، والمسور بن هانيء الزناتي في عشرة آلاف، ولم يتخلص عمر بن حفص من هذا الحصار الا بالدهاء. فاستمال بعض الرؤساء بالمال. وأعمل الحيلة في تفريق كلمتهم. فانجلوا عنه. وذهب الى القيروان. فحاصره البربر بها أيضا. وقتل في مدافعتهم.
توصل البربر بثوراتهم المتكررة الى اضعاف السلطة العربية. وأعانهم على ذلك- من غير قصد- آل عقبة بن نافع. واستقل البربر بجهات من المغرب. ولم يبق للعرب منه الا ما يقرب من نصفه.
١١ - ولاة المغرب من قبل الخلفاء
فتح العرب المغرب ثم الاندلس. فكان ما فتح من المغرب كله ولاية واحدة، والاندلس تابعة لها. وقاعدة المغرب هي القيروان. ينزل بها الولاة من قبل الخلفاء، ويولون العمال في النواحي، ينزلون مدنا معتبرة هي القواعد لتلك النواحي.
وكانت طبنة هي قاعدة الزاب من الوطن الجزائري. وهي مدينة قديمة من العصر الروماني. ذكر البكري: ان لها خمسة ابواب.
стр. 418
قال: "وخارج المدينة بازاء باب الفتح سور مضروب على فحص فسيح، يكون مقدار ثلثي مدينة طبنة. بناه عمر بن حفص. ويشق سكك المدينة جداول الماء العذب .. وليس من القيروان الى سلجماسة مدينة أكبر منها " (١) وقد ذهب عمرانها من بعد. واصبحت ليس لها من قيمة ولا أهمية غير أهميتها التاريخية. وكان لها في أوائل العصر الاسلامي شأن عظيم. وتدرس بها العلوم شأن المدن الكبرى. وكان منها علماء أجلة.
كان المغرب والاندلس ولاية واحدة الى أن دخل عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الاموي الى الاندلس سنة (١٣٨) واستولى عليها. وجدد بها ملك بني أمية. وأورثها عقبة من بعده. وكانت تلك الدولة غرة في جبين تاريخ العرب. وفي سنة (١٤٠) تأسست سجلماسة. وكانت بها دولة بني مدرار. وفي سنة (١٤٤) تأسست تيهرت. وكانت بها دولة الرستميين. وفي سنة (١٧٢) دخل ادريس الاكبر المغرب الاقصى. وأسس بها دولة الادارسة.
كانت هذه الدول جمعاء مستقلة عن ولاة المغرب وغير مرتبطة بدار الخلافة بالمشرق. فانحصرت ولاية المغرب بعد في الجهات الشرقية للجزائر وفي عمالة تونس وبعض تراب طرابلس. تداول عليها ولاة من طرف الخلفاء. وكانت ولايتهم غير وراثية الى أن تولى ابراهيم ابن الاغلب سنة (١٨٤). فأصبحت ولاية وراثية مستقلة استقلالا دالخيا.
وهاك أسماء ولاة المغرب من لدن بداية الغزو الى حين استقلال بني الاغلب:
стр. 419
_________
الامير .............................. تاريخ الولاية (الهجري/الميلادي) .......... الخليفة ...................... التعليق
стр. 420
_________
الامير .............................. تاريخ الولاية (الهجري/الميلادي) .......... الخليفة ...................... التعليق
стр. 421
الباب الثاني
في الدولة الرستمية
стр. 422
١ - تمهيد
كان المسلمون على غاية من الاتحاد واجتماع الكلمة. يتلون من كتابا الله ويروون من أحاديث رسوله ما يقوي ميلهم الى الاتفاق ونفورهم من دواعي الشقاق. فلقد بويع أبو بكر (ض) بالخلافة. ولم يرض بيعته كثير من الصحابة. ولكنهم آثروا اجتماع الكلمة وحافظوا على الجامعة الاسلامية. فلم يعترضوا بيعته بالفعل وسلموا لحكم الجمهور.
وعهد ابو بكر (ض) بالخلافة لعمر (ض) فنفذوا كذلك عهده. ثم بويع عثمان (ض) واتسعت على عهده الفتوحات. ففنيت الطبقة الاولى من المسلمين استشهادا وتشتتا في الاوطان. وخلفتها طبقة من اغمار العرب ومسلمة الفتح. وكان فيهم من تدثر بالاسلام فرارا من ذل الجزية وطلبا للانتقام من أهله بالدسائس وكان من أمر هذه الطبقة ان تداخل جمهور منها في سياسة هذا الخليفة وأسسوا جمعيات بمصر والكوفة والبصرة لبث دعاية ضده. وانتهى الامر الى حصاره ثم قتله ﵁ وغضب عن قتلته.
نتج عن هذا الحادث الجليل خطوب جسام لم تزل أدواؤها تفتك بالجامعة الاسلامية الى اليوم. فمن هذا الحادث حييت في العرب العصبية القومية وحلت محل العصبية الدينية، وظهرت مذاهب الخوارج والشيعة، وانقضى نظام الخلافة وحل محلها نظام الحكومات
стр. 423
الوراثية. وعلى هذا النظام تأسست دولة بني أمية ثم بني العباس وهلم جرا.
تأسست دولة بني أمية وكانت خطتها توسيع نطاق الممالك العربية من جهة والمحافظة على الجامعة الاسلامية من جهة أخرى. فغزت وفتحت وحاربت الثوار السياسيين والدينيين ولم تزل على ذلك حتى قضى عليها بنو العباس.
فتح بنو أمية فيما فتحوا المغرب ووحدوه دينيا وسياسيا. ولكن كان بعيدا عن الشام مركز حكومتهم وأهله البربر ألفوا حياة الانقسام والفوضى منذ قرون. ولم يخف عليهم تطاحن العرب بالمشرق. وبلغهم ما به من مذاهب دينية وأحزاب سياسية. فقاموا على السلطة العربية. وسعوا في تمزيق تلك الوحدة وزادهم اقداما ما كان من تغلب آل عقبة بن نافع على المغرب واستبدادهم به وتواثبهم على امارته. وشغلت عنهم الدولة الاموية. فقضوا على ذلك التوحيد جنينا. وعمت الفوضى وطن البربر من مبتداه الى منتهاه. ولم يبق للعرب به أمر ولا نهي.
ولما تم لبني العباس تأسيس دولتهم بالمشرق التفتوا الى المغرب. فجهزوا له الجيوش. وكانت حروب أسفرت عن استرجاع قسم من المغرب للدولة العباسية واستقلال قسم منه تحت رؤساء متعددين من الخوارج.
٢ - الخوارج
بعد مقتل عثمان (ض) كان الناس فرقا. فرقة وقفت موقف الحياد. وفرقة لم ترض خلافة علي (ض) وأخذت تطالب بدم عثمان، وفرقة بايعت عليا بعضها يرى أنه أحق بالخلافة. وأكثرها من الثوار على عثمان لم يريدوا من مبايعتهم لعلي الا الاحتماء به من العثمانيين
стр. 424
اذا كانوا يظنون انه يرضى عن صنيعهم ويقرب منزلتهم. ولكنهم تبينوا من بعد انه غير راض عنهم وسمعوا منه مرارا التصريح بلعن قتلة عثمان. فاوجسوا خيفة من اصطلاحه مع العثمانيين فكانوا هم السبب في وقعة الجمل سنة ٣٦ ثم كانوا هم الحاملين لعلي على قبول التحكيم الذي دعا اليه معاوية سنة ٣٧ وبعد امضائه على عهد التحكيم طلب اليه فريق من العراقيين نقض العهد واشهار الحرب فلم يستطع مجاراتهم في هذا التلاعب. فانعزلوا عنه. وأعلنوا بالخروج عن طاعته. وغادروا الكوفة الى النهروان. فارسل اليهم عبد الله ابن العباس ليستصلحهم بالحجة والمفاهمة. ثم لحق هو نفسه. ونتج عن هذه السياسة الحكيمة ان عاد فريق منهم الى الطاعة وأصر آخرون على الخلاف. فأعرض عنهم. حتى بلغه انهم قتلوا صحابيا وزوجه. فارسل اليهم بالكف عن الفساد. فقتلوا الرسول. وهنالك توجه اليهم بجيوشه وخاطبهم خطابا بين لهم فيه صوابه وخطأهم. فلم ينفعهم خطابه. وكانت الحرب. فأتى القتل على أهل النهروان. ولم ينج منهم الا قليل تفرقوا في الجهات.
هؤلاء هم المسمون بالخوارج لخروجهم عن الامام علي. واصل معنى الخوارج الطوائف الخارجة عن طاعة امامها. وخصه المتكلمون والمؤرخون بالخارجين عن علي ومن والاهم ورضي سيرتهم. فصار علما لاصحاب فكرة خاصة. وليس مرادا به مدح او قدح اذ لا يعقل ذم طائفة- ايا كانت- لعملها بمبدأ استصوبته. وانما ينظر في مبدأها وما فيه من مقبول أو مردود.
كان شعار الخوارج في الثورة على علي "لا حكم الا لله" وهو شعار لا خلاف في مدلوله الحقيقي بين المسلمين. وأصله قوله تعالى "ان الحكم الا لله". وانما انفرد الخوارج بهذا الشعار لكونهم
стр. 425
انه حكم الرجال بدين الله. وعلي أجل من ان تعلق به هذه الوصمة. وهم يلقبون أنفسهم الشراة جمع شار بمعنى بائع. يريدون انهم باعوا أنفسهم في سبيل الله أخذا من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾.
لم تمت فكرة الخوارج بالنهروان شان الافكار لا تبلى بلاء الاجسام ولا يقضي عليها سنان ولا حسام. بل ظهرت من بعد. وكانت لاهلها مع خصومهم حروب شهيرة ومعارك مذكورة مع الامويين والعباسيين.
وكان الخوارج على رأي واحد لا يختلفون الا في اليسير من الفروع حتى جاء أحد موالي بني هاشم الى نافع بن الازرق فقال له: ان من خالفنا مشركون وأطفالهم في النار وقتلهم جائز، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ فاخذ نافع بقوله. وجعل يبدي آراء في تكفير المسلمين مشطة. فانكر عليه نجدة بن عامر في طائفة معه. وكانوا بالاهواز. فارتحل نجدة باتباعه الى اليمامة. ووقعت بينه وبين نافع مراسلات ومناظرات لم تزد عود الخلاف الا صلابة. وكان بالبصرة أبو بيهس هيصم بن جابر الضبعي وعبد الله ابن اباض (بفتح الهمزة وكسرها) المري في جمع من الخوارج. فكاتبهم نافع يدعوهم الى قتال المخالفين. فقال هيصم لابن اباض: "ان نافعا غلا فكفر". وانك قصرت فكفرت اذ زعمت ان من خالفنا غير مشرك وانما هم كفار النعم. وان مناكحهم ومواريثهم والاقامة فيهم حل طلق. قال المبرد في كامله: "والصفرية والنجدية في ذلك الوقت يقولون بقول ابن اباض".
ومن تلك المقالات افترق الخوارج الى مذاهب اشهرها: الازارقة أصحاب نافع بن الازرق. يقولون بالبراءة والاستعراض