Полный текст (878 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
ومصحف الابواب تبرا نظروا ... بالنفس فوق شكوله تنظيرا
تبدو مسامير النضار كما علت ... تلك النهود من الجنان صدورا
خلعت عليه، غلائلا موشية ... شمس ترد الطرف عنه حسيرا
واذا نظرت الى غرائب سقفه ... ابصرت روضا في السماء نضيرا
وعجبت من خطاف عسجده التي ... حامت لتبني في ذراه وكورا
وضعت به صناعها اقلامها ... فأرتك كل طريدة تصويرا
وكأنما للشمس فيه لقية ... مشقوا بها التزويق والتشجيرا
وكأنما الازورد فيه مخزم ... بالخط في ورق السماء سطورا
وكأنما. وشوا عليه ملاءة ... تركوا مكان وشاحها مقصورا
قال المقري: ثم مدح المنصور بعد ذلك. وختم القصيدة بقوله:
يا مالك الارض الذي أضحى له ... ملك السماء على العداة نصيرا
كم من قصور للملوك تقدمت ... واستوجبت بقصورك التأخيرا
فعمرتها وملكت كل رياسة ... منها ودمرت العدا تدميرا
قال المقري: "ولم أر لهذه القصيدة في لفظها ومعناها من نظير غير أن فيها عندي عيبا واحدا هو ختمها بلفظ التدمير" اهـ. واخترنا هذا البيت لختام هذا الفصل من أجل لفظ التدمير الذي تحقق في العمران والحضارة الحماديين كما هو الشأن في آثار كل الدول سنة الله قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا.
١٠ - العلوم والاداب
كان عصر الحمادييبن عصر انشاء وترقية في- جميع مناحي الحياة المدنية. فضربوا في العلم والادب بسهم، ونشطوا أهلهما بالجوائز والصلات فارتحل اليهم امثال ابن حمديس الصقلي من الادباء، وابي
стр. 632
الفضل بن النحوي التوزري من العلماء وكان يشبه بابي حامد الغزالي.
فغصة عواصمهم بطلاب المعارف وناشريها وكان العلماء يتناظرون في مجالس بني حماد ويؤلفون لهم الكتب. وذكر ابن الابار في التكملة ان حماد بن ابراهم المخزومي الف كتابا في التاريخ للعزيز.
ظهر بالجزائر الحمادية العلماء والشعراء والكتاب والمؤرخون والاطباء والرياضيون وغيرهم، ظهورا لا عهد للجزائر به من قبل.
وكانت لعلوم الدين المنزلة الاولى ويليها علوم العربية. وينسب الى القلعة وبجاية فما دونهما من ممالك الحماديين علماء كثيرون تجد نبذا من أخبارهم متفرقة في الدواوين. ولكي تتصور اجمالا مبلغ الحركة العلمية بهذا العصر ننقل كلمة لياقوت ذكرها لما ذكر ريغة وانها قرب القلعة. قال:
" قال ابو طاهر بن سكينة سمعت ابا محمد عبد الله بن محمد ابن يوسف الزناتي الضرير بالثغر يقول حضرت هرون بن النصر الريغي بالريغ في قراءة البخاري والموطأ وغيرهما عليه وهو يتكلم على معاني الحديث. وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب ورأيته يقرأ كتاب التلقين لعبد الوهاب البغدادي في مذهب مالك من حفظه كما يقرأ الانسان فاتحة الكتاب. ويحضر عنده دوين مائة طالب لقراءة المدونة وغيرها من كتب المذهب عليه، اهـ.
ولتقدم العلوم العربية في هذا الدور ظهر من اليهرد الذين دأبهم مسايرة الوسط نبغاء طار صيتهم في الآفاق وكانوا من بلغاء الكتاب العربيين.
وكانت العربية هي اللسان الرسمي للدولة. وجاء الهلاليون بلغتهم القريبة يومئذ جدا من الفصحى فنشروها بين سائر الطبقات وسهلوا على الخاصة تعلم العربية وعلى العامة تعلم دينها. ولم يبق
стр. 633
كبير حاجة الى التدريس او التأليف باللسان البربري في الجزائر كما كان الامر في أيام الرستميين.
تقهقرت البربرية من الميدان العلمي والادبي. وزاحمتها العربية في المجالس العامة فاستعرب كثير من البربر. ولم يبق للبربرية موطن الا جبال أوراس وتيطري وجرجرة ونحوها حيث لم يختلط البربر بالعرب.
والذي دعا البربر الى هذا الاستعراب والدولة دولتهم والحكومة حكومتهم ما يعتقدونه من شرف العربية وغناها وكونها لغة الدين.
فصاروا يتشرفون باجادة النطق بها. وهكذا تأثير الاديان في رفع الفوارق الجنسية.
١١ - سقوط الدولة الحمادية
في سنة ٥٣٩ كانت الحرب على تلمسان بين تاشفين أمير المرابطين وعبد المؤمن بن علي أمير الموحدين. واستنجد تاشفين يحي بن العزيز. فامده بجيش يقوده ميمون بن حمدون، ففتك بهذا الجيش عبد المؤمن، وانهزم ميمون الى متيجة. فبعث منها الى عبد المؤمن بالطاعة ووعده الاعانة على فتح المشرق وان يكون قائده. واستمرت الكاتبة بينهما بعد.
تم للموحدين الاستيلاء على ممالك المرابطين فجاوروا يحي بن العزيز وهم في دورهم الاول ودور النمو وشباب القوة الحربية، في حين ان الحماديين انغمسوا في حياة الترف، فكان يحي مشتغلا باللهو تاركا أمور المملكة بيد وزيره ميمون ابن حمدون.
ولما كان هذا الوزير غادرا بدولته مواليا لعبد المؤمن أغفل
стр. 634
الممالك الغربية المجاورة للموحدين. وصرف عساكره الى الناحية الشرقية حيث ممالك بني باديس الذين اشتد ضعفهم. فانتصر هنالك عدة انتصارات زادت يحي بن العزيز غرورا بصدق خدمته، وانما صدق ابن حمدون في خدمة عبد المؤمن، فضرب دولتي صنهاجة احداهما بالاخرى توطئة لاستيلاء عبد المؤمن عليهما.
وفي سنة ٤٦ عزم عبد المؤمن على فتح بجاية. فخرج من مراكش إلى سبتة موهما انه يريد الاندلس. واوقف حركات القوافل. وجعل امناء على الطرق لئلا يسلكها احد. وغرضه كف الاخبار عن يحي ابن العزيز حتى لا يستعد له، ثم اظهر العود الى مراكش. وسلك طرقا غير معتادة. ومنع من السؤال عن وجهته. فنادى مناديه: "ايها الناس من تكلم منكم بما معناه الى اين هذا السفر فجزاؤه السيف! ".
وأخذ عبد المؤمن السير. فمكث بتلمسان يوما واحدا. وخرج.
فملك لمدية. وبلغ الجزائر على حين غفلة. فاحتلها من غير مقاومة.
وفر عاملها القائد بن العزيز الى اخيه يحي فاخبره خبر عبد المؤمن.
ولم يكن له به علم. وكان بالجزائر الحسن بن علي آخر ملوك آل باديس. فسر بعبد المؤمن. فترك الجزائر تحت نظره. وسار من الغد بالجيوش الى بجاية.
جهز يحي الجيوش لنظر أخيه سبع وخائن دولته ميمون بن حمدون فلما التقوا بمقدمة الموحمدين انهزموا من غير قتال. واستأمن بنو حمدون للموحدين وفتح لهم باب بجاية ابو عبد الله بن ميمون.
فدخلوها في ذي القعدة سنة ٤٧.
تفرقت جيوش يحي برا وبحرا. وركب هو البحر يريد صقلية كي يتوجه منها الى بغداد حيث خلفاؤه العباسيون. ونزل ببونة على
стр. 635
ـ[صورة]ـ منارة سيدي أبو الحسن
стр. 636
أخيه الحارث فنكر عليه تسليمه العاصمة واساء مقابلته. فعدل الى قسنطينة. فنزل له عنها أخره الحسن واحسن مقابلته.
ولحق عبد المؤمن ببجاية بعد يومين من فتحها فاجتمعت خلائق من صنهاجة لحربه. وقدموا عليهم ابا قصبة من بني زلدوي، وانضاف اليههم خلق كثير من كتامة ولواتة وغيرهم. ولقيهم جيوش الموحدين في عرض الجبل شرقي بجاية. فهزموا ابا قصبة وقتلوا كثيرا من أصحابه. ثم توجهوا الى القلعة. فدخلوها عنوة وقتلوا عاملها جوشن بن العزيز وثمانية عشر الفا من أهلها. وغنموا خيراتها.
وتفرقت السرايا في الجهات. فحاصروا قسنطينة حتى نزل يحي على الامان وبايع لعبد المؤمن.
هنالك ركب الحرث صاحب بونة إلى صقلية مستصرخا بالنرمان واجتمع العرب لدفاع عبد المؤمن. فاوقع بهم الموحدون نواحي سطيف في صفر سنة ٤٨ وقيعة شنعاء وجاء الحارث باسطول النرمان تحت قيادة فيليب المهدوي فحاصر بونة واعانه العرب على فتحها. فدخلها فيليب في رجب وسبى أهلها وملك ما فيها. واغضى عن طائفة من العلماء والصلحاء. فتركهم نجوا باهليهم واموالهم الى القرى. وبعد عشرة ايام سلم أمرها للحرث وركب هو الى المهدية فصقلية. فأفتى الاساقفة والقسوس والرهبان باحراقه لرفقه باولئك العلماء والصلحاء، فاحرق في رمضان وهكذا تطبق رحمة المسيحيين!
بقي الحرث ببونة حتى استولى عليها الموحدون سنة ٥٥١ فقتلوه صبرا وانقرض ملك بني حماد. وبقيتهم بوادي بجاية، قال ابن خلدون: "وهم في هذا العهد في عداد الجند. ولهم اقطاع على ذلك بنواحي البلد".
تأسست الدولة الحمادية سنة ٤٠٥ وسقطت سنة ٥٤٧٧ فكانت مدتها ١٤٢ سقطت وهي أقوى ما يكون كما يموت المرء وهو في
стр. 637
شبابه، وليس لهو يحي هو علة السقوط اذ لم ينشأ عنه احتلال في الدولة. ونرى لسقوطها عللا هي:
١ - خيانة ميمون، وهي خيانة باردة لانه لا يرجو في دولة عبو المؤمن أكثر من ان يكون وزيره المفوض وقد نال ذلك مع يحي.
٢ - ضعف العصبية القومية، فقد أكلت صنهاجة الحروب، ومالوا منذ ايام العزيز الى الترف.
٣ - فقد الغيرة الوطنية من المسلمين لان كلا من الحلومتين القديمة والجديدة اسلامية، فهم لا يتفانون في نصرة القديمة ولا يرون في الجديدة عدوا.
٤ - قوة هذه الدولة الجديدة وعظمة رئيسها عبد المؤمن الذي لا يعرف التاريح كثيرا من أمثاله في السياسة الحربية.
وبسقوط الدولة الحمادية انقرضت الدعوة العباسية من المغرب.
فلم تظهر به الا ايام ابن عانية. ولم تنقطع قبل منه الا ايام بني عبيد، ولهذا رأينا أن نرسم جدولا للخلفاء العباسيين من أول أمرهم الى انتهائه من بغداد، وقد قسمهم ابن خلدون في هذه المدة الى اربع طبقات، الاولى ذات النفوذ العام، الثانية ذات النفوذ الخاص ببغداد وما قرب منها، الثالثة ذات الخلافة الاسلامية فاقدة النفوذ ببغداد نفسها، الرابعة المسترجعة للنفوذ ببغداد خاصة الى أن قتل التتر المستعصم سنة ٦٥٦.
الطبقة الاولى
الخليفة ... الولاية ... هـ ... م
عبد الله السفاح ... ١٣٢ ... ٧٥٠
اخوه أبو جعفر المنصور ... ١٣٦ ... ٧٥٤
ابنه محمد المهدي ... ١٥٨ ... ٧٧٥
ابنه موسى الهادي ... ١٦٩ ... ٧٨٥
اخوه هرون الرشيد ... ١٧٠ ... ٧٨٦
محمد الامين ابن الرشيد ... ١٩٣ ... ٨٠٩
اخوه عبد الله المأمون ... ١٩٨ ... ٨١٣
اخوهما محمد المعتصم ... ٢١٨ ... ٨٣٣
ابنه هرون الواثق ... ٢٢٧ ... ٨٤٢
أخوه جعفر المتوكل ... ٢٣٢ ... ٨٤٦
стр. 638
الطبقة الثانية
الخليفة ... الولاية ... هـ ... م
محمد المنتصر ابن المتوكل ... ٢٤٧ ... ٨٦١
احمد المستعين ابن المتصم ... ٢٤٨ ... ٨٦٢
الزبير المعتز ابن المتوكل ... ٢٥٢ ... ٨٦٦
محمد المهتدي ابن الواثق ... ٢٥٥ ... ٨٦٩
احمد المعتمد، ابن المتوكل ... ٢٥٦ ... ٨٧٠
احمد المعتضد بن طلحة ابن المتوكل ... ٢٧٩ ... ٨٩٢
علي المكتفي ابن المعتضد ... ٢٨٩ ... ٩٠٢
اخوه جعفر المقتدر ... ٢٩٥ ... ٩٠٨
اخوهما محمد القاهر ... ٣٢٠ ... ٩٣٢
أحمد الراضي ابن المقتدر ... ٣٢٢ ... ٩٣٤
اخوه ابراهيم المتقي ... ٣٢٩ ... ٩٤١
الطبقة الثالثة
الخليفة ... الولاية ... هـ ... م
عبد الله المستكفي بن المكتفي ... ٣٣٣٣ ... ٩٤٥
الفضل المطيع ابن المقتدر ... ٣٣٤ ... ٩٤٦
ابنه عبد الكريم الطائع ... ٣٦٣ ... ٩٧٤
الحسن القادر بن اسحق ابن القتدر ... ٣٨١ ... ٩٩١
ابنه عبد الله القائم ... ٤٢٢ ... ١٠٣١
عبد الله المقتدي بن محمد ابن القائم ... ٤٦٧ ... ١٠٧٤
ابنه احمد المستظهر ... ٤٨٧ ... ١٠٩٤
ابنه الفضل المسترشد ... ٥١١ ... ١١١٨
ابنه منصور الراشد ... ٥٢٩ ... ١١٣٤
الحسين المقتفى ابن المستظهر ... ٥٣٠ ... ١١٣٥
الطبقة الرابعة
الخليفة ... الولاية ... هـ ... م
يوسف المستنجد ابن القتفي .... ٥٥٥ ... ١١٦٠
ابنه الحسن المستضيء ... ٥٦٦ ... ١١٧٠
ابنه احمد الناصر ... ٥٧٥ ... ١١٧٩
محمد الظاهر بن الناصر ... ٦٢٢ ... ١٢٢٥
ابنه منصور المستنصر ... ٦٢٣ ... ١٢٢٦
ابنه عبد الله المستعصم ... ٦٤٠ ... ١٢٤٣
سقوط بغداد ... ٦٥٦ ... ١٢٥٨
стр. 639
١٢ - العواصم الصنهاجية بالجزائر
عواصم صنهاجة بالجزائر ثلاث هن: أشير والقلعة وبجاية. أشير بفتح فكسر.
كانت بين صنهاجة وزناتة حروب بسبب الجوار في الموطن. فلما قوي أمر زيري بن مناد في قومه ارتاد مكانا حربيا اقتصاديا يجمع بين المناعة والاشراف على مواطن زناتة وكثرة المياه وسعة الفضاء.
فوقع اختياره على موضع اشير. فشرع في انشاء مدينته سنة ٣٢٤ (٩٣٦) وجلب البنائين من المسيلة وطبنة وغيرهما.
وهي في سفح جبل تيطري بالجنوب الشرقي من البرواقية وغربي جبل شعبة وشمال قصر البخاري قرب ثلاثاء الدوائر، وكانت الطرق تخرج منها الى سوق حمزة غربا على طريق شعبة والى متيجة شمالا على طريق لمدية والى تيهرت غربا والى مليانة على شلف شمالا غربيا والى المسيلة جنوبا شرقيا. ويوجد بين برج بوعريريج والمنصورة جبل يدعى ايضا اشير. وبه آثار مدينة عظيمة. وهنالك محطة للقطار تدعى بهذا الاسم. وقد غلط ابو راس. فظن اشير زيري هنالك اذ قال: "وهي الآن خراب غربي ارض بني مقران" اهـ. وارض بني مقران هي سهل مجانة في الشمال الغربي من برج بوعريريج.
ولما أخذ زيري بدعوة بني عبيد اذن له المنصور بن القائم في اتخاذ القصور والمنازل والحمامات باشير. وطبع بها نقودهم ذهبا وفضة. وعني بها ابناؤه من بعده. فابتنوا خارجها فحوصا. واستبحر عمرانها واتسعت خطتها. فرحل اليها من البلاد القاصية التجار والعلماء.
قال ياقوت: "ومن اشير هذه الشيخ الفاضل ابو محمد عبد الله بن محمد الاشيري امام أهل الحديث والفقه والادب بحلب خاصة
стр. 640
وبالشام عامة. استدعاه الوزير عون الدين ابو المظفر يحي بن محمد ابن هبيرة وزير المقتفي والمستنجد. وطلبه من الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي. فسيره اليه. وقرأ كتاب ابن هبيرة الايضاح في شرح معاني الصحاح بحضوره. ثم سار من بغداد الى مكة ثم عاد الى الشام فمات في بقاع بعلبك سنة ٥٦١" اهـ.
ولما أسست القلعة أخذت عمارة اشير تراجع. وخربها يوسف ابن حماد ايام ثورته على ابن أخيه محسن. ثم عمرت حتى جاء الهلاليون. ونزل بنو حصين بسائطها. واعتزوا على الدول وصاروا موئلا لكل ثائر. فنازلتهم جيوش عبد الواد مرارا. ويظهر أن خرابها كان أثناء تلك الفتن. ولم يبق اليوم منها الا رسوم وآثار أسوار.
قال البكري: "واشير جليلة حصينة. يذكر انه ليس في تلك الاقطار أحصن منها ولا أبعد متناولا ومراما. ولا يوصل الى شيء منها بقتال الا من موضع يحميه عشرة رجال. وهو في شرقيها الذي ينفذ الى عين مسعود. وسائر نواحيها تزل عنها العيون فكيف الاقدام. وهي مع ذلك بين جبال شامخة محيطة بها. وداخل مدينتها عينان ثرتان لا يبلغ لهما غور ولا يدرك قعر احداهما تعرف بعين سليمان والاخرى بعين تلا نتيرغ. والذي بنى سورها بلقين بن زيري سنة ٣٦٧ وخربها يوسف بن حماد واستباح أموالها وفضح حرمها وذلك بعد اربعين واربعماية ثم تراجع الناس اليها بعد خمس وخمسين " اهـ.
القلعة:
كان حماد بن بلقين بن زيري متوليا حروب زناتة لابن أخيه باديس. وكانت زناتة صعبة المراس وحول باديس منافسون لحماد.
فخشي أن يتغير عنه يوما ما باديس او تحيط به زناتة. فارتاد مكانا
стр. 641
يفوق اشير حربيا واقتصاديا يكون له موئلا من زناتة أو باديس.
فوقع اختياره على جبل كيانة. فشرع في انشاء القلعة به سنة ٣٩٨ (١٠٠٧ م) وتم تمصيرها سنة ٤٠٠.
وجبل كيانة كان لعجيسة وهو جنوب برج بوعريريج تتصل به سهول وباعلاه حصن تاقربوست يطل منه على بحيرة الحضنة. ومكان القلعة كان يدعى قلعة ابي طويل. تقرب منه مدينة الغدير على نحو خمسة عشر ميلا في الجهة الشرقية. وكانت الطرق تخرج منها الى سائر الجهات.
وفي سنة ٤٠٥ احاط حماد بجبل كيانة سورا من الحجارة يقرب ارتفاعه من ذراعين ويمتد حوله على استدارة سبعة أميال. ونقل حماد الى القلعة قبيلة جراوة من أسافل وادي ملوية وأهل المسيلة وحمزة. وشيد بها القصور والفنادق واستكثر من المساجد. فاستبحر عمرانها ورحل اليها أهل البلاد النائية من التجار وارباب الصنائع وأهل العلم. وعني بها ابناء حماد من بعده. فابتنوا حولها القصور وغرسوا الجنات واكثروا من المنتزهات. وجلبوا اليها الماء واجروه بها سواقي وجداول وفرقوا المياه بالحارات والدور والمساجد في القنوات علاوة على ما بها من المآجل والصهاريج. وكان لها ابواب منها باب الجنان يخرج منه على جسر الى المسيلة، وباب جراوة به جسر على وادي الفرج، وباب الاقواس يفضي الى حارة جراوة.
قال البكري: "وقلعة ابي طويل قلعة كبيرة ذات منعة وحصانة، وتمصرت عند خراب القيروان انتقل اليها أكثر أهل افريقية، وهي اليوم مقصد التجار وبها تحل الرحال من العراق والحجاز ومصر والشام وسائر بلاد المغرب. وهي اليوم مستقر مملكة صنهاجة. وبها كان احتصن ابو يزيد مخلد بن كيداد " اهـ.
стр. 642
وقال الادريسي: "هي من أكبر البلاد قطرا وأكثرها خلقا واغزرها خيرا وأوسعها اموالا واحسنها قصورا ومساكن واعمها فواكه وخصبا " اهـ.
ولما جاء الهلاليون استولوا على بسائطها ايام الناصر. فأسس فرارا منهم مدينة بجايه. ونقل هو وابناوه كثيرا من موادها الى بجاية. فأخذت في الضعف وحرق الموحدون مساكنها ثم استولى على الجبل عياض. فخربت قلعة حماد كما خربت اشير جده زيري ولكن بلقين كان اسعد حظا من ابيه وابنه فلم تزل مدنه الثلاث عامرة وهي الجزائر ولمدية ومليانة. بجاية: بكسر الباء وتخفيف الجيم.
بعد واقعة سبيبة سنة ٤٥٧ استولى العرب على ما حول القلعة ووضعوا ايديهم على طرقها، فرأى الناصر عاصمته مهددة بخطرهم، ففكر في انشاء عاصمة بعيدة عنهم، وندم على منازعته لابن عمه تميم ابن المعز، فانفذ اليه رسولا يرغبه في الصلح، فوافق ذلك هوى تميم، وارسل من طرفه محمد بن البعبع لاحكام الصلح.
مر ابن البعبع كب طريقه بأبيات قليلة لقوم من صنهاحة يدعون بجاية. ولما بلغ الناصر اختلى به وطعن له في وزيره ابي بكر بن ابي الفتوح وفي ابن عمه تميم ورآه يفكر في أي مكان يؤسس عاصمته الجديدة فدله على مكان بجاية وزينها له بان منها يكون امتلاكه للمهدية ووعده الانتقال اليه والقيام بدولته. ثم عاد الى مرسله تميم فنم عليه ابن ابي الفتوح لتميم بما دار بينه وبين الناصر. فقتله وألحق به عاقبة الغدر.
شرع الناصر سنة ٤٦٠ (١٠٦٧ م) في تأسيس بجاية على مقربة من مينى صلداي الفنيقية. ونقل الناس اليها واسقط الخراج عن
стр. 643
ساكنيها. وانتقل هو اليها سنة ٦١ وسماها الناصرية. ولكن غلب عليها اسم بجاية. وانما اختار مكانها لكونه في سفح جبل. بحفظها من غارات الهلاليين وامامها خليج مامون يسع اسطولا ضخا يهيمن به على البحر، وسوادها خصب.
قال صاحب الاستبصار: "ليس لبجاية طريق سهلة الا من ناحية الغرب وباقي طرقها شرقا وجنوبا على اوعار فلم يكن للعرب اليها سبيل. وكان لا يدخلها منهم الا من يبعث اليه الملك الحمادي لمصانعه على بلاد القلعة وغيرها. فيدخلونها افذاذا وفرسانا دون عسكر".
"ولها داران لصناعة المراكب. ومنها تغزى بلاد الروم.
ومرساها عظيمة ترسى بها سفن الروم من الشام وغيرها وسفن المسلمين من الاسكندرية طريق مصر واليمن والهند والصين وغيرها " اهـ.
قال الادريسي: "ومدينة بجاية كا فت مدينة المغرب الاوسط وعين بلاد بني حماد. والسفن اليها مقلعة. وبها القوافل منحطة.
والامتعة اليها برا وبحرا مجلوبة. والبضائع بها نافقة. وأهلها مياسير تجار، وبها من الصناعات والصناع ما ليس بكثير من البلاد وأهلها يجانسون تجار المغرب الاقصى وتجار الصحراء والمشرق وبها تحل الشدود وتباع البضائع بالاموال المقنطرة. ولها بواد ومزارع.
والشعير والحنطة بها كثير. والتين وسائر الفواكه بها ما يكفي لكثير من البلاد.
وبها دار صناعة لانشاء الاساطيل للقتال ولانشاء السفن الحمالة والمراكب النقالة لان الخشب في أوديتها كئثير. ويجلب اليها من أقاليمها الزفت البالغ الجودة والقطران. وبها معادن الحديد الطيب موجودة ممكنة. وبها من الصناعات كل غريبة ولطيفة. وعلى بعد ميل منها نهر ياتيها من جهة المغرب من نحو جبال جرجرة وهو نهر عظيم" اهـ.
стр. 644
ولم تزل بجاية في اتساع عمارة ورقي حضارة ايام الحماديين ثم الموحدين ثم الحفصيين حتى أخذها الاسبان سنة ٩١٥، ثم أخرجهم منها الاتراك. فضعفت لتوالي الحوادث عليها. ولولا أهميتها البحرية لكان سبيلها سبيل القلعة.
وكانت بجايه أيام عظمتها عاصمة علمية تدرس بها العلوم العقلية والنقلية على اختلاف فنونها. وقد جمع الغبريني في تراجم أهل القرن السابع فقط كتابه عنوان الدراية. وبها تعلم ليونار فبونتشي الايطالي الرياضي المهندس الشهير. تعلم بها الحساب والجبر والهندسة وفي لروس "انه ولد بمدينة بيزا حوالي سنة ٥٧١ (١١٧٥ م) وقام باعمال رياضية جليلة. وهو اول من طبق عمليات الجبر على الهندسة" اهـ.
стр. 645
٣٣
الفن الديني
الاسلامي
٣٤
الفن الديني
الاسلامي
стр. 646
الباب الثالث
في دولة المرابطين
стр. 647
١ - تمهيد
انتقل بنو عبيد من المهدية الى القاهرة ولم يستطيعوا توحيد المغرب تحت ادارتهم، فكانت فتن بين صنهاجة العبيدية وزناتة الاموية لم تنتج اكثر من تاخر زناتة الى المغرب الاقصى وتأسيسهم فيه دويلات مغراوية ويفرنية عاشت قرنا واقواها دولة بني زيري بن عطية بفاس، قال ابن ابي زرع:
"وفي أيامهم عظم شأن فاس وحصنت ابوابها وزيد في جامعي القرويين والاندلس زيادة كبيرة واتسع الناس في البناء وكثرت الخيرات واتسع الامن والرخاء الى أن ظهر المرابطون وقد ضعفت أحوال مغراوة ونقص ملكهم وجاروا على رعيتهم، فاخذوا أموالهم وسفكوا دماءهم وتعرضوا لحرمهم، فانقطعت عنهم الموارد وكثر الخوف في البلاد وغلت الاسعار، وعدمت الاقوات في فاس واعمالها ايام الفتوح بن ذو ناس ومن بعده حتى بيعت اوقية الدقيق بدرهم " اهـ. باختصار.
ولم تكن حال الاندلس أحسن من حال المغرب الزناتي. فان البربر الذين استوطنوها ايام بني امية أصبحوا يعملون للفوضى ورؤساء العرب اقتسموا ولايتها وتخاذلوا امام اعدائم المسيحيين.
فقويت شوكة الاسبان وشجعوا لابتلاع الاندلس.
أثناء هذه الظروف الحرجة ظهرت بالصحراء دولة المرابطين وانتشرت انباء عدلها ورففقا بالرعية. فكاتبهم علماء المغرب يستحثونهم لانقاذه من عسف زناتة. ثم راسلهم عقلاء الاندلس لصد غارات
стр. 648
الاسبان عنهم. فخرجوا من صحرائهم تلبية لصوت الواجب.
واستولوا على سجلماسة سنة ٤٤٧ وعلى اغمات وتادلا سنة ٤٩ وعلى فاس سنة ٦٢ ثم أجازوا الى الاندلس وكفوا عادية الاسبان عنها وجمعوا شملها بالقضاء على ملوك الطوائف.
أصبحت مملكة المرابطين تشمل الصحراء الى حدود السودان والمغرب الزناتي والاندلس من شرقها الى غربها. وكانت مدريد ولشبونة عاصمتا الاسبان والبرتغال اليوم من مدنهم البسيطة.
وفي سنة ٤٥٤ أسس المرابطون عاصمة دولتهم مدينة مراكش على مقربة من وطنهم الصحراوي وفي سفح جبال درن وطن منافسيهم المصامدة. واتسعت خطتها باتساع المملكة وعظم عمرانها، فلم تزل عاصمتهم حتى انقضى أمرهم.
٢ - المرابطون
كان من صنهاجة اللثامية ملوك كبار بالصحراء. منهم الامير يحي بن ابراهيم القدالي: ذهب حاجا سنة ٤٢٧ ولما عاد من نسكه اجتمع في القيروان بابي عمران الفاسي المالكي. وعرفه بجهل قومه ورغب منه ان يوجه معه بعض تلاميذه لبث حقائق الدين بوطنه.
فكتب له ابو عمران رسالة الى تلميذه وقاق بن زلو اللمطي السوسي ليرسل بعض تلاميذه مع الامير يحي. وكان الشيخ وقاق بمدينة نفيس من أرض المصامدة يدرس العلم في رابطة له.
بلغ الامير يحي نفيس سنة ٤٣٠ وسلم الرسالة للشيخ وقاق.
فعرضها على تلاميذه فانتدب منهم لصحبة الامير يحي عبد الله بن يس الجزولي. وكان من حذاق الطلبة دينا فاضلا تقيا ورعا فقيها أديبا مشاركا ذا نباهة وسياسة.
стр. 649
رجع الامير يحي الى قومه بعبد الله بن يس. فأخذ يعلمهم الدين ويأمرهم بالمعروف ويناهم عن المنكر. فثقل عليهم أمره. فهجروه. واعرضوا عن ارشاده. فعزم عبد الله على الذهاب الى السودان. ولكن الامير يحي نبذ امارته وتمسك به واشار عليه بالانعزال في ربوة يحيط بها وادي النيل. فقبل اشارته وذهب هو والامير يحي وسبعة من قدالة الى تلك الربوة. فبنوا بها رابطة للعبادة واخذ الناس يلتحقون بهم حتى اجتمع بها من اشراف صنهاجة نحو ألف رجل ففقههم عبد الله في دينهم. وسماهم المرابطين للزومهم رابطته. ثم أمرهم بالذهاب إلى قومهم لانذارهم ففعلوا. ولكن لم يجدوا أذنا صاغية وقلبا رقيقا.
وفي صفر سنة ٤٣٤ رفع المرابطون سلاحهم على كل مسلم لم يمتثل أوامر دينه. فحاربوا قدالة ثم لمتونة ثم مسوفة. فاستقاموا على نهج الكتاب والسنة. وتوفي الامير يحي بن ابراهيم القدالي.
فخلفه الامير يحي بن عمر بن ابراهيم اللمتوني ثم أخوه أبو بكر ثم ابن عمهما امير المسلمين يوسف بن تاشفين بن ابراهيم. وهكذا تأسست دولة المرابطين.
وتوفي عبد الله بن يس شهيدا في قتال برغواطة يوم الاحد الرابع والعشرين لجمادى الاولى سنة ٥٤١ ودفن هناك. وبني عليه مسجد. وكان متحريا لاكل الحلال. وله فتاوي شاذة ونوادر تدل على شدته في الحق وحسن اعتقاد المرابطين فيه وقوة انقيادهم له.
واوصاهم عند احتضاره بالاتحاد والتعاون على الحق ونبذ الخلاف والتحاسد على الرئاسة.
٣ - المرابطون بتلمسان
في سنة ٤٧٢ بعث يوسف بن تاشفين قائده مزدلي لغزو تلمسان،
стр. 650
في عشرين الفا من المرابطين. فعاث في نواحيها. ثم عاد الى أميره يوسف بمراكش.
وفي سنة ٧٤ نهض يوسف نفسه اليها. وعسكر اليها. وأسس بمعسكره مدينة سماها تاقرارت. ومعناها المحلة. وقد اصبحت من بعد مع تلمسان مدينة واحدة واتخذها المرابطون عاصمة مملكتهم بالوطن الجزائري. وانزلوا الجند بتاقرارت.
فتح يوسف في نهضته هذه تلمسان من ايدي بني يعلي الخزريين ثم وهران وتنس ووانشريس واعمال شلف. وبلغ مدينة الجزائر.
ثم قفل الى مراكش. فدخلها في ربيع الاخير سنة ٧٥.
ولي أمارة تلمسان محمد بن تينعمر المسوفي. واجلب على مملكة بني حماد الغربية. ومات محاصرا للجزائر. فخلفه أخوه تاشفين وحارب الحماديين. ثم صالحهم يوسف بن تاشفين. وعزل تاشفين بن تينعمر بالقائد مزدلي اللمتوني. فلم يزل بها الى أن نقله أمير المسلمين علي بن يوسف الى قرطبة، وبها توفي سنة ٥٠٨.
عادت امارة تلمسان بعد مزدلي الى مسوفة، وكان منهم بها لاول ظهور الموحدين يحي بن اسحق الملقب انكمار، ووقعت فتنة بين مسوفة ولمتونة، فلحق انكمار وكثير من رجال مسوفة بعبد المؤمن بن علي قبل دخوله المغرب الاوسط، فعادت ولاية تلمسان الى لمتونة ووليها منهم محمد بن يحي ابن فانو.
ولما فتح عبد المؤمن حصون ملوية بعث سريتين احداهما ذهبت مع الساحل الى وهران بقيادة ابن زقو، فقتل القائد، ولم تفتح وهران، والثانية قصدت مديونة وخرج اليها ابن فانو في جنود لمتونة وزناتة، فانخذلت زناتة، وانهزمت لمتونة وقتل ابن فانو، فولي بعده ابو بكر بن مزدلي وعليه انقرضت دولة المرابطين من الجزائر.
стр. 651
٤ - حكومة المرابطين
الدولة المرابطية مستقلة استقلالا تاما. ولكن حكومتها وهي أقوى نفوذا من خلفاء بني العباس كانت تعترف بسيادتهم. فتذكر اسماءهم في سكتها وخطبها. واستفادت من ذلك قوة أدبية لان الناس يومئذ لا يسلمون دعوى الخلافة لغير العرب.
والحكومة المرابطية مقيدة بالكتاب والسنة لا يمضي أمراؤها وعمالها أمرا الا باستشارة شيوخ الدين وموافقتهم، ومنذ استولى يوسف بن تاشفين على الاندلس تلقب بأمير المسلمين، وجرى على ذلك خلفه، ولم يتلقبوا بأمير المؤمنين لانه شعار الخلافة التي سلموها لبني العباس، وللامير وزراء في حضرته وعمال على الجهات وقضاة بعاصمته وغيرها.
والقضاء مستقل عن الادارة كل الاستقلال، وكان على مذهب مالك لان المرابطين ما عرفوا الدين الا على يد عبد الله بن يس المالكي ثم ملكوا الاندلس أهم ممالكهم وأهلها أيضا مالكيون ولم تكن المالكية يومئذ عبارة عن جمود محض ووقوف عند أقوال الكاتبين في المذهب. بل هي اتباع لمالك عن بينة وبصيرة وخبرة بكتاب الله وسنة رسوله واقضية السلف.
وكانت عناية الحكومة بحفظ الاندلس من هجمات المسيحيين.
ولم تشغل نفسها بمحاربة جيرانها من الدول الاسلامية بل سالمتهم واحسنت جوارهم. فاتخذت للجهاد وحماية البلاد جيشا من لمتونة ومسوفة وغيرهم من الملثمين. وقد وصفهم البكري وهم في صحرائهم بقوله:
" ولهم في القتال شدة وجلد ليسا لغيرهم. يختارون الموت على الانهزام ولا يحفظ لهم فرار من زحف. يقاتلون على الخيل والنجب.
стр. 652
وأكثر قتالهم رجالة صفوفا، بايدي الصف الاول القنا الطوال للمداعسة والطعان. وما يليه من الصفوف بايدهم المزاريق. يحمل الواحد منهم عدة. يزرقها فلا يكاد يخطيء ولا يشوي. ولهم رجل قدموه أمام الصف بيده الراية. فهم يقفون ما وقفت منتصبة. وان أمالها الى الارض جلسوا جميعا فكانوا أثبت من الهضاب " اهـ.
وفي سنة ٦٤ عزز يوسف جيشه باشتراء جملة من العبيد السودان. بلغوا نحو الفين فاركبهم فرسانا وبعث الى الاندلس في شراء العلوج فانتهى عنده منهم خمسون ومائتا فارس، ثم استعمل ابنه علي جيشا من الروم وأركبهم وقدمهم على جباية المغارم. قال صاحب الحلل الموشية: "وعلي بن يوسف اول من استعمل الروم بالمغرب " اهـ.
وكانت مالية الدولة تجمع من الجبايات الشرعية زكاة وجزية واخماس غنائم قال ابن ابي زرع: "ولم يجر في عمل المرابطين طول أيامهم رسم مكس ولا معونة ولا خراج لا في بادية ولا في حاضرة " اهـ. وقال ايضا: "جبى يوسف بن تاشفين من المال على وجهه ما لم يجبه أحد قبله. فيقال انهم وجدوا في بيت المال بعد وفاته ثلاثة عشر ألف ربع من الورق وخمسة آلاف واربعين ربعا من دنانير الذهب المطبوعة " اهـ.
وهذا شاهد بثروة الامة واقتصاد الامراء، وقد اتفقت كلمة المؤرخين على وصف حكومة المرابطين بالعدل وإقامة الأمن، قال ابن ابي زرع:
"وكانت أيامهم ايام دعة ورفاهية ورخاء متصل وعافية وأمن، بيع القمح ايامهم اربعة اوسق بنصف مثقال، والثمار ثمانية اوسق بنصف مثقال، والقطاني لا تباع ولا تشترى، كان ذلك مصطحبا
стр. 653
بطول أيامهم، وكثرت الخيرات، وعمرت البلاد، ووقعت الغبطة بهم، ولم يكن قطاع ولا من يقوم عليهم الى ان خرج عليهم مهدي الموحدين سنة ٥١٥" اهـ.
وكان أمراء المرابطين يطبعون السكة باسمهم، وبعد واقعة الزدلاقة جدد يوسف بن تاشفين السكة، قال ابن ابي زرع:
" ونقش في ديناره لا اله الا الله محمد رسول الله، وتحت ذلك امير المسلمين يوسف بن تاشفين، وكتب في الدائرة ومن يتبع غير الاسلام دينا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين، وكتب في الصفحة الاخرى الامير عبد الله العباسي، وفي الدائرة تاريخ ضربه وموضع سكته " اهـ.
٥ - امراء المرابطين
تغلب أبو بكر بن عمر اللمتوني بجيوش المرابطين على اغمات، وقتل أميرها لقوط المغراوي. وتزوج زوجه زينب بنت اسحق الهوارية، أصلها من القيروان وكان أبوها تاجرا. وكانت هي امرأة حازمة لبيبة ذات رأي وعقل وجزالة ومعرفة بالامور حتى كانت تلقب الساحرة.
وفي ذي القعدة سنة ٤٥٣ عاد ابو بكر الى وطنه لاصلاح حال قومه. ففارق زينب شفقة عليها من حر الصحراء وأوصاها أن تتزوج ابن عمه يوسف بن تاشفين خليفته على المغرب. فتزوجها يوسف.
واعانته بسياستها على فتح أكثر البلاد. وتوفيت سنة ٤٦٤ ثم سلم أبو بكر الامر ليوسف فاستقل بامارة المرابطين سنة ٦٥.
وفي سنة ٦٧ رأى المعتمد بن عباد صاحب اشبيلية وأعظم ملوك
стр. 654
الطوائف استدعاء يوسف الى الاندلس برسم الجهاد. فلامه بقية ملوك الاندلس وحذروه عاقبة مجيئه. ولكنه كان يتحقق عجزهم عن مدافعة الافرنج والجلالقة (الصبنيول) فأجابهم بكلمته الخالدة:
" رعي الجمال خير من رعي الخنازير". وقبله قال صفوان بن امية يوم حنين: "لان يربني رجل من قريش خير من ان يربني رجل من هوازن". وما زال ابن عباد بابن تاشفين حتى لبى دعوته سنة ٧٩ وكانت وقعة الزلاقة المشهورة. ثم كانت بعدها نكبته لابن عباد وسجنه باغمات حتى مات.
وكان يوسف جاهلا بالعربية لا يكلم الا بترجمان، سخيا شجاعا سياسيا حازما عادلا زاهدا لباسه الصوف وأكله الشعير ولحوم الابل وألبانها وكان أسمر نحيفا معتدل القامة اكحل العينين أقنى الانف مقرون الحاجبين جعد الشعر له وفرة الى شحمة أذنيه وعاش ماية سنة. ولد بالصحراء سنة ٤٠٠ وتوفي بمراكش غرة محرم سنة ٥٠٠.
وخلفه ابنه علي. وله أخوة بعضهم أكبر منه. فسلموا له الامر لان أباهم عهد به اليه سنة ٩٦ وسار بسيرة أبيه في جميع أموره.
وكان بالزهاد والعباد أشبه منه بالامراء. ومن هنات أبيه حبسه لابن عباد وقسوته عليه، ومن هناته هو حرقه لكتاب الاحياء للغزالي لما أفتى له العلماء بذلك. وقد كان عليه أن يكلفهم بنقضه والرد عليه.
وأم علي رومية. فكان ابيض مشربا بحمرة تام القد اسيل الوجه أفلج اقني اكحل العينين سبط الشعر. ولد بسبتة سنة ٤٧٧ وتوفي سنة ٥٣٧.
وخلفه ابنه تاشفين. وكان واليا بالاندلس. وله في الجهاد هنالك مقامات محمودة. ثم ظهر الموحدون فاستدعاه ابوه سنة ٣٢ ثم عهد اليه بالامر بعده. وقضى جميع مدته في محاربة الموحدين حتى
стр. 655
انتهى الى وهران. فتردى في ليلة مظلمة. وألفي صباحا بجانب البحر ميتا. فاحتز رأسه وحمل الى تينملل. فعلق على شجرة وكان ترديه ليلة السابع والعشرين من رمضان سنة ٣٩.
وكان تاشفين قد عهد الى ابنه ابراهيم. فلما بلع نعيه مراكش وبويع ابراهيم نازعه عمه اسحق بن علي. وكانا صغيرين غير شاعرين بحراجة الحال. فاستمر الخلاف بينهما الى أن دخل الموحدون مراكش في شوال سنة ٥٤١ فقتلوهما وغيرهما من المرابطين وكان الحادث جللا.
٦ - سقوط دولة المرابطين
ظهر أيام علي بن يوسف بجبال المصامدة محمد بن تومرت.
وأعلن حربه على المرابطين. ثم توفي. فخلعه عبد المؤمن بن علي.
واستولى على جهات من المغرب الاقصى قوي بها جمعه.
وفي سنة ٥٣٤ خرج عبد المؤمن من تينملل عازما على استئصال دولة المرابطين وسلك طريق الجبال المانعة حيث الارزاق الواسعة.
لا يخشى فيها مكروها ولا يعدم حطبا ولا ماء. وخرج تاشفين بن علي من مراكش محاذيا له في البسائط معرضا لكل خطر من هجوم وبرد ووحل وغير ذلك. يسير بسير عبد المؤمن ويقف بوقوفه ويدافع هجومه. فسئم الناس من خطته وأخذوا يتسللون لعبد المؤمن حيث لا يعدمون مرافق الحياة، وتنازعت مسوفة مع لمتونة. فانضم كثير من قوادها وعظمائها الى عبد المؤمن.
تقدم عبد المؤمن نحو المشرق بعد وفاة علي بن يوسيف وبث السرايا في عمل تلمسان. فخضعت له مديونة، ونزع اليه بنو ومانو،
стр. 656
فوفد منهم عليه وهو بالريف زيري بن ماخوخ، وقلة بنو مكود في عودة، ثم وفد عليه أبو بكر بن ماخوخ ويوسف بن يدر من امرائهم، فسرح معهم عسكرا مع يوسف ابن وانو دين وابن يغمور فاثخنوا في بلاد بني يلومي وبني عبد الواد، فاستصرخوا تاشفين بن علي، فأمدهم بالعساكر معها الربرتير قائد الروم، ونزلوا منداس، واجتمع اليهم بنو ورسيفان وبنو توجين وبنو ينكاسن من مرين، فكانت لهم الكرة، واستنقذوا أموالهم، وقتلوا أبا بكر بن ماخوخ في ستمائة من قومه، وتحصن الموحدون وفل ومانو بجبل سيرات، ولحق تاشفين بن ماخوخ بعبد المؤمن صريخا فارتحل معه الى تلمسان، ثم سيرات، واوقع بجنود لمتونة وزناتة.
سبق تاشفين بن علي عبد المؤمن الى تلمسان، فضبطها وعسكر بسطفسيف وهو نهر يمر بتلمسان به غلات أهلها، ونزل عبد المؤمن بمديونة، وأغارت سراياه على بني يستيتن وبني سنوس وبني وردروسن وبني ستلتن، وبعث تاشفين بن علي قائده الربرتين لاعتراض غنائم السرايا. فقتل ولم ينج من عسكره الا ثلاثة من الروم وثلاثة من بني وانار وذلك عام ٣٩ ثم نزل عبد المؤمن بين الصخرتين وهو جبل مطل على تلمسان من قبليها. فبنى به لجنوده حصنا. وأقام يقاتل تاشفين من هناك مدة شهرين.
بعث تاشفين الى الجهات مستمدا فوافته العساكر من الجهات منها عسكر بجاية. فاوقع بهم الموحدون وفرقوهم شذر مذر. واعترض تاشفين بن ماخوخ فل بجاية في قفولهم فنال منهم أعظم النيل. ولم يبق لتاشفين بن علي أمل في الانتصار فغادر تلمسان في شعبان إلى وهران.
وارسل الى قائد اسطوله بالاندلس محمد بن ميمون. فأتاه بعشرة أساطيل. وارسى قريبا من معسكره.
стр. 657
ترك عبد المؤمن جيشا لحصار تلمسان. وخرج اثر تاشفين وامامه ابو حفص عمر بن يحيى في ثمانين ساقة من الموحدين وبني ومانو.
وقصد بلاد بني يلومي وغيرهم. فكانت بينهم معركة منداس.
انتهت بخضوع زناتة. فلحق ابو حفص بوهران ونزل ازاء معسكر المرابطين.
ووصف صاحب الحلل الموشية معركة منداس هذه بما ملخصه:
"قال ابن اليسع حدثني غير واحد من الموحدين قالوا لما نزلنا من جبل تلمسان نريد بلاد زناتة اتبعنا المرابطون. فنزلنا بسيطا.
وأدرنا به أربعة صفوف من الرجال بيد الصف الاول القنا الطوال.
وبيد الثاني وهو خلف الاول الحراب والدروق. وبيد الثالث مخالي الحجارة. والصف الرابع من الرماة. والخيل وسط الدائرة. قد ترك لها فرج بالصفوف للكر والفر. فإذا هجمت خيل المرابطين رماها الصفوف بسلاحهم. واذا أدبرت خرج أثرها خيل الموحدين فتصيب منهم فاذا كر عليها المرابطون رجعت الى دائرتها. وعرف هذا اليوم بيوم منداس. فقد فيه من جيوش المرابطين ما لا يحصى. وظهر فيه أمر عبد المؤمن وكثر جمعه " اهـ.
ولما انتقلت الحرب الى وهران فشل كثير من قواد المرابطين فتفرقوا. ورأى تاشفين بن علي أنه أحيط به. وكان قد بنى حصنا على شاطئ البحر. فترك بوهران خيامه وجنوده. وصار الى الحصن ليقترب من أسطوله فينجو فيه الى الاندلس عسى أن يحفظ هناك دولته من السقوط كما فعل قبله بنو أمية. ولكن الموحدين لم يمهلوه. فحالوا بينه وبين أساطيله واحدقوا بالحصن وأضرموا حوله النيران كي لا يخفى عليهم شأنه. وفي ليلة السابع والعشرين من رمضان- وكانت ممطرة مظلمة- خرج كي يضرب في جيش الموحدين
стр. 658
ويوجد الفرصة لخرق الحصار واللحاق باسطوله. فتردى به فرسه وهلك. ففر كثير من المرابطين الى تلمسان وغيرها. واستعد بعضهم للحصار بوهران، فجهدهم العطش. ونزلوا يوم عيد الفطر على حكم عبد المؤمن، فحكم بقتلهم، لم ينج منهم الا واحد.
وبعد فتح وهران توجه عبد المؤمن نحو تلمسان، فدخل اقادير، وعفا عن أهلها ودخل تاقرارت حيث المرابطون عنوة، فقتل رجالها وغنم أموالها. وذكر ابن اليسع ان عدد القتلى بها بلغ مائة الف أو أزيد، وبعد سبعة أشهر من فتح تلمسان عاد عبد المؤمن الى المغرب الاقصى. فقطع منه دعوة المرابطين بفتحه مراكش سنة ٤١.
وهكذا انتصر عبد المؤمن بما مهد له ابن تومرت قبل من نشر رسائل الطعن في المرابطين حتى سقطت هيبتهم ثم باحكامه خطته الحربية حيث سار بالجبال الكفيلة بحاجيات الجيش الممتنعة على العدو.
وملك بذلك زمام الحرب. فصار يقاتل متى أراد القتال ويستريح متى شاء. وطاول المرابطين في هذه الحرب سبع سنوات حتى سئم جيشهم وقلق الناس مما يكون عادة لازما للحرب من اشتداد الازمات وارتفاع الاسعار.
وقد كانت دولة المرابطين يومئذ في منتهى عظمتها وريعان شبابها. فما كانت لتسقط بهذه السرعة لولا قوة العلة التي نزلت بها وكان عنصرا علتها ابن تومرت وعبد المؤمن. وما من حركة يكون عنصراها مثل هذين الرجلين الا كان الفوز حليفها. ولكي تطمئن النفس الى سقوط هذه الدولة من غير تدريج نلخص عللها فيما يلي:
١ - دهاء ابن تومرت السياسي البارع في طرق نشر الدعوة واسقاط هيبة الحكومة المرابطية.
٢ - احكام عبد المؤمن لخطته الحربية جغرافيا وسياسيا.
стр. 659
٣ - قدم العداوة بين المصامدة والملثمين.
٤ - طبيعة البربر التي تمثل الكلمة الشائعة: "لكل جديد لذة". فنصر من نصر منهم الموحدين لا لسخط على المرابطين ومن نصر من زناتة المرابطين فانما نصروهم منافسة ومخالفة لمن كانوا مع الموحدين منهم.
٥ - حدوث غلاء مقلق.
٦ - اضطراب البلدان لخلوها من الحامية.
٧ - اضطراب مركز القيادة العامة وتناقض أوامرها تكتب بالامر وتعقبه بضده.
٨ - موت علي بن يوسف على حين شباب الفتنة.
٩ - اسلام مسوفة للمتونة في وقت الحاجة والضرورة.
١٠ - اضطرار أمير المسلمين تاشفين لقيادة ااجيوش بنفسه وتعرضه للتلف.
١١ - تنازع ابراهيم وعمه اسحق على الامر بعد هلاك تاشفين وكلاهما صغير مضعف. ففقد المرابطون باشفين أميرا قويا على جمع الكلمة.
١٢ - تفريط المتنازعين في تحصين عاصمتهم مراكش وشحنها بالاقوات. فبعد قليل من حصار الموحدين لها اضطر أهلها الى أكل الجيف والدواب. وكان معهم جيش من الروم لم يصبروا على هذه الازمة. ففتحوا للموحدين أحد أبواب المدينة. وكأنما فتحوا للمرابطين ودولتهم قبورهم.
وهكذا تفقد الامم استقلالها متى فقدت من بنيها كفؤا لجمع كلمتها ووجد من بينها خونة لا يهمهم مستقبلها ولا ينظرون لأبعد من خيال مصلحتهم الخاصة.
стр. 660
وكان تأسيس دولة المرابطين بالصحراء على يد عبد الله بن يس سنة ٤٣٤ وثبتت قدمها بالمغرب بتأسيس مراكش سنة ٤٥٤ واستقر أمرها بالجزائر منذ تأسيس تاقرارت (تلمسان الجديدة) سنة ٤٧٤.
وانتهت في الجزائر بموت تاشفين سنة ٥٣٩ وبالمغرب بفتح مراكش سنة ٤١ ولم يحفظوا دولتهم بالصحراء لتفرق عشائرهم في الممالك الشمالية بالمغرب والاندلس. وكانت مدتهم بالجزائر خمسا وستين سنة. وكل جديد فالى بلى.
لدوا للموت وابنوا للخراب ... فكلكموا يصير الى ذهاب
نقود المرابطين
١٢ - نقود يوسف بن تاشفين ضرب هذا الدينار بسجلماسة سنة ٤٨٠.
١٣ - نقود علي بن يوسف بن تاشفين ضرب هذا الدينار بتلمسان سنة ٥٣٤.
١٤ - نقود تاشفين بن علي ضرب هذا الدينار بمراكش سنة ٥٣٨.
١٥ - نقود اسحق بن علي ضرب هذا الدينار بقرطبة سنة٥٤١.
стр. 661
(ش ٣٦) منظر عام لجامع سيدي ابو مروان
الرسام بربروغر
стр. 662
(ش ٣٧) مخطط- جامع قلعة بني حماد.
(ش ٣٨) مخطط غرفة الصلاة للجامع الكبير في قسنطينة
стр. 663
(ش ٣٩) فناء جامع سيدي أبو مروان الرسام لوسور ووايلد
стр. 664
(ش ٤٠) فناء جامع سيدي أبو مروان الرسام بربروغر
стр. 665
الباب الرابع
في الدولة الموحدية المومنية
стр. 666
١ - تمهيد
كانت الخلافة الاسلامية بالقرن الخامس لبني العباس ببغداد وبني عبيد بمصر. وكان خلفاء الاسرتين معا مستضعفين وقوادهم وامراؤهم عليهم مستبدين.
وكان مغرب آل زيري تعبث ببواديه العرب وتغير على سواحله سفائن النرمان، ومغرب الملثمين في دعة وهناء لا يخشى عليه أدنى خطر داخلي أو خارجي.
وفي أواخر هذا القرن ولد بهرغة هن جبال درن محمد بن عبد الله تومرت. ونشأ فقيرا طالبا للعلم. فأخذ بعض المبادئ بوطنه وارتحل سنة ٥٠٠ الى الاندلس فدخل قرطبة. ثم ارتحل الى المهدية. وأخذ عن المازري ثم انتقل الى الاسكندرية ثم بغداد، ولازم الغزالي ثلاث سنوات، ولقي غيره من جلة العلماء وفحول النظار فاستفاد علوما جمة، ومهر في الحديث والاصول والجدل، وأخذ بعقائد الاشعري واضاف اليها من عقائد الشيعة الامامية القول بالامام المعصوم.
درس ابن تومرت في رحلته هذه حالة المسلمين السياسية فعرف ضعفها ولا سيما بالمشرق، ورأى ان الخلافة الاسلامية في خطر فحدثته نفسه- وكان بعيد الهمة- بانشاء خلافة بالمغرب تجمع شمل أهله على الاقل. وبهذه النية توجه نحو وطنه.
في غرة ربيع الاول سنة ٥١٠ قفل الى المغرب وعرج في قفوله
стр. 667
على العواصم العلمية والسياسية كمصر وطرابلس والمهدية وتونس وقسنطنة وبجاية وتلمسان وفاس ومراكش، وحيثما حل درس العلم وامر بالمعروف وغير المنكر بيده، فعرض نفسه مرارا للخطر، ولكنه كان يحسن الخلاص، وبهت العلماء من فصاحته ودهش الامراء من جراءته ومال اليه العامة لديانته، فما غادر مدينة إلا وترك بها سمعة واسعة وانصارا عديدين.
نزل بقسنطينة على الفقيه عبد الرحمن الميلي وغيره وببجاية في مسجد الريحانة، وأمه ابراهيم بن محمد الميلي وغيره من الفقهاء، ثم خشي سطوة العزيز بن المنصور، فخرج الى ملالة ضيعة لبني ورياغل على فرسخ من بجاية، فأقام بها مدة، وهنالك جمعه القدر بعبد المؤمن بن علي الكومي، فأعجب بذكائه، واعجب عبد المؤمن بعلمه فصحبه وخرجا فيمن معهما الى متيجة فوانشريس فتلمسان، وبلغوا هرغة سنة ٥١٤.
وصحب ابن تومرت من تونس ابو بكر بن علي الصنهاجي المدعو بالبيدق وكتب في كتابه أخبار المهدي عن طريقه من تونس الى هرغة نحو عشرين صفحة، فصل فيها أخباره وحوادثه.
وكان ابن تومرت يعرف في طريقه بالفقيه السوسي وأخذ يشيع أنه الامام المهدي المنتظر، فصار يعرف بالامام المعصوم. حتى اذا بايعه المصامدة دعي المهدي.
استهوى ابن تومرت المصادمة بمكايده وسحرهم بعذوبة لفظه فقد كان فصيحا في العربية والبربرية حتى صاروا يستغيثون به في شدائدهم ويتبركون بذكره على موائدهم، قال ابن قنفذ في الفارسية ما ملخصه:
стр. 668
" داره بجبل هنتاتة يتبرك الآن بالدخول اليها، ودخلتها انا لهذا الوجه سنة ٧٦٣ وأماكن جلوسه بالجبل معلومة لا يمر بها راكب الا نزل " اهـ.
فصل ابن تومرت علمه وعمله بمقدار غايته السياسية فاختار عقيدة الاشعري وهي خلاف عقائد أهل المغرب يومئذ، ليجد سبيلا الى الطعن في عقائدهم، وأشهر ذكره بانتحاله تغيير المنكر في طريقه.
وانتسب في آل البيت واعتقد عصمة الامام ليمهد لدعواه انه المهدي المنتظر. وتظاهر بالزهد والصلاح كي تقبل العامة مكائده وحيله باسم الكرامات.
درس ابن تومرت بمصموده وألف ونشر الدعاة لبيعته فبويع في رمضان سنة ٥١٥ تحت شجرة خرنوب بعدما خطب في الناس وذكر المهدي وانه يظهر من المغرب الاقصى وان نسبه كنسبه واسمه كاسمه وفعله كفعله وعرف الناس بما يكون عليهم في القيام بدعوته من الارزاء والمحن. فالتزموا ذلك. وسماهم الموحدين وكفر المرابطين ولقبهم المجسمين وحاربهم بسيفه وقلمه م، حتى توفي على ما حققه ابن أبي زرع وغيره فيما رمضان سنة ٢٤ وكانت ولادته سنة ٤٧٤ وقيل ٨٤ وقيل ٨٦ وقيل ٩١ ولم يترك خلفا لانه لم يتزوج وله تآليف لطيفة جمع بعضها وطبع بالجزائر سنة ١٣٢١ هـ وجمع البيدق بعض رسائله طبعت مع كتابه أخبار المهدي. واستيعاب أخبار ابن تومرت ودرسها بصفة فنية يستدعي تآليف مستقلة. فانه قد احدث انقلابا عاما بالمغرب في السياسة والعلم والدين ولم يكن كسائر الانقلابات البربرية الناشئة من أسباب قومية ومنافسات بين القبائل القوية. ولا نتيجة لها غير سقوط دولة وقيام أخرى.
ودولة الموحدين تشبه دولة المرابطين من حيث ابتناؤهما على دعوة
стр. 669
دينية. ولكن الفرق بينهما كالفرق بين مؤسيسهما عبد الله بن ويس وابن تومرت فلم يكن عبد الله بن ويس في علم ابن تومرت ولا دهائه ولكن كان أطهر منه عقيدة وأصفى سريرة. ولم تكن دولة المرابطين في قوة دولة الموحدين ولا حسن ادارتها ولا اتساع معارفها ولكن كانت أعف عن الدماء وارفق بالرعية.
٢ - تأسيس الدولة الموحدية المؤمنية
ابن تومرت هو مؤسس هذه الدولة وكان يؤثر من اتباعه عشرة ويقرب من بينهم عبد المؤمن بن علي الكومي. فلما توفي قدم العشرة من بينهم ابا علي عمر الصنهاجي. وبعد أيام سلمها لعبد المؤمن قائلا أنه الذي أشار به المهدي. فبايعوه سرا. وكتموا موت المهدي عن العامة وموهوا عليهم بانه مريض وصار عبد المؤمن يتقدم اليهم بالاوامر على لسان المهدي حتى ركنوا اليه فأعلنوا بيعته للعامة سنة ٢٦ واختاروه لغربته فيهم فهو أقرب الى العدل.
حكى ابن أبي زرع انه لما مات المهدي تشوق كل واحد من العشرة الى الخلافة، وكانوا من قبائل شتى، فتنافسوا وتحاسدوا ثم تآمروا. وخافوا افتراق الكلمة فاتفقوا على عبد المؤمن لكونه غريبا بينهم مع ما كانوا يرونه من ميل المهدي اليه اهـ.
أخذ عبد المؤمن في فتح المغرب. ففتحه في ثلاث كرات:
الاولى فتح فيها مغرب المرابطين وأقام محاربا لهم سبع سنوات ومسكنه الجبال وطاولهم هذه المدة كلها ليحفط بها قوة رجاله ويضعف الدولة بكثرة النفقات وقلة ما تقبضه من المغارم حتى تختل طاعة الجند وتسأم الرعية، وذلك ما وقع.
стр. 670
الثانية فتح فيها بجاية. ولم يعلن عليها الحرب ولا طاولها بل إستعان عليها بالدسائس ولم يتريث في السير اليها، ولولا ذلك ما نحج في فتحها ذلك النجاح.
الثالثة فتح فيها المهدية استعد لفتحها ثلاث سنوات حفر فيها الآبار على طول الطريق وأمر بحفظ الزرع في سنابله وخرج اليها في صفر سنة ٥٤ في جيوش جرارة واساطيل محاذية له بحرا، وسار سيرا في غاية النظام وكمال العدة. ولم يسرع في سيره فبلغ تونس أواخر جمادى الثانية، فاحتلها وتقدم الى المهدية، فحاصرها حتى فتحها بوم عاشوراء سنة ٥٥٥ وانما سلك في فتحه المهدية غير مسلكيه في فتح بجاية وحرب المرابطين لانه ليس بافريقية يومئذ دولة فاشتد أذى النرمان للمسلمين. ووفد عليه جمع منهم بمراكش يستنصرونه، فوعدهم النصرة ولكن تريث في تنفيذ وعده كي تقوى في الناس الغيرة الدينية بما يتكرر عليهم من معرات العدو ويستيقنوا أن لا ناصر لهم غير عبد المؤمن فلا يعترضون سبيله يوما ما، ولكي يجمع هو قوته فيدهش بها القبائل التى يمر بها عربية وبربرية فلا تحدث نفسها بالثورة عليه. وذلك ما وقع، فقد كان الناس ينضمون الى جيشه حيثما حل ففي كل مرحلة يزداد جمعه، وما فتح المهدية وطرد النرمان حتى أتاه رؤساء المدن طائعين.
وهكذا تم لعبد المؤمن فتح المغرب. ودخلت في طاعته جزيرة الاندلس فكانت مملكته تنتهي شرقا الى التراب المصري شرقي طرابلس حيث سويقه بني مضكود، وغربا الى البحر المحيط، وجنوبا الى الصحراء وشمالا الى البحر الابيض وتجاوزه الى الاندلس فشملها من الجزائر الشرقية الى أشبونة.
وقد استعد عبد المؤمن لاخراج الامر من المصامدة الى قبيلته
следующие страницы →