← История

История · id 123660

تاريخ الجزائر في القديم والحديث

مبارك الميلي

Полный текст (878 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

١ - تمهيد استخلف آل زيري بن مناد الصنهاجي عن العبيديين والمغرب يضطرم نارا بالفتن الناشئة عن النزاع بين العبيدية والاموية. وما كادوا يتغلبون على الاموية حتى دب فيهم دبيب المنافسة. وتنازعوا امرهم بينهم. وعقد منصور بن بلقين لاخيه حماد على عمل أشير والمسيلة مستكفيا به أمر زناتة الاموية ومن ينازعه من آله. فلم يزل حماد مخلصا له، وتداول هذا العمل مع أخيه يطوفت وعمه ابي البهار. وتوفي المنصور، فخلفه ابنه باديس. واقر عمه حمادا على عمله، وافرده به سنة ٣٨٧ دون يطوفت وابي البهار. وخالف عليه من عمومته زاوي وماكسن ابنا زيري فيمن استجاب لهما. فعقد على حربهم لعمه حماد سنة ٣٩٠ فقتل حماد ماكسن وحصر زاوي بجبل شنوة من ناحية شرشال، ثم أمنه ومن معه على ان يجيزوا الى الاندلس. فلحقوا بالمنصور بن ابي عامر. ولم يزل باديس مستعينا بحماد يستقدمه متى شاء الى صبرة ويحرجه لاطفاء الثورات. وفي سنة ٩٥ كلفه بحرب زناتة، فاشترط عليه ولاية المغرب الأوسط وكل ما يفتحه وان لا يستقدمه. فوفي له بما شرط. وفي سنة ٣٩٨ اختط حماد مدينة القلعة. وصار ينزل بها وباشير. وبقي واليا على الزاب والمغرب الاوسط مواقفا لزناتة. وتكررت

стр. 597

انتصاراته عليهم فطار صيته وعظمت هيبته حتى خشي باديس أن يخلع طاعته لا سيما وقد أسس مدينة القلعة. وفي سنة ٤٠٣ جاء التسجيل من الحاكم صاحب مصر الى باديس بولاية عهده لابنه المعز، وكانت حاشية باديس قد سعوا له بحماد. فاتخذ ذلك التسجيل ذريعة لاختيار حماد. فارسل اليه بالتنازل للمعز عن عملي تيجس وقسنطينة. فأى ذلك حماد وافضى الامر الى حرب اسفرت عن تأسيس الدولة الحمادية. ٢ - تأسيس الدولة الحمادية اقوى أعداء صنهاجة هم زناتة واعظم آل زيري بطوله هو حماد. فوكلوا اليه حروب زناتة. فاوقع بهم مرارا. وكان مظفرا عليهم، ورأى ان يجني ثمرة انتصاراته. فاستوثق من باديس سنة ٩٥ بتلك الشروط ثم احتاط لنفسه. فأسس القلعة، وشحنها بأوليائه ودخائرد اذ لم تكن له ثقة بأشير. وكانت الامة تتبرم من سماع الدعاء للعبيديين على المنابر. وكان آل زيري مع الامة باطنا. وليس لهم مع العبيديين الا ظواهر دعت اليها السياسة. ولما طلب باديس من حماد التنازل عن ذينك العملين رأى هذا الطلب كمقدمة لحرمانه من ثمرة جهاده وان رفضه مفض الى الحرب ولا نتيجة للحرب الا تمتعه بالاستقلال او تعجيل حرمانه من لذة النفوذ فرجا الاستقلال بما كان قد هيأه لمثل هذا من معقل القلعة وأعلن ما تصبو اليه الامة من قطع دعوة بني عبيد فقتل الروافض. ودعا لبني العباس. وذلك سنة ٤٠٥. وجهز باديس لحرب حماد كبير قواده هاشم بن جعفر. وجمع

стр. 598

حماد ثلاثين الفا لقي بها هاشما بمدينة الكاف. فهزمه وغنم ماله وعدده. وتقدم الى باجة. فدخلها بالسيف. وأثار تونس على الرافضة. وذلك سنة ٤٠٦. وهنالك قاد باديس الجيوش بنفسه. وخرج من القيروان لحرب حماد. فخذل حمادا بعض رجاله من بني حسن الصنهاجيين، ومن زناتة كبني ابي واليل أهل مقرة وبني يطوفت وبني غمرة، ففر حماد حتى اتى اشير في صفر، وبها نائبه خلف الحميري، فمنعه منها وأعلن طاعة باديس، فتوجه حماد الى شلف بني واطيل. واستولى باديس على المسيلة واشير، وبلغ سهل السرسو. فأتاه رؤساء بني توجين وكثير من زناتة الناقمين على حماد. فاستظهر بهم، واجاز وادي شلف، فتقابل مع عمه مستهل جمادي الاولى وتقاتلا اشد قتال، فانخزل عن حماد اصحابه الى باديس، فانهزم وأخذ السير الى القلعة، وبها أخوه ابراهيم. فدخلها تاسع جمادى الاولى، وذهب الى دكمة، فأخذ من أهلها ما وجده من طعام وملح وذخيرة، وعاد الى القلعة مستعدا للحصار. عاد باديس اثر عمه، وحاصره بالقلعة، وبينما حماد يقاسي ألم الحصار وينتظر اليوم الذي يؤخذ فيه اذ نعي اليه باديس آخر ذي القعدة، فأتاه الفرج من حيث لم يحتسب. وهكذا تأيد بالقدر الذي عوده الظفر. وكان كرامت اخو باديس ذا منزلة لدى صنهاجة، فبايعه كبار القواد ارضاء لصنهاجة لبعدهم عن العاصمة فمضى كرامت الى أشير وفرق الاموال في صنهاجة. وجمع سبعة آلاف مقاتل وخرج اليه حماد في خمسمائة والف فارس فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم انهزم كرامت الى اشير، فحاصره بها حماد.

стр. 599

وعاد القواد بشلو باديس الى القيروان فبايعوا للمعز ونقضوا بيعة كرامت فلما بلغه ذلك صالح حمادا على مال يأخذه ويلتحق بالمعز، فاسعفه حماد بذلك ولحق بالمعز في محرم سنة ٤٠٧ وكان هذا أيضا من أسباب نجاح حماد. انتقل الميدان بين حماد والمعز الى جهات باغاية وما يليها الى ناحية قفصة ولثمان بقين من صفر سنة ٤٠٨ سار المعز بالاجناد لحرب حماد. فأجلاه عن باغاية ثم كانت بينهما وقعة شديدة آخر ربيع الاول جرح فيها حماد، وأسر فيها أخوه ابراهيم. وتفرقت عنه رجاله. فاسلم معسكره بما فيه من معدات وذخائر، ونجا بنفسه. وانتهى المعز الى سطيف وقصر الطير. ثم قفل الى حضرته. وهنالك مال حماد الى السلم. فارسل إلى المعز. يعرض عليه طاعته. فاشترط عليه ارتهان ابنه القائد. فوسط اخاه ابراهيم في التوثق من المعز. فارسل ابراهيم اليه يضمن له سلامة ابنه. ثم بلغ المعز قصره آخر جمادى الاولى، وسرح ابراهيم بن بلقين، وخلع عليه، فلما بلغ ذلك حمادا زالت ريبته بالمعز، وارسل ولده القائد بهدية جليلة، فبلغ الى المعز منتصف شعبان. فاكرمه. واهدى له هدايا جليلة واقطعه المسيلة وطبنة وغيرهما. ولم يمسكه بل سرحه الى ابيه فعاد اليه في رمضان وبحسن هذه السياسة من المعز تم الصلح بينه وبين حماد، وصلحت الاحوال. ونرى حمادا لم يكن له غرض في هذه الحرب. وانما كان حذرا مستعدا للطوارئ. فادخل حذره ذلك الريبة في نفس باديس. وقواها له حاشيته من حسدة حماد. فاشتعلت الحرب مدة عامين. وانتهت ببقاء حماد على ما كان عليه وانما في صلح المعز اعتراف ضمني بالعجز عن مقاومة حماد.

стр. 600

وهكذا أحسن حماد الدفاع عن ممالكه حتى أورث عقبه ملكا نافسوا به بني عمهم أصحاب افريقية. وأصبحوا أقوى منهم واملك للباس. ولكن بني باديس كانوا ارقى حضارة واقعد بالسياسة. وانما تأسست الدولة الحمادية باقتحام الاخطار ومساعدة الاقدار. ٣ - المملكة الحمادية تمتد المملكة الحمادية غربا الى فاس، وبهذه الناحية امارة بني يعلي بتلمسان ونواحي وهران وحكومة بني زيري بن عطية بفاس، وأغلب سكانها زناتة فكان الحماديون يترددون بجيوشهم عليها تسكينا للثورات او اقتضاء للمغارم. وفي سنة ٤٣٠ زحف حمامة بن زيري بن عطية امير فاس الى القائد بن حماد. فتقاتلا. وسرب القائد الاموال في زناتة. فوهن حمامة. وبذل طاعته للقائد. ثم ظهرت دولة المرابطين. فخرج بلقين بن محمد بن حماد سنة ٤٥٤ للقاء يوسف بن تاشفين الذي ظهر بوطن المصامدة. فاجلاه الى الصحراء. وردد غاراته بالمغرب. واحتمل من اكابر فاس واشرافها رهائن على الطاعة. ثم عظمت شوكة المرابطين. فاستوالوا على امارات زناتة وتقدموا الى الجزائر واشير. فدافعهم الحماديون. ثم اصطلحوا. واستقرت الحدود بين المملكتين. قال صاحب المعجب: "وكان يحي آخر الملوك الحماديين يملك بجاية واعمالها الى موضع يعرف بسيوسيرات وهذا الموضع هو الحد فيما بينه وبين لمتوتة". وأعاد ذكر هذا الموضع بهذا اللفظ، وقال بينه وبين بجاية قريب من تسع مراحل. وذكره ابن خلدون في مواطن بني يلومي بلفط سبدو سيرات. وهذا الموضع غربي نهر مينة الى سهل سيق.

стр. 601

على ان في نسخة من ابن خلدون سيك وسيرات بالعطف وسيك هو سيق. وامتدت شرقا حتى اشتملت على تونس والقيروان وصفاقس والجريد وخضعت جزيرة جربة ايام العزيز، وهذه الناحية يغلب عليها العرب وبمدنها عدة أمراء يتلونون في السياسة حسب اهوائهم. وقد فتح الناصر بن علناس مدينة الاربس سنة ٤٦٠ بعد خضوع تلك البلدان له. وهي في طريقه الى تلك البلدان. فدل على ان تبعية هاتيك الجهات غير مبنية على خضوع عسكري. واستمر نزاع حماد وآل باديس على مدينة. تونس. ثم تبتت للحماديين من سنة ٥١٤ الى سنة ٥٤٨ وعادت بعد الى امرائها الاقدمين بني خراسان. وامتدت المملكة جنوبا الى الزاب ووادي ريغ وورقلة. وبقيت داخل هذه الحدود جهات من وطن زواوة وكتامة غير تابعة للحماديين. قال ابن الاثير: "وفي سنة ٤١٧ وردت رسل زناتة وكتامة على المعز في طلب الصلح والدخول في حكمه على ان يحفظوا الطريق. فاستوثق منهم. وقدمت عليه مشيخنهم. فبذل لهم أموالا جليلة " اهـ. وقد اخضع الحماديون زناتة من بعد. ويظهر ان كتامة كذلك. ولكن لا نعلم لهم نفوذا بالجبال الممتدة فيما بين السكيكدة وجيجل من وطن كتامة، فان بها قبائل قوية لا يعلم لها خضوع لاية دولة سواء في العصر العربي او البربري. وبعد ان حارب المنصور المرابطين سنة ٨٦ ثم اثخن في زناتة عاد الى فتح وطن زواوة. قال ابن خلدون: "ورجع المنصور الى بجاية واثخن في نواحيها ودوخت عساكره قبائلها. فساروا في جبالها المنيعة مثل بني عمران وبني تازروت والمنصورية والصهريج والناظور وحجر المعرق (في نسخة حجر المعز). وقد كان اسلافه كثيرا ما يرمونها

стр. 602

فتمتنع عليهم" اهـ. والمنصورية شرقي بجاية على طريقها الى جيجل. ٤ - الحكو مة الحمادية هذه الدولة أول دولة بربرية بالجزائر الاسلامية. وكانت مستقلة استقلالا تاما غير أن ملوكها لم يجرؤا على دعوى الخلافة التي كانت يومئذ للعباسيين ببغداد وللفاطميين بمصر، فدعا حماد أولا العباسيين ثم اصطلح مع المعز. فدعا للفاطميين. فلما خلع المعز العبيديين دعا لهم القائد خلافا لابن عمه وتوقيا من شر الحملة الهلالية ظنا ان ذلك يفيده. ثم عاد من بعده الى الدعوة العباسية. ولم يضربوا السكة على عظم دولتهم احتراما لدولتي الخلافة. واحدثها يحي آخرهم. قال ابن خلدون: " وسكته في الدينار كانت ثلاثة سطور ودائرة في كل وجه. فدائرة الوجه الواحد: واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون. والسطور: لا اله الا الله محمد رسول الله يعتصم بحبل الله يحي بن العزيز بالله بن الامير المنصور. ودائرة الوجه الآخر: بسم الله الرحمن الرحيم ضرب هذا الدينار بالناصرية سنة نلاث واربعين وخمسمائة وفي سطوره: الامام أبو عبد الله المقتفي لامر الله أمير المؤمنين العباسي " اهـ. ورئيس الحكومة يلقب بالأمير أو الملك. ويتولى اما بالعهد اليه من سلفه أو بالتغلب والقهر، ولم تخرج الامارة عن آل حماد. وللامير وزراء في عاصمته. وعمال في المدن. وأهم ممالكهم الجهات الشمالية كان يليها عمال من آل حماد مثل الجزائر ومرسي الدجاج وجيجل وبونة وقسنطينة ونقاوس والقلعة واشير وحمزة.

стр. 603

واما النواحي الجنوبية فكانت بواديها للبربر واغلبهم زناتة. ثم تغاب عليهم العرب وكانت مدنها تابعة للحماديين ولكن لكل مدينة ادارة خاصة يديرها جماعة من الشيوخ الذين حنكتهم التجارب. وكانت بسكرة قاعدة الزاب يومئذ. ومن أسرها بنو رمان وبنو سندي، فتولى رئاسة الزاب بنو رمان من البربر، ويقول مرسيي انهم من أصل لطيني، ونبذوا الطاعة لعهد الناصر. ففتتك بهم، وادال منهم ببني سندي، فلم يزالوا على رئاستهم مخلصين للدولة الى ان غلب الموحدون على هذه المملكة. وكان القضاء مستقلا عن الادارة، ويظهر انه كان على المذهب المالكي لانه الغالب يومئذ على اهل المغرب والاندلس. كان للدولة جيش نظامي علاوة على ما كانت عليه الامة من الاستعداد الطبيعي لاجابة دعوة الحكومة للقتال، لبساطة الحرب يومئذ، قال لسان الدين في الاعلام: "كان يسكن بالقلعة ايام الناصر من فرسان صنهاجة أثنا عشر الفا " اهـ. هذا بالقلعة دون بقية المدن ومن صنهاجة دون بقية القبائل ومن الفرسان دون المشاة. وقال أيضا: "ان المنصور خرج لقتال المرابطين لما استولوا على تلمسان في اثنتي عشرة محلة " اهـ. وان المادة لتعجزنا ان نأتي بتفاصيل عن الجيش الحمادي، والذي نعلمه من حياة هذه الدولة انها حربية أكثر منها سلمية. ومؤسسات الدولة تدل على انها كانت غنية جدا، وانا لنجهل تفاصيل تكوين ماليتهما، وانما نعلم انها كانت تقبض الخراج، وتعتمد في جمعه من الجهات التي يتغلب عليها العرب على العرب أنفسهم، ولكثرة حروبها وانتصاراتها نعتقد ان الغنائم أهم ما تتكون منه ماليتها. فان الامراء كانوا يغنمون اموال البغاة.

стр. 604

ويجاور هذه الدولة غربا ممالك زناتة الخاضعة لها، فلما غلب عليها المرابطون طمعوا في بقية المملكة الحمادية. وبعد حروب اعترفت الدولتان بعضهما ببعض. وتم بينهما تقرير الحدود في جو ودادي، ولم تزالا على ودادهما إلى أن ظهر الموحدون فقضت المصلحة باتحادهما حربيا. ويجاورها شرقا دولة آل باديس وقد اعترف حماد بخضوعه للمعز لما تغلب عليه، ولم تزل هذه الدولة تحاول الاستقلال والمعز يخضعها حتى جاء الهلاليون واضعفوا دولة المعز وبنيه، فاعلن القائد ابن حماد الاستقلال، ثم اختلفت ايام الدولتين الشقيقتين سلما وحربا، وكان الظفر غالبا لآل حماد، واذا اصطلحوا فربما يؤكدون الصلح بالمصاهرة. ولكن لم يدم بينهم سلم حتى انقضت ايامهم. وكان لبني حماد عمائم هي تيجان ملوكهم. قال صاحب الاستبصار ما لفظه. " وكان لملوك صنهاجة عمائم شرب مذهبة، يغلون في أثمانها. تساوي العمامة خمسمائة دينار وستمائة دينار وازيد. وكانوا يعممونها باتقن صنعة. فتأتي كأنها تاج وكان ببلادهم صناع لذلك. يأخذ الصانع على تعميم عمامة منها دينارين وازيد وكانت لهم قوالب من عود في حوانيتهم يسمونها الرؤس. يعممون عليها تلك العمائم" اهـ. ذكر هذا بمعد ذكر وقعة سبيبة التي انهنرم فيها الناصر وسلم عمامته وراية لاخيه. ٥ - ملوك الدولة الحمادية كان ملوك هذه الدولة الى البداوة اقرب لانهم انشأوا الملك انشاء. ولم تدع لهم ثورات زناتة وغيرهم سبيلا الى الترف بل

стр. 605

حفظت عليهم الحياة الحربية. ولم ترتق الدولة في سلم الحضارة الا في عهد الناصر وابنه المنصور. وما مالوا الى الراحة والدعة الا بعد خروج أهم مواطن زناتة عنهم الى المرابطين. وأولهم حماد بن بلقين. أعلن استقلاله سنة ٤٠٥ ثم اصطلح مع المعز سنة ٤٠٨ وتزوج ابنه عبد الله أخت المعز، ولم ينقض الصلح حتى توفي بالقلعة في رجب. قال لسان الدين في الاعلام: "كان حماد نسيج وحده وفريد دهره وفحل قومه. ملكا كبيرا وشجاعا ثبتا وداهية حصيفا. قد قرأ الفقه بالقيروان ونظر في كتب الجدال " اهـ. قال البكري: "وحدثوا أن حمادا قال ما تداهى احد علي قط ولا خدعني الا امرأة وكعاء من البربر، ذلك ان صاحبا كان لي بالقيروان نشأنا نشأة واحدة ولم يفرق بيننا مكتب ولا مشهد. ولم نزل على ذلك حتى صرت لحه ما أنا فيه، ففقدته: وجعلت افتقده، فلا أجد سببا للوصول اليه". " فلما نزلت على باغاية وشننت عليها الغارات لم انشب صبيحة ذات يوم ان سمعت النداء يالله! ياللامير! فقلت ما بالك ومن انت؟ فاذا هو صاحبي قد حبسه عني نسكه وغلب على هواه ورع يملكه فاظهرت البشر بمكانه والجذل بشأنه وقلت له والله لو خرجت الي بالامس لحقنت دماء أهل بلدك لحرمتك عندي، فقال القدر غالب، ثم ذكر حاجته وهي ان ابنته فقدت. "فأمرت القواد فاحضروا جميع ما كان في جيوشهم من النساء. فعرف ابنته فأمرت بسترها وحملها مع أبيها. فرفعت صوتها قائلة لا ارجع مع احد! اني لا اصلح الا للملوك لان عندي علما لا اشارك فيه. فقلت الا ترينا شيئا من ذلك؟ قالت تأمر بقتل انسان وتحضر

стр. 606

امضى سيف اقرأ عليه فيعود أكل من قائمه. فقلت الذي يجرب هذا فيه لمغرور. قالت أويتهم أحد بقتل نفسه؟ قلت لا. قالت فليجرب في فاحضرت سيفا فلما ضربها السياف بان رأسها. فاستيقظت من غفلتي وعلمت أنها تداهت علي وكرهت العيش بعد الذي جرى لها، واستبان ذلك لابيها ايضا". بحذف يسير. وقال أيضا: "ذكروا ان لشيخ أمرأة شابة. فخرج بها الى قلعة حماد، فصحبه في طريقه شاب علقته المرأة. فتواطآ على دعوى الزوجية، فلما وصلوا الى القلعة رفع الشيخ القضية الى حماد، فاوقف الشاب والمرأة فانكرا ما يدعيه الشيخ من الزوجية ولم يجد حماد بينة غير كلب للشيخ فأمر بربط ذلك الكلب. ثم أمر المرأة بحله وربطه ثانيا، ففعلت ولم ينكرها الكلب، ثم أمر الشاب بمثل ذلك فنبحه الكلب فحكم حماد للشيخ بزوجته. وضرب عنق الشاب " اهـ. وثانيهم القائد، خلف اباه. وكان سديد الرأي عظيم القدر وسلم لاخوته أهم أعمال المملكة، فولى يوسف على المغرب وويغلان على حمزة. واستمر مع المعز على ما كان عليه والده. ثم خالف عليه سنة ٣٢ فخطب للعباسيين، وزحف اليه المعز فحاصره بالقلعة نحو سنتين وحاصر ايضا اشير. ثم اصطلحا، قال ابن خلدون: "وراجع القائد طاعة العبيديين لما نقض عليهم المعز، ولقبوه شرف الدولة " اهـ. وقال لسان الدين: "وخلع القائد بني عبيد كما فعل ابن عمه، ودعا لبني العباس الى أن هلك في ذي القعدة". وثالثهم محسن، ولي بعد أبيه بعهده، وكان جبارا فظا، مكث في الملك ثمانية أشهر وثلاثة وعشرين يوما، وتوفي في ربيع الاول،

стр. 607

وكان أبوه اوصاه ان لا يخرج من القلعة لمدة ثلاث سنوات وان يحسن الى عمومته، فخالف وصيته وعزم على عزلهم. فخرج عليه عمه يوسف وأسس قلعة في جبل منيع سماها الطيارة فانتقم منه محسن بقتل اربعة من عمومته، فازداد يوسف نفورا. وكلف محسن عامله على بلد اكريون ابن عمه بلقين بن محمد ابن حماد بحرب عمه يوسف، وأصحبه من العرب خليفة بن مكن وعطية الشريف في جمع من قومهما، وأسر اليهما قتله، فقال خليفة لقومه: ان بلقين لم يزل محسنا الينا فكيف نقتله؟ فاتفقوا على اعلامه بنية محسن وهونوا عليه قتله. استعد بلقين لحرب ابن عمه وبلغ خبره محسنا وهو خارج القلعة فأحذ السير اليها. ولكن بلقين أدركه، فقتله، ودخل القلعة ليلا وملكها. ورابعهم بلقين بن محمد. تغلب على الملك بقتل ابن عمه، وكان شهما قرما حازما شجاعا جريئا على العظائم سفاكا للدماء، ابتدأ بسفك دم وزير محسن، وأستوزر خلف بن حيدرة، ونكب آل رمان أصحاب بسكرة سنة ٥٠ لمخالفتهم عليه ومخالفتهم للاثبج. وكان كثير الغارة على المغرب حتى سئمته الرعية لايغاله بها في أرض العدو، وكان له أخ اسمه مقاتل فمات، واتهم به زوجه تانميرت ابنة عمه علناس. فقتلها. فتربص به أخوها الناصر، حتى أمكنته فيه الفرصة بتسالة وهو آيب من غزو فاس، فقتله. ونقل لسان الدين عن ابن بسام ما ملخصه: "كان بلقين أحد جبابرة الاسلام المفتاتين على الايام لا يملأ يده الا من لبدة اسد ولا يسرح لحظه الا في نهاب بلد، قد تجاوز في شذوذ أمنيته وقهره

стр. 608

لرعيته والاخافة لاقرانه والاستبداد على زمانه غاية من سلف من جبابرة الارض وسمع به من فراعنة الابرام والنقض". "حدث انه آب مرة من بعض غزواته ومال الى الراحة، فأمر باحضار آلات الانس وأدواته، وأمر قيمة جواريه باحضار زوجه ابنة عمه لم ير بعدها زعموا ولا قبلها ابدع ظرفا ولا افتل طرفا فحضر كل ما أمر به، وخطر بباله الغزو، قالت قيمته: وكأني انظر الى الكاس في يده والى ابنة عمه قائمة على رأسه، فاعتذر اليها وقام من حينه، فوضع الكاس مليء في طاق وطبع عليها، وأمر بالركوب من حينه الى غزو المغرب، فوطيء ارض فاس. ثم رجع، فجلس ذلك المجلس بعينه. واستدعى كاسه تلك وابنة عمه، وقضى وطره من لذة نفسه". "وكان قلما يركب الا دارعا مولعا بالادلاج مؤثرا للانفراد. وفي الليلة التي يقتل من صبيحتها اقسم لا يدلج الا حاسرا وليقين الناصر اذا نزل ولو كان أسدا خادرا، فما بدا الصبح حتى لقيه الناصر كالمسلم عليه، وما راجعه الكلام حتى جلله الحسام واراح منه البلاد والانام". " ثم قام مقامه واستظل اعلامه. وأمر برفع راسه امامه، فظن الناس بلقين قد قتل بعض اتباعه. فلما طلعت الشمس حشر الناصر أقاربه وزعماء الدولة فاطلعهم على جلية الخبر وانه انما قتله لقتله اخته لا طلبا للملك، ففكروا قليلا، ورأوا انه لم يجسر على قتله الا وله اشياع. وارتاب كل بمن يليه، وأنهب الناصر خزائن بلقين ذؤبان العرب وصقورة زناتة، فالستمال قلوبهم، وطوى المراحل الى القلعة فسبق الاخبار " اهـ. وخامسهم الناصر بن علناس. واصله علا الناس او علاء الناس.

стр. 609

فخفف لفظا ورسما. وكان الناصر جريئا على سفك الدماء شديد الغيرة على النساء جوادا عالي الهمة تغلب على الثوار. وحافظ على الممالك الغربية وتوسع في الجهات الشرقية، واختط بجاية ونسبها اليه، وعني بالعمارة. وقصده الشعراء. وطالت مدته. فثبت اركان الدولة لعقبة. وتوفي يوم الجمعة سابع جمادى الاولى بقصره ظاهر بجاية. وحمل الى بجاية ودفن بها. ثار عليه بنو رمان ببسكرة. فخرج اليهم وزيره خلف بن حيدرة. فغلبهم. وحملهم ومن مالأهم من أعيان بسكرة الى القلعة. فصلبوا بها وولي مكانهم عروس بن سندي. ثم خرج الناصر ليتفقد المغرب. فوثب علي بن ركان على تاقربوست دار المملكة فيمن معه من عجيسة. فرجع اليهم من المسيلة. فسقط في ايديهم وانتحر علي بن ركان. وكان الناصر يقع قي تميم بن المعز ويذمه في مجالسه ووقعت بينهما حروب ثم اصطلحا سنة ٦١ وزوج تميم ابنته بلارة من الناصر. وسيرها اليه من المهدية في عسكر. واصحبها من الحلي والجهاز ما لا يحد وحمل اليه الناصر ثلاثين الف دينار. فردها عليه. واخذ منها دينارا واحدا. وابتنى الناصر لها قصرا باسمها. وكانت وزارته لابي بكر بن ابي الفتوح وخلف بن حيدرة. ثم سعت صنهاجة للناصر بخلف. فقتله. واستوزر مكانه أحمد بن جعفر ابن افلح. ومن عماله اخوته كباب بمليانة ورومان بحمزة وخزر بنقاوس. وبلباز بقسنطينة وابنه عبد الله بالجزائر ومرسي الدجاج وابنه يوسف باشير ومما فيل فيه: قالت سعاد وقد زمت ركائبنا ... مهلا عليك فانت الرائح الغادي فقلت تالله لا انفك ذا سفر ... تجري بي الفلك او يحدو بي الحادي حتى أقبل ترب العز منتصرا ... بالناصر بن علناس بن حماد

стр. 610

وسادسهم المنصور، أتته الكتب والرسل من يوسف بن تاشفين وتميم بن المعز وغيرهما بالتهنية والتعزية. واكمل عمل ابيه في تحضير الدولة والمحافظة على سلامتها. وانتقل الى بجاية سنة ٨٣ وتوفي في ربيع الاخير. قال لسان الدين: "وكان قائما على أمره حميد الخلل ضابط الامور يكتب ويشعر. ويذهب في أموره مذهب ابي جعفر المنصور من رقع الثياب والتحفظ على القليل من الاشياء. وعليه قدم معز الدولة بن صمادح لما فر من المرية امام المرا بطين فاقطعه تدلس ونظرها " اهـ. وكان وزيره عبد الكريم بن سليمان. واستبد عليه عمه بلباز بقسنطينة فسرح اليه أبا يكنى بن محسن ابن القائد بن حماد، وعقد له على قسنطينة وبونة، فقبض على بلباز واشخصه الى القلعة، وأقام واليا بقسنطينة، وولي اخاه ويغلان على بونة. ثم خالف ابو يكنى على المنصور سنة ٨٧ واوفد أخاه من بونة على تميم بن المعز بالمهدية واستدعاه لولاية بونة، فبحث معه تميم ابنه ابا الفتوح، فنزل بونة مع ويغلان، وكاتبوا المرابطين وجمعوا العرب على أمرهم. فسرح المنصور عساكره لحربهم، فحاصروا بونة سبعة أشهر تم اقتحموها عنوة، وقبضوا على ابي الفتوح بن تميم، وبعثوا به الى المنصور. فاعتقله بالقلعة. ثم نازلوا قسنطينة واضطربت احوال ابي يكنى. فخرج الى قلعة بجبل اوراس وترك بقسنطينة صليصل ابن الاحمر من رجالات الاثبج فنزل صليصل عنها للمنصور على مال بذله له. أقام أبو يكنى باوراس يردد الغارة على قسنطينة. فنازلته العساكر. وحاصرته بقلعته. ثم اقتحموها عليه وقتلوه.

стр. 611

وسابعهم باديس. ولي بعد أبيه. وكان عظيم السطوة شديد الباس سريع البطش. قتل عبد الكريم وزير ابيه لاولى ولايته. ونكب عامل بجاية. وعزل اخاه العزيز عن ولاية الجزائر. وغربه الى جيجل. وتوفي ثالت عشر ذي الحجة قبل ان يستكمل سنة. وثامنهم العزيز. بايعه بعد وفاة اخيه علي بن حمدون قائد الاسطول بعدما احضره من جيجل. وكان حسن الخلق معتدل الطريقة. صالح زناتة. وتزوج بنت ماخوخ. وملكت اساطيله جربة. ونازلت جيوشه تونس. فخضع له صاحبها احمد بن عبد العزيز الخرساني. وبنو خراسان قيل انهم صنهاجيون. وطالت مدته فنالت الدولة على عهده امنا ورقيا وعلما. واستوطن بجاية الى ان مات. واخذت القلعة في الانحطاط. وتاسعهم يحي بن المزيز. جهز الى الشرق عسكرا بقيادة مطرف ابن علي بن حمدون. قيل سنة ٥٢٢ وقيل سنة ٥٢٩. حاصر المهدية من غير طائل. وفتح تونس. وحمل صاحبها احمد بن عبد العزيز الى بجاية. فولى يحي على تونس عمه كرامة بن المنصور الى ان مات. فخلفه اخوه ابو الفتوح بن المنصور الى ان مات. فخلفه ابنه محمد. ولم تحمد سيرته. فعزل بعمه معد بن المنصور الى أن عاد أمرها لبني خراسان، فاخرج الى بجاية سنة ٥٤٣. وفي هذه السنة خرج يحي الى القلعة لافتقادها ونقل ما بقي منها، وفيها استولى النرمان على المهدية. وأراد صاحبها اللحاق بعبد المؤمن فكتب الى يحي يستأدنه في زيارته والتوجه من عنده الى عبد المؤمن. فاجابه بالتوجه لما جرى عليه والحث على الوصول اليه والعدول عن قصد غيره. فتوجه الحسن الى بجاية ولاقاه القائد بن العزيز. فعدل به بأمر أخيه إلى الجزائر. فانزله وأولاده بها. وامر يحي بمراقبته حتى لا يلحق بعبد المؤمن او يراسله.

стр. 612

وكان وزير يحي ميمون بن حمدون. ومن عماله اخوته القائد بالجزائر والحارث ببونة والحسن بقسنطينة وجوشن بالقلعة. وفي سنة ٥٤٧ استولى الموحدون على بجاية. ونقلوا يحي الى مراكش وتوفي بسلا سنة ٥٥٨. قال لسان الدين: "وكان يحي بن العزيز فاضلا حليما فصيح اللسان والقلم مليح العبارة بديع الاشارة. وكان مولعا بالصيد مغرما به، كلفا بالمارين يحضر منهم عنده نحو العشرين بين رجل وامرأة من شيوخ وعجائز وحمقى. فكان يستلقي في بيته على الفرش الوثيرة الحشايا ويستدعي المضحكين وجوارح الصيد. فيختبر هذا البازي ويتفقد هذا الكلب ويستنهض هذا المضحك في النوع الذي سلكه فيلهيه ويضحكه. ويجلس ابدا بين يديه اخواته تقسوط وأم ملال وشبلة في زي العرائس من الحلي واللباس. فلا يزال كذاك الى أن ينام. ثم يغتدي الى الصيد هكذا انقضت أيامه. " وكان قد ولي ابنه المنصور عهده. فتوفي في حياته. وعظم وجده عليه. ولما اضطرب حاله بظهور الموحدين لحق بقسنطينة ثم نزل لهم عنها مستأمنا لنفسه وسكن بقصر ابن عشرة بسلا وكانت وفاته به سنة ٥٤٤" اهـ. وما قدمناه من تاريخ وفاته عن ابن خلدون. وقال صاحب المعجب ان غزو عبد المؤمن لبجاية كان سنة ٥٤٠ وان عبد المؤمن نقل معه الى مراكش يحي واعيان دولته. قال: " فحين وصلوا أمر لهم بالمنازل المتسعة والمراكب النبيلة والكسي الفاخرة والاموال الوافرة. وخص يحي من ذلك باجزله واسناه واحفله. ونال يحي هذا عنده رتبة عالية وجاها ضخما. واظهر عبد المؤمن عناية به لا مزيد عليها بلغني من طرق عدة ان يحي بن العزيز

стр. 613

كان في مجلس عبد المؤمن يوما. فذكروا تعذر الصرف. فقال يحي اما أنا فعلي من هذا كلفة شديدة. وعبيدي في كل يوم يشكون الي ما يلقون من ذلك. ويذكرون ان أكثر حوائجهم تتعذر لقلة الصرف. فلما قام يحي اتبعه عبد المؤمن ثلاثة أكياس صروف كلها. وقال لرسوله قل له لا يتعذر عليك مطلوب ما دمت بحضرتنا ان شاء الله " اهـ. ملوك الدولة الحمادية الملك .......... الولاية .......... هـ ... م حماد بن بلقين بن زيري ... ٤٠٥ ... ١٠١٤ ابنه القائد ... ٤١٩ ... ١٠٢٨ محسن بن القائد ... ٤٤٦ ... ١٠٥٤ بلقين بن محمد بن حماد ... ٤٤٧ ... ١٠٥٥ الناصر بن علناس بن حماد .... ٤٥٤ ... ١٦٦٢ المنصور بن الناصر ... ٤٨١ ... ١٠٨٩ ابنه باديس ... ٤٩٨ ... ١١٠٤ اخوه العزيز ... ٤٩٨ ... ١١٠٥ ابنه يحيى ... ٥١٥ ... ١١٢١ سقوهـ الدولة ... ٥٤٧ ... ١١٥٢ ٦ - العرب ايام الحماديين كان الهلاليون يذهبون لبداوتهم في مذاهب الحرية الى أقصى مدى. فيرون الانتصاف من جانبهم ذلا واحترام القوانين الدولية استعبادا. فكثرت بينهم الفتن. وعجزت عن قيادهم الدول. وزادهم هذا الخلق قوة ما وجدوا عليه بني زيري الصنهاجيين من الافتراق فكان العرب يخشون اتحاد الزيريين. فيغرونهم بعضهم ببعض. وكان الزيريون كذلك يسعون لاذكاء نار العداوة بين قبائلهم.

стр. 614

قتلت عدي أحد بني رياح واصطلح القبيلتان. فرأى تميم بن المعز ان عداوتهم أولى بسياسته. فقال يخاطب رياحا: متى كانت دماؤكمو تطل .. أما فيكم بثار مستقل أغانم ثم سالم ان فشلتم ... فما كانت أوائلكم تذل ونمتم عن طلاب الثار حتى ... كأن العز فيكم مضمحل فعمد أخوة المقتول. فقتلوا أميرا من عدي. وهاجت الفتنة حتى انجلت عدي الى طرابلس. وكانت حروب ايضا بين الاثبج ورياح. فوفد رجال من الأثبج على الناصر بن علناس وعقدوا معه حلفا على رياح وزغبة. فخشيء تميم ابن المعز ان يتقوى عليه الناصر ويسلبه ملكه فامد عليه رياحا بالمال والسلاح والجنة. ثم ارسلت رياح وزغبة الى الاثبج ومن معهم من عدي يحذرونهم مساعدتهم للناصر وانه ان انتصر علينا مال عليكم بصنهاجة وزناتة. فأهلككم وانه لا مقام للعرب الا مع خلف ملوك صنهاجة وضعفهم. فالستصوب الاثبج رأي اخوانهم. وواعدوهم الغدر به متى نشبت الحرب على ان يكون لهم ثلث الغنيمة. فخرج الناصر سنة ٤٥٧ لحرب رياح وزغبة في جموع الاثبج وعدي وصنهاجة وزناتة. وكانت زناتة قد اتفقت مع الاثبج على الخديعة. وكان للناصر أخ أسن منه اسمه القاسم. فنهاه عن الخروج. وقال له: أقم ببلادك وابعث إلى هؤلاء العرب وصانعهم ياتوك طائعين وفي نوالك طامعين. فابى الا الخروج. كان اللقاء بفحص سبيبة. ودارت رحا الحرب. فانخذل العرب وزناتة. وحقت الهزيمة. فاخذ القاسم من اخيه الناصر العمامة والراية وقال له انج بنفسك كي تحفظ الملك. وقاتل هو حتى قتل.

стр. 615

قال ابن الاثير: "ومات من جموع الناصر اربعة وعشرون الفا - وغنم العرب معسكره بسلاحه وماله ودوابه وكل ما اشتمل عليه- واقتسموا الغنيمة على ما شرطوا أولا، وبعثوا بالالوية والطبول وخيم الناصر بدوابها الى تميم. فردها عليهم مستقبحا أخذ سلب ابن عمه " اهـ. واتبعت رياح الناصر الى قسنطينة ثم القلعة. فاحاطوا بها. وساروا فيما حولها الى المسيلة وطبنة من أرض الحضنة ينهبون ويخربون. وظاهرتهم زناتة. فحالفت مغراوة وغمرت الاثبج. وحالف بو توجين بني عدي. وبعث اليهم الناصر ابنه المنصور. فظهر عليهم وتقبض على امراء بني عدي ساكن بن عبد الله وحميد بن حرعل ولاحق بن جهان ثم ظهر العرب على الحماديين فملكوا الضواحي. وحجروا العمال في المدن. واختط الناصر بجاية فرارا منهم. وتقدم في دخول الهلاليين الجزائر ما وصف به الادريسي حال الدولة والامة معهم. ولما ثار على المنصور ابو يكني عامله بقسنطينة وفر الى أوراس نزل بقسنطينة صليصل بن الاحمر من رؤساء الاثبج. فصالحه المنصور عليها بمال يبذله له. وقال صاحب المعجب: "صالح المنصور العرب على ان يجعل لهم نصف غلة البلاد من ثمرها وبرها وغير ذلك، فلم يزالوا يقبضون ذلك حتى ملك البلاد عبد المؤمن " اهـ. ولما خرج المنصور الى تلمسان لحرب المرابطين كان معه الاثبج وزغبة ورياح والمعقل. وفي أيام العزيز كبس العرب القلعة واهلها غارون، فاكتسحوا جميع ما كان بظواهرها، ودافعتهم الحامية، فغلبوهم واخرجوهم من

стр. 616

البلد، ثم ارتحل العرب وبلغ الخبر العزيز ببجاية، فارسل ابنه يحي وقائده علي بن حمدون في عسكر وتعبية، فوصلوا الى القلعة وسكنوا الاحوال، واستأمن العرب واستعتبوا فاعتبوا، وانكفأ يحي في عسكره الى بجاية، وعلى أثر ذلك بلغ ابن تومرت بجاية قافلا من المشرق سنة ٥١٢. وفي سنة ٥٢٩ أو سنة ٥٢٢ نزع بعض عرب افريقية الى يحي مغاضبين للحسن بن علي، فاغروه بالهدية، ووعدوه الاعانة، واعطوه ابناءهم رهائن على ذلك، فارسل معهم الفرسان والمشاة لنظر كبير قواده مطرف ابن علي بن حمدون ولم يأمره بالقتال تعففا عن الدماء، فلما نزلوا على المهدية واشتدت الحال، ووقعت الحرب فتح الحسن الباب وخرج في أول الناس، وحمل على المحاصرين له وهو ينادي انا الحسن، فاجلوا مقامه وانهزموا عنه. وكان الحماديون يختصون الاثبج دون سائر العرب بالرئاسة، واقطعوهم الكثير من أعمال الزاب والحضنة وضواحي القلعة، واستألفوا معهم زغبة، واستظهروا بهاتين القبيلتين على زناتة. ورئاسة زناتة يومئذ لامراء تلمسان من بني يعلي المغراويين. فكان الامير يحي من بني يعلى يستجيش مغراوة ويفرن وبني يلومي وبني عبد الواد وبني راشد وبني توجين وبني مرين وغيرهم من زناتة، ويوجه عليهم وزيره وقائد حروبه أبا سعدي اليفرني. وكان موطن زغبة اقرب الى مواطن زناتة، فدارت بين الفريقين حروب شديدة. هلك في بعضها ابو سعدي حوالي سنة ٤٥٠. وكانت بين بطون الاثبج حروب. فقتل الحسن بن سرحان أمير دريد شبانة بن الاحيمر شيخ كرفة. ثم لحقت به اخته الجازية مغاضبة لزوجها ماضي بن مقرب سيد قرة. فتحالفت على دريد كرفة

стр. 617

وقرة. وظاهرتهم عياض. وكانت بين الفريقين موقف. قتل في بعضها ابناء شبانة الحسن بن سرحان. ثم ظهرت عليهم دريد. قال ابن خلدون: "واستمرت الفتنة بين هؤلاء الاثبج وافترق أمرهم. وجاءت دولة الموحدين وهم على ذلك الشتات والفتنة " اهـ. وبعد سقوط الدولة الحمادية ضعفت الاثبج. بما كان بينها من الفتن وذهاب الدولة التي كانوا يستدرون خيراتها. فازال عبد المؤمن ما كان لهم من امتيازات. ونقل منهم الى الاندلس. ثم نقل ابناؤه بعض بطونههم. الى المغرب الاقصى. فقل جمعهم بالجزائر. وتغلت رياح على كثير من مواطنهم. ٧ - زناتة ايام الحماديين كانت رئاسة زناتة مفترقة في قبائلها وبطونها. والفتن متصلة بين المتجاورين منهم: بين مغراوة ويفرن وبين يلومي وبني ومانو وبين بني بادين وبني مرين. وهكذا غيرهم. وكانت مغراوة أعظم قبائلهم وامارة بني خزر منهم أعظم امارات سائر القبائل فلما أجلاهم بلقين بن زيري عن المغرب الاوسط اسسوا امارات بالمغرب الاقصى. وامدهم بنو أمية بالرجال والاموال ليكونوا حاجزا دون سيل الدولة العبيدية. وفي سنة ٣٧٧ نزح سعيد بن خزون بن فلفول بن خزر الى صنهاجة. ورأس على زناتة الحضنة والزاب. وفيها ملك ابن عمه زيري بن عطية بن عبد الله بن خزر مدينة فاس. واخذ يجلب على صنهاجة. وثار عليها ايضا فلفول بن سعيد. وظهرت قوة زناتة ايام باديس. فهزموا جيوشه مرارا حتى رماهم سنة ٣٩٥ بحماد وسوغ له ما يفتحه من اوطانهم.

стр. 618

وفي سنة ٩٣ استرجعت الدولة الاموية عمالها من المغرب. واستقل به المعز بن زيري من عطية على شروط بينه وبين بني أمية. وقال ابن خلدون في أخبار تلمسان: "كان ذلك سنة ٩٦ فاستعمل المعز على تلمسان ابنه يعلى. واستقرت ولايتها في عقبة الى ان انقرض أمرهم على يد لمتونة " اهـ. قال ابن ابي زرع: "وقيل ان المعز بن زيري ليس له ولد الا معنصر خاصة " اهـ. ونسب ابن خلدون في اخبار مغراوة يعلى الى محمد أخي عبد الله ابني خزر فقال هو يعلى بن محمد بن الخير بن محمد بن خزر. وكانت امارة بني يعلى بتلمسان تشتمل على وهران وتلك النواحي. ومدوا ايديهم الى أخوانهم اصحاب فاس. واستعانوا على محاربة من ناوأهم من صنهاجة وغيرهم ببقية زناتة. وظهر امر بني ومانو وكان شيخهم ماخوخ. وله خيمة شهيرة قال ابو راس: "وآثارها اليوم ببلاد اولاد علي " اهـ. ونازعهم بنو يلومي. فكانت بينهم حروب وكان من شيوخهم أمير الناس ثم ابنه سيد الناس. أدركه الموحدون. ونقلوه في وجوه قومه الى مراكش. وبها توفي ايام عبد المؤمن. وكان بنو ومانو وبنو يلومي قد غلبوا وجديجن على مواطنها كل من جهته. ثم غلبهم جميعا ايام الموحدين او عبد الواد وبنو توجين. وكان شيخ اوغمرت ابن ابي حلي وشيخ توجين دافلتن بن ابي بكر المنكوشي. وينازعه ابن عمه لقمان بن المعتز حتى ظهر عليه. ثم انفرد بالرئاسة بنو دافلتن. ولم يكن يومئذ لمصاب كبير شان لافتراق جماعاتهم وتنازعهم على الرئاسة. وكان بنو يعلى وبنو ومانو وبنو يلومي يستظهرون ببطون بني

стр. 619

واسبن. ويقرضونهم المال والسلاح والحبوب. فراشوا. واخذوا في الظهور. وكان الحماديون كثيرا ما يجلبون على زناتة ويستعينون بهم بعضهم على بعض. وقتل حماد قبل اسقلاله دافلتن بن ابي بكر في بعض حروبه ولما أعلن اسقلاله نزع عنه ابن ابي حلي الى باديس. فوصله وحمل اصحابه. وعقد له على طبنة وعملها. واوفد لقمان بن المعتز ابنه بدرا على باديس وهو في طريقه اثر حماد، وتحيز اليه ايضا عطية بن دافلتن، وكانت لتوجين في حرب حماد آثار، ومقاتلتهم يومئذ زهاء ثلاثة آلاف. فلما انهزم حماد سوغهم باديس ما غنموه. وعقد للقمان على قومه وما يفتحه من البلاد بدعوته. وفي سنة ٤٣٠ جمع صاحب فاس حمامة بن المعز بن عطية زناتة لحرب القائد فاشترى القائد ذممهم بالمال. ولم يسع حمامة الا الخضوع. وكان بلقين كثيرا ما يجدد الغارة على المغرب، ويجمع زناتة لذلك، ثم خرج في صفر سنة ٥٤ فاجلي عنه يوسف بن تاشفين، وعاد فقتله الناصر بتسالة في شعبان. والستمال الناصر بني ومانو، وتزوج منهم، فكانوا أولياءه دون بني يلومي، وجرت عليه زناتة الهزيمة في وقعة سبيبة وقائدها يومئذ صاحب فاس، وزحف المنتصر بن خزرون بن سعيد بن خزرون من طرابلس في جمع من بني عدي، فنازل المسيلة واشير. وطمع في استرجاع ما كان لجده بالحضنة، فاجلاه الناصر الى الصحراء، ورجع الى القلعة، فعاد المنتصر عائثا في تلك الجهات، فصالحه الناصر. واقطعه ضواحي الزاب وريغة مزمعا الغدر به، وكلف بتدبير اغتياله عروس بن سندي، فاستدعاه الى بسكرة، واشار على حشمه بقتل المنتصر وذويه عند انكبابهم على الطعام، ففعلوا، وبعث برأسه الى

стр. 620

الناصر، فنصبه ببجاية وصلب شلوه بالقلعة وكان ذلك حوالي سنة ٤٦٠. وتتبع الناصر أمراء زناتة بالقتل. وكانت غمرت ومغراوة قد ظاهرت الاثبج وبنو توجين ظاهروا عديا، فجهز ابنه المنصور اليهم، فشتت جموعهم، وبلغت سراياه ورقلة، فدخلها وولي عليها، وأسر من توجين أميرهم مناد بن عبد الله واخاه زيري وعميهما الأغلب وحمامة، فلما حضروا بين يدي الناصر وبخهم ثم قتلهم. وكان من بني سنجاسن رئيسان احدهما ابو الفتوح بن حبوش (وفي بعض نسخ ابن خلدون حبوس) بلمدية ثار على الناصر فقتله. والآخر معنصر بن حماد بناحية شلف، اجلب على عامل مليانة، وقتل شيوخ بني ورسيفان، وكان الناصر مشتغلا بأمر العرب، فكاتب في شانة بني ورسيفان، فزحفوا الى معنصر وقتلوه، وحعثوا الى الناصر برأسه- فنصبه مع رأس المنتصر. ثم غلب العرب على الحضنة، والجأوا غمرة الى الجبال. فعجزت عن الظعن بعد. وتغلبوا ايضا على الزاب. واخروا بني واسين الى الغرب. فلاذوا باخوانهم بني يلومي وبني ومانو وانتدب لدفاع العرب بنو يعلي. فجهز بختي منهم وزيره وصاب حروبه ابا سعدي خليفة اليفرني. فكانت بينهما مواقف صعبة. هلك في بعضها بالزاب حوالي سنة ٤٥٠. ولم يزل بنو يعلى بتلسمان. وايامهم مع الحماديين تختلف سلما وحربا. وتوفي بختي فخلفه ابنه العباس. وظهر ايامه المرابطون. وتغلبوا على فاس. فنزع اليه كثير من أهلها من مغراوة. ثم اجلب عليهم المرابطون. فحاربهم. ودخلوا عليه تلمسان سنة ٤٧٣ فقتلوه. وبذلك انتهت امارة بني يعلى بتلمسان بعدما عاشت نحوا من مائة سنة.

стр. 621

وكان الناصر يردد غزو المغرب. فوقف المرابطون بمكانهم من تلمسان الى أن هلك. وكانت أخت ماخوخ تحت المنصور. وكان لقومه بذلك مزيد ولاية في الدولة. لكنه والى المرابطين على صنهاجة لما كان المنصور مشتغلا بفتنة ابي يكنى. فدخل المرابطون ارض صنهاجة. وبعد قضاء المنصور على تلك الفتنة زحف اليهم واخرب ثغورهم وحصون ماخوخ. وضيق عليهم. فصالحه يوسف بن تاشفين. وقبض عنه ايدي المرابطين. ثم عاد المرابطون الى الاجلاب على صنهاجة فخرج اليهم الامير عبد الله بن المنصور. فرجعوا ادراجهم وشن هو الغارة على بني يلومي وبني ومانو وفتح الجعبات وسيرات. وعفا عن أهلهما ورجع الى ابيه ظافرا. والجعبات على ضفة وادي مينة اليسرى. واعتد المنصور على ماخوخ ولاءه للمرابطين. فخرج اليه بنفسه في صنهاجة ومن والاهم. وجمع له ماخوخ زناتة. فهزمه الى بجاية. ولم يفعل المنصور اكبر من تعديه على زوجه أخت ماخوخ. فقتلها! ان من اعجب العجائب عندي ... قتل بيضاء حرة عطبول استحكمت النفرة بين المنصور وماخوخ بعدها. فجمع ماخوخ بني يلومي وبني ومانو على دعوة المرابطين. واوفد احد بنيه على محمد بن تينعمر أمير تلمسان يحرضه على بلاد صنهاجة. فخرج في جموع المرابطين وزناتة حتى نازل الجزائر وحاصرها يومين. مات عقبهما فخلفه أخوه تاشفين. وما زال يجلب على صنهاجة حتى فتح أشير. هنالك جمع المنصور عامة صنهاجة ومن والاهم من العرب. وخرج الى تلمسان في شوال سنة ٤٩٦ كما في الاعلام، وبلغت مقاتلته نحو عشرين الفا. فافرج له تاشفين عن تلمسان، وخرج الى تسالة، فهزمته عساكر المنصور الى الصخرة وعاثت في تلمسان فنهضت امرأة

стр. 622

تاشفين الى المنصور، وانكبت على رجليه تستعطفه وتذكره صلة الرحم الصنهاجية لرفع محنة الجند عن البلد، فاكرم المنصور مقدمها وكف جنوده عن الفساد، وخرج من الغد قافلا بهم الى حضرته، وانعقدت السلم بينه وبين المرابطين. وعزل يوسف بن تاشفين امره بتلمسان تاشفين بن تينعمر ترضية للمنصور. نزل المنصور بعد قفوله بالقلعة واثخن في زناتة بنواحي الزاب والمغرب الاوسط، ثم عاد الى بجاية، فمات بعد اشهر، ولما ولي العزيز صالح زناتة، وتزوج ابنة ماخوخ. لما كف الحماديون عن بني ومانو وبني يلومي تذكروا ضغائنهم، وعادوا الى العداء. فكانت بينهم حروب. هلك في بعضها ماخوخ. فخلفه بنوه تاشفين وعلي وابو بكر. وكان بنو عبد الواد وتوجين وبنو راشد وبنو ورسيفان مددا لبني يلومي. وربما مادهم ايضا بنو مرين. ولم يزالوا في فتنتهم حتى جاء الموحدون. ٨ - الحماديون والمسيحيون عرف المغرب في هذا العصر البربري من أمم أروبا المسيحية أمة النرمان واصل هذه اللفظة نرثمن. ومعناهما رجال الشمال. وهم من النرويج والدانمارك. انتشروا في شرق أروبا. وانتقلوا أيام شرلمان الى الغرب وسكنوا حوالي الاودية الفرنسية. واستقروا سنة ٢٩٩ (٩١١ م) بنرمنديا احدى كور فرنسا. وكانت القرصنة بالبحر أهم أعمالهم. وهجموا على الاندلس من ناحية اشبونة سنة ٢٢٩ وتكرر اجلابهم على الثغور وبلغوا سنة ٢٤٥ بلد نكور من سواحل المغرب. ولم مجن للنرمان قبل بالاساطيل العربية حتى جاء الهلاليون

стр. 623

وضعفت دولة صنهاجة بانقسامها. واستيلاء العرب على اراضيها واستنزاف ماليتها باللعطاءات تسكينا لثوراتهم واستبداد كثير من الولاة على المدن. وحدث بين الصقليين شقاق فاستعان بعضهم بالنرمان. فخفوا لنصرتهم. ولكن لما نزلوا المدن رفعوا عليها أعلامهم وذهبت صقلية شهيدة الخلاف والخديعة. فاستولى النرمان عليها سنة ٤٨٥ واصبحت مركزا عظيما للنصارى في الحروب الصليبية. وكان الحماديون أقوياء. فلم يقدر النرمان على التوسع الا في المملكة الشرقية الضعيفة ولم يطب آل باديس نفسا بتسليم المملكة للحماديين. فاخذوا يفاوضون المرابطين ويدعونهم لحماية ثغورهم. ولا طريق لهم الا بالمملكة الحمادية. فشمر الحماديون عن ساعد الجد لقطع كل حركة تمس باستقلالهم حتى عقد معهم المرابطون معاهدة سلمية ودية. كان الحماديون يرون في توهين الرومان لبني عمهم اعانة لهم على امتلاك مملكتهم يوما ما. ورأى النرمان ان لا يهيجوا الحماديين بسوء. فظلت العلاقات بينهم حسنة. ولكن النرمان لما رأوهم ملكوا جربة وطمعوا في المهدية قلبوا لهم ظهر المجن. ففي سنة ٥٣٧ طرق النرمان جيجل فاحتلوها عنوة. وانتهبوا الاموال وأحرقوا المنازل وخربوا قصر النزهة الذي بناه يحي بن العزيز وسفكوا الدماء وسبوا الحريم. ولم ينج من أهلها الا من تعلق بالجبل. ثم أقلعوا عنها. وتركوها خاوية على عروشها. وفي سنة ٥٣٩ فتحوا برشك وقتلوا أهلها وسبوا حريمهم وباعوه بصقلية على المسلمين. ولما ملك عبد المؤمن بجاية وخضع له يحي لحق أخوه الحارث صاحب بونة بصاحب صقلية. فاعانه على البقاء بها حتى اخذها منه عبد المؤمن. هذه علاقات الحماديين والمسيحيين السياسية وكانت بالمدن

стр. 624

الحمادية طوائف مسيحية اما من بقايا الرومان او من البربر الذين فقدوا جنسيتهم ونسوا اصلهم او من سبي أروبا فكان الحماديون يحسنون معاملتهم ويحفظون حقوقهم على أقليتهم احسانا وحفظا لم يوجد ما يقرب منهما في عصر يزعم القابضون على مناحي حياته انهم أرقى دولة عرفها التاريخ وان عصرهم أزهر العصور، زعما لا مؤيد له غير القوة المادية. وهاك ملخص ما اطال به ذوماس لتري في وصف حياة المسيحيين تحت الحماديين. قال: " كان لبابوات رومة علائق مع الحماديين وخصوصا اشهرهم الناصر بن علناس ويلقبونهم ملوك موريطانيا السطيفية". " ولما أسسوا القلعة تقبلوا بها المسيحيين بصدور رحبة. وأحسنوا اليهم مدة دولتهم. وضمنوا لهم حرية دينهم تحت قسيس منهم من رتبة (افيك (". " وفي سنة ٥٠٨ (١١١٤ م) أسسوا بالقلعة كنيسة مريم العذراء. وقسيسهم يومئذ عزون. وتسميه العامة الخليفة. وابتنى لنفسه دارا حذاء الكنيسة". "وانتخب أصل بونة اسقفا عليهم يدعى سرفاند. فسماه لهم ارشفيك قرطاجنة وصادق عليه الناصر، ولما سافر سرفاند الى رومة حمله الناصر هدايا جليلة ورسالة ودية إلى البابا قرقوار السابع. واشترى جميع الاسرى الذين عثر عليهم بممالكه وأرسلهم الى البابا واعدا اياه بعتق كل أسير مسيحي يعثر عليه من بعد". "سرت الكنيسة الرومانية كثيرا بفعل الناصر. فلما عاد سرفاند الى بونة ارسل معه كبار رجال الكنيسة رسائل شكر وثناء للناصر.

стр. 625

وارسل له البابا ايضا رسالة خاصة تعد أكبر رسالة وأعظمها ارسلت من بابوات رومة الى ملوك المغرب وذلك سنة ٤٦٩ (١٠٧٦ م (. "ولم يحفظ التاريخ جواب الناصر عن هذه الرسالة ولا ما نشأ عنها. والرسالة تنص على ان البريك وكنشبوش من خدام قصر البابا الذين نشأوا به يرغبان رغبة شديدة في شرف خدمة الناصر برومة. وانهما ارسلا له بعض رجالهما لتأكيد ودادهما، وتنص الرسالة أيضا على أن البابا مستعد لمعاملة كل من تعلق بالناصر معاملة ودية صادقة" اهـ. وقد أثبت ذوماس الرسالة بنصها اللطيني وترجمتها الفرنسية. ومنعنا من تعريبها طولها وما قصدنا اليه من الايجاز. ٩ - العمران والحضارة كانت المملكة الحمادية تشتمل على ارض طيبة وجبال جالبة للامطار واودية حافظة لها، وعني الحماديون بحفظ الامن واستخراج خيرات المملكة، فلم ينوا في اطفاء الثورات الداخلية وصد الهجومات الخارجية وتنظيم البريد وتأمين السبل. نشطت الفلاحة فأحيي موات الارضين وازينت البوادي وضواحي المدن والقرى بالمزارع على اختلاف انواعها ونصبت الارحاء على ارجاء الاودية والجداول وغرست البساتين الجامعة لانواع الاشجار والازهار. ونفقت الاسواق بمختلف البضائع. فكانت الطرق البرية غاصة بالقوافل، والبحار والاودية الكبار تشقها اسراب السفن التجارية غادية رائحة. وتعددت الصنائع وترقت الحرف من خشابة ونجارة وخراطة

стр. 626

وحدادة وحياكة صوف وقطن وكتان وحرير، واستخرجت المعادن من مختلف الجهات. وزاد الحركة العمرانية نموا فرار الناس من افريقية الى الحماديين امام الهجوم الهلالي ومن صقلية امام استيلاء النرمان ومن الاندلس امام استيلاء المرابطين. ووطد اركان هذه الحركة بسط المرابطين لنفوذهم الفعلي على عواصم القوة الزناتية غربا التي كانت أكبر شاغل للحماديين. وساعد هذا العمران على انشاء حضارة من ارقى الحضارات من نقش وتزويق وغناء وبناء، وقد عثر على أوان من الخزف المطلي فيها كتابات عربية بارزة، وقارورات وبعض أدوات من الزجاج. وكلها تدل على صناعة خزفية وزجاجية راقية. وذكر ياقوت القلعة. فقال: "يتخذ بها اللبابيد الجيدة والاكسية القلعية الصفيقة النسج المطرزة بالذهب. ولصوفها من النعومة والبصيص بحيث ينزل مع الذهب بمنزلة الابريسم " اهـ. قال جورج مارصي: "وحوالي سنة ٤٥٧ (١٠٦٥ م) صارت القلعمة مدينة تجارية عظيمة وارفة الخيرات، وقصدها ارباب الصنائع من المشرق وافريقية، ويظهر ان صناعة الفخار يومئذ بلغت بها مبلغا عظيما ويظهر عليها تأثير الفرس ومصر فنا وعملا، وجد بها من ذلك آثار كثيرة، ثم ترقت الصناعة وتطورت حسب تطور الدولة في العظمة" اهـ. وكانت موسيقى الجزائر الحمادية متأثرة بالموسيقى الافريقية والاندلسية. ينشطها الملوك والامراء. فيتخذون بمجالستهم المغنين والمغنيات. وعاش الى جنبها أغاني العرب في باديتهم والبربر في جبالهم. فكان للحاضرين اغانيهم الفنية القابلة للتهذيب والرقي، وللبادين أغانيهم الموروثة عن اسلافهم المتعاصية عن التطور.

стр. 627

وقد أنشأ الحماديون القصور في مختلف المدن والمساجد والجوامع والمنائر والمنابر والاسواق والاسبوار والقناطر، واصلحوا ما تداعى من انشاء من قبلهم وأسسوا المدينتين العظيمتين القلعة وبجاية، وبنوا حولهما القصور الشاهقة والمباني الجميلة. همم الملوك اذا أرادوا ذكرها ... من بعدهم فبألسن البنيان بنى الناصر حول القلعة قصورا شامخة مسماة بعدة اسماء، قال ابن خلدون: "وبني ببجاية قصر اللؤلؤة، وكان من أعجب قصور الدنيا" اهـ. قال ابو راس: "وكان بناؤه حوالي سنة ٤٧٠" اهـ. والمنصور قال ابن خلدون: "هو الذي حضر ملك بني حماد وصير بجاية فدار المملكة، وجدد قصورها وشيد جامعها وتانق في اختطاط المباني وتشييد المصانع واتخاذ القصور واجراء المياه في الرياض والبساتين، فبنى في القلعة قصر المنار والملك والكوكب وقصر السلام ط وفي بجاية قصر اللؤلوة وقصر اميميون" اهـ. قال صاحب الاستبصار: "وفي بجاية موضع يسمى اللؤلؤة، وهو أنف جبل داخل في البحر متصل بالمدينة، فيه قصور من بناء ملوك صنهاجة لم ير الراءون أحسن منها بناء ولا أنزه موضعا. فيها طاقات مشرفة على البحر عليها شبابيك الحديد، ومجالسها مبنية حيطانها بالرخام الابيض من أعلاها الى أسفلها، قد نقشت أحسن نقش، وانزلت بالذهب، وصورت فيها الصور الحسنة، فجاءت من أحسن القصور " اهـ. قال مارصي: "ان الحضارة الحمادية تظهر تحت تأثير المشرق. وآثارها لا نظير لها ببقية وطن البربر، وهي شاهد قوي على رقي الحضارة الاسلامية المغروسة بالجزائر.

стр. 628

وكان النرمان مغرمين بالحضارة الحمادية، فوضعوا قصور بلرم على شكل قصور بجاية، وكان قصرا زيزة وكوبة ببلرم شديدي الشبه بقصور اللؤلوة والكوكب وأميميون". وكان محمد بن حماد ببجاية ولوعا بندب آثار اسلافه الحماديين بالقلعة وما حولها من الامكنة، فمن ذلك قوله: أين العروسان لا رسم ولا طلل ... فانظر ترى ليس الا السهل والجبل وقصر بلارة أودى الزمان به ... فاين ما شاد منه السادة الاول قصر الخلافة ابن القصر من خرب ... غير اللجين وفي ارحابها زحل وليس يبهجني شيء أسر به ... من بعد أن نهجت بالمنهج السبل وما ورا الكوكب العلوي معتصم ... وقد عرا لكوكب التغيير والندل وقد عفا قصر حماد فليس له ... رسم ولا أثر باق ولا طلل ومجلس القوم قد هب الزمان به ... بحادث قل فيه الحادث الجلل وان في القصر قصر الملك معتبرا ... لمن تغربه الايام والدول وما رسوم المنار الآن ماثلة ... لكنها نبذ يجري بها المثل حتى المصلى محت آياتها وعفت ... الا جدارا وما طلت به الطلل كرجعك الطرف كانت كل آبرة ... فما تراه كذاك العمر والاجل وله من أخرى الا ليت شعري هل ابيتن ليلة ... بوادي الجوى ما بين تلك الجداول وهل اسمعن تلك الطيور عشية ... تجاوب في تلك الغصون البلابل وهل أردن عين السلام على الصدى ... فابرد من حر الضلوع النواهل وانظر طيقان المنار مطلة ... على الواجنات الزاهرات الخمائل كأن اقباب المشرقات بأفقه ... نجوم تبدت في سعود المنازل فان ثنت الايام عنها اعنتي ... وانزلنني في غير تلك المنازل فصبر جميل غير ان صبابتي ... ستبقى بقاء الطالعات الاوافل

стр. 629

وله من أخرى على عين السلام سلام صب ... غذاة ماؤها العذب النمير تأود أيكها وجرت صباها ... وشم لها كما فتق العبير وابرد ما يكون الجو فيها ... واندى حين يحتدم الهجير وما ادري ايجري فوق در ... أم ابتسمت بمنبعها الثغور وقد قام المنار على ذراها ... كما قام العروس او الامير بناء يزدرى ايران كسرى ... لديه والخورنق والسدير وقد ذكر المقري في نفح الطيب قصيدة لعبد الجبار بن حمديس الشاعر الصقلي يصف بها دارا بناها الملك المنصور ببجاية، ولدقة وصفها وحسن تصويرها للحضارة الحمادية نوردها على طولها، قال: أعمر بقصر الملك ناديك الذي ... اضحى بجدك بيته معمورا قصر لو أنك قدكحلت بنوره ... أعمى لعاد الى المقام بصيرا واشتق من معنى الجنان نسيمه ... فيكاد يحدث بالعظام نشورا نسي الصبيح مع الفصيح بذكره ... وسما ففاق خورنقا وسديرا لو ان بالايوان قوبل حسنه ... ما كان شيئا عنده مذكورا اعيت مصانعه على الفرس الالى ... رفعوا البناء واحكوا التدبيرا ومضت على الروم الدهور وما بنوا ... لملوكهم بها له ونظيرا أذكرتنا الفردوس حين اريتنا ... غرفا رفعت بناءها وقصورا فالمحسنون تزيدوا اعمالهم ... ورجوا بذلك جنة وحريرا والمذنبون هدوا الصراط وكفرت ... حسناتهم لذنوبهم تكفيرا فلك من الافلاك الا انه ... حقر البدور فاطلع المنصورا ابصرته فرأيت ابدع منظر ... ثم انثنيت بناظري محسورا فظننت اني حالم في جنة ... لما رأيت الملك فيهاكبيرا واذا الولائد فتحت ابوابه ... جعلت ترحب بالعفاة صريرا

стр. 630

غضت على حلقاتهن ضراغم ... فغرت بها أفواهها تكبيرا فكانها لبدت لتهصر عندها ... من لم يكن بدخولها مأمورا تجري الخواطر مطلقات اعنة ... فيه فتكبو عن مداه قصورا بمرخم الساحات تحسب انه ... فرش المها وترشح الكافورا ومحصب بالدر تحسب تربه ... مسكا تضوع نشره وعبيرا تستخلف الابصار منه اذا اتى ... صبحا على غسق الظلام منيرا قال المقري: ثم ذكر بركة فيه عليها اشجار من ذهب وفضة ترمي فروعها المياه وتفنن فذكر اسودا على حافاتها قاذفة بالمياه ايضا. فقال: وضراغم سكنت عرين رئاسة ... تركت خرير الماء فيه زئيرا فكأنما غشي النضار جسومها ... واذاب في أفواهها البلورا أسد كان سكونها متحرك ... في النفس لو وجدت هناك مثيرا وتذكرت فتكاتها فكانما ... أقعت على ادبارها لتثورا وتخالها- والشمس تجلو لونها- ... نارا والسنها اللواحس نورا فكأنما سلت سيوف جداول ... ذابت بلا نار فعدن غديرا وكأنما نسج النسيم لمائه ... درعا فقدر سردها تقديرا وبديعة الثمرات تعبر نحوها ... عيناي بحر عجائب مسجورا شجرية ذهبية نزعت الى ... سحر يؤثر في النهى تأثيرا قد صوفحت اغصانها فكأنما ... قبضت بهن من الفضاء طيورا وكأنما تأبى لوقع طيرها ... ان تستقل بنهضها وتطيرا من كل واقعة ترى منقارها ... ماء كسلسال اللجبن نميرا خرس تعد من الفصاح فان شدت ... جعلت تغرد بالمياه صفيرا وكأنما في كل غصن فضة ... لانت. فأرسل خيطها مجرورا وتريك في الصهريج، موقع قطرها ... فوق الزبرجد لؤلؤا منثورا ضحكت محاسنه اليك كأنما ... جعلت لها زهر النجوم ثغورا

стр. 631

ومصحف الابواب تبرا نظروا ... بالنفس فوق شكوله تنظيرا تبدو مسامير النضار كما علت ... تلك النهود من الجنان صدورا خلعت عليه، غلائلا موشية ... شمس ترد الطرف عنه حسيرا واذا نظرت الى غرائب سقفه ... ابصرت روضا في السماء نضيرا وعجبت من خطاف عسجده التي ... حامت لتبني في ذراه وكورا وضعت به صناعها اقلامها ... فأرتك كل طريدة تصويرا وكأنما للشمس فيه لقية ... مشقوا بها التزويق والتشجيرا وكأنما الازورد فيه مخزم ... بالخط في ورق السماء سطورا وكأنما. وشوا عليه ملاءة ... تركوا مكان وشاحها مقصورا قال المقري: ثم مدح المنصور بعد ذلك. وختم القصيدة بقوله: يا مالك الارض الذي أضحى له ... ملك السماء على العداة نصيرا كم من قصور للملوك تقدمت ... واستوجبت بقصورك التأخيرا فعمرتها وملكت كل رياسة ... منها ودمرت العدا تدميرا قال المقري: "ولم أر لهذه القصيدة في لفظها ومعناها من نظير غير أن فيها عندي عيبا واحدا هو ختمها بلفظ التدمير" اهـ. واخترنا هذا البيت لختام هذا الفصل من أجل لفظ التدمير الذي تحقق في العمران والحضارة الحماديين كما هو الشأن في آثار كل الدول سنة الله قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا. ١٠ - العلوم والاداب كان عصر الحمادييبن عصر انشاء وترقية في- جميع مناحي الحياة المدنية. فضربوا في العلم والادب بسهم، ونشطوا أهلهما بالجوائز والصلات فارتحل اليهم امثال ابن حمديس الصقلي من الادباء، وابي

стр. 632

الفضل بن النحوي التوزري من العلماء وكان يشبه بابي حامد الغزالي. فغصة عواصمهم بطلاب المعارف وناشريها وكان العلماء يتناظرون في مجالس بني حماد ويؤلفون لهم الكتب. وذكر ابن الابار في التكملة ان حماد بن ابراهم المخزومي الف كتابا في التاريخ للعزيز. ظهر بالجزائر الحمادية العلماء والشعراء والكتاب والمؤرخون والاطباء والرياضيون وغيرهم، ظهورا لا عهد للجزائر به من قبل. وكانت لعلوم الدين المنزلة الاولى ويليها علوم العربية. وينسب الى القلعة وبجاية فما دونهما من ممالك الحماديين علماء كثيرون تجد نبذا من أخبارهم متفرقة في الدواوين. ولكي تتصور اجمالا مبلغ الحركة العلمية بهذا العصر ننقل كلمة لياقوت ذكرها لما ذكر ريغة وانها قرب القلعة. قال: " قال ابو طاهر بن سكينة سمعت ابا محمد عبد الله بن محمد ابن يوسف الزناتي الضرير بالثغر يقول حضرت هرون بن النصر الريغي بالريغ في قراءة البخاري والموطأ وغيرهما عليه وهو يتكلم على معاني الحديث. وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب ورأيته يقرأ كتاب التلقين لعبد الوهاب البغدادي في مذهب مالك من حفظه كما يقرأ الانسان فاتحة الكتاب. ويحضر عنده دوين مائة طالب لقراءة المدونة وغيرها من كتب المذهب عليه، اهـ. ولتقدم العلوم العربية في هذا الدور ظهر من اليهرد الذين دأبهم مسايرة الوسط نبغاء طار صيتهم في الآفاق وكانوا من بلغاء الكتاب العربيين. وكانت العربية هي اللسان الرسمي للدولة. وجاء الهلاليون بلغتهم القريبة يومئذ جدا من الفصحى فنشروها بين سائر الطبقات وسهلوا على الخاصة تعلم العربية وعلى العامة تعلم دينها. ولم يبق

стр. 633

كبير حاجة الى التدريس او التأليف باللسان البربري في الجزائر كما كان الامر في أيام الرستميين. تقهقرت البربرية من الميدان العلمي والادبي. وزاحمتها العربية في المجالس العامة فاستعرب كثير من البربر. ولم يبق للبربرية موطن الا جبال أوراس وتيطري وجرجرة ونحوها حيث لم يختلط البربر بالعرب. والذي دعا البربر الى هذا الاستعراب والدولة دولتهم والحكومة حكومتهم ما يعتقدونه من شرف العربية وغناها وكونها لغة الدين. فصاروا يتشرفون باجادة النطق بها. وهكذا تأثير الاديان في رفع الفوارق الجنسية. ١١ - سقوط الدولة الحمادية في سنة ٥٣٩ كانت الحرب على تلمسان بين تاشفين أمير المرابطين وعبد المؤمن بن علي أمير الموحدين. واستنجد تاشفين يحي بن العزيز. فامده بجيش يقوده ميمون بن حمدون، ففتك بهذا الجيش عبد المؤمن، وانهزم ميمون الى متيجة. فبعث منها الى عبد المؤمن بالطاعة ووعده الاعانة على فتح المشرق وان يكون قائده. واستمرت الكاتبة بينهما بعد. تم للموحدين الاستيلاء على ممالك المرابطين فجاوروا يحي بن العزيز وهم في دورهم الاول ودور النمو وشباب القوة الحربية، في حين ان الحماديين انغمسوا في حياة الترف، فكان يحي مشتغلا باللهو تاركا أمور المملكة بيد وزيره ميمون ابن حمدون. ولما كان هذا الوزير غادرا بدولته مواليا لعبد المؤمن أغفل

стр. 634

الممالك الغربية المجاورة للموحدين. وصرف عساكره الى الناحية الشرقية حيث ممالك بني باديس الذين اشتد ضعفهم. فانتصر هنالك عدة انتصارات زادت يحي بن العزيز غرورا بصدق خدمته، وانما صدق ابن حمدون في خدمة عبد المؤمن، فضرب دولتي صنهاجة احداهما بالاخرى توطئة لاستيلاء عبد المؤمن عليهما. وفي سنة ٤٦ عزم عبد المؤمن على فتح بجاية. فخرج من مراكش إلى سبتة موهما انه يريد الاندلس. واوقف حركات القوافل. وجعل امناء على الطرق لئلا يسلكها احد. وغرضه كف الاخبار عن يحي ابن العزيز حتى لا يستعد له، ثم اظهر العود الى مراكش. وسلك طرقا غير معتادة. ومنع من السؤال عن وجهته. فنادى مناديه: "ايها الناس من تكلم منكم بما معناه الى اين هذا السفر فجزاؤه السيف! ". وأخذ عبد المؤمن السير. فمكث بتلمسان يوما واحدا. وخرج. فملك لمدية. وبلغ الجزائر على حين غفلة. فاحتلها من غير مقاومة. وفر عاملها القائد بن العزيز الى اخيه يحي فاخبره خبر عبد المؤمن. ولم يكن له به علم. وكان بالجزائر الحسن بن علي آخر ملوك آل باديس. فسر بعبد المؤمن. فترك الجزائر تحت نظره. وسار من الغد بالجيوش الى بجاية. جهز يحي الجيوش لنظر أخيه سبع وخائن دولته ميمون بن حمدون فلما التقوا بمقدمة الموحمدين انهزموا من غير قتال. واستأمن بنو حمدون للموحدين وفتح لهم باب بجاية ابو عبد الله بن ميمون. فدخلوها في ذي القعدة سنة ٤٧. تفرقت جيوش يحي برا وبحرا. وركب هو البحر يريد صقلية كي يتوجه منها الى بغداد حيث خلفاؤه العباسيون. ونزل ببونة على

стр. 635

ـ[صورة]ـ منارة سيدي أبو الحسن
следующие страницы →