← История

История · id 123660

تاريخ الجزائر في القديم والحديث

مبارك الميلي

Полный текст (878 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الباب الثاني في الدولة الرستمية

стр. 422

١ - تمهيد كان المسلمون على غاية من الاتحاد واجتماع الكلمة. يتلون من كتابا الله ويروون من أحاديث رسوله ما يقوي ميلهم الى الاتفاق ونفورهم من دواعي الشقاق. فلقد بويع أبو بكر (ض) بالخلافة. ولم يرض بيعته كثير من الصحابة. ولكنهم آثروا اجتماع الكلمة وحافظوا على الجامعة الاسلامية. فلم يعترضوا بيعته بالفعل وسلموا لحكم الجمهور. وعهد ابو بكر (ض) بالخلافة لعمر (ض) فنفذوا كذلك عهده. ثم بويع عثمان (ض) واتسعت على عهده الفتوحات. ففنيت الطبقة الاولى من المسلمين استشهادا وتشتتا في الاوطان. وخلفتها طبقة من اغمار العرب ومسلمة الفتح. وكان فيهم من تدثر بالاسلام فرارا من ذل الجزية وطلبا للانتقام من أهله بالدسائس وكان من أمر هذه الطبقة ان تداخل جمهور منها في سياسة هذا الخليفة وأسسوا جمعيات بمصر والكوفة والبصرة لبث دعاية ضده. وانتهى الامر الى حصاره ثم قتله ﵁ وغضب عن قتلته. نتج عن هذا الحادث الجليل خطوب جسام لم تزل أدواؤها تفتك بالجامعة الاسلامية الى اليوم. فمن هذا الحادث حييت في العرب العصبية القومية وحلت محل العصبية الدينية، وظهرت مذاهب الخوارج والشيعة، وانقضى نظام الخلافة وحل محلها نظام الحكومات

стр. 423

الوراثية. وعلى هذا النظام تأسست دولة بني أمية ثم بني العباس وهلم جرا. تأسست دولة بني أمية وكانت خطتها توسيع نطاق الممالك العربية من جهة والمحافظة على الجامعة الاسلامية من جهة أخرى. فغزت وفتحت وحاربت الثوار السياسيين والدينيين ولم تزل على ذلك حتى قضى عليها بنو العباس. فتح بنو أمية فيما فتحوا المغرب ووحدوه دينيا وسياسيا. ولكن كان بعيدا عن الشام مركز حكومتهم وأهله البربر ألفوا حياة الانقسام والفوضى منذ قرون. ولم يخف عليهم تطاحن العرب بالمشرق. وبلغهم ما به من مذاهب دينية وأحزاب سياسية. فقاموا على السلطة العربية. وسعوا في تمزيق تلك الوحدة وزادهم اقداما ما كان من تغلب آل عقبة بن نافع على المغرب واستبدادهم به وتواثبهم على امارته. وشغلت عنهم الدولة الاموية. فقضوا على ذلك التوحيد جنينا. وعمت الفوضى وطن البربر من مبتداه الى منتهاه. ولم يبق للعرب به أمر ولا نهي. ولما تم لبني العباس تأسيس دولتهم بالمشرق التفتوا الى المغرب. فجهزوا له الجيوش. وكانت حروب أسفرت عن استرجاع قسم من المغرب للدولة العباسية واستقلال قسم منه تحت رؤساء متعددين من الخوارج. ٢ - الخوارج بعد مقتل عثمان (ض) كان الناس فرقا. فرقة وقفت موقف الحياد. وفرقة لم ترض خلافة علي (ض) وأخذت تطالب بدم عثمان، وفرقة بايعت عليا بعضها يرى أنه أحق بالخلافة. وأكثرها من الثوار على عثمان لم يريدوا من مبايعتهم لعلي الا الاحتماء به من العثمانيين

стр. 424

اذا كانوا يظنون انه يرضى عن صنيعهم ويقرب منزلتهم. ولكنهم تبينوا من بعد انه غير راض عنهم وسمعوا منه مرارا التصريح بلعن قتلة عثمان. فاوجسوا خيفة من اصطلاحه مع العثمانيين فكانوا هم السبب في وقعة الجمل سنة ٣٦ ثم كانوا هم الحاملين لعلي على قبول التحكيم الذي دعا اليه معاوية سنة ٣٧ وبعد امضائه على عهد التحكيم طلب اليه فريق من العراقيين نقض العهد واشهار الحرب فلم يستطع مجاراتهم في هذا التلاعب. فانعزلوا عنه. وأعلنوا بالخروج عن طاعته. وغادروا الكوفة الى النهروان. فارسل اليهم عبد الله ابن العباس ليستصلحهم بالحجة والمفاهمة. ثم لحق هو نفسه. ونتج عن هذه السياسة الحكيمة ان عاد فريق منهم الى الطاعة وأصر آخرون على الخلاف. فأعرض عنهم. حتى بلغه انهم قتلوا صحابيا وزوجه. فارسل اليهم بالكف عن الفساد. فقتلوا الرسول. وهنالك توجه اليهم بجيوشه وخاطبهم خطابا بين لهم فيه صوابه وخطأهم. فلم ينفعهم خطابه. وكانت الحرب. فأتى القتل على أهل النهروان. ولم ينج منهم الا قليل تفرقوا في الجهات. هؤلاء هم المسمون بالخوارج لخروجهم عن الامام علي. واصل معنى الخوارج الطوائف الخارجة عن طاعة امامها. وخصه المتكلمون والمؤرخون بالخارجين عن علي ومن والاهم ورضي سيرتهم. فصار علما لاصحاب فكرة خاصة. وليس مرادا به مدح او قدح اذ لا يعقل ذم طائفة- ايا كانت- لعملها بمبدأ استصوبته. وانما ينظر في مبدأها وما فيه من مقبول أو مردود. كان شعار الخوارج في الثورة على علي "لا حكم الا لله" وهو شعار لا خلاف في مدلوله الحقيقي بين المسلمين. وأصله قوله تعالى "ان الحكم الا لله". وانما انفرد الخوارج بهذا الشعار لكونهم

стр. 425

انه حكم الرجال بدين الله. وعلي أجل من ان تعلق به هذه الوصمة. وهم يلقبون أنفسهم الشراة جمع شار بمعنى بائع. يريدون انهم باعوا أنفسهم في سبيل الله أخذا من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. لم تمت فكرة الخوارج بالنهروان شان الافكار لا تبلى بلاء الاجسام ولا يقضي عليها سنان ولا حسام. بل ظهرت من بعد. وكانت لاهلها مع خصومهم حروب شهيرة ومعارك مذكورة مع الامويين والعباسيين. وكان الخوارج على رأي واحد لا يختلفون الا في اليسير من الفروع حتى جاء أحد موالي بني هاشم الى نافع بن الازرق فقال له: ان من خالفنا مشركون وأطفالهم في النار وقتلهم جائز، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ فاخذ نافع بقوله. وجعل يبدي آراء في تكفير المسلمين مشطة. فانكر عليه نجدة بن عامر في طائفة معه. وكانوا بالاهواز. فارتحل نجدة باتباعه الى اليمامة. ووقعت بينه وبين نافع مراسلات ومناظرات لم تزد عود الخلاف الا صلابة. وكان بالبصرة أبو بيهس هيصم بن جابر الضبعي وعبد الله ابن اباض (بفتح الهمزة وكسرها) المري في جمع من الخوارج. فكاتبهم نافع يدعوهم الى قتال المخالفين. فقال هيصم لابن اباض: "ان نافعا غلا فكفر". وانك قصرت فكفرت اذ زعمت ان من خالفنا غير مشرك وانما هم كفار النعم. وان مناكحهم ومواريثهم والاقامة فيهم حل طلق. قال المبرد في كامله: "والصفرية والنجدية في ذلك الوقت يقولون بقول ابن اباض". ومن تلك المقالات افترق الخوارج الى مذاهب اشهرها: الازارقة أصحاب نافع بن الازرق. يقولون بالبراءة والاستعراض

стр. 426

وقتل الاطفال واستحلال الامانة. والنجدية أصحاب نجدة بن عامر المنكر على نافع تلك الآراء. والصفرية قال المبرد: "قال قوم سموا صفرية لانهم أصحاب ابن صفار. وقال قوم انما سموا بصفرة علتهم". والاباضية أصحاب عبد الله بن اباض. قال ابن خلدون: "والصفرية موافقون للاباضية الا في القعدة فان الاباضية أشد على القعدة منهم" وهم وان اختلفوا في معاملة من خالفهم- متفقون على ان أعداءهم كاعداء رسول الله ﷺ ! قال المبرد: وقول ابن اباض أقرب الاقاويل الى السنة من أقاويل الضلال، يريد الخوارج. هذا ما أردنا أن نقتصر عليه من حديث الخوارج الطويل العريض. وغرضنا أن يتصور القارىء بوجه اجمالي نشأتهم وقوتهم وأصولا من آرائهم. وقد شهد الكتاب للاباضية بانهم أعدل الخوارخ. ٣ - الخوارج بالمغرب في خلافة هشام بن عبد الملك وولاية عبيد الله بن الحبحاب ظهرت أول فتنة بالمغرب. فاجتمعت جموعهم برئاسة ميسرة المطغري. وقصدوا طنجة ففتحوها وقتلوا عاملها. وذلك سنة ١٢٢ وبايعوا ميسرة بالخلافة. ثم قتل البربر خليفتهم ميسرة. وولوا مكانه خالد بن حميد الزناتي. وتوالت عدة وقائع بين الخوارج وولاة القيروان. انتصر في جميعها البربر. فازدادوا على الولاة جراءة. وازدادت الخارجية انتشارا. ظهرت الخارجية أولا حوالي طنجة البعيدة عن القيروان في حال غيبة الجيش العربي بصقلية تحت رئاسة حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع. وأخذت تنتشر في القبائل حتى بلغت طرابلس. وأصبح

стр. 427

المغرب أجمع بيد أهله البربر الذين لم يتمرنوا بعد على النظام. فاضطربت الاحوال. عرف البربر من مذاهب الخارجية الصفرية والاباضية. وكانت الاولى منتشرة في الجهات الغربية والثانية غالبة على النواحي الشرقية. وكان أظهر القبائل في الاخذ بالخارجية والدفاع ءنها زناته وهواره في قبائل دونها كثرة وغناء. وكان موطن الخارجية الصحراء والهضاب. وابتعدت كلما شرقت عن السواحل الجزائرية. فلم تدخل موطن كتامة ودخلت أطراف صنهاجة ولم تطل فيهم. ولما تغلب آل عقبة على المغرب ووليه منهم حبيب بن عبد الرحمن ابن حبيب بن أبي عبيدة ازداد حبل الامن بالمغرب اضطرابا. فان عبد الوارث بن حبيب ثار على ابن أخيه ولحق بورفجومة. ونزل على أميرهم عاصم بن جميل بأوراس. وكان كاهنا. فأجاره واجتمعت اليه نفزاوة. وكان من رجالاتهم عبد الملك بن أبي الجعد ويزيد بن سكوم وكانوا على رأي الاباضية. وخرج حبيب من القيروان لقتالهم. فهزموه الى قابس. واستولوا على القيروان واستهانوا مساجدها. ثم أخرجوا حبيبا عن قابس فلحق باوراس. وأجاره أهله. وجاء عاصم لقتالهم. فهزموه. ثم قام بأمر ورفجومة والقيروان من بعد عاصم عبد الملك بن أبي الجعد. فقاتل حبيبا حتى قتله. واستولى على القيروان سنة ١٤٠ وقتل من بها من العرب وربط الدواب بالمسجد. وكان ابو الخطاب بن السمح الاباضي بطرابلس بين بربرها من هوارة وزناتة. فبلغته مناكر ورفجومة. فقام منكرا عليها. وقصد القيروان بجموعه. فقاتل ورفجومة ونفزاوة. وقتل عبد الملك. ثم بلغه أن المنصور العباسي جهز جيشا لحرب خوارج المغرب. فعاد الى طرابلس لقطع مدد الخليفة عن افريقية. وترك بالقيروان عبد

стр. 428

الرحمن ابن رستم. ولكن لم تزل افريقية في اضطراب حتى قدم محمد ابن الاشعث الخزاعي سنة ١٤٤. ثم انتقضت مغيلة ويفرن بنواحي تلمسان. وقدموا على أنفسهم أباقرة اليفريني وقيل المغيلي. وبايعوه بالخلافة سنة ١٤٨ وزحف اليه عامل طبنة الاغلب بن سالم. ففر امامه، ثم زحف الخوارج اباضية وصفرية لحصار عمر بن حفص الملقب هزارمرد بطبنة. وفيهم ابو قرة في أربعين الفا من الصفرية. وعبد الرحمن بن رستم قال ابن خلدون في موضع: في خمسة عشر الفا، وفي آخر ستة آلاف. والمسمور بن هانيء الزناتي في عشرة آلاف من الاباضية. وجرير بن مسمود المديوني في جمع من قومه. وعبد الملك الصنهاجي في الفين من الصفرية. ولم يكن لعمر قبل بهذه الجموع. فبذل لاصحاب أبي قرة مالا فانصرفوا. واضطر ابو قرة للحاق بهم. ونجا عمر بدهائه من هذا الحصار. وفي أيام عصر بطبنة وغيبته عن القيروان قدم ابو حاتم يعقوب بن حبيب المغيلي لحصار القيروان. وقد بايعته اباضية طرابلس بالخلافة فخرج عمر من حصار الى حصار. وأنجده المنصور بيزيد بن حاتم المهلبي. ولكن قتل قبل وصول يزيد آخر سنة ١٥٤. وتوجه ابو حاتم للقاء يزيد بطرابلس. فقتل هنالك يوم ٢٧ ربيع الاول سنة ١٥٥ (٧ مارس ٧٧٢ م). وفي سنة ٥٧ ثارت ورفجومة. فحاربها يزيد بن حاتم. وانتصر عليها. ثم في سنة ١٦١ ثارث نفزاوة وهي اباضية. وأميرها صالح ابن نصير. فسرح اليهم داود بن يزيد عشرة آلاف من جنده. فهزموهم. هذا وحروب الخوارج بالمغرب كثيرة. وذكروا انها بلغت منذ حصار طبنة خمسا وسبعين وثلاثمائة حرب. وذلك يوضح قوة

стр. 429

الخارجية المغرب وسعة انتشارها وعدم استسلامها وصعوبة قيادها. وليس منشأ تلك الحروب اختلاف العقيدة بل منشؤها ما كان عليه البربر من خلق الفوضى وكراهية السلطة المحلية كيفما كان عدلها فليست حروبهم دينية بل ولا سياسية. اما كونها غير سياسية فان البربر لم ينظموا صفوفهم ويوحدوا جهودهم ضد السلطة العربية ليكونوا دولة بربرية. فهم يحاربون العرب من جهة ويحارب بعضهم بعضا من جهة اخرى. وغايتهم الرجوح لما ألفوه من الفوضى. واما كونها غير دينية فذلك ان التاريخ الاسلامي لم يحو بين دفتيه ان المسلمين رفعوا سيوفهم لالزام مخالفيهم بعقيدتهم اذ العقيدة سبيلها البرهان. وايضا فقد كانت الدولة الاباضية بتيهرت تجمع طوائف مختلفي العقيدة من صفرية وسنية ومعتزلة. ولم تجبرهم الحكومة على عقيدتها. وايضا الخارجية الممتدة في المغرب بكل سرعة لا يعقل ان البربر تمسكوا بها في تلك الحصة من الزمان عن فهم لمبادئها وادراك لاصولها وايمان بصحتها وفساد غيرها. وانما الذي فهموه منها وعقلوه عنها هو الثورة على السلطة المحلية لا لكونها عربية او غير عربية. هذا الذي أدركوه سريعا وهو ما كانوا عليه قديما. فقد نصروا قبل مذهب دونتوس المسيحي لكونه ثائرا على حكومة الرومان. يوضح لك كون البربر لم يكونوا خوارج عن علم كخوارج العرب ما أتته ورفجومة من العبث بمسجد القيروان وسكانها حتى غير منكرهم ابو الخطاب الخارجي العربي. وذكر اليعقوبي في كتاب البلدان برقة وأهلها الذين منهم مزاته. فقال: "ومزاتة كلها أباضية على انهم لا يفقهون ولا لهم دين " هذا في القرن الثالث عصر اليعقوبي. ولكون الخارجية البربرية عبارة عن ثورة فوضوية فارق أكثر البربر الخارجية في كل جهة استتب بها النظام وثبتت بها قدم دولة غير خارجية. فقد انقطعت الخارجية أو كادت

стр. 430

من المملكة الاغلبية شرقا والادريسية غربا. وبقيت بالمملكة الرستمية الاباضية حتى قضى عليها الشيعة. نعم بقيت الخارجية في الجهات الجنوبية كورقلة ومزاب متحصنة بعطش الصحراء وسمائها بعيدة عن نفوذ أغلب الدول الشمالية فحافظت على عقائدها وعوائدها غير متأثرة بالانقلابات السياسية. ٤ - الامارات الاباضية خمدت الصفرية بالجزائر، فلم يكن لها شأن يذكر بعد حصار طبنة. وبقيت الاباضية في أفخاذ وبطون من قبائل لماية ولواتة وزجالة ونفزاوة وهوارة ومزاتة وزواغة ومطماطة ومكناسة ويفرن ومغراوة وبني سنجاس وبني برزال وبني دمر. ولم يتحد الاباضيون من هذه القبائل تحت امرة واحدة. بل كان منهم الخاضعون للاغالبة أو للادارسة واخوانهم بني سليمان، ومنهم المستقلون تحت امارات متعددة. واشتهر من اماراتهم امارة بني رستم بتاهرت. وافادنا اليعقوبي من أهل القرن الثالث بثلاث امارات سواها وهي: ١ - امارة بني دمر هم قوم من زناتة في بلاد واسعة ذات زرع ومواش. موقعها على مرحلة غربي هاز. ويليها في الشمال المغربي سوق كرام. قال اليعقوبي في كتاب البلدان: "ورئيسهم يقال له مصادف بن جرتيل. بين حصنه وبلد متيجة مسير ثلاثة أيام مما يلي البحر". وذكر البكري في الطريق من تاهرت الى المسيلة حصن تامغيلت. فقال: "هو على مرحلتين من تاهرت. مبني بالطوب على نهر. له ربض وسوق. يسكنه بنو دمر من زناتة. الى ايزمامة، حصن له سوق. وفيه فنادق تسكنه لواتة ونفزاوة. الى مدينة هاز".

стр. 431

وسوق كرام منهم من يحذف ميمها أو يبدلها نونا. قال البكري: "وهي على نهر شلف " وموقعها على مرحلة شرقي مليانة. ومنها الى اشير ثلاث مراحل .. ولها سوق يوم الجمعة يقصده بشر كثير. قال اليعقوبي: "وليس أهله بشراة. ولكنهم جماعية .. بلدهم بلد زرع". أهو يظهر ان هذ، الامارة بنواحي قصر البخاري. ٢ - امارة هوارة قال اليعقوبي: "ومن تيهرت وما يحوزه عمل ابن افلح الرستمي الى مملكة رجل من هوارة. يقال له ابن مسالة الاباضي الا أنه مخالف لابن افلح يحاربه. ومدينته التي يسكنها يقال لها الجبل. الى مدينة يلل، تقرب من البحر المالح، مسيرة نصف يوم. ولها مزارع وقرى وعمارات وزرع وأشجار. ثم من مملكة ابن مسالة الى مملكة لبني محمد بن سليمان". وذكر البكري قلعة هوارة فقال: "وبغربي مستغانم على نحو ثلاثة أميال مدينة تامزغران. وهي مسورة لها مسجد جامع. وعلى مقربة منها قلعة هوارة. ويسمونها تاسقدالت. وهي في جبل. لها ثمار ومزارع. وتحت هذه القلعة يجري نهر سيرات. وهو النهر الذي يسق به فحص سيرات". وفحص سيرات هو سهل سيق. ولا يصح ان تكون هذه القلعة هي مدينة الجبل لانها غربي يلل. ومدينة الجبل شرقيها. فتكون قريبة من غليزان. نعم تكون قلعة هوارة من جملة هذه الامارة. والظاهر ان الجبل هي قلعة مغيلة دلول. فان البكري لما ذكر الغزة- وهي غليزان- فال: "وبقربها على البحر قلعة مغيلة

стр. 432

دلول. وهي في أعلى جبل منيف هناك شديدة الحصانة. بينها وبين البحر خمسة فراسخ. وبها عين ماء تسمى عين كردي. وبين قلعة دلول هذه ومدينة مستغانم مسيرة يومين". ومن هذا يظهر ان هذه الامارة واقعة جنوب اسافل شلف حوالي نهر مينة بين سهلي منداس شرقا وسيق غربا. ٣ - امارة بني مسرة مدينتها تدعى أوزكي على ثلاث مراحل من تيهرت في الجنوب الغربي. ومنها الى سجلماسة نحو سبع مراحل. قال اليعقوبي: "والغالب عليها فخذ من زناتة يقال لهم بنو مسرة. رئيسهم عبد الرحمن بن أودموت بن سنان. وصار البلد بعده لولده. فانتقل ابن له يقال له زيد الى موضع يقال له ثاربينة. فولده به". والظاهر ان هذه الامارة كانت ناحية سعيدة. هذا ما علمنا من حديث الامارات الاباضية وغالب الظن ان هناك امارات أخرى جهلناها. فان البربر يومئذ انما يألفون سيادة العشيرة. ويأنفون من الخضوع لرئيس من قبيلة أخرى. ولم تقم بالمغرب الاوسط دولة قوية تحملهم على الانضواء تحت لواء حكومة مركزية. نعم كانت الدولة الرستمية تحاول ذلك ولكن لم تستطع تحقيق هذا الحلم. ٥ - تأسيس الدولة الرستمية استولى ابو الخطاب على القيروان. فعزم ابو جعفر المنصور على افتكاكها منه. فولى محمد بن الاشعث مصر والمغرب وأمره بحرب البربر. فجهز ابن الاشعت جيشا بقيادة ابي الاحوص عمرو ابن الاحوص العجلي. وبلغ أبا الخطاب. قدوم ابي الاحوص الى افريقية. فترك بالقيروان عبد الرحمن بن رستم واليا وذهب هو

стр. 433

الى طرابلس كي يعترض جيش ابي الاحوص وذلك سنة ٤١ ولما نشبت الحرب انهزم ابو الاحوص سنة ٤٢ فخرج ابن الاشعث نفسه من مصر يقود الجيوش. وبلغ خبره ابا الخطاب. فارسل الى ابن رستم بتجهيز الجيوش. واللحاق به. ولكن ابن الاشعث بلغ طرابلس قبل مدد عبد الرحمن. فدارت الحرب وأشتد القتال وانجلى عن قتل ابي الخطاب في صفر سنة ٤٤. ولما كان عبد الرحمن بقابس بلغته وفاة ابي الخطاب. ففت ذلك في عضد جيشه. وتفرق عنه. وثارت قابس بعاملها، فكر عبد الرحمن الى القيروان في فالفاها ثائرة عليه أيضا، فاحتمل أهله وولده وتوجه الى المغرب الاوسط، ونزل على لماية من قبائله، وكانت قبائل غيرها أباضية أيضا، ولكنه اطمأن الى لماية لقديم حلف بينه وبينهم، فان النزعة المذهبية وحدها لا تكفي، وقد شاهد قبل عدم ثبات الاباضيين معه. نزل عبد الرحمن جبل سوفجج. ولا نعرف جبلا بهذا الاسم. ولكن لا بد ان يكون بنواحي تيهرت حيت لماية، وذاع خبر نزوله بهذا الجبل فقصده ابن الاشعث في جيش عظيم، ونزل بسفحه وخندق على معسكره، وحاصر الجبل زمنا فامتنع عليه، ولما طال مقامه استشار اركان حربه، فبعضهم اشار بالمقام حتى يفتح الجبل وبعضهم اشار بالاقلاع والعود الى القيروان، فاقلع عن الحصار لما رأى من مناعة الجبل واختلاف كلمة أصحابه. وبقي عبد الرحمن في الجبل وقصده الاباضية هناك من كل مكان حتى جبل نفوسة بطرابلس، ولما كثر جمعه خرج من حصن الجبال الى حصن الرجال، وفكر هو واصحابه في تأسيس مدينه تكون رمزا لاستقلالهم وحصنا يمتنعون به على من ناواهم، فأنشأوا

стр. 434

مدينة تيهرت سنة ١٤٤ وبذلك تأسست الدولة الرستمية وحافظت على استقلالها زمنا طويلا، ولم يكن اباضيتها كغالب الخوارج همهم الثورة بل كانوا كخوارج العرب همهم تنظيم دولة على مباديهم. ومن ههنا يظهر ان تأسيس الدولة الرستمية بعد جواز عبد الرحمن ابن معاوية الى الاندلس، وقال المقري في نفح الطيب عن ابن عبد الحكم ان عبد الرحمن الداخل لما فر من بني العباس ودخل المغرب الاوسط استجار بني رستم ملوك تيهرت وتقلب في قبائل البربر حتى استقر بساحل البحر عند قوم من زناتة، وهي رواية مشكلة لان عبد الرحمن دخل الاندلس سنة ٣٨ قبل تأسبس تيهرت بست سنوات، الا أن يكون لعبد الرحمن بن رستم نفوذ ديني في بعض قبائل المغرب الاوسط، فقد ذكر ابن خلدون وغيره ان حلفه مع لماية قديم، فاستجار به عبد الرحمن الداخل لذلك، وعلى ان يكون ابن عبد الحكيم تجوز في قوله ملوك تاهرت يريد الذين صاروا ملوكها من بعد. ويرشح صحة رواية ابن عبد الحكم على ذلك التجوز انه كان بين رستمي تيهرت وامويي الاندلس علاقات حسنة. هكذا تأسست دولة الرستميين اسلامية في قضائها عربية في معارفها بربرية في عصبيتها فارسية في ادارتها. وما جمع بين هذه الاجناس غير الرابطة الدينية. فلتحي الرابطة الاسلامية! ٦ - المملكة الرستمية المملكة الرستمية واقعة بين مملكة الاغالبة شرقا والادارسة غربا، وتمتد شمالها ممالك صغيرة للعلويين من اخوان الادارسة، وينفسح لها المجال جنوبا الى ورقلة، ويمتد منها شريط على وادي ريغ الى الجريد وجبال دمر الى طرابلس وجبال نفوسة.

стр. 435

وقد عنيت بالبحث عن تعيين حدود هذه المملكة بالجزائر فلم أظفر برواية شافية، وقد ذكر ابن الصغير في كتابه اخبار الايمة الرستميين ان عبد الوهاب ثاني ايمتهم " دان له ما لم يدن لغيره حتى انه حاصر مدينة طرابلس وملك المغرب بأسره الى مدينة يقال لها تلمسان، وأجمعت عليه كلمة الناس الى أن حدثت الفرقة بتداخل العامة في شؤون الملك وطلبها عزل قاضي تيهرت وصاحب بيت المال وصاحب الشرطة، فلم يجبها عبد الوهاب، وحدثت الفتنة". وهذه الرواية على اجمالها تفيد ان امتداد المملكة الى ناحية تلمسان انما كان أيام عظمة عبد الوهاب قبل حدوث الفتنة، ونقل الباروني عن أبي عبد الله الينا الذي ألف كتابه سنة ٣٧٥ نسبة مدن كثيرة الى تيهرت، وبنى على هذه الرواية قوله: "كل المدن والقرى الواقعة بين الزاب وفاس وسحلماسة داخلة في مملكة تيهرت". وهذا بناء على غير اساس، أما أولا فان البنا لم يذكر أن تلك المدن تبعت تيهرت ايام الرستميين، وقد ذكر منها وهران التي أسست سنة ٢٩٠ وأفكان التي أسست سنة ٣٣٨ واما ثانيا فان اضافة تلك المدن الى تيهرت انما هي لكونها اشهر مدن الاقليم يومئذ فهي اضافة جغراقية لا سياسيه، وقد ذكر من الامصار برقة واضاف اليها مدنا لشهرتها بذلك الاقليم ليس الا، واما ثالثا فان أكثر تلك المدن كان تابعا للعلويين أو الاغالبة كما يأتي في البابين الثالث والرابع، وتقدم ذكر ما كان منها تابعا للامارات الاباضية غير الرستمية، ولكن يظهر أن من تلك الامارات ما انفصل عن تيهرت بعد الثورة على عبد الوهاب. ويمكننا ان نحد الجزائر الرستمية بعد انفصال تلك الامارات عنها بتلول منداس شمالا الى قرب غليزان. ويذهب الخط جنوبا من هناك

стр. 436

الى فرندة وينعطف شرقي جبل العمور لان أهله يومئذ بنو راشد وهم غير اباضية وأولو قوة. ومن هنالك يذهب الى وطن ميزاب الى ورقلة. هذا في الجهة الغربية. ومن الجهة الشرقية يذهب الخط الى تيسمسيل والسرسو ويتصاعد الى ثنية الاحد. ويذهب مثسرقا الى قصر البخاري وأعالي وادي شلف. ويذهب جنوبا شرقي الاغواط الى تقرت ووادي ريغ. ويظهر ان هوارة أوراس خارج هذا الخط كانت خاضعة لتيهرت للعصبية المذهبية. هذا ما هدانا اليه البحث وطول التروي واجالة النظر في طبائع السكان ومذاهبهم وقوتهم يومئذ. ولا يعرف ما في ذلك من عناء الامن خاض أمثال هذه المواضيع. وخانته الرواية. وحمله دينه على الامانة. وكلفته عنايته بالقارىء الايضاح. وبعد فاننا نجهل مبلغ النفوذ السياسي للرستميين في هذه المملكة. ويظهر من حديث ابن الصغير عن أسباب حدوث الخلاف على عبد الوهاب ووقوع تلك الفتنة ان نفوذهم ذلك لا يعدو تيهرت. وهاك ملخص كلامه. قال: "كانت قبائل مزاتة وصدراته وغيرهم ينتجعون في فصل الربيع احواز تيهرت. فيدخل رؤساؤهم المدينة وينزلون على اخوانهم بها. فيبرون ويكرمون. ثم يخرجون الى نعمهم فيقيمون معها الى ظعنهم. وفي سنة الفرقة اجتمع من المنتجعين عدد كثير لم يجتمع قبل. فلما دخلوا المدينة وخلا وجوه كل قبيلة من سكانها باخوانهم النازلين عليهم شكوا اليهم جور القاضي وخيانة صاحب بيت المال وفسق صاحب الشرطة. وطلبوا منهم ابلاغ ذلك الى الامام عبد الوهاب. ففعلوا. وسألوه عزلهم وتولية من هو خير منهم. فأبى ذلك حاشية الامام. وكانت الفتنة".

стр. 437

وهذا يشعر بأن أولئك المنتجعين ليس عليهم من قبل الامام قاض ولا وال. والا كانوا يسألون عزل ولاتهم قبل أن يسألوا ذلك لاخوانهم أهل تيهرت. على أن نفوذ الرستميين بتاهرت كانوا مزاحمين فيه. فقد يخرجون منها ويتغلب غليها مزاحموهم. ٧ - الحكومة الرستمية الدولة الرستمية مستقلة استقلالا تاما. وحكومتها كسائر الحكومات الاسلامية مقيدة بالكتاب والسنة وأثر السلف. فهي دستورية انما دستورها الهي تقبله العقول وتذعن له القلوب. فهي في غنى عن مجلس تشريعي. انما حاجتها لرجال الدين. والسلطة التنفيذية للرئيس وأعوانه. والقضائية مستقلة تماما. والرئيس الاعلى يعين بالانتخاب لمدة حياته أو بالعهد اليه من سلفه. ويلقب الامام والخليفة وأمير المؤمنين. ولا يدعى هذه الالقاب من رؤساء الدول الصغرى غير الخوارج. وللامام مستشارون كالوزراء في الدول الكبرى وحفظة لبيت المال ومحتسبون ورجال شرطة. وظيفة المحتسبين الرفق بالحيوان وقمع الغش والمحافظة على النظافة. فيؤدبون الغاش ويخففون حمل الدواب ويأمرون بازالة القاذورات. والشرطيون يطوفون بدروب المدينة وانهجها لحفط الامن وتغيير المنكر. ولما اضعفت الفتن الدولة كثر الفجار وشربة الخمور. فلما كانت امامة ابي حاتم ولى الشرطة رجلين اشتدا في تغيير المنكر. فكسرت خوابي الخمر وشردت الغلمان واخدانهم في الجبال. وكان للقاضي دار وسجل وخاتم. وولي القضاء على عهد أفلح محكم الهواري من أهل أوراس. فتنازع ابو العباس أخو أفلح

стр. 438

وصهر له على أرض. وترافعا الى أفلح فردهما الى القاضي. فسبق أبو العباس. وجلس حذاء القاضي واستسقى جاريته. وبصر الخصم بمنزلة أبي العباس. فجلس خارج الباب. فلما رآه القاضي سأله عن موقفه. فأخبره الخبر. فغضب من هذا التحيل. ووبخ أبا العباس. واستدنى الخصم وسقاه ماء اظهارا للمساواة. وهذا أصل القضاء الاسلامي اذ يوجب التسوية بين الخصوم. ولنفوسه المنزلة السامية. فهم الذين يعينون الائمة فمن دونهم. ويشاركهم زعماء القبائل في النظر في الامور العامة. يجمعهم الامام بالمسجد اثر الصلاة. وللحكومة جند من العرب والعجم. وجل الاعتماد على القبائل الموالية لها. وكان للماية وحدهم ثلاثون الف فارس. والمالية تجمع من الزكوات والجزية وخراج الارضين. قال ابن الصغير متحدثا عن الجباة ومصارف مال الجباية: "يخرج أهل الصدقات أوان الطعام. ويأتون أهل النعم. فيقبضون الواجب لا يظلمون ولا يظلمون. فالطعام يدفع للفقراء. والشاة والبعير تباع. ويدفع منها عطاء العمال. وما بقي يوزع على الفقراء. فيحصون من في البلد منهم ومن حولها. ويحصى ما في الاهراء من الطعام. ويشترى من باقي مال الصدقة اكسية صوف وجباب وفراء وزيت. ويدفع لاهل كل بيت بقدر ذلك. ويؤثر بأكثر ذلك الاباضيون. وما اجتمع من الجزية والخراج وما أشبه ذلك يقطع منه الامام لنفسه وحشمه وقضاته وأهل شرطته والقائمين بأموره ما يكفيهم في سنتهم. وما فضل صرف في مصالح المسلمين". وهكذا ترى أن مالية الدولة على ضيق مواردها يرد أكثرها على فقراء الامة لبساطة النظام وانحصار المملكة في تيهرت وما حولها.

стр. 439

وكان بنو رستم يرومون التوسع شرقا ليرتبطوا ببني جنسهم وأهل مذهبهم. ولكن امامهم دولة بني العباس القوية التي تود سحقهم لولا ان وجودهم لازم لحفظ الموازنة بين دول المغرب. فبنو امية والادارسة يرونهم حاجزا بينهم وبين الاغالبة. والاغالبة عرفوا صعوبة مراس البربر. فضنوا بسلطانهم عن ان يضيعوه في حربهم ارضاء لبني العباس. وبنو العباس ليس لهم بد من ابقائهم سدا في وجوه تلك الدول. وعلاقة الرستميين مع دولة ماكناسة بسجلماسة حسنة لرابطة الخارجية وتقارب الاباضية والصفرية. وعلاقتهم كذلك مع بني أمية امراء الاندلس. قال البلاذري في كتابه فتوح البلدان: " وكان محمد بن الاغلب بن ابراهيم بن الاغلب احدث سنة ٢٣٩ مدينة بقرب تاهرت سماها العباسية. فأخربها أفلح بن عبد الوهاب الاباضي. وكتب الى الاموي صاحب الاندلس يعلمه ذلك تقربا اليه به. فبعث اليه الاموي مائة ألف درهم". وعلاقتهم مع أمراء القيروان تختلف سلما وحربا. ولم نعلم لهم حربا مع الاغالبة بالجزائر. وقبلهم عقدوا سلما مع روح بن حاتم. قال ابن الخطيب في كتاب الاعلام: "وملىء البربر من روح رعبا. ورغب الاباضيون منهم في موادعته". وفي ابن خلدون ان موادعة روح كانت لعبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم سنة ١٧١ ذكر ذلك في موضعين وحرفهما النساخ بما يجعل بينهما اختلافا. واشتبك الرستميون بالبربر بعدة مصاهرات. فكانت أم عبد الوهاب يفرنية وزوجه لواتية. وهذه سياسة رشيدة. خالفها أفلح ابن عبد الوهالة. فانه خشي من قوة القبائل المجاورة لتيهرت. فعمد الى سياسة التفريق. وبث الجواسيس والمفسذين بين الرئيس

стр. 440

ومرؤوسه والقبيلة وحليفتها. فاختلفت الآراء. وانحلت الروابط. وانطوت الصدور على الضغائن. واستحكمت النفرة بين القبائل. وظن أفلح أنه أفلح في سياسته. ولكنه ترك لمن بعده تراثا سيئا. فان سيادة تبنى على الدسائس لا بد ان ينهار صرحها لاول ضعف يبدو في الدولة. وهذا ما وقع بعد أفلح. فقد كانت أيامه خاتمة شباب الدولة وسياسته علة ضعفها. ٨ - الايمة الرستميون مبدأ الخوارج أن الامامة لا تنحصر في أسرة معينة. ولكن امامة تيهرت انحصرت في بني رستم. ولعل سبب ذلك المنافسة البربرية والسياسة الرستمية. فان منافسة البربر بعضهم لبعض أشد من منافستهم لاجنبي عنهم. فلو انتقلت الامامة الى قبيلة منهم لرامت الاستئثار بها ونازعتها بقية القبائل. والرستميون كانوا يقربون اليهم النقوسيين الاجانب مثلهم من المملكة ثقة بعدم مزاحمتهم لهم لفقد عصبيتهم. - عبد الرحمن بن رستم ١٤٤ - ٦٨ هـ ٧٦١ - ٨٤ م لا خلاف أنه فارسي. ونسب البكري رستما الى بهرام بن ذو شرار بن سابور بن بابكان بن سابور ذي الاكتاف الملك الفارسي. فيكون عبد الرحمن من سلالة الملك. وجعله ابن خلدون من ولد رستم امير الفرس يوم القادسية. وهو ليس من بيت الملك بل هو أرمني. بويع عبد الرحمن أولا بالامارة ثم بالامامة سنة ٦٠ بمد وفاة امامهم أي حاتم، وقدموه لانه لا قبيلة له تحميه اذا جار. وكان عالما زاهدا متواضعا. يجلس في المسجد للارملة والضعيف. قال ابن

стр. 441

الصغير: "وسيرته واحدة وقضاته مختارة وبيوت أمواله ممتلئة واصحاب شرطته والطائفون به قائمون بما يجب". - عبد الوهاب ١٦٨ - ٨٨ هـ ٧٨٤ - ٨٠٣ م بويع بعد وفاة أبيه. وكان مرشحا للامامة في حياته. واختلفت عليه الكلمة، فاسكت الخصوم بالحرب والسياسة. قال ابن الصغير: "وكان عبد الوهاب ملكا ضخما وسلطانا قاهرا. اجتمع له من أمر الاباضية وغيرهم ما لم يجتمع لاباضي قبله. ودان له منهم ما لم يدن لغيره. واجتمع له من الجيوش والحفدة ما لم يجتمع لاحد قبله". - افلح بن عبد الوهاب ١٨٨ - ٢٣٨ هـ ٨٠٣ - ٥٢ م كان مرشحا للامامة حياة والده. فبويع بها بعد وفاته. وكان داهية استطاع استطاع ان يحافظ على هناء تيهرت مدة امامته. قال ابن الصغير: "وعمر في امارته ما لم يعمره أحد ممن كان قبله. أقام خمسين عاما أميرا حتى نشأ له البنون وبنو البنين وشمخ في ملكه". ولم يذكر ابن الصغير سنة وفاته. وتقدم عن البلاذري أنه أخرب العباسية سنة ٣٩ ولكن ابن خلدون يقول أنه أخربها سنة ٢٧ فيحتمل أن أفلح توفي لتمام خمسين سنة من امارته وانه عاش بعدها قليلا. - ابو بكر بن أفلح بايعته نفوسة ولم يرضه بعض أهل المدينة. وكان ميالا الى الراحة مولعا بالادب تاركا الامر لاخيه أبي اليقظان وصهره محمد بن عرفة وهو رجل من وجهاء المدينة. فنفس عليه حاشية الامام تلك المنزلة. وسعوا في اغتياله. فقتله غيلة. وفتحت عليه فتنة أخرجته

стр. 442

من تيهرت. واستولى عليها محمد بن مسالمة الهواريبي، قال الباروني: "والظاهر أن مدته لم تبلغ سنتين". - أبو اليقظان محمد بن أفلح ٢٤١ - ٨١ هـ ٨٥٥ - ٩٤ م حج أيام والده، وتقبض عليه العباسيون، فسجنه الواثق مع أخيه المتوكل، فلما توفي الواثق وخرج المتوكل من السجن الى قصر الخلافة سرح أبا اليفظان وأحسن اليه، فعاد الى تيهرت، وقد اكتسب خبرة بشؤون الملك. فلما اخرج ابو بكر من المدينة خرج هو أيضا، ونزل بحصن لواتة، وهنالك بويع حوالي سنة ٤١ وزحف الى تيهرت، فامتنعت عليه سبع سنين. ثم دخلها. وعفا عن الثوار. واحيا رسوم الدولة، وكان يباشر التدريس بنفسه وتوفي باتفاق سنة ٢٨١. قال ابن الصغير: "عاش ابو اليقظان مائة سنة أو نحوها. وبقي في امارته نحوا من اربعين سنة. أدركته وحضرت مجلسه. وكان مربوع القامة ابيض الرأس واللحية (لانه أدركه شيخا) زاهدا ورعا ناسكا. افتتنت به نفوسة الجبل حتى انها أقامته في دينها وتحليلها وتحريمها مثل ما أقامت النصارى عيسى بن مريم". وهذا ان كان فانما هو من بسطاء العامة التي لا تعرف التعظيم حدا. - أبو حاتم يوسف ٢٨١ - ٩٤ هـ ٩٠٦ م هو ابن أبي اليقظان. بويع بعده. وكان شابا جميل الهيئة كثير المروءة واسع الاحسان محببا لدى العامة قبل ولايته. فلما بويع اضطربت عليه الامة. وثارت به الفتن. فأخرج من المدينة. ثم عاد اليها، وائتمر به بعض قرابته فقتلوه سنة ٢٩٤. وكان بكر بن حماد قد أوضع في الفتنة. فلما عاد الى تيهرت اعتذر له بقوله:

стр. 443

ومؤنسة لي بالعراق تركتها ... وغصن شبابي في الغصون نضير فقالت كما قال النواسي قبلها: ... "عزيز علينا ان نراك تسير،" (١) فقلت جفاني يوسف بن محمد ... فطال علي الليل وهو قصير ابا حاتم ما كان ما كان بغضة ... ولكن أتت بعد الامور أمور فاكرهني قوم خشيت عقابهم ... فداريتهم، والدائرات تدور واكرم عفو يؤثر الناس امره ... اذا ما عفا الانسان وهو قدير - يعقوب بن أفلح هو أخو أبي اليقظان. كان يأمل الامارة بعده، فلما صرفت الى أبي حاتم ارتحل الى زواغة، فلما أخرخ أبو حاتم من المدينة وحاصرها، استقدم أهلها يعقوب، وبايعوه. فحارب ابن أخيه، ثم سعى الى أهل الفضل في ايقاف الفتنة، فعقدوا مجلسا حضره المبعوثون من الطرفين: فحكموا برفع يديهما معا عن الحكومة لمدة أربعة أشهر، وهذا هو التحكيم الذي أنكره سلفهم على علي (ض). وفي هذه المدة كان ابو حاتم يستميل اليه الناس بسياسته ويستألفهم بصلاته، فلم تمض المدة حتى كان جمهور الناس معه. فاستقدموه من قصره بابي مينة، وأعادوه الى قصر الأمارة. وغادر يعقوب المدبنة ليلا الى زواغة بعدما قام أميرا نحو أربع سنوات، وكان بيد الهمة نزيه النفس ذا غرائب في مأكله وملبسه، وعاش ختى استولى الشيعة على تيهرت، فارتحل الى ورقلة، وعرض عليه أهلها بيعتهم، فقال: "لا يستتر الجمل بالغنم " ومات هنالك.

стр. 444

- اليقظان بن أبي اليقظان ٢٩٤ - ٢٩٦ هـ ٩٠٦ - ٩٠٩ م بويع بعد قتل أخيه أي حاتم، ولم يتمتع بالملك طويلا، فبقي مدة عامين وأمره في اضطراب الى أن قتله الشيعة في طائفة من أسرته، في شوال سنة ٩٦ وانتهت به الدولة الرستمية. تناسل بنو رستم بتيهرت وكثر عددهم ومع ذلك لم يزدحموا على الملك الا ما كان أيام ادبار دولتهم من القيام على ابي حاتم ثم قتله. فلهم بذلك مزية على غالب الاسر المالكة. ٩ - الاقتصاد والحضارة المملكة الرستمية صحراوية. ولهذا اتخذت عاصمتها حيث الجبال المتصلة بالصحراء. فالغالب على أهلها الترحال وسكنى الخيام والقيام على المواشي والتجارة في البر اما التجارة البحرية فبأيدي غيرهم لعدم اتصال المملكة بالسواحل. فلم يكن للرستميين مراكب بحرية ولا مصانع لها. والتجارة البحرية يومئذ للاندلسيين. فهم الذين يؤمون ببضائعهم المختلفة مراسي الجزائر مثل مرسى الحجاج وتنس ومرسى فروخ القريبة من مستغانم شرقا. ولهم اتصال بالرستميين في التجارة خصوصا من مرسى فروخ. وأهم تجارة تيهرت الى السودان. ولملوكها علائق حسنة مع الرستميين. ولها اتصال بالمشرق أيضا على طريق الصحراء الى القيروان وطرابلس ومصر. وعني بنو رستم بتأمين طرق القوافل. فكانوا يرسلون من طرفهم حامية تتلقى القوافل. وهذا ابو حاتم توفي والده وهو غائب. ذهب في جيش لحماية قوافل من المشرق.

стр. 445

وهكذا كانت البضائع تصدر من تيهرت واليها برا وبحرا وغربا وشرقا وشمالا وجنوبا. فتأتيها بضائع الاندلس والمغرب الاقصى والسودان وافريقية ومصر والشام والعراق والحجاز واليمن. وكانت الدواب والمواشي كثيرة بمملكة تيهرت. يكثر بها البقر والغنم وتوجد بها الخيل المسومة والبراذين الفراهيد. وللناس عناية بالفلاحة خصوصا حوالي الاودية. يزرعون القطن والكتان والسمسم والكسبر والكمون وغيرها. ويغرسون الاشجار المختلفة. ونشط الناس لانشاء العمارات والقصور في الاماكن الصالحة لها. فكان للأسرة الرستمية حصن في جوار لواتة يدعى تالميت به مواشيهم وعبيدهم. وللأمراء منهم قصور ومنتزهات في أملاكهم خارج تيهرت. وقد أطال ابن الصغير الحديث عن القصور. وقال: "وكانت العجم قد ابتنت القصور ونفوسة قد ابتنت العدوة والجند القادمون من افريقية قد ابتنوا المدينة العامرة اليوم". وانتقلت مع التجارة التي هي أهم موارد تيهرت حضارات الممالك الاخر. واضيفت الى حضارة البلاد الموروثة عن الرومان والروم. وتكون من مجموع ذلك حضارة تيهرتية مزيجة من عدة حضارات. فكانت تصنع بهذه المملكة نسائج الصوف والكتان وأواني الخزف والطين والزجاج والاثاث من الخشب المنحوت والمخروط والمموه والمرصع بالعاج أو الصدف. والصنائع متركبة من بربرية وفارسية وعربية ورومية واندلسية. عليها طابع الحضارة الاسلامية. وقد جاء بعد الرستميين دول اسلامية ذات حضارات متقاربة. فلا سبيل الى تمييز ما أبقته الحضارة الرستمية بالوطن الجزائري. ولو عني بالبحث عن آثار تيهرت لامكن الوصول الى شيء عن معرفة هذه الحضارة. ووطن مزاب حافظ حقا على عوائده القديمة ولكن

стр. 446

طول المدة وتوالي الفتن وضعف أهله مما يمنع الاعتماد على حضارته لمعرفة الحضارة الرستمية. ١٠ - العلوم والآداب نشأت الدولة الرستمية في بداية تاريخ المسلمين العلمي بما كان من اقبال المنصور العباسي فمن بعده على تجهيز المسلمين بالعلوم والمعارف بعد ما قضوا لبانتهم من الآداب العربية وبلغوا فيها الدرجة السامية أيام بني أمية. وقد عني الرستميون بنقل الكتب التي تظهر بالمشرق منبع الحركة الفكرية الاسلامية. ولكن عنايتهم بالعلوم الدينية أشد. فكانوا ايمة في العلم كما كانوا ايمة في السياسة يتدارسون التفسير والحديث والفقه والكلام والاخبار والاشعار والعلوم الرياضية. واشتهروا بالتنجيم والرمل. فعبد الرحمن كان مفسرا وله في التفسير تأليف. وابنه عبد الوهاب برز في العلوم الدينية. ونبغ أفلح في الادب وله في فضل العلم ومزاياه والتحريض عليه قصيدة مطلعها: العلم أبقى لأهل العلم آثارا ... يريك اشخاصهم روحا وابكارا وهي طويلة جيدة أثبتها الباروني بتمامها مشطرة. وكان من ايمة بني رستم من انتصب للتدريس بالمساجد العامة. وارسل عبد الوهاب الى اباضية البصرة ألف دينار ليشتروا له بها كتبا. فلما بلغتهم اشتروها ورقا استنسخوه كتبا. قالوا فكانت تلك الكتب وقر اربعين جملا. وجهوها له واتصل بها. وكانت بتيهرت مكتبة تدعى المعصومة قد حوت آلافا من المجلدات. ولما دخلت الشيعة تيهرت أحرقوا مكتبتها ما عدا كتب الرياضة والصنائع والفنون الدنيوية. وكانت العربية هي لسان الدولة الرسمي. يدل لذلك رسائل

стр. 447

الرستميين الى الامة البربرية في الحث على الطاعة والتمسك بالدين، وعقود ولايتهم لعمالهم بطرابلس. وقد أثبت الباروني نصوص رسائل وعقود. وكانت العربية لسان علومهم وآدابهم أيضا. اذ جل عنايتهم بالعلوم الدينية التي لا لغة لها غير العربية. ولم تفكر الحكومة الفارسية في نشر اللغة الفارسية او اتخاذها لغة رسمية اذ لا داعي لذلك لا من حيث الدين ولا من حيث السياسة. فالدين لغته عربية. وكون بني رستم في غير وطنهم بين قوم اشداء في عصبيتهم مما يدعوهم الى اعفاء العصبية الجنسية واحياء الرابطة الدينية التي لا يجمعهم بالبربر غيرها. واقتدت الامة البربرية بحكومتها- والناس على دين ملوكهم- في العناية بالعربية وعلومها وآدابها. ولم يصدهم عنها ثورتهم على الحكومة العربية لان الثورة اسبابا يغبط جدا من يجعل من بينها عداء البربر للعرب جنسيا أو دينيا أوعلميا اذ ليست فكرة عداء العرب والعربية موجودة لدى الامم الاسلامية يومئذ. وانما هي وليدة عصرنا الحاضر. تستر بها الملحدون توصلا لهدم التعاليم الاسلامية ويأبى الله الا أن يتم نوره ولو كره الملحدون. وعاشت البربرية مع العربية عيشة العامية اليوم مع الفصحى. وكان من البربر شعراء بالبربرية مجيدون نظير ما نسمع اليوم من قصائد عامية بليغة. والفت بها التآليف الدينية حرصا من رجال الدين على ايصال عقائده وعباداته الى العامة اذ لم يكن البربر يحسنون - طبعا- جميعهم العربية. وكان بالمملكة التيهرتية مذاهب غير الاباضية. منها الصفرية. كان لهم حصن تالغمت (يدعى اليوم تيلغمت. وهو وسط بين الاغواط وغرداية). والواصلية. مجمعهم قريب من تيهرت. يسكنون بيوت

стр. 448

الشعر. ويعتدون في نحو ثلاثين الفا. والعراقيون الشهيرون بالرأي والقياس والحجازيون الشهيرون بالسنة والاثر. ولهذه الطوائف مساجدها وعلماؤها وحلق دروسها. وكانوا بتيهرت يجتمعون للمناظرة والمباحثة في دائرة الادب وقانون العلم بغاية الحرية. قال ابن الصغير: "ومن أتى الى حلق الاباضية من غيرهم قربوه وناظروه ألطف مناظرة. وكذلك من اتى من الاباضية الى حلق غيرهم كان سبيله ذلك". وقال متحدثا عن الاباضيين: " ولا يمنعون أحدا من الصلاة في مساجدهم ولا يكشفونه عن حاله. ولو رأوه رافعا يديه، ما خلا المسجد الجامع فانهم اذا رأوا فيه من رفع يديه منعوه وزجروه فان عاد ضربوه". قال الباروني: والمسجد الجامع هو مسجد الامام. ولعلهم يفعلون ذلك بغير اذنه وعلمه. يريد ان ذلك من متعصبة العامة التي كثيرا ما تنصر دينها بما تأباه مبادي ذلك الدين نفسه. أصبحت تيهرت معدن العلم والادب ومحط رحال الطلبة حتى قال فيها أبو عبد الله البنا: "يفضلونها على دمشق وأخطأوا وعلى قرطبة وما أظنهم اصابوا". ولست أشك في انها دونهما ولكن حضورها في الذهن بحضورهما يكفي دليلا على تقدمها ورقيها. وقد نسب اليها علماء كثيرون في مختلف الفنون. ذكر البارني طائفة منهم. والفتن التي استمرت بتيهرت أواخر الحكومة الرستمية وبعدها ترشد الى أن أن الذين آثارهم أكثر من الذين عرفوا. فمنهم أبو الفضل أحمد بن القاسم التميمي البزاز. روى عنه أبو عمر بن عبد البر وغيره. ومنهم الشيخ أبو سهل. كان أفصح أهل زمانه في اللسان البربري. ألف به تآليف احترقت في بعض الفتن. وتولى خطة الترجمة للامامين أفلح ويوسف. ومنهم أبو عبيدة

стр. 449

الاعرج. أثنى عليه ابن الصغير. وقال قرأت عليه كتاب اصلاح الغلط لابن قتيبة. ومنهم ابن الصغير صاحب اخبار الايمة الرستميين. وهو كتاب لغته قريبة من العامية لكنه المادة الوحيدة لهذه الدولة. ونقل الكعاك عن المجلة الأسيوية الفرنسية الصادرة سنة ١٨٤٣م أن يهود بن قريش التاهرتي من أهل القرن الرابع كان يحسن العربية والعبرانية والبربرية والارمية والفارسية عالما بها جميعا متضلعا فيها. وقد اهتم بالبحث في اللغات وحاول المقاربة بين العبرانية والعربية والبربرية. وهو واضع اساس النحو التنظيري. وله كتاب في ذلك باللغة العربية وجد بمكتبة أوكسفورد بانكلترة وهو من نفس ما سطر في الموضوع. ١١ - ابو عبد الرحمن بكر بن حماد التاهرتي هو أبو عبد الرحمن بكر بن حماد بن سهل بن أبي اسماعيل الزناتي. نشأ بتيهرت. وارتحل الى المشرق في حداثة سنة ٢١٧ فسمع به الحديث من ابن مسدد وعمرو بن مرزوق وبشر بن حجر. واجتمع بأدبائها مثل أبي تمام حبيب وعلي بن الجهم وصريع الغواني ودعبل. ثم عاد الى القيروان. وسمع بها من سحنون وغيره. وجلس بها للحديث. ثم ارتحل الى تيهرت ومعه ولده عبد الرحمن. فاعترضه لصوص جرحوه وقتلوا ولده! قال الباروني عن المراكشي: وكانت وفاته بقلعة ابن حمة جو في مدينة تيهرت سنة ٢٩٦ وهو ابن ست وتسعين سنة. وكان ثقة مأمونا حافظا للحديث. قال المقري في نفح الطيب: ان قاسم بن اصبغ القرطبي رحل الى المشرق سنة ٢٧٤ ولقي بالقيروان بكر بن حماد الشاعر التاهرتي. وسمع منه حديث

стр. 450

مسدد. ولما قرأ قاسم حديثا فيه مجتابي الثمار قال له بكر الثمار. ولم يسلم أحدهما للآخر. فقال بكر لنذهب الى ذلك. يشير لشيخ بالمسجد. فحكم الشيخ لقاسم. فقال بكر- واخذ بأنفه- رغم أنفي للحق. وقال الباروني: ذكره يوسف بن ابراهيم الورجلاني في سلسلة حديث رواه بكتابه الدليل والبرهان. ومن هنا تعلم ان ثقته متفق عليها يروي عنه الخوارج وغيرهم. وكان نابغة في الادب. واشتهر بالشاعر. وله القصائد الطويلة الجيدة في الاغراض المختلفة من غزل ووصف ومديح وهجاء ورثاء واعتذار وزهد ووعظ. مدح الملوك والامراء بالمشرق والمغرب وعارض دعبل من متعصبة الشيعة وعمران بن حطان من الخوارج. وذكر الحافظ التنسي كلمته في معارضة مدح عمران بن حطان لابن ملجم على فعلته. وذكرها المسعودي ايضا في مروج الذهب ولكن لم ينسبها لاحد. ثم وقفت عليها منسوبة له في طبقات الشافعية الكبرى. وهي هذه: قال لابن ملجم- والاقدار غالبة- ... هدمت- ويلك- للاسلام اركانا قتلت أفضل من يمشي على قدم ... واول الناس اسلاما وايمانا واعلم الناس بالقرآن ثم بما ... سن الرسول لنا شرعا وتبيانا صهر النبي ومولاه وناصره ... اضحت مناقبه نورا وبرهانا وكان منه- على رغم الحسود له- ... مكان هارون من موسى بن عمرانا وكان في الحرب سيفا صارما ذكرا ... ليثا اذا لقي الاقران اقرانا ذكرت قاتله، والدمع منحدر، ... فقلت سبحان رب الناس سبحانا!! اني لاحسبه ما كان من بشر ... يخشى المعاد ولكن كان شيطانا

стр. 451

اشقى مراد اذا عدت قبائلها ... وأخسر الناس عند الله ميزانا كعاقر الناقة الاولى التي جلبت ... على ثمود بارض الحجر خسرانا قد كان يخبرهم ان سوف يخضبها ... قبل المنية أزمانا فأزمانا فلا عفا الله عنه ما تحمله ... ولا سقى قبر عمران بن حطانا لقوله في شقي ظل مجترما ... ونال ما ناله ظلما وعدوانا "يا ضربة من تقي ما أراد بها ... الا ليبلغ من ذي العرش رضوانا" بل ضربة من ذوي أورثته لظا ... مخلدا قد اتى الرحمن غضبانا كانه لم يرد قصدا بضربته ... الا ليصلى عذاب الخلد نيرانا ومما روى له التنسي في الدار والعقيان قوله: تبارك من ساس الامور بعلمه ... وذل له أهل السموات والارض ومن قسم الارزاق بين عباده ... وفضل بعض الناس فيها على بعض فمن ظن ان الحرص فيها يزيده ... فقولوا له يزداد في الطول والعرض وشعره كثير تناقله الرواة شرقا وغربا. ومنه قطع مبعثرة في بطون الكتب يحتاج في جمعها الى عناية أدبية وغيرة قومية. وحسبنا اداء لحق هذا الشاعر المجيد والمحدث الثقة أن افردناه بالكلام ونبهنا على فضله. ١٢ - الحروب والفتن قامت الدولة الرستمية على جهود البربر الثائرين على حكومة القيروان، فلم ترق دماء في سبيل تأسيسها. ولم تجاهد كغيرها

стр. 452

لاعلاء كلمة الاسلام لعدم مجاورة الكفار لها. على ان الخوارج انما يعنون بالثورة على الحكومات الاسلامية، ويرون ملوكها جائرين على الاطلاق. جاورها الادارسة ولم نعلم من حال هذا الجوار غير ما ذكره ابن خلدون في قوله: "حارب بني رستم جيرانهم من مغراوة وبني يفرن على الدخول في طاعة الادارسة لما ملكوا تلمسان، واخذت بها زناتة من لدن ثلاث وسبعين ومائة فامتنعوا عليهم سائر أيامهم". وجاورها أمراء القيروان. فلم نعلم عن هذا الجوار غير زحف عبد الرحمن لحصار طبنة فانه نزل تهودا. فلها انجلى الحصار عن عمر بن حفص انفذ جيشا لعبد الرحمن هزمه الى تيهرت. ثم كانت المهادنة ايام روح. وجاءت الدولة الاغلبية. فلم نعلم حدوث شيء بينهما في الجزائر غير تأسيس مدينة العباسية واخراجها. هذا كل ما نعلم عن الحالة الخارجية للدولة الرستمية. اما الحالة الداخلية فالحرب فيها أغلب من السلم. ذلك ان الحكومة لم تتمكن من بسط نفوذها في المملكة على ضيق رقعتها. فالقبائل مستقلة تحت امراء منهم. وليس ثم من وحدة سياسية ولا دينية. والحكومة اجنبية لا ثقة لها بالامة. وتتساهل لذلك في اتهامهم بالافتراء عليها. فنشأت الفتن من ضعف الحكومة وسوء ظنها بالامة. أول ما حدث فتنة يزيد بن فندين اليفرني، وسببها ان عبد الرحمن بن رستم لما احتضر ترك الامر شورى بين سبعة منهم ابنه عبد الوهاب وابن فندين. فاسندت الامامة لعبد الوهاب. وابى ابن فندين من البيعة الا بشرط تأسيس مجلس من الاعيان يخضع له الامام. فرفض اقتراحه. وسخطته الحكومة. فلم يصبر لهذه الاهانة وهو ذو عصبية. فأعلن الثورة.

стр. 453

وبعد وقائع كاد ابن فندين ينتصر. فطلب عبد الوهاب هدنة للنظر في شرطه وعرضه على اباضية المشرق ليفتوا فيه. فاجابه لذلك. وربح عبد الوهاب الوقت لجمع قوته ونشر دعايته بالمشرق واحسن الخروج من المأزق. أدرك ابن فندين مكيدة خصمه. فأعاد الحرب قبل ورود فتوى المشارقة. فدارت عليه الدائرة. وقتله أفلح بن عبد الوهاب. وتفرق جمعه. وبعد مدة ثأروا لصاحبهم من ميمون بن عبد الوهاب. فقتلوه. وعادت الحرب ثالثة. وانجلت بانتصار عبد الوهاب. فتح ابن فندين باب الحديث في الامامة وشروطها. فاتخذها أرباب المذاهب الاخر سلما للخروج عن طاعة الامام الاباضي. فأعلنت الواصلية ثورتها. وقصدت فيمن انضم اليها تيهرت. وكانت وقائع أشد من الاولى. والتجأ عبد الوهاب لطلب الهدنة. وبعد ان انعقدت استنجد نفوسة طرابلس. فبلغته نجدتهم وعادت الحرب وانجلت بانتصار عبد الوهاب كأول مرة. وتقدم في الفصل السادس ما كان من انكار بعض الناس لعمال عبد الوهاب وثورتهم. وانتهت بانهزامهم. وكان أمير هوارة خطب بنت شيخ لواتة. فأشير على عبد الوهاب بمصاهرة لواتة حتى تتحد مع هوارة. فخطب تلك البنت. وتزوجها. فوقعت بين الرستميين وهوارة حرب على نهر اسلان. وتعددت المعارك. ثم انهزمت هوارة. وكان ابو بكر بن أفلح قد صاهر من أعيان المدينة رجلا يدعى محمد بن عرفة. وفوض اليه أمر الحكومة. فنفس عليه وجاهته بطانة الامام. وزينوا له اغتياله. فأرسل اليه ليخرج معه الى منتزه له يعرف بجنان الامير. ولما قاما الى صلاة المغرب طعن خادم ابي

стр. 454

بكر ابن عرفة. والقى شلوه في شق هنالك فافتقد الناس ابن عرفة. ثم وقفوا على جلية أمره. واستخرجوا شلوه. فثاروا بأبي بكر. وكان يوم من أشد الايام. فقد فيه ابو بكر امامته. وبقيت الحرب بين أنصار الحكومة واعدائها قائمة على ساق. وحكمت أخيرا بفشل نفوسة والعجم. قال ابن الصغير: "لما نزل بالعجم ونفوسة ما نزل تفرقوا في أقاصي البلاد. فنزلت العجم بموضع يقال له تابغيلت وهي على مرحلتين من مدينة تاهرت (١) ونزلت الرستمية ومن لف لفها باسكيدال وبه ابو اليقظان. وهو مجمع الاباضية قبلة تاهرت على يوم أو أزيد قليلا. ونزلت نفوسة بقلعة مانعة يقال لها اليوم قلعة نفوسة". عقب هذه الفتنة استولى محمد بن مسالة على تاهرت. وحارب بقومه واهل المدينة لواتة. واجلاها الى حصنها على مقربة من تاسلونت منبع عيون نهو مينة. ودعت ابا اليقظان الى جوارها. هنالك اجتمع الى ابي اليقظان شيعته. فذهب بهم الى تيهرت. فامتنعت عليه سبع سنين. ثم استنجد نفوسة طرابلس. فأنجدوه. وتقوى بهم في حين أن أهل تيهرت أجهدهم الحصار. فتقدمت رسله الى المدينة مبشرين ومنذرين. فرضي أهلها باسلامها الى ابي اليقظان على أن لا يؤاخذوا بما ذهب ايام الفتنة من أنفس واموال فرضي شرطهم ودخل المدينة. وأعلن العفو العام. ونفى ابو حاتم بعض أعيان المدينة بتهمة التآمر على قتله، إلى موضع يدعى الثلة. وبعد مدة دخلوا تيهرت في حماية أنصارهم.

стр. 455

فخشي أبو حاتم على نفسه. فخرج الى تالميت في أهله والعجم ونفوسة. واجتمعت اليه لواتة وقبائل الصحراء ما عدا أهل تيلغمت فانهم شايعوا التيهرتيين. استعد أبو حاتم لفتح تاهرت. فقصدها من ثلاث جهات: جاء هو في الرستميين ولواتة وغيرهم من ناحية القبلة. وزحفت العجم وصنهاجة ومن لف لفها من ناحية المشرق. وتقدمت نفوسة ومن انضاف اليها من ناحية المغرب. ودارت رحا الحرب من الجهات الثلاث. فرغب التهرتيون في السلم. فاشترط ابو حاتم تسليم شيوخهم اليه يرى فيهم رأيه. فلم يقبلوا. وعادت الحرب. واستدعى التيهرتيون يعقوب بن أفلح من مكانة بزواغة. وكان منابذا لابن أخيه. فبايعوه. وانحازت اليهم بذلك طائفة من لواتة. وعادت الحرب جذعة. وبعد اربع سنين من اتقاد نار هذه الفتنة تقدم ابو يعقوب المزاتي في قومه ونزل حول تيهرت لايقاف الفتنة. وسئمت الناس الحرب. فرضوا وساطته. فعقد هدنة لمدة اربعة أشهر. تقوى فيها حزب ابي حاتم. فدخل المدينة. وغادرها عمه يعقوب. ها قد وقفنا بالقارىء على ناحية من مناحي حياة هذه الدولة في ايجاز من غير اطالة بوصف المعارك واحصاء القتلى وذكر الابطال. ولا يستبعد مع هذه الفتن ما قدمنا من حديث العمران والمعارف فان القوم كانوا أحرارا. والحرية تعمل مع الفتن ما لا يعمله الاستعباد مع الامن. ١٣ - سقوط الدولة الرستمية تأسست الدولة الرستمية بتأسيس تيهرت سنة ١٤٤ (٧٦١م) وبويع

стр. 456

مؤسسها عبد الرحمن بن رستم بالخلافة سنة ١٦٠ وسقطت في أيدي الشيعة سنة ٢٩٦ (٩٠٩م) فتكون مدتها ١٥٢ سنة قمرية (١٤٨ شمسية) والبكري موافق في تاريخ تأسيس الدولة وسقوطها. ولكن يقول ان مدة الرستميين كانت ثلاثين ومائة سنة. أما اسباب سقوطها فترجع الى افتراق كلمة الامة واختلاف الرستميين فيما بينهم وظهور عدو قوي الى جانبهم هم الشيعة. وقد رأيت في الفصل السابق كثرة الثورات لأسباب ضعيفة واستفحال أمرها حتى ان الثائرين قد يستولون على العاصمة ويطردون منها الرستميين وذ لك يدل على ان القبائل كانت ذات حرية واسعة اكتسبتها بقوتها وضعف الحكومة ولم تحسن استعمالها. وهؤلاء الرستميون الذين لم تكن لهم قوة حربية تجعل القبائل تحت سلطانهم فعلا أخذ داء التنافس يسري اليهم. وبدأ ذلك عصر ابي حاتم حيث ان عمه يعقوب خالف عليه أولا ثم خالف عليه أخوه اليقظان ثانيا وافضى الخلاف الى قتله وانتصاب اليقظان مكانه. وكان لأبي حاتم بنت تدعى دوسرا قد أحرق كبدها ما نزل بأبيها. وكثير من أهل تيهرت غير راضين عن اليقظان. فالشعب كانت تعبث باتحاده العصبيات القومية والتعصبات المذهبية. والحكومة تعبث بهيبتها المنافسات السياسية والاختلافات الداخلية. تلك حالة الدولة الرستمية في الوقت الذي ظهرت فيه الدعوة الشيعية بكتامة وقضت على دولة الاغالبة. لما قضى أبو عبد الله الشيعي على دولةْ الاغالبة قصد تيهرت ونزل عليها. ولم يلق في طريقه كيدا. فخرج اليه أهلها متبرئين من اليقظان وواعدين له بفتح المدينة. ثم خرج اليقظان في جمع من أهل بيته. ولقي أبا عبد الله الشيعي مسلما مسالما. وخشيت دوسرا ان

стр. 457

يبقى عليه. فامته مع أخ لها ووعدته نفسها زواجا ان هو ثأر لها من قتلة أبيها فأتى القتل على اليقظان ومن معه. وفرت دوسرا فلم يوقف لها على أثر. وسقطت الحكومة والامة في يد الشيعة. وهكذا استولى ابو عبد الله الشيعي على دولة تيهرت بكل سهولة. لانه وجد أمة بلا حكومة وحكومة بلا أمة. وفي ذلك درس مفيد لكل حكومة أجنبية تعتمد على أجانب مثلها وتقصي أهل الوطن عن ساحة الحكم. وفي ذلك أيضا درس جليل الفائدة لكل شعب يكون قليل الانقياد لحكومته كثير الثورات عليها من غير ان يرسم لطريق جهاده خطة معينة ويلتف على زعيم قوي مرضي يحسن السير به الى غاية واضحة. ١٤ - تيهرت تيهرت بكسر التاء بعدها ياء فهاء مفتوحة فراء ساكنة. ويقال أيضا تاهرت. وهي اسم لمدينتين احداهما على ربوة يحيط بها سور أسست قبل الاسلام. وافتتحها القائد العظيم عقبة بن نافع. وكانت لبرقجانة. وضعف عمرانها منذ العصر الرومي. وانتعشت قليلا ايام الرستميين. وكانت تدعى تاهرت عبد الخالق وتدعى ايضا حصن ابن بخاتة. وبعد الرستميين خربت وأسس مكانها تيهرت الفرنسية المدعوة اليوم تيارت. والثانية تيهرت الحديثة أسسها عبد الرحمن بن رستم سنة ١٤٤ (٧٦١م) غربي القديمة على خمسة أميال منها محاذية لتاقدمت. وقد غلط بعضهم فسمى تيهرت الحديثة. تاقدمت. وموضعها كان غيضة أشبة مملوكا لقوم مستضعفين من مراسة وصنهاجة. فارادهم عبد الرحمن على البيع. فامتنعوا. فاكتراه منهم بخراج الاسواق.

стр. 458

وشرعوا في تأسيسها. فعمرت واتسعت خطتها وطار في الآفاق صيتها حتى دعيت عراق المغرب وبلغ المغرب الحاقا لها بهما في المعارف والعمران والحضارة. اختار الرستميون موقعها لكونه بين قبائل اباضية وارضها مملوكة لقوم مستضعفين ليكونوا في مأمن من هجمات المخالفين وراحة من قبيلة المالكين. فهم بضعفهم لا يطمعون في التغلب على الدولة. ولموقعها مزية لديهم أيضا وهو اشرافه على الصحراء اذ كان أغلب القوم رحالا قائمين على المواشي. ففي الصحراء يجدون حاجة ماشيتهم. والرستميون مرتبطون مذهبا بنفوسة طرابلس. وبواسطة الصحراء يمكنهم ادامة الروابط معهم. اختطوا بهذه المدينة المنازل والقصور. وأجروا اليها المياه. قال الادريسي: "وبها مياه متدفقة وعيون جارية تدخل أكثر ديارهم يتصرفون بها". أصبح عمران تيهرت وعدل ايمتها حديث الرفاق تنقله الى الآفاق. فأمها الناس من كل ناحية. قال ابن الصغير: "واتتهم الوفود والرفاق من كل الامصار واقاصي الاقطار. فقلما ينزل بهم أحد من الغرباء الا استوطن معهم وابتنى بيتا بين أظهرهم لما يراه من رخاء البلد وحسن سيرة امامه وعدله في رعيته وأمانه على نفسه وماله حتى لا ترى دارا الا قيل هذه لفلان الكوفي وهذه لفلان البصري وهذه لفلان القروي وهذا مسجد القرويين ورحبتهم وهذا مسجد البصريين وهذا مسجد الكوفيين. واستعملت السبل الى بلاد السودان وغيرها من البلدان من مشرق ومغرب بالتجارة وصنوف الامتعة. والعمارة زائدة، والناس والتجار من كل الاقطار قابلون". وقال البكري: "مدينة تيهرت مسورة لها ثلاثة أبواب (١) باب

стр. 459

الصبا وباب المنازل وباب الاندلس وباب المطاحن وغيرها، وهي في سفح جبل يقال له قزول (وهو بتخفيف الزاي وهكذا يدعى اليوم)، ولها قصبة مشرفة على السوق، تسمى المعصومة، وهي على نهر يأتيها من جهة القبلة يسمى مينة وهو في قبليها، ونهر آخر يجري من عيون تجمع تسمى تاتش، ومن تاتش شرب أهلها وبساتينها، وهو في شرقيها .. وهي شديدة البرد كثيرة الغيوم والثلج، قال بكر ابن حماد: ما أخشن البرد وريعانه ... وأطرف الشمس بتاهرت تبدو من الغيم اذا ما بدت ... كانها تنتشر من تحت فنحن في بحر بلا لجة ... تجري بنا الريح على السمت نفرح بالشمس اذا ما بدت ... كفرحة الذمي بالسبت ونظر رجل من أهل تاهرت الى توقد الشمس بالحجاز فقال: احرقي ما شئت فوالله انك بتاهرت لذليلة!، ومسجد تاهرت الجامع أسسه عبد الرحمن وهو من اربع بلاطات، قال محمد بن يوسف: وبها أسواق عامرة وحمامات كثيرة، يسمى منها اثني عشر حماما. ومنذ سقطت الدولة الرستمية اصبحت تيهرت نقطة عراك بين الشيعة وزناتة يتغلب عليها هؤلاء تارة وأولئك أخرى. فأخذ عمرانها في التراجع. واحرقت النار اسواقها في شوال سنة ٣٠٥ كما في القرطاس. ثم كانت فتنة ابن غانية. وتكرر دخوله لتيهرت، فاحتمل أهلها وتفرقوا في البلاد، وذلك سنة ٦٢٠ وكان ذلك آخر العهد بعمارتها، وأرضها اليوم تحرث، ولم يبق منها الا انقاض وبعض سورها، والاماكن تشقى وتسعد.

стр. 460

ـ[صورة]ـ قاعة الصلاة بجامع سيدي أبو مدين
следующие страницы →