مؤسسها عبد الرحمن بن رستم بالخلافة سنة ١٦٠ وسقطت في أيدي الشيعة سنة ٢٩٦ (٩٠٩م) فتكون مدتها ١٥٢ سنة قمرية (١٤٨ شمسية) والبكري موافق في تاريخ تأسيس الدولة وسقوطها. ولكن يقول ان مدة الرستميين كانت ثلاثين ومائة سنة.
أما اسباب سقوطها فترجع الى افتراق كلمة الامة واختلاف الرستميين فيما بينهم وظهور عدو قوي الى جانبهم هم الشيعة. وقد رأيت في الفصل السابق كثرة الثورات لأسباب ضعيفة واستفحال أمرها حتى ان الثائرين قد يستولون على العاصمة ويطردون منها الرستميين وذ لك يدل على ان القبائل كانت ذات حرية واسعة اكتسبتها بقوتها وضعف الحكومة ولم تحسن استعمالها.
وهؤلاء الرستميون الذين لم تكن لهم قوة حربية تجعل القبائل تحت سلطانهم فعلا أخذ داء التنافس يسري اليهم. وبدأ ذلك عصر ابي حاتم حيث ان عمه يعقوب خالف عليه أولا ثم خالف عليه أخوه اليقظان ثانيا وافضى الخلاف الى قتله وانتصاب اليقظان مكانه. وكان لأبي حاتم بنت تدعى دوسرا قد أحرق كبدها ما نزل بأبيها. وكثير من أهل تيهرت غير راضين عن اليقظان.
فالشعب كانت تعبث باتحاده العصبيات القومية والتعصبات المذهبية. والحكومة تعبث بهيبتها المنافسات السياسية والاختلافات الداخلية. تلك حالة الدولة الرستمية في الوقت الذي ظهرت فيه الدعوة الشيعية بكتامة وقضت على دولة الاغالبة.
لما قضى أبو عبد الله الشيعي على دولةْ الاغالبة قصد تيهرت ونزل عليها. ولم يلق في طريقه كيدا. فخرج اليه أهلها متبرئين من اليقظان وواعدين له بفتح المدينة. ثم خرج اليقظان في جمع من أهل بيته. ولقي أبا عبد الله الشيعي مسلما مسالما. وخشيت دوسرا ان
стр. 457
يبقى عليه. فامته مع أخ لها ووعدته نفسها زواجا ان هو ثأر لها من قتلة أبيها فأتى القتل على اليقظان ومن معه. وفرت دوسرا فلم يوقف لها على أثر. وسقطت الحكومة والامة في يد الشيعة.
وهكذا استولى ابو عبد الله الشيعي على دولة تيهرت بكل سهولة. لانه وجد أمة بلا حكومة وحكومة بلا أمة. وفي ذلك درس مفيد لكل حكومة أجنبية تعتمد على أجانب مثلها وتقصي أهل الوطن عن ساحة الحكم. وفي ذلك أيضا درس جليل الفائدة لكل شعب يكون قليل الانقياد لحكومته كثير الثورات عليها من غير ان يرسم لطريق جهاده خطة معينة ويلتف على زعيم قوي مرضي يحسن السير به الى غاية واضحة.
١٤ - تيهرت
تيهرت بكسر التاء بعدها ياء فهاء مفتوحة فراء ساكنة. ويقال أيضا تاهرت. وهي اسم لمدينتين احداهما على ربوة يحيط بها سور أسست قبل الاسلام. وافتتحها القائد العظيم عقبة بن نافع. وكانت لبرقجانة. وضعف عمرانها منذ العصر الرومي. وانتعشت قليلا ايام الرستميين. وكانت تدعى تاهرت عبد الخالق وتدعى ايضا حصن ابن بخاتة. وبعد الرستميين خربت وأسس مكانها تيهرت الفرنسية المدعوة اليوم تيارت.
والثانية تيهرت الحديثة أسسها عبد الرحمن بن رستم سنة ١٤٤ (٧٦١م) غربي القديمة على خمسة أميال منها محاذية لتاقدمت. وقد غلط بعضهم فسمى تيهرت الحديثة. تاقدمت. وموضعها كان غيضة أشبة مملوكا لقوم مستضعفين من مراسة وصنهاجة. فارادهم عبد الرحمن على البيع. فامتنعوا. فاكتراه منهم بخراج الاسواق.
стр. 458
وشرعوا في تأسيسها. فعمرت واتسعت خطتها وطار في الآفاق صيتها حتى دعيت عراق المغرب وبلغ المغرب الحاقا لها بهما في المعارف والعمران والحضارة.
اختار الرستميون موقعها لكونه بين قبائل اباضية وارضها مملوكة لقوم مستضعفين ليكونوا في مأمن من هجمات المخالفين وراحة من قبيلة المالكين. فهم بضعفهم لا يطمعون في التغلب على الدولة. ولموقعها مزية لديهم أيضا وهو اشرافه على الصحراء اذ كان أغلب القوم رحالا قائمين على المواشي. ففي الصحراء يجدون حاجة ماشيتهم. والرستميون مرتبطون مذهبا بنفوسة طرابلس. وبواسطة الصحراء يمكنهم ادامة الروابط معهم. اختطوا بهذه المدينة المنازل والقصور. وأجروا اليها المياه. قال الادريسي: "وبها مياه متدفقة وعيون جارية تدخل أكثر ديارهم يتصرفون بها".
أصبح عمران تيهرت وعدل ايمتها حديث الرفاق تنقله الى الآفاق. فأمها الناس من كل ناحية. قال ابن الصغير: "واتتهم الوفود والرفاق من كل الامصار واقاصي الاقطار. فقلما ينزل بهم أحد من الغرباء الا استوطن معهم وابتنى بيتا بين أظهرهم لما يراه من رخاء البلد وحسن سيرة امامه وعدله في رعيته وأمانه على نفسه وماله حتى لا ترى دارا الا قيل هذه لفلان الكوفي وهذه لفلان البصري وهذه لفلان القروي وهذا مسجد القرويين ورحبتهم وهذا مسجد البصريين وهذا مسجد الكوفيين. واستعملت السبل الى بلاد السودان وغيرها من البلدان من مشرق ومغرب بالتجارة وصنوف الامتعة. والعمارة زائدة، والناس والتجار من كل الاقطار قابلون".
وقال البكري: "مدينة تيهرت مسورة لها ثلاثة أبواب (١) باب
стр. 459
الصبا وباب المنازل وباب الاندلس وباب المطاحن وغيرها، وهي في سفح جبل يقال له قزول (وهو بتخفيف الزاي وهكذا يدعى اليوم)، ولها قصبة مشرفة على السوق، تسمى المعصومة، وهي على نهر يأتيها من جهة القبلة يسمى مينة وهو في قبليها، ونهر آخر يجري من عيون تجمع تسمى تاتش، ومن تاتش شرب أهلها وبساتينها، وهو في شرقيها .. وهي شديدة البرد كثيرة الغيوم والثلج، قال بكر ابن حماد:
ما أخشن البرد وريعانه ... وأطرف الشمس بتاهرت
تبدو من الغيم اذا ما بدت ... كانها تنتشر من تحت
فنحن في بحر بلا لجة ... تجري بنا الريح على السمت
نفرح بالشمس اذا ما بدت ... كفرحة الذمي بالسبت
ونظر رجل من أهل تاهرت الى توقد الشمس بالحجاز فقال: احرقي ما شئت فوالله انك بتاهرت لذليلة!، ومسجد تاهرت الجامع أسسه عبد الرحمن وهو من اربع بلاطات، قال محمد بن يوسف: وبها أسواق عامرة وحمامات كثيرة، يسمى منها اثني عشر حماما.
ومنذ سقطت الدولة الرستمية اصبحت تيهرت نقطة عراك بين الشيعة وزناتة يتغلب عليها هؤلاء تارة وأولئك أخرى. فأخذ عمرانها في التراجع. واحرقت النار اسواقها في شوال سنة ٣٠٥ كما في القرطاس. ثم كانت فتنة ابن غانية. وتكرر دخوله لتيهرت، فاحتمل أهلها وتفرقوا في البلاد، وذلك سنة ٦٢٠ وكان ذلك آخر العهد بعمارتها، وأرضها اليوم تحرث، ولم يبق منها الا انقاض وبعض سورها، والاماكن تشقى وتسعد.
стр. 460
ـ[صورة]ـ قاعة الصلاة بجامع سيدي أبو مدين
стр. 461
الباب الثالث
في الدولة الادريسية
стр. 462
١ - تمهيد
بينما كان بنو العباس يعملون لهدم دولة بني أمية شرقا كان البربر يعملون لذلك أيضا غربا، ولكن العباسيون يهدمون ليبنوا، والبربر يهدمون توصلا للفوضى. وما اتم بنو العباس بناء دولتهم بالمشرق حتى اتم البربر عمل فوضاهم بالمغرب. ولما أخذ العباسيون يسترجعون المغرب لسلطانهم استقل بنو رستم ببعض المغرب الاوسط وما بقي منه كان تابعا لامراء القيروان ظاهرا ومستقلا في داخليته تحت شيوخ قبائله. ومثل ذلك المغرب الاقصى.
ولم تكن الدولة العباسية شرقا سالمة من المنافس. فان الطالبيين نهضوا طالبين لانفسهم الخلافة وثاروا مرارا. ولكن كان نصيبهم الإخفاق. وفي أيام موسى الهادي ظهر الحسين بن علي بن حسن المثلث بن حسن المثنى بن الحسن السبط. وثار على عامل المدينة. وتغلب عليه. وبعد أيام خرج الى مكة. ولما بلغها انضم اليه طائفة من عبيدها. وكان الفصل فصل موسم الحج. وقد حج جماعة من وجوه بني العباس وشيعتهم. فنشبت الحرب بين العباسيين والطالبيين ثامن ذي الحجة. فانهزم الحسين ثم قتل بفخ قريبا من مكة من طائفة من ذوي قرابته. وذلك سنة ١٦٩.
وحضر هذه الواقعة ادريس وسليمان ابنا عبد الله الكامل بن الحسن المثنى. فاما سليمان فقيل نجا وقيل قتل فيمن قتل مع الحسين. واما ادريس فنجا وايس ان يكون للطالبيين مع العباسيين
стр. 463
بالمشرق أمر. وقد علم ما عليه المغرب من ضعف سلطان بني الغباس به. فقصده. ومر بمصر. وكان صاحب بريدها الى المغرب يتشيع. وهو واضح المعروف بالمسكين مولى لصالح بن المنصور. فحمله الى المغرب.
وقد ساق البكري حديث نزوح ادريس الى المغرب نقلا عن ابي الحسن النوفلي. قال: "قال النوفلي ان ادريس ابن عبد الله انهزم فيمن انهزم من وقعة حسين صاحب فخ .. فاستتر مدة. وألح السلطان في طلبه. فخرج به راشد، وكان عاقلا شجاعا أبدا ذا حزم ولطف، في جملة الحاج منحاشا عن الناس، بعد أن غيه زيه والبسه مدرعة وعمامة غليظة. وصيره كالغلام يخدمه. وان امره ونهاه أسرع في ذلك. فسلما حتى دخلا مصر ليلا. فبينما هما متحيران يمشيان في بعض طرقها لا هداية لهما بالبلد، اذ مرا بدار مشيدة يدل ظاهرها على باطنها ونعمة أهلها. فجلسا في دكان على باب الدار فرآهما صاحب الدار. فعرف فيهما الحجازية. وتوسم في خلقتهما الغربة فقال أحسبكما غريبين. قالا نعم. قال وأراكما مدنيين. قالا نعم. نحن كما ظننت. فاذا الرجل من موالي بني العباس. فقام اليه راشد. وقد توسم. فيه الخير، فقال له يا هذا قد أردت أن ألقي اليك شيئا. ولست أفعل حتى تعطيني موثقا أن تفعل احدى خلتين اما اويتنا وتتقرب الى الله بالاحسان الينا وحفظت فينا نبيك محمدا (ص)، وان كرهت ما القيته اليك سترته علينا. فأعطاه على ذلك موثقا. فقال له هذا ادريس بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن ابي طالب خرج من موضعه مع حسين بن علي. فسلم من القتل. وقد جئت به أريد بلاد البربر. فانه بلد ناء لعله يأمن فيه ويعجز من يطلبه. فأدخلهما منزله. وسترهما حتى تهيأ خروج ورفقة الى افريقية فاكترى لهما جملا وزودهما وكساهما. فلما عزم القوم على الشخوص
стр. 464
قال لهما ان لامير مصر مسالح لا يجوز احد الا فتشوه وههنا طريق أعرفها لا يسلكها الناس. فأنا أحمل هذا الفتى معي، يعني أدريس. في هذه الطريق الغامضة البعيدة. فالقاك به، يقول راشد، في موضع كذا. وهنالك تنقطع مسالح مصر. فكب راشد في أحد شقي المحمل. ووضع متاعه في الشق الآخر. ومضى مع الناس في القافلة. وخرج الرجل على فرس له. وحمل ادريس على فرس أخرى. فمضى به في الطريق الغامضة، وهي مسيرة أيام، حتى تقدما الرفقة. وأقاما ينتظرانها حتى وردت. فركب ادريس مع راشد حتى اذا قربا من افريقية تركا دخولها. وسارا في بلاد البربر حتى انتهيا الى بلاد فاس وطنجة".
هذا حديت البكري. ومراده بافريقية القيروان. وصاحبها يومئذ من قبل العباسيين روح بن حاتم. وفي الاستقصاء: ان ادريس دخل القيروان واقام بها مدة. ثم خرج هو وراشد حتى أتيا تلمسان. فأراحا بها أياما. ثم ارتحلا نحو طنجة. فعبرا وادي ملوية. ودخلا بلاد السوس الادنى. وتقدما الى مدينة طنجة. ونحوه في القرطاس لابن أبي زرع.
ومن طنجة خرج ادريس ومولاه راشد الى مدينة وليلي. فنزلا على صاحبها اسحق بن محمد بن عبد الحميد الاوربي. فاكرم مثواهما. وعرفه ادريس بنفسه فبالغ في اكرامه وخدمته. وكان نزولهما بوليلى غرة ربيع الاول سنة ١٧٢.
قال ابن ابي زرع: "ومدينة وليلي قاعدة جبل زرهون. وكانت مدينة متوسطة خصبة كثيرة المياه والغروس والزيتون. وكان لها سور عظيم من بنيان الاوائل". قال السلوى: "يقال انها المسماة اليوم بقصر فرعون"
стр. 465
٢ - تأسيس الدولة الادريسية
كان اسحق الاوربي أمير قومه. ولما نزل عليه أدريس عرفه بنفسه وكاشفه بسره وانه يريد أن يؤسس للطالبيين بالمغرب ما عجزوا عليه بالمشرق. فاجابه اسحق الى ما أراد. ولما كان شهر رمضان جمع عشيرته وعرفهم بادريس. وقرر لهم علمه وفضله ودينه. وعرض عليهم مبايعته، فاجابوه وبايعوه على السمع والطاعة والقيام بأمره والاقتداء به في صلواتهم وغزواتهم. وبعد البيعة قام ادريس خطيبا. فقال: "ايها الناس لا تمدن الاعناق الى غيرنا فان الذي تجدونه من الحق عندنا لا تجدونه عند غيرنا".
بايعت أوربه وتلتها مغيلة وصدينة من بني فاتن. ثم وفدت عليه للبيعة قبائل زواغة وغياثة ومكناسة وغمارة في قبائل أخر من زناتة وغيرهم، فلم يلبث أن جهز الجيوش من أوربة وزناتةْ وهوارة وصنهاجة وغيرها. وقصد بها تامسنا وتادلا من البلاد الواقعة جنوب وليلي الى ناحية المحيط الغربي. وكان أكثر أهلها على اليهودية والمسيحية والوثنية. والاسلام فيهم قليل. فغزاهم ادريس وفتح حصونهم فاسلموا جميعا. وعاد مؤيدا منصورا فدخل وليلي اواخر ذي الحجة من سنة ١٧٢.
بينما كان ادريس يخشى أقل الناس ان يعرف مكانه فينم به الى أي وال عباسي فيريق دمه اذا به يؤسس دولة في غير وطنه ويغزو في غير قومه. كل ذلك كان في ظرف أشهر!
لقد فر قبله من بني العباس عبد الرحمن بن معاوية بن هشام الاموي. ونزل الاندلس. ولم يقف عند حد الامن على حياته بل كون تلك الدولة الراقية التي أضاءت على أروبا ثم غربت في حمئة حضارتها. ودعاه ابر جعفر المنصور "صقر قريش" وامره - وان كان
стр. 466
عجيبا- يقر به ان له سلفا في الملك ولقومه بني أميه عصبية من العرب قوية وقد فتحت الاندلس بقواد جدوده وجيوشهم. وفر كذلك من بني العباس عبد الرحمن بن رستم الى المغرب الاوسط. واسس به دولة من قوم لا يتصلون من نسبه بسبب. ولكن يسهل أمره أيضا اتحاده مع أولئك القوم مذهبا وقد عرفوه قبل أيام امامهم أبي الخطاب وعرفوا منزلته لديه. أما ادريس فشأنه اعجب اذ ليس له مع البربر أي سبب. وليس أمره مما تنتجه المصادفات أو يرتفع عن مدارك العقول.
ادريس انما قصد المغرب لعلمه بانحراف أهله عن بني العباس وبعده عن مركز خلافتهم. ولكن هل قصده لمجرد النجاة بنفسه؟ اذن فلم أوغل في المغرب؟ أما كان يكفيه ان يدس نفسه في قبيلة غير خاضعة لولاة القيروان؟
ادريس أكبر نفسا من ان يفر هذا الفرار الى مكان سحيق طلبا للحياة الشخصية. وهو أنبه قدرا من ان يرضي بالخمول وهو أشرف نسبا من أن يدمج نفسه في البربر. وأرى أنه انما قصد المغرب اظهارا للدعوة الطالبية ورجاء في تأسيس دولة علوية اذ ايس من ذلك بالمشرق وانقطعت ثقته بالعرب. وقد رأى العباسيين انتصروا بالفرس فبحث عن شيعة له من البربر.
وقد كان البربر يرتحلون الى المشرق طلبا للعلم وأداء لفريضة الحج ثم يعودون وقد حملوا معهم صورا من نزاعات المشرق السياسية ونزعاته الدينية. وكان من المذاهب الدينية مذهب الزيدية من الشيعة. وهو مذهب ادريس. ومن النزاعات السياسية نزاع العباسيين والطالبيين وكان البربر يتأثرون بكل ما يجري بالمشرق فيجري بوطنهم من الانقسام السياسي والاختلاف الديني مثل ما يجري بالمشرق. فلا بد أن يكون البرب قد عرفوا المذهب الزيدي ولا بد ان
стр. 467
يكون منهم من بلغته احاديث اضطهادات العباسيين للعلويين الفاطميين فود لو يتقرب الى الله بنصرة آل بيت رسوله ويحميهم من اعدائهم.
ولعل ادريس قد بحث في المغرب عمن يجدهم متشيعين لآل البيت. ومن أجل ذلك تنقل في الحواضر والبوادي حتى خبر حال صاحب وليلي ورأى فيه ضالته المنشودة. فنزل عليه وباح له بسره. فلباه وصدق ظنه وجد في نشر دعوته.
هكذا تأسست دولة ادريس بسهولة وبساطة هيأتهما القرابة من رسول الله (ص) ونفرة البربر من بني العباس المعتمدين فى سلطانهم على الفرس. فنصر البربر العلويين عن طواعية. وحاربوا معهم في بقية البربر غير المسلمين وادخلوهم في الاسلام فتقووا بهم ثم لووا عنان قوتهم لحرب الخوارج بالمغربين الاقصى والاوسط فاخرجوا منهم دولة علوية.
وما زالت مدينة وليلي قاعدة دولة ادريس حتى توفي. وخلفه ابنه ادريس فعظمت دولته وكثرت غاشيته حتى ضاقت عنهم وليلي. فخرج يرتاد مكانا يتسع لدولته ما اتسعت. فأسس مدينة فاس. واصبحت احدى العواصم الاسلامية الكبرى ولم تزل فاس قاعدة الادارسة حتى انقرضت دولتهم.
٣ - الحكومة الادريسية
الدولة الادريسية مستقلة استقلالا تاما. وحكومتها كسائر الحكومات الاسلامية يومئذ قضاء وادارة. انما تخالفها في كونها حكومة غير مركزية. فكل عامل من الادارسة واخوانهم العلويين مستقل بادارة عمله وجباية الخراج واشهار الحرب. وانما يمتاز الامام بذكر اسمه في السكة والخطبة.
اقتضى هذا النظام طبيعة الوطن الذي يكره أهله الحكومة
стр. 468
المركزية. فلهذا عهد ادريس لابن عمه محمد ابن سليمان على المغرب الاوسط. وأشارت أمه كنزة البربرية على حافدها محمد بن ادريس لما ولي بعد ابيه بتقسيم المملكة بين أخوته.
ومبني سياسة الحكومة الخارجية عدم الاعتراف ببقية الدول الاسلامية. ولكن صدها عن العمل لاخضاعهن ذلك النظام الداخلي الذي اضطرت اليه وتركها فقيرة من المال والرجال. فاكتفت بما تحت نفوذها. واصطلحت مح الاغالبة ولم تهج بني أمية.
وكانت تضرب السكة باسم الامام. وانتشرت سكتها بالمغرب. حتى ان زيادة الله الاول بعث منها الى المأمون لما ارسل له بالدعاء على منابر افريقية لعبد الله بن طاهر، تعريضا بتحويل الدعوة الى الادارسة. وهذا يرشد الى ما كان لهذه الحكومة من النفوذ الادبي. فان حكومة الاغالبة أغنى منها رجالا وأموالا ولم تطمع في الاستقلال ولم يأنف أميرها لما غضب من الدخول في دعوتها.
وكات ايمة الادارسة أهل عدل ورفق بالرعية وسهر على أمنها. قال ابن ابي زرع: "فكثرت الخيرات بفاس وظهرت البركات. ورخصت الاسعار، فبلغ وسق القمح درهمين ووسق الشعير درهما والكبش درهما ونصفا والبقرة اربعة دراهم والعسل خمسة وعشرون رطلا بدرهم والقطاني والفاكهة لا قيمة لها. دام ذلك خمسين سنة. منذ أيام ادريس بن ادريس." وظاهر ان العاصمة تكون بها أمثال هذه المواد أغلى غالبا منها في الاعمال التابعة لها.
وقد حدثت اواخر الدولة فتن غيرت مجرى هذا الرخاء. فقد قام عبد الرزاق رئيس الصفرية بمديونة وجمع جموعا عظيمة استولى بها على فاس حتى اخرجه الامام يحي بن القاسم وشغل مدة امامته بحروب الصفرية وولي بعده يحي بن ادريس بن عمر وكان شجاعا حازما فقيها محدثا فصيحا ورعا صالحا أكثر الادارسة عدلا واغزرهم
стр. 469
فضلا واعلاهم قدرا وابعدهم ذكرا ولكن مني بالدولة العبيدية التي نحرتها مكناسة وكبيرها موسى بن ابي العافية. فدخلوا عليها فاسا سنة ٣٠٥ ولم يسعه الا مبايعتهم. ثم نكبه ابن أبي العافية سنة ٣٠٩ واخرجه عن فاس. وسجنه سنين ثم سرحه. فقصد المشرق. ومات بافريقية سنة ٣٣٢ جائعا غريبا!
واستولى من بعده الحسن بن محمد بن القاسم على فاس سنة ٣١٠ وحارب موسى. فغلبه عليها بعد سنة. ونكبه ومات منكوبا سنة ٣١٣.
وقد كان عدد الادارسة كثيرا. ولكن لم يكن بينهم نزاع على الامامة. ولشهرة ايمتهم في كتب التاريخ وكون مركزهم وأهم آثارهم خارج الجزائر موضوع كتابنا نكتفي عن التعريف بهم برسم جدول لبيان مدتهم.
стр. 470
٤ - العلويون بالمغرب الاوسط
كان المغرب الأوسط لزناتة. وسيادتها لقبيلتين منها هما مغراوة ويفرن. وموطنهما نوحي تلمسان الى وهران الى شلف شمالا وغريس من ناحية المعسكر جنوبا. ورئاسة مغراوة كانت صدر الاسلام لصولات بن وزمار ثم ابنه حفص، وكان من أعظم ملوك زناتة، وخلفه ابنه خزر، ولعهده كان المغرب ثائرا على بني أمية، فاعتز بقومه، وعظم شأنه، وهلك في بداية الدولة العباسية، فخلفه ابنه محمد، وعلى عهده ظهر ادريس.
لما أسس ادريس دولته بالمغرب الاقصى توجه نحو المغرب الاوسط كي يفتح لدولته طريقا الى المشرق وما زال المشرق حتى اليوم قبلة آمال الدول وميدان تطاحن الاقوياء منها. فزحف منتصف رجب سنة ١٧٣ في جموع مطغرة وغيرهم. ونزل على تلمسان. وصاحبها يومئذ محمد بن خزر. فأطاعه وسلم له المدينة. فدخلها من غير حرب. واقام بها أشهرا. بنى بها المسجد الاعظم. وكتب على منبره: "بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أمر به الامام ادريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ﵃. وذلك في صفر سنة ١٧٤"، قال ابن خلدون: "ولم يزل اسمه محفوظا في صفح المنبر لهذا العهد".
أخذت زناتة بدعوة ادريس وتبعتها مغيلة. وحاربوا لها الرستميين وغيرهم. وقامت قيامة هرون الرشيد لما بلغه خبره. وقال: "تلمسان باب افريقية. ومن ملك الباب يوشك ان يلج الدار". فأوعز الى أمراء القيروان بحربه. فحاربه روح بن حاتم من غير طائل وهم بعده الفضل ابن روح بحرب المغرب الادريسي. فلم يطعه الجند. وكثر تمرد الجند على الامراء. واستشار الرشيد وزيره
стр. 471
يحي البرمكي. فأشار عليه بارسال داهية يتحيل في اغتيال ادريس. فاختار الشماخ الذي تحيل حتى توصل الى سم ادريس. "ورب حيلة أنفع من قبيلة".
ولحق بادريس اخوه سليمان. وكان ممن حضر وقعة فخ ونجا على الصحيح. قال البكري: "قال علي النوفلي أخبرني عيسى بن جنون قاضي ارشقول لادريس بن عيسى (من بني سليمان)، ودخل الاندلس غازيا، ان سليمان بن عبد الله دخل المغرب أيضا. ونزل تلمسان". وقال ابن خلدون: "لحق سليمان بجهات تاهرت بعد مهلك ادريس. فطلب الامر هنالك واستنكره البرابرة. وطلبه ولاة الاغالبة. فكان في طلبهم تصحيح نسبه (لدى البربر) ولحق بتلمسان. فملكها واذعنت له زناتة وسائر قبائل البربر هناك".
ولما هلك سليمان خلفه ابنه محمد. وكبر ابن عمه ادريس الاصغر. فانصلت ايديهما. ونهض ادريس الى تلمسان سنة ١٩٩ وحارب المخالفين عليه من نفزة وبقية الصفرية. وبلغ شلفا وما وراءه الى بلاد صنهاجة. وألفى جامع والده قد انصدع فرممه. وأصلح منبره. نقل ابن أبي زرع عن عبد الملك الوراق انه قال: "دخلت تلمسان سنة ٢٥٥ فرايت في رأس منبرها لوحا من بقية منبر قديم قد سمر عليه هنالك مكتوبا فيه: هذا ما أمر به الامام ادريس بن ادريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي ﵃ في شهر المحرم سنة ١٩٩".
أقام ادريس بتلمسان ثلاث سنوات. ثم اصطلح مع ابن الاغلب وعينت الحدود بينهما بوادي شلف. وعقد على المغرب الاوسط لابن عمه محمد بن سليمان. وكر راجعا الى عاصمته. واستقر محمد بعين
стр. 472
الحوت من ناحية تلمسان. وتوفي بجبل وهران. وترك ابناء اقتسموا مملكته. وسنفرد لممالكهم فصلا.
وافلت من وقعة فخ ايضا داوود بن القاسم بن اسحق بن عبد الله بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن ابي طالب. ولحق ببني عمه بالمغرب. وحضر مع ادريس الاصغر بعض وقائعه مع الخوارج. قال البكري: "وانصرف داوود الى المشرق. وبقيت ذريته بفاس. وبنو ادريس يناكحونهم".
ومن بني جعفر هذا اخي عبد الله الكامل رجال نزلوا متيجة وملكوها.
ولحق بالمغرب ايضا من العلويين الحسن بن سليمان بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. ونزل مدينة هاز القريبة من المسيلة. وكانت له من تلك الجهات مملكة. قال البكري: "وكان له من البنين حمزة وعبد الله وابراهيم واحمد ومحمد والقاسم. وكلهم أعقب وعقبهم هنالك".
واذا نظرنا الى الممالك العلوية من بني محمد بن سليمان وبني جعفر وبني الحسن الفروع الثلاثة التي نزلت المغرب الاوسط وجدناها تمتد على السواحل من أرض الريف غربا الى أرض الحضنة من عمالة قسنطينة شرقا. وغرضنا الآن معرفة مملكتي هاز ومتيجة.
١ - مملكة هاز:
تمتد من ناحية البويرة على مقربة من جبال جرجرة الى نواحي زاغز الشرقي الى نواحي قصر البخاري فتشتمل على سهل حمزة الفسيح. وبهذه الجهة من القرى اليوم عين بسام وسور الغزلان وسيدي عيسى وغيرها.
وسمي سهل حمزة بحمزة بن الحسن صاحب هاز. والبويرة
стр. 473
كانت تسمى سوق حمزة لانه الباني لها. قال البكري: "وسوق حمزة مدينة عليها سور وخندق. وبها آبار عذبة. وهي لصنهاجة. نزلها حمزة بن الحسن وبناها".
واستمرت مملكة هاز لبني الحسن حتى ظهرت دعوة الشيعة وأخذ بها زيري بن مناد الصنهاجي. فاجلب على مدينة هاز وخربها. وفي أيام المعز بن المنصور اجلب قائده جوهر على هذه المملكة وقضى عليها قال ابن خلدون: "وحمل بني حمزة منهم الى القيروان. وبقيت منهم بقايا في الجبال والاطراف معروفون هنالك عند البربر".
ومدينة هاز ذكرها البكري فيما بين المسيلة وتاهرت. قال: "مدينة هاز على نهر شتوي. وهي خالية أجلى أهلها زيري بن مناد الصنهاجي، ومنها الى بورة على نهر جار يسكن حوله بنو يرناتن. وهم كانوا أصحاب هاز. وبورة كثيرة العقارب. وبها سويقة. ومنها الى حصن موزية. وبقرب هذا الحصن قصر من بنيان الاول بالصخر يعرف بقصر العطش حوله ماء ملح ومدينة عظيمة للاول ايضا خالية مبنية بالصخر يعرف بالجليل تسمى مدينة الرمانة تنفجر تحتها عيون ثرة طيبة تسيل الى المسيلة ومدينة للاول ايضا خالية تسمى بالبربرية تاورست تفسيره الحمراء وهي مبنية بالصخر على نهر عذب. ومن حصن موزية الى مدينة المسيلة".
وقال اليعقوبي ان سكان مدينة هاز هم بنو يرنيان من زناتة خلاف قول البكري انهم بنو يرناتن.
وذكر الادريسي مدينة هاز بين المسيلة واشير فقال: "ومن أشير زيري الى قرية سعيد مرحلة. وبها عين ماء جارية. ومنها الى قرية هاز في فحص رمل مرحلة وبها عيون مياه. وقد خربت. ومنها الى المسيلة مرحلة" وبورة بكسر الواو. تدعى اليوم بورة الصحاري
стр. 474
قريبة من شط زاغر الشرقي. وهاز بينها وبين اشير. فتكون نواحي عين بوسيف.
٢ - مملكة متيجة:
متيجة سهل فسيح قرب مدينة الجزائر. يفصل بينه وبين سهل حمزة جبال تيطري. قال اليعقوبي: "وهو بلد زرع وعمارة واسع فيه عدة مدن وحصون. تغلب فيه رجال من ولد الحسن بن علي ابن ابي طالب. يقال لهم بنو محمد بن جعفر". ولم نعلم أكثر من هذا عن اصحاب هذه المملكة. ولكن من الضروري انهم سلكوا سبيل أخوانهم بعد ظهور الشيعة.
وسهل متيجة سمي بمدينته التي كانت فيه. ويقال لها أيضا قزرونة. وتدعى اليوم البليدة. قال البكري: "ومن المدية الى قزرونة وهي مدينة على نهر كبير عليه الارحاء والبساتين. ويقال لها متيجة. ولها مزارع ومسارح. وهي اكثر تلك النواحي كتانا. ومنها يحمل. وفيها عيون سائحة وطواحين ماء. ومنها الى مدينة آغزر ومنها الى مدينة جزائر بني مزغني".
٥ - ممالك بنى محمد بن سليمان
نقل ابن خلدون عن ابن حزم: "ان بني محمد بن سليمان بالمغرب كثير جدا. وكان لهم به ممالك. وقد بطل جميعها. ولم يبق منهم بها رئيس".
وقد بين اليعقوبي هذه الممالك فقال: "متيجة مدينة مدكرة فيها ولد محمد بن سليمان. ومدينة الخضراء. ويتصل بهذه مدن كثيرة وحصون وقرى ومزارع. يتغلب على هذا البلد ولد محمد بن سليمان كل رجل منهم مقيم متحصن في مدينة وناحية. وعددهم كثير
стр. 475
حتى ان البلد يعرف بهم وينسب اليهم. وآخر المدن التي في أيديهم سوق ابراهيم. وهي المدينة المشهورة. فيها رجل يقال له عيسى ابن ابراهيم بن محمد بن سليمان. ثم من هذه الى تاهرت ..
" ثم من مملكة ابن مسالة الهواري الى مملكة لبني محمد بن سليمان ايضا. ومسكنهم في المدينة العظمى ثمطلاس. وأهل هذه المملكة من قبائل البربر المتعددة أكثرهم مطماطة. وهم بطون كثيرة، ولهم في مملكتهم مدينة عظيمة يقال لها أبروح (١) بها بعضهم (يعني بني محمد) وأهلها مطماطة، ومدينة أيضا يملكها رجل منهم (بني محمد) يقال له عبد الله، تسمي المدينة الحسنة اذا فسرت من لسان البربر الى العربية".
" ثم الى المدينة العظمى المشهورة تلمسان، ينزلها منهم محمد ابن القاسم بن محمد بن سليمان، ثم مدينة العلويين، كانت لولد محمد بن سليمان، ثم تركوها، فسكنها رجل من ابناء ملوك زناتة يقال له علي بن حامد الزناتي، ثم منها الى مدينة يقال لها نمالتة (٢) فيها محمد بن علي بن محمد بن سليمان، وآخر مملكة بني محمد مدينة فالوسن وتليهم مملكة صالح بن سعيد الحميري".
مملكة صالح بن سعيد هي بلد نكور من وطن الريف على البحر في غربيها مرسى بادس، فتكون ممالك بني محمد بن سليمان تمتد من هناك غربي مدينة مليلة وتذهب مساحلة مشرقة الى ان تنقطع نواحي مستغانم بامارة هوارة، ثم تعود بناحية تنس وتذهب جنوب شلف الى مليانة وتنتهي بمتيجة.
стр. 476
وذكر التنسي وغيره ان محمد بن سليمان ترك من الابناء أحمد وعيسى وادريس وعليا وابراهيم وحسنا وعبيد الله وعبد الله العالم المحدث، وظاهر اليعقوبي ان منهم القاسم الذي خلفه ابنه محمد بتلمسان، وابن خلدون والتنسي وغيرهما يقولون ان الذي كان بتلمسان من ابناء محمد هو احمد وهو ولي عهده، فخلفه بها بعد وفاته، ثم توفى احمد فخلفه ابنه محمد، ثم خلف محمدا ابنه القاسم، وعليه انقرض ملك هذا الفرع.
وعلي ظاهر اليعقوبي انه كان بمدينة نمالتة، وخلفه بها ابنه محمد، ولم نعلم عن هذا الفرع أكثر من هذا.
وعيسى كان بأرشقول، وطالت مدته الى ان توفي سنة ٢٩٥ فخلفه ابنه ابراهيم، ويعرف بالارشقولي، ثم يحي بن ابراهيم، ثم اخوه ادريس بن ابراهيم، وظهرت عليه دولة العبيديين.
وادريس كان بجراوة جنوب مليلة شرقي نكور، وتزوج ابنه احمدام السعد بنت صالح بن سعيد، وسكن معها مدينة نكور الى ان مات، وله ابن آخر يدعى عبد الله الترناني كان بترنانا، والذي خلفه على جراوة من ابنائه وهو ابو العيش عيسى فلما هلك خلفه ابنه الحسن، ولعهده كانت دولة العبيديين.
قال البكري: "وكان لابي العيش ومن خلفه مدينة تلمسان ايضا وما والاها". فيظهر انه استولى على عمل ابناء عمه احمد قبل ظهور العبيديين، ومدح ابا العيش بكر بن حماد التاهرتي، قال من كلمة طويلة:
سائل زواغة عن فعال سيوفه ... ورماحه في العارض المتهلل
وديار نفزة كيف داس حريمها ... والخيل تمرغ بالوشيج الذبل
عمت مغيلة بالسيوف مذلة ... وسقى جراوة من نقيع الحنظل
وهذه القبائل كانت مساكنها هنالك.
стр. 477
وابراهيم ظاهر اليعقوبي انه كان بسوق ابراهيم، وخلفه بها ابنه عيسى، فتكون المدينة منسوبة اليه، وقال غيره: "كان ابراهيم بتنس وخلفه ابنه محمد ثم يحيى بن محمد ثم علي بن يحي، ولابراهيم ولد آخر يدعى عيسى كان مع أخيه محمد بتنس، ومن ولده ابراهيم المنسوب اليه سوق ابراهيم "، وما لليعبقوبي هو الظاهر لان سوق ابراهيم كانت اعمر من تنس.
وحسن. قال التنسي كان بتاهرت، وظاهر انه أراد ناحيتها، ولا نعلم أي مدينة كان فيها، وخلفه ابنه حناش ثم بطاش بن حناش، ولا نعلم عن هذا الفرع أكثر من هذا كما انا لم نعلم شيئا عن الاخوين الباقيين وهما عبيد الله وعبد الله.
وقد رأينا ان نشرح من الحال المدن السابقة مما عثرنا عيله ما يبين الموقع والاهمية تاركين الحديث عن المراسي الممتدة شمال هذه الممالك مثل وهران وعين فروج وقصر الفلوس لكثرتها وطول الحديث عنها، فاما مدكرة فلم نجد لها ذكرا ولا ما يقارب لفظها غير كلمة زكار اسم جبل مليانة فان لم تكن مدكرة هي مليانة فقريبة منها، قال البكري:
" تسير من سوق كرام الى مليانة، وهي مدينة رومية فيها آثار وهي ذات أشجار وانهار تطحن عليها الارحاء، جددها زيري بن مناد واسكنها ابنه بلقين (خليفة العبيديين بالقيروان) وهي عامرة، ومنها الى مدينة الخصراء، وهي مدينة كبيرة على نهر خرار عليه الارحاء، واذا حمل دخل المدينة، وحولها بساتين كثيرة، ويكتنفها من قبائل البربر مدغرة وبنو دمر ومديونة وبنو واريفن، ومنها الى مدينة بني واريف، وهي قديمة، لمطغرة، على نهر شلف، بها حوانيت، وحولها مسارح واسعة كثيرة الكلأ، ومنها الى مدينة قارية، ووهي مدينة لطيفة ذات أعين كثيرة وهي في سفح جبل. ومنها الى مدينة تنس "
стр. 478
هذه طريق اشير الى تنس. وهناك طريق أخرى قال فيها البكري: "وان أردت طريق الساحل من تنس الى اشير زيري فمن تنس الى بني جليداسن مدينة لطايفة لمطغرة يسكنها الاندلسيون والقرويون ولا يدخلها برقجاني من وقت غدرهم بها وهي بلدة طيبة بها عيون عذبة. وهي مطلة على فحص شلف. وهناك مدينة شلف على نهر بها سوق عامرة. تعرف بشلف بني واطيل لزواغة. ومنها الى بني واريفن".
وذكر طريقا أخرى بين القيروان وتنس. فقال: "من القيروان الى مدينة الغزة على ما تقدم. ثم منها الى مدينة تاجنة، وهي مدينة سهلية آهلة عليها سور. وبها جامع، سكانها برقجانة. وحولها كزناية، ومنها الى تنس".
ومدينة الغزة هي المعروفة اليوم بغليزان. وتاجنة هي التي سماها الادريسي بلدة التين لكثرة شجره بها. وذكرها على مرحلة من تنس. وذكر سوق ابراهيم متوسطة بين الغزة وبلدة التين. وسوق ابراهيم حيث مصب نهر اسلي في شلف.
وتنس هي قرطنة الفينيقية: وقد خربت قديما. وانتقلت العمارة الى تنس الحديثة. قال البكري: "بينها وبين البحر ميلان. وهي مسورة حصينة. داخلها قلعة صغيرة صعبة المرتقى. ينفرد بسكناها العمال لحصانتها. وبها مسجد جامع واسواق كثيرة. وهي على نهر يسمى تناتين ياتيها من جبال على مسيرة يوم. ياتيها من القبلة. ويستدير بها من جهة الجوف والشق. ويريق في البحر. وبها حمامات.
وهذه تنس الحديثة اسسها البحريون من أهل الاندلس منهم الكركرني وابو عائشة والصقر وصهيب وغيرهم. وذلك سنة ٢٦٢ ويسكنها من أهل الأندلس أهل البيرة وأهل تدمير. واصحاب تنس
стр. 479
من ولد ابراهيم بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن حسن بن حسن ابن علي (ض).
" وكان هؤلاء البحريون من أهل الاندلس يشتون هنالك: اذا سافروا من الاندلس، في مرسى على ساحل البحر، فتجمع اليهم بربر ذلك القطر ورغبوا في الانتقال الى قلعة تنس، وسألوهم أن يتخذوها سوقا ويجعلوها سكنى، ووعدوهم بالعون والرفق وحسن المجاورة والعشرة، فأجابوهم وانتقلوا الى القلعة، وخيموا بها، وانتقل اليهم من جاورهم من أهل الاندلس وغيرهم، فلما دخل عليهم الربيع اعتلوا واستوبؤا الموضع، فركب البحريون الاندلسيون مراكبهم واظهروا لمن بقي منهم انهم يمتارون، فنزلوا مرية بجاية وتغلبوا عليها".
ثم ان الباقين في تنس لم يزالوا في تزايد ثروة وعدد، ورحل اليهم أهل سوق ابراهيم، وكانوا في أربعماية بيت، فتوسع لهم أهل تنس في منازلهم وشاركوهم في أموالهم، وتعاونوا على البنيان. واتخذوا الحصن الذي فيها اليوم".
" ولها بابان الى القبلة وباب البحر. وباب ابن ناصح وباب الخوخة شرقي يخرج منه الى عين تعرف بعين عبد السلام ثرة عذبة".
ومدينة العلويين ذكرها الادريسي في طريق فاس على مرحلة من تلمسان. قال:، وهي قرية كبيرة على نهر ياتيها من القبلة وفواكهها فاضلة وخيراتها شاملة".
ومدينه ترنانا وسط بين مدينتي جراوة وتلمسان، قال البكري: "وهي مدينة مسورة، ولها سوق ومسجد جامع، وبساتين كثيرة. وبينها وبين ندرومة ثمانية أميال".
стр. 480
وارشقول مؤسسة مكان صيغة القديمة، قال البكري: "وهي على نهر تافنا يقبل من قبليها ويستدير بشرقيها تدخل منه الى المدينة السفن اللطاف من البحر. وبينهما ميلان، وهي مسورة وبها جامع حسن فيه سبعة بلاطات، وفي صحنه جب كبير، وصومعة متقنة البناء، وفيها حمامان احدهما قديم، ولها من الابواب باب الفتوح غربي وباب الامير قبلي وباب مرنيسة شرقي، محنية كلها عليها منافس، وسعة سورها ثمانية أشبار، وامنع جهاتها جوفيها، وبها آبار عذبة لا تغور. تقوم باهلها ومواشيهم، ولها ربض من جهة القبلة، ويقابلها جزيرة في البحر تسمى جزيرة أرشقول، بينها وبين البر قدر صوت رجل جهير في سكون البحر، وهي مستطيلة من القبلة الى الجوف عالية منيفة".
وجراوة سميت باسم قبيلة بربرية من زناتة كانت هناك، وهي على ستة أميال من البحر وعلى مرحلة من وادي ملوية الى ناحية تلمسان قال البكري. " وهي في سهل من الارض كان عليها سور مبني بالطوب، وداخلها قصبة، وحولها ارباض من جميع جهاتها وعيون ملحة، وداخلها آبار عذبة وخمس حمامات احدها ينسب الى عمرو بن العاص، وجامع من خمسة بلاطات على عمدة حجارة. أسسها ابو العيش عيسى بن ادريس بن محمد بن سليمان سنة ٢٥٩ وكان لها بابان شرقيان وثالث غربي ورابع جوفي، وحواليها بسائط عريضة للزرع والضرع وعدة قرى لقبائل من البربر: مطغرة وبني يفرن وودانة ويغمر الجبل وبني راسين وبني باداسن وبني ورميش وغيرهم. ولجراوة مرسى تافرجينت. وجبل مما لوا قبلي المدينة به حصن بناه الحسن ابن العيش. حواليه بساتين ومياه تطرد. وبينه وبين جراوة اربعة اميال ويتصل بالحصن اسفل الجبل شعاري اشبة لا تسلك"، اهـ ببعض تصرف.
стр. 481
٦ - سقوط الدولة الادريسية
تأسست الدوللة الإدريسية سنة ١٧٢ (٧٨٨م) وانتهت بالقبض على الحسن الحجام سنة ٣١١ (٩٢٣ م) فكانت مدتها ١٣٩ سنة قمرية ومملكة الادارسة واسعة النطاق تشتمل على المغرب الاقصى أجمع وبعض المغرب الأوسط. وبها حصون طبيعية ومعاقل ممتعنة. ولكن سهل سقوطها في يد العبيديين اشتمالها على ضعفين سياسي وإداري.
ذلك أن الأدارسة بقوا تلك المدة في الملك من غير مزاحم ولم يعتنوا بتهذيب البربر تهذيبا يحبب إليهم النظام ويكره اليهم الفوضى.
بل إن البربر لم يزالوا على حالتهم يتششوقون لمن يقودهم الى الثورة عسى انت يقضوا بعض الزمان في الفوضى فما كادت تظهر دعوة العبيديين حتى هرعوا اليها. ولقبيلة مكناسة وأميرها موسى بن ابي العافية اليد الطولى في اعانة العبيديين على الادريسيين.
وكان النظام الاداري على ما علمت قد فكك وحدة الدولة الحربية وذهب بقوتها المالية. فلم تجد ما تدافع به ذلك الخطب الداهم.
ولانفصال أعمال المملكة بعضها عن بعض اداريا لم تسقط كل الاعمال بسقوط فاس. فان الجزائر العلوية بقيت بعدها مدة.
لما ظهرت دعوة العبيديين بالمغرب وقضت على الدعوة الادريسية زاحمتها الدعوة الاموية فافتتح عبد الرحمن الناصر مليلة سنة ٣١٤ وبث دعاته بالمغرب. فلباه ادريس بن ابراهيم صاحب أرشقول.
وكاتبه واهدى اليه. واقتفي أثره في ذلك الحسن بن ابي العيش صاحب جراوة وموسى بن ابي العافية ومحمد بن خزر المغراوي فنازلتهم جيوش العبديين. فخضع لهم صاحبا جراوة وأرشقول خضوع من عجز عن المقاومة. وكلف الناصر بحربهما موسى بن ابي العافية. فوقعا بين قوتين اوجبتا تلونهما في السياسة.
стр. 482
في سنة ٣١٥ بعث عبيد الله المهدي ابنه أبا القاسم لاخضاع المغرب. فافتتح بلد نكور. ونازل الحسن صاحب جراوة وضيق عليه وفي سنة ٣١٩ زحف موسى بن ابي العافية بدعوة العبيديين الى تلمسان وغلب عليها الحسن. قال ابن خلدون: "ففر عنها الى مليلة. وبني حصنا لامتناعه بناحية نكور. فحاصره (موسى) مدة. ثم عقد له سلما على حصنه" قال السلوي: "وكان عقد السلم في شعبان سنة عشرين وثلاثمائة". وفي هذه السنة أخذ موسى بدعوة الناصر الاموي.
وفي سنة ٣٣ جهز أبو القاسم بن المهدي عسكرين أحدهما إلى فاس بقيادة ميسور الخصي. والآخر ارسله مددا لميسور بقيادة صندل الفتى الاسود. قال البكري: "فخرج صندل من المهدية في جمادى الاخيرة سنه ٣٢٣ فوصل جراوة الحسن بن أبي العيش فاستراح بها أياما". وقال ابن خلدون: ان صندلا حاصر جراوة. فعلى روايته يكون الحسن غير خاضع للعبيديين يومئد. وعلى رواية البكري يكون خاضعا لهم. وهي أصوب.
ولما أفتتح ميسور فاسا حارب ابن ابي العافية وهزمه. وقفل الى القيروان. فعرج على ارشقول. وخرج اليه صاحبها ادريس ابن ابراهيم ملاطفا له بالتحف فاستراب به. وتقبض عليه واصطلم نعته. كذا في ابن خلدون. وفي البكري أن المتقبض عليه أخوه يحيى. قال ابن خلدون. وولي مكانه ابا العيش بن عيسى منهم.
والظاهر أن في العبارة حذفا وتحريفا. وصوبها: ولي مكانه الحسن ابن ابي العيش عيسى. وهذا الحسن هو صاحب جراوة. وقد كان يومئذ آخذا بدعوة العبيديين. فلعلهم أضافوا له أرشقول أيضا.
ولما عاد ميسور الى افريقية رجع موسى بن ابي العافية للإغارة
стр. 483
على اعمال العبيديين. قال ابن خلدون. "وزحف الى تلمسان.
ففر عنها ابو العيش. واعتصم بارشقول. فنازله وغلبه عليها سنة ٢٥ ولحق ابو العيش بنكور. واعتصم بالقلعة التي بناها هنالك لنفسه ..
ثم سرح (موسى) ابنه مدين في العساكر. فحاصر ابا العباس بالقلعة حتى عقد له السلم عليها". ولفظ ابي العباس وابي العيش محرفان.
وصوابهما الحسن بن ابي العيش. وتلك القلعة هي الحصن الذي تقدم ان الحسن بناه بناحية نكور. وهو الحصن الذي ذكره البكري بجبل ممالوا. قال البكري: "وفي الحصن المذكور اسر البوري بن موسى بن ابي العافية الحسن بن ابي العيش سنة ٣٣٨ وكان قد انتقل اليه من جراوة باهله وماله وولده". ويؤيد اتحاد الحصن وصاحبه قول ابن خلدون في اخبار الادارسة: "لما أخذ ابن ابي العافية بدعوة الاموية نابذ اولياء الشيعة فحاصر صاحب جراوة الحسن بن ابي العيش وغلبه على جراوة. فلحق بابن عمه ادريس بن ابراهيم صاحب ارشقول ثم حاصرها البوري بن موسى بن ابي العافية. وغلب عليهما. وبعت بهما الى الناصر. فأسكنهما قرطبة".
ولما ذكر البكري جزيرة أرشقول قال: "واليها لجأ الحسن بن عيسى أبي العيش صاحب جراوة وتخلى مما كان بيده لما غلبه على ذلك موسى بن ابي العافية .. فكتب موسى الى صاحب الأندلس عبد الرحمن الناصر يسأله نصرته عليه ويقرب له المأخذ .. فأمر عبد الرحمن أهل بجانة وغيرهم من أهل السواحل بإقامة خمسة عشر مركبا حربية. ثم جهزها بالرجال والسلاح والازودة والاموال. فاحاطت بهذه الجزيرة. وقتلوا كثيرا ممن كان فيها وحاصروهم حتى كادوا يهلكون عطشا لما نفدت مياه جبابهم حتى تداركهم الله بغيث وابل فلم يطمع فيهم أهل الأسطول حين سقوا وانصرفوا قافلين فوصلوا الى المرية في شهر رمضان سنة عشرين وثلاثمائة. ثم ظفر البوري بن
стр. 484
موسى بن ابي العافية بالحسن بن عيسى الذي لجأ الى أرشقول وبعث به الى عبد الرحمن الناصر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة".
وفي تاريخه وصول الاسطول الى المرية نظر فقد تقدم ان موسى حارب الحسن باسم العبيديين وعقد له السلم سنة عشرين ثم حاربه سنة خمس وعشرين باسم الامويين.
وبعد فقد بذلنا الوسع لجمع الروايات وتمحيصها فيما يتعلق بأخبار صاحبي أرشقول وجراوة مع العبيديين والامويين. (١) فلم نستطع أن نفيد القارئ باكثر مما وضعناه بين يديه.
اما صاحب تنس علي بن يحي فقد تأخر سقوط امارته الى سنة ٣٤٢ ففيها تغلب زيري بن مناد على تنس ولحق علي بن يحي بالخير بن محمد بن خزر المغراوي صاحب وهران يومئذ. واجاز ابنا علي يحي وحمزة الى الناصر. فلقاهما رحبا وتكرمة. ثم عاد يحي منهما الى طلب تنس فلم يظفر بها. وجواز ابني علي الى الاندلس يدل على ان اباهما كان آخذا بالدعوة الاموية مثل ابن عمه صاحب ارشقول.
هكذا انتهى أمر بني سليمان من الجزائر وسقطت معهم الجزائر العلوية بعد نحو نصف قرن من سقوط فاس.
стр. 485
الباب الرابع
في الدولة الاغلبية
стр. 486
١ - كلمة عن الدولة العباسية
الدولة الاغلبية مرتبطة بالدولة العباسية وجزء من أجزائها. تستمد من أنظمتها ومعارفها وحضارتها. فلا بد من كلمة عن الدولة العباسية تعيننا بعض الاعانة على تصور الدولة الاغلبية.
بعد عراك شديد بين الامويين والعباسيين ظهر العباسيون. وبويع بالكوفة ابو العباس السفاح بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطالب. وذلك سنة ١٣٢ (٧٥٠ م) وجاء بعده أخوه المنصور. فأسس بغداد سنة ١٤٥ (٧٦٢ م) وانتقل مركز الخلافة اليها فلم تزل دار الخلافة العباسية وقبلة آمال رواد المعارف ومصدر الحضارة الاسلامية حتى استولى عليها التتر وقتلوا المستعصم آخر خلفاء العباسيين بها سنة ٦٥٦ (١٢٥٨).
اجتازت الخلافة ببغداد ثلاثة أدوار: دور الصعود والعظمة (١٣٢ - ٢٤٧) انتهى بقتل جعفر المتوكل سنة ٢٤٧، دور الهبوط الى دخول معز الدولة بن بويه بغداد على عهد المستكفي سنة ٣٣٤ حيث قضى على ما بقي للخلفاء من نفوذ سياسي، ويومئذ دخلت الخلافة دورا ثالثا أصبحت فيه عبارة عن ذكر الخليفة في السكة والخطبة. وقالوا أنها صارت رئاسة دينية. ولكنها - عندي- رئاسة وهمية اخترعها السلاطين المتغلبون على الخلافة تعزيزا لمركزهم لا تقوية للخلافة اذ حياة الخليفة في هذا الدور تحت رحمة السلاطين. فكيف يعقل له نفوذ ديني؟
وقد تأسست الدولة الاغلبية في شباب الدور الاول حيث عني
стр. 487
الخلفاء بتنظيم شؤن الدولة واحداث المناصب وضبطها في الحكومة.
فنقلوا الدولة من بساطة الخلافة وسذاجتها الى ضخامة الملك ودقة نظمه، وعنوا كذلك بالعلوم والآداب وترقية المدارك عناية لم يسبقوا بها ولا حاكاهم من بعدهم فيها. ترجموا علوم اليونان وآداب الفرس وحكمة الهند، وبذلوا في ذلك الاموال وقربوا أهل العلم ايا كان جنسهم ودينهم، وأسسوا المكاتب والمدارس، فانطلقت الافكار متسابقة في ميدان الابتكار. فانتشرت العلوم والمعارف وترقت الآداب ولطفت الاذواق، وعم التهذيب الافكار والاعمال من انشاء وتحرير وبناء وتزويق وغناء وتوقيع وهلم جرا.
قال سديو في كتابه "خلاصة تاريخ العرب": "وأظهر ذوو الفنون الميكانيكية تقدمات يشهد بها ما بعثه الرشيد الى شرلمانية ملك الفرنسيس من الساعة الكبيرة الدقاقة التي تعجب منها أهل ديوانه ولم يمكهم معرفة كيفية تركيب عدتها".
وأظهر خلفاء الدور الاول عناية بالعلوم والحضارة ابو جعفر المنصور وهارون الرشيد وعبد الله المأمون، وجاراهم في عنايتهم من بعدم من الخلفاء وقلدهم فيها ولاتهم بالجهات مثل الاغالبة، ولعل تلك الساعة الدقاقة انما اجتازت الى فرنسا على طريق القيروان.
ولما اخذت الدولة في السقوط السياسي كانت العلوم والآداب والصنائع والفنون الجميلة قد نضجت وأصبحت الامة قادرة على القيام بها متعشقة لها، فلم يضرها ما أصاب الدولة من خلل بل بقيت في سيرها الى الامام تخدمها الايام.
٢ - تأسيس الدولة الاغلبية
كان المغرب لعهد تاسيس الدولة العباسية يضطرب فتنة، فلما
стр. 488
كانت خلافة ابي جعفر المنصور اهتم به، فولى عليه محمد بن اللاشعث الخزاعي، وكان الاغلب بن سالم الثميمي بخراسان من اضراب ابي مسلم الخراساني وكبار أولياء الدولة. فقدم المغرب مع ابن الاشعث، وكان الزاب هو طريق ثوار المغرب الاوسط الى افريقية فلما خلصت افريقية لابن الأشعث ولى الاغلب على الزاب كي يكون سدا في وجوه الثوار، فنزل قاعدته طبنة.
وفي سنة ١٤٨ عاد ابن الاشعث الى المشرق فقلد المنصور الاغلب امارة المغرب، فانتقل الى القيروان، وقتل في بعض مواقفه مع الثوار سنة ١٥٠ وصارت الامارة الى آل ابي صفوة الازديين، وكان من ولاة طبنة أيامهم المخارق بن غفار الطائي ثم المهلب بن يزيد من آل المهلب ابن صفرة ثم ابراهيم بن الاغلب، وانقضت امارة آل ابي صفرة وولي الامر هرثمة ابن أعين.
قدم هرثمة القيروان سنة ١٧٧ فهاداه ابراهيم بن الاغلب ولاطفه فاقره على عمله بطبنة، فبقي عاملا له ولمحمد ابن مقاتل العكي من بعده، وثار الناس بابن مقاتل واخرجوه من القيروان، فبلغ الخبر ابراهيم بن الاغلب فسار في جنوده ودخل القيروان واعاد اليها أميره العكي، ولكن الناس سئموا سيرته، وداخلوا ابراهيم في مخاطبة الخليفة بولايته على المغرب.
هناك أتيحت لابراهيم فرصة الاستقلال فانتهزها، وكتب الى الرشيد طالبا منه امارة القيروان على ان يؤدي اليه كل عام اربعين الفا ويسقط مائة الف دينار كانت مصر تعين بها المغرب، فاستشار الرشيد اصحابه، فاشار عليه هرثمة بولايته. فكتب العهد له بذلك منتصف سنة ١٨٤ (٨٠٠م).
ولقد كان الرشيد حريصا على بقاء المغرب متصلا بدولته، وقد
стр. 489
علم ضعف الامراء السابقين عن مقاومة ثواره، فكان يوالي شرلمانية ملك الافرنج كي يتخذ منه سدا أروبيا في وجوه بني أمية، ثم أقام ابن الاغلب سدا افريقيا في وجوه تلك الدول المستحدثة بالمغرب، فكان رشيدا في سياسته كما كان ابن الاغلب كفؤا لامارة القيروان.
٣ - الحكومة الاغلبية
الحكومة الاغلبية تابعة لبني العباس اسما ومستقلة فعلا، واستفاد العباسيون من هذا الارتباط فائدة ادبية هي رسوخ سيادتهم في قلوب البربر رسوخا عجز العبيديون عن محاربته وظهرت آثاره ايام المعز الصنهاجي.
واستفاد الاغالبة من ذلك فوائد علمية وادارية وسياسية، فاستمدوا من العباسيين معارف ونظما ادارية وقبل البربر والعرب سيادتهم، فلم يلقوا اضطرابات داخلية ولا وقعوا بين هجمات شرقية وغربية.
ورئيس الحكومة يلقب الامير، والقضاء مستقل عنه وغير مقيد بمذهب من مذاهب السلف، ولامير وزيران مفوضان قد يصل بهما النفوذ الى الاستبداد عليه، وتحتهما وزراء منهم صاحب الخراج بمعنى وزير المالية اليوم، وصاحب البريد، وقائد الجيش بمعنى وزير الحرب، ومقدم الاسطول بمعنى وزير البحر.
ونفوذ الامير يمتد بواسطة عماله على جميع المملكة من طرابلس الى الحضنة والزاب، وهنالك أماكن لا تصل اليها ايدي العمال.
ومن الجهات ما تتوارث ولايته اسرة خاصة.
والحكومة الاغلبية أقوى حكومات المغرب يومئد على حفط الأمن واحسنها سياسة للرعية. وامراؤها ابقى الامراء آثارا. ومملكتهم
стр. 490
أعلى الممالك حضارة. والتعريف بهؤلاء الامراء خارج عن موضوع كتابنا فنكتفي برسم جدول لتاريخ ولايتهم.
الامير .......... الولاية هـ/م .......... الامير .......... الولاية هـ/م
ابراهيم بن الاغلب .......... ١٨٤/ ٨٠٠ .......... ابنه زيادة الله الثاني .......... ٢٤٩/ ٨٦٣.
ابنه ابو العباس عبد الله .......... ١٩٦/ ٨١٢ .......... أخوه ابو الغرانيق محمد .......... ٢٥٠/ ٨٦٤.
أخوه زيادة الله الإول .......... ٢٠١/ ٨١٧ .......... اخوهما ابراهيم .......... ٢٦١/ ٨٧٥.
أخوهما أبو عقال الاغلب .......... ٢٢٣/ ٨٣٨ .......... ابنه أبو العباس عبد الله .......... ٢٨٩/ ٩٠٢.
ابنه ابو العباس محمد .......... ٢٢٦/ ٨٤١ .......... ابنه زيادة الله الثالث .......... ٢٩٠/ ٩٠٣.
ابنه أبو ابراهيم أحمد .......... ٢٤٢/ ٨٥٦ .......... وبه انتهت الدولة .......... ٢٩٦/ ٩٠٩.
٤ - الجزائر الاغلبية
ذكر اليعقوبي الزاب. ونسب اليه مدنا منها باغاية وتيجس وميلة وسطيف، وبلزمة ونقاوس وطبنه ومقرة وأدنة. قال: "ومدينة ادنة هي آخر مدن الزاب مما يلي المغرب في آخر عمل بني الاغلب.
ولم يتجاوزها المسودة". والمسودة هم العباسيون لان راياتهم سود وشعارهم السواد. وادنة كانت بالحضنة.
هذه الرواية الوحيدة التي عينت حدود الجزائر الاغلبية غربا.
ويظهر أنها تنتهي جنوبا الى وادي ريغ الى شط الجريد، وشمالا الى نواحي سطيف وميلة. ويخرج عنها شمالا وطن فرجيوة وجبال بني خطاب وبني تليلان الى السكيكدة. وغربا وطن زواوة وصنهاجة.
وكان مناد بن منقوش الصنهاجي يقيم الدعوة العباسية ويرجع الى الاغالبة من غير ان يكون لهم عليه نفوذ فعلي. ويظهر ان نفوذ الاغالبة بأوراس ضعيف. وكانوا يشرفون عليه من مدينة باغاية.
стр. 491
وقد رأيت ان الزاب كان يطلق على غالب عمالة قسنطينة اليوم.
واختص لعهد ابن خلدون بما هو جنوب أوراس. قال: والجانب الغربي منه قاعدته طولقة، والوسط قاعدته بسكرة، والشرقي قاعدته بادس، ومن مدن الجزائر الاغلبية مجانة وتيفاش وبشرة والغدير.
ومجانة تعرف ايضا بمجانة المطاحن وهي على مرحلة شرقي مسكيانة. مدينة قديمة كبيرة عليها سور طوب. وبها جامع وحمامات.
وبها مقطع حجارة الارحي ليس على الارض مثله وحولها معادن الفضة والحديد والكحل والرصاص والمرتك بين جبال وشعاب. ومن سكانها السناجرة أصلهم من ديار ربيعة. وهم جند السلطان. هذا ما وصفها به اليعقوبي والبكري. ويطلق اليوم اسم مجانة على سهل غربي برج بوعريريج.
وبشرة على ثلاث مراحل من الجريد. قال اليعقوبي: "وهي اعظم مدائن نفزاوة. وبها ينزل العمال".
وتيفاش قال البكري: "مدينة اولية شامخة البناء. فيها عيون ومزارع كثيرة. وهي في سفح جبل. وفيها آثار للاول كثيرة".
وباغاية مدينة جليلة اولية ذات أنهار وثمار ومزارع ومسارح.
ويتصل بناحيتها الغربية بساتين ونهر. وحولها من بقية النواحي ربض كبير. به فنادقها وحماماتها واسواقها. وجامعها داخل الحصن.
وبفحصها قبائل مزاتة وضريسة رحالة. وقد خلي الربض زمن الادريسي" وهي بين خنشلة والعين البيضاء.
وتيجس من عمل باغاية شمالها. مدينة اولية شامخة البناء كثيرة الكلأ والربيع. عليها سور صخر رومي. ولها ربض. وبها أسواق وجامع وحمام. وحولها من قبائل البربر نفزة وورغروسة وبنو ونمو وكزناية وحمزة من زناتة.
стр. 492
وبلزمة قال اليعقوبي: "أهلها من بني تميم ومواليهم. وقد خالفوا علي ابن الاغلب في هذا الوقت". وسبب خلافهم ان الامير ابراهيم بن ابي ابراهيم اتخذ نحو الالف منهم جندا. ثم أمر بقتلهم. فقتلوا عن آخرهم بعد دفاع. وقال البكري المتأخر عن اليعقوبي: "هو لمزانة حصن قديم في بساط من الارض كثير المزارع والقرى كثير الأنهار والثمار".
ونقاوس قال اليعقوبي: "كثيرة العمارة والشجر والثمر، بها قوم من الجند وحولها البربر من أوربة وغيرهم".
ومقرة بسكون القاف قال: "لها حصون كثيرة. وأهلها من بني ضبة وغيرهم. وحولها بنو زنداق وغيرهم". قال البكري: "مقرة بلد كبير ذو ثمار وانهار ومزارع". والى مقرة هذه ينسب المقريون الشهيرون بالعلم والادب الذين منهم صاحب نفح الطيب.
وادنة اخربها علي بن حمدون صاحب المسيلة سنة ٣٢٤ وكل من مقرة وادنة في وطن الحضنة. وجاءت في اليعقوبي وياقوت بلفظ اربة (١).
وطولقة قال البكري: "هي ثلاث مدن كلها عليها أسوار طوب وخنادق. وحولها أنهار. وهي كثيرة البساتين بالزيتون والاعناب والنخيل والشجر وجميع الثمار. احداها يسكنها المولدون والثانية يسكنها اليمن والثالثة يسكنها قيس".
وبسكرة بكسر الباء والكاف قال: "كورة فيها مدن كثيرة قاعدتها بسكرة. وهي مدينة كبيرة كثيرة النخل والزيتون واصناف الثمار. عليها سور وخندق. وبها جامع ومساجد كثيرة وحمامات.
стр. 493
وحولها بساتين مساحة ستة اميال. ولها ارباض خارج الخندق، وابواب منها باب القبرة وباب الحمام. وسكانها المولدون. وهم على مذهب أهل المدينة. وبها علم كثير".
وبادس قال: "على مرحلة شرقي تهوذة. وهي حصنان لهما جامع واسواق وبسائط ومزارع جليلة يزرعون بها الشعير مرتين في العام على مياه سائحة كثيرة".
والغدير قريبة من برج بوعريريج. مدينة كبيرة أولية بين جبال. فيها عين ثرة عذبة عليها الارحاء وعين أخرى. وتحتهما عين خرارة تدعى عين مخلد. ومن هناك منبعث نهر سهر. وبها جامع واسواق عامرة وفواكه كثيرة. واسعارها رخيصة. وسكانها هوارة يعتدون في ستين ألفا".
وسطيف "مدينة كبيرة جليلة اولية كان عليها سور خربته كتامة مع ابي عبد الله الشيعي. وهي عامرة جامعة كثيرة الاسواق رخيصة الاسعار" قال اليعقوبي: "وبها قوم من بني أسد بن خزيمة عمال من قبل ابن الاغلب" آخرهم علي بن جعفر.
وميلة قال اليعقوبي: "مدينة عظيمة جليلة عامرة محصنة لم يلها وال قط، وبها حصن دون حصن. فيه رجل من بني سليم يقال له موسى بن العباس بن عبد الصمد من قبل ابن الاغلب، وسواحل البحر تقرب من هذه المدينة، ولها من المراسي جيجل وقلعة خطاب والسكيكدة وغيرها. وهذا البلد كله عامر كثير الاشجار والثمار، وهم في جبال وعيون".
وقال البكري: "خربها المنصور بن بلقين الصنهاجي سنة ٣٧٨ وأجلى أهلها. وبقيت خرابا ثم عمرت. وعليها اليوم سور صخر.
وحولها ربض. وبها جامع واسواق وحمامات. والمياه تطرد حولها.
стр. 494
يسكنها العرب والجند والمولدون، وهي من غرر مدن الزاب ولها باب شرقي، يعرف بباب الروس وعلى مقربة منه جامعها، وهو ملاصق لدار الامازة، وباب جوفي يعرف بباب السفلي، ويليه داخل المدينة عين تعرف بعين أبي السباع مجلوبة تحت الارض من جبل بني ياروت، يشق منها سوقها ساقية، ولها حمامات في ربضها، وبها عين تعرف بعين الحمى يرش منها على المحموم فيبرأ لبركتها وشدة بردها".
وينسب اليها علماء كثيرون. واشتهر في عالم الادب ابو عبد الله ابن قاضي ميلة. أورد له قطعا الشريف الغرناطي في شرح مقصورة حازم. ومن روائع شعره قوله:
جاءت بعود تناغيه فيتبعها ... فانظرعجائب ما يأتي به الشجر
غنت على عوده الاطيار مفصحة ... رطبا. فلما ذوى غنى به البشر
فلا يزال عليه او به طرب ... يهيجه الاعجمان الطير والوتر
٥ - سقوط الدولة الاغلبية
تأسست الدولة الاغلبية سنة ١٨٤ وسقطت سنة ٢٦٩ فمدتها ١١٢ سنة قمرية. وكان سقوطها على يد ابي عبد الله الشيعي. ذلك انه نزل بفرجيوة من أرض كتامة سنة ٢٨٠ واخذ في تمهيد الامر لعبيد الله المهدي. فارسل الامير ابراهيم الاغلبي الى موسى بن العباس عامله بميلة يستخبره عنه. فهون أمره عليه. ولما اشتد ساعده بكثرة الاتباع ارسل اليه الامير ابراهيم قائلا:
"ما حملك على التعرض لسخطي والوثوب على ملكي، فان كنت تبتغي عرض الدنيا منحناك اياه. وان أردت غير ذلك فقد علمت عواقب
стр. 495
من سولت له نفسه ما سولت لك نفسك. وهذا أول كلامي وآخره. فانظر في يومك لغدك".
فقال ابو عبد الله للرسول: "قد قلت فاسمع وبلغت فأبلغ. اني لست ممن يروع بالايعاد وفي انصار الدين الذين لا يخشون كثرة انصار الظالمين. وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة. ولا طمع لي فيما عنده. وانما جئت لامر حم".
ولم يكن بعد من الامير ابراهيم الا ان خرج غازيا لصقلية سنة ٨٤ وترك مكانه ابنه ابا العباس واوصاه بمسالمة الشيعي وان غلب على افريقية فليلحق بصقلية. وبلغ ابا العباس عن ابنه زيادة الله وما حمله على سجنه، فصانع زيادة الله بعض الخدم على قتل والده وقتله سنة ٩٠ والحرب قائمة بين الاغلبيين والشيعيين بنواحي سطيف. ثم جلس مكان ابيه وقتل كل من يظن فيه منازعته من اخوته وعمومته. وعكف على الملاهي وأهمل أمر الدولة.
تلك حال الاسرة الاغلبية في هذا الوقت. أما الجند فكان مؤلفا من عرب وبربر من أهل الشام وخراسان وغير ذلك. وكلهم مأجورون ليست لهم غاية دينية أو غيرة وطنية. وربما ثاروا على الحكومة وخرقوا حجاب هيبتها. فلم يكن لهم من الحماسة والاخلاص ما لاصحاب الشيعي.
ولم تعمل الحكومة لبسط نفوذها على جميع المملكة. وكانت هذه السياسة نافعة في قلة الثورات الداخلية حتى لا تشتغل باطفائها عن الجهاد الذي كانت معنية به. لكنها ضارة من حيث ترك السبيل لمن يبث دعاية ضد الحكومة ويفسد عليها الرعية.
فلولا سوء هذه السياسة ما وجد الشيعي مكانا لبث أفكاره.
ولولا سوء النظام العسكري لتغلبت الدولة على الثورة. ولولا قتل