← История

История · id 123660

تاريخ الجزائر في القديم والحديث

مبارك الميلي

Полный текст (878 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وقد رأيت ان الزاب كان يطلق على غالب عمالة قسنطينة اليوم. واختص لعهد ابن خلدون بما هو جنوب أوراس. قال: والجانب الغربي منه قاعدته طولقة، والوسط قاعدته بسكرة، والشرقي قاعدته بادس، ومن مدن الجزائر الاغلبية مجانة وتيفاش وبشرة والغدير. ومجانة تعرف ايضا بمجانة المطاحن وهي على مرحلة شرقي مسكيانة. مدينة قديمة كبيرة عليها سور طوب. وبها جامع وحمامات. وبها مقطع حجارة الارحي ليس على الارض مثله وحولها معادن الفضة والحديد والكحل والرصاص والمرتك بين جبال وشعاب. ومن سكانها السناجرة أصلهم من ديار ربيعة. وهم جند السلطان. هذا ما وصفها به اليعقوبي والبكري. ويطلق اليوم اسم مجانة على سهل غربي برج بوعريريج. وبشرة على ثلاث مراحل من الجريد. قال اليعقوبي: "وهي اعظم مدائن نفزاوة. وبها ينزل العمال". وتيفاش قال البكري: "مدينة اولية شامخة البناء. فيها عيون ومزارع كثيرة. وهي في سفح جبل. وفيها آثار للاول كثيرة". وباغاية مدينة جليلة اولية ذات أنهار وثمار ومزارع ومسارح. ويتصل بناحيتها الغربية بساتين ونهر. وحولها من بقية النواحي ربض كبير. به فنادقها وحماماتها واسواقها. وجامعها داخل الحصن. وبفحصها قبائل مزاتة وضريسة رحالة. وقد خلي الربض زمن الادريسي" وهي بين خنشلة والعين البيضاء. وتيجس من عمل باغاية شمالها. مدينة اولية شامخة البناء كثيرة الكلأ والربيع. عليها سور صخر رومي. ولها ربض. وبها أسواق وجامع وحمام. وحولها من قبائل البربر نفزة وورغروسة وبنو ونمو وكزناية وحمزة من زناتة.

стр. 492

وبلزمة قال اليعقوبي: "أهلها من بني تميم ومواليهم. وقد خالفوا علي ابن الاغلب في هذا الوقت". وسبب خلافهم ان الامير ابراهيم بن ابي ابراهيم اتخذ نحو الالف منهم جندا. ثم أمر بقتلهم. فقتلوا عن آخرهم بعد دفاع. وقال البكري المتأخر عن اليعقوبي: "هو لمزانة حصن قديم في بساط من الارض كثير المزارع والقرى كثير الأنهار والثمار". ونقاوس قال اليعقوبي: "كثيرة العمارة والشجر والثمر، بها قوم من الجند وحولها البربر من أوربة وغيرهم". ومقرة بسكون القاف قال: "لها حصون كثيرة. وأهلها من بني ضبة وغيرهم. وحولها بنو زنداق وغيرهم". قال البكري: "مقرة بلد كبير ذو ثمار وانهار ومزارع". والى مقرة هذه ينسب المقريون الشهيرون بالعلم والادب الذين منهم صاحب نفح الطيب. وادنة اخربها علي بن حمدون صاحب المسيلة سنة ٣٢٤ وكل من مقرة وادنة في وطن الحضنة. وجاءت في اليعقوبي وياقوت بلفظ اربة (١). وطولقة قال البكري: "هي ثلاث مدن كلها عليها أسوار طوب وخنادق. وحولها أنهار. وهي كثيرة البساتين بالزيتون والاعناب والنخيل والشجر وجميع الثمار. احداها يسكنها المولدون والثانية يسكنها اليمن والثالثة يسكنها قيس". وبسكرة بكسر الباء والكاف قال: "كورة فيها مدن كثيرة قاعدتها بسكرة. وهي مدينة كبيرة كثيرة النخل والزيتون واصناف الثمار. عليها سور وخندق. وبها جامع ومساجد كثيرة وحمامات.

стр. 493

وحولها بساتين مساحة ستة اميال. ولها ارباض خارج الخندق، وابواب منها باب القبرة وباب الحمام. وسكانها المولدون. وهم على مذهب أهل المدينة. وبها علم كثير". وبادس قال: "على مرحلة شرقي تهوذة. وهي حصنان لهما جامع واسواق وبسائط ومزارع جليلة يزرعون بها الشعير مرتين في العام على مياه سائحة كثيرة". والغدير قريبة من برج بوعريريج. مدينة كبيرة أولية بين جبال. فيها عين ثرة عذبة عليها الارحاء وعين أخرى. وتحتهما عين خرارة تدعى عين مخلد. ومن هناك منبعث نهر سهر. وبها جامع واسواق عامرة وفواكه كثيرة. واسعارها رخيصة. وسكانها هوارة يعتدون في ستين ألفا". وسطيف "مدينة كبيرة جليلة اولية كان عليها سور خربته كتامة مع ابي عبد الله الشيعي. وهي عامرة جامعة كثيرة الاسواق رخيصة الاسعار" قال اليعقوبي: "وبها قوم من بني أسد بن خزيمة عمال من قبل ابن الاغلب" آخرهم علي بن جعفر. وميلة قال اليعقوبي: "مدينة عظيمة جليلة عامرة محصنة لم يلها وال قط، وبها حصن دون حصن. فيه رجل من بني سليم يقال له موسى بن العباس بن عبد الصمد من قبل ابن الاغلب، وسواحل البحر تقرب من هذه المدينة، ولها من المراسي جيجل وقلعة خطاب والسكيكدة وغيرها. وهذا البلد كله عامر كثير الاشجار والثمار، وهم في جبال وعيون". وقال البكري: "خربها المنصور بن بلقين الصنهاجي سنة ٣٧٨ وأجلى أهلها. وبقيت خرابا ثم عمرت. وعليها اليوم سور صخر. وحولها ربض. وبها جامع واسواق وحمامات. والمياه تطرد حولها.

стр. 494

يسكنها العرب والجند والمولدون، وهي من غرر مدن الزاب ولها باب شرقي، يعرف بباب الروس وعلى مقربة منه جامعها، وهو ملاصق لدار الامازة، وباب جوفي يعرف بباب السفلي، ويليه داخل المدينة عين تعرف بعين أبي السباع مجلوبة تحت الارض من جبل بني ياروت، يشق منها سوقها ساقية، ولها حمامات في ربضها، وبها عين تعرف بعين الحمى يرش منها على المحموم فيبرأ لبركتها وشدة بردها". وينسب اليها علماء كثيرون. واشتهر في عالم الادب ابو عبد الله ابن قاضي ميلة. أورد له قطعا الشريف الغرناطي في شرح مقصورة حازم. ومن روائع شعره قوله: جاءت بعود تناغيه فيتبعها ... فانظرعجائب ما يأتي به الشجر غنت على عوده الاطيار مفصحة ... رطبا. فلما ذوى غنى به البشر فلا يزال عليه او به طرب ... يهيجه الاعجمان الطير والوتر ٥ - سقوط الدولة الاغلبية تأسست الدولة الاغلبية سنة ١٨٤ وسقطت سنة ٢٦٩ فمدتها ١١٢ سنة قمرية. وكان سقوطها على يد ابي عبد الله الشيعي. ذلك انه نزل بفرجيوة من أرض كتامة سنة ٢٨٠ واخذ في تمهيد الامر لعبيد الله المهدي. فارسل الامير ابراهيم الاغلبي الى موسى بن العباس عامله بميلة يستخبره عنه. فهون أمره عليه. ولما اشتد ساعده بكثرة الاتباع ارسل اليه الامير ابراهيم قائلا: "ما حملك على التعرض لسخطي والوثوب على ملكي، فان كنت تبتغي عرض الدنيا منحناك اياه. وان أردت غير ذلك فقد علمت عواقب

стр. 495

من سولت له نفسه ما سولت لك نفسك. وهذا أول كلامي وآخره. فانظر في يومك لغدك". فقال ابو عبد الله للرسول: "قد قلت فاسمع وبلغت فأبلغ. اني لست ممن يروع بالايعاد وفي انصار الدين الذين لا يخشون كثرة انصار الظالمين. وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة. ولا طمع لي فيما عنده. وانما جئت لامر حم". ولم يكن بعد من الامير ابراهيم الا ان خرج غازيا لصقلية سنة ٨٤ وترك مكانه ابنه ابا العباس واوصاه بمسالمة الشيعي وان غلب على افريقية فليلحق بصقلية. وبلغ ابا العباس عن ابنه زيادة الله وما حمله على سجنه، فصانع زيادة الله بعض الخدم على قتل والده وقتله سنة ٩٠ والحرب قائمة بين الاغلبيين والشيعيين بنواحي سطيف. ثم جلس مكان ابيه وقتل كل من يظن فيه منازعته من اخوته وعمومته. وعكف على الملاهي وأهمل أمر الدولة. تلك حال الاسرة الاغلبية في هذا الوقت. أما الجند فكان مؤلفا من عرب وبربر من أهل الشام وخراسان وغير ذلك. وكلهم مأجورون ليست لهم غاية دينية أو غيرة وطنية. وربما ثاروا على الحكومة وخرقوا حجاب هيبتها. فلم يكن لهم من الحماسة والاخلاص ما لاصحاب الشيعي. ولم تعمل الحكومة لبسط نفوذها على جميع المملكة. وكانت هذه السياسة نافعة في قلة الثورات الداخلية حتى لا تشتغل باطفائها عن الجهاد الذي كانت معنية به. لكنها ضارة من حيث ترك السبيل لمن يبث دعاية ضد الحكومة ويفسد عليها الرعية. فلولا سوء هذه السياسة ما وجد الشيعي مكانا لبث أفكاره. ولولا سوء النظام العسكري لتغلبت الدولة على الثورة. ولولا قتل

стр. 496

زيادة الله لابيه واقاربه لامكن للدولة ان تعيش اكثر مما عاشت بافريقية او بصقلية. والجزائر غير الخاضعة للدولة هي الثائرة. والجزائر الخاضه لها هي المدافعة. وبتغلب الشيعي عليها تم سقوط الدولة الاغلبية. ففر زيادة الله الى المشرق. واعانه المقتدر العباسي على استرجاع مكانه. ولكن صدق عليه المثل: "الصيف ضيعت اللبن" فلحق ببيت المقدس. وتوفي هنالك ولسان حاله ينشد: رزقت ملكا فلم أحسن سياسته ... كذاك من لا يسوس الملك يخلعه

стр. 497

الباب الخامس في الدولة العبيدية

стр. 498

١ - تمهيد كانت الجزائر في القرن الثالث مقسمة بين أمارات حفظمت التوازن بين ذوي السلطان، وارضت القبائل المتعادية باستقلال بعضها عن بعض، فيكان ذلك الانقسام مسكنا للثورات منشطا للحياتين العلمية والاقتصادية. وفي النصف الاخير من هذا القرن ساءت الحياة الاقتصادية وارتفعت الاسعار. قال ابن ابي زرع: " وتوالى القحط سنة ٢٥٣ الى سنة ٦٥ حتى انه عم سنة ٦٠ بلاد الاندلس والغرب ومصر والحجاز. وفي سنة ٢٧٦ طبقت الفتنة جميع بلاد الاندلس والمغرب وافريقية. وفي سنة ٢٨٥ كانت المجاعة الشديدة التي عمت بلاد الاندلس والعدوة حتى اكل الناس بعضهم بعضا. ثم أعقب ذلك وباء ومرض وموت كثير. هلك فيه من الناس ما لا يحصى". لم يخف على ايمة الشيعة بالمشرق ما عليه المغرب من ضعف سياسي بسبب انقسامه الى امارات. ومن ضعف مادي لما حل به من المجاعات والموتان فأرسلوا دعاتهم اليه لينشؤا به دولة. ففازوا. وتأسست الدولة العبيدية التي ابتلعت تلك الامارات ووحدت الادارة. ولكنها اعادت للمغرب حياة الثورات. وهي تنسب الى عبيد الله المهدي اول أيمتها. وكانت قاعدتها

стр. 499

الهدية نسبة إليه أيضا. ثم انتقلت الى مصر وعرفت هناك باسبم الدولة الفاطمية. وكان العبيديون يزاحمون بني العباس في الملك والسياسة وينافسونهم في العلم والحضارة. وبلغت دولتهم بالمغرب ومصر رقيا لا يقل عن رقي الدولة العباسية، وتركوا آثارا تشهد بفضل حضارتهم، ولكن لم يكن منها بالجزائر غير ما لعمالهم بني حمدون والصنهاجيين، وتصح نسبتها لهم لكونهم أساتذة أولئك العمال والآخذين بيدهم الى تلك المنزلة. ٢ - الشيعة الاسماعيلية بالجزائر شيعة الرجل من يتابعه ويناصره، وهم لدى المؤرخين من تولى علي بن ابي طالب وفضله على جميع الصحابةآ، ووجدت شيعة علي بعد قبض رسول الله (ص) فكانوا يرونه أحق بالخلافة، فلما صرفت عنه دخلوا فيما دخل فيه الجمهور. وقد عرف بعض المفسدين أن لعلي (ض) شيعة، فاتخذوا التشيع مساغا لتفريق الكلمة وكيدا للإسلام، وكان من أشهرهم عبد الله بن سبأ رجل يهودي، بث فكرته بالبصرة والكوفة ومصر وانتشرت عنه مقالات في الجهات. أصبح التشيع ضربا من ضروب التدجيل السياسي. فتعددت المقالات وكثرت الفرق. فكان منها الزيدية أتباع زيد بن علي زين العابدين، ومنهم شيعة إدريس. ومنها الامامية الروافض، ومن شعب الامامية الاسماعيلية وهم القائلون بإمامة اسماعيل ابن جعفر الصادق، وقد توفي حياة والده ومع ذلك يرونه إماما توصلا الى امامة عقبه. وليس من غرضنا شرح مذاهب الشيعة ومباديها.

стр. 500

والإسماعيلية يسمون أيضا الباطنية لقولهم بالإمام الباطن يريدون المستور ولقولهم أن نصوص الشريعة رموز مراد بها بواطن لا يفهمها إلا الامام. وكان العبيديون من هؤلاء الاسماعيلية. كان الاسماعيلية ينتخبون الدعاة الاكفاء يبثونهم في الاوطان لنشر مذهبهم. فارسلوا الى الغرب داعيتين هما: السفياني والحلواني وقالوا لهما ان بالمغرب أرض بور فاذهبا اليها واحرثاها حتى يجيء صاحب البذر. فنزل احدهما مرماجنة والاخر سوق حمار من ناحية قسنطينة. وبثا الاسماعيلية في الناس الى ان توفيا. وخلفهما أبو عبد الله الحسين بن أحمد. قدم مع حاج كتامة: موسى بن حريث كبير بني سكان ومسعود بن عيسى بن ملال المساكتي وغيرهما. فدخلوا به بلدهم سنة ٢٧٩ وتنازعوا عليه. كل يريد ان يكون معه. فقال لهم ان النص عندي من الهدي. بان منزلي بفج الاخيار، فاين يكون منكم؟ قالوا هو عند بني سليمان. وسلموا حكمه وظنوه اطلاعا على الغيب اذ لم يجر ذكر الوضع في طريقهم. وهو عند البصير دليل على تدجيل الشيعة وخبرة أيمتهم باحوال البلدان وما نأى عنها عن قبضة السلطان. أخذ أبو عبد الله في بث الرفاضية الاسماعيلية وذكر المهدي وقرب ظهوره وأن أولياءه مشتق اسمهم من الكتمان وانه يهاجر اليهم. وعرف بينهم بالعلم وبالشيعي وبالمشرقي. ولما تمكنت دعوته انتقل من الجدال الى الجلاد. وأسس في ايكجان قرب سطيف الى ناحية قسنطينة مدينة سماها دار الهجرة. وسمى اتباعه المؤمنين. وقاد الاجناد وفتح البلاد، ولحق به عبيد الله المهدي فظهر بسلجماسة وحبس بها، فلما تغلب ابو عبد الله على افريقية ذهب اليه وأتى به وسلم له الامر. ثم أظلم الجو بين المهدي وداعيته ابي عبد الله وتمشت بينهما

стр. 501

السعايات، فتخير المهدي من وجهاء كتامة عروبة بن يوسف واخاه حباسة، وامرهما بقتل ابي عبد الله وأخيه ابي العباس، ولما حمل عروبة على ابي عبد الله قال له لا تفعل! فأجابه: "الذي امرتنا بطاعته أمرنا بقتلك! " فقتلا معا يوم الثلاثاء منتصف جمادى الاخيرة سنة ٢٩٨ وتلك عاقبة كل ساع في تأسيس دولة لغيره. ابو عبد الله هو مؤسس الدولة العبيدية على الحقيقة، كان عالما يقظا سياسيا داهية حربيا ماهرا زاهدا متقشفا، وهو الذي يقول لما أطل بجيوشه على طبنة من فج زيدان: من كان مغتبطا بلبن حشية (١) ... فحشيتي واريكتي سرجي من كان يعجبه ويبهجه ... نقر الدفوف ورنة الصنج فانا الذي لا شيء يعجبني ... الا اقتحامي لجة الوهج سل عن جيوشي اذا طلعت بها ... يوم الخميس ضحى من الفج ومع ما قاساه في تأسيس هذه الدولة لم يتمتع فيها بما كان يرجوه من علو الكعب فخسر الدنيا والآخرة، وصدق عليه المثل "لا هنك أنقيت ولا ماءك أبقيت". قال القاشي ابو عبد الله بن حمادي كتابه اخبار ملوك بني عبيد: "وكان مما أحدث عبيد الله المهدي ان قطع صلاة التراويح وامر بصيام يومين قبل رمضان. وقنت في صلاة الجمعة قبل الركوع، وجهر بالبسملة في الصلاة المكتوبة، واسقط من اذان الصبح، "الصلاة خير من النوم" وزاد حي على خير العمل محمد وعلي خير البشر، وكذلك كان الاذان مدة بني عبيد".

стр. 502

وبعد الاذان يدعو المؤذن للامام ويصلي عليه وعلى آبائه وابنائه بصيغة نسجتها يد السياسة دعاية لهذه الحكومة التي اعتنت ببث الدعاة في سائر الاوطان حتى بلغوا السوس الاقصى، وكان منهم هنالك علي بن عبيد الله البجلي، وكان اتباعه يدعون البجلية. بقوا بعد الدولة العبيدية الى ايام المرابطين. ولم تمت بالمغرب الشيعة الاسماعيلية بذهاب الدولة العبيدية بل عاشت بعدها زمنا. ٣ - تأسيس الدولة العبيدية تأسست الدولة العبيدية بالدعاية الدينية والحنكة السياسية اللتين كانتال لأبي عبد الله الشيعي وبالقيمة الحربية التي كانت لكتامة ووطنها وبسوء سياسة زيادة الله الثالث الذي قتل أباه وكثيرا من أهله وذويه. ابتدأ ابو عبد الله بتعليم المذهب الاسماعيلي ثم أعلن امامة الفاطميين وأخذ يذكر المهدي وقرب ظهوره. فبلغ أمره ابراهيم الاغلبي فارسل اليه يتهدده. فاجابه جواب من ايقن بنجاح سياسته. وبلغ جوابه عمال وطن كتامة ورؤساء عشائرها فاجتمع منهم للمفاوضة في شأنه عمال ميلة وسطيف وبلزمة ويحي المساكتي المدعو بالامير ومهدي ابن ابي كمارة اللهيصي وفرج بن خيران الاجاني وثمل بن فحل اللطاني، فاتفتوا على مراسلة بيان بن صقلاب رئيس بني سكان في ان يسلم اليهم ابا عبد الله او يخرجه من بلدهم، فاجابهم باستشارة أهل العلم. فتآمروا باغتياله. وشعر انصاره بذلك. ففرقوا المتآمرين. واطبقت جيملة على مظاهراته. عاد أولئك العمال والروساء الى مخاطبة بيان بن صقلاب حتى استمالوه اليهم. فاستجار ابو عبد الله بالحسن بن هرون رئيس

стр. 503

غسان. ونزل عليه ببلدة تازروت فنشبت الحرب بين غسمان أولياء ابي عبد الله، ولهيصة اعدائه. فقتل ابو مديني اخاه مهدي بن أبي كمارة. ورأس مكانه لهيصة، وكان من حزب ابي عبد الله فاتحدت غسمان ولهيصة على ولائه وحاربوا من يحاربه. كان ابو عبد الله ينتصر دائما على أعدائه فكثر انصاره. وزحف الى ميالة. ففتحها. وولى عليها ماكنون بن ضبارة. وقتل صاحبها موسى بن العباس. ففر ابنه ابراهيم الى تونس ونزل على الامير أبي العباس نائب ابيه ابراهيم الذي كان يومئذ بصقلية. وحرضه على محاربة الشيعي، فجهز ما ينيف على عشرين الفا عقد عليها لاخيه الأحول، ولم يكن احول، وانما كان يكسر جفنه اذا ادام النظر. فصل الأحول بالجنود من تونس سنة ٨٩ ففتح سطيف ثم بالزمة، وقصد تازروت، وكان الشيعي قد كثرت جموعه وتكررت انتصاراته وانتشر صيته، فخرج للقاء الاحول، فانهزم ببلد ملوسة، وبلغ الاحول تازروت، فهدمها، وتحصن الشيعي بجبل ايكجان. وقصد ابراهيم بن موسى ميلة، فاعترضته طائفة من المتشيعة هزمته إلى معسكر الاحول. ثم عاد الاحول الى تونس، فخلا الجو للشيعي، وتلاحق الناس الى دعوته. فعاد الاحول الى حربه ونزل سطيف. واتخذها معسكره، وبينما هو يغير وينهزم اذ اتاه الامر بالعودة الى تونس على لسان أخيه الذي قتله أبيه زيادة الله، فلما بلغها قتله ابن أخيه. ولما استيقن الشيعي بنجاح أمره أرسل الى سيده عبيد الله يستقدمه ويخبره بما فتح من الاوطان. فيخرخ عبيد الله وابنه ابو القاسم وابو العباس اخو ابي عبد الله في زي التجار. وبلغوا مصر سنة ٨٩ وأذكى بنو العباس عليهم العيون. فقبض على ابي العباس بطرابس وسجن بها. وظهر عبيد الله وابنه بمسلجماسة يوم الأحد

стр. 504

سابع ذي الحجة سنة ٩٦ فاعتقلا بها. كذا قيل. وظاهر الاخبار الآتية أنه ظهر بها قبل هذا التاريخ. ووجه صاحبها اليسع بن مدرار كتابا الى زيادة الله يعلمه ذلك، فلما دخل رسوله ارض كتامة وقع بين قوم ظنهم في ولاية الاغالبة. فاخبرهم خبره فرفعوه الى ابي عبد الله. فالفى معه كتاب اليسع فتعرف منه خبر عبيد الله. وبعد خروج الاحول من سطيف بقي أهلها محاربين لابي عبد الله. فحاصرها مدة. ثم فتحها وهدم سورها. وأمن أهلها وعقد زيادة الله لابراهيم بن حبيش على اربعين الفا. نزل بها قسنطينة. واقام بها هنالك ستة اشهر. اجتمع له فيها من الجنود مائة الف. والتقى بها مع الشيعي على بلزمة. فانهنرم الى باغاية ثم عاد إلى القيروان. وتوجه ابو عبد الله الى طبنة. ففتحها بعد الحصار صلحا، ثم فتح بلزمة عنوة. وقصد عروبة بن يوسف من اصحابه عامل باغاية هرون بن الطبني، وقد عقد له زيادة الله على اثني عشر الفا، فقتله عروبة. وزحف من اصحابه ايضا يوسف الغسماني الى تيجس. فدخلها بعد الحصار صلحا. ولحقت حاميتها بالقيروان. ووجه سرية فتحت مرماجنة عنوة. وقتلت عاملها، وهي فيما بين مجانة وسبيبة. واستأمن له أهل تيفاش. فاستعمل عليهم صواب بن ابي القاسم السكاني. وفتح بنفسه صلحا باغاية ومسكيانة وتبسة. وعاد الى ايكجان بعد ما سرح العساكر تردد الغارات على نفزة وغيرهم. واتخذ زيادة الله معسكره بالاربس وهي مدينة في الجنوب الشرقي من مدينة الكاف بعمل تونس قريبة من سبيبة. وأصبح يغير من هذا المعسكر على النواحي المتشيعة. فاسترجع تيفاش. وخرج ابو عبد الله من ايكجان لتعميم فتحه. فاخذ قسنطينة بعد الحصار صلحا. وشرق حتى بلغ قفصة وملكها. ثم عاد الى ايكجان. وترك حامية بباغاية لمواقفة جنود الاغالبة ورد غاراتها.

стр. 505

ثم قصد أبو عبد الله الاربس في جمادي الاخيرة سنة ٩٦ في مائة الف بين فارس وراجل وكانت بين الفريقين حروب صعبة ولكنها من المعارك الفاصلة. ودخل أبو عبد الله الاربس عنوة وانهزم جيش الأغالبة هزيمة نكراء وفر زيادة الله الى المشرق. وأقبل الشيعي الى رقادة دار ملك الاغالبة قى سبعة عساكر فيها تلاثمائة الف بين فارس وراجل. فدخلها. وبين يديه رجل يقرأ﴾ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لاول الحشر﴾ الآية و ﴿كم تركوا من جنات وعيون﴾ الآية. وكان دخوله رقادة في رجب سنة ٩٦. نزل ابو عبد الله قصر الامارة. وضبط ما فيها. واستقدم اخاه من سجن طرابلس. واستخلفه على رقاده. وخرج الى سجلمالسة ففرت أمامه زناتة. وملك تاهرت. وولى عليها دواس بن صولات اللهيصي، وأخذ السير الى سجلماسة فاخرج من سجنها عبيد الله وابنه. واركبهما. وبايعته عساكر كتامة وأهل سجلماسة. وبعد ان مهدوا تلك النواحي عادوا بعبيد الله فمروا به على ايكجان. واخذ ما فيها من غنائم. ثم ارتحلوا إلى رقادة. وبها بويع عبيد الله البيعة العامة وتلقب بالمهدي. وذلك في ربيع الثاني سنة ٢٩٧. ٤ - الحكومة العبيدية الدولة العبيدية مستقلة استقلالا تاما، وحكومتها يصح ان تسمى مطلقة لان الذهب الاسماعيلي يرى الامام معصوما. فيجمع له كل السلط تشريعية وتنفيذية وقضائية. والامام هو رئيس الحكومة الاعلى. ويلقب أمير المؤمنين ويتعين بالعهد اليه من سلفه. ولا بد ان يكون من آل البيت. ولهذا

стр. 506

كثر النزاع في نسب عبيد الله المهدي. قال ابو عبد الله بن حماد: "اختلف الناس في نسبه الى الحسين بن علي ﵉. فمن مسلمين ما ادعاه ومقرين بما حكاه ومن مانعين ما انتحله والذي ادعاه هو انه عبيد الله بن محمد بن الحسين بن محمد بن اسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي زين العابدين. والذي ادعاه الناس لا برهان عليه. فلا حاجة لي اليه. " اهـ. ويساعد الامام وزراء ة عمال وقضاة. ويختص الامام وولي عهده بالمظلة. قال ابو عبد الله بن حماد: "وهي شبه درقة في رأس رمح محكمة الصنعة رائقة المنظر ظرف من الصناعة في الصياغة ونظم الاحجار الغالبة ما يروق مرآه ويدهش من رآه. يمسكها فارس من الفرسان يعرف بها. فيقال صاحب المظلة. وكانت عندهم خطة يتداولها من يؤهل لها، فيحاذي بها الملك من حيث كانت الشمس، يقيه حرها بظلها، وفيها يقول محمد بن هانيء الاندلسي من قصيدة يمدح فيها معدا المعز: وعلى أمير المؤمنين غمامة ... نشأت تظلل تاجه تظليلا نهضت بمثل الدرع ضوعف نسجه ... وجرت عليه عسجدا محلولا ولم يعلم أحد غير بني عبيد اتخذ هذه المظلة الا ملك الروم بصقلية، واحسب انهم أهدوها اليه في بعض هداياهم، وكأني سمعت هذا" اهـ. والحكومة العبيدية لا تعترف بأية حكومة أخرى، فكانت ترسل الدعاة الى جميع الاوطان الاسلامية دون بلاد الكفر! ولهم رئيس يلقب داعي الدعاة، وهو الذي يأخذ البيعة للامام، وبهؤلاء الدعاة ملكت اليمن والبحرين ثم الحجاز وخطب لها بمدينة بغداد على عهد المستنصر من أيمتها، وكانت لها جيوش جرارة واساطيل عديدة،

стр. 507

حافظت بها على ممالكها، وملكت بها مصر والشام. وغزت بها سواحل إروبا، وفتحت جنوة من بلاد ايطاليا، ولكن عنايتها بفتح العالم الاسلامي أشد! وكانت تجبر الناس على العمل بمذهبها، فتشيع كثير من أهل العالم رغبة أو رهبة، وامتحن كثيرون من أجل ترك البسملة في الفريضة وترك "حي على خير العمل" في الاذان، وكانت لا تسمع في ولاتها من يشكو جورهم تأليفا لهم اذ لا غنى لها عنهم واضعافا للرعية حتى تأمن ثورتها، ورفع الناس مرة إلى عبيد الله أن القاضي المروزي يرتشي ويقتني الاموال. فلم يرفع لها رأسا. فرفعوا إليه انه يقدح في الدولة فعزله وعذبه ثم قتله. وأحدث بنو عبيد الخراج على الأرضين قال محمد ابن الحارث وهو ممن أدرك أوائل هذه الدولة: "امتحن مالك بن عيسى القفصي بصحبة عبيد الله. وبتعديل الارض له لتوظيف الخراج الذي يسميه المقسط. " اهـ. ولم يكن للعبيديين ثقة بأهل المغرب. فشرع المهدي من فوره في تأسيس المهدية، واختار لها موقعا حربيا مهما. وبالغ في تحصينها. وانتقل اليها سنة ٣٠٨ وقال انما بنيتها لتعتصم بها الفواطم ولو ساعة من نهار. ولما فتح المعز مصر بادر بالانتقال اليها. وأوصى خليفته بلقين بن زيري بوصايا. وقال له: "ان نسيت شيئا فلا تنس هذه الوصايا: ان لا ترفع السيف عن البربر وان لا ترفع الجباية عن أهل البادية وان لا تولي أحدا من قرابتك لئلا يطمعوا في أمرك، وان تحسن الى أهل الحاضرة " اهـ. هذه الوصايا تصور لك حرص الحكومة على استعباد الامة وتلك سياسة كل حكومة أجنبية انتفاعية. وانما أوصاه خيرا بأهل الحاضرة

стр. 508

لأن فيهم كثيرا من الاسماعيلية. وقد وقذت الحضارة غيرهم فلا تخشى منهم ثورة. وأيمة العبيديين بالمغرب أجل قدرا وأنفذ أمرا من أيمتهم بمصر تولى منهم بالمغرب أربعة وبمصر عشرة. واستقل المغرب عنهم أيام المستنصر بن الظاهر. وانتهت دولتهم بموت العاضد في المحرم سنة ٥٦٧) ١١٧١ م) فحول وزيره صلاح الدين الأيوبي الدعوة الى العباسيين فكانت مدتهم ٢٦٩ سنة. وهاك ايمة هذه الدولة الخليفة .......... الولاية ......................... هـ ......... م عبيد الله الهدي ... ٢٩٧ ... ٩٠٩ ابنه محمد القائم ... ٣٢٢ ... ٩٣٣ ابنه اسماعيل المنصور ... ٣٣٤ ... ٩٤٥ ابنه ممد المعز ... ٣٤١ ... ٩٥٢ ابنه نزارا العزيز ... ٣٦٥ ... ٩٧٥ ابنه منصور الحاكم ... ٣٨٦ ... ٩٩٦ ابنه علي الظاهر ... ٤١١ ... ١٠٢٠ ابنه معد المستنصر ... ٤٢٧ ... هـ١٠٣ ابنه أحمد المستعلي ... ٤٨٧ ... ١٠٩٤ ابنه منصور الآمر ... ٤٩٥ ... ١١٠١ عبد المجيد الحافظ بن محمد بن المستنصر ... ٥٢٤ ... ١١٣٠ ابنه يوسف الظافر ... ٥٤٤ ... ١١٤٩ ابنه عيسى الفائز ... ٥٤٩ ... ١١٥٤ أخوه عبد الله العاضد ... ٥٥٥ ... ١١٦٠

стр. 509

٥ - تيهرت العبيدية وزناتة دخلت تيهرت في حكم العبيديين سنة ٢٩٦ فجعلوها قاعدة المغرب الاوسط وانتخبوا لها الولاة من أوليائهم. ففتحوا لها سائر المغرب أوسطه وأقصاه. ودخلت وهران في عمل تيهرت لسنة ٢٩٨. ووهران حديثة التأسيس يومئذ. قال البكري: "وهي حصينة ذات مياه سائحة وأرحاء ماء وبساتين. ولها مسجد جامع. بناها محمد بن ابي عون وجماعة من الاندلسيين البحريين سنة ٢٩٠ باتفاق مع نفزة وبني مسقن. وأقاموا بها دعوة الامويين، وفي سنة ٩٧ زحفت إليها قبائل كثيرة يطالبون الاندلسيين باسلام بني مسقن اليهم لدماء كانت بينهم. فأبوا من اسلامهم فحاصروهم ومنعوهم الماء، فخرج بنو مسقن ليلا واستجاروا بازداجة، ثم نجا الاندلسيون بأنفسهم، فتغلب أولئك القبائل على وهران في ذي الحجة واضرموها نارا، ثم عاد أهل وهران اليها سنة ٩٨ بأمر أبي حميد عامل تيهرت، وولى عليهم محمد بن ابي عون، ش ابتدأوا بنيانها في شعبان، فعادت أحسن مما كانت، ولم تزل في عمارة وكمال وزيادة وحسن حال الى أن دخلها يعلى بن محمد بن صالح اليفرني سنة ٣٤٣ فخربها وحرقها ثانية، وبقيت كذلك سنين، ثم تراجع الناس إليها وبنيت" اهـ. وقال فيها الادريسي ما ملخصه: "عليها سور من تراب متقن، وبها أسواق مقدرة. وصنائع كثيرة. وتجارات نافقة. ومنها أكثر ميرة أهل ساحل الاندلس. وشرب أهلها من واد يجري اليها من البر. وعليه بساتين وجنات. وأهلها في خصب. يوجد لديهم العسل والسمن والزيت والغنم. والبقر بها رخيصة. وفي أهلها دهقنة وعزة نفس ونخوة " اهـ.

стр. 510

وقد وقعت تيهرت بين مواطن زناتة. وكان سنيهم وخارجهم مخالفين للعبيديين. فاجلبوا عليهم مرارا. واشتهر من رؤسائهم يومئذ محمد بن صالح اليفرني ثم ابنه يعلي. ومحمد بن خزر المغراوي من عقب محمد بن خزر صاحب ادريس. واخوته عبد الله وفلفول ومعبد وابناه الخير وحمزة. لما توجه ابو عبد الله الشيعي الى سجلماسة لم تدر زناتة وجهته ففرت من طريقه. فلما بلغها أرادت أن تقطع عنه خط الرجعة. فزحفت سنة ٩٧ الى تاهرت وواطأها من أهل المدينة بنو دبوس. فسجنهم عاملها ابو حميد دواس بن صولات اللهيصي الكتامي. بحصن بن بخاتة. ثم قتلوا به. وتغلب محمد بن خزر على بعض ارباض المدينة. ففر منها دواس الى قلعة ابن حمة. ثم أجلى التيهرتيون زناتة عن مدينتهم واعادوا اليهم عاملهم. ثم ثاروا به سنة ٩٨ فنجا الى حصن ابن بخاتة. وادخلوا محمد بن خزر المدينة ثم خذلوه فانصرف عنهم. وجاءت جيوش العبيديين. فحاربوا أهل تاهرت ثلاثة أيام ثم دخلوها في صفر سنة ٩٩ وفعلوا بأهلها الافاعيل. وعاد اليها دواس. الى ان صرفه عنها المهدي ثم قتله برقادة. ولي تاهرت بعد دواس مصالة بن حبوس المكناسي. وهو الذي فتح فاسا. وكانت بينه وبين زناتة حروب. ففي بعض أيامه فصل من جيشه خيلا لبعض النواحي. وبقي في قل. فقصده محمد ابن خزر وقتله في شعبان سنة ٣١٢ فولى المهدي مكانه أخاه يصل بن حبوس. فغمرته الثورات. وقصد محمد بن خزر تيهرت سنة ١٤ فانهزم عنها. واخرج المهدي في أثره موسى بن محمد الكتامي في طائفة من القواد. فدخل محمد ابن خزر الصحراء. وترك أخاه عبد الله مع وجوه رجاله بوادي مطماطة. فحارب موسى بن محمد وانتصر

стр. 511

عليه. ثم أخرج المهدي اسحق بن خليفة وابا عروس في عسكر كتامة. فهزمهم ايضا. ودخلت في ولاية عبد الله بن خزر وطاعة أخيه محمد لماية وما جاورها من القبائل فعظم الخطب على الشيعة. وفي تاسع صفر سنة ٣١٥ بعث المهدي ابنه أبا القاسم في عساكر كتامة ومن انضاف اليهم، ففر ابن خزر في الصحاري على المهاري. وفتح ابو القاسم بلد مزاتة ومطماطة وهوارة وسائر الاباضية والصفرية. من نواحي تاهرت الى ما وراءها. وبقي يصل واليا بتيهرت الى أن توفي سنة ٣١٩ فخلفه ابنه حميد. وفي هذه السنة تقدم موسى بن ابي العافية المكناسي عامل العبيديين بالمغرب الاقصى. فاخضع لهم تلمسان ووهران والبطحاء وتنس وشرشال. ثم رفضهم. وخطب لبني أمية. فجهز له المهدي حميد بن يصل سنة ٣٢١ في عشرين الفا، فانتصر عليه. ثم انقلب هو ايضا أمويا سنة ٢٨ ولم يكن يومئذ واليا بتيهرت. وتوفي المهدي فخلفه ابنه ابو القاسم محمد القائم. فولى على تيهرت ابا مالك يغمراسن بن ابي شحمة اللهيصي. فثار به أهل المدينة واخرجوه سنة ٢٣ وقدموا على انفسهم ابا القاسم الاحدب بن مصالة ابن حبوس. فنزل عليهم ميسور الخصي سنة ٢٤ وظفر بهم. وقتل واليهم وولى عليهم داود بن أبرأهيم العجيسي. فانقرضت به ولاية المكناسيين بتيهرت. واصبحت مكناسة التي كانت محاربة لزناتة متحدة معها على ولاية الامويين وحرب العبيديين. وفي سنة ٣٣٣ اجلب حميد بن يصل على تيهرت، وظاهرته لواتة، فاخرج منها داود، واقام بها الدعوة الاموية، وشغل عنه العبيديون بامر صاحب الحمار. ولما قبض اسماعيل المنصور على صاحب الحمار توجه الى تيهرت في صفر سنة ٣٦ ففر منها حميد. ولحقت لواتة بالرمال، وملك

стр. 512

المدينة. واحرق منبرها لكونه خطب عليه الامويين، وولي عليها ميسورا الفتى وهو غير ميسور الخصي المتقدم. وثار التيهرتيون بميسور، وكاتبوا محمد بن خزر، فوجه لهم جيشا به ابناه الخير وحمزة واخوه عبد الله ويعلى بن محمد بن صالح اليفرني. وخرج اليهم ميسور في رجال لماية، فدارت الحرب بين الجمعين. وقتل حمزة بن محمد بن خزر، ثم اسر ميسور، وفتحت زناتة المدينة، ولم يجد العبيديون سبيلا لغلبة زناتة غير تفريق كلمتهم، فاستمالوا يعلى بن محمد اليفرني، وعقدوا له على تاهرت والمغرب الاوسط اغاظة لمغراوة وكبيرها ابن خزر، لكن يعلى لم يلبث ان راجع طاعة الامويين. وفي سنة ٤٧ جهز المعز قائده جوهرا الصقلي لاخضاع المغربين، وامر ولاة الجهات بامداده فخرج معه جعفر صاحب المسيلة وزيري صاحب اشير، وانضم اليهم محمد ابن خزر بداعي المنافسة ليعلى، فالتقى الجمعان، على مقربة من تاهرت. قال ابن ابي زرع: "فالتحم الحرب بين الفريقين، وبذل جوهر الاموال لقواد كتامة على قتل يعلى، فصممت منهم عصابة، وصمدت الى يعلى. فقتلته واتت برأسه الى جوهر، فبعث به الى المعز. وطيف به في القيروان"، اهـ. واضيف عمل تيهرت الى صاحب اشير زيري بن مناد الصنهاجي، فرمى العبيديون زناتة بصنهاجة، وغلبوهم بذلك على تاهرت. ٦ - العبيديون وجبل اوراس كان جبل اوراس معدن الثورات لحصانة موقعه واختلاف سكانه اصلا ومشربا. وكانت عاصمته باغاية. تنتخب الدولة لولايتها الأكفاء المخلصين من أوليائها.

стр. 513

وليها عروبة بن يوسف الكتامي سنة ٢٩٨ بعد قتله للشيعي. واتصل بعمل تاهرت. وكان اخوه حباسة من أعظم القواد. وولي عمل برقة. ثم قتله المهدي سنة ٣٠٢ فغضب عروبة لقتله. وثار في أوليائه من كتامة وغيرهم. فجهز له المهدي مولاه غالبا. فقتله وقضى على ثورته من سنتها. وفي سنة ٢٣١ انعقد بجبل اوراس مؤتمر للثورة. فبايعوا ابا يزيد مخلد بن كيداد. وتلقب شيخ المؤمنين. وحارب العبيديين. وحصرهم بالمهدية. واستولى على سائر افربقية والمغرب الاوسط. ثم أساء السيرة. فضجت منه الامة. وخذلته. فتغلب عليه العبيديون. وقوام هذه الثورة عداوة الامة لمذهب الحكومة. ونفار القبائل من تحكم كتامة، وظهور دعوة الامويين بالمغرب الاوسط. وهذا ابو يزيد أصله من الجريد. ونسبه في بني واركو من يفرن. كان ابوه يختلف بالتجارة الى السودان. فاشترى بتادمكت امة. تدعى سبيكة. فحملت منه بابي يزيد. وكان أعرج وعمره. يوم ثار ستون سنة. وبه علل كثيرة. ونشأ فقيرا مشتغلا بالعلم والادب. واخذ برأي النكار من الاباضية. وعني بتعليم الصبيان. ورزقه من صدقات الناس. ثم أخذ في الطعن على الحكومة. فضيقت عليه وخشي الناس مجالسته. فهجروه. فخرج من توزر الى أوراس. ونزل على بني كملان من هوارة. فايدوه على الثورة. وصحبه ابو عمار الاعمى بن عبد الله الحميدي من مقدمي الاباضية. قام ابو يزيد بدعوة عبد الرحمن الناصر الاموي. وسمى الملازميين له من اتباعه العزابة، ومن بايعه وانصرف عنه عدة المسلمين، وتظاهر أول أمره بالزهد. فكان يلبس من خشين الصوف جبة قصيرة ضيقة الكمين وقلنوسة. ويركب حمارا اشهب أهدي له بمرماجنة. فدعي لذلك صاحب الحمار. وبهذه الظاهر السياسية

стр. 514

والدينية جذب عامة الناس اليه. فانضاف اليه محمد بن خزر واخوه معبد، واجتمعت اليه هوارة وزناتة ونفوسة وغيرها. ولما اعجب بكثرة جموعه وثمل بانتصاراته انتقل الى ركوب جياد الخيل ولبس الحرير والديباج واستباحة الفروج والدماء وكانت عساكره تأتي انواع المناكر من سلب ونهب واغتصاب حريم حتى انهم ليبقرون الحوامل ويشقون بطون الرجل عسى أن يكون بها مال ابتلعوه. ولا تسأل عما تحدث هذه الافاعيل من ذعر وخراب. ولما عوتب عن تنعمه بعد تقشفه تلا قوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل﴾ الآية. ولما شكي الناس اليه ما اصابهم من عساكره انشد: اذا أبقت الدنيا على المرء دينه ... فما فاته منها فليس بضائر فكان ذلك مما زوى قلوب الناس عنه واضاع عليه ثمرة انتصاراته. وكان ابتداء هجوم ابي يزيد في سنة ٣٢ فنزل من اوراس الى باغاية، فحاصرها، ولم يقدر على فتحها، فرأى ان يوسع نطاق الثورة ليفرق عنه قوة الحكومة، فأثار بني واسبن فحاصروا توزر سنة ٣٣٣ ودخل حميد بن يصل تاهرت، وفتح هو صلحا تبسة ومجانة ومرماجنة. ثم استولى على الاربس وسبيبة وباجة وتونس ورقادة والقيروان وسوسة، كل ذلك أثناء عام ٣٣٣ وتقدم فحاصر المهدية. وأفرج عنها في صفر سنة ٣٤ وكان ابنه أيوب بباجة لحشد الناس. وخرج عامل المسيلة علي بن حمدون لانجاد المهدية في جموع زواوة وكتامة فمر بقسنطينة والاربس. والتقى بايوب على باجة، فهزمه ايوب. وتردى به فرسه، فهلك، ثم هلك محمد القائم بعده باشهر. وخرج اسمعيل المنصور لحرب ابي يزيد، فاخرجه عن افريقية. ورام باغاية. فاغلقت في وجهه، ولفظته البلاد، وتوجه المنصور مغربا

стр. 515

أثره في ربيع الاول سنة ٣٥ فمر بسبيبة فرماجنة فملاق فباغاية فبلزمة فنفاوس فطبنة، وأقام بها اياما فرق فيها الاموال وتفقد احوال الجند. ثم سار الى بسكرة، وبها ابو يزيد، ففر منه، ثم انقلب الى مقره، وأفاض بها من احسانه على الناس استمالة لهم. وكاتب زيري بن مناد وماكن بن سعد، واهدى اليهما من التحف والطرف والاموال الجمة والكسي الفاخرة ما جد بهما به اليه فحشدا له من صنهاجة وعجيسة كل ما قدرا عليه. ووصلا بتلك الحشود اليه. وانتقل المنصور من مقره الى المسيلة. فوفد عليه رسول محمد بن خزر بطاعته. فاكرمه وأركبه فرسا من افراسه بسرجه ولجامه. ووصله بعشرة آلاف دينار. ثم خرج في طلب ابن يزيد الى جبل سالات (بشد لام ألف) وانقلب الى مواطن كصنهاجة. فنزل سوق حمزة. وجاءه زيري بن مناد في رجال صنهاجة. فأجزل صلتهم. وخرج الى وادي لعلع. فمرض به نحو شهرين. وخالفه ابو يزيد الى المسيلة فأخذ المنصور اليه السير. فاجفل امامه الى جبل كيانة. واقام المنصور بالمسيلة. ووجه مواليه الى سطيف وميلة لاستنفار الناس. وجاءه رسول الخير بن محمد بن خزر في نحو مائة فارس بانه أقام دعوته بمدينة الاغواط وسائر عمله. وطلب منه ان يبعث بالخطبة والسكة ليضربها على اسمه. فاكرم الرسل وردهم بمطلوبهم. وحملهم رسالة ليأمر الخير بن محمد زناته بالاختلاف الى المسيلة والقيروان بالاطعمة وغيرها وانه لا يمنعهم شراء السلاح ولا يكلفهم قبالة ولا مغرما. انحصر ابو يزيد بجبل كيانة وهو قلعة بني حماد، وكان الطعام يأتي اليه من بنطيوس وغيرها. فكتب المنصور الى زناتة بالاغارة عليهم فانقطعت عنه الميرة، وتقابل الجمعان في شعبان بفحص باتنة، وهي قرية كانت تدعى أدنة بينها وبين المسيلة اثنا عشر ميلا، وليست

стр. 516

هي باتنة المعروفة اليوم بجبل أوراس، وانهزم ابو يزيد في هذه المعركة هزيمه نكراء. وفي غرة رمضان رحل المنصور لحصار أبي يزيد بكيانة، فاحاط بالجبل، وكانت حروب شديدة دامت الى المحرم سنة ٣٦ ففيه قتل ابو عمار الاعمى. وقبض أبو يزيد مثخنا بالجراح. فأمر المنصور بمداواته والاحسان اليه لكن الدم نزفه فمات في آخر المحرم، فأمر المنصور بسلخه وحشو جلده، قطنا وطيف به في البلاد ثم صلب. وقد كلفت هذه الثورة الحكومة انفاق أموال طائلة وشغلتها مدة مديدة، فكان السرور بانتهائها عظيما، وانشدت الشعراء في ذلك القصائد والمقطمات. فمن ذلك قول أحدهم وقد اوقن بقبض أبي يزيد: يا مخلد بن سبيكة ... يا شر بيت في العشائر ذق ما جنته يداك قبـ ... ـل من الصغائر والكبائر ذق هول شقك للبطو ... ن وما ارتكبت من الجرائر يا شر من بكيانة ... وكيانة شر البرابر وقبل القبض على ابي يزيد ظهر باوراس ثائر آخر. شاب أمرد من أهل القيروان، كان يشتغل بكتب الصوفية، واجتمع عليه في ثورته قبائل كثيرة من زواوة وصنهاجة وعجيسة، فقبض عليه وعلى بعض اتباعه جعفر بن علي صاحب المسيلة. وكتب الى المنصور وهو بطبنة يخبره خبرة، ثم جاءه به مقيدا على جمل وعلى رأسه طرطور مشهر، فأمر بسلخه حيا وحشو جلده قطنا ووضعه في تابوت، وكان يصلبه اينما حل ارهابا للناس. وبعد القبض على ابي يزيد بقي أبناؤه وبعض اتباعه على ثورتهم، فلما كان المنصور عائدا الى المهدية هجم على ساقة جيشه

стр. 517

الفضل بن ابي يزيد ومعيد بن خزر في جمع عظيم. فهزمهم زيري بن مناد. ثم نزل الفضل من اوراس. وحاصر باغاية. فقتله غدرا باطيط بن يعلى الزناتي في ذي القعدة سنة ٣٦ ثم زحف يزيد بن أبي يزيد الى باغاية ايضا. فهزم عنها. وكان اخوه ايوب وفد على عبد الرحمن الناصر مستنجدا. وعاد إلى أوراس. فاغتاله عبد الله بن بكار اليفرني. ثم قبض على معبد بن خزر. فقتل سنة ٤١. وبقيت هوارة اوراس على ثورتها. فجهز لها المعز بن المنصور بلقين بن زيري. وجمعوا له بسفح غزالة قريبا من باغاية. فهومهم. وتشتتوا في بلاد الزاب. وبلغ فلهم بلاد السودان. وولى المعز على باغاية مولاه قيصر الصقلي فكان له غناء في تمهيد تلك الجهات. سبب له دالة على العز. فقتله سنة ٣٤٩. وفي سنة ٣٥٨ ثار بالجريد ابو خزر الزناتي من الاباضية الوهبية. ودعا للناصر الاموي. وحاصر باغاية وامتدت ثورته بالزاب ووادي ريز وورقلة. فخرج اليه المعز نفسه. وشتت جموعه. فلحق بجبل نفوسة. وهكذا شقي العبيديون بجبل أوراس كما شقوا بتيهرت. واصبح تاريخهم بالمغرب حربيا خرابيا أكثر منه مدنيا عمرانيا. ٧ - الجزائر بين العبيديين والامويين كانت الامارات المستبدة على دار الخلافة تكبر أمر الخلافة فلا تدعيها. ولم يجرؤ عليها غير الخوارج وفي بداية القرن الرابع ادعاها عبيد الله المهدي بالمغرب ثم عبد الرحمن الناصر بالاندلس. وكان سلفه مكتفين باندلسهم. ولهم علاقات تجارية بسواحل المغرب. وفي سنة ٢٩٠ أسست طائفة من تجارهم وهران واقاموا بها الدعوة الأموية.

стр. 518

وقد أيد العبيديين كتامة ثم صنهاجة وحاربتهم رناتة فهزموها سنة ٣١٥ حتى بلغ عظيمها محمد بن خزر سجلماسة. فكانت للامويين فرصة اتنهزوها. فارسل الناصر رسله الى محمد بن خزر. وقدموا عليه بسجلماسة سنة ٣١٦ فاجابهم الى القيام بدعوته. ونهض الى التل. فاستولى على تنس ووهران وشلف. وكان موسى بن أبي العافية عظيم مكناسة بالمغرب الاقصى من أولياء العبيديين. فنبذهم. واقتفى اثر محمد بن خزر. نهض العبيديون لمحاربة القبائل الأموية. فكانت وقائع شديدة لكنها غير فاصلة. وكادت تتغلب الأموية ايام صاحب الحمار الذي بلغ أن حاصر المهدية. وفتح حميد بن يصل المكناسي تاهرت. واستولى محمد بن خزر على الزاب. وقتل زيدان الخصي عامل بسكرة للعبيديين. وفي سنة ٣٥ ضعف أمر صاحب الحمار. فاخذ محمد بن خزر وابنه الخير بدعوة العبيديين في قومهما مغراوة. فحاربتهم يفرن وعظيمها محمد بن صالح. وغدر به عبد الله بن بكار اليفريني. فقتله تملقا لمغراوة ثم اتفقت القبيلتان على موالاة الاموية وملكوا تاهرت. وقتلوا عبد الله بن بكار. ثم استمال المنصور العبيدي يعلي بن محمد بن صالح. وعقد له على تاهرت وعملها لكنه عاد الى دعوة الناصر وعقد له على ما بين تاهرت وطنجة. فعظم شأنه. وزحف سنة ٤٣ الى وهران بدعوى تمريض أهلها في الطاعة. فغلب عليها محمد بن ابي عون وشتت شمل ازداجة. ونقل منهم الى مدينة فكان. وغضب محمد بن خزر لتقديم قريعه يعلي بن محمد. فوفد سنة ٤٢ على المعز بن المنصور آخذا بدعوته، وخرج في جيشه لغزو يعلي سنة ٤٧ ثم وفد على المعز سنة ٣٥٠ وهلك بالقيروان. وقد اناف على مائة سنة.

стр. 519

وخلفه ابنه الخير. وخلا له وجه زناتة بقتل يعلي. فعاد الى طاعة بني امية حتى توفي. وخلفه ابنه محمد. وكان جبارا طاغيا. وخرج بلقين بن زيري الصنهاجي لحربه سنة ٦٠ فدارت عليه الدائرة. وكاد يؤسر. فانتحر. والعرب تقول المنية ولا الدنية. وقتل من زنانة سبعة عشر أميرا. ونهض الخير بن محمد. فجمع أشتات قومه وأعاد الكرة على صنهاجة. فقتل زيري بن مناد. وثأر منه بأبيه المنتحر. وفي سنة ٦١ نهض بلقين بن زيري لحرب زناتة. فأجلاها عن الزاب. ثم أجلاها سنة ٦٣ عن المغرب الاوسط. وعاد من تلمسان. وتفرقت زناتة في المغرب الاقصى. تلوله وصحرائه. وتبعهم بلقين سنة ٦٩ فقتل بسجلماسة الخير بن محمد. ونجا ابنه محمد في أعيان من قومه الى الاندلس مستصرخين المنصور بن ابي عامر حاجب هشام المؤيد ابن المستنصر بن الناصر. فأجاب صريخهم. واجتمعت زناتة وأولياء الاموية بظاهر سبتة. وأطل عليهم بلقين فرأى ما هاله كثرة. فعاد عنهم. وصدق القائل: "اذا أردت السلم فاستعد للحرب". وفي سنة ٧٧ خالف سعيد بن خزوون بن فلفول بن خزر قومه. فنزع الى صنهاجة العبيدية. فأكرمه منصور بن بلقين. وعقد له سنة ٨١ على عمل طبنة. وتوفي من سنته. فجدد المنصور العهد لابنه فلفول. وفي سنة ٧٧ ملك فاسا زيري بن عطية بن عبد الله بن خزر مقيما للدعوة الاموية. وكان ابو البهار بن زيري الصنهاجي عاملا بتاهرت. فنبذ عهد الشيعة. واتحد مع زيري بن عطية. وكان صهره خلوف بن ابي بكر بمدينة تاهرت، فتابعه، ثم عاد الى العبيدية، وضبط تاهرت، فغفل عنه ابو البهار، ونهض اليه زيري سنة ٨١

стр. 520

فانتصر عليه، ثم حارب ابا البهار لقعوده عن قتال صهره، ففر أمامه الى ابن أخيه منصور فرضي عنه، واعاده الى تاهرت، فزحف اليه زيري وانتصر عليط ايضا، واستولى على عمله، فأصبح المغرب الاوسط الى الزاب أمويا. وكان ابن ابي عامر يذكر في الخطب بعد المؤيد، وساء ما بينه وبين زيري، فاقتصر في دولته الممتدة من المحيط الى الزاب على ذكر المؤيد في الخطب، فجهز ابن ابي عامر لحربه الجيوش، وكان اللقاء بنواحي طنجة وتكافأت القوتان، ثم طعن زيري احد غلمانه غدرا واشبع موته فانهزمت جموعه. خرج زيري من هذه المعركة جريحا وقصد تيهرت فحاصرها وبها يطوفت ابن بلقين وبلغ الخبر باديس بن منصور بالقيروان فخرج الى زيري في جموعه ومر بطبنة فقدم بين يديه حماد بن بلقين فلقي زيري على وادي مينة فهزمه زيري وفتح تاهرت واستولى على عملها شلف وتنس وتلمسان ثم فتح المسيلة وحاصر اشير وهنالك انتقضت عليه جراحاته فافرج عنها ومات سنة ٩١ وخلفه ابنه المعز فاقصر عن مزاحمة صنهاجه العبيدية وتلطف لبني أمية حتى أعادوه الى فاس فاقتصر هو وعقبه على ملك المغرب الاقصى. وكان باديس لما بلغ طبنة استدعى عاملها فلفول، فخشي منه واعتذر عن عدم مقابلته، فلما فارقها باديس عاد اليها فلفول، فترك حمادا لمقابلة زيري، وعاد هو الى فلفول، وقد امتدت ثورته من طبنة الى تيجس، وحاصر باغاية، فسرح له باديس أعظم قواده، فقتل وانهزمت جنوده، فقاد باديس نفسه الجيوش، واخرخ فلفول عن باغاية ثم مرماجنة، فلحق بالجبال سنة ٨٩. انضم الى فلفول بعد هزيمته بنو زيري بن مناد المخالفون على باديس، فنزلوا الى تبسة، وحاصروها، فاجلاهم باديس عنهما،

стр. 521

وطارد فلفول من مكان الى مكان حتى ألحقه بالرمال سنة ٩١ فتوجه الى طرابلس وملكها. واورث بها بني خزر دويلة زناتية. وهكذا كانت سنة ٣٩١ هي خاتمة تطاحن العبيدية والاموية على الجزائر. ولولا طعنة ذلك الغلام لزيري بن عطية ما انتهت الحوادث في هذه السنة وعلى هذا الوجه. فربما نشأ عن الحقير انقلاب كبير. ان الامور دقيقها ... مما يهيج له العظيم ٨ - امارة بني حمدون بالمسيلة كان علي بن حمدون بن سماك بن مسعود بن منصور الجذامي المعروف بابن الاندلسية، قد اتصل بالمهدي وابنه القائم بالمشرق وصحبهما الى المغرب. ولما بلغوا طرابلس ارسله المهدي الى ابي عبد الله الشيعي. فادى الرسالة. وانصرف الى المهدي بسجلماسة. وبقي في خدمته وخدمة ابنه ابي القاسم. قال القاضي ابن حماد: "وفي سنة ٣١٥ خرج ابو القاسم محمد ابن المهدي الى المغرب. فهدنه ومر منصرفه بوادي سهر، فاختط مدينة المسيلة، رسمها برمحه وهو على فرسه. وأمر علي بن حمدون المعروف بابن الاندلسية ببنائها وتحصينها وتحسينها وسماها المحمدية باسمه. فبناها. وجعل لها بابين سمى احدهما باب الامور والآخر باب القاسمية نسبة الى ابي القاسم". "وبلغت المسيلة أيام علي بن حمدون وابنيه جعفر ويحي من العمارة والحضارة الى الغاية القصوى. وجمعت اليها الاقوات وانواع المأكولات. فأدخرت فكان علي بن حمدون اذا ارتفعت الاسعار يكتب الى ابي القاسم يستأذنه في البيع. فينهاه عنه، ويأمره

стр. 522

بالاستكثار والادخار فلم تزل الاطعمة مصونة الى أن خرج المنصور في اتباع ابي يزيد، فكانت عونا له ولاجناده"، هذا ملخص كلامه. وقال البكري: "هي مدينة جليلة في بسط من الارض عليها سوران، بينهما جدول ماء يستدير بالمدينة وله منافذ تسقى منها عند الحاجة. ولها أسواق وحمامات وحولها بساتين كثيرة، ويجود عندهم القطن، وهي كثيرة اللحم رخيصة السعر، وبقبليها موضع يعرف بالقباب، فيه قباب من بنيان الاول. وعلى مقربة منها مدينة للاول خربة يقال لا بشليقة (بكسر اللام المشددة)، فيها جدولان من ماء عذب" اهـ. وفي كتب الافرنج ان بناحيتها مدينة قديمة تدعى زابي ومدينة يستنيانة التي أسسها سليمان الخصي قائد يستنيان البيزنطي، ولعلهما المذكورتان في كلام البكري. اصبحت المسيلة عاصمة الزاب بدلا من طبنة. وامتد عملها على الحضنة الى حدود عمل باغاية شرقا. ويجاور وطن صنهاجة شمالا وغربا. وبه من سكان زناتة كثير. ومنهم في جنوب المسيلة بنو برزال أهل جبل سالات. رأس على عمل المسيلة علي بن حمدون. وكان له ابنان جعفر ويحي. نشآ بدار ابي القاسم بالمهدية. وربيا مع أولاده. وجمع جيشا لفك حصار صاحب الحمار للمهدية. فالتقى ناحية باجة بايوب ابن ابي يزيد. واشتد القتال بينهما. فانهزم علي ابن حمدون. واوى لجهله بالطريق الى موضع وعر. فغرس بغله فيه. فلما هجموا تواثب فرسان لهم وصهلا. فظنوا ان ايوب غشيهم، فركبوا الخيل، وتفرقوا في الاوعار، فسقط علي بن حمدون من جرف عال، فانكسرت عظامه ومات سنة ٣٤.

стр. 523

وخلفه ابنه جعفر، وكان له غناء في ضائقة الدولة بثورة صاحب الحمار، واهدى للمضور لما نزل بطبنة هدايا جليلة منها خمسة وعشرون فرسا ومثلها نجباء، فعقد له على عمل ابيه، ووازره أخوه: فنبه قدره وعظم شأنه. ولما عقد المنصور لزيري بن مناد على عمل اشير بارى جعفرا في خدمة الدولة ونافسه اسباب الرفعة، وكان للدولة صاغية اليه والى ابنه بلقين، فأخذا يرميان جعفرا بالميل الى زناتة حتى اوغرا عليه صدر المعز بن المنصور، فلما عزم عله الرحيل الى مصر اشيع انه مستخلف لبلقين، فعظم على جعفر أن يبقى تحت ولاية منافسه، ثم بلغه أن المعز أرسل اليه أحد مواليه يستقدمه ويطمعه في خلافته، فقويت استرابته وغادر المسيلة في أوليائه بني برزال، ولحق بزناتة سنة ٦٠ فجهز المعز زيري أثره، فكانت حرب صرع فيها زيري. واحتزت رأسه. وذهب بها الى المستنصر الاموي وفد من وجوه زناتة يرأسهم يحي بن علي. فمهد الامر لاخيه جعفر ولحق به. بقي جعفر واخوه بالاندلس مرموقين بعين التجلة والاكبار تكتفي الدولة بهما وبمن معهما من زناتة في مهماتها، واستعان المنصور ابن ابي عامر بجعفر وشيعته بني برزال على نكب رجال الدولة المزاحمين له فلما قضى عليهم حشي جعفرا فقتله وفر يحي الى مصر فنزل على العزيز بن المعز الى أن مات. وهكذا انتهت حياة جعفر كما تنتهي حياة كل عظيم خطير. فر من المسيلة خشية من العز فبطش به المنصور بن ابي عامر الذي اضطره الدهر لصحبته: واذا خشيت من الامور مقدرا ... وفررت منه فنحوه تتوجه وقد ام جعفرا بالمسيلة ابو القاسم محمد بن هانئ اديب الاندلس

стр. 524

الذائع الصيت. قال الفتح في المطمح: "فناهيك من سعد ورد عليه فكرع ومن باب ولج فيه وما قرع فاسترجع عنده شبابه وانتجع وبله وربابه وتلقاه بتأهيل ورحب وسقاه صوب تلك السحب " اهـ. وقد خلد ابن هانئ جعفرا بمدائحه الكثيرة البليغة. منها قصيدته الفائية. وهي من المطولات المستجادات ومن ابياتها: كأن عمود الصبح خاقان معشر ... من الترك نادى بالنجاشي فاستخفى كأن لواء الشمس عزة جعفر ... رأى القرن فازدادت طلاقته ضعفا وله من أخرى خليلي اين الزاب مني وجعفر ... وجنات عدن بنت عنها وكوثر فقبلي نأى عن جنة الخلد آدم ... فما راقه من جانب الارض منظر لقد سرني اني أمر بباله ... فيخبره عني بذلك مخبر وقد ساءني ان لا أراه ببلدة ... بها منسك منه عظيم ومشعر وقد كان لي منه شفيع مشفع ... به يمحص الله الذنوب ويغفر اتى الناس افواجا اليك كأنما ... من الزاب بيت او من الزاب محشر فانت لمن قد مزق الله شمله ... ومعشره والاهل أهل ومعشر (١) ومن أخرى لم تدنني ارض اليك وانما ... جئت السماء ففتحت ابوابا ورأيت حولي وفد كل قبيلة ... حتى توهمت العراق الزابا ارض وطئت الدر من رضراضها ... والمسك تربا والرياض جنابا ورأيت اجبل ارضها منقادة ... فحسبتها مدت اليك رقابا سد الامام بك الثغور وقبلها ... هزم النبي بقومك الاحزابا

стр. 525

وله أيضا من أخرى: أبني العوالي السمهرية والموا ... ضي المشرفية والعديد الاكثر من منكم الملك المطاع كانه ... تحت السوابغ تبع في حمير؟ وقد أورد القصيدة بطولها ابن معصوم في كتابه سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر. وقال عقبها: "يحكى انه أنشد هذه القصيدة وممدوحه راكب في جيشه. فلما بلغ ذينك البيتين ترجل العسكر كله. ولم يبق أحد راكبا سوى الممدوح. فلو يعلم سؤال كان جوابه نزول عسكر جرار غيره " اهـ. ٩ - الجزائر الصنهاجية كان الصنهاجيون بعضهم خاضع لامارات علوية. وبعضهم مستقلون في جبالهم تحت رؤساء منهم ومن اشهر رؤسائهم مناد بن منقوش كان يقيم الدعوة العباسية ويعترف بأمرة الاغالبة. ومات فخلفه ابنه زيري. وفي سنة ٣٣٥ نزل المنصور العبيدي مقرة وكاتب منها زيري بن مناد واهدى له أموالا وكسى فاخرة وتحفا وطرفا ملوكية طالبا منه اعانته على صاحب الحمار، فاجالب طلبه. وكان له أثر محمود في القضاء على تلك الثورة. فبالغ المنصور في تكرمته، وعقد له على قومه. وكانت الجزائر يومئذ تتركب من اربع ولايات: ولاية باغاية تشمل وطن كتامة من نواحي قالمة وعنابة الى نواحي سطيف وجيجل. وولاية المسيلة تشمل مواطن عجيسة وكثيرا من مواطن زناتة بالزاب والحضنة. وولاية اشير تشمل مواطن صنهاجة وما يجاورها من

стр. 526

زواوة وزناتة. وولاية تاهرت تشمل مواطن مغراوة ويفرن وغالب زناتة. وفي سنة ٤٧ قتل العبيديون يعلى بن محمد صاحب تاهرت. وتقدموا الى فاس. فكان فتحها على يد زيري. فأضيف له عمل تاهرت. وفي سنة ٦٠ خرج جعفر بن علي عن المسيلة. وقتل زيري. فولى المعز ابنه بلقين على الاعمال الثلاثة اشير والمسيلة وتاهرت. وفي سنة ٣٥٨ فتحت مصر للمعز واسست له القاهرة. فتأهب للرحيل اليها. وفكر فيمن ينيبه على المغرب ويكفيه هم زناتة. وكانت كتامة صادقة التشيع لكنها غير مجاورة لزناتة. وكثيرا من أبطالها انفقتهم في تأسيس الدولة وتسكين الثورات ثم في فتح مصر والشام. فوقع اختياره على صنهاجة. ولم يغضب كتامة فلم يجعل لعمال صنهاجة عليها سبيلا. وفي سنة ٦١ خيم المعز خارج المنصورية. وكانت عاصمته أسسها ابوه المنصور قرب القيروان سنة ٣٣٤ ثم توجه نحو مصر في صفر سنة ٦٢. وعقد لبلقين على المغرب. وسماه يوسف وكناه ابا الفتوح. ولقبه سيف الدولة. ولم يجعل له ولاية على بني ابي الحسن الكلبيين بصقلية ولا على عبد الله بن يخلف الكتامي بطرابلس. ثم اضيف اليه طرابلس سنة ٦٧ وقسمت الجزائر الصنهاجية يومئذ الى ولايتين كبيرتين هما اشير وتاهرت. وقسمت ولاية المسيلة: جنوبها اضيف الى تاهرت وشمالها اضيف الى اشير، ثم تغلب منصور ابن بلقين على كتامة، فأضاف باغاية الى اشير. جدت صنهاجة في اخضاع زناتة، فخرج لها بلقين سنة ٦٣ وخرب من عمران تاهرت ونقل اهل تلمسان الى اشير، وعاد لها سنة ٦٩ فملك سجلماسة وفاسا، ثم تغلب خزرون بن فلفول على سجلماسة، فخرج له سنة ٧٣ فمات في طريقه في ذي الحجة، واقتفى خلفه أثره في

стр. 527

قتال زناتة حتى أخضعوهم. بلغت صنهاجة من سعة السلطان وقوة النفوذ ما يحولها الاستقلال، ولكنها آثرت الارتباط بالعبيديين لئلا تشوش على نفسها داخليا وخارجيا، واشفق العبيديون من عظمة صنهاجة، فاخذوا يغرون بها كتامة التي تتمتع بوطنها لا يلي عليها صنهاجي ولا تنفر معهم في الحروب، وكانهم تركوا لها هذه الميزة لمثل هذه الدسائس. ففي سنة ٣٧٧ ظهر بكتامة ابو فهم حسن بن نصر داعيا للثورة على صنهاجة، فكتب منصور بن بلقين الى العزيز بن المعز يستأذنه في قتال كتامة، فوجه له رسولين بالنهي عن ذلك، وأمرهما بالمسير الى كتامة بعد أداء الرسالة، فلما بلغ الرسولان المنصور نهي العزيز شعر بالمكيدة، فسجنهما وتأهب للحرب، فلما نزل على ميلة نشر البنود وقرع الطبول مزمعا على استئصال أهلها، فخرج اليه النساء والعجائز والاطفال بالتضرع، فرثى لمنظرهم حتى بكى، وابقى عليهم ونقلهم الى باغاية، وخرب سور ميلة، وسار نحو سطيف لا يمر بقصر او منزل الا هدمه، ووقع قتال شديد على سطيف، ثم انهزمت كتامة، وفر ابو فهم الى جبل وعر، فنزل على أهله بني ابراهيم من كتامة فلم يحموه، وقبض عليه منصور، فقتله، واقام نائبا بميلة وسطيف، ثم سرح الرسولين الى العزيز، فارسل له العزيز يطيب قلبه، واهدى له هدية جليلة، وسكت عن قضية ابي فهم. وفي سنة ٧٩ ظهر بكتامة ايضا ابو الفرج منتسبا الى القائم بن المهدي فعظم امره أكثر من ابي فهم حتى انه ضرب السكة باسمه، وجرت بينه وبين نائب منصور بميلة وسطيف وقائع كثيرة، ثم خرج له منصور نفسه، فأسره ثم قتله. وشحن بلاد كتامة بالعساكر، وبث عماله فيها لتمهيدها وجباية خراجها، ودخلت ضمن الجزائر الصنهاجية ولم يجد العبيديون سبيلا لاضعاف صنهاجة غير انهم

стр. 528

أعانوا زناتة وأميرهم فلفول بن سعيد على تملك طرابلس واخراجها من سد صنهاجة. شعر ملوك صنهاجة بدسائس العبيديين، فجاملوهم ظاهرا حتى ولي المعز بن باديس، فايد السنيين على الشيعيين، وكاتب وزير المستنصر ابا القاسم الجرجرائي (نسبة الى جرجرايا من العراق (معرضا ببني عبيد، وساعيا في تغييره عليهم، بقول الشاعر. وفيك صاحبت قوما لا خلاق لهم ... لولاك ما كنت أدري أنهم خلقوا فقال الجرجرائي: "الا تعجبون من صبي بربري مغربي يحاول أن يخدع شيخا عربيا عراقيا؟ ". وبعد وفاة الجرجرائي أعلن المعز سنة ٤٤٠ قطع دعوة بني عبيد ومحا اسمهم من السكة واحرق بنودهم وهدم دار الاسماعيلية. ودعا للعباسيين ونشر راياتهم السود فعجز بنو عبيد على الانتقام من صنهاجة. فاارسلوا لهم بني هلال وسليم، ثم عاود يحي بن تميم بن المعز دعوتهم. وقام بها ايضا خلفه. وكان يخالف على ملوك صنهاجة أقرباؤهم ويؤيدون الثوار عليهم ولكن لم يفت ذلك في عضدهم ولا حط من عظمتهم حتى استقل حماد بن بلقين بالوطن الجزائري سنة ٤٠٥ فانقسمت صنهاجة على نفسها الى دولتين شرقية عاصمتها المنصورية ثم المهدية وغربية عاصمتها القلعة فبجاية. ضعفت الدولة الشرقية بما انسلخ منها. ثم جاء الهلاليون فملكوا عليها الضواحي وبعض المدن. وتوالت عليها غارات النرمان بحرا حتى ملكوا عليها الهدية آخر معاقلها سنة ٥٤٣ وبذلك انقرضت دولة صنهاجة الشرقية. ١ - أول ملوك صنهاجة العبيدية زيري بن مناد. كان حازما

стр. 529

شجاعا شديد البأس حسن السياسة مولعا بالعمران. أسس اشير. وضرب بها سكة بني عبيد. وكلف ابنه باقين بتمصير مدن الجزائر ومليانة ولمدية. ٢ - ثم ابنه بلقين وهو انجب اخوته. ربي بدار المنصور مع ابنائه. وولي لابيه على مليانة لخضد شوكة زناتة. وكان من أفحل الملوك واعظمهم نعي اليه ابوه وهو باشير. فنهض لاخذ ثأره من زناتة. وشفى صدره منهم. وانتقل الى المنصورية لما استخلف على المغرب. ٣ - ثم ابنه منصور كان ولي عهده. ونعي اليه وهو باشير. فوفدت عليه الوفود معزين ومبايعين. فاحسن مقابلتهم. واجزل صلاتهم. وخطب فيهم قائلا: "ان ابي وجدي كانا يأخذان الناس بالقهر. وانا لا آخذ أحدا الا بالاحسان. ولا اشكر على هذا الملك الا الله تعالى. ولست ممن يولي بكتاب ويعزل." اهـ يعرض ببني عبيد وان لا يد لهم عليه في توليته. ولا قدرة لهم على عزله وكان يتردد بين اشير والمنصورية. جوادا عاقلا عادلا حازما صارما عفيفا عن الدماء رفيقا بالرعية. ونزع اليه سعيد بن خزرون فوصله بمال كثير. ثم قال له يوما: "هل تعرف أحدا أكرم مني؟ قال نعم! أنا أكرم منك. قال منصور: وكيف؟ قال له لأنك جدت علي بالمال وانا جدت عليك بنفسي. فاستعمله على طبنة. وعقد لاحد ابنائه على بنت سعيد. فليم على ذلك. فقال: كان ابي وجدي يستتبعان زناته بالسيف. اما أنا فمن رماني بسيف رميته بكيس حتى تكون مودته طبعا واختيهارا " اهـ. وكان اخواه حماد ويطوفت يتداولان عمل اشير، وعمه ابو البهار بتاهرت. ٤ - ثم ابنه باديس، جاءه سجل العزيز بولاية عهد ابيه سنة ٨١

стр. 530

ولما توفي ابوه جاءه سجل الحاكم بالولاية، ولقبه نصير الدولة، وكان شجاعا مقداما جوادا محسنا حليما، كان عمه يطوفت عامله على تاهرت، وعمه حماد على اشير، ثم ثار عليه وتحصن بمدينتة القلعة فحاصره بها، وتوفي أثناء ذلك بالمسيلة. ٥ - ثم ابنه المعز، بويع صبيا، ولقبه الحاكم شرف الدولة، وقامت جدته بتدبير الدولة حتى توفيت سنة ٤١١، وتركته قادرا على الادارة، واصيب بفتنة الهلاليين، فانتقل من المنصورية الى المهدية، وكان أجود أهل بيته ذا دين صحيح رقيق القلب عفيفا عن الدماء حديد الذهن عالما بالادب يقول الشعر عارفا بالالحان والتوقيعات وعلم الاحجار. ٦ - ثم ابنه تميم، كان أديبا شاعرا من نظراء ابن المعتز. ٧ - ثم ابنه يحي كان أديبا ايضا، ولكن لا يقرض الشعر الا في اوقات فراغه، وصرف همته لسياسة رعيتة وتدبير دولته، وغزا ساحل أروبا غزوات حتى لقبه النصارى "الجريء" وسالموه. ٨ - ثم ابنه علي بويع بعده، وانشدته الشعراء معزين ومهنئين، ومن ذلك قول ابن حمديس من ابيات: ما اغمد السيف حتى جرد الذكر ... ولا اختفى قمر حتى بدا قمر ٩ - ثم ابنه الحسن هو خاتمة ملوكهم، نازله النرمان بالمهدية. فلما رأى ما يعجزه غادرها بما خف من نفائسه. وقال: "سلامة المسلمين من القتل والأسر خير لي من الملك والقصر". ونزل الجزائر تحت رعاية ابن عمه يحي صاحب بجاية الى أن ملكها عبد المؤمن بن علي. فصحبه واغراه بالمهدية. فلما نزل عليها ورأى حصانتها. قال للحسن: "ما الذي أخرج هذا المعقل من يدك؟ فقال له: أخرجه انقضاء الامد وعدم الثقة بأحد". وكان الحسن أديبا فصيحا عالي الهمة حدبا طى الرعية. ولكن
следующие страницы →